النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١) = الفصل الثالث : التدليس هذا ما وقفت عليه مما يمكن الاحتجاج به لقول من يقول بوجوب الوقوف عند من وصفهم الأئمة بالتدليس ، وعدم رمي من عداهم بذلك ، وإن جاءتنا عنه رواية فيها صورة التدلیس . ولا شك أنه قول قوي جداً، به يتبين مدى خطورة المبالغة في جمع أسماء المدلسين التي سلكها بعض من ألف في هذا الموضوع، حتى وصل عددهم عند بعض الباحثين إلى ما يزيد على مائتين وثلاثين راوياً ، كما تقدم آنفاً ، وكثير منهم لم يصفه أحد من الأئمة بالتدليس ، وإنما أُخذ ذلك من روايات جاءت عنهم فيها صورة ذلك ، حتى أن بعض الباحثين ذكر أئمة أعلاماً مشهورين ، لو عرفوا بالتدليس لاشتهر ذلك، ولنوه به الأئمة، فذكر مثل سعيد بن المسيب ، والشعبي ، والأوزاعي. مع ذلك فلابد من تأكيد أمر مهم هنا ، وهو أنه لا ينبغي حين البحث عن وصف الأئمة لراوٍ بالتدليس الجمود على هذه الكلمة وما اشتق منها، فإذا كان في كلام الأئمة ما يفيد ارتكابه للتدليس كفى لوصفه به ، فهنا يقال : ليست العبرة بالألفاظ ، وإنما العبرة بالمعاني . مثال ذلك قول أحمد في مغيرة بن مقسم : "كان صاحب سنة، ذكياً حافظاً، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول ، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد ، ومن يزيد بن الوليد ، والحارث العكلي ، وعن عبيدة، وغيره، وجعل یضعف حدیث مغیرة عن إبراهیم وحده"(١). - (١) "العلل ومعرفة الرجال" ٢٠٧:١، و"الجرح والتعديل" ٢٢٩:٧. ٢٢٢ الاتصال والانقطاع وقال العجلي : "كان يرسل الحديث عن إبراهيم، فإذا وقف أخبرهم ممن سمعه ، وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم" (١). فهذا هو التدليس وإن لم يصرحا به ، فهو وقول من وصفه بالتدليس شيء واحد ، فقد قال فضيل بن غزوان فيه : "كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال : حدثنا إبراهيم" ()، وكذا وصفه النسائي ، وابن حبان بالتدليس (٣). ومثله عبدالوهاب بن عطاء الخفاف قال فيه أبوزرعة : "روى عن ثور حديثين ليسا من حديث ثور ، وذُكر ليحيى بن معين هذان الحديثان فقال: لم یذکر فيهما الخبر"(٤). فهذا وصف بالتدليس ، وهو مرادف لقول صالح جزرة بعد أن ذكر أحد الحديثين: "عبدالوهاب لم يقل فيه: حدثنا، ولعله دلس فيه، وهو ثقة"(٥) وقول البخاري : "كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير" (١). (١) "الثقات"٢: ٢٩٤ . (٢) "تهذيب الكمال" ٣٩٩:٢٨. (٣) "سؤالات السلمي للدار قطني" ص ٣٧٠، و"ثقات ابن حبان" ٧: ٤٦٤، وانظر : "سؤالات الآجري لأبي داود" ١: ١٧٥ . (٤) "الجرح والتعديل" ٦: ٧٢، و"أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص٤٩٦-٤٩٨، وفي النسخة تحریف. (٥) "تاريخ بغداد" ٢٤:١١، و"تهذيب التهذيب" ٦: ٤٥٢. (٦) "تهذيب التهذيب" ٦: ٤٥٣ . ٢٢٣ الفصل الثالث : التدليس وقد اعتبر ابن حجر قول أحمد في عطاء بن أبي رباح : "رواية عطاء عن عائشة لا يحتج بها إلا أن يقول : سمعت" ، وصفاً لعطاء بالتدليس (١)، وهو استدلال صحیح ، ومع هذا فلم يدخله ابن حجر في أي من کتبه . وقد أكثر ابن حبان في تراجم الرواة من عبارة : "يعتبر حديثه إذا بين السماع في خبره" ، أو نحوها (٢)، وهي مفيدة للوصف بالتدليس بلا إشكال، ولهذا فإنه ربما زاد عليها : "فإنه كان مدلساً" (٣). وقال في حق محمد بن صدقة الفدكي : "يعتبر حديثه إذا بين السماع في روایته، فإنه کان یسمع من قوم ضعفاء عن مالك، ثم یدلس عنهم" (4). فالمهم هنا هو أن تأكيد الوقوف عند كلام الأئمة في وصف الراوي بالتدلیس یضم إليه تأكيد عدم التنطع في قبول كلامهم أو في تفسيره ، وعدم الجمود عند كلمة ( التدليس)، واشتراط ورودها في كلام الأئمة . وقد رأيت من بعض المشايخ والباحثين بوادر ذلك ، فذكر أحد المشايخ حديثاً رواه زياد بن الربيع، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعاً : "عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يجلي البصر، وينبت الشعر"(*)، (١) "تهذيب التهذيب" ٧: ٢٠٣. (٢) انظر مثلاً: "الثقات" ٣٤٥:٨، ٣٩٤، ٤٢١، ٤٣٧، ٤٥٣، ٦١:٩. (٣) "الثقات" ٩: ٤٩ . (٤) "الثقات" ٩: ٦٧، وانظر أيضاً: ٧: ٥٠٤، ٨: ٤٩٢. (٥) "الكامل" ٣: ١٠٥٢ ، أخرجه عن ابن مكرم، عن عمرو بن علي الفلاس، عن زياد بن الربيع به. ٢٢٤ الاتصال والانقطاع ثم قال بعد أن صححه : "وقد أعل بما لا يقدح، فقد ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" ٢: ٢٦٠ من هذه الطريق، وأنه سأل عنه أباه ، فأجابه بقوله: حديث منكر، لم يروه عن محمد إلا الضعفاء: إسماعيل بن مسلم ونحوه ، ولعل هشام ابن حسان أخذه من إسماعيل بن مسلم، فإنه كان يدلس"، ثم قال الشيخ: "لم أر من رماه بالتدليس مطلقاً، وإنما تكلموا في روايته عن الحسن وعطاء خاصة، لأنه كان يرسل عنهما كما قال أبوداود ... ، وهذا الحديث من روايته عن محمد بن المنكدر، فلا مجال لإعلاله". کذا قال الشيخ ، وعلى كلامه مناقشات من وجوه عدة ، لكن الشاهد هنا رفضه لوصف أبي حاتم له بالتدليس ، فإذا رفض كلام مثل هذا الإمام فمن الذي يقبل كلامه؟ ، ثم إن هشاماً قد سمع من الحسن ، وعطاء، فإرساله عنهما هو من التدليس المتفق على تسميته تدليساً، وإن لم يصرحوا بذلك (١). (١) والشاهد هنا هو نص أبي حاتم على أن هشام بن حسان كان يدلس ، وأما تدليس هشام لهذا الحديث بعينه ففيه ما فيه، فقد أخرجه الطبراني في " الأوسط" حديث (٦٠٥٦)، عن محمد بن يونس العصفري، عن عمرو بن علي الفلاس، عن زياد بن الربيع، عن هشام بن حسان، عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن المنكدر به ، هكذا بذكر إسماعيل بن مسلم ، وهذا يؤيد ما ذكره أبو حاتم أن هشام بن حسان أخذه من إسماعيل بن مسلم، لكن يدل على أن الإسقاط ليس منه ، وإنما هو ممن بعده. وقد رواه عن إسماعيل بن مسلم ، عن ابن المنكدر غیر هشام بن حسان، انظر: "سنن ابن ماجه" حديث (٣٤٩٦)، و"مسند عبد بن حميد" حديث (١٠٨٥). ٢٢٥ الفصل الثالث : التدليس وذكر أحد الباحثین وصف النسائي لیونس بن عبيد بالتدلیس (١)، ثم قال : "لا نعلم أن أحداً قبله وصفه بهذا" ، كذا قال الباحث ، ووصف النسائي له بالتدليس كافٍ في اعتماد ذلك ، على أن في كلام من تقدم النسائي بل من الرواة عن يونس وصفه بذلك وإن لم يصر حوا به ، کما سيأتي في آخر المبحث الرابع ، بل قد قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر عن شعبة أن يونس بن عبيد يروي أشياء عن الحسن لم يسمعها منه ، وإنما أخذها عن أشعث بن عبدالملك: "يعني أن يونس أخذها من أشعث ، عن الحسن، ودلسها عن الحسن ، ولم يذكر فيه الخبر" (٢). ومما يوصى به الباحث هنا أن يكون شديد التنقيب والبحث عن كلام النقاد، وألا يكتفي بما جمعه غيره، فلهم کلام کثیر لا يزال مفرقاً، مثال ذلك أن ابن حجر قال في ترجمة عمرو بن دينار: "أشار الحاكم في "علوم الحديث" إلى أنه کان یدلس"(٣) . وقد أشار إلى تدليس عمرو بن دينار جمع من النقاد المتقدمين ، قال عبد الله ابن أحمد: "سئل - يعني أباه - عما روى عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن الزبير، في القراءات: سماع؟ قال: قال ابن عيينة: كان عمرو لا يقول فيها: (١) "سؤالات السلمي للدراقطني" ص ٣٦٧، و"سير أعلام النبلاء" ٧: ٧٤. (٢) "الجرح والتعديل" ١: ١٣٥ . (٣) "تعريف أهل التقديس" ص ٤٢، وانظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص١١١. = ٢٢٦ الاتصال والانقطاع سمعت ابن عباس"(١). وقال المروذي: "سألته - يعني أحمد - عن عمرو بن دينار في ابن عباس، وابن عمر، فقال: من الثقات، يحكى عن شعبة أنه قال: ما رأيت أثبت من عمرو ابن دينار، قلت: له أشياء يرسلها، قال: إذا قال: سمعت أو حدثنا، وقد كان يحدث بأشياء عن رجل، عن ابن عباس" (٢)، وعد أحمد ما سمع عمرو من ابن عباس (٣) . وكما يوصى الباحث بالعناية بكلام الأئمة في الرواة يوصى أيضاً بالتثبت فيما ينقل عنهم من وصف راو بالتدليس ، فقد يكون الخطأ في فهم كلام الناقد، ومما مرَّ بي في هذا الصدد، أن أحد الباحثين في كتاب له في الجرح والتعديل نقل قول ابن عدي في ثابت البناني: "له حدیث کثیر، وهو من ثقات المسلمین، وما وقع في حديثه من النكرة فليس ذلك منه، إنما هو من الراوي عنه، لأنه قد روی عنه جماعة ضعفاء ومجهولون، وإنما هو في نفسه إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه فهو مستقيم الحديث، ثقة"(٤) . علق عليه الباحث بقوله: "هل هذا اللفظ إذا قيل في أحد الرواة يدل على (١) "العلل ومعرفة الرجال" ٣: ٢٨٥، وانظر: "مسائل أبي داود" ص٤٤٨. (٢) "علل المروذي" ص ٢٣٠. (٣) "العلل ومعرفة الرجال" ١٨٦:٢. (٤) "الكامل" ٢: ٥٢٧. الفصل الثالث: التدليس ٢٢٧ أن الراوي يدلس؟ ليس ذلك ببعيد، لقوله: "إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه ... "، فإن هذا يدل على أنه يسقط شيخه القريب، ويعنعن عن شيخ بعيد، وإن كان من جملة شيوخه، لكنه ليس بشيخه في هذا الحديث، فمن هنا تكثر المناکیر في روايته، أو تقع في روايته، ولو أنه بین شيخه وسماه لكان مستقيم الحديث". كذا قال هذا الباحث، ولا أظنني بحاجة إلى الإطالة في رد کلامه، فليس في كلام ابن عدي رمي بالتدليس، والعبارة - رغم ما فيها من اضطراب، وهو معروف عن ابن عدي - لا تفيد ذلك، فمراده بيان أن ثابتاً إذا صحت الرواية عنه عن مشايخه فهو مستقيم الحديث ثقة، والخلل يأتي من الرواة الضعفاء الذين یروون عنه. ونقل أحد الباحثين عن ابن حجر قوله في إسماعيل بن عياش الحمصي: "أشار ابن معين، ثم ابن حبان في "الثقات" إلى أنه كان يدلس"(١) . وأراد الباحث تفسير إشارة ابن معين، وابن حبان ، فنقل عن الأول ما رواه عنه محمد بن عثمان بن أبي شيبة: "ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن کتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم"(٣). ونقل عن ابن حبان ما ملخصه أن إسماعيل تغير حفظه لما كبر، فما سمع في (١) "تعريف أهل التقديس" ص٨٢. (٢) "تاريخ بغداد" ٢٢٦:٦. ١ = ٢٢٨ الاتصال والانقطاع صباه حفظه، وما سمعه في كبره عن الغرباء خلط فيه(١). ثم قال الباحث معلقاً على كلامهما: "ومراد الحافظ بإشارة ابن معين - والله أعلم - أنه يروي عن غير أهل الشام ما لم يسمعه منهم على سبيل التخليط، ولما كان قد سمع من أهل الحجاز وأهل العراق في آخر حياته ، وضاعت کتبه أو تغیر حفظه، فإنه ربما روی عنهم ما لیس من حديثهم، وهذا هو التدلیس، وعلى هذا يمكن أن نصف كل من اختلط من الرواة بالتدليس، لأنه ربما روى عمن سمع منه أو لقيه ما لم يسمعه منه ... ، وإذاً فيمكن أن يروي عن العراقيين حديثاً كاملاً ليس عندهم، وهذا من التدليس الذي تقدم تعريفه ... ". كذا قال هذا الباحث - عفا الله عنه - ، بكل سهولة يقرر أن كلام ابن معين، وابن حبان الذي نقله هو مراد ابن حجر بإشارتهما إلى تدليسه، ثم يبني على هذا أنه يمكن أن يوصف كل مختلط بالتدليس، وهذا شيء لم يسبق إليه، وهو من الخطورة بمكان لا يخفى. وکلام الباحث في القضیتین غیر دقیق أبداً، فليس في كلام ابن معين، وابن حبان الذي نقله رمي لإسماعيل بن عياش بالتدليس، وفهم ذلك منه بعيد جداً، قما بني علیه من تقعید لا یصح کذلك، ومراد ابن حجر بإشارتهما ليس هو ما نقله الباحث عنهما. (١) " المجروحين" ١ : ١٢٥. ٢٢٩ الفصل الثالث : التدليس والذي دفع الباحث إلى هذا هو أنه لم يقف على كلام الإمامين في رميه بالتدليس، فترجمة إسماعيل من "ثقات ابن حبان" ساقطة من المطبوع، ويحتمل أنه لم يترجم له أصلاً، وكلامه فيه ورد عرضاً في ترجمة غيره. وأما كلام ابن معين فهو موجود في " التهذيبين " بعد النص الذي نقله الباحث مباشرة ، ولعل الباحث لم يتبين له معناه ، لكون ابن معين استخدم مصطلحاً غير مصطلح التدليس . وكلام ابن معين في رميه بالتدليس ، ليس في روايته عن أهل الحجاز ، بل عمن هو قوي فيهم، وهم أهل الشام، فنقل عنه مضر بن محمد الأسدي قوله: "إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلَّط ما شئت"(١). وقد یکون التدلیس غیر ثابت عمن رمي به ، فقد ذكر ابن حجر عمر بن عبيد الطنافسي فيمن وصفهم الأئمة بالتدليس(٢)، وقال أيضاً: "روينا في "الکامل" لابن عدي وغيره عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه کان یقول : حدثنا ، ثم يسكت - ينوي القطع - ثم يقول: هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها_"(٣). (١) " تاريخ دمشق " ٩ : ٤٩ - ٥٠، و"تهذيب الكمال" ٣: ١٧٤، و"تهذيب التهذيب" ٣٢٣:١، وانظر: "المجروحين" ١: ١٢٤. (٢) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٢: ٦٤١. (٣) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٦١٧:٢، و"فتح المغيث" ٢١٣:١ . ٢٣٠ الاتصال والانقطاع وعمر بن عبيد ليس له في "الكامل" ترجمة أصلاً، وليس في ترجمته في الكتب الأخرى شيء مما ذكره ابن حجر ، بل لم يرمه أحد بالتدليس مطلقاً، وهشام بن عروة لم يذكر في شيوخه ، والصنيع الذي نسبه إليه ابن حجر معروف عن عمر بن علي بن عطاء المقدمي ، فلعله اشتبه عليه، فهما بصريان من طبقة واحدة(١)، مع أنه قد ذكر المقدمي أيضاً فيمن رماه الأئمة بالتدليس ، والخلط بين الترجمتين وارد جداً ، فقد وقع ذلك أيضاً للحافظ عبدالغني المقدسي في كتابه "الكمال" حيث ذكر كلمة لأبي حاتم في تدليس المقدمي في ترجمة الطنافسي(٣). وممن رمي بالتدليس ولم يثبت عنه محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع الدمشقي ، فقد قال فيه ابن حبان : "مستقيم الحديث إذا بين السماع في خبره، فأما خبره الذي روى عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب في مقتل عثمان - لم يسمعه من ابن أبي ذئب ، سمعه من إسماعيل بن يحيى بن عبيدالله التیمي ، عن ابن أبي ذئب ، فدلس عنه ، وإسماعيل واهٍ"(٣). وكذا أشار جماعة من الأئمة إلى أنه أسقط إسماعيل (٤). (١) انظر: "تهذيب التهذيب" ٧: ٤٨٠، ٤٨٥، و"تعريف أهل التقديس" ص١٣١، و"التدليس في الحديث" لمسفر الدميني ص٣٢٢ . (٢) "تهذيب الكمال" ٢١: ٤٧٣ حاشية (٥). (٣) "الثقات" ٩: ٤٣ . (٤) انظر: "الكامل" ٦: ٢٢٥٠، و"تهذيب الكمال" ٢٥٧:٢٦. ٢٣١ الفصل الثالث : التدليس وقد ذكر الحافظ صالح جزرة حكاية ظهر منها أن إسقاط إسماعيل ليس من محمد، وإنما هو ممن بعده(١). وقد یکون رمیه بالتدليس ظاهراً ، لكن ارتكابه له نادر جداً بحيث لا يمكن اعتباره وصفاً للراوي ، كقول الترمذي المتقدم آنفاً في تدليس جرير بن عبدالحميد لحديث رواه عن هشام بن عروة ، فهو حديث واحد ، مع أن جريراً إنما ذكره في المناظرة لا على سبيل الرواية ، فقد قال البخاري : "قال محمد بن حميد : إن جريراً روى هذا في المناظرة ولا يدرون له فيه سماعاً"(٢)، والمناظرة نوع من المذاكرة، يتسامح فيها، إذ ليس المقصود فيها الرواية. وقد سئل أبو خيثمة زهير بن حرب عن جرير بن عبدالحميد هل كان يدلس لكونه لا يصرح بالتحديث كثيراً، فأجاب بأنه لا يدلس، وأوضح ذلك(٣)، وذكر ابن معين أن جريراً لا يحسن أن يدلس أصلاً، فالتدليس يحتاج إلى مهارة وخبرة(٤). وقد وقع لأبي زرعة الرازي في حديث مثل ما وقع لجرير بن عبدالحميد(٥)، (١) "تهذيب الكمال" ٢٦: ٢٥٦، وانظر: "سؤالات الآجري لأبي داود" ٢: ١٩٨-١٩٩، ٢٠٠ - ٢٠١، و"تهذيب التهذيب" ٣٩٢:٩. (٢) "العلل الكبير" ٥١٥:١ . (٣) "تاريخ بغداد" ٧: ٢٥٩. (٤) "تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين" ص ٤٧ ، وانظر: " سنن الدارمي" حديث (٤٢٢-٤٢٣). (٥) "لسان الميزان" ٣: ٨٧-٨٨، وانظر مثالاً آخر في إلجاء المذاكرة الراوي إلى الإرسال، في "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص٥٧٨ -٥٧٩. ٢٣٢ الاتصال والانقطاع وتقدمت الإشارة إلى عذرهم في ذلك(١). وقد یکون نص الناقد فیه احتمال ، فیحتاج إلى النظر في كلام غيره، کما في قول أبي الوليد الطيالسي في الربيع بن صبيح : "كان لا يدلس، وكان المبارك بن فضالة أكثر تدليساً منه" (٢). فهذا يحتمل أن يكون أراد به أنه لا يدلس كثيراً كما يفعل المبارك، وإن كان يقع منه التدليس ، ويحتمل أنه لا يدلس أبداً ، وأفعل التفضيل على غير بابه، ویترجح الثاني بأن أحداً لم يصف الربيع بن صبيح بالتدليس. وكذلك إذا اختار الباحث أن وصف الراوي بالتدليس يكفي في ثبوته أن يصفه إمام متأخر، أو توجد صورة التدليس في شيء من رواياته، فعليه أيضاً أن يتحقق من ثبوت ذلك عنه ، والأمثلة على وقوع الخلل في هذا الجانب كثيرة، تركتها خشية الإطالة(٣). ويتلخص من هذا المبحث أمور : ١ - لا يصح وصف الراوي بالتدليس وإن جاءت صورته عنه ما لم يصفه (١) انظر: المبحث الأول من الفصل الأول من "الجرح والتعديل". (٢) " التاريخ الكبير " ٣: ٢٧٩، و"الضعفاء الصغير" ص ٤٤. (٣) انظر مثلاً: "التدليس في الحديث" ص٢٠٢ ترجمة (سعيد بن سويد )، و (سعيد بن عبدالعزيز)، ص ٢٠٥ ترجمة ( عاصم بن عمر بن قتادة )، ص٢٢٤ ترجمة ( محمد بن حماد الطهراني)، ص ٢٢٧ ترجمة (محمد بن مهدي)، ص ٢٤٦ ترجمة ( يونس بن عبدالأعلى). ٢٣٣ الفصل الثالث ، التدليس بذلك أحد من أئمة النقد، وعليه فإن كثيراً ممن جمعهم المتأخرون الذين صنفوا في المدلسین ليسوا بمدلسین. ٢ - كلام أئمة النقد في وصفهم الرواة بالتدليس لا ينبغي قصره على لفظ التدلیس، بل کل کلام لهم يفهم منه ارتكاب الراوي للتدليس فهو مفيد لذلك. ٣ - بعض الرواة الذين وصفهم أئمة النقد بالتدليس لم يذكرهم المتأخرون الذين جمعوا أسماء المدلسين ، ولا شك أننا بحاجة لتضافر الجهود للوقوف على كلام النقاد. ٤ - رمي الناقد للراوي بأنه دلَّس حدیثاً ليس معناه وصفه بالتدليس، فقد يقع ذلك من الرواة على سبيل الندرة ، أو عند الضرورة، وسيأتي للأمر الرابع هذا زيادة إيضاح في المبحث السادس بعونه تعالى. ٢٣٥ الفصل الثالث : التدليس المبحث الثالث التدليس والنص على السماع أو نفيه تقدم في المبحث الأول أن الباحث حين نظره في رواية معينة لمدلِّس إنما يفعل هذا بعد ثبوت سماع ذلك الراوي ممن روى عنه، فإذا لم يثبت فالمسألة حينئذٍ تحولت إلى إثبات أصل السماع، فلا فائدة حينئذ من البحث في التدليس في الرواية المعينة ، إذ السماع لم يثبت أصلاً. وهذا أمر ظاهر ، والغرض من التذكير به هنا هو أن البحث في السماع بابه واحد، فمتى وقفنا على نص من المدلِّس أنه سمع ذلك الحديث المعین من شیخه، أو تلك الأحاديث، أو نص على عدم السماع - خرج الأمر عن موضوع التدليس، فيجزم هنا بأن الراوي قد سمع، إن كان النص على السماع، أو أنه لم یسمع، إن کان النص على عدم السماع. ومثل ذلك يقال فيما لو جاء النص على السماع أو عدمه من النقاد، فالواجب الوقوف مع كلامهم، وكذلك إذا جاء من واحد منهم ولم نقف على معارض له. والأئمة النقاد كما اشتغلوا بالبحث في أصل سماع الراوي ممن يروي عنه، اشتغلوا كذلك في الأحاديث نفسها ، وتمييز ما سمعه الراوي مما لم يسمعه ، وبذلوا في سبيل ذلك جهداً كبيراً، لا يقل عما بذلوه في البحث عن أصل سماع الراوي ممن روی عنه. وقد رأيت من الباحثين تقصيراً واضحاً في هذا الجانب ، ولذا أفردت الموضوع بمبحث خاص به، وسأذكر الآن بعض نصوص الرواة فيما سمعوه أو ٢٣٦ الاتصال والانقطاع فيما لم يسمعوه، ثم أردفها ببعض النصوص عن النقاد. فأما النوع الأول فمن النص على السماع ما رواه ابن المبارك قال : "قلت لإسماعیل بن أبي خالد: سمعت من زر بن حبیش غیر هذا الحدیث - حدیث ليلة القدر -؟ قال: لا"(١). وقول أشعث بن عبدالملك الحمراني : " كل شيء حدثتكم عن الحسن فقد سمعته منه إلا ثلاثة أحاديث : حديث زياد الأعلم ، عن الحسن ، عن أبي بكرة : " أنه ركع قبل أن يصل إلى الصف "، وحديث عثمان البتِّي، عن الحسن، عن علي في (الخلاص)، وحديث حمزة الضبي ، عن الحسن : " أن رجلاً قال: يا رسول الله ! متى تحرم علينا الميتة ؟ قال : إذا رويت من اللبن، وحانت ميرة أهلك "" (٢). ولعل مراد الأشعث ما رواه عن الحسن مما يرويه الحسن من أحاديث عن غيره، ذلك أن يونس بن عبيد - وهو من أصحاب الحسن أيضاً - أخذ من الأشعث أشياء من كلام الحسن، وقد قيل إن الأشعث لم يسمعها من الحسن، فبينهما واسطة(٣) وقول يحيى القطان: "كان سفيان (يعني الثوري) يُصَحِّح: عن واصل، (١) "المعرفة والتاريخ" ٣: ١٨٢. (٢) وفي رواية عنه أنها أربعة أحاديث، انظر: "التاريخ الكبير" ١: ٤٣١، و"الكامل" ٣٦١:١، و "تهذيب الكمال"٢٨٤:٣. (٣) انظر: " طبقات ابن سعد"٧: ٢٧٦، و"الجرح والتعديل" ١٣٥:١، ٢: ٢٧٥، والتهذيب الکمال"٢٨٢:٣. ٢٣٧ الفصل الثالث : التدليس عن أبي وائل : " أن كعب المسلم رأى مع جرير قضيباً .... "، وأردته على الآخر: " لا یشفع في حدٍ ... " فلم يحدثني به"(١). وقول سفيان بن عيينة: "لم أسمع من زياد بن علاقة إلا هذه الأربعة أحادیث، ثم حدث بحديث جرير : " بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على النصح ... "، وحديث المغيرة: " قام النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تورمت قدماه ... "، وحديث زياد بن علاقة، عن عمه قطبة بن مالك قال: " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - الفجر ... "، وحديث أسامة بن شريك: " حضرت الأعراب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوا يسألونه ، فقال: وضع الله الحرج ... "، " (٢). وقوله أيضاً : "حديث الأعراب عن ابن بحينة سمعته من الزهري" (٣). وأما النص على عدم السماع فهو كثير جداً، تقدم شيء منه آنفاً، ومنه أيضاً (١) "العلل ومعرفة الرجال"٢١٩:٣. (٢) "أخبار المكيين" ص٤١٧ . (٣) "أخبار المكيين" ص٤١٩، وفسر محقق الكتاب حديث (الأعراب) هذا بما رواه ابن ماجه حديث (١٢٠٦)، وأحمد ٥: ٣٤٥، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن الأعرج، عن ابن بحينة: " صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة - نظن أنها العصر - فقام في الثانية لم يجلس ، فلما كان قبل أن يسلم سجد سجدتين "، لفظ أحمد. ویشکل على هذا التفسير تسمیته بحدیث ( الأعراب )، ولا ذکر للأعراب فیه، فإما أنه حدیث آخر غيره، وإما أن في النسخة خطأ، ولا سيما أنه قد جاء للأعراب ذكر في الكتاب في النص الذي قبله. ٢٣٨ = ما رواه شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: "كنا نفعله على عهد رسول الله # - يعني العزل -". قال شعبة: " فقلت : أنت سمعته من جابر؟ قال: لا" (١). وروى الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " فلان في النار ينادي: ياحنان ، يا منان "، قال أبو عوانة : "قلت للأعمش: سمعت هذا من إبراهيم؟ قال: لا، حدثني به حکیم بن جبير عنه" (٢). وروى أبونعيم أيضاً، عن سفيان الثوري ، عن إبراهيم بن عقبة، عن سعيد بن المسيب قال: "إذا أدخل بطنه فهو يحرِّم، ولا أقول كما قال ابن عباس"، قال عبدالرحمن بن مهدي : "سألت سفيان عن حديث إبراهيم - يعني ابن عقبة - في الرضاع - يعني هذا الحديث - فقال: لم أسمعه، حدثني معمر عنه"(٢). وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضاً: " سألت سفيان عن حديث عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة (في الوتر لأهل القرآن) قال: لم أسمعه ، قال : وسئل عن حديث عمرو بن مرة: "كان يعز على عبد الله أن يتكلم بعد طلوع الفجر"، قال : (١) "سنن النسائي الكبرى" حديث (٩٠٩٢)، و"مسند أحمد" ٣: ٣٦٨، و"مسند الطيالسي" حديث (١٨٠٣)، وانظر: "مسند أحمد" ٣: ٣٠٩، فقد رواه ابن عيينة أيضاً، عن عمرو، عن جابر. (٢) "معرفة علوم الحديث" ص ١٠٥ . (٣) "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٢٢٤. ٢٣٩ الفصل الثالث : التدليس حدثني رجل عن عمرو بن مرة"(١). وقال يحيى القطان : "سألت سفيان عن حديث أبي إسحاق، عن أبي عمرو الشيباني: " رأيت عبدالله يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة " - فلم يصححه لي ، وقال : كتبته عن شعبة قال: حدثني أبو إسحاق ... " (٢). وقال يحيى أيضاً : "كان سفيان بن سعيد لا يصحح حديث علي بن الأقمر: " أتي أبو الدرداء بجارية ... "، كأنه لم يسمعه" (٣). وقال القطان أيضاً : "سمعت سفیان سئل عن حديث أبي إسحاق في (القارن)، فقال: لم أسمعه" (٤). وذكر الدار قطني حديث محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عبدالله ابن عتبة بن مسعود، عن عمر: "ينكح العبد اثنتين، ويطلق تطليقتين ... "، وقال: "رواه الثوري، عن محمد بن عبد الرحمن بهذا الإسناد، حدث به (يعني الثوري) بصنعاء، وقال عبد الرحمن بن مهدي: سألت سفيان عن هذا الحديث فقال: لم أسمعه من محمد، وقال علي بن المديني : حدثنا ابن عيينة قال: أنا حدثت به سفيان بن سعيد، فدل هذا على أن الثوري دلسه عن ابن عيينة، والله (١) " جامع التحصيل" ص٢٢٥. (٢) "العلل ومعرفة الرجال"٢١٥:٣. (٣) "العلل ومعرفة الرجال"٣: ٢١٥ . (٤) "العلل ومعرفة الرجال" ٣: ٢١٩. ٢٤٠ الاتصال والانقطاع أعلم"(١). وروى أبو حاتم ، عن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة، أن النبي # قال: "اقتدوا باللذين من بعدي ... " ، ثم قال أبو حاتم (والظاهر أنه ينقله عن الحميدي): "كان (يعني سفيان) يحدث به أيام الموسم عن عبد الملك بن عمير، ولم يذكر زائدة، ثم قال: لم آخذه من عبد الملك، إنما حدثناه زائدة، عن عبد الملك، وقال سفيان: إذا ذكرت لهم زائدة لم يسألوني عنه، وهذا حدیث فیه فضيلة للشیخین"(٢). ومراد سفيان أنه إذا ذكر زائدة نزل بالحديث درجة، فلم يسأل عن الحديث، وإذا دلسه عن عبد الملك بن عمير رغب التلاميذ فيه لكون عبد الملك من كبار شيوخه، وهو يحب أن ينشر الحديث لأن فيه فضيلة للشيخين ، فلذلك يدلسه، وزائدة ثقة، فلا يضر إسقاطه. وروی عمرو بن محمد الناقد قال : "حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: " أن ابن الزبير كان لا يدع شيئاً إلا خالفهم فيه - يعني بني أمية -"، قال: (١) " علل الدار قطني " ١٦٨:٢. وانظر حديثاً آخر لسفيان الثوري نص على أنه لم يسمعه، دلّسه، في: "الكامل" ٧: ٢٤٧٢، و"سنن الدارقطني" ٣: ٢٠١ . (٢) "علل ابن أبي حاتم" ٢: ٣٧٩، وانظر: "سنن الترمذي" حديث (٣٦٦٢)، و"مسند أحمد" ٥: ٣٨٢، و"مسند الحميدي" حديث (٤٤٩)، و"طبقات ابن سعد" ٢: ٣٣٤، و"مسند البزار" حديث (٢٨٢٧)، و"شرح المشكل" حديث (١٢٢٦ - ١٢٢٨)، و"شرح السنة" حديث (٣٨٩٤ - ٣٨٩٥).