النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ ((هو من غرائبِ حديثه ، تفردَ به عن محمدِ بنِ عمرو بنِ علقمةً ، والمحفوظُ هذا من حديثٍ يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريّ ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميِّ ، وعند الربيعِ لهذا أخواتٌ)). وقالَ الذهبيَّ في ((تذكرة الحفاظ))(١): ((غريبٌ جدًّا من حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو ، تفردَ به عنه الربيعُ بنُ زياد، وما أظنَّ رواه عنه غيرُ ابنِ عبيدٍ، وهو صدوقٌ)) . وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ترجمةِ الربيعِ من ((اللسان))(٢)، بعدَ أنْ ذكرَ عنِ ابنِ حبانَ ، أَنَّه ساقَ لهُ هذا الحديثَ فى ((الثقات))، وقال : (يُغربُ)) . قالَ الحافظُ : ((وهو من غرائبه، والظاهرُ أنَّه إنما سمعهُ من يحيى بن سعيدٍ ، فحدثَ بهِ عن محمدِ بنِ عمرٍو (٣)، على سبيلِ الخطٍ)). فهكذا ؛ تتابعَ الأئمةُ على إنكار هذه المتابعة ، وتخطئة الراوي الذي جاءً بها ، وعدم الاعتداد بها في دفعِ التفردِ ، على الرغم من أنَّ أصلَ الحديث صحيحٌ، وراوي المتابعة صدوقٌ لا بأسَ به ، وهو لم يخالفْ ، بل تفردَ فَحسبُ ، وقد كانَ بإمكان الأئمة أن يتسامحوا في إثبات هذه المتابعة التي جاءَ بها ، ومع ذلكَ فلم يفعلوا ، بل فعلوا عكسَ ذلكَ تمامًا ، وأنكروا عليه (١) ((تذكرة الحفاظ)) (٢ /٧٧٤) . (٢) ((اللسان)) (٤٤٤/٢ - ٤٤٥). (٣) في المطبوع من ((اللسان)): ((محمد بن إبراهيم))، وهو خطأ. ٢٢٢ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ هذه المتابعةَ ، ولم يدفعوا بها التفردَ ، وأصروا على تفرد يحيى الأنصاريِّ بالحدیث . وهذا؛ مِنْ أدلِّ دليلٍ على أنَّه ليسَ كلُّ متابعة تجيءُ يعتدُّ بها ، بل ذلكَ راجعٌ إلى اعتبارِ حفظِ الرَّاوي لها، وعدمٍ خطئهِ فيها ، ولو كانَ ممَّنْ يحتجُ بحديثهِ في الأصلِ . مثالٌ آخرُ : حديثُ : أحمدَ بنِ صالِحِ المصريِّ ، عن عنبسةَ بنِ خالدٍ، عن يونسَ، عن ابن شهاب ، قالَ : زعمَ عبدُ اللَّهِ بنُ عروةَ ، أنَّ أبا هريرةَ قالَ: سمعتُ سهلَ بنَ أبي حثمةَ - الحديثُ في القسامةِ . أخرجهُ : الطبرانيَّ في ((الأوسط)) (٣٥٣٩). وهذا إسنادٌ - في الظاهرِ - حسنٌ ، ومع ذلكَ فقد أنكرَهُ أئمةُ الحديث من حديثِ الزهريُّ على عنبسةَ هذا، منهم : أبو حاتمٍ وأبو زرعةَ (١) . وقد ذهبَ أبو حاتمٍ إلى أنَّ أصلَ هذا الحديثِ من حدیثٍ خالدِ بنِ يزيدَ بنِ أبي مالك ، عن أبيهِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عروةَ ، به . فلا شأنَ للزهريِّ بهذا الحديث . مثالٌ آخرُ : حديثُ : بكيرِ بنِ عمرٍو ، عن مِشْرَحِ بنِ هَاعَانَ، عن عقبةَ بنِ عامٍ - مرفوعًا - : (لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ، لَكَانَ عُمَرَ)). (١) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم (١٣٨٣). ٢٢٣ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ أخرجهُ: الترمذيُّ (٣٦٨٦) وأحمدُ (١٥٤/٤) والحاكم (٨٥/٣) والطبرانيَّ (٢٩٨/١٧) والخطيبُ في ((الموضح)) (٤١٤/٢). وسُئلَ الإمامُ أحمدُ عن هذا الحديث(١)، فقالَ : (اضْرِبْ عليهِ؛ فإنهُ عندي منكرً) . وقال الترمذيُ : ((هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ ، لا نعرفهُ إلا من حديثِ مشرحِ بنِ هاعانَ)). فمحصلةُ القولينِ : أنَّ هذا الحديثَ خطأٌ ، وأنَّ المخطئَ فيهِ مشرحٌ هذا ؛ لأنهُ هو المتفردُ به . ومشرحٌ هذا ؛ وإن كانَ من جملة الثقاتِ ، إلا أنهم تكلمُوا في حفظه ، وقد ذكرَهُ ابنُ حبانَ في ((الثقات)) (٤٥٢/٥)، وقالَ: ((يُخطئُ ويُخالفَ)) . وقالَ في ((المجروحين)) (٢٨/٣): (يَروي عن عقبةَ بنِ عامرٍ أحاديث مناكير ، لا يتابعُ عليها ، والصوابُ في أمرهِ : تركُ ما انفردَ من الروايات، والاعتبارُ بما وافقَ الثقات)) .. قلتُ : وهذا من حديثِهِ عن عقبةَ بنِ عامرٍ ، ومما تفردَ به ، ولم يتابع عليهِ من قِبَلِ الثقاتِ ولا غيرِهم ، وقد أُنْكرَ عليهِ كما سبقَ . لكنْ؛ جاءَت متابعةٌ له من أبي عشانةَ واسمُهُ : حَيُّ بنُ يُومنَ ، غيرَ (١) ((المنتخب من علل الخلال)) (١٠٦) بتحقيقي. ٢٢٤ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ أنَّها متابعةٌ لا تصحّ من جهةٍ إسنادِها ، ثمَّ إنَّ راويها اضطربَ فيها ، فروى الحديثَ مرةً أخرى عن مشرحٍ على الصوابِ ، لا عن أبي عشانةَ . فقد رواهُ : يحيى بنُ كثير الناجيُّ ، عنِ ابنِ لهيعةً، عن أبي عشانةَ ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ ، بِهِ . ءُ أخرجَهُ: الطبرانيَّ (٣١٠/١٧). وهذا ؛ لا ينفعُ لإثباتِ المتابعةِ لمشرحٍ ، ودفعِ تفردِه بالحديثِ ؛ فابنُ لهيعةَ ضعيفُ الحفظ ، وقد اضطربَ فيهِ ، فرواهُ مرةً أخرى عن مشرحٍ، عن عقبةَ ، بهِ . أخرجَهُ: أبو بكر النجادُ في ((الفوائد المنتقاة)) - كما في ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيِّ (٣٢٧) : وهذا هو الصوابُ ، فالحديثُ حديثُ مشرحٍ . واللهُ أعلمُ . مثالٌ آخرُ : وقدِ اضطربَ ابنُ لهيعةَ في حديثٍ آخرَ بنحو هذا الاضطرابِ .. وهو حديثُ : ((أَكْثَرُ مُنَافِي أُمِّي ◌ُرَاوِهَا)) . فقد رواهُ مرةً، فقالَ : عن أبي عشانةَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ ، عن النبيَ . صَكَلَ الله وسيلة أخرجه : الطبرانيّ (٣٠٥/١٧). وقالَ مرةً أخرى : عن مشرحٍ بنِ هاعانَ، عن عقبةً . ٢٢٥ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ أخرجه: أحمدُ (١٥١/٤) والفريابيّ في ((صفة النفاق)) (٣٠) (٣١) (٣٢) وابنُ عديِّ (١٤٨/٤) والخطيبُ في ((التاريخ)) (٣٥٧/١) والذهبيّ في ((السير)) (٢٧/٨ - ٢٨، ٣٩٦). وهكذا ا ؛ اضطربَ ابنُ لهيعةَ في هذا الحديثِ ؛ إلا أنَّ الوجهَ الأخيرَ أشبهُ بالصواب ؛ فقد تُوبِعَ عليهِ : تابعَهُ : الوليدُ بنُ المغيرةَ ، عن مشرحٍ ، بِهِ . أخرجه: أحمدُ (١٥٥/٤) والفريابيُّ (٣٣). وقد استدلَّ الإمامُ الذهبيُّ - عليهِ رحمةُ اللَّهِ - بهذه المتابعةِ على صحةِ هذا الوجهِ ، فقالَ في ((السير)) (٢٧/٨ - ٢٨): ((هذا حديثٌ محفوظٌ ؛ قد تابعَ فيه الوليدُ بنُ المغيرةِ ابن لهيعةَ ، عن مشرحٍ)) . قلتُ : فعادَ الحديثُ إلى حديثٍ مشرحٍ ، وقد عرفتَ حاله في المثالِ السابقِ . مثالٌ آخرُ : حديثُ : حكيمٍ بنِ جبير ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ ، عن أبيه ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ - مرفوعًا - : ((مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيه ، جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ))، فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ، وَمَا الْغِنَى؟ قالَ: ((خَمْسُونَ دَرْهَمًا، أَو قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ)). أخرجه : أبو داود (١٦٢٦) والترمذي (٦٥٠) والنسائي (٩٧/٥) وابن ماجه (١٨٤٠) وأحمد (٣٨٨/١-٤٤١) . ٢٢٦ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ فهذا ؛ مما تفرَد به حكيمُ بنُ جبيرِ هذا ، وتكلمَ فيهِ شعبةُ وغيرُهُ من أجلِ هذا الحديثِ . لكن ؛ رواه يحيى بنُ آدمَ ، عن سفيانَ الثوريِّ ، عن زَبَيْد الياميِّ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ یزیدَ . أخرجُوه أيضًا ؛ إلا أحمد . فهذه الروايةُ ؛ فيها متابعةٌ لحكيمٍ من زُبَيْدٍ . إلا أنَّ النقادَ - عليهم رحمةُ اللَّهِ تعالى - لم يعتدوا بتلكَ المتابعة ، وأصروا على الحكمٍ بتفردِ حكيمٍ بالحديثِ ، وحكمُوا على هذه المتابعة بالخطأِ والنكارةِ ، وصرحَ بعضُهم بأنَّ الخطأ فيه من يحيى بنِ آدمَ ، وهو وإن كانَ من الثقاتِ ، إلا أنَّه ليسَ من المبرزينَ من أصحابِ الثوريِّ(١). قالَ عباسُ الدوريُّ (٢): ((سمعتُ يحيى - وسألتُهُ عن حديثِ حكيمٍ بنِ جبيرٍ ، حدیثِ ابنِ مسعود : ((لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لمَنْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دَرْهَمًا)) - : يرويه أحدٌ غيرُ ئے حكيمٍ ؟ فقال يحيى بنُ معينِ : نعم ، يرويه يحيى بنُ آدَمَ ، عن سفيانَ ، عن زَبَيْدٍ ، ولا نعلمُ أحدًا يرويه إلا يحيى بن آدمَ ، وهذا وَهْمٌ ؛ لو كانَ هذا هكذا لحدَّثَ به الناسُ جميعًا عن سفيانَ ، ولكنَّه حديثٌ منكرٌ - هذا الكلامُ قالَهُ یحیی أو نحوه)) . وقالَ أبو بكرِ الأثرمُ (٣): (١) الفسوي (١/ ٧١٧) .. (٢) ((تاريخه)) (١٦٧١) و((الكامل)) (٦٣٤/٢). (٣) ((الكامل)) (٦٣٦/٢). ٢٢٧ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ قُلتُ لأحمدَ : حديثُ حكيمٍ بنِ جبيرِ في الصدقةِ ، رواه زبيدٌ أيضًا ؟ فقالَ: كذا قال يحيى بنُ آدمَ .... )). وقالَ الإمامُ النسائيُّ (١): ((لا نعلمُ أحدًا قالَ في هذا الحديثِ : ((عن زُبَيْدِ)) غير يحيى بنِ آدمَ، ولا نعرف هذا الحديثَ إلا من حديثِ حكيمٍ بنِ جبيرٍ ، وحكيمٌ ضعيفٌ). وقالَ ابنُ حبانَ (٢) ؛ معلّقًا على بعضِ رواياتِهِ : ((ليسَ له طريقٌ يُعرفُ ولا روايةٌ ، إلا من حديثِ حكيمٍ بنِ جبيرٍ )). وقد جاءَ لحكيمٍ متابعٌ آخرُ ، من طريقٍ غيرِ محفوظ أيضًا : فقد رواه : محمدُ بنُ مصعبِ القَرْقَسَانِيُّ ، عن حمادِ بنِ سلمةَ ، عن إسرائيلَ ، عن أبي إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ . قالَ الإمامُ الدار قطنيُّ (٣): ((ووهمَ - يعني: القرقسانيّ - في قولِهِ: ((عن أبي إسحاق))، وإنما رواه إسرائيلُ عن حكيمٍ بنِ جبيرٍ) (٤) . قلتُ : فعادَ الحديثُ إلى حكيمٍ بنِ جبيرٍ ؛ فلا متابعةَ . مثالٌ آخرُ : حديثُ : ((مَاءُ زَمْزَمَ لَمَا شُربَ لَهُ)) . (١) ((تحفة الأشراف)) (٨٥/٧). (٢) ((المجروحين (٢٤٧/١). (٣) ((العلل)) (٢١٦/٥)، وراجع ((تهذيب السنن)) للمنذري (١٥٥٩). (٤) وراجع: ((المجروحين)) (٢٤٧/١). ٢٢٨ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ أخرجه: أحمدُ (٣٥٧/٣-٣٧٢) وابن ماجه (٣٠٦٢) والعقيليّ . ءِ (٣٠٣/٢) وابن عديٌّ (١٤٥٥/٤) والطبراني في ((الأوسط)) (٨٤٩) (٩٠٢٧) والبيهقيَّ (١٤٨/٥) وغيرهم . من طريق : عبدِ اللهِ بن المؤمَّلِ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرِ بن عبد اللهِ، عن رسول الله وَله. فهذا الحديثُ ؛ يرويه : عبدُ اللَّه بنُ المؤمَّل ، وقد تفردَ به بهذا الإسنادِ ، لم يتابعْ عليهِ من وجهِ يصحُّ ؛ قالَ ذلكَ غيرُ واحدٍ من الحفاظ ؛ كالعقيليُّ، والبيهقيِّ ، وابنِ عديُّ، والطبرانيِّ ، وابنِ حجرٍ ، وغيرهم . ءِ وقد رواه : البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) (٢٠٢/٥) من طريقِ فيهِ نظرٌ، عن إبراهيم بن طهمانَ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ ، بهِ ؛ فذكرَ متابعةَ ابنِ طهمانَ لابنِ مؤملٍ . قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ (١) : ((وقيلَ: إنَّ راويها سقطَ عليه ((عبدُ اللَّهِ بنُ المؤملِ))، ومن ثَمَّ قالَ البيهقيَّ : إنَّ ابنَ المؤملِ تفردَ بهِ . وقد جرتْ عادةُ كثيرٍ من الحفاظ إطلاقُ التفردِ معَ أنَّ مرادَهم فيهِ تفردُ الثقة)) . وجزمَ بذلكَ في ((التلخيص)) (٢) ، فقالَ : ((قلتُ : ولا يصحُّ عن إبراهيمَ ؛ إنَّما سمعهُ إبراهيمُ مِن ابنِ المؤملِ )). (١) في ((جزئه)) في هذا الحديث (ص٢٥) . (٢) ((التلخيص)) (٢ /٥١٠). ٢٢٩ الْمُتَبَعَةُ .. وَالْقَلْبُ قلتُ : صدقَ الحافظُ - رحمه الله تعالى - في قوله: ((لا يصحّ عن إبراهيم))، أما أنَّه أخذَهُ من ابن المؤمَّلِ، فهذا أمرٌ واردٌ، ولكنَّه بعيدٌ هنا ؛ لأنَّه لو كانَ كذلكَ لرواه أصحابُهُ الثقاتُ - أو بعضُهم - عَنْه . والحاصلُ ؛ أنَّ متابعةَ إبراهيمَ لابن المؤمَّلِ لا تصحُّ ، فيبقى ابنِ المؤمَّلِ متفردًا بالحديثِ؛ وبهذا يَسْلَمُ حكمُ البيهقيِّ بتفردِّهِ بِهِ ، ولا يصحُ تعقبُ ابن التركمانيِّ له برواية ابن طهمانَ ، لا سيما ؛ وأنَّه لم يتفرَّد بقوله هذا، بلْ سبقَهُ به غيرُ واحدٍ من الحفّاظِ ، وقد سبقتِ الإشارةُ إليهم . وقد جاءتْ متابعةٌ أخرى لابنِ المؤمَّلِ ؛ وهي لا تصحُّ أيضًا: فقد رواهُ : عبد الرحمن بن المغيرة ، عن حمزةَ الزياتِ ، عن أبي الزبيرِ ، به . ءِ أخرجه : الطبرانيّ في «الأوسط)) (٣٨١٥)، وقالَ : ((لم يَرْو هذا الحديثَ عن حمزة الزيات ، إلا عبد الرحمن بن المغيرة)). قال الحافظُ ابن حجرٍ (١) : ((وطريقُ حمزة هذه ؛ روِّيناها في ((الأوسط)) للطبرانيِّ ؛ وأخطأً فيه راويه ؛ إنما هو : عن عبد الله بن المؤمَّلِ ، فهو المتفرِّدُ بِهِ)) . مثالٌ آخرُ : حديثُ : عبد اللَّهِ بنِ دينارٍ ، عن ابنِ عمرَ - رضي اللَّه عنهما - : نَهى رسولُ اللّهِ ◌َّهِ عَنْ بَعِ الَوَلاَءِ وَعَّنْ هِتِهِ . (١) في ((جزئه)) (ص٢٥) . ٢٣٠ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ فهذا الحديثُ ؛ حديثُ ابنِ دينارٍ ، عنِ ابنِ عمرَ ، هو المتفردُ به عنهُ، لا يصحُّ إلا من هذا الوجهِ . هكذا ؛ قالَ الأئمةُ ، عليهم رحمةُ اللَّه تعالى . وقد رواهُ بعضُهم ، فقالَ : عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ ؛ فخطَّهُ الأئمةُ في ذلكَ. فقد رواهُ : يحيى بنُ سليمٍ الطائفيُّ - وهو صدوقٌ في حفظهِ ضعفٌ . عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وإسماعيلَ بنِ أميةَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ . قالَ الترمذيُّ (١): (وهمَ فيه يحيى بنُ سليمٍ، والصحيحُ: هو عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ، عن عبد اللَّه بن دينارِ ، عن ابنِ عمرَ ؛ هكذا روى عبدُ الوهابِ الثقفيّ وعبدُ اللَّهِ بِنَّ نمَيرٍ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ ، عن ابنِ عمرَ)) اهـ . وقالَ أبو يعلى الخليليُّ (٢): ((أخطأَ فيه يحيى ؛ لأنَّ هذا رواه عبيدُ اللَّه وغيرُهُ ، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابنِ عمرَ ؛ وليسَ هو من حديثِ نافعٍ)) . وقالَ ابنُ رجبٍ (٣). ((لا يصحُّ عنِ النبيِّ نَّهِ إِلاَّ من هذا الوجهِ - يعني : عن ابنِ دينارٍ - ، ومن رواهُ من غيرِهِ فقد وهمَ وغلطَ)) . (١) في آخر ((الجامع)) (٧٥٩/٥)، وكذلك في ((العلل الكبير)) (ص١٨١- ١٨٢). (٢) في ((الإرشاد)) (٣٨٦/١ - ٣٨٧) وانظر ((الأوسط)) للطبراني (١٣١٩). (٣) في ((شرح العلل)) (٦٢٩/٢). ٢٣١ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ ورُوي من وجهٍ آخرَ عن نافعٍ ؛ وهو خطأً أيضًا : فقد رواه : سعيدُ بنُ يحيى الأمويُّ ، عن أبيهِ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، به . قالَ أبو حاتم الرازيُّ (١): (نافعٌ؛ أخذَ هذا الحديثَ عن عبد اللَّه بن دينار؛ ولكنْ هكذا قالَ)) . ورواهُ أبو حاتم الرازيُّ ، عن قَبِيصَةَ بنِ عقبةَ ، عن سفيان الثوريِّ ، عن عُبيد الله بن عُمر، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ وَّه . أخرجه: الخليليَّ في ((الإرشاد)) (٥٧٢/٢). وقال الخليليُّ : (( وهَذا مما نُقِمَ على أبي حاتمٍ ؛ فليسَ هَذا من حديثِ نافعٍ عن ابنِ عمرَ ؛ إنَّما هو عند سفيانَ : عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمرَ . ورواهُ عُبيد الله بن عمرَ ، عن عبدِ الله بن دينارِ ، عن ابن عمرَ ؛ ونافعٌ هَاهُنَا خَطأٌ، وقد حدَّثَ بهِ غَيرُ أبي حاتمٍ ، عن قَبِيصَةَ ، عن سفيانَ ، عن عبد الله بن دينارٍ ، عن ابن عمرَ ؛ على الصَّوابِ)). وذكرَ الحافظُ ابن حجرٍ في ((النكت)) (٢) روايةَ قَبِيصَةَ هَذه، ثم قالَ :. ((وقد وهمَ فيه قبيصةُ ؛ فقد خرجهُ الشيخان في ((الصحيحين)) من حديثِ الثوريِّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ ، عنِ ابنِ عمرَ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ، على المحفوظِ)). (١) في ((العلل)) (١١٠٧). (٢) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٦٧١/٢ - ٦٧٢). ٢٣٢ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلبُ قالَ : ((وعلى تقديرِ أنْ يكونَ محفوظًا، فقد سقطَ منه ((عبدُ اللَّه بن دينار)) بين نافعٍ وابنِ عمرَ ؛ كما أشارَ إليه أبو حاتمٍ قبلُ) اهـ . قلتُ : وهذا من الأخطاءِ التي تتواردُ عليها الأذهانُ ، ويتفقُ على الخطإِ فيها الرواةُ ؛ لكونها جاريةً على الجادةِ المعهودةِ . وقد رواه بعضهم ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن ابنِ عمرَ . رواه هكذا : أحمدُ بنُ محمدِ بنِ يحيى بنِ حمزةَ ، عن أبيه ، عن سفيانَ الثوريِّ ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، به . أخرجَهُ: الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٥٠). وقالَ : ((لم يروه عن سفيانَ ، عن عمرِو بنِ دينارٍ ؛ إلا يحيى بنُ حمزةَ ، تفردَ به وَلَدُهُ عنهُ؛ ورواهُ الناسُ ، عن سفيانَ ، عن عبد الله بنِ دینار)) . قالَ الحافظُ (١): ((وهو وهمَ ؛ والمحفوظُ من حديثِ الثوريِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ ، كما تقدمَ . واللَّهُ أعلمُ» . قلتُ : وقد وقعَ يحيى بنُ حمزةَ في حديثٍ آخرَ في مثلِ هذا الخطإِ ، فراجعُه في كتابي (ردع الجاني)) (ص ١٢٤). ولعلَّ وقوعَ ذلكَ بسببِ التصحيفِ ، فإنَّ تصحيفَ ((عبد اللَّهِ)) إلى ((عمرٍو)) سهلٌ ؛ لا سيما وأنَّهما مشهورانِ بالروايةِ عن ابنِ عمرَ ، وبروايةِ ء (١) في ((النكت)) (٦٧٢/٢). ٢٣٣ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ الثوريِّ عنهما . وقد أُبْدِلَ أحدُهُما بالآخرِ في حديث ((البَيْعَان بالخيَار))، وقد سبق الكلامُ فيه في موضعه (١) . مثالٌ آخرُ : حديثُ : صدقةَ بنِ موسى الدَّقِيقِيِّ، عن فَرْقَدِ السَّبَخِيِّ ، عن إبراهيمَ ، عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ - مرفوعًا - : ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَنَعْتَهُ إِلَى غَنِيِّ أَوْ فَقِيرِ ، فَهُوَ صَدَقَةٌ)) . أخرجَهُ: الطبرانيّ في ((الكبير)) (١١٠/١٠) وكذا في ((مكارم الأخلاق)) (١١٢) وابنُ عديّ (١٣٩٥/٤) والبزارُ (١٥٨٢) والدارقطنيّ في 93 ((الأفراد)) (٢١٣/ ب - أطرافه) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤٩/٣). وقالَ ابن عديٍّ - في ترجمةٍ صدقةَ - : ((وهذا الحديثُ عن فرقدٍ ؛ لا أعلمُ يَرويه عنه غير صدقةَ بنِ موسى)) . وقالَ البزارُ : ((وهذا الحديثُ ، لا نعلمُهُ يُروى عن عبد اللَّه ، إلاَّ من هذا الوجه ، بهذا الإسنادِ)). وقالَ الدار قطنيّ : ((غريبٌ من حديثِ فرقدِ السبخيِّ عن إبراهيمَ ، تفردَ به : صدقةُ بنُ موسی الدقيقيّ» . (١) راجع: ((فصل : المتابعَةُ .. والتَّصحيفُ). ٢٣٤ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ وقالَ أبو نعيمٍ : ((غريبٌ من حديثِ فرقدٍ ، تفردَ به عن فرقدٍ : صدقةُ بنُ موسى))(١). فأنتَ ترى الأئمةَ قد تتابعوا على أنَّ صدقةَ بنَ موسى الدقيقيّ هو المتفردُ بهذا الحديثِ عن فرقد السبخيِّ ، وقدِ اتفقوا على ذلكَ ، واجتمعتْ علیهِ كلمتُهم . لكنْ؛ رواهُ أبو نعيمٍ في («الحلية)) (١٩٤/٧)، من طريقِ مسلمٍ بنِ إبراهيمَ الفراهيديِّ ، عن شعبةَ، عن فرقدٍ ، بهِ . وقالَ أبو نعيمٍ : ((غريبٌ ؛ تفردَ به مسلمٌ عن شعبةَ ، ولا أعرفُ لشعبةَ عن فرقد غيرَه)). قلتُ : وهو خطأٌ قطعًا؛ ويدلُّ عليه أمورٌ : الأولُ : اتفاقُ الأئمة على أنَّ هذا الحديثَ مما تفردَ به صدقةُ الدقيقيّ عن فرقدٍ . الثاني : أنَّ شعبةَ لا يروي عن فرقدِ السَّبخيِّ، إلا ما جاءَ في هذا الموضعِ ؛ كما ذكرَ أبو نعيمٍ . الثالثُ: أنَّ المعروفَ عن شعبةَ بغيرِ هذا الإسنادِ ؛ فقد رواهُ جماعةٌ من أصحابِ شعبةَ ، فقالوا : (عن شعبةَ، عن أبي مالكِ، عن رِبْعِيٌّ، عن حذيفة)). وقد ذكرَهُ أبو نعيمٍ قبلَ هذا ، وقالَ : (مشهورٌ عن شعبةَ) . (٢) وراجع: ((العلل)) للدارقطني (١٥٢/٥) و((السلسلة الصحيحة)) (٢٠٤٠). ٢٣٥ الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ ولا أستبعدُ أنْ يكونَ ((صدقةُ)) تصحفَ إلى ((شعبةَ)؛ فإنَّ مسلمَ بنَ إبراهيمَ الفراهيديَّ يروي عن صدقةً ، كما يروي عن شعبةَ . وإنْ صحَّ هذا ؛ فالخطأُ في هذا الحديثِ ممن دونَ مسلمٍ الفراهيديِّ في الإسنادِ . واللهُ أعلمُ . ومن لطيفٍ ما جاءَ في ذلكَ : قالَ البرذعيُّ (١) : ((شهدتُ أبا زرعةَ، وذَكَرَ له صالحٌ جزرةُ رجلاً - سماهُ له ، أُنسيت اسمهُ - ، فقالَ لهُ صالحٌ : رَوَى عن شعبةَ ، عن أبي جمرةَ ، عنِ ابنِ عباس : ((أَبْرِدُوهَا بِمَاءِ زَمْزَمَ))، فوقعَ على أبي زرعةَ الضحكُ العظيمُ مما قالَ؛ وذاكَ أنَّ هذا ليسَ من حديث شعبةَ ، إنما رواهُ همامٌ)) . قلت : وحديث همام ؛ أخرجه البخاري (١٤٦/٤). وبالله التوفيقُ . (١) في ((سؤالاته لأبي زرعة)) (٢/ ٥٧٧-٥٧٨). الشَّوَاهدُ .. وَالقَلْبُ وقد يقعُ ذلكَ القلبُ أيضًا في طبقةِ الصحابةِ ؛ كأنْ يكونَ الحديثُ مشهورًا من حديثِ صحابيِّ معينٍ ، فيُجعلُ من حديثٍ صحابيٌّ آخرَ ، فيظنُّ من لا يفطِنُ لهذا أنَّهما حديثانِ عن صحابيينِ ، فَيَجْعلُ كلاً منهما شاهدًا للآخرِ ، وليسَ الأمرُ كذلكَ؛ بل هو حديثٌ واحدٌ ، عن صحابيّ واحد ، أخطأ من جعلَهُ عنِ الصحابيِّ الآخرِ. مثالُ ذلكَ : حديثُ : النَّهَاسِ بنِ قَهْمٍ ، عن شدادِ أبي عمارٍ ، عن معاذِبنِ جبلٍ ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ستٌّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَّةِ: مَوْنِي، وَفْتَحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَمُوتٌ يَأْخُذُّ فِي النَّاسِ كَقُعَاصَِ الْغَنَمِ، وَفِتْنَةٌ يَدْخُلُ حَرْبُهَا بَيْتَ كُلَّ مُسْلِمٍ ، وَأَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ أَلْفَ دِينَارِ فَيَتَسَخَّطُهَا، وَأَنْ تَغْدِرَ الرُّومُ فَيَسِيرُونَ فِي ثَمَانِينَ بَنْدًا ، تَحْتَ كُلِّ بَنْدِ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًّا)). أخرجهُ: أحمدُ في ((المسند)) (٢٢٨/٥). فهذا المتنُ؛ صحيحٌ ثابتٌ عن رسولِ اللَّهِ وَهِ، ولكن من حديثٍ عوفِ بنِ مالكٍ . أخرجهُ: البخاريَّ (١٢٣/٤) وغيره . وأمَّا من حديث معاذ ، فهو غريبٌ ، تفردَ بهِ النهاسُ بنُ قَهْم هذا ، وهو ضعيفٌ . ٢٣٧ الشَّوَاهِدُ .. وَالقَلْبُ وقد ذكرَ الإمامُ أحمدُ (١) هذا الحديثَ ، ثمَّ أعلَّه بقوله : ((إنما هو: عن عوفٍ بنِ مالك)). أي : لا شأنَ لمعاذ بهذا الحديث ، وإنما هو حديثُ عوف بن مالك ؛ فلعلَّ النهاسَ دخلَ عليه إسنادٌ في إسنادٍ ، أو لعلَّه أرادَ أن يقولَ : ((عن عوف ابن مالك)» فأخطأ وقالَ: ((عن معاذ)) . ويؤيدُ ذلك : أنَّ شدادًا هذا لا يعرفُ بالروايةِ عن معاذ ؛ فهذا إسنادُ غريبٌ ثمَّ وجدتُ الإمامَ ابنَ أبي عاصمٍ قالَ في كتاب ((الآحاد والمثاني)) (١٨٤٦ ) : ((وليسَ يصحُّ عن معاذ - رضي اللهُ عنهُ - إلاَّ ما رَوى عنه أصحابُ النبيِّ وٌَّ، أو قدماءُ تابعي الشامِ، وأجلَّتهم) (٢). مثالٌ آخرُ : حديثُ : عمارةَ بنِ القعقاعِ ، عن أبي زرعةَ بنِ عمرو بنِ جريرٍ ، أنَّ عمرَ بنَ الخطاب قالَ: قَالَ النبيُّنَّهَ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأَنَاسًا، مَا هُمَّ بِأَنْبِيَاءَ وَلَاَ شُهَدَاءَ ، يَغَبِطُهُمُ الأَنِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَّ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَلَّى)) . الحديث . أخرجَهُ: أبو داودَ (٣٥٢٧) والطبريَّ في ((التفسير)) (١٣٢/١١) والبيهقيُّ في ((الشعب)) (٨٩٩٨) من طريقِ جريرِ بنِ عبدِ الحميدِ ، عن عمارةَ ، به . (١) ((المنتخب من علل الخلال)) (١٩٥). (٢) وراجع: ((السلسلة الصحيحة)) (١٨٨٣). ٢٣٨ الشَّوَاهِدُ .. وَالقَلْبُ وهذا منقطعٌ ؛ أبو زرعةً لم يُدرك عمرَ . لكنْ؛ رواه قيسُ بنُ الربيعِ ، عن عمارةَ ، عن أبي زرعةَ ، عن عمرٍو ابنِ جریرٍ ، عن عمرَ . أخرجَهُ : أبو نعيمٍ في ((الحلية)) (٥/١). هكذا ؛ ((عن أبي زرعةً عن عمرو بنِ جريرٍ)) . فإنْ لم تكنْ ((عن)) هذه تصحيف ناسخٍ أو طابعٍ ، فهي تصحيفٌ من قيسِ بنِ الربيعِ نفسِهِ ؛ فإنه كانَ ضعيفًا . لكنْ ؛ رواه محمدُ بنُ فضيلِ ، فأخطأَ فيه خطأ آخرَ . فرواه : عن أبيهِ ، عن عمارةَ بنِ القعقاعِ ، عن أبي زرعةَ ، عن أبي هريرةَ . . فجعلَهُ من مسند ((أبي هريرةَ»، وليسَ من مسند ((عمرَ))، سَالكا فيه الْجَادَّةَ ؛ لأنَّ أبا زرعةَ أكثرُ ما يروي عن أبي هريرةَ . أخرجه : ابنُ حبانَ (٥٧٣) والطبريُّ (١٣٢/١١) والبيهقيَّ (٨٩٩٧). وهذا خطأٌ؛ والصوابُ أنه من مسند ((عمرَ))، لا من مسند ((أبي هريرةَ)) . قالَ البيهقيّ : ((كذا قالَ: ((عن أبي هريرةَ))، وهو وهمٌ؛ والمحفوظُ : عن أبي زرعةَ ، عن ((عمرَ بنِ الخطاب)). وأبو زرعةَ، عن عمرَ - مرسلاً)) . قلتُ : فرجعَ الحديثُ إلى الطريقِ الأولِ ، وهو الصوابُ . ٢٣٩ الشَّوَاهِدُ .. وَالقَلْبُ وقد سبقَ أنه منقطعٌ . وبهذا ؛ تدركُ الخطأ الذي وقَعَ فيه المعلقُ على ((صحيح ابن حبانَ)) ، حيثُ اعتبرَ حديثَ أبي هريرةَ غيرَ حديثِ عمرَ بن الخطابِ ، ثم ذهبَ ؛ فجعلَ كلاً منهما شاهدًا للآخرِ !! مثالٌ آخرُ : قالَ ابنُ ماجه ( ١٦٦٠) حدثنا محمدُ بنُ عُمرَ المقرئ : ثنا إسحاقُ بنُ عيسى : ثنا حمادُ بنُ زيد ، عن أيوبَ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، عن أبي هريرةَ ، قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ بَ له: «الفِطْرُ يَوْمَ تَفْطُرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ). قالَ الشيخُ الألبانيُّ (١): «هذا سَنَدٌ رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ ، غيرُ محمدِ بنِ عُمرَ المقرئِ ، ولا يعرفُ - كما في ((التقريب)) - ، وأرى أَنَّه وهم في قوله : ((محمدِ بنِ سيرينَ))، وإنما هو ((محمدُ بنُ المنكدرِ)) . هكذا ؛ رواه العباسُ بنُ محمدِ بنِ هارونَ وعليّ بنُ سهلِ ، قالا : نا إسحاقُ بنُ عيسى الطباعُ ، عن حمادِ بنِ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن أبي هريرةَ ، به . أخرجهُ: الدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ٢٢٤). وهكذا ؛ رواه محمدُ بنُ عبيدٍ - وهو : ابنُ حِسابٍ ، ثقةٌ من رجال مسلمٍ - ، عن حمادِ بنِ زيدٍ ، به . (١) في ((السلسلة الصحيحة)) (١/ ٣٩٠ - ٣٩١). ٢٤٠ الشَّوَاهدُ .. وَالقَلْبُ أخرجهُ : أبو داودَ (٢٣٢٤): حدثنا محمدُ بنُ عبيدٍ ، به . وهكذا ؛ رواهُ روحُ بنُ القاسمِ وعبدُ الوارثِ ومعمرٌ ، عن محمدِ بنِ المنكدر ، به . أخرجهُ: الدارقطنيُّ وأبو عليِّ الهرويَّ في ((الأول من الثاني من الفوائد)) (ق ١/٢٠) ، عن روحٍ . وأخرجهُ : البيهقيُّ (٢٥٢/٤) عن عبدِ الوارثِ . وأخرجهُ : الهرويُّ ، عن معمرٍ ، قرنَهُ مع روحٍ ، رواه عنهما يزيدُ بنُ زريع . وقد خالفَهُ في روايتهِ عن معمرٍ : يحيى بنُ اليمان ، فقال : عن معمرٍ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن عائشةً ... أخرجهُ: الترمذيُّ (٨٠٢) والدار قطنيّ (٢٢٥/٢). وهو عندي ضعيفٌ من هذا الوجه ؛ لأن يحيى بنَ اليمان ضعيفٌ من قِبَلِ حفظهِ ، وفي ((التقريب)): ((صدوقٌ عابدٌ، يخطئُ كثيرًا، وقد تغيرَ)) . قلتُ : ومع ذلكَ ؛ فقد خالفَهُ يزيدُ بنُ زريع ، وهو ثقةٌ ثبتٌ ، فقالَ : عن معمرٍ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن أبي هريرةَ . وهذا هو الصوابُ بلا ريبٍ ، أنه من مسند أبي هريرةَ ، ليسَ من مسند عائشةَ)) اهـ . ٠ انتهى كلامُ الشيخِ الألبانيِّ - حفظهُ اللَّهُ تعالى . ويتبينُ مما سبقَ : أنَّ هذا الحديثَ أخطأَ فيه الرواةُ في موضِعِينِ ؛