النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ المُقَدِّمَةُ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) (١) !! ويصيرُ مَن اتَّبِعَ سَبِيلَ المؤمنينَ ، وسارَ على دَرْبِ العلماءِ العَارفينَ = مُتَبَعًا لغيرِ سبيلِ المؤمنينَ ، وسَالِكًا غيرَ طريقِ العلماءِ العارفينَ ، ومُخَالفًا لما عَلَيْهِ المحقّقُونَ ، ومناهِضًا لما أَجْمَعَ عليهِ المحدِّثُونَ !! فلا غَرْوَ ! أنْ وجدنَا أهلَ البدعِ والأهواءِ في كلِّ زمان ومكان قد استغلُّوا هذا البابَ من أبوابِ العلمِ لتقويةِ بِدعهم ، وتأييدِ آرائهم الشَّاذَّة وأقوالهِم الباطلَةِ ، وذلكَ بتقويةِ الأحاديثِ المنكرةِ والباطلةِ ، بروايات أخرى مثلهَا أو أشد منها في النِّكارَةِ والبطلان . وهذا ؛ شأنُ أهلِ البدع قديمًا وحديثًا ، يتعلَّقُونَ بالضَّعيفِ والمنكرِ من الأحاديث ، ويُوهمونَ الناسَ قوَّتَها ، بحجة أنَّ لها شواهدَ ومتابعات ؛ وما هي كذلكَ . ومن نظرَ في كتابي ((رَدْع الجاني)) وقفَ على شيءٍ كثيرٍ لمبتدعٍ واحدٍ في كتابٍ واحدٍ ، من تقويتِهِ لأحاديثَ بشواهدَ ومتابعاتٍ لا أصل لها ، فكيفَ بباقي كُتِبِهِ (٢) ، بلْ كيفَ بباقي المبتدعينَ، الذين هُمْ أكثرُ تَشَرُبًا منه للبدعةِ ، وأكثرُ توغُّلاً فيهَا . والواقعُ ؛ أنَّ هؤلاء المبتدعينَ يَجِدونَ في المتناثرِ من أحكامِ بعضِ (١) أخرجه مسلم (٨٦/٦-٨٧). (٢) قد بينت كثيرًا من ضلالاته في كتبه الأخرى ، في كتاب آخر سميته : ((صيانة الحديث وأهله من تعدي محمود سعيد وجهله)) ، أسأل الله تعالى أن يعينني على إكماله . ٤٢ المُقَدِّمَةُ أهلِ العلمِ المتساهلينَ منَ المتأخرينَ والمعاصرينَ خاصةً ، ما يؤيِّدونَ به قولَهُمْ، ويقوُّونَ بِهِ صنيعَهُمْ، ويدعِّمونَ بِهِ باطِلَهُمْ ؛ فصارَ الخطأُ غيرُ المقصودِ عندَ ذاكَ العالمِ الفاضلِ ، قاعدةً مطَّردةً عند هؤلاءِ المبتدعينَ ، تلقَّفُوه ، وأقامُوا له الحصونَ لحمايتِهِ ، والقصورَ لصيانِتِهِ ؛ فَهُمْ بدونِ هذهِ الأُغْلُوطَاتِ وتلكَ الهَفَواتِ الصادرةِ من هؤلاءِ الأفاضلِ ، يقفونَ حائرينَ عاجزينَ ، مكتوفي الأَيْدي ، لا يستطيعونَ حِيلَةٌ ، ولا يَهتدونَ سَبِيلاً !! ووُجِدَ - في المُقَابِلِ - مَنْ يُنكرُ مبدأ التقويةِ من أساسِهِ ، ولا يعتبرُ الشواهدَ والمتابعاتِ ، ولا يحتجُّ إلا بما رواهُ الثقاتُ . وهؤلاءِ أيضًا ؛ أطلقُوا حيثُ ينبغي أنْ يقيِّدُوا، وصادَمُوا بقولِهِمْ هَذا النصوصَ الكثيرةَ والوفيرةَ عن أئمةِ الحديثِ ؛ كأحمدَ والبخاريِّ والترمذيِّ وغيرهمْ ، الدَّالةَ على اعتبارِ الرواياتِ ، وجَبْرِ بعضِهَا ببعضٍ ، والانتفاعِ بالشَّواهِدِ والمتابعاتِ ، والاستدلال بها على حفظِ الحديثِ . ولعلَّ هؤلاءٍ لما نظروا إلى التَّساهُلِ الفاحشِ الواقعِ فيهِ الأولونَ ، سَعَوْا إلى الهُرُوبِ منهُ ، واجتنابِ ما وقعَ فيهِ غيرهُمْ ؛ ولكنَّهم أسرفُوا في الهروبِ ، وبالغُوا في الاجتنابِ والبُعْدِ ، فجرَّهُمْ ذلكَ إلى الغُلُوِّ ، فقابَلُوا الجفاءَ بالغلوِّ ، والتَّساهُلَ بالتشدُّدِ ، والتَّفريطَ بالإفراطِ . والحقُّ؛ وسَطٌ بَيْنَ الجفاء والغُلُوِّ ؛ يخرجُ من بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنّا خَالِصًا سَائِغًا للشَّارِبِينَ . فهوُ ؛ إثباتٌ للاعتبارِ ، وإعمالٌ للشَّواهد والمتابعات ، وانتفاعٌ بها في ٤٣ المُقَدِّمَةُ تقويَةِ الأحاديثِ ؛ مِنْ غَيْرِ اغترارِ بأخطاءِ الرَّواة في الأسانيد والمتون ، ولا الْتِفَاتِ للمناكيرِ والشَّوَاذٌ . وهو ؛ إعمالٌ لما أَعْمَلَهُ أئمةُ الحديث ونُقَّادُهُ من الروايات ، احتجاجًا أو استشهادًا، وإهمالٌ لما أهملُوه ، وإبطالٌ لما أبطلُوه . فما قَبِلُوه يُقْبَلُ ، وما أَبْطلوهُ يُبْطَلُ، وما اعَتَبروهَ يُعَتَبرُ ، وما أنكَرُوهُ يُنْكَرُ . هَذا ؛ والقاعدةُ التي يقومُ عَلَيْهَا هَذا البابُ ، ويُعتَمَدُ عليها في تمييزِ ما يصلُحُ وما لا يصلُحُ للاعتبارِ ، إنَّما تقوم على أَسَاسَيْنِ ، صُلْبَيْنِ، مَتِينَيْنِ، لا نِزَاعَ فِيهِمَا ، ولا خِلافَ عَلَيْهِمَا . الأَسَاسُ الأَوَّلُ: أنَّ ثَمَّةَ فَرْقَا بَيْنَ: ((الخَطَإِ المُحْتَمَلِ))، و((الخَطَإِ الرَّاجح)) فالحديثُ ؛ الذي يُحتملُ أنْ يكونَ خَطاً ، ويُحتملُ أن يكون صَوَابًا ، هو الذي يصلُحُ في بابِ الاعتبارِ ، أمَّا الذي ترجَّح فيهِ الخطأُ ، وكانَ جانِبُهُ أقوى مِن جانبِ الإصابَةِ ؛ فهو الذي لا يصلُحُ في هَذا البابِ ؛ فلا يُعتبر بِهِ ، ولا يعرَّجُ عليهِ . فأمَّا ((الخطَأُ المُحْتملُ))؛ فهو أنْ يُوجَدَ في الروايَةِ ما يكونُ مَظِنَّةً للخطإِ ، أو سببًا لوقوعِ الخطإِ ، أو ما يخشى وقوعُ الخطإ من قِبَله ، ولمَّا يُتَحقَّق منهُ ، ولا عُرِفَ بَعْدُ . فمثلاً ؛ إرسالُ الحديثِ ، أو سوءُ حفظِ أحدِ رُواتِهِ ، أو وقوعُ ٤٤ المُقَدِّمَةُ الخلاف - ولمَّا يَظْهر بعدُ رُجحانُ وجه من الوجُوه - ؛ كلّ هذه أسباب يُخْشَى وقوعُ الخللِ في الروايةِ من قِبَلِهَا ، ولكنَّ الخللَ ليسَ مُلازِمًا لها؛ فقد يكونُ مخرجُ المرسلِ صحيحًا ، وقد يكونُ سيءُ الحفظِ لم يؤثِّر عليهِ سوءُ حفظِهِ في هَذا الحديثِ خاصةً ، وقد يكونُ هَذا الخلافُ الواقعُ في الروايةِ من الخلافِ الذي لا يقدحُ، أو يكونُ الرَّاجحُ منهُ ما ينفعُ الحديثَ ولا يضرّهُ؛ وذلكَ كلُّه حيثُ لا يكونُ في الحديثِ علةٌ أخرى (١). فإذَا كانَ حالُ الحديث هَكَذا ، يُحتملُ أن يكونَ صَوَابًا ، ويُحتملُ أن يكونَ خَطاً، مِنْ غير رُجْحَانِ لِجانبٍ من الجانبَيْنِ ، كانَ - حينئذٍ - صَالِحًا للاعتبارِ . والهدفُ من اعتبارِ مثلٍ هَذا ؛ ترجيحُ أحدِ الجانبَيْنِ ، فإذَا وُجِدَ متابعٌ يدفعُ عن الرَّاوي رِيبةَ التَّفَرُّدِ ، أو شاهِدٌ يؤكِّد حفظَهُ للمتنِ أو لمعناهُ، رَجَحَ جانبُ إصابتِهِ فيما تُوبعَ عليهِ ، أو فيما وُجِدَ له شاهدٌ ، مِنَ الرِّوايةِ ؛ كلِّها، أو بَعْضها . وإذَا وُجِدَ مخالفٌ لَهُ، ممَّن تؤثِّرُ مخالفتُهُ ، أو شاهدٌ كذلكَ بخلاف ما روى ، ترجّحَ جانبُ خطئِهِ في روايتِهِ ، وقَوي جانبُ الرَّدِّ لها ، فَتُلْحَق - حينئذٍ - بالمناكيرِ والشَّواذٌ . وإذَا لم يُوجَدْ ؛ لا هَذه ، ولا تلكَ : ما يَشْهد له ، ولا ما يخالفُهُ، كانَ الحديثُ فردًا، ورَجَحَ جانبُ الخطإِ فيهِ ، فيكون منكراً ؛ لتفرّد من لا (١) راجع: ((الموقظة)) للذهبي (ص٣٩) و((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٥٦٩/٢) و((حجاب المرأة السلمة)) للشيخ الألباني (ص١٩ - ٢٠) و((جلبابها)) له أيضًا (ص٤٤). ٤٥ المُقَدِّمَةُ یحتملُ تفردُهُ بِهِ (١) . لا سيَّما ؛ إِذَا انضاف إلى ذلكَ بعضُ القرائنِ التي تؤكِّد عدمَ حفظِ الرَّاوي لما تفرَّد به ؛ كأنْ يكونَ المتفردُ مُقلاً من الحديثِ ، لا يُعرفُ بكثرةِ الطَّلبِ ، ولا بالرحلة ، أو يكونَ إنَّما تفرَّدَ بالحديثِ عن بعضِ الحفاظِ المكثرينَ ، المعروفينَ بكثرةِ الحديثِ والأصحابِ ، فإنَّ مَنْ عُرِفَ بسوءٍ الحفظِ ، إذَا تفرَّدَ وانضافَ إلى تفرُّدِهِ مثلُ هذه القرائنِ ، لا يتردّدُ فاهِمٌ في نكارَةً ما تفرَّد بِهِ (٢) . وأمَّا ((الخَطَأُ الرَّاجحُ))؛ فالرُّجْحَانُ يكونُ بأحدٍ أَمْرَيْنِ : الأوَّلُ: متعلِّقٌ بالرَّاوي . وذلكَ ؛ بأنْ يكونَ الرََّوي المتفرِّدُ بالروايةِ ضعفُهُ شديدٌ ؛ لكذب ، أو تُهْمَةٍ ، أو شدَّةٍ غَفْلةٍ . فمثلُ هذه الروايةِ ، لا تصلُحُ للاعتبارِ ؛ لِرُجْحَانِ جانبِ الخطإِ فِيهَا ، من حيثُ أنَّ مثلَ هؤلاءِ الرُّواةِ إِنَّما يتفرَّدونَ في الأعمِّ الأغلبِ بالكذبِ (١) وقد سبق صنيع شعبة في حديث الشفعة الذي تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي؛ لما لم يجد ما يقويه به ، أنكره ، وكذلك ما سبق معه من صنيع يحيى القطان وأحمد ابن حنبل ، يفيد هذا المعنى . وقد ذكر الحافظ ابن الصلاح هذا المعنى في ((مقدمته)) (ص٤٦-٤٧) في مبحث ((الحسن))، عندما قسم ((الحسن)) إلى قسمين ، فذكر ما يدلُّ على أن المستور الذي لا يكون متهمًا بكذب أو فسق أو غفلة شديدة ، إذا لم يوجد له متابع ، أو لحديثه شاهد ، تكون روايته شاذة أو منكرة . وكذلك؛ صرح بمثل ذلك في مبحثي (الشاذ)) و((المنكر)) (ص١٠٤-١٠٧). (٢) راجع: كتابي ((لغة المحدث)) (ص٨٨ - ١٠٠)، وسيمر بك - إن شاء الله تعالى - هذا المعنى في كلام كثير من أهل العلم في أثناء هذا الكتاب . ٤٦ المُقَدِّمَةُ الموضوعِ ، أو الباطلِ المنكرِ . والقليلُ جدًّا؛ الذي أصابُوا فيهِ ، إنَّما يُعرفُ من روايةٍ غيرِهِمْ من أهلِ الثَّقةِ والصِّقِ ، فلمْ تَعُدْ روايتُهُمْ ذَات فائدةٍ ؛ إذْ وُجِدَ ما يُغْنِي عنها ممَّنْ يُوثقَّ بديِهِ وحفظِهِ . يقولُ الإمامُ مسلمٌ - عليهِ رحمةُ اللهِ - (١) عن رواياتِ هذا النوعِ من الرُّواة : (لعلَّهَا - أو أكثَرَهَا - أكاذيبُ، لا أصلَ لهَا؛ معَ أنَّ الأخبارَ الصِّحاحَ مِنْ روايةِ الثِّقَاتِ وأهلِ القَنَاعَةِ أكثرُ من أنْ يُضْطَرَّ إِلى نَقْلِ مَنْ ليسَ بثقَةٍ ، ولا مَقْنَع)) . هَذا ؛ والقدرُ القليلُ الذي يُوجَدُ له أصلٌ عندَ ثقاتِ المحدِّثينَ ، مما يرويِهِ هؤلاءِ الكذابونَ أو المتهمونَ أو من شابههُمْ ؛ لا يُؤْمَنُ أنْ يكونُوا إنَّما سَرَقُوه من الثقاتِ ، وليسَ مما سَمِعُوه ؛ لأنَّ من يُعرفُ بالكذبِ ، أو يتَّهِمُ به ، لا يُستبعدُ عليهِ أن يُجْهِزَ أو يَسْطُوَ على حديثٍ غيرِهِ ، فيسِرِقهُ ؛ فكانتْ روايةُ هؤلاء وجُودُهَا كالعَدَمِ ؛ لأنَّها إمَّا مُخْتَلَقَةٌ، وإمَّا مَسْرُوقَةٌ . الثاني : مُتَعِّقٌ بالرِّوَايَّةِ نَفْسِهَا . وذلكَ ؛ بأنْ يكونَ راوي الروايةِ ، ممَّن لم يَبْلُغْ في الضَّعْفِ تلكَ المنزلةَ ، وإنَّما نَشَأَ ضَعْفُهُ من سوء حفظه ، أو اختلاطه ، أو نحو ذلك مما لا يقدحُ في دينٍ أو عدالةٍ ، بلْ قد يكونُ ثقةً صدوقًا ، من جُملةٍ من يحتجُّ بحديثِهِ في الأصلِ؛ إلا أنَّه ((ترجَّحَ) أنَّه أخْطَاً في هَذا الحديثِ بعينِهِ ، في (١) ((مقدمة الصحيح)) (٢٢/١). ٤٧ المُقَدِّمَةُ إسناده أو متنه ، عن غير قصد أو تعمد ، فتكونُ روايتُهُ هَذه التي أخطأ فيها مِن قَبِيلِ ((المنكرِ) أو ((الشَّاءِ». والخطأُ ؛ كنحوِ : زيادة أو نقصانِ ، أو تقديمٍ أو تأخيرٍ ، أو إبدالِ راوٍ براوٍ ، أو كلمةٍ بكلمةٍ ، أو جملةٍ بجملةٍ ، أو دخولِ حديثٍ في حديثٍ، أو إسنادٍ في إسنادٍ ، أو تصحيف أو تحريف ، أو روايةٍ بالمعنى أَفْسَدَتْ معنى الحديثِ وغَيَرَتْ نِظَامَهُ . فإِذَا تَرَجَّحَ وقوعُ شيءٍ مِن هَذا في الرِّوَايَةِ ، كانت الرِّوايةُ - حينئذ - خَطَأَ، منكرةً أو شانَّةً ، لا اعتبارَ بها ، وإنِّما الاعتبارُ بأصْلِها الذي خَلا مِنْ هَذه الآفات ؛ إنْ كانَ لها أصلٌ . فإنْ كانَ أصلُ الرواية خطاً ، فلا تصلُحُ الروايةُ - حينئذ - للاعتبار بها، بأيِّ جُزْءٍ مِنْها ، وبأيِّ قِطْعَةٍ فيهَا . وإنْ كانت الرِّوايةُ منْ أصلهَا محفوظةً ، أو لها من المتابعاتِ والشَّواهد ما يؤكِّدُ كونها محفوظةً ، إلا جزء مِنْها في الإسنادِ أو في المتنِ، ثَبَتَ خطؤهُ، ونكارتُهُ، لم يُعْتَبر بهذا الجزءِ مِنْها خاصةً ، وإن اعتُبِرَ بأصلٍ الرِّواية . فمثلاً؛ إذَا اختُلِفَ في وَصْلِ روايةٍ وإرسالِهَا، وترجَّح لدَيْنَا أنَّ مَنْ وَصَلَها أخطأ ، وأنَّ الصَّوابَ أنها مرسلةٌ ، فالرِّوايةُ الموصولةُ غيرُ صالحة للاعتبارِ بها؟ لأنَّها خطأٌ مُتَحَقَّقٌ، فوجُودهَا وعَدَمُهَا سواءٌ، وإنَّما يُعتبرُ بالروايةِ المرسلةِ فحسبُ . وإِذَا اخْتُلِفَ في ذكرِ زيادةٍ معيََّةٍ في متنِ حديثٍ ، أَثْبَتَها بعضُ الرُّوَاةِ ، ٤٨ المُقَدِّمَةُ ولم يُثْبِتْهَا البعضُ الآخرُ ، وترجَّح لَدَيْنَا أنَّ مَنْ أَثْبَتَها أخطأَ في ذلكَ ، وأنَّ الصَّوَابَ عَدَمُ إثباتِهَا في هَذا المتنِ . فإنْ وُجِدَتْ هَذهِ الزيادةُ في متنٍ آخرَ ، لم يَكُنْ ورُودُها في المتنِ الأوَّلِ شَاهدًا لها في المتنِ الثاني ، لأنَّه قد تُحقِّقَ من أنَّ إدخالها في المتنِ الأوَّلِ خطأٌ من قِبَل بعضِ الرُّواةِ ، وأَنَّها مقحمةٌ في هَذا المتنِ ، وليستْ منهُ، بلْ قد يكونُ مَنْ زادَهَا في المتنِ الأوَّلِ إِنَّمَا أَخَذَهَا من المتنِ الثانيِ ، ثم أَقْحَمَها بالأوَّلِ ، من غَيْرِ تحقيقٍ (١) . وهَذانِ الأَمْرانِ؛ اللَّذانِ يترجَّحُ بوجُودِهِمَا في الرِّوايةِ كونَها خَطَّاً ، وأنَّها لا تصلُحُ للاعتبارِ ، هُمَا ما أشارَ إليهِمَا الإمامُ الترمذيُّ - عَلَيْهِ رَحْمَةُ الله تعالى - عندَ تعريفِهِ للحديثِ ((الحسنٍ)) وبيانِ شَرائطِهِ ؛ فإنَّه ذَكَرَ : أنَّ كُلَّ مَا (يُرْوِى مِنْ غَيْرٍ وَجْهِ)، لا يَكونُ ((حَسَنًا))، حتَّى يجتمعَ فِيهِ شَرْطانِ . الأوَّلُ : ((لا يكونُ في إسنادِهِ من يَتَّهمُ بالكذبِ)) . فهذا ؛ ما يتعلَّقُ بحالِ الرَّوي . الثَّاني: (( لا يكونُ الحديثُ شَاذًّا)) . (١) انظر: ((فصل: الشَّواهدُ .. وحديثٌ في حديثٍ)). وانظر أيضًا: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألباني (١/ ١٦٠) (٢٨٦/٣) (٢٥/٥) (١٠٧/٦) و ((الإرواء)) (٣٣/٤) (١٢٠/٧). وفي ((مجموع الفتاوى)) (٣٧٢/٣٠-٣٧٣) ذكر شيخ الإسلام - رحمه الله - حديثًا من ((المسند)) عن بشير بن الخصاصية ، وذكر فيه زيادة ، ليست هي فيه في ((المسند)» ولا غيره ، وإنما هي في حديث آخر في بابه . وإنما يقع ذلك ، بسبب الاعتماد على الحفظ ، وقد كان شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - آية في حفظه ، وعجبًا من العجب . ٤٩ المُقَدِّمَةُ وهَذا ؛ ما يتعلَّقُ بحال الرِّوايةِ نَفْسِهَا . وكلُّ من تعرَّضَ لشرائطِ اعتضادِ الرَّواياتِ ، إنَّما يدورُ كلامُهُ في هَذا الفَلَكِ، وأَنَّه لابدَّ مِن تحقُّقِ هذين الشَّرطينِ فيها جميعًا، فإذَا لَمْ يَتَحقَّقْ أحدهُمَا في الرِّوايةِ، سَقَطَتْ عَنْ حدِّ الاعتبارِ، وإِنْ تَحَقَّقَ الآخرُ (١). فهذا ؛ هُو الأساسُ الأوَّلُ في هَذا البابِ ، وهو ما حرَّرَه الحافظُ ابنُ حجرٍ - عليهِ رحمةُ اللهِ - ، ولخَّصَهُ في قوله (٢) : (لمْ يَذْكر - يعني : ابنَ الصلاحِ - للجابرِ ضَابطًا ، يُعلمُ منهُ ما يصلُحُ أنْ يكونَ جَابرًا ، أَوْ لا . والتَّحريرُ فيهِ : أنْ يُقَالَ: إِنَّه يَرْجِعُ إلى الاحتمالِ فِي طَرَفِي القُبُولِ والرَّدِّ : فحيثُ يَسْتوي الاحتمالُ فيهما ؛ فهو الذي يصلُحُ لأنْ يَنْجبرَ . وحيثُ يَقْوِى جَانبُ الردِّ ؛ فهو الذي لا يَنْجبرُ . وأمَّا إذَا رَجَحَ جانبُ القُبُولِ؛ فليسَ مِنْ هَذَا؛ بلْ ذاكَ في الحَسَنِ الذَّاتي . واللهُ أعلمُ» . وهَذا الَّفْصِيلُ ؛ هُو الذي أرادَهُ الإمامُ أحمدُ - عليه رحمةُ الله - ، مِنْ قولِهِ الجامِعِ ، والذي هو بمنزلةِ قاعدة عريضةٍ ، ومثلٍ سائرٍ ؛ حيثُ يقولُ (٣): («الحَدِيثُ عَنِ الضُّعِفَاءِ؛ قَدْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ ، (١) ستأتي - إن شاء الله تعالى - أكثر هذه الأقوال في ((فصل: المنكرُ .. أبدًا منكرٌ)). (٢) ((النكت)) (٤٠٩/١)، وسيأتي أيضًا في ((فصل: المنكرُ .. أبدًا منكرً). (٣) ((العلل)) للمروذي (ص٢٨٧)، و((مسائل أحمد)) لابن هانئ (١٩٢٥) (١٩٢٦)، وسيأتي أيضًا في الفصل المشار إليه . ٥٠ المُقَدِّمَةُ والمُنْكَرُ أَبَدًا مُنْكَرّ)" . ففرَّقَ الإِمامُ ؛ بَيْنَ أنْ يُوجَدَ في الرَّوايةِ ما يكونُ مَظِنَّةً لوقوعِ الخَطِ فيها ، وهو أنْ تكونَ من روايةٍ مَنْ هو ضعيفُ الحفظ ، وذَكَرَ أنَّ هذا النوعَ (قَدْ يُحَتَاجُ إليهِ فِي وَقْتٍ)) ؛ أي : في بابِ الاعتبارِ . وبَيْنَ أنْ تكونَ الرِّوَايَةُ فِي نَفْسِهَا منكرةً ، وذلكَ حيثُ يترجَّحُ وقوعُ الخطإِ فيها ، فمثلُ هَذه لا تَنْفَعُ في الاعتبارِ ، بل هي منكرةٌ أبدًا ، وجُودُهَا كعَدَمَهَا ؛ ولو كانتْ من روايةٍ من يصلُحُ حديثُهُ للاحتجاجِ أو للاعتبارِ في الأصلِ . الأَسَاسُ الثّاني: أنَّ الخَطَأَ هو الخَطَأُ، مَهْمَا كَانَ مَوْضِعُهُ ، لا فرقَ بَيْنَ خطٍ في الإسنادِ وخطٍ في المتنِ ، فإذَا تُحُقِّقَ من وقوعِ خطٍ في الرِّوايةِ ، في إسنادِهَا أو متنِهَا لا يُعَرَّجُ على هذا الخطإِ ، ولا يُعتبر بِهِ ، بلْ هو منكرٌ ، له ما للمنكرِ ، وعليهِ ما على المنكرِ . فإذَا كانَ ما ثبتَ خطؤه من المتنِ أو بعضِ المتنِ غيرَ صالحٍ للاعتبارِ ؛ فكذلكَ ما ثبتَ خطؤه من الإسنادِ أو بعضِ الإسنادِ غير صالحٍ للاعتبارِ . فالخطأُ والنكارةُ ؛ كما يعتريان المتونَ ، فكذلكَ يعتريانِ الأسانيدَ ، لا فرقَ بينهما في ذلكَ ، بلْ وقوعُهُمَا في الأسانيدِ أكثرُ ، كما سيأتي ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى . لأنَّ الأسانيدَ ، هي مادَّةُ الاعتبارِ ، فالمعتَبَرُ إنَّما يَعْتَبَرُ الأسانيدَ المتعدِّدةَ لهذا المتنِ، ويَجْمَعُهَا من بُطونِ الكُتُبِ ، ثمَّ يضمُّ بعضَها إلى ٥١ المُقَدِّمَةُ بعضٍ ، فيحكُم بثبوتِ المتنِ ، بناءً على أنَّ هَذا المتنَ قد جاءَ بعدَّةً أسانيدَ، مختلفةِ المخارجِ ، وإنْ كانَ في بعضها ضعفٌ من قِبَلِ الإرسالِ أو سوءِ حفظِ بعضِ الرَّواةِ ، إلا أنَّ الاجتماعَ يجبرُ ذلكَ الضعفَ . فصارتْ هذهِ الأسانيدُ - مُجْتَمِعَةً - هي الحُجَّة التي يقومُ عليهَا ثبوتُ هَذا المتنِ عن رسولِ اللهِ لَّهِ. وأنَّ هَذهِ الأسانيدَ لوْ لمْ تُوجَدْ ، لما كانَ هناكَ من حُجَّةٍ لإثباتِ هَذا المتنِ عن رسولِ اللهِ وَله. فإذا تحققنَا من أنَّ كُلَّ أسانيدِ هَذا المتنِ وجودُهَا كعدمِهَا ؛ لأنَّ كُلّ إسنادٍ إسنادٍ مِن هذه الأسانيدِ ، إنَّما هو خطأ في ذاتِهِ ، ومنكرٌ على حدته ، وأنَّ وجودَهُ كعدمِهِ ؛ سقطتْ - حينئذ - الحجةُ التي يقومُ عليها ثبوتُ هَذا المتنِ عن رسولِ اللهِ وَله . لأنَّنَا إذَا ذَهَبْنَا نقوِّي ثبوتَ هَذا المتنِ بانضمامِ هذِهِ الأسانيدِ ، التي ثبتَ لَدَيْنَا أنَّ كلَّ إسنادٍ منها منكرٌ وخطأُ ، فقدْ ذهبنا إلى تقويةِ المنكرِ بالمنكرِ ، والخطٍ بالخطإِ ، وانضمامُ المنكرِ إلى المنكرِ لا يَدْفَعُ النَّكارةَ عنهُ، بلْ يؤكِّدُهَا ويُثْبِتُها ، وما بُني على منكرٍ فهو منكرٌ ، وما بُني على باطلٍ فهو باطلٌ . نَعَمْ؛ إنْ كانَ بعضُ هذِهِ الأسانيدِ ، من قِسْمِ «الخَطَإِ المُحْتَمَلِ» ، كانَ هَذا هو الذي يصلُحُ للاعتبارِ ، ويَنْتَفِعُ المتنُ بِهِ عندَ انضمامِهِ إلى ما هُو مثْلُهُ . أمَّا إِذَا كانتْ كلُّ أسانيدِ هَذا المتنِ مِن قِسْمِ ((الخَطَإِ الرَّاجِحِ»، لمْ ٥٢ المُقَدِّمَةُ يَنْتَفِعِ المتنُ بِهَا ، ولا بانضمامها؛ لأنَّ المنكرَ أبدًا منكرٌ . وأيضًا ؛ ما كانَ من هَذهِ الأسانيدِ من القِسْمِ الأوَّلِ ، فهو لا يَنْتَفعُ بأسانيدِ القِسْمِ الثَّاني، بلْ إذَا وُجِدَ من أسانيدِ القِسْمِ الأوَّلِ ما يَكْفي لجبرِ المتنِ وتَقْوِيِتِهِ؛ فَبِهَا ، أمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بحيثُ تَكْفِي لذلكَ، فَلا تَنْفَعُهَاَ أسانيدُ القِسْم الثَّاني بحال ؛ لأنَّ: «ما ثَبَتَ خَطَؤُهُ لا يُعْقَلُ أنْ يُقَوَّى به روَايةٌ أُخْرِى فِي مَعْنَاهَا)) (١)، ولو كانت الرِّوايةُ المُقَوَّةُ صَالحةً للَّقْوِيَةِ ، وَذلكَ ؛ (( أنَّ الشَّاذَ والمنكرَ ممَّا لا يُعْتَدُّ بِهِ ، ولا يُسْتَشْهَدُ بِهِ ، بَلْ إِنَّ وجَّوَدَهُ وعَدَمَهُ سَوَاءٌ )) (١) . ١٠٠٠ ٠٠ بلْ؛ لو كانَ هَذا المتنُ صَحِيحًا مَفْروغًا من صحَّتْه ؛ لمجيئهِ مِنْ وجه صحيحٍ لذاتِهِ ، أو أكثرَ ، فإِنَّه لا يَنْتَفِعُ أيضًا بما يَجِيءٌّ لَهُ من أسانيدِ القِسْمِ الثَّاني، بلْ هُو صحيحٌ بإسنادِهِ الصَّحيحِ ، أو بأسانيدِهِ الصَّحيحةِ ، ويَنْتَفِعُ بأسانيدِ القِسْمِ الأوَّلِ إنْ وُجِدَتْ، ولا اعتبارَ بتلكَ الأسانيدِ الخطإِ والمنكرةِ التي جاءتْ لَهُ . ولَهَذا؛ لمْ يُصَحُح الأئمةُ حديثَ: (( الأعمال بالنيات)) إلا من طريقٍ واحدة ، وحكموا على سائرِ طرقِهِ بالخطأِ والنكارَةِ ، ولم يُقَووا الحديثَ بهَا ، معَ أنَّ بعضَ هذِهِ الأسانيدِ أخطأَ فيها مَنْ هو صدوقٌ في الحفظِ ، وليسَ ضعيفًا ، فضلاً عن أن يكونَ مُتَوغِّلاً في الضَّعْف (٢) ؛ وما ذلك إلا لأنَّهم (ترجَّح)) لدَيْهِمْ أنَّ هؤلاءِ الموصوفينَ بالصِّدق قد أخطئوا في هذِهِ (١) هذا؛ تضمين من كلام للشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - ، وسيأتي بنصه في ((فصل: المنكر .. أبدًا منكر))، وهو من درر كلامه ، فلله دَرُّه . (٢) راجع : المثال الأول في ((فصل: المتابعةُ .. والقلب))، وكذلك المثال الأول أيضًا في ((فصل : الشواهِدُ .. وإسنادٌ في إسنادٍ)» . ٥٣ المُقَدِّمَةُ الأسانيدِ ، ولم يحفظوها كما يَنْبغي؛ فكانتْ أسانيدهُمْ ((شاذَّةً)). ولهذا ؛ وجدنَا الحافظَ ابنَ حجر ، بعدَ أنْ ذكرَ أنَّ هَذا الحديثَ مما تفَّرد به يحيى بن سعيدٍ ، وكلُّ من فوقَهُ، قالَ (١): ((وقَدْ وردَتْ لهمْ متابعاتٌ ، لا يُعْتَبَرُ بِهَا؛ لِضَعْفِهَا)). وهكذا ؛ الشأنْ في كثيرٍ من الأحاديثِ، مثلِ حديث: ((المغْفَرَ)) (٢)، وحديث : ( نَهى عن بَيْعِ الوَلاء وعنْ هَبَتَه)»، وحديث: ((إذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فلا تَقْومُوا حتَّى تَرَوْنِي))، وحديث: ((المُؤْمنُ يَأْكُلُ فِي معِى واحد)) ، وحديث : ((نَهِى عَن الدُّبَّاءِ والمُزَقَّتِ)) ، وغير ذلك مما لا يَخْفَى على مُشْتَغِلٍ بهذا العلمِ الشريفِ ، عالمٍ بأقوالِ أهلِ العلمِ فيهِ . وهَذه الأحاديثُ وغيرُهَا ؛ صحيحةٌ ثابتةٌ من وجهِ أو أكثرَ ، وسيأتي في الكتابِ - إن شاءَ اللهُ تعالى - بيانُ وجهِ نكارة الأسانيدِ التي جاءَتْ لها، وليستْ هي أسانيدَهَا المحفوظةَ ، بلْ هي من أخطاءِ بعضِ الثقاتِ أو الضعفاءِ ، وموقفُ أهلِ العلمِ منها ، المتمثلُ في عدمِ الاعتدادِ بها ، ولا الاعتبارِ بها . وممَّا يُؤْسفُ لَهُ؛ أنَّ كَثِيرًا مِن المُشْتَغِلِينَ بِتَخْرِيجِ الأحاديثِ ، لا يَعْرفونَ النَّكارةَ إلا في المتنِ، بينما نكارةُ الإسنادِ يَغْفُلُونَ عَنْها غَالبًا ؛ فإِذَا بالمتنِ المنكرِ ساقِطٌ عن حدِّ الاعتبارِ ، وهَذا صحيحٌ لا غبارَ علَيْهِ ؛ ولكنْ كذلكَ الإسنادُ المنكرُ ساقطٌ عن حدِّ الاعتبارِ ، لا يُشْتغلُ بهِ ، ولا يُلْتَفتُ إِلَيْهِ . (١) (نزهة النظر)) (ص٦٨). (٢) انظر: ((النكت)) لابن حجر (٦٥٤/٢ - ٦٧٠). ٥٤ المُقَدِّمَةُ ومعرفةُ نكارةِ الإسنادِ ؛ ممَّا يَخْتَصُّ بِهِ المحدِّثُونَ، الحقَّاظُ النَّاقدون، فلا يُعَرَّجُ على قولِ غيرهِمْ فِيهِ ؛ بخلافِ نكارةِ المتنِ ، فقدْ يتكلَّمُ فِهِ المحدِّثونَ وغيرُهُمْ من الفُقَهاءِ، أمَّا هَذا البابُ ؛ فهو مِنْ أخصِّ عُلُومٍ الحديثِ ، وأدَقِّ مباحثِ الأسانيدِ . فإنَّ أئمةَ الحديث ونقَّدَهُ ، حيثُ يحكمونَ على الإسنادِ بالصِّحةِ والاستِقَامَةِ، وعَدَمِ النَّكَارَةِ والسَّقَامَةِ؛ لا يكتفونَ بالظَّاهِرِ من اتصالِهِ وثقةٍ رواتِهِ ؛ بلْ لَهُمْ نظرٌ ثَاقِبٌ ، وفَهْمٌ راجِحٌ ، ورأيٌّ صادِقٌ ، مَبْنِيٌّ على اعتبارِ معانٍ في الإسنادِ ، حيثُ وجدتْ فيه ، أو وجدَ بعضُهَا ؛ دَعَاهُمْ ذلكَ إلى إنكارِهِ ، والحكمٍ عَيْهِ بعدمِ الاستقامَةِ ؛ وإنْ كانَ مُتَّصلاً برجالِ ثقاتٍ . وحيثُ افْتُقَدَتْ ، أو وُجِدَ فيهِ مِنَ المَعَاني ما يدلُّ على عكسِ ما تدلّ عليهِ المَعَانِي السَّابقةُ، من حفظِ الحديثِ وصحَّتِهِ ؛ دعاهُمْ ذلكَ إلى تصحيحِهِ ، والحكمٍ عَلَيْهِ بالاستقامَةِ وحفظِ الَرَّاوِي لَهََّ. وهَذه المَعَاني ؛ هي التي يُعبِّرُ عنها بعضُ أهلِ العلمِ ، كالحافظِ ابنِ حجرٍ ، والعلائيِّ، وابنِ رجبٍ ؛ وغيرهم: بـ ((القَرَائنِ)) . ويقولُونَ (١): للحفَّاظِ طريقٌ معروفةٌ في الرُّجوعِ إلى القرائنِ في مثلٍ هَذا ، وإنَّما يُعَوَُّ في ذلكَ على النُّقَادِ المطَّلعينَ منهمْ . ويقولُونَ : والقرائنُ كثيرةٌ لا تنحصرُ ولا ضابطَ لهَا بالنسبةِ إلى جميعِ الروايات ، بل كلُّ روايةٍ يقومُ بها ترجيحٌ خاصٌّ ، لا يَخْفى على العالمِ المتخصِّصِ ، الممارسِ الفَطِنِ ، الذي أكثرَ مِن النّظرِ في العللِ والرجالِ . (١) انظر: (شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٥٨٢/٢)، و((النكت على كتاب ابن الصلاح)) لابن حجر (٧٧٨/٢-٨٧٦). المُقَدِّمَةُ وفي مَعْرِضِ ذلكَ؛ يقولُ الحافظُ ابن حجر (١): ((وبهذا التقريرِ ؛ يتبيَّنُ عِظَمُ مَوْقع كلامِ الأئمة المتقدمينَ ، وشدَّةٌ فَحْصِهِمْ، وقوَّةُ بحثِهِمْ، وصحَّةُ نَظَرِهِمْ ، وتقدُّمُهُمْ ؛ بِمَا يُوجِبُ المصيرَ إلى تَقْلِيدِهِمْ في ذلكَ ، والتَّسليمٍ لَهُمْ فِيهِ» . ويقولُ الحافظُ السخاويُّ (٢): ((وهُو أمرٌ يَهْجُمُ على قلوبهمْ، لا يُمكنهُمْ ردُّهُ ، وهيئةٌ نَفْسَانِيَّةٌ لا مَعْدِلَ لهمْ عَنْهَا ؛ ولهذا ترى الجامعَ بَيْنَ الفقهِ والحديثِ ؛ كابنٍ خُزيمةَ ، والإسماعيليِّ، والبَيْهقيِّ، وابنِ عبدِ البرِّ ، لا ينكرُ عليهمْ، بلْ يُشَاركهُمْ ويَحْذُو حَذْوَهُمْ؛ وربَّما يُطَالبُهُمْ الفقيهُ أو الأصوليَّ - العَاري عن الحديث- بالأدلَّة . هَذا ؛ مع اتِّفاقِ الفُقَهاءِ على الرُّجوعِ إليهمْ في التَّعديلِ والتَّجريحِ ، كما اتَّفقوا على الرُّجوعِ في كلِّ فنٌّ إلى أهلِهِ ؛ ومَنْ تَعَاطَى تَحْرِيرَ فنٌّ غيرِ ورس فنِّه فهو متَعَنِّي . فاللهُ تعالى ؛ بلطيفِ عنايتِهِ أقامَ لعلمِ الحديثِ رجالاً نقَّادًا ، تفرَّغوا لَهُ، وأفنَوْا أَعَمَارَهُمْ في تَحْصيلِهِ ، والبحثِ عن غَوامِضِهِ ، وعلَله ، ورِجَالِهِ ، ومَعْرفَةِ مراتِبِهِمْ في القُوَّةِ واللِّينِ . فَتَقْلِيدُهُمْ، والمَشْيُ وراءَهُمْ، وإمعانُ النَّظرِ في تواليفهِمْ، وكثرةُ مجالسَة حفَّاظ الوقْتِ ؛ مع الفَهْمِ ، وجودَةِ التَّصوَّرِ ، ومُدَاومَةِ الاشتغال ، (١) ((النكت)) (٧٢٦/٢). (٢) ((فتح المغيث)) (١/ ٢٧٤). ٥٦ المُقَدِّمَةُ وملازَمَةِ النَّقوى والتَّواضُع = يُوجب لكَ - إنْ شاءَ اللهُ - معرفةَ السُّنَّنِ النبويَّةِ، ولا قوة إلا بالله)) اهـ . هَذا؛ ولَسْنَا فِي حَاجَةِ هَاهُنَا إلى التَّوسُّعِ في بيانِ هَذِ القرائنِ ؛ فقدْ حَوَ كِتابِي هَذَا بَيْنَ دَقَتَيْهِ الكثيرَ مِنْهَا ، وإنْ كانت النِّيةُ مُتْعقدةً على التفرُّغ لبيانِهَا وشَرْحِهَا والتمثيلِ لها في كتابٍ مستقلٌّ ، أسألُ اللهَ تعالى أنْ يُعينني عليهِ ، وقد كنتُ بَيِّنْتُ طَرَفًا مِنْها في كتابي (لُغَةُ المحدِّثِ)) (١) ، فليرجع إليهِ من شاءَ . فعلى الباحثِ أنْ يعاملَ الإسنادَ معاملةَ المتنِ ، وأنّ كلَّ معنَّى لا يُقَبلُ في المتنِ لا ينبغي أن يُقبلَ مثلُه في الإسنادِ ، فالإسنادُ مثلُ المتنِ هو من جملةٍ ما رَوَاهُ الراوي ، فالراوي لا يَرْوِي متنا فحسبُ ، بل يروي إسنادًا ومتنًا ؛ فهو يخبرُ بأنَّ شيخَهُ حدثَهُ بهذا الحديث ، وأنَّ شیخَ شیخِهِ حدثَ شيخَهُ به ، وهكذا إلى آخرِ الإسنادِ ، وأنَّ هذا المتنَ هو الذي تَحَمَّلَهُ بهذا الإسناد . ولا يوصفُ الراوي بأنَّه أصابَ إلا إذا حدَّثَ بالحديثِ على وجهِهِ إسنادًا ومتنًا ، أما إذا أخطأ في الإسنادِ أو في المتنِ ، أو في بعضِ الإسنادِ أو في بعضِ المتنِ ، فلا يستحقُّ هذا الوصفَ ، اللَّهم إلا فيما أصابَ فيه من بعضِ الروايةِ ممَّا لم يخطئ فيهِ منها . فإنْ كان خطؤُهُ في المتنِ ، بأنْ زادَ فيه أو نقصَ ، أو قدمَ فيهِ أو أخرَ ، (١) (ص ٩٠ - ١٠٨). ٥٧ المُقَدِّمَةُ أو أبدلَ فيهِ كلمةً بكلمةٍ ، أو جملةً بجملةٍ ، أو صحفَ فيه أو حرفَ ، أو أدرجَ فيه ما ليسَ منه ، أو رواهُ بالمعنى فقلبَ معناهُ = حكمنا - حينئذ - بأنَّ هذا المتنَ خطأُ ، أو وقعَ فيه بعضُ الخطإِ ، وإنْ لم يخطئ الراوي في الإسنادِ، بل أتى بهِ على الجَادَّةِ والاستقامة . وكذلكَ ؛ إنْ كانَ خطؤُهُ في الإسنادِ ، كأنْ يكونَ زادَ فيه أو نقصَ ، أو قدَّمَ فيه أو أخرَ ، أو أبدلَ فيهِ راويًا براوٍ ، أو دَخَلَ عليه إسنادٌ في إسنادٍ ، أو صحفَ فيه أو حرفَ ، أو أدرجَ فيه ما ليسَ منه = حكمنا - حينئذ - بأنَّ هذا الإسنادَ خطأ، أو وقعَ فيه بعضُ الخطإِ ، وإنْ أَتى بالمتنِ على الإستقامةِ . وإذا كانَ ((المتنُ) الذي يتفردُ بروايتهِ بإسنادِ مَّا رجلٌ ضعيفٌ ، لا يُقَبلُ من مثلهِ حتَّى يجيءَ لهُ متابعٌ عليهِ أو شاهدٌ بمعناهُ ، يُثْبِتُ للفظه أو لمعناهُ أصلاً لأنَّ الضعيفَ لا يقبلُ ما يتفرَّدُ به . فكذلكَ ؛ ((الإسنادُ)) الذي يتفردُ بروايته رجلٌ ضعيفٌ ، لا يُقبلُ من مثلهِ حتَّى يجيءَ لهُ ما يُثْبِتُ لهُ أصلاً من روايةٍ غيرِهِ . فإنَّ الخطأ في الإسنادِ ، ليس بدونِ الخطٍ في المتنِ ، فمَن يُخطئ ، يُخطئ في الإسنادِ والمتنِ جميعًا ، بل إنَّ الخطأ في الأسانيد أكثرُ وقوعًا منهُ في المتونِ ؛ لأنَّ الأسانيدَ متشعبةٌ ومتداخلةٌ ومتشابهةٌ ، بخلافِ المتونِ، ولذا ؛ تجدُ كثيرًا من الرواةِ يحسنونَ حفظ المتونِ دونَ الأسانيدِ ، ويكونُ خطؤهم في الأسانيدِ أكثرَ منه في المتونِ . فدونكَ ؛ إمام هذه الصنعةِ : شعبة بن الحجاجِ ، قالَ فيه إمامُ عصرهِ ٥٨ المُقَدِّمَةُ أبو الحسنِ الدار قطنيُّ (١): ((كانَ شعبةُ يخطئُ في أسماءِ الرجالِ كثيرًاً ؛ لتَشَاغُله بحفظ المتون))؛ فإذا كانَ هذا شأنَ شعبةَ بنِ الحجاجِ ، وهو مَنْ هو ، فما ظنُّكَ بمَن هو دونَهُ في الحفظِ والإتقانِ والتََّبُّتِ ؟! وأكثرُ أخطاءِ الرواةِ تقعُ في الأسانيدِ ؛ ولهذا تجدُ أكثرَ العللِ التي ذَكرَ أهلُ العلمِ أنها تقع في الرواياتِ ، تجدُها خاصةً بالإسناد ، والقليل جدًّا منها مما يقعُ في المتنِ ، وما يشتركان فيه تجدُ أمثلته في الأسانيدِ أكثرَ منه في المتونِ . فرفعُ الموقوفِ ، ووصلُ المرسلِ ، وقلبُ الرُّواةِ ، ودخولُ إسنادٍ في إسنادٍ ، وزيادةُ رجلٍ فيهِ أو نقصانُه ، والتصحيفُ في أسماءِ الرواةِ ؛ كلّ ءِ ذلكَ وغيرُهُ إنمَّا يَعتري الأسانيدَ ، ويختصُّ بها . وأكثرُ أخطاء الثقات من هذا القبيلِ ، أمَّ الضعفاءُ ، الذين لم يُعرفوا بالحفظ ؛ فإنَّ أخطاءَهم في الأسانيدِ أكثرُ من أنْ تُحصرَ ؛ ولهذا تجدُ أئمةَ الحديثِ الذين صنفوا في ضعفاءِ الرواةِ ؛ كالعقيليِّ وابنِ عديٍّ وابن حبانَ ، تجدُّهم يَسوقونَ في تراجمِ الضعفاءِ بعضَ الأحاديثِ التي أخطئوا فيها ، واستنكرتْ عليهم ؛ والمُتْتَبِّعُ لهذه الأخطاءِ ، وتلكَ المناكيرِ ، يجدُ أكثرهَا أخطاءٌ في الأسانيدِ (٣) ، والقليلَ منها مما يتعلقُ بالمتونِ. وفي هَذا الكِتَابِ الذي بَيْنَ يَدَيْكَ عَشَراتٌ من الأحاديثِ التي أَخْطَأْ بَعْضُ الثَّقَاتِ أو الضُّعفاءِ في أسَانيدها، دونَ مُتُونِهَا ، فَأَتَوْا لها بأسانيدَ (١) قلتُ في كتابي ((ردع الجاني)) (ص١٤٣): (أبو الفضل الدارقطني)»، وهذا سبق قلم مني، لا أدري كيف وقع ! وإنما هو ((أبو الحسن)). (٢) انظر مثلاً: ((الكامل)) (١١٦٤/٣-١١٧٨) (١٤١٩/٤) (١٨٠٩/٥، ١٨١٠). ٥٩ المُقَدِّمَةُ ليستْ هي أسانيدَهَا، أو وَقَعَ لهم في أسانيدِهَا بعضُ الأخطاء ، وإنْ أصَابُوا أصْلَها ؛ كزيادة ، أو قلبٍ ، أو إدراجٍ ، أو تصحيفٍ أو تحريف ، أو نحوٍ ذلكَ . وقد تَبَيِّنَ من خلالِ ما ذكرتُهُ من كلامِ أهلِ العلمِ في نَقْدِ هذه الأسانيد، أنَّهم إنَّما أنكرُوا الأسانيدَ فحسبُ ، وأنَّ نَقْدهُمْ كانَ مُنْصبًّا عَلَيْها، دونَ أنْ تتأثَّرَ المتونُ بِهِ . فالرجلُ الضعيفُ ؛ يحفظُ المتنَ - غالبًا - ، وقد يكونُ فقيهًا فاضلاً يحفظُ المتنَ ، إلا أنَّه ليسَ بالحافظِ للأسانيد ، فإذا بِهِ يجيءُ بالمتنِ المعروفِ على وجههِ ، بيدَ أنَّه يخطئُ في إسنادِهِ ، أو يَجيءُ لهُ بإسنادٍ آخرَ غیر إسنادِه الذي يُعرفُ بهِ . إِن الذي يقبلُ من الضعفاءِ - غيرِ المتهمينَ - ما اتفقوا عليه وتتابعوا على روايتهِ من ((متن الحديث)) ويردُّ ولا يقبلُ ما تفردَ به بعضهُم مِنَ المتنِ أو بعضِ المتنِ ، يجبُ أيضًا أنَّ يَزِنَ قبولَ ((الإسنادِ» وردَّه بنفسِ الميزانِ. فالضعيفُ - غيرُ المتهمِ - الذي يجيءُ بإسنادٍ لحديثِ مَّا ، يتفردُ هو بروايتهِ بهذا الإسنادِ دونَ غيرِهِ ، يجبُ ردّ ما تفردَ به مِنَ الإسنادِ ؛ كالمتن سواءً بسواء . والضعيفُ - غيرُ المتهمِ - الذي يتفردُ بزيادَةٍ مَّا في إسنادٍ مَّا ، لا يُتَابِعُ علَيْهَا من قِبَلِ غيرِهِ ممَّن رَوى الإسنادَ ذاتَهُ ، يجبُ ردَّ تلكَ الزيادةِ التي زادَها في الإسنادِ ، ولم يتابعْ عليها ؛ كما هو الحالُ فيما يزيدُهُ في المتنِ . ٦٠ المُقَدِّمَةُ فإنَّ قُبُولَ بعضِ الروايةِ دونَ بعضٍ ، والمعنى الذي من أجله رُدَّ ذلك البعض متحققٌ في الكلِّ = غيرُ معقولٍ ، ولا مقبولٍ . إنَّ هَذا هو الميزانُ الذي توزنُ به رواياتُ الثقات - إسنادًا ومتنًا - ؛ فكيفَ بالضُّعفاءِ ؟! أليسَ يقتضي النظرُ، فيما تفردَ به ضعيفٌ - غيرُ متهمٍ - من الأسانيد، أنْ ننظرَ في حفظهِ لها قبلَ الحكمِ بأنّها صالحةٌ للاعتبار ، اعتمادًا على أنَّ راويها ليسَ مِنَ المتهمينَ بالكذبِ . نعم ؛ قد يكونُ راوي الإسنادِ غيرَ متهم ، ولكنَّ روايتَهُ تلكَ شاذةٌ منكرةٌ من حيثُ الإسنادُ ، والمنكرُ أبدًا منكرٌ ، لا اعتدادَ به في بابِ الاعتبار. أليسَ هذا الضعيفُ بذاتِهِ إذا تفردَ بمتنٍ لم يقبلْ منه ؛ لعدمِ أهليتِهِ لقبول ما يتفردُ به ؟ فما بالهُ إذا تفردَ بإسنادٍ ، ولم يتابعْ عليهِ قُبلَ منه ؟! إنَّ تقويةَ إسنادٍ يتفردُ به ضعيفٌ ، بإسنادٍ آخرَ يتفردُ به ضعيفٌ آخِرُ ، ليسَ هو من بابِ الاستشهادِ حتى يُتْسامحَ فيهِ ، بل هو من بابِ الاحتجاجِ . فلو جاءَ متنٌ - مثلاً - بإسنادينِ : أحدهُمَا : يرويه ضعيفٌ - غيرُ متهمٍ - عنِ الزهريِّ ، عن سالمٍ ، عن ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ وَِّ .. والثاني : يرويهِ ضعيفٌ آخرُ مثلهُ ، عن ثابت البنانيُّ ، عن أنسِ بنِ مالك ، عن رسولِ اللهِ ێ . إنَّ الذي يذهبُ إلى تقوية هذا بذاكَ ، اعتمادًا على أنَّ كلا من