النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
الشَّوَاهِدُ .. وَالقَلْبُ
كلاهما أوهمَ التعددَ :
الأولُ: إبدالُ ((محمد بن المنكدرِ)) بـ ((محمدٍ بنِ سيرينَ))؛ والصوابُ :
((ابنُ المنكدر)) .
الثاني : إبدالُ «أبي هريرةَ) بـ ((عائشةَ))؛ والصوابُ : ((أبو هريرةَ)) .
ثُمَّ قالَ الشيخُ الألبانيُّ :
((وما سبقَ يتبينُ ؛ أنَّ روايةَ محمدِ بنِ عُمرَ المقرئِ عند ابنِ ماجه ،
منكرةٌ ؛ لجهالته ، ولمخالفته الثقات ؛ فقولُ أحمدَ شاكر - رحمه الله - في
تعليقه على ((مختصر السنن)) (٢١٣/٣): ((وهذا إسنادٌ صحيحٌ جدًّا على
شرطِ الشيخينٍ)) مما لا يخفى فسادُهُ)) (١) اهـ.
(١) وانظر: مثالاً آخر في ((الإرواء)) (٣٥٢/٦).

الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِقْرَانُ
قدْ يكونُ الحديثُ حديثَ رجلٍ واحدٍ ، هو المتفردُ به ، فيأتي بعضُ
مَن يَروي الحديثَ عنهُ ، فيقرنُ معهُ رجلاً آخرَ أو أكثرَ ، والصوابُ أنَّ
الحديثَ ليسَ مِن حديثٍ مَن قرنَ معهُ ، بل هو حديثُهُ ، ليسَ من حديث
غيره .
فمَن لا يفطن لذلكَ ، يظن أنَّ الحديثَ من روايةٍ هؤلاء جميعًا ،
فيدفعُ التفردَ ، ويثبتُ المتابعةَ ، وليسَ الأمرُ كذلكَ .
مثالُ ذلكَ :
حديثُ : أبي أميةَ الطَّرَسُوسِيِّ ، عن أبي عاصمٍ ، عن ابنِ جريجٍ ،
عن الزهريِّ، عن سعيد وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ◌َّ قالَ:
(َيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرَأَنِ» .
هذا الحديثُ ؛ سيأتي(١) أَنَّ أبا عاصم أخطأ في متنه ، وأنَّ الصوابَ
بهذا الإسنادِ متنُ : ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَِّيٌّ حَسَنِ الصَّوَتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ،
يَجْهَرُ بِهِ» .
إلا أنَّ أبا أميةَ الطَّرَسُوسيّ أخطأَ على أبي عاصمٍ في هذا الحديثِ خطأ
آخرَ ، حيثُ جعلَهُ من روايةِ الزهريِّ عن سعيد بن المسيب وأبي سلمةَ -
كلاهما - ، عن أبي هريرةَ ، والصوابُ : أنهُ حديثُ أبي سلمةَ وَحْدَهُ عنه ،
(١) انظر: المثال الأول من «فصلِ: شَاهِد اللَّفْظِ .. وشَاهِد المَعْنى)).

٢٤٣
الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِقْرَانُ
ليس هو من حدیث سعید .
قالَ أبو عليٌّ النيسابوريُّ(١):
(«قولُ أبي أميةَ : ((عن سعيد بن المسيبِ)) وهمّ منه في هذا الحديث)).
وقالَ الخطيبُ عقبَهُ :
((روى هذا الحديثَ عبدُ الرزاقِ بنُ همامٍ ، وحجاجُ بنُ محمدٍ ، عن
ابنِ جريجٍ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن أبي سلمةَ وحده)) .
قلتُ : وكذلكَ أخرجهُ أحمدُ (٢٨٥/٢) من طريقِ محمدِ بنِ بكرٍ
الْبُرْسَانِيِّ، عن ابنِ جريجٍ ، مثل روايةِ عبدِ الرزاقِ وحجاجٍ بنِ محمدٍ .
وقالَ الدار قطنيُّ (٢) :
((وقعَ في إسنادِهِ وهمٌ من أبي أميةَ، وهو قولُهُ: ((عن سعيدِ بنِ
المسيبِ)) مع أبي سلمةَ)).
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عن عبيد الله بن عمرَ ،
عن ثابت ، عن أنسٍ ، قالَ : كانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمَّهُمْ فِي مَسْجِدٍ
قُبَاء ، فَكَانَ كُلَّمَا اقْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ لَهُمْ فِي الصَّلاةِ فَقَرَأَ بِهَا، افْتَتَحَ بـ ﴿قُلَّ
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ بِسُورَةٍ أُخْرَى مَعَهَا - الحديث.
أخرجهُ: الترمذيُّ (٢٩٠١) عن البخاريِّ ، عن إسماعيل بنِ أبي
أويسٍ، عن الدراورديٌّ ، به .
(١) ((تاريخ بغداد)) (٣٩٥/١).
(٢) في («العلل)) (٩/ ٢٤٠).

٢٤٤
الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِقْرَانُ
وقد علَّقَهُ البخاريُّ نفسُهُ في ((الصحيح)) (٢٥٥/٢)، فقالَ: ((وقالَ
عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ ، عن ثابتٍ ... )) - فذكره .
ورواهُ غيرُ إسماعيلَ عن الدراورديِّ، به .
فقد رواهُ عنه ؛ مصعبُ بنُ عبدِ اللَّهِ الزبيريُّ .
ھِ
أخرجَ حديثَهُ : أبو يعلى (٨٣/٦) وابنُ حبانَ (٧٩٤) والطبراني في
((الأوسط)) (٨٩٨).
وكذلكَ ؛ رواهُ محرزُ بنُ سلمةَ ، عن الدراورديِّ .
أخرجَ حديثَهُ : البيهقيُّ (٦١/٢).
وكذلكَ ؛ إبراهيمُ بنُ حمزةَ .
93
أخرجَ حديثَهُ : ابنُ خزيمةَ (٥٣٧) والبيهقي .
وهذا الحديثُ؛ مما تفردَ به عبدُ العزيزِ الدراورديُّ عن عبيدِ اللَّهِ بنِ
عمرَ ؛ هكذا قالَ غيرُ واحد من أهلِ العلمِ .
قالَ الترمذيُّ :
((هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ من هذا الوجهِ ، من حديث
عبيد اللَّهِ بنِ عمرَ ، عن ثابتٍ)).
وقالَ الطبرانيُّ :
(م يَرو هذا الحديثَ عن عبيدِ اللَّهِ إلا عبدُ العزيزِ) (١).
(١) وهو في ((الفتح)) لابن حجر (٢٥٧/٢).

٢٤٥
الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِقْرَانُ
وقالَ الدار قطنيُّ :
((غريبٌ من حديث عبيد اللّهِ ، عن ثابت ؛ تفردَ به عبدُ العزيزِ
الدراورديّ ، عنه)) .
وقالَ ابنُ خزيمةَ :
((غريبٌ غريبٌ)) .
لكنْ ؛ رواهُ يحيى بنُ أبي طالبٍ ، عن إسماعيلَ بنِ أبي أويسٍ ، عن
عبدِ العزيزِ بنِ محمد وسليمانَ بنِ بلال - كلاهما - ، عن عبيدِ اللهِ بنِ
عمرً) .
ذكرَ ذلكَ: المزيُّ في ((تحفة الأشراف)) (١٤٧/١).
فهذا الوجهُ ؛ يوهمُ أنَّ الدراورديَّ لم يتفردْ بِهِ عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ،
وإنمَّا وافقَهُ عليهِ سليمانُ بنُ بلالٍ .
وليسَ الأمرُ كذلكَ ؛ فإنَّ هذه الرواية خطأ ، أخطأً فيها يحيى بنُ
أبي طالبٍ هذا، وليسَ لذكرِ : ((سليمانَ بنِ بلال)) هاهنا معنًى، وإنَّما هو
حديثُ الدراورديِّ فقطْ .
وذلكَ ؛ لأمورٍ :
الأولُ : أنَّ البخاريَّ رواهُ - كما تقدمَ - عن إسماعيلَ بنِ أبي أويسٍ
بالإسنادِ ، ولم يذكر : ((سليمانَ بن بلال)) ؛ والبخاريَّ أتقنُ من مئتينٍ من
مثلٍ يحيى بنِ أبي طالبٍ وذويهِ .
الثاني : أنَّ الأئمةَ قد صرحوا بأنَّ عبدَ العزيزِ الدراورديَّ قد تفردَ بهِ عن

٢٤٦
الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِقْرَانُ
عبيد الله ، منهم : الدارقطنيّ ، والطبراني ، والترمذيّ ، وغيرُهم ، وقد
سبقَ كلامُهم .
الثالثُ : أنَّ الحديثَ قد رواه غيرُ ابنِ أبي أويسٍ ، عن الدراورديِّ
فقطْ ، منهم : مصعبٌ الزبيريُّ ، ومحرزُ بنُ سلمةَ ، إبراهيمُ بنُ حمزةَ -
كما سبق - ، ولم يقلْ واحدٌ منهم : ((وعن سليمانَ بنِ بلالٍ)).
والله أعلمُ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : عبد اللَّهِ بنِ لهيعةَ ، عن يزيدَ بنِ عمرٍو المعافريِّ، عن
أبي عبد الرحمنِ الحُبُّلِيِّ، عن المستوردِ بنِ شدادِ، قالَ: رأيتُ رسولَ اللَّه
وَ إِذَا تَوَضَّأْ يُدُلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ .
رواه عن ابن لهيعةَ : جماعةٌ ، منهم :
قتيبةُ بنُ سعيد ، وحسنُ بنُ موسى الأشيبُ ، وموسى بنُ داودَ ،
ومحمدُ بنُ حميرٍ ، وأسدُ بنُ موسى .
أخرجه : أبو داودَ (١٤٨) والترمذيُّ (٤٠) وابنُ ماجه (٤٤٦) وأحمدُ
(٢٢٩/٤) والطبراني (٣٠٦/٢٠) والبغويَّ في ((شرح السنة)) (٤١٩/١).
وقالَ الترمذيُّ :
((هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ ، لا نعرفُهُ إلا من حديث ابن لهيعةَ)).
لكن ؛ رواه أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ابنُ أخي ابنِ وهب ، عن عمه
عبد اللَّهِ بنِ وهبٍ ، فقالَ :

٢٤٧
الْمُتَابَعَةُ .. وَالإِثْرَانُ
((حدثنا الليثُ بنُ سعد، وابنُ لهيعةَ، وعمرُو بنُ الحارثَ ، عن يزيدَ -
به)) .
فقرنَ معَ ابنِ لهيعةَ : الليثَ بنَ سعدٍ ، وعمرو بنَ الحارثَ .
أخرجهُ : البيهقيُّ (٧٦/١) وابن أبي حاتمٍ في ((تقدمة الجرح
والتعديل)) (ص ٣١ - ٣٢) .
فظاهرُ هذه الروايةِ ؛ يُوهِمُ أنَّ ابنَ لهيعةَ لم يتفردْ بهذا الحديث ،
وإنَّما هو مُتَابَعٌ من قِبَلِ هذينِ اللذينِ قُرنا معه .
وليسَ الأمرُ كذلكَ ؛ فإنَّ هذه الروايةِ خطأُ ، ليسَ لليثِ ولا لعمرِو
شأنٌ بهذا الحديثِ ، وإنَّما أخطأَ ابنُ أخي ابنِ وهبٍ حيثُ قرنَهما معه في
هذا الحديثِ .
وابنُ وهبٍ ؛ كان يجمعُ بين هؤلاءِ في بعضِ الأحاديثِ التي اتفقوا
على روايتها ، فظنَّ ابنُ أخيهِ أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ أنَّ هذا الحديثَ من
تلكَ ؛ وليسَ كذلكَ ، بل هذا مما تفردَ به ابنُ لهيعةَ .
ويدلُّ على ذلكَ أمورٌ :
الأولُ: أنَّ ابنَ أخي ابنٍ وهب ، تكلموا فيه ؛ وقالَ ابنُ يونسَ - وهو
من أعلمِ الناسِ بالمصريينَ - : ((لا تقومُ بحديثه حجةٌ)) .
الثاني : أنَّهُ خالفَهُ ثقتان ، روياه عنِ ابنِ وهبٍ ، عنِ ابنِ لهيعةَ وحدَهُ،
مثلَ روايةِ الناسِ .
وهذان الثقتان ، هما : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ ، وبحرَ بنَ
ـصرٍ.
م

٢٤٨
الْمُتَبَعَةُ .. وَالإِقْرَانُ
أخرجَ حديثهما : البيهقيّ (٧٦/١).
فروايةُ ابنِ أخي ابنِ وهبٍ بمقتضى هذا ، تكونُ شاذةً أو منكرةً .
الثالثُ: قولُ الترمذيِّ ((لا نعرفُهُ إلا من حديث ابن لهيعةَ)) ، يدلُّ على
أنَّ الحديثَ حديثُهُ ، ليسَ حديثَ غيرِهِ (١) .
وممَّا يؤكِّد خطأً ابنِ أخي ابنِ وَهْبِ : أنَّه رواهُ مرةً أخرى ، عن
هؤلاء الثَّلاثةِ، فاضطربَ فيهِ ، حيثُ رواهُ عنهُمْ بإسنادٍ آخرَ ، فقالَ :
عنهُمْ ، عن أبي عشانةَ، عن عُقبةَ بنِ عامٍ، عن رسول اللهِ وَّهِ.
أخرجهُ: أبو يعلى الخليليّ في ((الإرشاد)) (٣٩٩/١-٤١٤).
واللهُ أعلمُ .
(١) وراجع: ((التلخيص الحبير)) (١٠٥/١).

وَالْمُخَالَفَةُ
الإِقْرَانُ .
وقدْ يكونُ مَن قُرِنَ معهُ يَروي الحديثَ أيضًا ، ولكنَّهُ يخالفُهُ في إسنادٍ
الحديثِ أو متنِهِ ، فيجيءُ مَن يروي الحديثَ عنهما ، ويقرِنُ بينهما في
روايته ، فيحملُ روايةَ أحدهما على روايةِ الآخرِ على الاتفاقِ ، خطأ منهُ ،
والصوابُ أنَّ بينَ روايتيهما اختلافًا .
فمنْ لا يَفطن لذلكَ ، يحسب الرواةَ متفقينَ ، بينما هُم في الواقعِ
مختلفونَ ؛ فهي مخالفةٌ ، وليسَتْ متابعةٌ .
ولهذهِ العلَّةِ ؛ لم يَقْلِ الأئمةُ من كلِّ أحدِ الجمعَ بينَ الرواةِ في
الأسانيد، اللَّهِمَّ إلا أن يكونَ الرَّوي ممَّن اشتُهِرَ بالحفظِ وبَرَزَ فيه ، بحيثُ
لا يختلطُ عليه حديثُ شيخٍ بحديثٍ آخرَ ، بل يمِيزُ بينَ ذلكَ .
وقد كانَ ابنُ عيينَة يروي عن ليثٍ وابن أبي نجيح جميعًا ، عن
مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ ، عن عليّ ؛ حديثَ القيامِ للجنازةِ .
قال الحميديُّ: فكنًّا إذَا وقفناهُ عليه، لم يُدْخِل في الإسنادِ: ((أبا
معمرٍ))، إلا في حديثٍ ليث خاصةً (١).
وقال أبو يَعْلَى الخليليُّ (٢): «ذاكرتُ يومًا بعضَ الحفاظِ ، فقلتُ:
البخاريُّ لم يخرِّجْ حمادَ بن سلمةَ في ((الصحيح))، وهو زَاهِدٌ ثقةٌ ؟!
(١) ((شرح علل الترمذي)) (٨٦٥/٢-٨٦٦).
(٢) في ((الإرشاد)) (٤١٧/١-٤١٨).

٢٥٠
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
فقالَ : لأنَّ جَمَع بينَ جماعةٍ من أصحابِ أنسٍ ، فيقولُ : حدَّثْنا
قتادةُ وثابتٌ وعبد العزيزِ بن صهيبٍ)) ، وربَّما يخالفُ في بعضِ ذلكَ !
فقلتُ : أليسَ ابنُ وهبِ اتفقوا عليه ، وهو يَجْمع بينَ أسانيدَ ؛
فيقولُ: ((حدثنا مالكٌ وعمرُو بن الحارث والليثُ بن سعدٍ والأوزاعيّ))،
ءِ
ويجمعُ بين جماعةٍ غيرهِمْ ؟!
فقالَ : ابنُ وهبٍ ؛ أتقنُ لما يرويه ، وأحفظُ له)) اهـ.
وهَذا ؛ يدلُّ على أنَّ الجمعَ بين الرواةِ في الأسانيدِ ، لا يقبلُ من كلِّ
أحد ، ولا من كلِّ ثقةٍ ، لا سيما من عُهدَ عليه الخطأُ في مثلِ ذلكَ ،
وجُرِّب عليهِ (١) .
وبالله التوفيقُ .
مثالُ ذلكَ :
وهذا ؛ أحدُ أنواعِ الإدراجِ في الإسنادِ ، وقد مثلَ له ابنُ الصلاحِ :
بحديثِ : عبدِ الرحمنِ بنِ مهديِّ ومحمدِ بنِ كثيرِ العبديِّ ، عن
الثوريِّ ، عن منصور والأعمشِ وواصلِ الأحدبِ ، عن أبي وائلٍ ، عن
عمرِو بنِ شرحبيلَ ، عن ابن مسعودٍ ، قلت : يا رسولَ اللَّه ! أَيُّ الذَّنْب
ءُ
أَعْظَمُ ؟ - الحديث .
قالَ ابنُ الصلاح (٢):
((وواصلٌ ؛ إنما رواهُ عن أبي وائلِ ، عن عبدِ اللهِ ، من غيرِ ذكرِ
(١) وقد توسع الحافظ ابن رجب الحنبلي في ذكر أمثله على ذلك في كتابه ((شرح العلل))
(٨١٣/٢-٨١٧)؛ فراجعه ؛ فإنه مهم.
(٢) ((المقدمة)) (ص ١٢٩ - ١٣٠).

٢٥١
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
((عمرِو بنِ شرحبيلَ)) بينهما)).
مثالٌ آخرُ :
وذكرَ الحافظُ ابنُ حجر (١) مثالاً آخرَ ، وهو :
ما رواه : عثمانُ بنُ عمرَ ، عن إسرائيلَ ، عن أبي إسحاقَ ، عن
أبي عبد الرحمنِ السلميِّ وعبد الله بن حلام، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ -
رضي اللّه عنه - ، قالَ: خرجَ رسولُ اللَّهِ بَّهُ من بيتِ سَوْدَةَ - رضي اللَّه
عنها - ، فإذا امرأةٌ على الطريقِ قد تَشَوَّفَتْ، ترجو أنْ يَتَزَوَّجَهَاَ رسولُ اللَّه
رَّ ـ الحديث، وفيه: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ امْرَأَةً تُعْجِبُهُ، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ ؛ فَإِنَّ مَعَهَاَ
مِثْل الَّذِي مَعَهَا)) .
قالَ الحافظُ :
((فظاهرُ هذا السياق ؛ يوهمُ أنَّ أبا إسحاقَ رواهُ عن أبي عبدِ الرحمنِ
وعبدِ اللَّهِ بنِ حلامٍ جميعًا، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ - رضي اللَّه عنه - ؛
وليسَ كذلكَ ، وإنما رواه أبو إسحاقَ ، عن أبي عبد الرحمنِ ، عنِ النبيِّ
وَّ مرسلاً، وعن عبدِ اللهِ بنِ حلامٍ، عن ابنِ مسعودٍ - رضي اللَّه عنه -
متصلاً ؛ بيَّنَهُ عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى وقبيصةُ ومعاويةُ بنُ هشامٍ ، عنِ الثوريَ
31
متصلاً)) .
مثالٌ آخرُ :
روى : عبدُ الرزاق (١٨٤/٦)، عن معمر، عن ثابت وأبانَ ، عن
أنسِ بنِ مالكٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لاَ شِغَارَ فِي الإِسْلاَمِ - وَالشِّغَارُ
(١) في ((النكت)) (٨٣٣/٢-٨٣٤).

٢٥٢
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
أَنْ يُبْدِلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِأُخْتِه بِغَيْرِ صَدَاق -، وَلاَ إِسْعَادَ فِي الإِسْلاَمِ، وَلاَ جَلَبَ فِي
٠
الإِسْلاَّمِ، وَلَاَ جَنَبَ» .
وقد أنكرَ الإمامُ أحمدُ وأبو حاتم الرازيُّ وغيرُهما هذا الحديثَ عن
ثابت ، وأنَّه إنَّما هو من حديث أبانَ فقطْ ، لا شأنَ لثابتٍ بهِ .
والظاهرُ ؛ أنَّ ثابتًا إنَّما روى عن أنسٍ تفسيرَ الشِّغَارِ فقطْ ، من قولِهِ
ليسَ مرفوعًا، وأمَّا الحديثُ ؛ فإنَّما يرويهِ أبانُ ، عن أنسٍ ، عنِ النبيِّ
وَيِّهِ ، فأخطأَ عبدُ الرزاقِ - أو معمرٌ - ، حيثُ حملَ روايةَ ثابتِ على روايةٍ
أبانَ ، وساقهما على الاتفاق ، مُدْرِجًا الموقوفَ الذي رواهُ ثابتٌ بالمرفوع
الذي جاءَ بهِ أبانُ .
وممَّا يقوي ذلكَ ؛ أنَّ عبدَ الرزاقِ روى تفسيرَ الشغارِ ، عن معمرٍ ،
عن ثابتٍ ، عن أنسٍ ، من قوله بعده بأحاديثَ ، من غيرِ ذكرِ القدرِ
المرفوعِ في روايتهِ .
وراجع : كتابي في علل الأحاديث ، فقد بينتُ فيه علَّةَ هذا الحديث، .
وشرحتُها شرحًا مفصلاً .
واللَّهُ الموفقُ .
:
مثالٌ آخرُ :
ما يرويه : عمرو بنُ عاصمٍ ، عن همام وجرير بن حازم ، عن قتادةَ،
عن أنسٍ ، قالَ : كان رسولُ اللَّهِ يَهِ يَخْتَجِمُ فِي الأَخَدَعَيْنِ والْكَامِلِ .
43
أخرجه: الترمذي في ((الجامع)) (٢٠٥١) و((الشمائل)) (٣٥٧)
والحاكمُ (٢١٠/٤).
:

٢٥٣
الإِقْرَانُ. وَالْمُخَالَفَةُ
وهذا ؛ يوهمُ أنَّ همامًا يروي الحديثَ كمثلِ ما يرويهِ جريرُ بنُ حازمِ،
من غيرِ اختلافٍ بَيْنَ روايتيهما ، وليسَ كذلكَ ؛ وإنما يرويه همامُ بنُ یحیی،
عن قتادةَ، عنِ النبيِّ وَِّ مرسلاً، بدون ذكرِ («أنسِ بنِ مالك)» في الإسنادِ .
هكذا ؛ رواه عنه : عفانُ بنُ مسلمٍ .
أخرجهُ : ابنُ سعد (١٤٥/٢/١) .
ويؤكدُ ذلكَ ؛ أنَّ الأئمةَ أنكروا وصلَ هذا الحديثِ على جريرِ بنِ
حازمٍ ، وذكرُوا أنَّ الصوابَ فيهِ الإرسالُ .
قالَ ابنُ رجب (١) :
((وقد أَنْكَرَ عليهِ - يعني : جريرًا - أحمدُ ويحيى وغيرُهما من الأئمة
أحاديثَ متعددةً، يرويها عن قتادةَ، عن أنسٍ، عنِ النبيِّ وَل ◌َه، وذكروا أنَّ
بعضَها مراسيلُ أَسْنَدَها ؛ فمنها : حَديثه بهذا الإسنادِ في الذي توضَّأَ
وتركَ على قدمِهِ لمعةً لم يُصِبْها الماءُ . ومنها : حَديثه في قَبِيعَةِ سيفِ النبيِّ
وَّه ، أنها كانت من فضة . ومنها : حديثةُ في الحجامةِ في الأخدعينِ
والكاهل)) اهـ .
مثالٌ آخرُ :
وقد وقعَ عمرو بنُ عاصمٍ في نفسِ الخطاِ في حديثٍ قَبِيعَةِ سيفِ النبيِّ
وَّ الذي ذكرَهُ الإِمامُ ابنُ رجبٍ، وذكرَ عن الأئمةِ أنهم أعلوهُ بالإرسالِ .
فقد رواهُ : عمرُو بنُ عاصمٍ ، فقالَ : حدثنا همامٌ وجريرٌ ، قالا :
حدثنا قتادةَ ، عن أنسٍ ، ـ فذكره .
(١) في ((شرح علل الترمذي)) (٢/ ٧٨٤-٧٨٥).

٢٥٤
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
أخرجه: النسائيَّ (٢١٩/٨) وابنُ سعد (١٧٢/٢/١). وأيضًا
الطحاويُّ في ((المشكل)) (١٣٩٩)؛ لكن ليسَ عنده ذكرُ جريرِ .
والصوابُ ، الذي رجحهُ أهلُ العلمِ : أنَّ الذي يرويه هكذا هو جریرٌ
فقط ، وأنَّه هو المتفردُ به عن قتادةَ ، وأنه أخطأً فيه ، والصوابُ الذي يرويه
أصحابُ قتادةَ : عن قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ أبي الحسنِ ، قالَ : كانت قبيعةُ
سيفِ النبيُّ نَّ فضةً - أي: مرسلاً .
فقد أنكره العقيليّ على جرير في ترجمته من ((الضعفاء)) (١٩٩/١)،
وابنُ عديٍّ (٢/ ٥٥٠) أيضًا .
وقالَ البيهقيُّ (١) :
((تفردَ به جريرُ بنُ حازمٍ ، عن قتادةَ ، عن أنسٍ ؛ والحديثُ معلولٌ».
ثمَّ ذكرَهُ من طريقِ هشامِ الدستوائيُّ ، عن قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ
أبي الحسنِ - مرسلاً (٢) .
ثُمَّ قالَ : ((وهذا مرسلٌ ، وهو المحفوظُ) .
وقد أنكرَهُ أيضًا أبو جزيِّ نصرُ بنُ طريفٍ على جريرِ بنِ حازمٍ ، وذكر
أنَّ الصوابَ أنَّه عن سعيدِ بنِ أبي الحسنِ مرسلاً .
ذكرَ ذلكَ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، عن أبيهِ في ((العلل)) (٣١٢) (١٢٨٨)،
وعنه العقيليُّ في ترجمةِ جريرٍ (١٩٩/١) .
وأبو جزيٌّ ، وإنْ كانَ ضعيفًا ؛ إلا أنَّ الإمامَ أحمدَ قالَ عقبَ قوله
(١) في ((السنن الكبرى)) (١٤٣/٤).
· (٢) وهو عند ابن سعد أيضًا .

٢٥٥
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
وإنكارِهِ على جريرٍ :
((وهو قولُ أبي جزيِّ - يعني: أصابَ - ، وأخطأ جريرٌ)).
وقالَ الدارميُّ (١) ، بعدَ أنْ خِرِجَ روايةَ جريرٍ الموصولةَ :
(«هشامٌ الدستوائيُّ خالفَهُ ؛ قالَ : قتادةُ ، عن سعيدِ بنِ أبي الحسنِ ،
عنِ النبيُّ ◌َّ؛ وزعمَ الناسُ أنَّهُ هو المحفوظُ)).
وكذلكَ ؛ ذهبَ إلى الحكم بأنَّ الحديثَ مرسلٌ الإمامُ أبو حاتمٍ
? (٢)
وقد سبقَ ؛ أنَّ الذي يرويه عن قتادةَ مرسلاً هشامٌ الدستوائيّ ،
93
الرازي
وأضافَ إليهِ العقيليُّ (١٩٩/١) شعبةَ بنَ الحجاجِ ، وهما من أثبتِ أصحابِ
قتادةَ ومن أعرفِ الناسِ بحديثهِ .
وأيضًا : أبو داودَ رجحَ الروايةَ المرسلةَ :
فقد أسندَ في ((سننه)) (٦٨/٣ - ٦٩) في ((بابِ: فِي السَّيْفِ يُحَلَّى)»
ثلاثةَ أحاديثَ .
الأولُ : حديثُ جريرِ هذا ، برقم (٢٥٨٣).
والثاني : حديثُ سعيدِ بنِ أبي الحسنِ المرسلُ، برقم (٢٥٨٤) .
والثالثُ: حديثُ عثمانَ بنِ سعدٍ ، عن أنسٍ - بمثله ، برقم (٢٥٨٥).
ثُمَّ قالَ :
((أقوى هذه الأحاديث : حديثُ سعيدٍ بنِ أبي الحسنِ ، والباقيةُ
:
(١) في ((السنن)) (٢٢١/٢).
(٢) كما في ((العلل)) لابنه (٩٣٨).

٢٥٦
الإِقْرَنُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
ضعافٌ) .
ومما يؤكدُ ذلكَ :
أنَّ في رواية أبي داودَ لحديثِ قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ أبي الحسنِ :
زيادةً من قولِ قتادةَ ، وهي :
(«قالُ قتادةَ : وما علمتُ أحدًا تابعَهُ على ذلكَ )).
يعني : سعيدَ بنَ أبي الحسنِ .
وهذا ؛ يقتضي أن قتادةً لا يعرفُ هذا الحديثَ إلا عن سعيدِ بنِ
أبي الحسنِ ، ولو أنَّهُ كانَ عندَهُ موصولاً عن أنس ، لما جازَ له أنْ يقولَ
ذلكَ .
فإن قيلَ :
إنَّ أبا عوانةَ قد رواه أيضًا ، عن قتادةَ ، عن أنسٍ .
أخرجَ حديثه: الطحاويُّ في ((المشكل)) (١٣٩٨).
قلتُ:
ليسَ هذا بذاكَ ؛ فإنَّ راويه عن أبي عوانةَ عندَ الطحاويِّ ، هو :
هلالُ بنُ يحيى الرَّأَيُ ، وهو ضعيفٌ ، لا يعتدُّ بروايتِهِ .
وقد ذكرَهُ ابنُ حبانَ في ((المجروحين)) (٨٧/٣ - ٨٨)، وساقَ لهُ هذا
الحديثَ بعينِهِ ، وأنكرَهُ عليهِ ، وقالَ :
((كانَ يخطئُ كثيراً على قلةِ روايتِهِ ، لا يجوزُ الاحتجاجُ به إذا انفردَ»!

٢٥٧
الإِقْرَانُ. وَالْمُخَالَفَةُ
فهذا ؛ ليسَ لهُ أصلٌ عن أبي عوانةَ (١) .
وممَّا يُتعجبُ لهُ :
صنيعُ المعلقِ على (المشكل)) للطحاويِّ؛ فإنَّه ذكرَ إنكارَ ابنِ حبانَ
الروايةِ أبي عوانةَ على هلالِ الرأي، وساقَ كلامَهُ من («المجروحين)» ثمَّ
أهملَهُ واتخذَهُ وراءَهُ ظهْرِيًّا ، فجعلَ أبا عوانةَ متابعًا لجريرِ بنِ حازمٍ معتمدًا
على روايةٍ هلالِ الرأي، وهذا من أعجبٍ ما نراهُ في حواشي المطبوعاتِ !!
مثالٌ آخرُ :
ما أخرجَهُ: البيهقيَّ في ((السنن الكبرى)) (٣٢٩/٩) من طريقِ الحسنِ
ابنِ سلامٍ وجعفرِ الصائغِ كلاهما ، عن عفانَ ، عن شعبةَ ، عن عديِّبنِ
ثابت وأبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ وعبدِ اللَّهِ بنِ أبي أوفى - رضي اللَّه
عنهما - ، أنهم أصابوا يومَ خيبرٍ حمراً، فَطَبَخُوهَا، فنادى منادي رسول الله
وَّهِ ، أَنْ أَكْفِتُوهَا .
فهذه الروايةُ ؛ تُوهِمُ أنَّ كلّ من عديِّ بنِ ثابتٍ وأبي إسحاقَ قد رَوى
هذا الحديثَ عن كلٌّ من البراءِ وابنِ أبي أَوفى ؛ وليسَ الأمرُ كذلكَ .
وإنما الذي يرويهِ عنهما جميعًا هو عديُ بنُ ثابتِ فقطْ ، أما
أبو إسحاقَ ، فهو إنما يرويهِ عنِ البراءِ فقطْ، ليسَ يرويهِ عنِ ابنِ أبي أوفى.
وحديث عديِّ؛ أخرجه: البخاريُّ (١٧٣/٥) ومسلمٌ (٦٤/٦)
(١٢٣/٧) وغيرهُما .
(١) وراجع: ((إرواء الغليل)) (٨٢٢).
وهذا أيضًا ؛ يصلح مثالاً لفصل: ((ثُبِّت العرشَ .. ثم انقُشْ)).

٢٥٨
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
ثُمَّ إنَّ أبا إسحاقَ لم يسمعْ هذا الحديثَ منَ البراءِ .
فقد رواه : الفسويّ في ((المعرفة)) (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٣) من حديث معاذ
ابنِ معاذٍ ، عن شعبةَ ، عن أبي إسحاقَ ، عن البراءِ - ولم نسمعْهُ من
البراءِ - ، أنهم أصابوا يومَ حنينٍ أو خيبرِ حمرًا - فذكره .
فقد صرحَ أبو إسحاقَ هاهنا بأنَّهُ لم يسمعُهُ من البراءِ .
وبهذا؛ أعلَّهُ أبو مسعودِ الدمشقيُّ (١).
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : صفوانَ بنِ عمرِو ، عن يحيى بنِ جابرِ ، عن النّوّاسِ بنِ
سَمْعَانَ، قالَ: سألتُ رسولَ اللَّهِ وَ لَهَ عن الْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ فقالَ: ((الْبَرِّ
حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَعْلَمَهُ النَّاسُ» .
فهذا الحديثُ ؛ يرويه عن صفوانَ هكذا : أبو اليمانِ الحَكَم بن نافعٍ،
وأبو المغيرةِ عبدُ القدوسِ بنُ الحجاجِ ، وإسماعيلُ بن عيَّاشٍ .
فحديثُ أبي اليمانِ :
أخرجه : الفسويُّ (٣٣٩/٢)
وحديثُ أبي المغيرة :
أخرجه: أحمدُ (١٨٢/٤) والدارميَّ (٣٢٢/٢).
وحديثُ إسماعيلَ بنِ عياشٍ :
سيأتي في كلامِ ابنِ أبي حاتمٍ .
(١) كما في هامش ((تحفة الأشراف)) (٥٦/٢).

٢٥٩
الإِقْرَانُ. وَاَلْمُخَالَفَةُ
لكن ؛ رواهُ أبو المغيرة - مرةً - ، فذكرَ لفظَ السماعِ بين يحيى بنِ
جابرٍ والنواسِ .
قالَ ابنُ أبي حاتمٍ (١) :
(سمعتُ أَبي وذكرَ حديثًا : حدثنا محمدُ بنُ عوفِ الحمصيُّ ، عن
أبي المغيرةِ عبدِ القدوسِ بنِ الحجاجِ ، عن صفوانَ بنِ عمرٍو ، عن يحيى
ابنِ جابرٍ الطائيِّ ، قالَ : سمعتُ النواسَ بنَ سمعانَ ، قالَ : سألتُ النبيَّ
وَُّ عنِ الإثمِ والبرِّ - (فذكره ).
فسمعتُ أبي يقولُ : هذا حديثٌ خطأٌ ؛ لم يلقَ ابنُ جابرِ النواسَ .
قلتُ : الخطأُ ؛ يدلُّ أنه من أبي المغيرة ، فيما قالَ: ((سمعتُ
النواس)) .
وذلكَ ؛ أنَّ إسماعيلَ بنَ عياشٍ روى عن صفوانَ بنِ عمرٍو ، عن
يحيى بن جابرٍ ، عن النواسِ ؟ لم يذكرِ السماعَ ؛ فيحتملُ أنْ يكونَ أرسلَهُ.
ويحيى بنُ جابرٍ ؛ كانَ قاضي حمصٍ ، يروي عن عبدِ الرحمنِ بنِ
جبيرِ بنِ نفيرٍ ، عن أبيهِ ، عنِ النواسِ" اهـ .
لكنْ؛ رواهُ الطبرانيَّ في ((مسند الشاميين)) (٩٨٠) من طريقِ أبي اليمانِ
وأبي المغيرة - قَرَنَهما - ، عن صفوانَ، بهِ ؛ إلا أنَّه وقعَ عندَهُ لفظُ السماعِ
بين يحيى بنِ جابرٍ والنواسِ بنِ سمعانَ .
وقالَ الطبرانيَّ :
((زادَ أبو اليمانِ في حديثه: قالَ صفوانُ: وحدثني عبدُ الرحمنِ بنُ
(١) في ((العلل)) (١٨٤٩).
و

٢٦٠
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
جبيرٍ، عن النواسِ بنِ سمعانَ، عن النبيِّ وَّ - مثل ذلكَ)).
قلتُ : والوجهُ الأولُ عند الطبرانيِّ ، يقتضي أنَّ أبا اليمانِ تابعَ أبا
المغيرةِ على ذكرٍ لفظ السماعِ ، ولم يتفردْ به ، كما سبقَ .
لكنِ ؛ الظاهرُ أنَّ الطبرانيَّ - عليه رحمة الله - حملَ روايةَ أبي اليمانِ
على رواية أبي المغيرة ، ولم يميِّزْ مَن ذكرَ السماعَ منهما مِمَّنْ لم يذكرُهُ .
هذا ؛ ما استظهرتُهُ عند تعليقي على ((جامع العلوم والحكم)) لابن
رجب (٧٨/٢)؛ إستنادًا إلى الروايات الآخرى المفصلَةِ، وإلى ما تقدمَ
عن أبي حاتمٍ وابنهِ .
:
ثمَّ وجدتُ الإمامَ البخاريَّ - عليه رحمةُ اللَّهِ - ذكرَ في ((التاريخ الكبير))
(١٢٦/٢/٤) روايتيهما، وقرنَ بينهما أيضًا، إلا أنَّهُ فصَّلَ رواية كلٌّ منهما،
فقالَ :
((وعن أبي اليمانِ وأبي المغيرةِ ، عن صفوانَ :
قالَ أبو اليمانِ : عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرٍ ، ويحيى بنِ جابرٍ ، عن
النواسِ، قالَ: سألتُ النبيِّ وَّةِ.
وقالَ أبو المغيرة : حدثنا صفوانُ ، عن ابنِ جابرِ ، قالَ : سمعتُ
النواسَ، قالَ: سألتُ النبيَّ ◌َِِّ)) اهـ.
فقد بيَّنَ البخاريُّ - كما ترى - أنَّ الذي ذكرَ لفظَ السماعِ ، إنَّما هو
أبو المغيرة فقطْ، وهذا من دقَّته - عليه رحمةُ اللَّهِ - وشُفُوفِ نظرِهِ .
هذا؛ والوجهُ الثاني ، الذي عندَ الطبرانيِّ ، وهو ما زادَهُ أبو اليمانِ،
من أنَّ صفوانَ بنَ عمرٍو روى الحديثَ أيضًا عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرٍ ،