النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
ذكرَ ذلكَ ابنُ الصلاحِ (١) ، ثمَّ قالَ :
((ذكرَ الدارقطنيُّ أَنَّه منْ تصحيفِ السمعِ لا من تصحيفِ البصرِ، كأنَّهُ
ذهبَ - واللَّهُ أعلمُ - إلى أنَّ ذلكَ ممَا لا يشتبهُ من حيثُ الكتابةُ، وإنَّما
أخطأ فيِهِ سَمْعُ مَن رواهُ)) .
مثالٌ آخرُ :
الحديثُ : الذي رواهُ الحاكمُ في ((المعرفة)) ( ص ١٥٠ - ١٥١)،
قالَ : حدثني عمرُو بنُ جعفرِ البصريُّ ، قالَ : حدثنا عبدانُ ، قالَ :
حدثنا مَعْمرُ بنُ سهلِ ، قالَ : ثنا عامرُ بنُ مُدْركِ ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ،
عن أُكَيْلِ، عن ابنِ أبي نُعْمٍ، عن المغيرةِ بنِ شعبةَ، أنَّ النبيَّ وَّ تَوَضَّأَ
وَمَسَحَ عَلِّى الْخُفَيْنِ .
قالَ الحاكمُ :
((صحَّفَ الأَهْوَازِيُّونَ في ((أُكَيْلِ))، وإنما يرويه الحسنُ بنُ صالحٍ ،
عن ((بُكَيْرِ)) بنِ عامرٍ البجليِّ، عن ابنِ أبي نُعْمٍ ، فكأنَّ الراوي أخذَهُ إملاءً؛
سمعَ بُكَيْرًا ، فتوهَّمَهُ أُكَيْلاً)).
مثالٌ آخرُ :
رَوَى : سفيانُ الثوريُّ، عن خالد الحذاءِ ، عن أبي نَعامةَ ، عن
أنسٍ ، أنَّ النبيَّ وَهْ لَمْ يَكُنْ، وَلاَ أَبُو بَكْرٍ، وَلاَ عُمَرُ يَجْهَرُونَ بـ ((بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) .
كذا ؛ رواهُ غيرُ واحد عن سفيانَ ، وكذا هو في كتابٍ
(١) في ((علوم الحديث)) (ص٢٨٤) .

١٨٢
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
الأشجعيِّ عن سفيانَ .
وخالفَهم يحيى بنُ آدَمَ ، فرواهُ عن سفيانَ ، عن خالد ، عن
أبي قلابةَ ، عن أنسٍ .
ووهمَ فيه ؛ إنما هو : ((أبو نَعامةَ)).
قالَهُ - : الإمامُ أحمدُ، وابنُ المدينيِّ، والدارقطنيُّ (١).
وأبو نعامةً، اسمُهُ : قيسُ بنُ عبايةَ ، وأبو قلابةَ ، اسمُهُ : لاحقُ بنُ
حميد .
مثالٌ آخرُ :
قالَ ابنُ عديٍّ في ((الكامل)) (٤/ ١٤٢٠) في ترجمةِ ضِرَارِ بنِ عمرٍو
المَلْطِيِّ :
حدثنا القاسمُ بنُ الليثِ بنِ مسرورٍ : حدثنا عبدُ اللَّه بنُ معاويةَ :
حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ - هو : القَسْمَلِيَّ - ، عن ضرارِ بن عمرو ، عن
محاربِ بنِ دثارٍ ، عن ابنِ بريدةَ، عن أبيهِ ، قال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ:
((أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمَاتَةُ صَفٍَّ، هَذِهِ الأُمَّةُ مِنْهَا ثَمَانُونَ) .
قلتُ : وضرارُ بنُ عمرو هذا؛ ضعيفٌ ، وابنُ عديٍّ إنما ساقَ هذا
الحديثَ في ترجمتِهِ مُنْكِرًا لَهُ عليهِ .
لكنْ؛ رواهُ أحمدُ فى «المسند» (٣٤٧/٥ - ٣٥٥) من طريقِ عفانَ بنِ
(١) انظر: ((أطراف الغرائب)) لابن طاهر (١٣٥٨) و((شرح البخاري)) لابن رجب (٣٧٣/٤)
و((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٧٥١/٢ - ٧٥٢).
:٠

١٨٣
الْمُتَبَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
مسلمٍ وعبدِ الصمدِ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ مسلم القسمليِّ ، عن أبي سنانَ ،
عن محاربٍ ، بهِ .
وأبو سنانَ ؛ هو ضرارُ بنُ مرةً ، وصرحَ بهِ في الموضعِ الثاني .
وضرارُ بنُ مرةً ، غيرُ ضرارِ بنِ عمرٍو ، والأولُ ثقةٌ ، بينما الثاني
ضعيفٌ، كما سبقَ .
فقد يُقالُ : لعلَّ أحدهما تابعَ الآخرَ .
وهذا يقتضي ردَّ إنكارِ ابنِ عديٍّ للحديثِ على ابنِ عمرٍو الملطيِّ .
وقد يُقالُ : لعلَّ ابنَ عمرٍو إنما سرقَ هذا الحديثَ من ابنِ مرةً .
وعليه ؛ يكونُ معنى إنكارِ ابنِ عديِّ ، هو اتهامُ ابنِ عمرِو بسرقتِهِ ،
وليس إنكارًا لأصلِ الحديثِ .
وكلُّ ذلكَ محتملٌ .
لكنِ ؛ الظاهرُ : أنَّ هذا خطأٌ من القسمليِّ أو ممَّن دونهُ؛ فإنَّ
القسمليّ يروي عنهما جميعًا ، فقد يكونُ أحدٌ ممن دونَ القسمليِّ صحفَ
اسمَهُ، فقالَ: ((ابنَ عمرِو)) بدلَ «ابنِ مرةً»، ثمَّ نسبَهُ اجتهادًا، فقالَ :
(الملطيَّ) .
واللهُ أعلمُ .
ويؤكدُ أنَّ الحديثَ حديثُ ابنِ مرةً ، وليس ابن عمرٍو :
أنَّ محمدَ بنَ فُضيلٍ رواهُ أيضًا عن ابنِ مرةً ، بِهِ .
أخرجَهُ : الترمذيُّ (٢٥٤٦).

١٨٤
الْمُتَبَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
وقالَ : ((حديثٌ حسنٌ)) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : يعلى بن عبيد ، عن سفيانَ الثوريِّ ، عن عمرو بنِ دينارٍ ،
عن ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ بِّهِ: ((البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ)).
قالَ أبو يعلى الخليليُّ (١):
((هذا خطأٌ، وقعَ على يَعْلَى بنِ عبيدٍ، وهو ثقةٌ متفقٌ عليه ،
والصوابُ فيه : عبدُ اللَّه بنُ دينار ، عن ابنِ عمرَ ؛ هكذا رواهُ الأئمةُ منْ
أصحابِ سفيانَ ، عنه ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ)) .
مثالٌ آخرُ :
حديثٌ : يرويه أبو الأشعث - وهو : أحمدُ بن المِقْدام العجليّ - ،
عن عبيدِ بنِ القاسم ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد ، عن ابنِ أبي أوفى ،
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ).
أخرجَهُ : ابنُ عديٌّ في ترجمةِ عُبَيْدِ بنِ القاسمِ هذا من «الكامل» (٥/
١٩٨٨)، ثمَّ قالَ :
((لا يرويهِ عن ابنِ أبي خالدٍ غيرُ عبيد)) .
قلتُ : وعبيدُ بنُ القاسمِ ؛ متروكُ الحديث .
لكنْ ؛ ذكرَ ابنُ التركمانيِّ لهُ متابعًا ثقةً، فقالَ (٢):
((وقد رُوِي الحديثُ من وجه آخرَ ، بسند رجالُهُ ثقاتٌ ؛ قالَ ابنُ جرير
(١) في ((الإرشاد)) (٣٤١/١).
(٢) في ((الجوهر النقيّ» (٢٩٤/١٠).

١٨٥
الْمُتَبَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
5
الطبريُّ في (تهذيب الآثار)) : حدثني موسى بنُ سهلِ الرمليُّ: ثنا محمدُ
ابنُ عيسى - يعني : الطباعَ - : ثنا عبثرَ بنَ القاسم ، عن إسماعيلَ بنِ أبي
خالد» - به .
و ((عبثرُ بنُ القاسمِ)) ثقةٌ، لكنهُ مصحفٌ، والصوابُ: ((عبيدُ بنُ
القاسمِ)) ؛ كما عندَ ابنِ عديٌّ، وقد صرحَ ابنُ عدي بأنهُ لم يروِهِ غيرُهُ .
وقد بينَ ذلكَ الشيخُ الألبانيُّ - حفظهُ اللَّهُ تعالى - ، فقالَ (١):
((وقد تحرفَ اسمُ ((عبيدٍ)) على البعضِ إلى ((عبثٍ))، وعبثرٌ هذا ثقةٌ ،
وكذلكَ وثقَ رجالَهُ ابنُ التركمانيِّ - كما رأيتَ - ، وتبعَهُ السيوطيُّ في
((الجامع الكبير)) (١/ ٣٨٣ / ١)، والظنَّ أنَّهُ هو الذي تصحفَ عليهِ ذلكَ
التصحيف ؛ فإنَّ عبثرًا هذا ، وإنْ كانَ من طبقةِ عبيدِ بنِ القاسمِ ، ومشاركًا
لهُ في الروايةِ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدِ ، فإنَّ الراويَ عنهُ عندَ ابنِ جريرٍ
((محمدُ بنُ عيسى الطباعُ» - كما رأيتَ - ، ولم يُذكرْ في جملةِ الرواةِ عن
عبثرٍ، وإنما عن عبيد ، فتعيَّنَ أنهُ هُوَ)) .
قلتُ : ومما يؤكدُ هذا :
أنَّ الطبرانيَّ خرجَ الحديثَ في ((الكبير))، وعندَه: ((عبيدُ بنُ
القاسم)) .
فقد ذكرَهُ الهيثميّ في («مجمع الزوائد» (٢٣١/٤)، وقالَ :
((رواهُ الطبرانيُّ، وفيهِ : عبيدُ بنُ القاسمِ ، وهو كذابٌ» .
وكذلكَ ؛ خرجَهُ أبو نعيمٍ في ((معرفة الصحابة)) (٢) .
وبهذا ؛ تدركُ خطأً الحافظِ ابنِ حجرٍ في ((التلخيص)) (٢)؛ حيثُ اغتَرَّ
(١) في ((الإرواء)) (١١٣/٦).
(٢) ((التلخيص)) (٢٣٥/٤).

١٨٦
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
بهذا التصحيفِ ، فقالَ :
((ظاهرُ إسناده الصحةُ)).
فإنَّهُ ظنَّ أنَّ الحديثَ عند هؤلاءِ ((عن عبثرٍ))، كما وقعَ في ((تهذيب
الآثار)) للطبريِّ .
وباللَّهِ التوفيقُ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : معاويةَ بنِ صالحٍ ، عن أبي حلبسٍ يزيدَ بن ميسرةَ ، أنَّهُ
سمعَ أمَّ الدرداءِ تقولُ : سمعتُ أبا الدرداءِ يقولُ : سمعتُ أبا القاسمِ
وَّ﴿ - لم أسمعْهُ يكنيهِ قبلَها ولا بعدَها - يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: يَا
عِيسَى بْنَ مَرْيَم! إِنِّي بَاعِثٌ بَعْدَكَ أُمَّةً، إِنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا وَشَكَرُوا،
وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَّهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلاَ حِلْمَ وَاَ عِلَمَ. قَالَ : يَا رَبِّ! كَيِّفَ
يَكُونُ هَذَا لَهُمْ، وَلاَ حِلْمَ وَاَ عِلْمَ؟! قَالَ : أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي)) .
أخرجَهُ: أحمدُ (٦/ ٤٥٠) والبخاريّ في ((التاريخ الكبير))
(٣٥٥/٢/٤ - ٣٥٦) والدولابي في ((الكنى)) (١٥٦/١) والطبرانيّ في
ءُ
((الأوسط)) (٣٢٥٢) و((الشاميين)) (٢٠٥٠) والحاكم (٣٤٨/١) وأبو نعيمٍ في
((الحلية)) (٢٢٧/١) (٢٤٣/٥).
وأدخلَهُ البخاريُّ في ترجمةِ (أبي حلبسٍ يزيدَ بنِ ميسرةً» .
وقالَ الطبرانيّ :
(لم يَرْوِهِ عن أمِّ الدرداءِ إلا يزيدُ بنُ ميسرةَ ، تفردَ بهِ معاويةُ بنُ
صالحٍ)).

١٨٧
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
فالحديثُ ؛ حديثُ يزيدَ بنِ ميسرةً ؛ وهو مجهولٌ .
لكنْ ؛ تصحفَ على البزارِ ، فرواهُ من نفسِ الوجهِ في ((مسنده))
(٢٨٤٥ - كشف)، فتصحفَ فيه ((يزيدُ)) إلى ((يونسَ))، فجاءَ : ((يونس بن
ميسرةَ) .
ويونسُ بنُ ميسرةَ ، ثقةٌ .
وهو أخو يزيدَ ، ويشتركانِ في الروايةِ عن أمِّ الدرداءِ ، ويَروي عنهما
معاويةُ بنُ صالحٍ ، وكلاهما يكنى بـ ((أبي حلبسٍ))، إلا أنَّ يونسَ أشهرُ من
أخيهِ يزيدَ ، وهذا الحديثُ حديثُ يزيدَ ، لا يونسَ .
وقد اغترَّ بذلكَ البزارُ ، فقالَ :
((لا نعلمُ رواهُ من الصحابةِ إلا أبو الدرداء ، ومعاويةُ ويونسُ شامیان
ثقتان، وإسنادهُ حسنّ).
وقد وقعَ في نفسِ التصحيفِ محققُ كتابٍ ((الأربعين الصغرى)) للبيهقيُّ
(٤٧) - طبعةُ دار الكتابِ العربيِّ - وصححَ الحديثَ اغترارًاً بذلكَ، مع أنَّهُ
خرجَ الحديثَ من عدة مصادرَ ، وهو فيها كلِّها عن ((يزيدَ)) وليسَ عن
((يونس)) .
وهو في طبعة دارِ الكتبِ العلميةِ (للأربعين)) (٦٢) على الصواب :
(يزيدُ).
وكذلكَ ؛ أخرجَهُ البيهقيّ في ((الشعب)) (٤٤٨٢) ، بنفسِ الإسنادِ ،
فجاءَ فيهِ على الصوابِ .
هذا ؛ وحكم عليه الشيخ الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٤٠٥٦) بأنه
ءُ

١٨٨
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
حديثٌ موضوعٌ .
مثالٌ آخرُ :
رَوَى : ابنُ أبي ذئبٍ ، عن عجلانَ مولى المشمعلِّ ، عن أبي هريرةَ،
عنِ النبيِّ ◌ََّ، قالَ: ((لاَ تُسَابَّ وَأَنْتَ صَائِمٌ، وَإِنْ سَابَّكَ إِنْسَانٌ فَقُلْ: إِنِّي
صَائِمٌ، وَإِنْ كُنْتَ قَائِمًا فَاجْلسْ)) .
أخرجَهُ: أحمدُ (٤٢٨/٢) والنسائيُّ في ((الكبرى)) (١) وابنُ خزيمةً
(١٩٩٤) وابنُ حبانَ (٣٤٨٣).
يَرويهِ عنِ ابنِ أبي ذئبٍ : يحيى بنُ سعيدٍ ، وابنُ المبارك ، وعثمانُ
ابنُ عمرَ .
وليسَ في روايةِ يحيى بن سعيدٍ ((وإنْ كنتَ قائمًا فاجلسْ)) ، ولا أدري
أهي في روايةِ ابنِ المباركِ أم لا؛ فإنَّ روايتَهُ في ((سنن النسائي الكبرى)) ،
ولا تطُولها يدي الآنَ .
لكنْ؛ وقعَ في موضعٍ آخِرَ من «المسند» ما يوهمُ عدمَ تفردِ عجلانَ
بهذه الزيادة .
ففي ((المسند)) المطبوع (٥٠٥/٢) :
(ثنا يزيدُ : أنا ابنُ أبي ذئبٍ ، عن المقبريّ - وأبو عاصمٍ : مولى
حكيمٍ ، وقال أبو أحمدَ الزبيريَّ : مولى حسامٍ - ، عن أبي هريرةَ ، عنِ
النبيِّمَّهِ: ((لاَ تُسَابَّ وَأَنْتَ صَائِمٌ، فَإِنْ شَتَمَكَ أَحَدٌ فَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، وَإِنْ
كُنْتَ قَائِمًا فَاقْعُدْ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدَ بِيَدِهِ ! لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطَيَبُ عِنَدَ
(١) كما في ((تحفة الأشراف)) (٢٥٣/١٠).

١٨٩
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» .
وهذا الذي في ((المسند)) المطبوع ؛ قد وقعَ فيه خللٌ في عدة مواضعَ:
فأولاً: قوله : ((أبو عاصمٍ))، صوابُهُ: ((أبو عامرٍ))، وهو العقديّ
شیخُ أحمدَ .
كما هو في ((أطراف المسند)) لابنِ حجرٍ (٧/ ٤٠٧) ، وفي إحدى
نسخ ((المسند))، كما ذكرَ صاحبو ((المسند الجامع)) (١٣٨/١٧).
وعليه ؛ يكونُ قد سقطَ لفظة ((قالَ))، ويكونُ الصوابُ : ((وقالَ
أبو عامر: مولى حكيم))؛ فتكونُ جملةُ ((مولى حكيمٍ)) من مَقُولِ قولِ أبي
عامرِ العَقَديِّ .
ثانيًا: قولُهُ: ((مولى حسامٍ))؛ صوابُهُ: ((مولى حِمَاسٍ)) .
وهو أيضًا كذلكَ في بعضِ نسخِ ((المسند)).
·ثالثًا : وهو اللغزُ الذي احترتُ في الجوابِ عليهِ :
٠
وهو : قولُهُ : ((عن المقبريِّ).
وذِكْرُ ((المقبريِّ) هَاهُنا مشكلٌ .
ذلكَ ؛ لأمرينِ :
الأولُ: أنَّ الحافظَ ابنَ حجرٍ ذكرَ هذا الحديثَ في ((أطراف المسند))
(٧/ ٤٠٧) برواية هؤلاءِ الثلاثةِ : يزيدَ ، وأبي عامرٍ ، وأبي أحمدَ الزبيريِّ ؛
عنِ ابنِ أبي ذئبٍ ، في ترجمةِ ((عجلانَ مولى المشمعلِّ، عن أبي هريرةَ»،
ولم يذكرهُ من روايةٍ واحدٍ منهم في ترجمةِ ((سعيدِ بنِ أبي سعيد المقبريِّ ،
عن أبي هريرةَ)).

١٩٠
الْمُتَبَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
الثاني : أنَّ هذه الأقوالَ: ((مولى حكيمٍ)) و ((مولى حماسٍ)) ، إنما قيلتْ
في اسمٍ ((عجلانَ) هذا ، ولا ذِكْرَ لها في ترجمةِ المقبريِّ ، فكيفَ يستقيمُ
ذِكْرُها في هذا الحديثِ ، وهو من روايةِ المقبريِّ ، وليسَ من روايةٍ
عجلانَ ؟!
فالذي يترجحُ عندي - واللهُ أعلمُ - : أنَّ ذِكْرَ ((المقبريِّ) في هذا
الحديث خطأٌ ، والصوابُ ذكرُ ((عجلانَ مولى المشمعلِّ) مكانَهُ .
ولعلَّ ذلكَ وقعَ خطأ من الكاتبِ ، كأنْ يكونَ حَرَّفَ «عجلانَ»،
فقالَ: ((المقبريَّ)) - وهو ما أستبعدُهُ هنا - ، أو يكونَ وقعَ سقطٌ في نسخةٍ
((المسند))، نشأ عنِ انتقالِ نظرِ الكاتبِ ؛ فإنَّ الحديثَ الذي قبلَ هذا
الحديثِ في ((المسند)) من رواية ((يزيدَ، عن ابنِ أبي ذئبٍ ، عنِ المقبريِّ،
عن أبي هريرة))؛ فلعلَّ الكاتبَ انتقلَ نظرهُ، وهذا أقربُ . واللَّه أعلمُ .
ثمَّ وقفتُ على الخبرِ اليقينِ ، بفضلٍ من اللَّهِ تعالى، وكرمٍ منهُ
ونعمة .
فقد رأيتُ الحافظَ المزيَّ ذكرَ هذا الحديثَ من هذا الموضعِ من
((المسند))، وجاءَ به على الصوابِ، مصلحًا ما أفسدَهُ النساخُ، مما أحدثوه
في الحديثِ من تحريفٍ وإقحامٍ وحذفٍ .
فقد رواهُ في ترجمةِ ((عجلانَ)) في ((تهذيب الكمال)) (٥١٨/١٩)، من
طريقِ ((المسند))، فوقعَ عنده هكذا :
(( ... حدثنا يزيدُ وأبو عامرٍ ، قالا : أخبرنا ابنِ أبي ذئبٍ ، عن
عجلانَ مولى المشمعلِّ - قالَ : وقالَ أبو عامرٍ : مولى حكيمٍ ، وقال : أبو

١٩١
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
أحمدَ الزبيريُّ: مولى حِمَاسٍ -، عن أبي هريرةَ، عَنِ النبيِّ بَِّ، قالَ:
((لاَ تُسَابَّ وَأَنْتَ صَائِمٌ .. )) - الحديثَ .
فقطعت جَهِيزَةُ قولَ كلِّ خَطيبٍ .
وقد انْطَلَى هذا الخطأُ الواقعُ في ((المسند)) على كلٍّ منَ الشيخِ الألبانيِّ
في («الإرواء)) (٣٥/٤)، وكذا المعلق على ((صحيح ابن حبان))، فأثبتا متابعةً
المقبريِّ لعجلانَ بمقتضى هذه الرواية .
وكذا ؛ انطَلى على صَانعي : ((المسندِ الجامعِ)) حيثُ جعلُوه فيه
(١٣٧/١٧-١٣٨) من رواية المقبريِّ عن أبي هريرةَ ، وأفردوه عن رواية
عجلانَ مولى المشمعلِّ عن أبي هريرةَ .
لكن؛ الشيخُ الألبانيُّ : - حفظه اللَّه تعالى - وقعَ في خطٍ آخرَ مبنيٌّ
على الخطإِ الأول ، وذلكَ ؛ أنَّه اعتبرَ ((أبو عاصمٍ)) الذي وقعَ في ((المسند))
كنية ((عجلانَ مولى المشمعلِّ) .
وهذا لا يؤيدُهُ أصلاً السياقُ الذي في ((المسند)» - على ما فيهِ من
خطٍ - ؛ لأنَّ ((أبو عاصمٍ)) جاءَتْ مرفوعةً، فهي معطوفةٌ على ما جاءَ
مرفوعًا قبلها ، أي : ابنِ أبي ذئبٍ ، أو يزيدَ .
ولكي تكونَ كنيةَ عجلانَ ، فلابدَّ وأن تجيءَ مجرورةً ، عطفًا على
المقبريِّ .
وثَمة خطأٌ آخرُ :
وهو أنَّهُ نَقَلَ عنِ ابنِ حبانَ، أنَّه قالَ في ((الثقات)) (٢٧٨/٥) فى
ترجمةِ ((عجلانَ مولى المشمعلِّ)»:

١٩٢
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
((كنيتُهُ أبو محمد ، وليسَ هو والدَ محمد)» .
يعني : أنَّه ليسَ هو ((عجلانَ مولى فاطمةَ)) والدَ محمدٍ بنِ عجلانَ ،
وإنْ كانَ يكنى بـ ((أبي محمدٍ)) .
فقالَ الشيخُ :
(فلعلَّ لهُ كنيتانِ (١) كما هو الشأنُ في بعضِ الرواِ» .
قلتُ : هو لا يكنى أصلاً، لا بـ ((أبي عاصمٍ))، ولا بـ ((أبي محمد))،
وإنَّما الذي يكنيهِ بـ ((أبي محمدٍ)) آدمُ بنُ أبي إياسٍ ، في روايتِهِ عن ابنِ
أبي ذئبٍ ، وآدمُ إنما كناهُ بذلكَ ظًّا منه أنهُ والدُ محمد بن عجلانَ ، فغلطَهُ
العلماءُ في ذلكَ (٢).
مثالٌ آخرُ :
قال الطبرانيّ في ((المعجم الكبيرِ)) (١١/ ١٣٤):
((حدثنا محمد بن جَابَان الجنديسابوريُّ: ثنا محمودُ بن غيلانَ : ثنا
مؤمّلٍ بن إسماعيلَ : ثنا حمادُ بن سلمةَ : ثنا حميدٌ الطويلُ ، عن طَلْق بنِ
حَبيبٍ، عن ابن عباسٍ، أن رسولَ اللهِ وَّه قال: ((أربعٌ؛ مَنْ أُعْطيهنَ
أُعْطيَّ خيرَ الدنيا والآخرة : قَلْبًا شاكرًا، ولسَانًا ذَاكرًا، وبَدَنًا على البلاءِ صَابَرًاً ،
وزوجةٌ لا تَبْغيه خَوْنَا فِي نَفْسِهَا ولا مَالِ)) .
فهذا الحديثُ ؛ هكذا يرويه الطبرانيُّ في ((الكبيرِ) بهذا الإسنادِ ، من
حديثِ مؤمَّلٍ بن إسماعيلَ ، وهو ضعيفٌ سيئُ الحفظِ .
(١) كذا ، والصواب: ((كنيتين)).
(٢) راجع: ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٦١/١/٤) و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم
(١٨/٢/٣) و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (١٦٢/٧).

١٩٣
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
وقد رواهُ أيضًا في ((الأوسطِ)) (٧٢١٢) بنفسِ السندِ ؛ لكنْ وقعَ فيهِ :
((مُوسى))، بدل ((مؤمّل))؛ وكذا وقعَ في ((مجمع البحرين)) (٢٢٤٩).
وما وقعَ في ((الأوسط)) تصحيفٌٌ، والصوابُ ((مؤمَّل)) كما في ((الكبيرِ))
وقد رُوي من غيرِ وجهٍ عن ((المؤمَّل)) .
وقد بيَّن ذلكَ تفصيلاً الشيخُ الألبانيَّ - حفظه الله تعالى - في
((الضعيفة)) (١)، بما لا يحتاجُ إلى مزيد، فجزاه الله خيراً، ونَفَع بِهِ
وبعلمه.
٠٠
ومما يقوِّي هَذا : أنَّ محمودَ بن غيلانَ ؛ لم يذكروا روايةً له عن
موسى بن إسماعيلَ - وهو : التَّوذكيُّ - ؛ بينما ذكروا أنَّه يروي عن مؤمَّلٍ
ابن إسماعيلَ فقطْ .
وقد تورَّطَ في هذا جماعةٌ من أهلِ العلمِ ؛ منهم : المنذريُّ ،
والهيثميُّ، والسيوطيُّ ، والمناويُّ ، وقلَّدهم في ذلك الغماريُّ ؛ فحكموا
على إسنادٍ ((الأوسطِ)) بغيرما حكموا به على إسنادِ ((الكبيرِ))؛ مع أنَّه هو هو
من شيخِ الطبرانيِّ فصاعدًا !
وانظرْ : أقوالَهم في ((الضعيفة)).
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : محمَّدٍ بنِ أبانَ البلخيِّ ، قالَ : نبأنا عبدُ الرزاقِ ، عن
سفيانَ الثوريِّ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن محررِ بنِ أبي هريرةَ ، عن
أبيهِ، عنِ النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قطُّ إِلَّ أَبَتِ الشَّمْسُ بِذُنُوبِهِ) .
(١) ((الضعيفة)) (١٠٦٦).
وعليه ؛ يصحح ما في نسختنا من ((الأوسط)).

١٩٤
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الْأَسْمَاءِ
أخرجَهُ : الخطيبُ في ((تاريخه)) (٧٩/٢)، وقالَ:
((تفردَ بروايته محمدُ بنُ أبانَ ، عن عبدِ الرزاقِ ، عن الثوريُّ .
وخالفَهُ الحسنُ بنُ أبي الربيعِ الجرجانيّ ؛ فرواهُ عن عبدِ الرزاقِ ، عن
ياسينَ الزياتِ ، عن ابنِ المنكدرِ)).
ثمَّ أسندَ روايةَ الجرجانيّ .
قلتُ : ويشبهُ - والله أعلم - أن يكونَ محمدُ بنُ أبانَ البلخيُّ كانَ في
كتابهِ : ((عن ياسينَ))، فصحفَ، فقالَ: ((عن سفيانَ))، ثمَّ نسبَهُ اجتهادًا
منه .
لا سيما ؛ وأن ((سفيانَ) تكتبُ في الكتبِ القديمةِ بغيرِ الألفِ ،
هكذا: ((سفين))، فهي - حينئذٍ - يسهلُ أن تشتبهَ بـ ((ياسين)) إذا ما كُتبتْ هي
الأخرى بغيرِ الألفِ .
وفي ترجمةِ محمدِ بنِ أبانَ هذا من ((تاريخ بغداد)) حديثٌ آخرُ ، أخطأ
فيهِ ، وذهبَ الإمامُ أحمدُ إلى أنهُ وقعَ لهُ فيهِ تصحيفٌ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : محمدِ بنِ منصورِ الجوَّازِ ، عن ابنِ عيينةَ ، عن بيانِ بنِ
بشر، عن موسى بنِ طلحةَ ، عن ابنِ الحَوْتكيَّةَ ، عن أبي ذرٍّ ، أنَّ النبيَّ
وَّهِ قَالَ لرجلٍ: ((عَلَيْكَ بِصِيَامٍ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ» .
أخرجَهُ: النسائيّ (٢٢٣/٤).
وفي هذا الحديث خطأٌ وتصحيفٌ ؛ فإنَّ ابنَ عيينةَ إنما يَروي هذا
الحديثَ، فيقولُ : ((حدثنا اثنان))، وتارةً يقولُ: ((حدثنا اثنان وثلاثةٌ)) ،
وتارةً: ((رجلان))، وتارةً يسميهما، فيقولُ: ((رجلانِ: محمدٌ وحكيمٌ).

١٩٥
الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
ومحمدٌ ، هو : ابنُ عبدِ الرحمنِ مولى آل طلحةَ ، وحكيمٌ ، هو :
ابنُ جبيرٍ .
أخرجَهُ: الحميديُّ (١٣٦) وأحمد (١٥٠/٥) والنسائيّ (٢٢٣/٤)
(١٩٦/٧-١٩٧) وابنُ خزيمةَ (٢١٢٧).
فصحفَ محمدُ بنُ منصورٍ في الحديثِ ، فقالَ : ((بيان)»، والصوابُ:
((اثنان))، ثمَّ نسبَهُ اجتهادًا منهُ، لا روايةً، فقال: ((ابن بشر)).
قالَ الإمامُ النسائيُّ :
((هذا خطأُ، ليسَ من حديث ((بيان))؛ ولعلَّ سفيانَ قالَ: ((حدثنا
اثنان))، فسقطَ الألفُ، فصارَ : بيانَ)).
وقالَ الدارقطنيُّ (١):
((وصحَّفَ الجوََّزُ في قوله: ((بيان))، وإنَّما كانَ ابنُ عيينةَ يقولُ :
((حدثني اثنان، عن موسى بن طلحةَ)) - يعني: محمدَ بنَ عبد الرحمنِ
مولى آل طلحةَ ، وحكيمَ بنَ جبيرٍ - ، فجعلَهُ الجوَّارُ: عن بيانٍ)) (٢).
(١) ((العلل)) (٢٢٨/٢-٢٢٩).
(٢) وانظر: مثالاً آخر في ((الكامل)) (١٨٧٦/٥ -١٨٧٧).

الشَّوَاهِدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
وقدْ يقعُ التصحيفُ في اسمِ الصحابيِّ ، فيظنهُ مَن لا يفطنُ لهُ حديثًا
آخرَ ، عن صحابيٌّ آخرَ ، فيجعلهُ شاهدًا للأول ؛ وإنما هو حديثٌ واحدٌ ،
عن صحابيِّ واحدٍ ، لا شأنَ للصحابيِّ الآخرِ بهِ .
مثالُ ذلكَ :
حديث : بقيةَ بنِ الوليد ، قال: ثنا شعبةُ ، عن قتادةَ ، عن أبي أيوبَ
العتكيِّ، عن صفيةَ بنتِ حُبُيٍّ، أنها دخلتْ على رسولِ اللهِ وَ جليه - أو دخلَ
عليها رسولُ اللَّهِ وَّه - في يومٍ جمعةٍ، وهي صائمةٌ، فقالَ لها: ((صُمْت
أَمْس؟)) قالتْ: لا . قالَ: ((فَتَصُومينَ غدًا؟)) قالتْ: لا . قالَ :
(«فَأَفْطري» .
قال الحاكمُ (١) :
((صحَّفَ بقيةُ بنُ الوليدِ في ذكرِ ((صفيةَ)) ، ولم يتابعْ عليهِ ؛ والحديثُ
عندَ يحيى بنِ سعيدٍ وغندرِ والناسِ ، عن شعبةَ ، عن قتادةَ ، عن أبي أيوبَ
العتكيِّ، عن جُوَيْرِيةَ بنتِ الحارثِ، عنِ النبيِّ وَّ - نحوه)).
مثالٌ آخرُ :
وقدْ وقعَ مثلُ هذا التصحيفِ من بقيةَ في حديث آخرَ .
وهو حديثُ : جبيرِ بنِ نفيرٍ ، عن عمرو بنِ الحَمِقِ ، عن النبيِّ ؟
(١) في ((معرفة علوم الحديث)) (ص١٥١).
صل الله
وسلم،
ـيـ

١٩٧
الشَّوَاهِدُ . وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
قالَ: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بَعَبْد خَيْرًا عَسَلَهُ))، فَقيلَ: وَمَا عَسَلَهُ؟ قَالَ: ((يَفْتَحُ لَهُ
عَمَلاً صَالِحًا بَيْنَ يَدَيَ مَوْتِهِ، حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ مَنْ حَوْلَهُ» .
أخرجَهُ : أحمدُ (٢٢٤/٥) وابنُ حبانَ (٣٤٢) (٣٤٣) والبزارُ (٢١٥٥-
كشف) والحاكم (٣٤٠/١).
فهذا الحديثُ ؛ رواهُ بقيةُ بنُ الوليدِ ، فقالَ : عن جبيرِ بنِ نفيرٍ ، عن
عمرَ الجُمعِيِّ، عن النبيِّ نِِّ .
أخرجَهُ: أحمدُ (١٣٥/٤) وابنُ أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني))
(٢٧٠٥) .
وهذا ؛ ممَّا صحفَ فيه بقيةُ، والصوابُ : أَنَّهُ حديثُ عمرو بنِ
الحَمِقِ، وليسَ عمرَ الجُمعِيِّ .
وقدْ نصَّ على ذلكَ البخاريُّ، وأبو زرعةَ الدمشقيُّ ، وأبو نعيمٍ
الأصبهانيّ، والبغويُّ، وابنُ مَنْدَه ، وابنُ عساكرَ ، وغيرُهم (١) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : أبي الأحوصِ سلامِ بنِ سليمٍ ، عن سماكِ بنِ حربٍ ، عن
القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه ، عن أبي بُرْدةَ بنِ نيارِ ، قالَ : قالَ
رسولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((اشْرَبُوا فِي الظَّرُوفِ، وَلَا تُسْكُرُوا)).
أخرجَهُ : النسائيّ (٣١٩/٨)، وقالَ :
((هذا حديثٌ منكرٌ ، غَلِطَ فيهِ أبو الأحوصِ سلامُ بنُ سليمٍ ، لا نعلمُ
(١) راجعْ: ((التاريخ الكبير)) (٢/٣/ ٣١٣ - ٣١٤) و((الإصابة)) (٥٩٦/٤ - ٥٩٧) و(«تعجيل
المنفعة)) (ص ٣١٨) و(توضيح المشتبه)) لابنِ ناصرِ الدينِ (٤٢٦/٢ - ٤٢٧) و(«ترتيب أسماء
الصحابة في المسند)) لابنِ عساكرَ (ص٨٧) و((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيِّ (١٠٩/٣).

١٩٨
الشَّوَاهِدُ . وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
أنَّ أحدًا تابعَهُ عليهِ من أصحابِ سماكِ بنِ حربٍ ، وسماكٌ ليسَ بالقويِّ ،
وكانَ يقبلُ التلقينَ . قالَ أحمدُ بنُ حنبلِ : كانَ أبو الأحوصِ يخطئُ في هذا
الحديث ، خالفَهُ شريكٌ في إسنادِهِ ولفظِهِ)) .
ثمَّ رواهُ من طريقِ شريكِ ، عن سماكِ ، عن ابن بريدةَ ، عن أبيه -
وهو: بريدةُ بنِ الحصيبِ - ، بلفظ :
(إِنَّ رسولَ اللَِّ ◌َ فَهَى عَنْ الدُّبَاءِ، والحَنْثَمِ، والنَّغِيرِ، وَالْمُزَقَّتِ».
وحكى أبو داودَ في ((مسائل أحمد)) (١) ، عن أحمدَ ، أنه قالَ :
(«يخطئُ فيهِ أبو الأحوصِ ، يقولُ: ((عن أبي بردةَ»، فقالُوا لَهُ : ابنُ
نيارِ ؟ فقالَ : نعمْ ؛ ومرَّ فيهِ ، فاحتجَّ بهِ أصحابُ الأشربةِ ؛ وإنَّما الحديثُ
حديثُ «ابنِ بريدةَ» .
وقالَ أبو زرعةَ (٢):
(وهمَ أبو الأحوصِ، فقالَ: ((عن سماكِ ، عنِ القاسمِ ، عن أبيهِ ،
عن أبي بردةً)) ؛ قَلَبَ من الإسنادِ موضعًا ، وصحَّفَ في موضعٍ :
أمَّا القلبُ؛ فقولُهُ: ((عن أبي بردةً»، أرادَ: ((عن ابنِ بريدةً» ، ثم
احتاجَ أن يقولَ : ((ابنَ بريدةَ عن أبيهِ)) ، فَقَلَبَ الإسنادَ بأسرهِ ، وأفحشَ في
الخطإٍ .
وأفحشُ من ذلكَ وأشنعُ : تصحيفُهُ في متنِهِ : ((اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ ،
ولا تُسْكرُوا))؛ وقد روى هذا الحديثَ - عن ابن بريدةَ ، عن أبيهِ - :
(١) ((مسائل أحمد)) (ص٢٨٨-٢٨٩).
(٢) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٥٤٩) (١٥٥١).

١٩٩
الشَّوَاَهدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
أبو سنانَ ضرارُ بنُ مرةً ، ورُبَيْدٌ الياميُّ عن محاربِ بنِ دثارٍ ، وسماكُ بن
حربٍ ، والمغيرةُ بنِ سبيعٍ ، وعلقمةُ بن مرثدٍ ، والزبير بن عديٍّ ، وعطاء
الخراسانيَّ ، وسلمة بن كهيلٍ ؛ كلهم عن ابنِ بريدةَ ، عن أبيه ، عن النبيِّ
وَّه: (نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؛ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ
ثَلاَث؛ فَأَمْسِكُوا مَا بَّدَا لَّكُمْ ، وَهَيْئُكُمْ عَنِ النَِّيذِ إِلَّ فِي سِقَاءِ ؛ فَاشْرَبُوا فِي
الأَسْقَّةِ، وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا))، وفي حديثِ بعضِهِم: ((وَاجْتَبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ))؛
ولم يقلْ أحدٌ منهم : ((وَلاَ تُسْكِرُوا)) ، وقَد بانَ وهمُ حديثِ أبي الأحوصِ
من اتفاقِ هؤلاءِ على ما ذكرنا من خلافهِ)) .
قالَ: «سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل - رحمهُ اللهُ - يقولُ : حديثُ
أبي الأحوصِ ، عن سماكِ ، عنِ القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه ، عن
أبي بردةَ ؛ خطأُ الإسنادِ والكلامِ : فأمَّا الإسنادُ ؛ فإنَّ شريكًا ، وأيوبَ
ومحمدًا ابني جابرِ ؛ رَوَوْهُ عن سماكِ ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن
ابنِ بريدةَ، عن أبيهِ، عن النبيِّ بَّهِ - كما رواهُ الناسُ -: ((فَانْتَبَذُوا فِي كُلِّ
وِعَاء ، وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» .
قالَ أبو زرعةَ : ((كذا أقولُ : هذا خطأٌ ؛ أما الصحيحُ : حديثُ ابْنِ
بريدة عن أبيه)) اهـ .
وكذا ذهبَ أبو داودَ في شرحِهِ لكلامٍ أحمدَ في ((المسائل)) إلى أنَّ هذا
الحديثَ خطأُ الإسناد والمتنِ ، إلا أنَّهُ ذهبَ إلى أن الخطأ في المتنِ من
سماكِ ، بينما خطأُ الإسنادِ من أبي الإحوصِ .
فنخلُصُ من ذلكَ : أنَّ هذا الحديثَ من مسند (بريدةَ بنِ الحصیبِ» ،
وليسَ من مسندٍ ((أبي بردةَ بنِ نيارٍ)) ، فمن جعلَ حديثَ ابنِ نيارِ حديثًا
٠٧٠١.

٢٠٠
الشَّوَاَهدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
آخرَ في الباب فقد أخطأً .
وممَّا يؤكدُ أنَّ الحديثَ حديثُ ابنِ بريدةَ ، عن أبيهِ ، وليسَ هو من
حديثٍ أبي بردةَ بنِ نيارِ : ما جاءَ عن شعبةَ من إنكارِهِ لهذا الحديثِ عن ابنِ
بريدةَ ، وقولِهِ :
((لم يَجِئِ بالرخصةِ في نبيذِ الجرِّ ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍ ، اللذانِ بحثا
حديثَ رسولِ اللَّهِ وَّهِ، ولكنْ جاءَ بهِ ابنُ بريدةَ من خراسانَ !! )).
ذكرَهُ : أبو داودَ في ((المسائل)) .
مثالٌ آخرٌ :
حديثُ : موسى بنِ طلحةَ ، عن ابنِ الحوتكيَّةَ ، عن أبي ذرٍّ - في
صيامِ الأيامِ البيض ؛ الذي تقدَّمَ في آخِرِ الفصلِ السّابقِ .
فقد رواهُ بعضهم ، فقالَ :
(عن ابنِ الحوتكيَّةَ، عن أُبِيِّ).
أخرجهُ: النسائيُّ (٢٢٣/٤)، وقالَ :
((الصوابُ: ((عن أبي ذرًّا؛ ويُشْبِهُ أنْ يكونَ وقعَ من الكتابِ ((ذَرُّ)،
فقيلَ: (أُبِيَ) (١) اهـ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : سليمانَ بنِ بلالِ ، عن ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمنِ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عنبسةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ غَّامٍ - رضي اللَّه عنه - ، أنّ
(١) وقع نحو هذا في حديث آخر، انظره في ((العلل)) للدارقطني (٤٢٢/٤).