النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ الفصل الثالث : التدليس ولم أقف على شيء من كلام الأئمة في خصوص هذه المسألة ، سوى أن ابن حبان قال في ترجمة محرز بن عبدالله الجزري : "کان یدلس عن مكحول ، يعتبر بحديثه ما بین السماع فيه عن مكحول وغيره" (١). فظاهره أنه ثبت لديه تدليسه عن مكحول فطرد الحكم في غيره أيضاً، وابن حبان متشدد في موضوع التدليس كما تقدم في القول الثاني ، ويحتمل أنه نص على مكحول لشهرته في شيوخه ، ويكون قد عرف تدليسه عن غيره أيضاً . وهذه المسألة ينبغي أن يتأنى فيها ، إذ لا ريب أننا لو أدركنا من كلام الأئمة أنه لا يدلس إلا عمن ذكر لانتهى الأمر ، كما في تدليس مغيرة بن مقسم، فقد نسبه الأئمة إلى التدليس عن إبراهيم النخعي، وفي كلام أحمد أنه لا يدلس إلا عن إبراهيم(٢) . ولكن قد يكون سبب تنصيصهم على بعض شيوخ المدلس لقوته فيه، وشهرته بالرواية عنه ، وليس لما ذكر ، فإسماعيل بن أبي خالد، وزكريا بن أبي زائدة، من كبار أصحاب الشعبي ، فقد يكون هذا هو سبب تنصيص النقاد على تدليسهما عنه ، وقد قال أحمد في إسماعيل: "يحيى أحسن الناس حديثاً عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - يقول : لأن فيها أخباراً ، حدثنا قیس ، حدثنا حكيم بن جابر"(٢)، فهذا يدل على أنه كان يدلس عن غير الشعبي . ثم إني رأيت بعض الباحثين توسع جداً في هذه القضية ، فذكر قول الحاكم (١) "الثقات" ٧: ٥٠٤ . (٢) تقدم النقل عنهم في المبحث الأول. (٣) "العلل ومعرفة الرجال" ٣١٩:٣. ٣٤٢ الاتصال والانقطاع في قتادة: "وكذلك قتادة بن دعامة - وهو إمام أهل البصرة - إذا قال: قال أنس، أو قال : قال الحسن ، وهو مشهور بالتدليس عنهما"(١)، فأراد الباحث أن يقصر تدليس قتادة على أنس، والحسن، وظاهر جداً أن الحاكم أراد التمثيل بذلك ، إذ هو قاله في معرض شرحه لمعنی التدليس. وأبعد من هذا ما فهمه الباحث من قول الذهبي في الوليد بن مسلم : "فإذا قال الوليد أو بقية: عن الأوزاعي - فواهٍ، فإنهما يدلسان كثيراً عن الهلكى ، ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد ، فما جاء إسناده بصيغة: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي - تجنبوه"(٢)، ومن قول الذهبي أيضاً : "إذا قال الوليد: عن ابن جريج ، أو عن الأوزاعي فليس بمعتمد ، لأنه يدلس عن كذابين ، فإذا قال : حدثنا فهو حجة" (٣). فقد أخذ الباحث من هذا أن التوقف في عنعنة الوليد بن مسلم خاص بهذين الشيخين - الأوزاعي، وابن جريجـ، وهو تساهل غير مرضي، فالذهبي أراد التمثيل بهذين الشيخين للوليد ، لكونه مكثراً عنهما ، ومشهوراً بالتدليس عنهما ، وحينئذٍ فمطالبته بالتصريح لا تقتصر عليهما ، وقد قال الذهبي : "لانزاع في حفظه وعلمه، وإنما الرجل مدلس، فلا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع"(4). وقال ابن عبدالهادي : "يدلس عن الضعفاء، فإذا قال : حدثنا الأوزاعي ، (١) "المدخل إلى الصحيح" ص٩٤ . (٢) "الموقظة" ص٤٦ . (٣) "ميزان الاعتدال" ٣٤٨:٤ . (٤) "تذكرة الحفاظ" ١: ٣٠٤. ٣٤٣ الفصل الثالث ، التدليس أو غيره، أو أخبرنا - فهو حجة" (١). ثم إن الولید مشهور بالتدليس عن الكذابين ، وبارتكاب أنواع التدلیس ، فلا ينبغي أن يتسامح معه أبداً ، ومقاومة الإسراف في نقد الأسانيد بالتدليس لا يصح أن تخرج إلى حد التساهل فيه ، فقد رأيت بوادر هذا في كلام بعض الباحثين على التدليس . والذهبي قد ذكر بقية بن الوليد وعنعنته عن الأوزاعي ، فهل يقال فيه أيضاً ما قيل في الوليد ؟ الأمر الثالث: يستحضر القارئ وهو ينظر في الأقوال الثلاثة السابقة والموازنة بينها ما تكرر ذكره مراراً، وهو أننا نبحث في وضع قواعد دراسة الأسانيد عن منهج الأئمة في كل قضية معينة يجري بحثها ، وربما لا يتضح المنهج تماماً ، إما لاختلاف المنقول عنهم ، أو لاختلاف اجتهاد الباحثين في تفسير عملهم، وحينئذٍ فالموازنة والترجيح بين الأقوال في مسألة ما ليس معناه البحث في أي الأقوال هو الأرجح في نفسه ، والاستدلال لإثبات ذلك ، وإنما يكون البحث في ترجيح أي الأقوال هو الذي عليه أئمة النقد ، وإذا ترجح ذلك صار هو الراجح في نفسه وإن لم يستدل عليه ، والاستدلال عليه حينئذٍ من نافلة القول . والغرض من استحضار القارئ لهذا هنا مهم جداً، يغفل عنه كثير من الباحثين ، وذلك أنه إذا افترضنا سلامة ترجيحنا للقول الثالث ، وأنه هو الذي (١) "تنقيح التحقيق" ٥٣١:١ . ٣٤٤ الاتصال والانقطاع عليه الأئمة ، فمن الضروري جداً أن نضم إلى ذلك أنهم قد قاموا بتفقد السماع من المدلسين المعروفين بالتدليس . فإذا صحح الأئمة أو أحدهم حديثاً واعتمد في تصحيحه على طريق فيه مدلس معروف بالتدليس فمعناه أنه وقف علی تصریح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه ، وهذا معنى قول الحاكم وهو يذكر أجناس المدلسين: "الجنس الخامس من المدلسين قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير ، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسون ... ، ومن هذه الطبقة جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين مخرج حديثهم في الصحيح، إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز بين ما سمعوه وما دلسوه"(١)، وقوله : "وأخبار المدلسين كثيرة ، وضبط الأئمة عنهم ما لم يدلسوا، وما لم يدلسوا ظاهر في الأخبار"(٢). وقال الخليلي في معرض كلامه عن حديث دلسه ابن جريج: "وابن جريج يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ"(٣). ومثل هذا يقال لو تم ترجيح القول الثاني ، وأنه هو الذي عليه الأئمة ، وقد قال ابن حبان - وهو أحد من نسب إليه هذا القول -: "إذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه ، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر " (٤). (١) "معرفة علوم الحديث" ص١٠٨ - ١٠٩ . (٢) "المدخل في أصول الحديث" ص٩٤ . (٣) "الإرشاد" ٣٥٢:١. (٤) "صحيح ابن حبان" ١٦٢:١. ٣٤٥ الفصل الثالث : التدليس ومتى قَدَّرنا غير هذا وأنهم لم يقوموا بتفقد السماع لزمنا أحد أمرين: إما رميهم بالتقصير في نقد الأسانيد ، وأنهم سنوا قانوناً لم يطبقوه، ورميهم بهذا لا يرضاه أحد لنفسه، أو إعادة النظر في ترجيح ما نسبناه إليهم ، وأنه هو منهجهم، وهذا الثاني لا مفر منه، ويترجح حينئذٍ القول الأول، وهو أنهم إنما يتوقفون فيما لم يصرح فيه المدلس بالتحديث إذا ظهر لهم أنه قد دلَّس حديثاً بعينه، وهو قول قوي لا يبعد أن يكون هو الراجح ، وإنما تَمَّ ترجيح القول الثالث كما تقدم بناء على قرائن أقوى دلَّت على أنه هو الراجح عنهم . ويبقى النظر في جانب آخر يتعلق بهذه المسألة، وهو ما إذا أعل الأئمة إسناداً بعلة، وأغفلوا نقده بالتدليس، فهل يعني هذا انتفاءه عندهم؟ كنت أولاً أميل لهذا، وأرى أنه لو كان منتقداً بالتدليس لنص عليه الناقد، ثم تأملت نقدهم للأحاديث بصفة عامة، فرأيت الواحد منهم ينص على علة يسقط بها الحديث یکتفي بها، مع وجود علل أخرى في الإسناد. ومن أمثلة ذلك - فيما نحن فيه - أن مسعراً روى عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: "إذا أصبح صائماً تطوعاً ثم أفطر قضى يوماً مكانه" (١) - قال أحمد: " أبى ابن مهدي أن يحدث بهذا عن سفيان، لأنه یروی عن ابن عباس خلافه، لا بأس به، ابن عباس [یقول] فيه، خالفوا حبيباً في هذا"(٢). (١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٣: ٢٩، و"العلل ومعرفة الرجال"٢: ٨. (٢) "العلل ومعرفة الرجال"٨:٢، وانظر: "مصنف عبدالرزاق" حديث (٧٧٦٧ - ٧٧٧٠)، (٧٧٧٣)، و"مصنف ابن أبي شيبة" ٣: ٣٠، و"سنن البيهقي" ٤: ٢٧٧. ٣٤٦ الاتصال والانقطاع فلم يتعرض ابن مهدي، ولا أحمد ، لتدليس حبيب بن أبي ثابت، وهو مشهور بهذا، فهل يقال : إن روايته بلغتهم بصيغة التحديث فلم يتعرضوا لتدليسه؟ أرى أنه لا يسعنا الاعتماد على هذا، ونص الناقد على علة لا يمنع من التعلیل بغیرها متی ظهر ذلك. على أن القول بالمنع من النقد بالتدليس في هذه الحالة له حظ من النظر فيما إذا انضم إليه مانع آخر، كأن ينضم إلى عدم النقد بالتدليس أن يكون الراوي موصوفاً بالتدليس عن شيخ له فقط، ثم يكون الحديث الذي معنا عن شيخ آخر، فقد تقدم في الأمر الثاني أن جمعاً من الباحثین یمنع من الحکم بتدلیس راو مطلقاً، إذا كان الأئمة قد نصوا على تدليسه عن شيخ معين، وقدمت هناك أن هذا غير ظاهر بالنسبة لي، فإذا اجتمع في حديث رواية المدلس له عن شيخ لم يوصف بالتدليس عنه، وأعرض الأئمة عن نقده بالتدليس في هذا الحديث، فلا یبعد أن يقال : إن التعلیل بالتدلیس بعید حينئذ. ومثاله زكريا بن أبي زائدة، فقد تقدم أن النقاد أكثروا من النص على تدليسه عن الشعبي ، وهم في روايته عن أبي إسحاق - مثلاً - لا يتعرضون لتدلیسه، حتی مع مخالفته لغيره، ويلجؤون إلى تعلیله بتأخر سماعه من أبي إسحاق، والله أعلم. الأمر الرابع : تقدم في الحالة الأولى شرح نوع من التدليس يبقي فيه المدلس شيخه، لكنه يسقط راوياً من وسط الإسناد ، وهو ما يعرف بتدليس التسوية . والمرتكب لهذا النوع من التدليس يعامل في بقية الإسناد ومطالبته بالتصريح بالتحديث بمبدأ القلة والكثرة ، فمن فعله على سبيل الندرة فروايته محكوم لها بالاتصال، والمكثر منه مطالب بالتصريح بالتحديث في جميع الإسناد . - ٣٤٧ الفصل الثالث: التدليس وقد تقدم أن ممن ارتكبه بقلة : الأعمش ، والثوري، وابن جريج، وهشيماً، فهؤلاء لا يتوقف في عنعنة من بعدهم في الإسناد، ما لم يتبين أن فيه تدلیس تسویة، کما قال يحيى القطان: "لم أكن أهتم لسفیان أن یقول -من فوقه۔ قال : سمعت فلاناً ، ولكن كان يهمني أن يقول هو : سمعت فلاناً، وحدثني فلان" (١). وتقدم أيضاً أن ممن ارتكبه بكثرة : الوليد بن مسلم ، وبقية بن الوليد، فهذان لا يكتفى بتصريحهما بالتحديث ، بل لابد من وجود ذلك في جميع الإسناد. قال ابن حجر في كلام له على إسناد حديث فيه الوليد بن مسلم : "قد صرح بتحديث الأوزاعي له ، وبتحديث نافع للأوزاعي ، فأمن تدليس الوليد وتسویته"(٢). وقال أيضاً في إسناد حديث بهذه الصفة : "وزال بهذا ما كان يخشى من تدلیس الولید و تسویته" (٢). وقد رأيت من الباحثين المعاصرين بصفة عامة إغفال نقد الإسناد بتدليس (١) "الكفاية" ص٣٦٣. (٢) "فتح الباري" ٤٦٣:٢ . (٣) "فتح الباري" ٢: ٥١٩، وانظر: "بيان الوهم والإيهام" ٤٩٩:٥، و"المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر" للزركشي ص١٢٢. (٣٤٨ الاتصال والانقطاع التسوية ، فقد نظر أحد المشايخ الفضلاء في الحديث السابق في المبحث الرابع ، الذي رواه بقية ، عن معاوية بن يحيى ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً : " إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة ... "، وحين رأى بقية مصرحاً بالتحديث جعل الإسناد حسناً عند المتابعة ، من أجل الكلام في معاوية ابن يحيى ، ثم ضم إليه طريقاً آخر إلى أبي الزناد ، وحسن الحديث بالطريقين ، ثم ضم إليهما متابعة ثالثة صحح بها الحديث . والحديث ضعيف جداً لا يصح ، لكن الشاهد هنا أن طريق معاوية بن يحيى هذا قد ارتكب فيه بقية تدليس التسوية ، فأسقط عباد بن كثير ، بين معاوية وأبي الزناد ، كما تقدم ذكره عن أبي حاتم، وعباد متروك الحديث. الأمر الخامس : ينبغي أن يرتفع الخلاف في حكم رواية المدلس إذا جاءت روايته بصيغة عن، واحتف بذلك قرينة ترجح أن ذلك الحديث المعين مما دَّسه ولیس مما سمعه، فیحکم حينئذٍ للرواية بالانقطاع على جميع الأقوال، سواء كان المدلس مكثراً من التدليس أو مقلاً منه ، وسواء كان مكثراً عن ذلك الشيخ الذي روى عنه أو مقلاً ، وسواء كان وصفه بالتدليس قد جاء عن الأئمة في عموم رواياته أو في شيخ معين ، يستوي في ذلك التدليس في مبدأ الإسناد ، والتدليس في وسطه ، وهو المعروف بتدليس التسوية . وهكذا في جميع ما قيل : إن رواية المدلس محمولة على السماع حتى يتبين الانقطاع ، فهذا التبين يعني ظهور قرينة تدل على الانقطاع، وعلى الباحث أن يجتهد في التحقق من وجود هذه القرينة أو عدم وجودها . ٣٤٩ الفصل الثالث : التدليس وعلى القول بأن رواية المدلس بصيغة عن محمولة على الانقطاع فالباحث بحاجة أيضاً إلى البحث في هذه القرائن، حتى وإن كان سيحكم بالانقطاع ولو لم توجد ، ذلك أن حكمه بالانقطاع إذا وجدت أقوى وآكد ، ويرفع الخلاف بينه وبين غيره . وسأذكر من هذه القرائن ما رأيت الأئمة استخدموه في ترجيح وقوع التدليس ، وقد يصادف الباحث أحاديث ليس لهم فيها كلام، فبإمكانه استخدامها إذا وجدت . القرينة الأولى : أن تأتي رواية أخرى صحيحة يروي فيها المدلس ذلك الحديث عن شيخه بواسطة ، سواء سماه ، أو أبهمه بأن قال : عن رجل ، أو قال : بلغني عنه، أو نبئت عنه ، ونحو ذلك . ومثله في تدليس التسوية : إذا جاءت رواية أخرى عن المدلس فيها هذه الزيادة في وسط الإسناد . وهذه أهم القرائن وأقواها وأكثرها استخداماً، كما قال ابن القطان : "وأبين ما يكون الانقطاع بزيادة واحد في حديث من عرف بالتدليس"(١). ومن الأمثلة على ذلك ما رواه الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس حديث قصة اللذين يعذبان في قبريهما(٢)، ورواه منصور بن المعتمر، عن (١) "بيان الوهم والإيهام" ٢: ٤٣٥. (٢) "صحيح البخاري" حديث (٢١٨)، (١٣٦١)، (١٣٧٨)، (٦٠٥٢)، و"صحيح مسلم" حدیث (٢٩٢). ٣٥٠ الاتصال والانقطاع مجاهد، عن ابن عباس (١) والبخاري مع أنه أخرج رواية منصور ولم يخرجها مسلم، إلا أن البخاري رجح رواية الأعمش(٢)، وكذا رجحها الترمذي(٣)، والدار قطني(٤)، فإما أن يكون الخطأ من منصور، وإما أن يكون مجاهد حين حدث به منصوراً أسقط طاوساً، ورواه عن ابن عباس مباشرة. ومن ذلك أن جمعاً غفيراً روى عن الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ... " الحديث (*)، فذهب جماعة من الأئمة منهم سفيان الثوري ، وأحمد ، وابن المديني، وابن خزيمة ، والبيهقي، وغیرهم إلى أن الأعمش لم یسمعه من أبي صالح، لأنه کان یقول في طرق أخرى عنه: عن رجل ، عن أبي صالح، وفي بعضها: حدثت عن أبي صالح، وفي (١) "صحيح البخاري" حديث (٢١٦)، (٦٠٥٥). (٢) "العلل الكبير" ١٤١:١، لكن وقع فيه قلب في السؤال، فقد جعل رواية الأعمش بإسقاط طاوس، ورواية منصور بذكره، والصواب العكس، وانظر: "سنن الترمذي" حديث (٧٠) وتعليق الترمذي عليه، و"عمدة القاري" ٣: ١١٥. (٣) "سنن الترمذي" ١٠٣:١، بعد حديث (٧٠). (٤) "الإلزامات والتتبع" ص ٥٠٠. (٥) "سنن الترمذي" حديث (٢٠٧)، و"مسند أحمد" ٢: ٢٨٤، ٤٢٤، ٤٦١، ٤٧٢، ٥١٤، و"مسند الطيالسي" حديث (٢٤٠٤)، و"مسند الحميدي" حديث (٩٩٩)، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (١٥٢٨)، و"علل الدار قطني" ١٩٢:١٠. ٣٥١ الفصل الثالث : التدليس بعضها : حدثت عن أبي صالح - ولا أراني إلا وقد سمعته _ (١). وروى جماعة كثيرون منهم الثوري ، وحماد بن سلمة ، وعبدالوهاب الثقفي، وأنس بن عياض، وغيرهم، عن حميد الطويل ، عن أنس قصة صلاته - صلى الله عليه وسلم - خلف أبي بكر في مرض موته (٢)، ورواها محمد بن طلحة، وسليمان بن بلال ، ويحيى بن أيوب ، ويزيد بن هارون ، عن حميد، عن ثابت، عن أنس ، قال الترمذي: "ومن ذكر فيه: عن ثابت - فهو أصح" (٣). وقال ابن المديني : "سمعت يحيى ( يعني القطان ) يقول : حديث التيمي، عن الحسن : " أن ابن عباس كان يعرف " - لم يسمعه من الحسن ، كان يقول : رجل عن الحسن ، قال يحيى : فبلغني أنه رواه عن أبي بكر الهذلي" (٤). وقال أحمد في حديث سفيان الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود (١) "سنن أبي داود" حديث (٥١٧-٥١٨)، و"سنن الترمذي" ٤٠٣:١، و"مسند أحمد" ٢٣٢:٢، ٣٨٢، و"مسائل أبي داود" ص٢٩٣، و"تاريخ الدوري عن ابن معين" ٢: ٢٣٦، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (٥٢٨-٥٢٩)، و"مشكل الآثار" حديث (٢١٩٢-٢١٩٣)، و"علل الدار قطني" ١٠: ١٩٥، و"سنن البيهقي" ١: ٤٣٠، و"التلخيص الحبير" ٢١٨:١. (٢) "سنن النسائي" حديث (٧٨٥)، و"مسند أحمد" ٣: ١٥٩، ٢١٦، ٢٤٣،٢٣٣، ٢٦٣، و"مسند أبي يعلى" حديث (٣٧٥١)، و"الأوسط" لابن المنذر ٤: ٢٠٤، و"سنن البيهقي" ٧: ١٩٢، و"دلائل النبوة" ٧: ١٩٢. (٣) "سنن الترمذي" حديث (٣٦٣)، و"مسند أحمد" ٣: ٢٤٣، و"شرح معاني الآثار" ٤٠٦:١، و "صحيح ابن حبان" حديث (٢١٢٥). (٤) "الجرح والتعديل" ٢٣٨:١ . ٣٥٢ الاتصال والانقطاع " أنه كان يقول: اندرايم" -: "لم يسمعه سفيان من حماد، في إملاء اليمن: عن جابر ، عن حماد" (١). والمقصود بإملاء اليمن ما سمعه عبدالرزاق من الثوري باليمن ، وكان أحمد يرى أنه أحكم وأضبط مما سمعه منه بمكة (٢). وقال أحمد أيضاً في حديث الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة مرفوعاً: "لا نذر في معصية ، وكفارته کفارة یمین "، وهو من رواية يونس عن الزهري ، جاء ذلك من طرق عن يونس(٣)، قال أحمد : "أفسدوا علينا حديث الزهري ... ، قالوا : عن سليمان بن أرقم - يعني قالوا : عن الزهري ، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة -... " (٤). وكذا قال غير واحد من الأئمة : إن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة ، (١) "العلل ومعرفة الرجال" ١: ٣٠٠، ٢١:٢. (٢) "شرح علل الترمذي" ٢: ٧٧٠ . (٣) "سنن أبي داود" حديث (٣٢٩٠-٣٢٩١)، و"سنن الترمذي" حديث (١٥٢٤)، و" سنن النسائي " حديث (٣٨٤٣ - ٣٨٤٧)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٢١٢٥)، و"مسند أحمد" ٦: ٢٤٧، وجاء في رواية عن يونس، عن الزهري قال: بلغني عن أبي سلمة ، عن عائشة به موقوفاً عليها، انظر : "التاريخ الكبير" ٤: ٢، و"التاريخ الصغير" ٢: ١٩٧، و"المعرفة والتاريخ"٣:٣. (٤) "سنن أبي داود" ٣: ٥٩٥، و"مسائل أبي داود" ص٤٠١، وحديث سليمان بن أرقم أخرجه أبو داود حديث (٣٢٩٢)، والترمذي حديث (١٥٢٥)، والنسائي حديث (٣٨٤٨)، من رواية موسى بن عقبة، وابن أبي عتيق، عن الزهري. ٣٥٣ الفصل الثالث ، التدليس معتمدين على هذه القرينة(١). وروى إسماعيل بن علية ، وعبدالوهاب بن عبدالمجيد، عن يونس بن عبید ، عن الحسن ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يسترعي الله تبارك وتعالى عبداً رعية - قلَّت أو كثرت - إلا سأله الله تبارك وتعالى عنها يوم القيامة ... " الحدیث (٢). قال ابن خزيمة : "لم يسمع الحسن هذا الخبر من ابن عمر ، حدثنا محمد بن عبدالأعلى ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا يونس ، عن الحسن قال : نبئت أن ابن عمر قال ... " (٣). وقد تقدم أن الحسن قد سمع من ابن عمر في قول الجمهور ، لكن يظهر أنهم إنما يثبتون له سماعه لحديث واحد، كما تقدم شرحه في المبحث الثالث، وعلى هذا فهذه القرينة تأكيد لعدم سماعه منه هذا الحديث المعين ، ونفي لاحتمالات أخری قد تکون قائمة في سماع الحسن من ابن عمر ، وعنعنته عنه . وفي هذا المثال يقرب أن حذف الواسطة ليس من الحسن ، وإنما هو من الراوي عنه يونس بن عبيد ، فالطرق مدارها عليه ، فكأنه ربما استبدل العنعنة بقول الحسن: نبئت ، بالعنعنة ، ويونس مدلس أيضاً كما تقدم في المبحث الثاني، (١) "سنن أبي داود" ٣: ٥٩٥، و"سنن الترمذي" ١٠٣:٤، و"سنن النسائي" ٧: ٣٤، و"العلل الكبير"٦٥٢:٢، و"التاريخ الكبير" ٢:٤، و"التاريخ الصغير" ١٩٧:٢، و"سنن البيهقي" ١٠ : ٦٩. (٢) "مسند أحمد" ٢: ١٥، و"إتحاف المهرة" ٢٩٦:٨. (٣) "إتحاف المهرة" ٢٩٦:٨ . ٣٥٤ الاتصال والانقطاع وقد یکون تسامح في ذلك للعلم بأن الحسن لم یسمعه من ابن عمر . وروى جماعة عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه - رضي الله عنه - مرفوعاً: " نضر الله عبداً سمع مقالتي ... " الحدیث (١). ورواه عبدالله بن نمير ، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالسلام بن أبي الجنوب، عن الزهري به (٢)، قال العلائي عن الطريق الأول: "الظاهر أن هذا مما دلسه ابن إسحاق ... ، وعبدالسلام قال فيه أبوحاتم : متروك" (٣). وروى عبدالله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعاً: " من إذاً اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ... " الحديث(٤). وقد رواه يحيى بن المتوكل ، عن ابن جريج، عمن حدثه ، عن نافع به ، وذكر البخاري أن هذا أشبه (٥). وروى مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري ، عن أبي الزبير ، عن جابر (١) "سنن ابن ماجه" حديث (٢٣١)، و"مسند أحمد" ٤: ٨٠، ٨٢، و"سنن الدارمي" حديث (٢٣٤)، و"الجرح والتعديل" ٢: ١٠، و"المجروحين" ١: ٢، و"المعجم الكبير" حديث (١٥٤١-١٥٤٤)، و"المستدرك" ٨٧:١. (٢) "سنن ابن ماجه" حديث (٢٣١). (٣) "جامع التحصيل" ص٥٣، وانظر: "تهذيب التهذيب" ٣١٥:٦. (٤) "سنن ابن ماجه" حديث (٧٢٨)، و"المستدرك" ١: ٢٠٥ . (٥) "التاريخ الكبير" ٣٠٦:٨. ٣٥٥ الفصل الثالث : التدليس مرفوعاً: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع "، قال النسائي بعد أن رواه: "لم يسمعه سفيان من أبي الزبير ... "، ثم أخرجه من طريق أبي داود الحفري ، عن سفيان الثوري ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير به (١). وروى الدار قطني من طريق يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع، عن ابن عمر قال : " زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون ، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها فأرغبها في المال ... " الحديث ، وقال الدار قطني بعده : "لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع ، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه ، كذلك رواه إبراهيم بن سعد عنه ، وتابعه محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عمر بن حسين "، ثم أخرج الطريقين (٢). وروى جماعة منهم أبو معاوية ، ويعلى بن عبيد، وجرير بن عبدالحميد ، وغيرهم، عن الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله *: "كم مضى من الشهر ... " الحديث في ليلة القدر(٣). قال الحاكم : "لم يسمع هذا الحديث الأعمش من أبي صالح، وقد رواه أصحابه عنه هكذا منقطعاً" ، ثم أخرجه من طريق عبيدالله بن سعيد قائد (١) "سنن النسائي" حديث (٤٩٨٦) - ٤٩٨٧) (٢) "سنن الدار قطني" ٣: ٢٣٠، وانظر: "مسند أحمد" ٢: ١٣٠، و"المستدرك" ١٦٧:٢، و"سنن البيهقي"٧: ١٢٠ . (٣) "سنن ابن ماجه" حديث (١٦٥٦)، و"مسند أحمد" ٢: ٢٥١، و"مصنف ابن أبي شيبة"٣: ٨٤، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (٢١٧٩)، و"صحيح ابن حبان" حديث (٢٥٤٨)، (٣٤٥٠)، و"سنن البيهقي" ٤: ٣١٠. = ٣٥٦ الاتصال والانقطاع الأعمش، عن الأعمش، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة (١). وعبيدالله بن سعيد قائد الأعمش ضعيف (٢)، وكأن الحاكم هنا اعتمد زيادته لأن عنعنة الأعمش عن أبي صالح في جميع الطرق إليه أوجبت ريبة . وكلام الأئمة في الحكم بالتدليس اعتماداً على هذه القرينة كثير جداً(». ويمكن للباحث أن يستخدمها في الاستدلال لكلام الأئمة إذا حكموا بوقوع تدلیس، ولم یذکروا دلیل ذلك، مثاله ما روى معتمر بن سليمان التيمي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: " إن فاجأتك جنازة وأنت على غير وضوء فصلِّ عليها "(٤)، قال يحيى القطان: "حديث إسماعيل بن أبي خالد: " إذا فجأتك جنازة " - ليس هو من صحيح حديثه" (٥)، يعني لم يسمعه من عامر الشعبي. ودليل هذا أن عبدالله بن نمير قد رواه عن إسماعيل ، عن رجل ، عن عامر الشعبي ، قال عبدالله: "هو مطيع الغزال - يعني الرجل -" (٤). (١) "معرفة علوم الحديث" ص ٣٥. (٢) "تهذيب التهذيب"١٦:٧ . (٣) انظر مثلاً: " سنن الترمذي" حديث (٣٦٦٢)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (٧٠٩٤ - ٧٠٩٩)، (١٠٣٨٣-١٠٣٨٤)، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (٣٧)، و"الإلزامات والتتبع" ص١٦٨، و"التمهيد" ٢٦٧:١٢. (٤) "مصنف عبدالرزاق" حديث (٦٢٨٠). (٥) "الجرح والتعديل" ٢٣٨:١. (٦) "العلل ومعرفة الرجال"٣: ٣٤٤. ٣٥٧) = الفصل الثالث : التدليس وروى محمد بن يوسف الفريابي ، عن الثوري ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب ، عن عبدالله بن مسعود مرفوعاً: " ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً ، فعليكم بألبان البقر ، فإنها ترم من كل الشجر "(١)، وسئل عنه أبو حاتم فقال: " ... وأما الثوري فإنه لا يسنده إلا الفريابي، ولا أظن الثوري سمعه من قیس ، أراه مدلساً"(٢). وقد رواه عبدالرحمن بن مهدي ، عن الثوري ، عن یزید بن أبي خالد ، عن قیس بن مسلم ، عن طارق مرسلاً (٣). ويمكن للباحث أن يستند على هذه القرينة في الحكم بوقوع تدليس، وإن لم ينص أحد على ذلك، كما في رواية عبدالرزاق ، عن سفيان الثوري ، عن حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم النخعي : " أن عمر وابن مسعود كانا يصليان في السفر قبل المكتوبة وبعدها "(٤)، فقد رواه ابن مهدي ، عن الثوري، عن مالك بن مغول، عن حماد به بمعناه (*). وروى وكيع ، وعلي بن مسهر ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي "في المرأة تزوجت رجلاً على أنه حر ، فوجد عبداً، قال : تخير "، لفظ وكيع(٦)، (١) "سنن النسائي الكبرى" حديث (٦٨٦٣). (٢) "علل ابن أبي حاتم" ٢: ٢٥٤، وفي المطبوع سقط . (٣) "سنن النسائي الكبرى" حديث (٦٨٦٤). (٤) "مصنف عبدالرزاق" حديث (٤٤٥٤). (٥) "العلل ومعرفة الرجال"٢٢٨:٣. (٦) "مصنف ابن أبي شيبة" ٤: ١٦٢. = ٣٥٨ الاتصال والانقطاع ورواه يحيى القطان ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عمن حدثه ، عن الشعبي (١). ومما يؤكد أهمية هذه القرينة - أعني إدخال واسطة بين المدلس وشيخه - في الدلالة على وقوع تدليس، أن إدخال واسطة في إسناد معنعن بين راو وشيخه دليل على وقوع انقطاع في الإسناد الذي حذفت منه الواسطة، وإن لم يوصف الراوي بالتدليس(٢)، والفرق بين المدلس وغيره حينئذ أن المدلس يكتفى للحكم بوقوع التدليس منه بأدنى شبهة، ويكون وصف الراوي بالتدليس قرينة مستقلة على ترجيح الزيادة. وقد تقدم في ذكر أخطاء التصريح بالتحديث من المدلسين وعليهم، أن من أهم دلائل ذلك ورود واسطة بين المدلس وشيخه في بعض الروايات. ولابد من الإشارة هنا إلى أنه ليس كل زيادة بين المدلس وشيخه يحكم من أجلها على الراوي بأنه دلس في هذا الحديث، فبعض الزيادات لا تصح، فهذا الأمر يخضع للقرائن، فهو محل اجتهاد إذاً. ومن ذلك أن جماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي - منهم الثوري، وشعبة ، وعمر بن عبيد، وغيرهم - رووا عنه، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد (١) "العلل ومعرفة الرجال" ٣: ٣٤٣ . وانظر في أحاديث أخرى يرويها إسماعيل عن الشعبي بواسطة ، وربما حذفها ، وكذلك قتادة عن سعيد بن المسيب: "العلل ومعرفة الرجال" ٣٢٢:٣-٣٣٥ فقرة (٥٤٣٦-٥٤٨٣)، ٣: ٣٣٦-٣٤٦ فقرة (٥٤٩١-٥٥٢٧)، وتخريج محقق الكتاب . (٢) انظر: "بيان الوهم والإيهام"٢: ٤٣٥. ٣٥٩ الفصل الثالث ، التدليس الخدري: "أصبنا سبايا فكنا نعزل عنهن .... " الحديث (١). ورواه أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد(٣). فهذه الزیادة لا تصح ، لمخالفة أبي بكر بن عياش لأصحاب أبي إسحاق، وفيهم كبار أصحابه، وهو متكلم فيه وفي روايته عن أبي إسحاق على وجه الخصوص(٣). وأيضاً فإن من رواة الوجه الأول عن أبي إسحاق شعبة، وقد تقدم في المبحث الرابع أنه لا يروي عن أبي إسحاق إلا ما سمعه ، وقد صرح أبو إسحاق بالتحديث في روايته. قال الدار قطني عن رواية أبي بكر: "ليس بمحفوظ، والصحيح: عن أبي إسحاق، عن أبي الوداك " (4). ويلتحق بذكر الواسطة أن يأتي عن المدلس في بعض الروايات عنه ما يعرف منه صيغة الرواية التي يحدث بها بينه وبين شيخه في الحديث المعين، وأنه لم يصرح بالتحديث، بل روى بصيغة قال، أو ذكر، أو حدث، ونحوها، فقد تقدم أننا إذا عرفنا أن المدلس لم يصرح بالتحديث، وعرفنا صيغة روايته على وجه (١) " مسند أحمد "٣: ٤٩، ٥٩، و"مسند الطيالسي" حديث (٢٢٨٩)، و"صحيح ابن حبان" حدیث (٤١٩١). (٢) "المعجم الأوسط " حديث (٨١٠٤). (٣) " علل ابن أبي حاتم " ١: ٣٤، و"تهذيب التهذيب " ١٢ : ٣٤ (٤) " علل الدار قطني" ١١ : ٣٤٩. (٣٦٠ الاتصال والانقطاع التحدید، فنرجح حينئذ أنه لم يسمعه، ویکون حکمنا في ذلك حکم النقاد في عصر الرواية، الذين وقفوا على صيغ رواية المدلس، وقد تقدم في هذا المبحث النقول عنهم فيما يشبه الإجماع على أن المدلس إذا روى بهذه الصيغ فقد دلَّس. ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك حديث : "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، الماضي ذكره آنفاً ، فقد تقدم أن من قرائن وقوع التدليس فيه إدخال الزهري واسطة في بعض الروايات عنه. ومن القرائن كذلك أنه جاء في بعض الطرق إلى يونس قول الزهري : حدث أبو سلمة ، قال أبو داود : "سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة "(١). وقال البيهقي بعد أن أخرجه من طريق عنبسة بن خالد، عن الزهري كذلك: "هذا يدل على أنه لم يسمعه من أبي سلمة، وإنما سمعه من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة "(٢). ومن الأمثلة أيضاً ما رواه سعيد بن أبي عروبة، وعمران القطان - في رواية عنه - عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله ، عن عياض بن حمار، قال: (١) " سنن أبي داود"٣: ٥٩٥ . وممن رواه كذلك عن يونس أيضاً أبو ضمرة، أخرجه النسائي حديث (٣٨٤٧)، لكن وقع فيه : حدثنا أبو سلمة، وقد جاء على الصواب في "تحفة الأشراف" ١٢: ٣٦٧، فهو من أمثلة أخطاء التصريح بالتحديث من مدلس، وقد تقدم الحديث عنها بتوسع في المبحث الرابع. (٢) " سنن البيهقي " ١٠ :٦٩ .