النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ المُنْكَرُ . أَبَدًا مُنْكَرٌ لأَنَّه خطأٌ ، والخطأُ لا يُتَقَوَّى به!)). ثُمَّ قالَ الشَّيخُ : ((ومنَ الواضح أنَّ سَبَبَ رَدِّ العُلَماء للشََّذِّ، إنَّما هُو ظهورُ خطإها، بسببِ المخالفة المذكورة، وما ثَبَتَ خطؤه فلا يُعْقَلُ أنْ يَقُوَّى به روايةٌ أُخْرى فِي مَعَنَاها ، فَبَتَ أَنَّ الشَّاذَّ والمنكرَ ممَّا لا يُعْتَدُّبه، ولا يُسْتَشْهَدُ بِهِ، بَلْ إِنَّ وُجودَهُ وعدمَهُ سَواءٌ) (١) . هَذا ؛ وإنَّما يصلُحُ في هذا البابِ ما ترجَّح جانبُ إصابةِ الرَّاوي فيه ، فيحتجٌّ به ، أَوْ كانَ جانبُ إصابتهِ مُساويًا لجانبٍ خَطَئه ، فيعتبرُ بِهِ . قال الحافظُ ابن حجرٍ (٢): (( لم يَذْكر - يعني: ابنَ الصَّلَاحِ - للجابرِ ضَابِطًا يُعْلمُ منه ما يصلُحُ أنْ يكونَ جَابِرًا ، أَوْ لا . والتحريرُ فيه : أنْ يُقَالَ : إِنَّه يَرْجِعُ إلى الاحتمالِ فِي طَرَفي القبولِ والرَّدِّ : فحيثُ يَسْتوي الاحتمالُ فيهما ؛ فهو الذي يصلُحُ لأن ينجبرَ . وحيثُ يَقْوى جانبُ الرَّدِّ ؛ فَهُو الذي لا ينجبرُ . وأمَّا إذَا رَجَح جانبُ القبول ؛ فليسَ من هذا ، بل ذاكَ في الحسنِ الذَّاتي. والله أعلم)). (١) وراجع: ((السلسلة الصحيحة)) (٧٥٦/٢/٦-١٢٣٧) و((الضعيفة)) (٣١٨/٣-٣٢١). (٢) في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٤٠٩/١). ٨٢ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنكَرٌ ومنَ المَعْلومِ ؛ أنَّ نُقَّدَ الحديث كثيرًا ما يحكمونَ على أحاديثَ أخطأَ فيها بعضُ الرَّواة ، بأنَّها ((ضعيفةٌ جدًا))، أو ((باطلةٌ))، أو ((منكرةٌ))، أو ((لا أصلَ لها»، أو «موضوعةٌ))، مع أنَّ رواتها الذين أخطئوا فيها، لم يَبْلُغُوا في الضَّعْفِ إلى حدٍّ أن يُتْرِكَ حديثهُمْ، بَلْ أحيانًا يُطْلقون هَذه الأحكامَ الشَّديدةَ على أحاديثَ أخطأَ فيها بعضُ الرُّواةِ الثقات ، غيرَ مُتَقَيِّدين بحالِ الرَّاوي المخطئِ، بَلْ مُعْتَبرين حالَ الروايةِ سَنَّدًا ومَثْنَاً، ونَوْعَ الخطأِ الواقعِ فيهما ، أو في أَحَّدهما . فمنْ ذلكَ : ما رواهُ الإمامُ أحمدُ (١): حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةً ، قالَ : حدثني عمرو بنُ مرةً ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، عن صفوانَ بنِ عسَّالِ ، قالَ : قَالَ رجلٌ منَ اليهودِ : انْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ . قَالَ : لاَ تَقُل : النَِّيَّ؛ فَإِنَّهُ لَوْسَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ - وقصَّ الحديثَ - ، فقالا: نشهدُ أنكَ رسولُ اللَّهِ(٢) . ذكرَ عبدُ اللَّهِ بنُ الإمامِ أحمدَ ، عن أبيهِ ، أَنَّه قالَ : ((خالفَ يحيى بنَ سعيدٍ غيرُ واحدٍ(٣)، فقالُوا: ((نشهدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ)؛ ولو (١) رواه عنه ابنه في ((العلل)) (٤٢٨٦)، وهو في «المسند» (٤/ ٢٤٠). وذكره الخلال في ((جامعه)) في كتاب ((أهل الملل والردة)) (٣٧٣/٢) من طريق عبد الله بن أحمد في ((العلل)). (٢) زاد في ((العلل)): ((وَّر))، وأظنها زيادة ناسخ؛ فهي ليست عند الخلال، ولا في ((المسند)) . (١) منهم : غندر، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن إدريس ، وأبو أسامة ، والطيالسيان. أخرجه : أحمد (٢٣٩/٤) والترمذي (٢٧٣٣) (٣١٤٤) وابن ماجه (٣٧٠٥) والنسائي في = ٨٣ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنكَرٌ قَالُوا: ((نشهدُ أنكَ رسولُ اللَّه)) كَانَا قَدْ أسلَمَا؛ ولكنْ يحيى أخطأً فيه خطأ قبيحًا» . فأنتَ ترى الإمامَ أحمدَ - عليه رحمةُ اللَّهِ - قد قضى على خطإٍ يحيى ابنِ سعيدِ القطانِ في هذا الحديثِ، بأنَّه ((خطأٌ قبيحٌ»؛ ومعنى هذا: أنَّه فاحشٌ شديدٌ ، لا سبيلَ لقبولِهِ . ويحيى ؛ هو يحيى في الحفظِ والإتقانِ والتثبتِ ، ولكنَّ أحمدَ لم يعلق الحكمَ على روايتِهِ بِمَا يعرفُهُ من حالِهِ في الحفظِ والإتقان ، ولو كانَ كذلكَ لمَا ترددَ في قبولِهَا ؛ ولكنَّهُ نظرَ في روايتِهِ ، وتأملَهَا من حيثُ المعنى ، وقابَلَها بروايةِ غيرِهِ مِنَ الثقاتِ ؛ فتبينَ لديهِ أنَّها روايةٌ شاذةٌ غيرُ مقبولة، وأنَّ يحيى أخطأً فيها ، وإنْ كانَ ثقةً حافظًا، واعتبرَهُ ((خطأ قبيحًا))، مع أنَّه من ثقةٍ . هذا ؛ وقد علمتَ أنَّ الخطأ الذي وقعَ فيهِ يحيى القطانُ خطأٌ في المتنِ ، أدَّى إلى فسادِ المعنى ومعنى هذا : أنَّ الراوي إذا أخطأً في المتنِ بما يؤدِّي إلى فساد معناهُ كانَ خطؤُهُ شديدًا ؛ فلا يحتجَّ بروايتِهِ ، ولا يعتبرُ بها ، ولو كانَ الراوي ثقةٌ. ومثلُ ذلكَ : ما حكاهُ عبدُ اللّه بنُ أحمدَ (١)، عن أبيه أيضًا ؛ حيثُ قالَ : = ((الكبرى)) (تحفة ١٩٢/٤)، وانظر: المحدث الفاصل ((للرامهرمزي (ص٢٤٨) . (١) ((العلل)) (٤٧٣٠). ٨٤ المُنكَرُ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ ((سمعتُ أبي يقولُ ، وذكرَ يحيى بنَ آدَمَ ، فقالَ : أخطأً في حديثٍ ابنِ مباركِ ، عن خالدٍ ، عن أبي قلابةَ، عن كعبٍ ، قَالَ : قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: أنا أَشُجُّ وأُدَاوِي .. قال يحيى بنُ آدَمَ - وأخطأ خطأ قبيحاً - ، فقالَ: أنا أُسْحِرُ وأُدَاوِي)) اهـ . ويحيى بنُ آدَمَ ؛ من الثقاتِ المعروفينَ ، ومعَ ذلكَ ؛ فقد نعتَ أحمدُ خطأهُ في هذا الحديثِ بأنَّهُ ((خطأٌ قبيحٌ)، وذلكَ؛ لأنَّه صحَّفَ في متنٍ الحديث ، فأفسدَ معناهُ . وقد صحََّ أيضًا في حديث آخرَ (١)، لفظهُ: ((لاَ غَرَرَ في الإسْلاَم))، فقال : ((لاَ غُرْلَ في الإسلامِ))، فأفسدَ الحديثَ، وقَلَبَ معناهُ ؛ فإنَّ ((الغُرْل)) عدمُ الاختتان، وهو بمخلاف ((الغَرَرَ)) الذي هو الجهالةُ في البيع(٢). ومنْ ذلكَ : قالَ الخلالُ (٣) : أخبرني الميمونيُّ، أنَّ أبا عبدِ اللهِ - يعني : أحمدَ بنَ حنبلٍ - قيلَ لهُ : إنَّ بعضَ الناسِ أسندَ ، أنَّ النبيِّ كانَ يلاحظُ في الصلاةِ . ھالله وَسِمْ فأنكرَ ذلكَ إنكارًا شديدًا، حتَّى تغيرَ وجههُ، وتغيرَ لونهُ، وتحركَ بدنُهُ، ورأيتُهُ في حال ما رأيتُهُ في حال قطُّ أسوأً منها، وقالَ: النبيُّ نَّهِ كانَ (١) ((العلل)) أيضًا (١٧٤٩). (٢) انظر: ما سيأتي في ((فصلِ: الشَّواهِد .. وتصحيف المتنٍ)). (٣) ((زاد المعاد)) (٢٤٩/١ - ٢٥٠) . ٨٥ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنكَرٌ يلاحظُ في الصلاةِ؟ ! - يعني: أنَّه أنكرَ ذلكَ؛ وأحسبُهُ قالَ : ليسَ لهُ إسنادٌ (١). وقالَ : مَنْ رَوَى هَذا (٢) ؟! إنَّما هذا من سعيدِ بنِ المسيبِ(٣). ثُمَّ قالَ لي بعضُ أصحابِنَا : إنَّ أَبَا عبدِ اللَّهِ وَهَّنَ حديثَ سعيدِ هذا ، وضعفَ إسنادَهُ، وقالَ : إنَّما هو : عن رجلٍ ، عن سعيد اهـ . قلتُ : وهذا الحديثُ الذي أنكرَهُ الإمامُ أحمدُ هذا الإنكارَ الشديدَ ، هو : حديثُ : الفضلِ بنِ موسى السِّينانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سعيدٍ بن أبي هندٍ ، عن ثورِ بنِ زيدٍ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنَّ رسولَ اللَّه وَالَّ كَان يَلْحَظُ في صلاتِهِ يمينًا وشمالاً ، وَلاَ يَلْوِي عنقَهُ خلفَ ظهرهِ . رواهُ : جماعةٌ ، عن السِّينانيِّ . أخرجهُ: أحمدُ (٢٧٥/١ - ٣٠٦) وأبو داودَ (٤) والترمذيُّ في (١) أي: إسناد محفوظ تقوم به الحجة، وليس مراده نفي جنس الإسناد، وهذا اصطلاح يستعمله الإمام أحمد كثيراً ، وكذلك استعمله غيره ، وقد بينت ذلك بأمثلته في غير هذا الموضع. (٢) إما أنه لا يعرفه ، أو يعرفه ويقصد بهذا القول تقليل شأنه ، وفي كلا الحالتين قد أنكر الحديث ، وسيأتي أنه ثقة ، فثبت المطلوب من أن الحديث المنكر أبدًا منكر بصرف النظر عن حال الراوي . (٣) أي: مرسلاً ؛ وهذا أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٦) عن هشيم ، عن بعض أصحابه ، عن الزهري ، عن سعيد . (٤) في رواية أبي الطيب ابن الأشناني، كما في ((تحفة الأشراف)) (١١٧/٥-١١٨). ٨٦ المُنْكَرُّ .. أَبَدًا مُنكَرٌ (الجامع)) (٥٨٧) و(«العلل)) (ص ٩٨ - ٩٩) والنسائيُّ (٩/٣) (١) وابنُ خزيمةً (٤٨٥) (٨٧١) والدار قطنيَّ (٨٣/٢) والبيهقيُّ (١٣/٢) والحاكم (٢٣٦/١ - ٢٣٧) وأبو يعلى (٤٦٣/٤) وابن حبانَ (٢٢٨٨). وقالَ الترمذيُّ : ((هذا حديثٌ غريبٌ (٢)، وقد خالفَ وكيعٌ الفضلَ بنَ موسى في روايته)) . ثمَّ رواهُ (٥٨٨) عن وكيعٍ ، عنِ ابنِ أبي هندٍ ، عن بعضِ أصحابٍ عكرمةَ، أنَ النبيِّ نَّهِ - فذكِرَهُ. (١) وهو في ((الكبرى)) أيضًا من حديث إسحاق بن راهويه عن السيناني. وعلى ضوء هذا ؛ يفهم ما في «تاريخ بغداد)» (٦/ ٣٥١)، في ترجمة إسحاقَ بن راهويه ، أنَّه قالَ : سألني أحمدُ بنُ حنبل عن حديثِ الفضلِ بنِ موسى؛ حديث ابن عباسٍ: كانَ النبيُّ ◌ِل يلحظُ في صلاته، ولا يلوي عنقَهُ خلفَ ظهرِهِ . قالَ : فحدثتُهُ [ في الأصل: فحدثنيه ] ، فقالَ رجلٌ : يا أبا يعقوب - يعني: ابن راهويه - ، رواهُ وكيعٌ بخلافِ هذا . فقالَ لهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ : اسكت ! إذا حدَّثْك أبو يعقوبَ أميرُ المؤمنين ، فتمسك بهِ . قلتُ : لا يفهمُ من هذا، أنَّ أحمدَ يصححُ الحديثَ من رواية الفضلِ بنِ موسى السينانيُ ، وإنما يصححُ فقطْ أنَّ ابنَ راهويه حفظَ ذلكَ عن السينانيٌّ ، ولم يخطئ فيه عليه ، ولا يلزمُ من ذلكَ أن السينانيَّ حفظَهُ ولم يخطئ فيهِ ؛ فإنَّ ذلكَ الرجلَ الذي عارضَ روايةَ ابنِ راهويه برواية وكيعٍ ، كأنَّ أرادَ أن يخطئَ ابنَ راهويه في الحديث ، فأرادَ الإمامُ أحمدُ تبرأةَ ابنِ راهويه من عهدةِ الحديثِ ، فقالَ ما قالَ ، والخطأُ إنما هو ممن فوقَهُ ، وهو السيناني ، كما سيأتي . ثم رأيت هذه القصة في ((الكامل)) (١١٦/١) بسياق مختلف، وفيه نظر ، ثم إن ابن عدي لم يسندها بل علقها . والله أعلم . (٢) وانظر: ((زاد المعاد)) (٢٤٩/١) وشرح أحمد شاكر على ((الترمذي)). ٨٧ المُنْكَرُّ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ وهذا مرسلٌ ، بلْ معضلٌ . وقالَ في ((العلل)): ((لا أعلمُ أحدًا رَوى هذا الحديثَ عن عبدِ اللهِ بنِ سعيدِ بنِ أبي هندٍ مسندًا مثلَ ما رواهُ الفضلُ بنُ موسى)) . وقالَ الدار قطنيُّ : (تفردَ بهِ الفضلُ بنُ موسى ، عن عبدِ اللهِ بنِ سعيدِ بنِ أبي هندٍ متصلاً، وأرسلَهُ غيرُهُ» . ثمَّ أسندَ روايةَ وكيع أيضًا . وكذلكَ ؛ صنعَ البيهقيّ . وهُم يشيرونَ بذلكَ إلى إعلالِ روايةِ السِّينانِيِّ بروايةٍ وكيعِ المرسلةِ . وهو ما يُفُهمُ أيضًا من صنيعِ الإمامِ أحمدَ - رحمهُ اللَّهُ تعالى - ؛ فإنَّه لمَّا خرجَ في ((المسند)) (٢٧٥/٢) روايةَ السِّينانيِّ، أتبعَهَا بروايةٍ وكيعٍ المرسلةِ ، وفي هذا إشارةٌ منهُ إلى إعلالِ روايةِ السِّينانيِّ الموصولةِ ، بروايةٍ وكيعِ المرسلةِ ؛ لأنَّ المراسيلَ ليسَتْ مِن موضوعِ «المسند»(١). وقد رواهُ : هنادُ بنُ السَّرِيِّ ، عن وكيعٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ سعيدٍ ، عن رجلٍ ، عن عكرمة - مرسلاً . أخرجَهُ : أبو داودَ ، وقالَ : ((وهذا أصحُ) . (١) وهذه عادة للإمام أحمد في غير ما موضع في («المسند»، في الإشارة إلى علة الحديث، وقد بينت ذلك بأمثلته في بحث عندي ، أعانني اللَّه على إتمامه . M المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنكَرٌ والشاهدُ من هذا الاستطراد : أَنَّ المخطئَ في هذا الحديثِ هو الفضلُ بنُ موسى السِّينانيُّ ، وهو ثقةٌ مِنَ الثقاتِ ، ومعَ ذلكَ ؛ فقدْ أنكرَ الإمامُ أحمدُ - رحمهُ اللَّه تعالى - حديثَهُ هذا الإنكارَ الشديدَ ؛ فدلَّ ذلكَ على أنَّ الخطأَ إذا تحققَ من وقوعِهِ - ولو منَ الثقات - كانَ الحديثُ شاذًّا منكرًا ، لا يعتبرُ بهِ ، ولا يشتغلُ بهِ . ومن ذلكَ : قالَ المرُّوذيُّ (١): («سألتُ أحمدَ عن حديثِ : عبد الرزاقِ ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصمٍ بنِ ضَمْرةَ، عن عليٌّ، عنِ النبيِّ وَِّ، أَنَّه مَسَحَ على الجَبَائِرِ . فقالَ : باطلٌ، ليسَ مِن هذا شيءٌ؛ مَنْ حدَّثَ بهذا ؟ قلتُ : ذكرُوهُ عن صاحبِ الزهريِّ . فتكلم فیهِ بكلامٍ غليظٍ)) اهـ . وصاحبُ الزهريِّ ؛ هو : محمد بن يحيى الذهليَّ ، الإمامُ الحافظُ المعروفُ ، لُقِّبَ بذلكَ لجمعِهِ حديثَ الزهريِّ واعتنائهِ بِهِ ، وقد أنكرَ الإمامُ أحمدُ هذا الحديثَ عليهِ ، بلْ أنكرَهُ قبلَ أنْ يسألَ عن راويهِ ؛ فثبتَ المطلوبُ من أنَّ المنكرَ أبدًا منكرٌ ، بصرف النظرِ عنْ حالِ راویهِ . وقد سُئُلَ الإمامُ ابنُ معينٍ (٢) عن هذا الحديثِ أيضًا ، فأجابَ بمثلٍ جوابِ الإمامِ أحمدَ . (١) ((العلل ومعرفة الرجال)) (٢٧٠). (٢) فيما حكاه عبد الله بن أحمد في ((العلل)) (٣٩٤٤). ٨٩ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ ((فقالَ: باطلٌ، ما حدَّثَ به معمرٌ قطُّ ، عليه بَدَنَةٌ مُقَلَّدَةٌ مُجَلَّلَةٌ إنْ كانَ معمرٌ حدَّثَ بهذا! هذا باطلٌ! ولو حدَّثَ بهذا عبدُ الرزاق كانَ حلالَ الدم !! مَنْ حدَّثَ بهذا عن عبد الرزاقِ ؟! قالوا لهُ : فلانٌ (١) . فقالَ: لا واللَّه! ما حدثَ بهِ معمرٌ، وعليه حَجَّةٌ مِن هَاهُنا - يعني : المسجدَ - إلى مكةَ إنْ كانَ معمرٌ حدَّثَ بهذا)) اهـ. فقد أنكرَهُ غايةَ الإنكارِ ، وضعفَهُ هذا الضعفَ الشديدَ ، وحكمَ بأَنَّهُ باطلٌ ، وأنكرَ أنْ يكونَ معمرٌ حدَّثَ بهِ ، فالآفةُ عندَهُ ممَّنْ دُون معمرٍ ، وليسَ دونَهُ إلا عبدُ الرزاقِ والراوي عن عبد الرزاقِ ، وعبدُ الرزاقِ ثقةٌ ، والراوي عنهُ قد علمتَ أنه حافظٌ ثقةٌ ، وابن معينٍ ممَّن يوثَّقُهُ ، ومع هذا ؛ فقد صرَّحَ هو بأنَّه لو أنْ عبد الرزاقِ حدَّثَ بهِ لكان حلالَ الدمِ ، مع أنّ عبدَ الرزاقِ منَ الثقاتِ . وهذا مِن أدلِّ دليلٍ ، على أنَّ الحديثَ المنكرَ أبدًا منكرٌ ، وأنَّه لا يصلحُ في الاحتجاجِ وَلا في الاستشهادِ ، وأنَّ روايةَ الثقةِ لهُ لا تدفعُ نكارتَهُ ، بلِ الحديثُ إِذا تحققَ من نكارتِهِ - إسنادًا أو متنا - ، وكانَ راويه ثقةً ، حملَ على أنَّه ممَّا أخطأَ فيهِ الثقةُ . ومثلُ صنيعِ ابنِ معينٍ في هذا الحديثِ : صنيعُهُ في حديث أبي الأزهرِ النَّيسَابوريِّ ؛ في الفضائلِ . (١) في بعض النسخ: ((قالوا: محمد بن يحيى))؛ كما في ((شرح العلل)) (٧٥٤/٢) ، وهو: الذهليُّ ، كما تقدم . ٩٠ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنكَرٌ وذلكَ ؛ لمَّا حدَّثَ أبو الأزهرِ بحديثِ : عبدِ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن الزهريِّ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عنِ ابنِ عباسِ ، قالَ : نظرَ النبيِّ وَّةِ إلى عليِّ، فقالَ: ((يا عليَّ! أنتَ سيدٌ في الدنيا ، سيدٌ في الآخرةِ، حبيبُكَ حَبَسِي ، وبغيضُكَ بغيضِي ... )) - الحديث(١) . فإنَّ ابنَ معينٍ ؛ لمَّا سمعَ هذا الحديثَ ، قالَ : ((مَنِ الكذابُ الذي يحدثُ عن عبد الرزاق بهذا الحديث )) ، فقامَ أبو الأزهرِ ، وقالَ : هُوَ أَنَا ذَا! فقالَ ابنُ معينِ : الذنبُ لغيرِكَ في هذا الحديثِ ، واعتذرَ إليهِ . فرغمَ أنَّ أبا الأزهرِ صدوقٌ ، وأنَّ ابنَ معينِ برَّأُهُ من عهدة هذا الحديث ، إلاَّ أنَّه حكمَ بأَنَّه حديثٌ كذبٌ ، ولم يرجعْ عن ذلكَ رغمَ أنَّه علمَ أنَّ إسنادَهُ من روايةِ الثقات ، وذلكَ لأنَّه تأمَّل الروايةَ ، سندًا ومتنًا ، فرأى أنَّ هذا المتنَ إنَّما ألصقَهُ مَنْ ألصقَهُ بهذا الإسنادِ النظيفِ . وهذا الحديثُ ؛ قد تتابعَ الأئمةُ على إنكارِهِ ، بلْ حكمَ بعضُهم بوضعِهِ ، على الرغمِ من ثقةِ رواتِهِ ، واتصالِ إسناده . فقد صرحَ ابنُ معينٍ هَاهُنا، بأنَّه كذبٌ . وقالَ الذهبيُّ (٢): (( هذا ؛ وإنْ كانَ رواتُهُ ثقات، فهو منكرٌ، ليسَ ببعيدٍ مِنَ الوضع ... ))(٣). (١) راجع: ((ردع الجاني)) (ص ٣١٥ - ٣١٦). (٢) في ((تلخيص المستدرك)) (١٢٨/٣). (٣) وراجع بقية الأقوال حول هذا الحديث في ترجمتي أبي الأزهر وعبد الرزاق من كتب الرجال . ٩١ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ ومن ذلكَ : حديثٌ ؛ رواهُ ابنُ أبي زائدةَ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن مسلمٍ بنِ يسارِ، قالَ : رأى ابنُ عمرَ رجلاً يعبثُ في الصلاةِ بالحصى ، فقالَ : إذا صلَّيتَ فلا تعبثْ، واصنعْ كما صنعَ رسولُ اللَّهِ وَلَه- فذكرَ الحديثَ. قالَ أبو حاتمٍ وأبو زرعةَ (١): ((هكذا رواهُ ابنُ أبي زائدةَ ، وإنَّما هو : مسلمُ بنُ أبي مريمَ ، عن عليّ بن عبدِ الرحمنِ المُعَاوِيِّ ، عن ابنِ عمرَ؛ والوهمُ منَ ابنِ أبي زائدة)). ثُمَّ قالَ أبو زرعةً : (ابنُ أبي زائدةَ قلَّمَا يخطئُ، فإذا أخطأ أَّتِى بالعظائمِ)) . قلتُ : وهو ثقةٌ ، ورغمَ قلةِ أخطائِهِ عندَ أبي زرعةَ ، وهذا يقتضي أنَّه ثقةٌ أو صدوقٌ عندَهُ، إلا أنَّه وصفَ تلكَ الأخطاءَ القليلةَ بأنَّها ((عظائمُ))، وهذا يقتضي أنَّها شديدةٌ وفاحشةٌ . وهذا ؛ يدلُّ على أنَّه لم يعلقِ الحكمَ على روايتِهِ على حالِهِ في الضبطِ عندَهُ، وإنَّما تجاوزَ ذلكَ إلى التأملِ الثاقبِ فيما يروي . والخطأُ الذي وقعَ فيهِ ابنُ أبي زائدةَ في هذا الحديثِ ، هو خطأٌ في الإسنادِ ؛ حيثُ قلبَ روايًا براوٍ ، وأسقطَ آخرَ منَ الإسنادِ . وهذا ؛ يدلُّ على أنَّ هذا النوعَ من الخطإِ إذا وقعَ فيه الراوي في روايته، فإنَّه يكونُ خطأ قبيحاً ، يفضي إلى تضعيفِ تلكَ الروايةِ جدًّا، فلا (١) ((علل الحديث)) (٢٥٧) . وانظر : رقم (٢٩٢) منه . ٩٢ المُنْكَرِ .. أَبَدًا مُنكَرٌ يعتبرُ بها، ولا يستشهدُ بها ، ولو كانَ الراوي ثقةً . وقدْ كانَ بإمكان هذين الإمامينِ أن يعتبراً هذا الإسنادَ إسنادًا آخرَ للحديث ، ومع ذلكَ فلم يفعلا ، بل اعتبرَاهُ خطأ، وأعلاَّهُ بالإسناد الآخر المحفوظ ، فمَن يظنّ أنَّ أي إسنادٍ سالمٍ من كذابٍ أو متهمٍ أو متروك يصلح للاستشهاد، فهو من أجهلِ الناسِ بَالعلمِّ الموروثِ عن الأئمةِ والنقادِ. ومن ذلكَ : حديثُ: أبي بكرٍ ، أنَّ النبيَّ بَّ نَحَرَ جَمَلاً لِأَبِي جَهْلٍ . رواهُ : أبو عبدِ اللَّهِ الصوفيُّ، عن سويدِ بنِ سعيدٍ ، عن مالكِ ، عنِ الزهريِّ ، عن أنسٍ ، عن أبي بكرٍ . قالَ الإمامُ الدار قطنيُّ (١): ((وهمَ فيهِ وهمَّا قبيحًا ؛ والصوابُ : عن مالك ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ - مرسلاً - ، عنِ النبيِّ وَِّ؛ والوهمُ فيهِ من الصوفيِّ). قلتُ: والصوفيُّ هذا ثقةٌ، وثَّقَهُ الدارقطنيُّ نفسُهُ (٢)، ومع هذا؛ فقد قضَى بأنَّ وهمَهُ في هذا الحديثِ ((وهمٌ قبيحٌ)) . نعم ؛ يرى الخطيبُ البغداديُّ ، أنَّ الوهمَ في هذا الحديث من سويدٍ، وليسَ منَ الصوفيِّ ، وكذا ابنُ عبدِ البرِّ ، وهذا لا يدفعُ ما نستشهدُ بِهِ من صنيعِ الدارقطنيِّ . لأنَّ الصوفيَّ ثقةٌ عندَ الدار قطنيِّ ، وقد ذهبَ هو إلى أنَّه أخطأً في هذا (١) ((العلل)) (٢٢٦/١). (٢) ((تاريخ بغداد)) (٨٦/٤). ٩٣ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ الحديث ((خطأ قبيحًا))، فثبتَ أنَّ الحكمَ على الضعفِ الواقعِ في الحديثِ بأنَّه شديدٌ أو هَيِّنٌ لا يتوقفُ على حالِ راويهِ ؛ وهو المطلوبُ . والخطأُ الواقعُ في هذا الحديثِ ؛ هو دخولُ حديثٍ في حديثٍ ، كما قالَهُ البرقانيُّ (١)، حيثُ إنَّ المخطئَ فيهِ أبدلَ إسنادَ هذا الحديثِ المرسلِ ، بإسنادٍ آخرَ متصلٍ ، سالكًا فيهِ الجادةَ . وهذا ؛ يدلُّ على أنَّ هذا النوعَ من الخطإِ ، إذا تحققَ من وقوعِهِ في الروايةِ أفضَى إلى اطراحِهَا ، والحكم عليها بالضعفِ الشديدِ ، والذي يمنعُ من الاستشهاد بها ، ولو كانَ المُخْطِئُ ثقةً . ومن ذلكَ : قالَ محمدُ بنُ عليٍّ بنِ حمزةَ المروزيُّ (٢). ((سألتُ يحيى بنَ معينٍ عن هذا الحديثِ - يعني : حديثَ نعيمٍ بِنِ حمادٍ ، عن عيسى بنِ يونسَ ، عن حَرِيزِ بنِ عثمانَ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرِ بنِ نفيرٍ، عن أبيهِ، عن عوفِ بنِ مالكِ، عنِ النبيِّ نَّ: ((تفترقُ أمّي على بضعٍ وسبعين فرقةً، أعظمُهَا فتنةً على أمَّتِّي قومٌ يقيسونَ الأمورَ برأيهِم، فيحلونَ الحرامَ ، ويحرمونَ الحلالَ) . قالَ (٣): ليسَ لَهُ أصلٌ . قلتُ : فنعيمُ بنُ حمادٍ ؟ (١) ((تاريخ بغداد)) (٨٣/٤). (٢) («تاريخ بغداد)) (٣٠٧/١٣ - ٣٠٨). (٣) يعني : ابن معين . ٩٤ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنكَرٌ قالَ : نعيمٌ ثقةٌ ! قلتُ : كيفَ يحدثُ ثقةٌ بباطل ؟! قالَ : شبَِّ لهَ) اهـ. قلتُ : فرغمَ أنَّ نعيمًا عندَ ابنِ معينٍ ثقةٌ ؛ إلا أنَّه حكمَ على حديثه هذا ، حيثُ أخطأَ فيهِ، بأنَّه ((ليسَ لهُ أَصلِّ»، وأنَّه ((باطلٌ))؛ وهذانٍ اللفظانِ يفيدانِ الضعفَ الشديدَ ، وذلكَ يرجعُ لشدةِ الخطإِ الذي وقعَ فيهِ نعيم في الروايةِ ، بصرفِ النظرِ عن حالِهِ هو مِن حيثُ الضبط والحفظ . وقولُهُ : ((شُبِّه لَهُ)، مع قوله: ((ثقةٌ))، يفيدُ أنَّ الثقةَ إذا أخطأُ عن غيرِ عمد ، فإنَّ هذا لا يمنعُ من الحكم على ما أخطأ فيهِ بالضعفِ الشديد ، فيكونُ (باطلاً)) و((لا أصلَ لَهُ) (١). وقد أشارَ الإمامُ دُحَيْمٌ إلى أنَّ نعيمًا انقلبَ عليهِ إسنادُ هذا الحديث ، وأَنَّه دخلَ عليهِ إسنادٌ في إسنادٍ ، فقد سُئِلَ عنهُ ، فردَّهُ ، وقالَ (٢): «هذا حديثُ صفوان بن عمرو ، وحديثُ معاويةً)) . ومعنى هذا ؛ أنَّ هذا الخطأ إذا وقعَ في حديثٍ ، كانَ هذا الحديثُ ضعيفًا جدًّا، وباطلاً ، ولا أصلَ لهُ، ولو كانَ الخطئُّ فيهِ منَ الثقاتِ . ومن ذلكَ : قال المرُّوذيُّ (٣): (١) وانظر: مثله في ((ضعفاء)) العقيلي (٢٢٨/١). (٢) ((تاريخ بغداد)) (٣٠٧/١٣). وراجع: ((التنكيل)) للمعلمي اليماني (٦٨/١) . (٣) ((علل الحديث)) له (٢٨٠) . ٩٥ المُنْكَرُّ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ ((وذكرَ - يعني: أحمدَ بن حنبلٍ - لُوَيْنًا ، فقالَ : حدَّثَ حديثًا منكرًاً عن ابن عيينةَ، ما لهُ أصلٌ . قلتُ : أيشِ هُو ؟ قالَ : عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن أبي جعفرٍ ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ ، عن أبيهِ - قصة عليٍّ -: ((مَا أَنَا الذي أخرجْتُكُم ؛ ولكنَّ اللَّهَ أخرجَكُم)) -؛ فأنكرَهُ إنكارًا شديدًاً، وقالَ : مالهُ أصلٌ )) اهـ. قلتُ : ولُوينٌ ، وهُو : محمدُ بنُ سليمانَ المصيصيُّ ، وهو ثقةٌ ، ومع ذلكَ ؛ فقد ضعَّفَ الإمامُ أحمدُ حديثَهُ هذا تضعيفًا شديدًا، وأنكرَهُ عليهِ إنكارًا شديدًا . وقد ذكرَ الخطيبُ البغداديُ (١) كلامَ أحمدَ هذا، ثمَّ قالَ بعقِهِ : («أظنُّ أبا عبدِ اللَّهِ - يعني: أحمدَ بن حنبلٍ - أنكرَ على لُوَيْنٍ روايَتَهُ متصلاً ؛ فإنَّ الحديثَ محفوظٌ عن سفيانَ بنِ عيينةَ ، غيرَ أنَّه مرسلٌ ؛ عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عَنِ النبيِّ ◌َّ). ثُمَّ أسندَهُ من غيرِ وجهٍ ، عن سفيانَ مرسلاً . قلتُ : وهذا يفيدُ ؛ أنَّ مثلَ هذا الخطإِ ، إذا تحققَ من وقوعِهِ في و حديثٍ ، كانَ الحديثُ ((ضعيفًا جدًّا)) و((منكرًا)) و((لا أصل له))، لا يصلحَ للاعتبارِ ، ولو كانَ المخطئُ فيه ثقةٌ . ومن ذلكَ : روى : الربيعُ بنُ يحيى الأُشْنَانِيُّ ، عنِ الثوريِّ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن جابرٍ، عنِ النبيِّ نَّهِ - في الجمعِ بينَ الصلاتينِ . (١) («تاريخ بغداد)) (٢٩٣/٥-٢٩٤). ٩٦ المُنْكَرُّ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ فقالَ أبو حاتم الرازيُّ (١): ((إنّه باطلٌ عندي ، هذا خطأٌ، لم أدخلُهُ في التصنيف ، أرادَ («أبا الزبير ، عن جابرٍ))، أو ((أبا الزبيرِ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ))، والخطأُ منَ الربيعِ) اهـ . قلتُ: والربيعُ هذا ، قد قالَ فيهِ أبو حاتم نفسُهُ: ((ثقةٌ ثبتٌ))، وقد قضَى بأنَّ حديثَهُ هذا ((حديثٌ باطلٌ))، وأنَّه هو المخطئُ فيه، وهذا يدلُّ على أنَّ الثقةَ الثبتَ إذا أخطأَ الخطأ الفاحشَ كانَ ما أخطأُ فيهِ ((باطلاً))، ولا يشفعُ لهُ كونُ المخطئِ ثقةٌ ثبتًا . وقولهُ : ((لم أدْخلهُ في التصنيف))، يدلُّ على أنَّ الحديثَ عندهُ لا يصلحُ للاستشهاد ؛ لأنَّ الحديثَ إنَّما يدخلُ في التصنيفِ ، إمَّا للاحتجاجِ أو للاستشهاد ، وما لا يصلحُ لذلكَ لا يدخلُ في التصنيفِ . والخطأ الذي وقعَ فيه الرَّبيعُ - كما يَرى أبو حاتم - ؛ هو أنَّه دخلَ عليهِ حديثٌ في حديثٍ ، أو إسنادٌ في إسنادٍ ؛ وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الخطأ من الخطإِ الفاحشِ ، والذي إذا وقعَ في الروايةِ كان موجبًا لإنكارها والحكم عليها بالبطلانِ ، مهما كانَ المخطئُ ثقةً أو غيرَ ثقةٍ . وقد سُئِلَ الإمامُ الدارقطنيُّ عن هذا الحديثِ بعينِهِ ، فقضَى فيهِ بنحو ما قضَى أبو حاتم الرازيَّ - رحمهما اللَّهُ تعالى . فقد ذكرَ عنهُ البرقانيُ (١) ؛ أنَّهَ قالَ : ((هذا حديثٌ ليسَ لمحمد بنِ المنكدر فيه ناقةٌ ولا جملٌ) . (١) ((العلل)) لابنه (٣١٣). (١) في ((سؤالاته)) (٢٣) . ٩٧ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنكَرٌ وهذا ؛ مثلُ قولِ أبي حاتمٍ ؛ فقدٍ اتفقا على أنَّ الربيعَ دخلَ عليهِ إسنادُ في إسنادٍ ، وأنَّ هذا الحديثَ ليسَ من حديثِ ابنِ المنكدرِ ، وإنّما هو من حدیثٍ غيرِهِ . وسألَهُ الحاكمُ أبو عبد الله (١) ، عن الربيعِ بنِ يحيى صاحبِ هذا الحديث ؛ فقالَ : (ليسَ بالقويُّ ؛ يروي عنِ الثوريِّ ، عنِ ابنِ المنكدرِ ، عن جابرٍ في الجمعِ بينَ الصلاتينِ ، هذا يسقطُ مائةَ ألفِ حديثٍ)) . وهذا ؛ يدلُّ دلالةً قويةً على شدةِ نكارة هذا الحديث ؛ فإنَّه ألانَ القولَ في حفظِهِ ؛ معللاً ذلكَ بروايته لهذا الحديثِ المنكرِ ، وهذا يدلُّ على أنَّ نكارةَ هذا الحديثِ تعدَّى أثرها عندَ الإمامِ الدار قطنيِّ إلى الراوي لهُ، بحيثُ دَلَّت على عدمِ تمامٍ ضبطِهِ . ومن ذلكَ : قالَ البرذعيُّ (٢): («سألتُ أبا زرعةً عن حديث شعبةَ مولى ابنِ عباسٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ؛ وعن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ - حديثُ ابنِ أبي ذئبٍ -: كانَ النبيِّ وَّ يصلي الركعتينِ بعدَ (٣) المغربِ في بيتِه ؟ فأنكرَ حديثَ شعبةً جدًّا . (١) في ((سؤالاته)) (٣١٩). (٢) في ((سؤالاته لأبي زرعة)) (٦٩٨/٢ -٦٩٩). (٣) في المطبوع: ((قبل)) خطأ، وعلى الصواب جاء في ((تاريخ بغداد)) (٣٥٦/١١). ٩٨ المُنكَرُ .. أَبَدًا مُنكَرٌ ٠ وقالَ : من رواهُ ؟ قلتُ : عليٌّ بنُ ثابتِ الجزريُّ ، عنِ ابنِ أبي ذئبٍ . قالَ : مَنْ عَنْ عليٌّ ؟ قلتُ : زيادُ بنُ أيوبَ . فضعفَ الحديثَ جدًّا، وأنكرَهُ) . قلتُ : هكذا أنكرَ هذا الحديثَ وضعفَهُ جدًّا من طريقِ ((شعبةَ عنِ ابنِ عباسٍ))، مع أنَّ الإسنادَ إليهِ رجالُهُ ثقاتٌ، فلم يمنعْهُ ثقةُ الرواةِ من إنكارِ الحديثِ ، والحكمِ عليهِ بالضعفِ الشديد . هذا ؛ مع أنَّ متنَ الحديث محفوظٌ بإسنادٍ آخرَ ، وقد أتى بهِ هذا الراوي أيضًا، وهو الإسنادُ الآخرُ («نافعٌ عن ابنِ عمرَ)» ؛ فإنَّ هذا الحديثَ قد رواهُ جماعةٌ كثيرونَ ((عن نافعٍ عنِ ابنِ عمر))، وقد أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ في ((صحيحيهما)) (١) من هذا الوجهِ ، وعلى الرغم من أنَّ أصلَ الحديث صحيحٌ ثابتٌ ، إلا أنَّ الإمامَ لم يمنَعُهُ ذلكَ من إنكارِ هذا الإسناد الآخر والحكم عليهِ بالضعفِ الشديدِ ، فكيف إذا لم يكنِ المتنُ لهُ أصلَّ صحیحٌّ، بل كلّ طرقه تدورُ على الرواة الضعفاء ؟! وقد روى حديثَ («نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ» غيرُ عليٍّ بنِ ثابتِ الجزريِّ ، عنِ ابنِ أبي ذئبٍ : رواهُ : شبابةُ بنُ سوارٍ . أخرجَهُ : عبدُ بنُ حميد (٧٨١) . (١) البخاري (٤٢٥/٣) (٥٠/٤-٥٨)، ومسلم (١٧/٣). ٩٩ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ وتابعَهُ على أصلِهِ : حجاجُ بنُ محمد . أخرجَهُ: الطحاويَّ في ((شرح المعاني)) (٣٣٦/١). ومنْ ذلكَ : قال عبدُ الله بن عليٍّ بن المدينيِّ: ((سمعتُ أبي - وسألتُهُ عن حديثٍ رواهُ بُنْدار ، عن ابن مهديٌّ ، عن أبي بكرٍ بن عياشٍ ، عن عاصمٍ ، عن زرِّ ، عن عبد الله ، عن النبيُّ وَّة، قال: ((تسحروا؛ فإن في السحور بركةً)) . فقالَ : هذا كذبٌ؛ حدَّثْني أبو داودَ موقوفًا؛ وأنكرهُ أشدَّ الإنكار)). قلتُ : وبندارُ ، هو : محمد بن بشار ، وهو من الثقاتِ المعروفين، وهو وإن تكلَّم فيه بعضُهم ، إلا أن كلامَ من تكلَّمَ فيه ليس لتهمةٍ ، ومع ذلكَ قضى الإمامُ ابن المدينيِّ على حديثِهِ هذا ، حيثُ أخطأ في رفعه والصوابُ وقفُهُ، بأنَّه حديثٌ ((كذبٌ)) وأنكره أشدَّ الإنكار (١). هذا ؛ مع أن أصل الحديث ثابت عن رسول الله وَّله ، ولكن من حديث أنسٍ ، وقد أخرجه البخاري ومسلم (٣) وغيرهما. ومِنْ ذلكَ : حديثُ : ضمرة بن ربيعةَ ، عن الثوريِّ ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ بَّ، قالَ: ((من مَلكَ ذا رحم محرم فهو عتيقٌ) . (١) راجع: ((العلل)) للدارقطني (٦٧/٥). (٢) البخاري (١٣٩/٤)، ومسلم (١٣٠/٣). ١٠٠ المُنْكَرُ . أَبَدًا مُنْكَرٌ فهذا الحديثُ ؛ قد أنكرهُ الإمامُ أحمدُ غايةَ الإنكارِ ، وقال : ((لو قالَ رجلٌ : إنَّ هَذا كذبٌ لما كانَ مُخْطِئًا))؛ مع أنَّ راويه المخطئَ فيه، وهو ضمرةُ ابن ربيعةَ هذا ، من الثقات ، وقد وثَّقْه الإمامُ أحمدُ نفسُهُ . وكذلكَ ؛ أنكره الإمامُ البيهقيُّ ، وذهبَ إلى أنَّ الراويَ دخلَ عليه ، إسنادُ في إسنادٍ ، ووصفَ هذا الخطأِ الواقعَ في هَذا الحديثِ بأنَّه «فاحشٌ)). وسيأتي تفصيلُ ذلك فيما بعدُ ، إن شاء الله تعالى ، في ((فصل : الشواهد .. وإسنادٌ في إسنادٍ)). وبالله التوفيق . ومن ذلكَ : حديثُ : عبد الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عنِ الزهريِّ ، عن سالمٍ ، عن أبيهِ، عنِ النبيِّ وَِّ، أَنَّه رأى على عمرَ ثوبًا غسيلاً أو جديدًاً، فقالَ : ((البسْ جديدًا، وعشْ حميدًا، ومُتْ شهيدًا)). فقد قال أبو حاتم الرازي (١) : ((هذا حديثٌ ليسَ لهُ أصلٌ من حديث الزهريِّ ، ولم يرضَ عبدُ الرزاق ءِ حتّى أتبعَ هذا بشيء أنكِرَ من هذا ، فقالَ : حدثنا الثوريّ ، عن عاصمِ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن سالم، عنِ ابنِ عمرَ، عَنِ النبيِّ وَّ بمثلِهِ ، وليسَ لشيءٍ من هذينِ أصلٌ، وإنّما هو معمرٌ ، عنِ الزهريِّ - مرسلٌ - ، أنَّ النبيَّ وسلم (١) ((العلل)) لابنه (١٤٦٠).