النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ الفصل الثالث : التدليس "قلت : يا رسول الله، رجل من قومي يشتمني، وهو دوني، علي بأس أن أنتصر منه؟ قال: المستبان شيطانان ... "(١). ورواه شيبان بن عبد الرحمن في بعض الروايات عنه، عن قتادة قال: وحدث مطرف ، عن عیاض بن حمار (٢). فأفادت هذه الرواية أن قتادة لم يسمعه من مطرف ، وأنه يدلسه عنه، وأكد ذلك أن الحديث رواه همام بن يحيى، وحجاج بن حجاج، وعمران القطان- في رواية عنه - عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله - أخي مطرف - عن عياض بن حمار (٣). وقتادة يروي عن مطرف بن عبد الله ، ويروي عن يزيد بن عبد الله ، عن أخيه مطرف، وربما أسقط يزيد (٤). وروى سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال: "لما جاء بهن رسول الله 34 إلى قومه - يعني الصلوات الخمس - خلى عنهن، حتى إذا زال الشمس عن بطن السماء نودي فيهم: الصلاة جامعة .... " الحديث(٥). (١) " مسند أحمد " ٤: ١٦٢، و"مسند الطيالسي" حديث (١١٧٦)، و"صحيح ابن حبان" حديث (٥٧٢٦ - ٥٧٢٧)، و"سنن البيهقي" ٢٣٥:١٠. (٢) " مسند أحمد " ١٦٢:٤، و"سنن البيهقي" ٢٣٥:١٠. (٣) " مسند أحمد" ٤: ١٦٢، ٢٦٦، و"مسند الطيالسي" حديث (١١٧٦)، و"الأدب المفرد" حدیث (٤٢٨). (٤) انظر: " مسند أحمد "٤: ٢٦٦، و"مسند الطيالسي" حديث (١١٧٥). (٥) " المراسيل " لأبي داود حديث (١٢)، و"سنن الدار قطني" ١: ٢٦٠. ٣٦٢ الاتصال والانقطاع ورواه شيبان ، عن قتادة قال : حدث الحسن (١). فروایة شیبان هذه تدل على أن قتادة قد دلسه عن الحسن. القرينة الثانية : أن يكون في متن الحديث أو إسناده نكارة وشذوذ، فإن الأئمة يلجؤون كثيراً إلى التعليل بالتدليس ، وغرضهم من ذلك تبرئة المدلس الثقة، وجعل العهدة على من أسقطه. مثال ذلك حديث أبي معاویة، عن سهیل بن أبي صالح ، عن أبيه، عن ابن عمر: "كنا نعد ورسول الله صلی الله عليه وسلم حي، وأصحابه متوافرون: أبو بکر، وعمر، وعثمان، ثم نسكت"(٢). سئل عنه علي بن المديني فقال: "أنا أفرقه، كان أبو معاوية لا يقول فيه: حدثنا"(٣). وهذا الحديث عن سهيل لا يرويه ثقة غير أبي معاوية، رغم كثرة أصحاب سهيل، وفيهم حفاظ ثقات مكثرون عنه(٤)، وليس لأبي معاوية عن سهيل في (١) " سنن البيهقي " ٩: ٣٦٢، و"فتح الباري" لابن رجب ٢: ١٢٥، ووقع في الأول: ثنا الحسن، وهو تحريف فيما يظهر . (٢) "مسند أحمد" ٢: ١٤، و"مصنف ابن أبي شيبة" ٩:١٢، و"السنة" لابن أبي عاصم حديث (١١٩٥)، و"مسند أبي يعلى" حديث (٥٧٨٤)، و"علل ابن أبي حاتم" ٣٥٢:٢، و"السنة" للخلال حديث (٥٤١)، و"صحيح ابن حبان" حديث (٧٢٥١)، و"المعجم الكبير" حديث (١٣٣٠١)، من طرق كثيرة عن أبي معاوية. (٣) "معرفة الرجال" ٢٣٢:٢. (٤) انظر في أصحاب سهيل: "تحفة الأشراف" ٩: ٣٩٤-٤٢٦. - ٣٦٣ الفصل الثالث، التدليس الكتب الستة سوى حديث واحد عند مسلم في المتابعات(١)، وهذا المتن فیه كلام لبعض الأئمة، وخاصة الجملة الأخيرة منه(٢)، فمثل هذا لا تردد في ضرورة مطالبة المدلس بالتصريح بالتحديث فيه ، لينظر بعد ذلك في الأمور الأخرى في الإسناد، مثل كون أبي معاوية يهم في غير حديث الأعمش، وما في حفظ سهيل بن أبي صالح من كلام. وروی الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قصة شكوى امرأة صفوان بن معطل ، وأنه كان يضربها إذا صلت ، ويمنعها الصيام ، وأنه كان لا يستيقظ للفجر حتى تطلع الشمس (٣)، قال البزار بعد أن وصفه بالنكارة: "وإنما أتت نكرة هذا الحديث أن الأعمش لم يقل : حدثنا أبو صالح، فأحسب أنه أخذه عن رجل غير ثقة ، وأمسك عن ذكر الرجل ، فصار الحدیث ظاهر إسناده الحسن ... " (٤). ومن ذلك أن أبا معاوية، وحفص بن غياث، رويا عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي مرسلاً حديث الضحك في الصلاة(*)، وقد تقدم في المبحث (١) "صحيح مسلم" حديث (١٨٧٨)، و"تحفة الأشراف" ٩: ٤٢٥. (٢) انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٧: ١٦، ٥٨، كلامه على الحديثين (٣٦٥٥)، (٣٦٩٧). (٣) "سنن أبي داود" حديث (٢٤٥٩)، و"مسند أحمد" ٣: ٨٠-٨٥، و"صحيح ابن حبان" حديث (١٤٨٨). (٤) "مختصر سنن أبي داود" للمنذري ٣: ٣٣٧ (الحاشية)، وانظر: "التاريخ الصغير" ٤٣:١، و"فتح الباري" ٤٦٢:٨. (٥) "الكامل" ٣: ١٠٢٨، و"سنن الدارقطني" ١: ١٧١، و"سنن البيهقي" ١٤٦:١. ٣٦٤ الاتصال والانقطاع الثالث أن سفيان الثوري قال : إن الأعمش لم یسمعه من إبراهیم. ومن أهم ما يستدل به على ذلك بالنسبة لنا رواية وكيع، عن الأعمش، ففيها قول الأعمش: أرى إبراهيم ذكره (١)، ولذا قال أحمد: "يقول الأعمش: أرى إبراهيم، يعلم أنه ليس من حديث إبراهيم المشهور، يعني بقوله: أرى"(٢). ولعل هذا من الأحاديث التي قال فيها الأعمش فيما رواه عنه عبدالله بن نمیر : "حدثت بأحادیث على التعجب ، فبلغني أن قوماً اتخذوها دیناً ، لا عدت لشيء منها"(). وقال يحيى القطان: "كان الأعمش إذا جاء بإسناد جيد تهلّل وجهه، وإذا جاء بذاك الآخر فالله أعلم "(٤) . وروى ابن عيينة ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حسان بن بلال، عن عمار : " رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخلل لحيته "(٥)، قال أبوحاتم : "لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة، لو كان صحيحاً لكان في مصنفات ابن أبي عروبة ، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث (١) "العلل ومعرفة الرجال" ٦٧:٢. (٢) "مسائل أبي داود" ص٤١٤. (٣) "العلل ومعرفة الرجال" ٤١٦:٢ . (٤) "الجامع لأخلاق الراوي" ٢: ١٠٢، وانظر حديثاً من هذا النوع في "علل ابن أبي حاتم"٢: - ٤٠٦. (٥) "سنن الترمذي" حديث (٣٠)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٤٢٩). ٣٦٥ الفصل الثالث : التدليس الخبر، وهذا أيضاً مما يوهنه"(١)، يعني لم يصرح ابن عيينة بالتحديث . وقال البرذعي: "قلت (یعني لأبي زرعة): ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: "كلام القدرية كفر "- قال: هذا عندي باطل، إنما روی هذا أبو عصمة نوح بن أبي مریم، لیس هذا من حديث ابن جريج، ابن أبي رواد أخاف أن يكون قد عمل في هذا عملاً ، ألا ترى أنه يقول في آخره: "ولا أعلم قوماً خيراً من قوم أرجوا "، قال لي أبو زرعة: ابن عباس يقول مثل هذا؟ "(٢). القرينة الثالثة : أن يخالف المدلس غيره، في الإسناد أو المتن ، فيستدل بهذا على أنه قد دلَّسه ، ويبرأ هو من نسبة الخطأ إليه . مثال ذلك قول أبي حاتم في حديث رواه عمر بن علي المقدمي وزاد فیه علی غيره رجلاً في الإسناد : "أما عمر فمحله الصدق، ولولا تدليسه حكمنا إذ جاء بالزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة "(٣). وروى الأعمش ، والحسن بن عمرو الفقيمي، وفطر بن خليفة، وغيرهم، عن مجاهد ، عن عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها "، إلا (١) "علل ابن أبي حاتم" ١: ٣٢، دون كلمة (الخبر)، وهي موجودة في المخطوط، وانظر أيضاً: "التاريخ الكبير"٣: ٣١، و"التلخيص الحبير" ١: ٩٧. (٢) " أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص٣٢٥. (٣) "علل ابن أبي حاتم "١: ١٦٦، وانظر: " الجرح والتعديل" ٦: ١٢٥. = ٣٦٦ الاتصال والانقطاع أن الأعمش جعله موقوفاً علی عبدالله بن عمرو (١). قال أبوحاتم حين سئل عنه : "الأعمش أحفظهم، والحديث يحتمل أن يكون مرفوعاً ، وأنا أخشى أن لا يكون سمع الأعمش من مجاهد، فإن الأعمش قلیل السماع من مجاهد، وعامة ما یرویه عن مجاهد مدلس" (٧). وقال ابن حجر في معرض كلامه عن "المستخرجات" وشروط تصحيح ما فيها من زيادات على "الصحيحين": "فإذا روى البخاري - مثلاً - عن علي ابن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري حديثاً، ورواه الإسماعيلي - مثلاً - عن بعض مشايخه ، عن الحكم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري ، واشتمل حديث الأوزاعي على زيادة على حديث ابن عيينة - توقف الحكم بصحتها على تصريح الوليد بسماعه من الأوزاعي ، وسماع الأوزاعي من الزهري ، لأن الوليد بن مسلم من المدلسين على شيوخه ، وعلى (١) "صحيح البخاري" حديث (٥٩٩١)، و"سنن أبي داود" حديث (١٦٩٧)، و"سنن الترمذي" حديث (١٩٠٨)، و"مسند أحمد" ١٦٣:٢. (٢) "علل ابن أبي حاتم"٢: ٢١٠. وانظر في أحاديث أخرى أعلها الأئمة بتدليس الراوي مستندين إلى مخالفته لغيره: " سنن النسائي الكبرى" حديث (٥١٩٤ - ٥١٩٦)، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (٤٠٧)، (١٠٩٥ - ١٠٩٦)، و"صحيح ابن حبان" كلامه بعد حديث (٢٨٥٤)، و"الإلزامات والتتبع" ص٥٥٦، و"سنن البيهقي" ٣٢٧:٣. ٣٦٧ الفصل الثالث : التدليس شیوخ شیوخه"(١). هذا ما وقفت عليه من القرائن المستخدمة في ترجيح وجود تدلیس، وقد يوقف على غيرها أيضاً. وقد يقول قائل : قد ذكرت في المبحث الثالث أن نص إمام من الأئمة على أن فلاناً لم يسمع الحديث ممن روى عنه ينهي موضوع التدليس ، ونحكم على الحديث بالانقطاع، مع أننا نرى الأئمة يصدرون أحكامهم بناءً على القرائن المذكورة هنا ، فإما أن نجعل نص الإمام مجرد قرينة ، وإما أن نجعل هذه القرائن وإن لم يوجد نص للإمام کما إذا وجدنا نصاً عنه . والجواب : أنني ذكرت أحكام الأئمة هنا مع هذه القرائن لأبين اعتماد الأئمة عليها في الحكم بالانقطاع، فنحن نقتفي أثرهم في استخدامها ، ونرجح وجود تدليس إذا وجدت ، وإن لم نقف لهم على كلام في الحديث المعين ، ويبقى ذلك مجرد قرينة مرجحة ، أما إذا كان هناك كلام الإمام من الأئمة فالواجب اتباعه في ذلك ، ولا يكون هذا مجرد قرينة ، بل يجب متابعته وإن لم يتحرر لنا سبب حكمه هذا، إذ كثير من أحكامهم يظهر أنهم عرفوها من المدلسين أنفسهم، والله أعلم . (١) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٢٩٢:١ . ٣٦٩ الفصل الثالث، التدليس المبحث السادس تعليل الإسناد بتدليس غير مدلس ربما تشتد نكارة الحديث، فيحتاج الباحث إلى الطعن في الإسناد بأمور خفية ، وفيما يتعلق بالتدليس ، عليه أن يستحضر إذا واجهه مثل هذا ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول عن بعض الأئمة كشعبة بن الحجاج من توقفهم في الإسناد غير المصرح فيه بالتحديث ، وإن لم يكن الراوي مدلساً . ويستحضر كذلك ما نقل عن بعض الأئمة من ارتكاب جمع كثير من الرواة للتدليس دون تحديد، كقول شعبة: "ما رأيت أحداً إلا وهو يدلس، إلا عمرو بن مرة ، وابن عون"(١)، وقول يزيد بن هارون : "قدمت الكوفة فما رأيت بها أحداً إلا وهو يدلس ، إلا مسعر بن كدام، وشريكاً"(٢). وقد تقدم في المبحث الثاني من هذا الفصل أن التدليس والإرسال ربما لجأ إليهما الراوي لعارض، كالمذاكرة، وأن النقاد یرمون الراوي بالتدليس دفاعاً عنه، لئلا يتحمل عهدة ما رواه من أحاديث منكرة ، وأن معرفتنا بكون الراوي مدلساً إنما هو بحسب وقوفنا على كلام النقاد، وقد فات الذين جمعوا من رمي بالتدليس جماعة من الرواة، وأن صورة التدليس قد تقع من الراوي دون أن يقصده. وبناء على ما تقدم فقد يلجأ الباحث إلى تضعيف الإسناد باحتمال وقوع (١) "التمهيد" ٣٤:١. (٢) "الكفاية" ص٣٦١. = ٣٧٠ الاتصال والانقطاع التدليس فيه ، وإن لم يكن في رواته من وقف عليه أنه رمي بالتدليس ، ولا غرابة في ذلك ، فکما منع الباحث من الطعن في الإسناد بالتدليس - مع وجود مدلس فيه ، كأن يكون نادر التدليس ، والمتن والإسناد لا نكارة فيهما ، ونحو ذلك- يطالب الباحث بالتضعيف بالتدليس ، وإن لم يكن فيه مدلساً، متى ألجأت الضرورة لذلك. والباحث إذا صنع ذلك إنما يقتدي بأئمة النقد، فقد فعلوا ذلك كثيراً. فمن أمثلة تعليل النقاد بالتدليس والراوي لم يوصف بذلك أن النقاد ضعفوا رواية معمر بن راشد، عن ثابت البناني، وأشاروا إلى أن فيها غرائب مناكير، وتقدمت نصوصهم فيها في الفصل الثاني من "الجرح والتعديل". وسئل أحمد عن حدیث منها، وهو ما رواه معمر ، عن أبان، وثابت وغیر واحد، عن أنس مرفوعاً: "لا شغار في الإسلام"(١)، فقال: "هذا عمل أبان - يعني أنه حديث أبان -، وإنما معمر - يعني لعله دلسه -"(٢). ومراد أحمد أن الحديث يرويه معمر عن أبان، وهو حديثه، وهو متروك الحدیث، وأما روايته للحديث عن ثابت فالظاهر أنه لم یسمعه منه، وإنما دلسه عنه. وقال البرذعي: "قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري، وسعيد بن أبي هلال صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما، قال أبو حاتم: أخاف أن یکون بعضها مراسیل، عن ابن أبي فروة ،وابن سمعان "(٣) . (١) "مسند أحمد" ٣: ١٦٥، و"مصنف عبدالرزاق" حديث (١٠٤٣٤). (٢) "شرح علل الترمذي" ٢: ٨٦٥. (٣) "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص ٣٦١، و"شرح علل الترمذي" ٢: ٨٦٧، وفيه: "وقال لي أبو حاتم". ٣٧١ الفصل الثالث: التدليس فقد استنكر أبو زرعة بعض ما يحدث به هذان، مع كونهما صدوقين، فاضطر أبو حاتم إلى رميهما بالتدليس - وإن لم يكونا معروفين به - عن رواة متروكين، قال ابن رجب معلقاً على هذا النص: "ومعنى ذلك أنه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان، فوجده يشبهه، ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهم، فخاف أن يكونا أخذا حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان، ودلسا عن شيوخهما" (١) . وروى عبدالله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي أمامة مرفوعاً : "عليكم بقيام الليل ، فإنه دأب الصالحين قبلكم ... " (٢). قال ابن أبي حاتم : "سمعت أبي وذكر حديثاً رواه معاوية بن صالح ... ، قال أبي : هو حديث منكر، لم يروه غير معاوية ، وأظنه من حديث محمد بن سعید الشامي الأزدي ، فإنه يروي هذا هو بإسناد آخر" (٣). ومحمد بن سعيد هذا هو المعروف بالمصلوب، وهو وضاع للحديث مشهور(٤)، وقد روى هذا الحديث بإسناد آخر - كما قال أبوحاتم -، فرواه عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن بلال به مرفوعاً (٥). (١) "شرح علل الترمذي" ٨٦٧:٢. (٢) "صحيح ابن خزيمة" حديث (١١٣٥)، و"المعجم الكبير" حديث (٧٤٦٦)، و"المستدرك" ١: ٣٠٨، و"سنن البيهقي" ٥٠٢:٢ . (٣) "علل الحديث" ١: ١٢٥ . (٤) "تهذيب التهذيب" ٩: ١٨٤ . (٥) "سنن الترمذي" حديث (٣٥٤٩). ٣٧٢ الاتصال والانقطاع ومعاوية بن صالح لم یوصف بالتدلیس ، وإنما کان یغرب بحديث أهل الشام جداً ، وقد روى عنه عبدالله بن صالح مائتي حديث غريب (١)، فرجح أبو حاتم أن يكون قد سقط من الإسناد محمد بن سعيد المصلوب ، إما خطأ ، أو عمداً، وقد يكون سقط معه غيره ، ويحتمل أن يكون هذا من قبل عبدالله بن صالح الراوي عنه ، فهو متكلم فيه أيضاً ، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمته (٢). وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه أبو بكر بن أبي عتاب الأعين، عن أبي صالح، عن الليث ، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ونَ﴿، قال: "يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من مضر وبني تميم، فقيل: من هو يا رسول الله؟ قال: "أويس القرني". قال أبي: هذا الحديث ليس هو في كتاب أبي صالح، عن الليث، نظرت في أصل الليث وليس فيه هذا الحديث، ولم يذكر أيضاً الليث في هذا الحديث خبراً، ويحتمل أن یکون سمعه من غير ثقة، ودلسه، ولم يروه غير أبي صالح " (). قال أبو حاتم هذا مع أن الليث بن سعد من أثبت الناس في سعيد المقبري(٤)، ولم یوصف بالتدليس. وروى الأوزاعي ، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن سعيد المقبري، عن (١) "تهذيب التهذيب" ٢١١:١٠. (٢) "الكامل" ٤: ١٥٢٤. (٣) " علل الحديث "٢: ٣٥٣. (٤) " شرح علل الترمذي" ٢: ٦٧٠. ٣٧٣ الفصل الثالث : التدليس القعقاع بن حكيم، عن عائشة حديث وطء الأذى بالنعل(١). والحديث مشهور لعبد الله بن زياد بن سمعان، عن سعيد المقبري، وهو متروك الحديث، وقد اختلف عليه فيه (٢)، فقال العقيلي في نقد طريق الزبيدي: "لعل الزبيدي أخذه عن ابن سمعان"(٣). وروى جرير بن حازم، عن عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في بدنه بعيراً كان لأبي جهل، في أنفه بُرَّة من فضة "(٤) . والحديث معروف بابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، ولذا قال البيهقي في نقد روایة جرير بن حازم: "هذا إسناد صحیح، إلا أنهم يرون أن جرير بن حازم أخذه من محمد بن إسحاق ثم دلسه، فإن بين فيه سماع جرير من ابن أبي نجيح صار الحديث صحيحاً، والله أعلم" (٥) . وابن إسحاق قد دلسه أيضاً على ابن أبي نجيح ، وإن كان قد جاء عنه التصريح بالتحديث ، لكنه خطأ عليه ، وقد تقدم هذا في المبحث الرابع. وروى الحسن بن الربيع ، عن عبد ربه بن نافع أبي شهاب الحناط، عن (١) "سنن أبي داود" حديث (٣٨٧)، و"الضعفاء الكبير" ٢٥٧:٢، و"سنن البيهقي"٢: ٤٣٠. (٢) "مصنف عبدالرزاق" حديث (١٠٤)، و"مسند أبي يعلى" (٤٨٦٩)، و"الضعفاء الكبير" ٢: ٢٥٦، و"المعجم الأوسط" حديث (٢٧٥٩)، و"الكامل" ٤: ١٤٤٥. (٣) "الضعفاء الكبير" ٢: ٢٥٧، وانظر مثالاً آخر للعقيلي في ٢: ١١. (٤) "مسند أحمد" ٢: ٢٧٣، و"سنن البيهقي" ٢٣٠:٥. (٥) "سنن البيهقي" ٢٣٠:٥. 1 ٣٧٤ الاتصال والانقطاع عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن جرير بن عبدالله مرفوعاً: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل ... "، وهو حديث موضوع، وظاهر إسناده القوة، فقال الخطيب في نقده : "أحسب أنه وقع إلیه ( يعني إلى أبي شهاب) حديث عاصم، من جهة عمار بن سيف ، أو سيف بن محمد ، أو محمد بن جابر ، فرواه عن عاصم مرسلاً، لأن الحسن بن الربيع لم يذكر عنه الخبر فيه، والله أعلم"(١). وعبد ربه بن نافع لم يوصف بالتدليس ، وهو يروي عن عاصم الأحول، لكن الحديث موضوع ، فلجأ الخطیب إلى رمیه بأنه ارتكب التدليس في هذا الحدیث(٢). وأعید ما ذكرته آنفاً من أن الرمي بالتدليس عند ترجيح وقوعه لأمر ظاهر لا ينبغي أن يقصر على المدلسين، وهو أمر في غاية الأهمية، ومن المواضع التي يحس فيها الناقد بذوق هذا الفن ، ويبتعد فيه عن الاكتفاء بظواهر الأمور. وقد يقول قائل : هذا الموضوع لا جديد فيه، لأن الناقد المتقدم إذا ضعف حديثاً بتدليس معنعن فهذا هو وصفه بالتدليس ، ويكون الراوي مدلساً، فيعود الأمر إلى التعليل بتدليس مدلس، وليس بوقوع التدليس من غير المدلس. والجواب : أن من لم يعرف بالتدليس إذا عنعن ، وظهر للناقد أن الحديث خطأ، ولجأ إلى تعليله بتدليس الراوي ، فإنه يفعل ذلك التماساً لعلة يسقط بها الحدیث، وهو يفعل ذلك مع تردده في وقوع التدلیس، لاحتمال أن یکون وقع (١) "تاريخ بغداد ١: ٣٦، وانظر: " العلل ومعرفة الرجال"٢: ٥٠. (٢) "تهذيب التهذيب" ١٢٨:٦. ٣٧٥ الفصل الثالث : التدليس منه خطأ ولم يقصده، أو وقع الإسقاط ممن بعده، ونحو ذلك، ولهذا يقول الناقد: لعله دلسه، أو لعله أخذه من فلان، أو أظنه، کما تقدم في كلام أحمد، وأبي حاتم، والعقيلي، فلا یکون هذا وصفاً للراوي بالتدلیس، وإن أعل به بعض حديثه. ومما يتضح به ما تقدم أيضاً ما رواه مهنا ، قال: " سألت أحمد عن حديث رواه أبو قتادة الحراني، عن الأوزاعي، عن مكحول: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بترس فيه تمثال عقاب، فوضع يده عليه فأذهبه الله"، قال أبو قتادة: فقلت للأوزاعي: أسمعته منه؟ قال: أو رجل عنه، فقال: (يعني أحمد) : ليس بصحيح عن مكحول، قلت: أتراه من قبل الأوزاعي؟ قال: ينبغي، قلت: تراه دلسه عليه؟ قال: لا أدري، بعضهم يقول: الأوزاعي، عن خصيف، وبعضهم يقول: الأوزاعي، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، وليس هو صحيحاً"(١). (١) " المنتخب من علل الخلال" ص١٧٤. الفصل الرابع موضوعات متفرقة في الاتصال والانقطاع وفيه مباحث : المبحث الأول : شرط الاتصال والحديث الصحيح. المبحث الثاني : درجات الاتصال والانقطاع. المبحث الثالث: مصطلحات في الاتصال والانقطاع. المبحث الرابع : الحكم على الإسناد بعد دراسة الاتصال والانقطاع. ٣٧٩ الفصل الرابع : موضوعات متفرقة في الاتصال والانقطاع المبحث الأول شرط الاتصال والحديث الصحيح ذكر عدد من الباحثين أسانيد من "صحيح البخاري" أخرجها مع أن السماع بين بعض رواتها لم يعلم، أي لم يرد السماع، أو ورد لكنه لا يثبت، ورأيت بعضهم يستدل بها على أن البخاري لا يشترط العلم بالسماع، وإنما يكتفي بالقرائن، ويستدل بها بعضهم على أن البخاري وإن كان يشترط العلم بالسماع، إلا أنه ربما اكتفى بالقرائن في بعض الأحوال، وذلك حين تقوى القرائن جداً على إثبات السماع. ولا أتردد لحظة واحدة في القول بأن هذا الاستدلال غير صحيح، وأن هؤلاء الباحثين - ومثلهم كثير - لم يتضح في أذهانهم أن شروط الحديث الصحيح بابها واحد، فالناقد ربما نزل عن شرط من شروط الصحيح لسبب يراه، مع علمه بتخلف هذا الشرط. وهذا الأمر مشهور متداول عند الأئمة والباحثين في الشرطين المتعلقين بالرواة، وهما العدالة والضبط، فصاحب الصحيح قد يخرج لأناس ليسوا على شرط الصحيح، يخرج لهم مقرونين بغيرهم، وفي المتابعات والشواهد، وفي المعلقات ، بل قد يسوق أسانيد فيها من ليس على شرط الصحيح دون قصد التخريج له، وقد مضى شرح هذا في "الجرح والتعديل" ، في الفصل الثاني منه. وأما الشروط الثلاثة الباقية - وهي الاتصال، وعدم الشذوذ، وعدم العلة - فالكلام في إيضاح موقف النقاد منها في الأحوال الخاصة قليل جداً، ولهذا يظن بعض الباحثين أن كل ما في "الصحيحين" في شرط الاتصال - مثلاً ٣٨٠ الاتصال والانقطاع - هو على شرط الصحيح، وبنوا عليه ما تقدم من الاستدلال بالأسانيد التي أخرجها البخاري والسماع لم يعلم فيها على أنه لا يشترطه، وربما يخرج علينا بعض الباحثين فيلتقط أسانيد في "الصحيحين" وقع فيها شذوذ أو علل، فيستدل بها على أن الأئمة لا يشترطون في الحديث الصحيح خلو الإسناد منها. وفي هذا المقام سأقصر الحديث عن شرط الاتصال، وأما ما يتعلق بالشذوذ والعلل فسيأتي الحديث عنه بإذاً الله تعالى في القسم الثالث "مقارنة المرويات" ، وسأجعل نقطة الانطلاق في هذا الحديث من تلك الأسانيد التي يستدل بها بعض الباحثين على صنيع البخاري، وأنه لا يشترط العلم بالسماع، إما مطلقاً، أو في بعض الأحوال ، وهي أربعة أسانيد: ١ - حديث عروة بن الزبير، عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال لها: "إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون"(١). ذكر بعض الباحثين أن هذا الحديث قال عنه الدار قطني : " هذا مرسل "، وبين الدار قطني أنه جاء من طريق عروة، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة (٢)، وقال الطحاوي في كلامه على هذا الحديث : " عروة لم نعلم له سماعاً من أم سلمة " (٣). فهذا إسناد اكتفى فيه البخاري بالمعاصرة، وإمكان اللقي، لأن عروة (١) " صحيح البخاري " حديث (١٦٢٦). (٢) "التتبع " ص ٢٤٦ - ٢٤٧ . (٣) " شرح مشكل الآثار " ١٤١:٩.