النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
((هو من غرائبِ حديثه ، تفردَ به عن محمدِ بنِ عمرو بنِ علقمةً ،
والمحفوظُ هذا من حديثٍ يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريّ ، عن محمدِ بنِ
إبراهيمَ التيميِّ ، وعند الربيعِ لهذا أخواتٌ)).
وقالَ الذهبيَّ في ((تذكرة الحفاظ))(١):
((غريبٌ جدًّا من حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو ، تفردَ به عنه الربيعُ بنُ
زياد، وما أظنَّ رواه عنه غيرُ ابنِ عبيدٍ، وهو صدوقٌ)) .
وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ترجمةِ الربيعِ من ((اللسان))(٢)، بعدَ أنْ
ذكرَ عنِ ابنِ حبانَ ، أَنَّه ساقَ لهُ هذا الحديثَ فى ((الثقات))، وقال :
(يُغربُ)) .
قالَ الحافظُ :
((وهو من غرائبه، والظاهرُ أنَّه إنما سمعهُ من يحيى بن سعيدٍ ،
فحدثَ بهِ عن محمدِ بنِ عمرٍو (٣)، على سبيلِ الخطٍ)).
فهكذا ؛ تتابعَ الأئمةُ على إنكار هذه المتابعة ، وتخطئة الراوي الذي جاءً
بها ، وعدم الاعتداد بها في دفعِ التفردِ ، على الرغم من أنَّ أصلَ الحديث
صحيحٌ، وراوي المتابعة صدوقٌ لا بأسَ به ، وهو لم يخالفْ ، بل تفردَ
فَحسبُ ، وقد كانَ بإمكان الأئمة أن يتسامحوا في إثبات هذه المتابعة التي
جاءَ بها ، ومع ذلكَ فلم يفعلوا ، بل فعلوا عكسَ ذلكَ تمامًا ، وأنكروا عليه
(١) ((تذكرة الحفاظ)) (٢ /٧٧٤) .
(٢) ((اللسان)) (٤٤٤/٢ - ٤٤٥).
(٣) في المطبوع من ((اللسان)): ((محمد بن إبراهيم))، وهو خطأ.

٢٢٢
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
هذه المتابعةَ ، ولم يدفعوا بها التفردَ ، وأصروا على تفرد يحيى الأنصاريِّ
بالحدیث .
وهذا؛ مِنْ أدلِّ دليلٍ على أنَّه ليسَ كلُّ متابعة تجيءُ يعتدُّ بها ، بل ذلكَ
راجعٌ إلى اعتبارِ حفظِ الرَّاوي لها، وعدمٍ خطئهِ فيها ، ولو كانَ ممَّنْ يحتجُ
بحديثهِ في الأصلِ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : أحمدَ بنِ صالِحِ المصريِّ ، عن عنبسةَ بنِ خالدٍ، عن
يونسَ، عن ابن شهاب ، قالَ : زعمَ عبدُ اللَّهِ بنُ عروةَ ، أنَّ أبا هريرةَ قالَ:
سمعتُ سهلَ بنَ أبي حثمةَ - الحديثُ في القسامةِ .
أخرجهُ : الطبرانيَّ في ((الأوسط)) (٣٥٣٩).
وهذا إسنادٌ - في الظاهرِ - حسنٌ ، ومع ذلكَ فقد أنكرَهُ أئمةُ الحديث
من حديثِ الزهريُّ على عنبسةَ هذا، منهم : أبو حاتمٍ وأبو زرعةَ (١) .
وقد ذهبَ أبو حاتمٍ إلى أنَّ أصلَ هذا الحديثِ من حدیثٍ خالدِ بنِ
يزيدَ بنِ أبي مالك ، عن أبيهِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عروةَ ، به .
فلا شأنَ للزهريِّ بهذا الحديث .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : بكيرِ بنِ عمرٍو ، عن مِشْرَحِ بنِ هَاعَانَ، عن عقبةَ بنِ عامٍ -
مرفوعًا - : (لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ، لَكَانَ عُمَرَ)).
(١) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم (١٣٨٣).

٢٢٣
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
أخرجهُ: الترمذيُّ (٣٦٨٦) وأحمدُ (١٥٤/٤) والحاكم (٨٥/٣)
والطبرانيَّ (٢٩٨/١٧) والخطيبُ في ((الموضح)) (٤١٤/٢).
وسُئلَ الإمامُ أحمدُ عن هذا الحديث(١)، فقالَ :
(اضْرِبْ عليهِ؛ فإنهُ عندي منكرً) .
وقال الترمذيُ :
((هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ ، لا نعرفهُ إلا من حديثِ مشرحِ بنِ
هاعانَ)).
فمحصلةُ القولينِ : أنَّ هذا الحديثَ خطأٌ ، وأنَّ المخطئَ فيهِ مشرحٌ
هذا ؛ لأنهُ هو المتفردُ به .
ومشرحٌ هذا ؛ وإن كانَ من جملة الثقاتِ ، إلا أنهم تكلمُوا في
حفظه ، وقد ذكرَهُ ابنُ حبانَ في ((الثقات)) (٤٥٢/٥)، وقالَ: ((يُخطئُ
ويُخالفَ)) .
وقالَ في ((المجروحين)) (٢٨/٣):
(يَروي عن عقبةَ بنِ عامرٍ أحاديث مناكير ، لا يتابعُ عليها ، والصوابُ
في أمرهِ : تركُ ما انفردَ من الروايات، والاعتبارُ بما وافقَ الثقات)) ..
قلتُ : وهذا من حديثِهِ عن عقبةَ بنِ عامرٍ ، ومما تفردَ به ، ولم يتابع
عليهِ من قِبَلِ الثقاتِ ولا غيرِهم ، وقد أُنْكرَ عليهِ كما سبقَ .
لكنْ؛ جاءَت متابعةٌ له من أبي عشانةَ واسمُهُ : حَيُّ بنُ يُومنَ ، غيرَ
(١) ((المنتخب من علل الخلال)) (١٠٦) بتحقيقي.

٢٢٤
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
أنَّها متابعةٌ لا تصحّ من جهةٍ إسنادِها ، ثمَّ إنَّ راويها اضطربَ فيها ، فروى
الحديثَ مرةً أخرى عن مشرحٍ على الصوابِ ، لا عن أبي عشانةَ .
فقد رواهُ : يحيى بنُ كثير الناجيُّ ، عنِ ابنِ لهيعةً، عن أبي عشانةَ ،
عن عقبةَ بنِ عامرٍ ، بِهِ .
ءُ
أخرجَهُ: الطبرانيَّ (٣١٠/١٧).
وهذا ؛ لا ينفعُ لإثباتِ المتابعةِ لمشرحٍ ، ودفعِ تفردِه بالحديثِ ؛
فابنُ لهيعةَ ضعيفُ الحفظ ، وقد اضطربَ فيهِ ، فرواهُ مرةً أخرى عن مشرحٍ،
عن عقبةَ ، بهِ .
أخرجَهُ: أبو بكر النجادُ في ((الفوائد المنتقاة)) - كما في ((السلسلة
الصحيحة)) للشيخ الألبانيِّ (٣٢٧) :
وهذا هو الصوابُ ، فالحديثُ حديثُ مشرحٍ .
واللهُ أعلمُ .
مثالٌ آخرُ :
وقدِ اضطربَ ابنُ لهيعةَ في حديثٍ آخرَ بنحو هذا الاضطرابِ ..
وهو حديثُ : ((أَكْثَرُ مُنَافِي أُمِّي ◌ُرَاوِهَا)) .
فقد رواهُ مرةً، فقالَ : عن أبي عشانةَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ ، عن النبيَ
.
صَكَلَ الله
وسيلة
أخرجه : الطبرانيّ (٣٠٥/١٧).
وقالَ مرةً أخرى : عن مشرحٍ بنِ هاعانَ، عن عقبةً .

٢٢٥
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
أخرجه: أحمدُ (١٥١/٤) والفريابيّ في ((صفة النفاق)) (٣٠) (٣١)
(٣٢) وابنُ عديِّ (١٤٨/٤) والخطيبُ في ((التاريخ)) (٣٥٧/١) والذهبيّ في
((السير)) (٢٧/٨ - ٢٨، ٣٩٦).
وهكذا ا ؛ اضطربَ ابنُ لهيعةَ في هذا الحديثِ ؛ إلا أنَّ الوجهَ الأخيرَ
أشبهُ بالصواب ؛ فقد تُوبِعَ عليهِ :
تابعَهُ : الوليدُ بنُ المغيرةَ ، عن مشرحٍ ، بِهِ .
أخرجه: أحمدُ (١٥٥/٤) والفريابيُّ (٣٣).
وقد استدلَّ الإمامُ الذهبيُّ - عليهِ رحمةُ اللَّهِ - بهذه المتابعةِ على صحةِ
هذا الوجهِ ، فقالَ في ((السير)) (٢٧/٨ - ٢٨):
((هذا حديثٌ محفوظٌ ؛ قد تابعَ فيه الوليدُ بنُ المغيرةِ ابن لهيعةَ ، عن
مشرحٍ)) .
قلتُ : فعادَ الحديثُ إلى حديثٍ مشرحٍ ، وقد عرفتَ حاله في المثالِ
السابقِ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : حكيمٍ بنِ جبير ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ ، عن
أبيه ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ - مرفوعًا - : ((مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيه ، جَاءَتْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ))، فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ،
وَمَا الْغِنَى؟ قالَ: ((خَمْسُونَ دَرْهَمًا، أَو قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ)).
أخرجه : أبو داود (١٦٢٦) والترمذي (٦٥٠) والنسائي (٩٧/٥) وابن
ماجه (١٨٤٠) وأحمد (٣٨٨/١-٤٤١) .

٢٢٦
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
فهذا ؛ مما تفرَد به حكيمُ بنُ جبيرِ هذا ، وتكلمَ فيهِ شعبةُ وغيرُهُ من
أجلِ هذا الحديثِ .
لكن ؛ رواه يحيى بنُ آدمَ ، عن سفيانَ الثوريِّ ، عن زَبَيْد الياميِّ ،
عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ یزیدَ .
أخرجُوه أيضًا ؛ إلا أحمد .
فهذه الروايةُ ؛ فيها متابعةٌ لحكيمٍ من زُبَيْدٍ .
إلا أنَّ النقادَ - عليهم رحمةُ اللَّهِ تعالى - لم يعتدوا بتلكَ المتابعة ،
وأصروا على الحكمٍ بتفردِ حكيمٍ بالحديثِ ، وحكمُوا على هذه المتابعة
بالخطأِ والنكارةِ ، وصرحَ بعضُهم بأنَّ الخطأ فيه من يحيى بنِ آدمَ ، وهو
وإن كانَ من الثقاتِ ، إلا أنَّه ليسَ من المبرزينَ من أصحابِ الثوريِّ(١).
قالَ عباسُ الدوريُّ (٢):
((سمعتُ يحيى - وسألتُهُ عن حديثِ حكيمٍ بنِ جبيرٍ ، حدیثِ ابنِ
مسعود : ((لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لمَنْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دَرْهَمًا)) - : يرويه أحدٌ غيرُ
ئے
حكيمٍ ؟ فقال يحيى بنُ معينِ : نعم ، يرويه يحيى بنُ آدَمَ ، عن سفيانَ ،
عن زَبَيْدٍ ، ولا نعلمُ أحدًا يرويه إلا يحيى بن آدمَ ، وهذا وَهْمٌ ؛ لو كانَ
هذا هكذا لحدَّثَ به الناسُ جميعًا عن سفيانَ ، ولكنَّه حديثٌ منكرٌ - هذا
الكلامُ قالَهُ یحیی أو نحوه)) .
وقالَ أبو بكرِ الأثرمُ (٣):
(١) الفسوي (١/ ٧١٧) ..
(٢) ((تاريخه)) (١٦٧١) و((الكامل)) (٦٣٤/٢).
(٣) ((الكامل)) (٦٣٦/٢).

٢٢٧
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
قُلتُ لأحمدَ : حديثُ حكيمٍ بنِ جبيرِ في الصدقةِ ، رواه زبيدٌ أيضًا ؟
فقالَ: كذا قال يحيى بنُ آدمَ .... )).
وقالَ الإمامُ النسائيُّ (١):
((لا نعلمُ أحدًا قالَ في هذا الحديثِ : ((عن زُبَيْدِ)) غير يحيى بنِ آدمَ،
ولا نعرف هذا الحديثَ إلا من حديثِ حكيمٍ بنِ جبيرٍ ، وحكيمٌ ضعيفٌ).
وقالَ ابنُ حبانَ (٢) ؛ معلّقًا على بعضِ رواياتِهِ :
((ليسَ له طريقٌ يُعرفُ ولا روايةٌ ، إلا من حديثِ حكيمٍ بنِ جبيرٍ )).
وقد جاءَ لحكيمٍ متابعٌ آخرُ ، من طريقٍ غيرِ محفوظ أيضًا :
فقد رواه : محمدُ بنُ مصعبِ القَرْقَسَانِيُّ ، عن حمادِ بنِ سلمةَ ، عن
إسرائيلَ ، عن أبي إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ .
قالَ الإمامُ الدار قطنيُّ (٣):
((ووهمَ - يعني: القرقسانيّ - في قولِهِ: ((عن أبي إسحاق))، وإنما
رواه إسرائيلُ عن حكيمٍ بنِ جبيرٍ) (٤) .
قلتُ : فعادَ الحديثُ إلى حكيمٍ بنِ جبيرٍ ؛ فلا متابعةَ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : ((مَاءُ زَمْزَمَ لَمَا شُربَ لَهُ)) .
(١) ((تحفة الأشراف)) (٨٥/٧).
(٢) ((المجروحين (٢٤٧/١).
(٣) ((العلل)) (٢١٦/٥)، وراجع ((تهذيب السنن)) للمنذري (١٥٥٩).
(٤) وراجع: ((المجروحين)) (٢٤٧/١).

٢٢٨
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
أخرجه: أحمدُ (٣٥٧/٣-٣٧٢) وابن ماجه (٣٠٦٢) والعقيليّ
.
ءِ
(٣٠٣/٢) وابن عديٌّ (١٤٥٥/٤) والطبراني في ((الأوسط)) (٨٤٩)
(٩٠٢٧) والبيهقيَّ (١٤٨/٥) وغيرهم .
من طريق : عبدِ اللهِ بن المؤمَّلِ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرِ بن
عبد اللهِ، عن رسول الله وَله.
فهذا الحديثُ ؛ يرويه : عبدُ اللَّه بنُ المؤمَّل ، وقد تفردَ به بهذا
الإسنادِ ، لم يتابعْ عليهِ من وجهِ يصحُّ ؛ قالَ ذلكَ غيرُ واحدٍ من الحفاظ ؛
كالعقيليُّ، والبيهقيِّ ، وابنِ عديُّ، والطبرانيِّ ، وابنِ حجرٍ ، وغيرهم .
ءِ
وقد رواه : البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) (٢٠٢/٥) من طريقِ فيهِ نظرٌ،
عن إبراهيم بن طهمانَ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ ، بهِ ؛ فذكرَ متابعةَ ابنِ
طهمانَ لابنِ مؤملٍ .
قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ (١) :
((وقيلَ: إنَّ راويها سقطَ عليه ((عبدُ اللَّهِ بنُ المؤملِ))، ومن ثَمَّ قالَ
البيهقيَّ : إنَّ ابنَ المؤملِ تفردَ بهِ . وقد جرتْ عادةُ كثيرٍ من الحفاظ إطلاقُ
التفردِ معَ أنَّ مرادَهم فيهِ تفردُ الثقة)) .
وجزمَ بذلكَ في ((التلخيص)) (٢) ، فقالَ :
((قلتُ : ولا يصحُّ عن إبراهيمَ ؛ إنَّما سمعهُ إبراهيمُ مِن ابنِ
المؤملِ )).
(١) في ((جزئه)) في هذا الحديث (ص٢٥) .
(٢) ((التلخيص)) (٢ /٥١٠).

٢٢٩
الْمُتَبَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
قلتُ : صدقَ الحافظُ - رحمه الله تعالى - في قوله: ((لا يصحّ عن
إبراهيم))، أما أنَّه أخذَهُ من ابن المؤمَّلِ، فهذا أمرٌ واردٌ، ولكنَّه بعيدٌ هنا ؛
لأنَّه لو كانَ كذلكَ لرواه أصحابُهُ الثقاتُ - أو بعضُهم - عَنْه .
والحاصلُ ؛ أنَّ متابعةَ إبراهيمَ لابن المؤمَّلِ لا تصحُّ ، فيبقى ابنِ
المؤمَّلِ متفردًا بالحديثِ؛ وبهذا يَسْلَمُ حكمُ البيهقيِّ بتفردِّهِ بِهِ ، ولا يصحُ
تعقبُ ابن التركمانيِّ له برواية ابن طهمانَ ، لا سيما ؛ وأنَّه لم يتفرَّد بقوله
هذا، بلْ سبقَهُ به غيرُ واحدٍ من الحفّاظِ ، وقد سبقتِ الإشارةُ إليهم .
وقد جاءتْ متابعةٌ أخرى لابنِ المؤمَّلِ ؛ وهي لا تصحُّ أيضًا:
فقد رواهُ : عبد الرحمن بن المغيرة ، عن حمزةَ الزياتِ ، عن أبي
الزبيرِ ، به .
ءِ
أخرجه : الطبرانيّ في «الأوسط)) (٣٨١٥)، وقالَ :
((لم يَرْو هذا الحديثَ عن حمزة الزيات ، إلا عبد الرحمن بن
المغيرة)).
قال الحافظُ ابن حجرٍ (١) :
((وطريقُ حمزة هذه ؛ روِّيناها في ((الأوسط)) للطبرانيِّ ؛ وأخطأً فيه
راويه ؛ إنما هو : عن عبد الله بن المؤمَّلِ ، فهو المتفرِّدُ بِهِ)) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : عبد اللَّهِ بنِ دينارٍ ، عن ابنِ عمرَ - رضي اللَّه عنهما - : نَهى
رسولُ اللّهِ ◌َّهِ عَنْ بَعِ الَوَلاَءِ وَعَّنْ هِتِهِ .
(١) في ((جزئه)) (ص٢٥) .

٢٣٠
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
فهذا الحديثُ ؛ حديثُ ابنِ دينارٍ ، عنِ ابنِ عمرَ ، هو المتفردُ به
عنهُ، لا يصحُّ إلا من هذا الوجهِ .
هكذا ؛ قالَ الأئمةُ ، عليهم رحمةُ اللَّه تعالى .
وقد رواهُ بعضُهم ، فقالَ : عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ ؛ فخطَّهُ الأئمةُ في
ذلكَ.
فقد رواهُ : يحيى بنُ سليمٍ الطائفيُّ - وهو صدوقٌ في حفظهِ ضعفٌ .
عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وإسماعيلَ بنِ أميةَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ .
قالَ الترمذيُّ (١):
(وهمَ فيه يحيى بنُ سليمٍ، والصحيحُ: هو عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ،
عن عبد اللَّه بن دينارِ ، عن ابنِ عمرَ ؛ هكذا روى عبدُ الوهابِ الثقفيّ
وعبدُ اللَّهِ بِنَّ نمَيرٍ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ ، عن
ابنِ عمرَ)) اهـ .
وقالَ أبو يعلى الخليليُّ (٢):
((أخطأَ فيه يحيى ؛ لأنَّ هذا رواه عبيدُ اللَّه وغيرُهُ ، عن عبد الله بن
دينارٍ، عن ابنِ عمرَ ؛ وليسَ هو من حديثِ نافعٍ)) .
وقالَ ابنُ رجبٍ (٣).
((لا يصحُّ عنِ النبيِّ نَّهِ إِلاَّ من هذا الوجهِ - يعني : عن ابنِ دينارٍ - ،
ومن رواهُ من غيرِهِ فقد وهمَ وغلطَ)) .
(١) في آخر ((الجامع)) (٧٥٩/٥)، وكذلك في ((العلل الكبير)) (ص١٨١- ١٨٢).
(٢) في ((الإرشاد)) (٣٨٦/١ - ٣٨٧) وانظر ((الأوسط)) للطبراني (١٣١٩).
(٣) في ((شرح العلل)) (٦٢٩/٢).

٢٣١
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
ورُوي من وجهٍ آخرَ عن نافعٍ ؛ وهو خطأً أيضًا :
فقد رواه : سعيدُ بنُ يحيى الأمويُّ ، عن أبيهِ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ
عمرَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، به .
قالَ أبو حاتم الرازيُّ (١):
(نافعٌ؛ أخذَ هذا الحديثَ عن عبد اللَّه بن دينار؛ ولكنْ هكذا قالَ)) .
ورواهُ أبو حاتم الرازيُّ ، عن قَبِيصَةَ بنِ عقبةَ ، عن سفيان الثوريِّ ،
عن عُبيد الله بن عُمر، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ وَّه .
أخرجه: الخليليَّ في ((الإرشاد)) (٥٧٢/٢).
وقال الخليليُّ :
(( وهَذا مما نُقِمَ على أبي حاتمٍ ؛ فليسَ هَذا من حديثِ نافعٍ عن ابنِ
عمرَ ؛ إنَّما هو عند سفيانَ : عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمرَ . ورواهُ
عُبيد الله بن عمرَ ، عن عبدِ الله بن دينارِ ، عن ابن عمرَ ؛ ونافعٌ هَاهُنَا
خَطأٌ، وقد حدَّثَ بهِ غَيرُ أبي حاتمٍ ، عن قَبِيصَةَ ، عن سفيانَ ، عن
عبد الله بن دينارٍ ، عن ابن عمرَ ؛ على الصَّوابِ)).
وذكرَ الحافظُ ابن حجرٍ في ((النكت)) (٢) روايةَ قَبِيصَةَ هَذه، ثم قالَ :.
((وقد وهمَ فيه قبيصةُ ؛ فقد خرجهُ الشيخان في ((الصحيحين)) من
حديثِ الثوريِّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ ، عنِ ابنِ عمرَ - رضي اللَّه تعالى
عنهما - ، على المحفوظِ)).
(١) في ((العلل)) (١١٠٧).
(٢) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٦٧١/٢ - ٦٧٢).

٢٣٢
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلبُ
قالَ :
((وعلى تقديرِ أنْ يكونَ محفوظًا، فقد سقطَ منه ((عبدُ اللَّه بن دينار)) بين
نافعٍ وابنِ عمرَ ؛ كما أشارَ إليه أبو حاتمٍ قبلُ) اهـ .
قلتُ : وهذا من الأخطاءِ التي تتواردُ عليها الأذهانُ ، ويتفقُ على
الخطإِ فيها الرواةُ ؛ لكونها جاريةً على الجادةِ المعهودةِ .
وقد رواه بعضهم ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن ابنِ عمرَ .
رواه هكذا : أحمدُ بنُ محمدِ بنِ يحيى بنِ حمزةَ ، عن أبيه ، عن
سفيانَ الثوريِّ ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، به .
أخرجَهُ: الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٥٠).
وقالَ : ((لم يروه عن سفيانَ ، عن عمرِو بنِ دينارٍ ؛ إلا يحيى بنُ
حمزةَ ، تفردَ به وَلَدُهُ عنهُ؛ ورواهُ الناسُ ، عن سفيانَ ، عن عبد الله بنِ
دینار)) .
قالَ الحافظُ (١):
((وهو وهمَ ؛ والمحفوظُ من حديثِ الثوريِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ ،
كما تقدمَ . واللَّهُ أعلمُ» .
قلتُ : وقد وقعَ يحيى بنُ حمزةَ في حديثٍ آخرَ في مثلِ هذا الخطإِ ،
فراجعُه في كتابي (ردع الجاني)) (ص ١٢٤).
ولعلَّ وقوعَ ذلكَ بسببِ التصحيفِ ، فإنَّ تصحيفَ ((عبد اللَّهِ)) إلى
((عمرٍو)) سهلٌ ؛ لا سيما وأنَّهما مشهورانِ بالروايةِ عن ابنِ عمرَ ، وبروايةِ
ء
(١) في ((النكت)) (٦٧٢/٢).

٢٣٣
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
الثوريِّ عنهما .
وقد أُبْدِلَ أحدُهُما بالآخرِ في حديث ((البَيْعَان بالخيَار))، وقد سبق
الكلامُ فيه في موضعه (١) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : صدقةَ بنِ موسى الدَّقِيقِيِّ، عن فَرْقَدِ السَّبَخِيِّ ، عن إبراهيمَ ،
عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ - مرفوعًا - : ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَنَعْتَهُ إِلَى غَنِيِّ أَوْ
فَقِيرِ ، فَهُوَ صَدَقَةٌ)) .
أخرجَهُ: الطبرانيّ في ((الكبير)) (١١٠/١٠) وكذا في ((مكارم
الأخلاق)) (١١٢) وابنُ عديّ (١٣٩٥/٤) والبزارُ (١٥٨٢) والدارقطنيّ في
93
((الأفراد)) (٢١٣/ ب - أطرافه) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤٩/٣).
وقالَ ابن عديٍّ - في ترجمةٍ صدقةَ - :
((وهذا الحديثُ عن فرقدٍ ؛ لا أعلمُ يَرويه عنه غير صدقةَ بنِ موسى)) .
وقالَ البزارُ :
((وهذا الحديثُ ، لا نعلمُهُ يُروى عن عبد اللَّه ، إلاَّ من هذا الوجه ،
بهذا الإسنادِ)).
وقالَ الدار قطنيّ :
((غريبٌ من حديثِ فرقدِ السبخيِّ عن إبراهيمَ ، تفردَ به : صدقةُ بنُ
موسی الدقيقيّ» .
(١) راجع: ((فصل : المتابعَةُ .. والتَّصحيفُ).

٢٣٤
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
وقالَ أبو نعيمٍ :
((غريبٌ من حديثِ فرقدٍ ، تفردَ به عن فرقدٍ : صدقةُ بنُ موسى))(١).
فأنتَ ترى الأئمةَ قد تتابعوا على أنَّ صدقةَ بنَ موسى الدقيقيّ هو
المتفردُ بهذا الحديثِ عن فرقد السبخيِّ ، وقدِ اتفقوا على ذلكَ ، واجتمعتْ
علیهِ كلمتُهم .
لكنْ؛ رواهُ أبو نعيمٍ في («الحلية)) (١٩٤/٧)، من طريقِ مسلمٍ بنِ
إبراهيمَ الفراهيديِّ ، عن شعبةَ، عن فرقدٍ ، بهِ .
وقالَ أبو نعيمٍ :
((غريبٌ ؛ تفردَ به مسلمٌ عن شعبةَ ، ولا أعرفُ لشعبةَ عن فرقد
غيرَه)).
قلتُ : وهو خطأٌ قطعًا؛ ويدلُّ عليه أمورٌ :
الأولُ : اتفاقُ الأئمة على أنَّ هذا الحديثَ مما تفردَ به صدقةُ الدقيقيّ
عن فرقدٍ .
الثاني : أنَّ شعبةَ لا يروي عن فرقدِ السَّبخيِّ، إلا ما جاءَ في هذا
الموضعِ ؛ كما ذكرَ أبو نعيمٍ .
الثالثُ: أنَّ المعروفَ عن شعبةَ بغيرِ هذا الإسنادِ ؛ فقد رواهُ جماعةٌ من
أصحابِ شعبةَ ، فقالوا :
(عن شعبةَ، عن أبي مالكِ، عن رِبْعِيٌّ، عن حذيفة)).
وقد ذكرَهُ أبو نعيمٍ قبلَ هذا ، وقالَ :
(مشهورٌ عن شعبةَ) .
(٢) وراجع: ((العلل)) للدارقطني (١٥٢/٥) و((السلسلة الصحيحة)) (٢٠٤٠).

٢٣٥
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
ولا أستبعدُ أنْ يكونَ ((صدقةُ)) تصحفَ إلى ((شعبةَ)؛ فإنَّ مسلمَ بنَ
إبراهيمَ الفراهيديَّ يروي عن صدقةً ، كما يروي عن شعبةَ .
وإنْ صحَّ هذا ؛ فالخطأُ في هذا الحديثِ ممن دونَ مسلمٍ الفراهيديِّ
في الإسنادِ .
واللهُ أعلمُ .
ومن لطيفٍ ما جاءَ في ذلكَ :
قالَ البرذعيُّ (١) :
((شهدتُ أبا زرعةَ، وذَكَرَ له صالحٌ جزرةُ رجلاً - سماهُ له ، أُنسيت
اسمهُ - ، فقالَ لهُ صالحٌ : رَوَى عن شعبةَ ، عن أبي جمرةَ ، عنِ ابنِ
عباس : ((أَبْرِدُوهَا بِمَاءِ زَمْزَمَ))، فوقعَ على أبي زرعةَ الضحكُ العظيمُ مما
قالَ؛ وذاكَ أنَّ هذا ليسَ من حديث شعبةَ ، إنما رواهُ همامٌ)) .
قلت : وحديث همام ؛ أخرجه البخاري (١٤٦/٤).
وبالله التوفيقُ .
(١) في ((سؤالاته لأبي زرعة)) (٢/ ٥٧٧-٥٧٨).

الشَّوَاهدُ .. وَالقَلْبُ
وقد يقعُ ذلكَ القلبُ أيضًا في طبقةِ الصحابةِ ؛ كأنْ يكونَ الحديثُ
مشهورًا من حديثِ صحابيِّ معينٍ ، فيُجعلُ من حديثٍ صحابيٌّ آخرَ ،
فيظنُّ من لا يفطِنُ لهذا أنَّهما حديثانِ عن صحابيينِ ، فَيَجْعلُ كلاً منهما
شاهدًا للآخرِ ، وليسَ الأمرُ كذلكَ؛ بل هو حديثٌ واحدٌ ، عن صحابيّ
واحد ، أخطأ من جعلَهُ عنِ الصحابيِّ الآخرِ.
مثالُ ذلكَ :
حديثُ : النَّهَاسِ بنِ قَهْمٍ ، عن شدادِ أبي عمارٍ ، عن معاذِبنِ جبلٍ ،
قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ستٌّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَّةِ: مَوْنِي، وَفْتَحُ بَيْتِ
الْمَقْدِسِ ، وَمُوتٌ يَأْخُذُّ فِي النَّاسِ كَقُعَاصَِ الْغَنَمِ، وَفِتْنَةٌ يَدْخُلُ حَرْبُهَا بَيْتَ كُلَّ
مُسْلِمٍ ، وَأَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ أَلْفَ دِينَارِ فَيَتَسَخَّطُهَا، وَأَنْ تَغْدِرَ الرُّومُ فَيَسِيرُونَ فِي
ثَمَانِينَ بَنْدًا ، تَحْتَ كُلِّ بَنْدِ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًّا)).
أخرجهُ: أحمدُ في ((المسند)) (٢٢٨/٥).
فهذا المتنُ؛ صحيحٌ ثابتٌ عن رسولِ اللَّهِ وَهِ، ولكن من حديثٍ
عوفِ بنِ مالكٍ .
أخرجهُ: البخاريَّ (١٢٣/٤) وغيره .
وأمَّا من حديث معاذ ، فهو غريبٌ ، تفردَ بهِ النهاسُ بنُ قَهْم هذا ،
وهو ضعيفٌ .

٢٣٧
الشَّوَاهِدُ .. وَالقَلْبُ
وقد ذكرَ الإمامُ أحمدُ (١) هذا الحديثَ ، ثمَّ أعلَّه بقوله :
((إنما هو: عن عوفٍ بنِ مالك)).
أي : لا شأنَ لمعاذ بهذا الحديث ، وإنما هو حديثُ عوف بن مالك ؛
فلعلَّ النهاسَ دخلَ عليه إسنادٌ في إسنادٍ ، أو لعلَّه أرادَ أن يقولَ : ((عن عوف
ابن مالك)» فأخطأ وقالَ: ((عن معاذ)) .
ويؤيدُ ذلك : أنَّ شدادًا هذا لا يعرفُ بالروايةِ عن معاذ ؛ فهذا إسنادُ
غريبٌ
ثمَّ وجدتُ الإمامَ ابنَ أبي عاصمٍ قالَ في كتاب ((الآحاد والمثاني))
(١٨٤٦ ) :
((وليسَ يصحُّ عن معاذ - رضي اللهُ عنهُ - إلاَّ ما رَوى عنه أصحابُ
النبيِّ وٌَّ، أو قدماءُ تابعي الشامِ، وأجلَّتهم) (٢).
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : عمارةَ بنِ القعقاعِ ، عن أبي زرعةَ بنِ عمرو بنِ جريرٍ ، أنَّ
عمرَ بنَ الخطاب قالَ: قَالَ النبيُّنَّهَ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأَنَاسًا، مَا هُمَّ بِأَنْبِيَاءَ
وَلَاَ شُهَدَاءَ ، يَغَبِطُهُمُ الأَنِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَّ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَلَّى)) .
الحديث .
أخرجَهُ: أبو داودَ (٣٥٢٧) والطبريَّ في ((التفسير)) (١٣٢/١١)
والبيهقيُّ في ((الشعب)) (٨٩٩٨) من طريقِ جريرِ بنِ عبدِ الحميدِ ، عن
عمارةَ ، به .
(١) ((المنتخب من علل الخلال)) (١٩٥).
(٢) وراجع: ((السلسلة الصحيحة)) (١٨٨٣).

٢٣٨
الشَّوَاهِدُ .. وَالقَلْبُ
وهذا منقطعٌ ؛ أبو زرعةً لم يُدرك عمرَ .
لكنْ؛ رواه قيسُ بنُ الربيعِ ، عن عمارةَ ، عن أبي زرعةَ ، عن عمرٍو
ابنِ جریرٍ ، عن عمرَ .
أخرجَهُ : أبو نعيمٍ في ((الحلية)) (٥/١).
هكذا ؛ ((عن أبي زرعةً عن عمرو بنِ جريرٍ)) .
فإنْ لم تكنْ ((عن)) هذه تصحيف ناسخٍ أو طابعٍ ، فهي تصحيفٌ من
قيسِ بنِ الربيعِ نفسِهِ ؛ فإنه كانَ ضعيفًا .
لكنْ ؛ رواه محمدُ بنُ فضيلِ ، فأخطأَ فيه خطأ آخرَ .
فرواه : عن أبيهِ ، عن عمارةَ بنِ القعقاعِ ، عن أبي زرعةَ ، عن
أبي هريرةَ . .
فجعلَهُ من مسند ((أبي هريرةَ»، وليسَ من مسند ((عمرَ))، سَالكا فيه
الْجَادَّةَ ؛ لأنَّ أبا زرعةَ أكثرُ ما يروي عن أبي هريرةَ .
أخرجه : ابنُ حبانَ (٥٧٣) والطبريُّ (١٣٢/١١) والبيهقيَّ (٨٩٩٧).
وهذا خطأٌ؛ والصوابُ أنه من مسند ((عمرَ))، لا من مسند
((أبي هريرةَ)) .
قالَ البيهقيّ :
((كذا قالَ: ((عن أبي هريرةَ))، وهو وهمٌ؛ والمحفوظُ : عن
أبي زرعةَ ، عن ((عمرَ بنِ الخطاب)). وأبو زرعةَ، عن عمرَ - مرسلاً)) .
قلتُ : فرجعَ الحديثُ إلى الطريقِ الأولِ ، وهو الصوابُ .

٢٣٩
الشَّوَاهِدُ .. وَالقَلْبُ
وقد سبقَ أنه منقطعٌ .
وبهذا ؛ تدركُ الخطأ الذي وقَعَ فيه المعلقُ على ((صحيح ابن حبانَ)) ،
حيثُ اعتبرَ حديثَ أبي هريرةَ غيرَ حديثِ عمرَ بن الخطابِ ، ثم ذهبَ ؛
فجعلَ كلاً منهما شاهدًا للآخرِ !!
مثالٌ آخرُ :
قالَ ابنُ ماجه ( ١٦٦٠)
حدثنا محمدُ بنُ عُمرَ المقرئ : ثنا إسحاقُ بنُ عيسى : ثنا حمادُ بنُ
زيد ، عن أيوبَ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، عن أبي هريرةَ ، قالَ : قالَ
رسولُ اللَّهِ بَ له: «الفِطْرُ يَوْمَ تَفْطُرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ).
قالَ الشيخُ الألبانيُّ (١):
«هذا سَنَدٌ رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ ، غيرُ محمدِ بنِ عُمرَ المقرئِ ، ولا
يعرفُ - كما في ((التقريب)) - ، وأرى أَنَّه وهم في قوله : ((محمدِ بنِ
سيرينَ))، وإنما هو ((محمدُ بنُ المنكدرِ)) .
هكذا ؛ رواه العباسُ بنُ محمدِ بنِ هارونَ وعليّ بنُ سهلِ ، قالا : نا
إسحاقُ بنُ عيسى الطباعُ ، عن حمادِ بنِ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن محمدِ بنِ
المنكدرِ ، عن أبي هريرةَ ، به .
أخرجهُ: الدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ٢٢٤).
وهكذا ؛ رواه محمدُ بنُ عبيدٍ - وهو : ابنُ حِسابٍ ، ثقةٌ من رجال
مسلمٍ - ، عن حمادِ بنِ زيدٍ ، به .
(١) في ((السلسلة الصحيحة)) (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).

٢٤٠
الشَّوَاهدُ .. وَالقَلْبُ
أخرجهُ : أبو داودَ (٢٣٢٤): حدثنا محمدُ بنُ عبيدٍ ، به .
وهكذا ؛ رواهُ روحُ بنُ القاسمِ وعبدُ الوارثِ ومعمرٌ ، عن محمدِ بنِ
المنكدر ، به .
أخرجهُ: الدارقطنيُّ وأبو عليِّ الهرويَّ في ((الأول من الثاني من
الفوائد)) (ق ١/٢٠) ، عن روحٍ .
وأخرجهُ : البيهقيُّ (٢٥٢/٤) عن عبدِ الوارثِ .
وأخرجهُ : الهرويُّ ، عن معمرٍ ، قرنَهُ مع روحٍ ، رواه عنهما يزيدُ بنُ
زريع .
وقد خالفَهُ في روايتهِ عن معمرٍ : يحيى بنُ اليمان ، فقال : عن
معمرٍ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن عائشةً ...
أخرجهُ: الترمذيُّ (٨٠٢) والدار قطنيّ (٢٢٥/٢).
وهو عندي ضعيفٌ من هذا الوجه ؛ لأن يحيى بنَ اليمان ضعيفٌ من
قِبَلِ حفظهِ ، وفي ((التقريب)): ((صدوقٌ عابدٌ، يخطئُ كثيرًا، وقد تغيرَ)) .
قلتُ : ومع ذلكَ ؛ فقد خالفَهُ يزيدُ بنُ زريع ، وهو ثقةٌ ثبتٌ ،
فقالَ : عن معمرٍ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن أبي هريرةَ .
وهذا هو الصوابُ بلا ريبٍ ، أنه من مسند أبي هريرةَ ، ليسَ من مسند
عائشةَ)) اهـ .
٠
انتهى كلامُ الشيخِ الألبانيِّ - حفظهُ اللَّهُ تعالى .
ويتبينُ مما سبقَ : أنَّ هذا الحديثَ أخطأَ فيه الرواةُ في موضِعِينِ ؛