النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
الفصل الثالث : التدليس
الباحث نفسه قد استدل في بحث آخر له بهذه الأحاديث الأربعة بعينها
على أن البخاري يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقي، كما هو مذهب مسلم،
ولا يشترط ثبوت التصريح بالتحديث ، بدليل أن بعض الأئمة -
كالدار قطني وغيره - تعقب البخاري في إخراجه أحاديث الحسن، عن
أبي بكرة، وأنه لم يسمع منه، فهذا - كما ترى - تناقض في الاستدلال،
فأحادیث الحسن ، عن أبي بكرة إن صح الاستدلال بها على إحدى
القضيتين - امتنع الاستدلال بها على القضية الثانية ، ويبقى النظر في
دلالتها على المراد في القضية التي يُسْتَدَلَّ بها عليها .
وقد رأيت كلاماً لباحث آخر يناقش فيه وصف ابن حجر في كتابه
"التقريب" لمجموعة من الرواة بأنهم مدلسون، وهذا نص كلام الباحث :
"ومن ذلك أيضاً (يعني من الجوانب التي هل محل انتقاد في كتاب ابن حجر)
وصف عدد من التابعين الذين لم يدركوا أحداً من الصحابة أو بعضهم وأرسلوا
أحاديثهم - بالتدليس ، مثل سليمان بن مهران الأعمش ، وحبيب بن أبي ثابت ،
ويحيى بن أبي كثير، والحسن البصري ، وأبي إسحاق السبيعي، ونحوهم،
فهؤلاء وأمثالهم إذا رووا عن الصحابة لم يقبل حديثهم إلا إذا صرحوا بالسماع
فيقبل حديثهم".
کذا قال الباحث ، وقد قلبت كلامه هذا على النار طويلاً فلم ينضج ،
ولست أجزم بمراده على التحدید ، لكن أقرب ما وقع في ذهني في تفسيره هو ما
تقدم من أن هناك عدداً من الرواة أرسلوا عمن عاصروه ولم يسمعوا منه ،
=
٢٠٢
الاتصال والانقطاع
فوصف الأئمة عملهم هذا بالتدليس ، وحينئذٍ فلا يكونون مدلسين فيما عنعنوا
فيه مما رووه عن مشايخهم الذين سمعوا منهم ، فإن كان فهمي للعبارة صحيحاً
فلا تحتاج إلى تعليق لنقدها ، إذ المجازفة فيها ظاهرة جداً .
٢٠٣
الفصل الثالث، التدليس
المبحث الثاني
التدليس وصورة التدليس
تحرر في المبحث السابق أن التدليس عند جمهور أئمة النقد هو تحديث
الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه ، أو تحديثه عمن سمع منه بشيء لم يسمعه
منه .
ومن الملاحظ أن جماعة من الرواة وقع منهم مثل هذا فأطلق عليهم الأئمة
المتقدمون وصف التدليس ، وفي المقابل جاءت صورة التدليس عن رواة آخرين
ولم يوقف على وصف لهم بذلك من أحد الأئمة، والسؤال هو: هل يصح
للمتأخر إذا وقف على راوٍ ورد عنه ارتكاب صورة التدليس وصفه بذلك ، وإن
لم يفعله المتقدمون ؟
فإن كان الجواب بالإيجاب فلا شك أن الغرض منه هو أن يأخذ هذا
الراوي حكم المدلسين ، وإن كان الجواب بالنفي فهل المقصود منع إطلاق
التسمية فقط ، مع أخذ الراوي حكم المدلسين ، أو المنع منهما جميعاً ؟
ظاهر صنيع جماعة من الأئمة المتأخرين يدل على أنهم يذهبون إلى أن العبرة
بورود صورة التدليس عن الراوي ، وإن لم يوصف بذلك من أحد ممن تقدم ،
فقد أطلقوا هذا الوصف على جماعة من الرواة غير مسبوقين بذلك ، فمثلاً
وصف ابن الجوزي بشير بن زاذان بالتدليس (١)، وكذا وصف الذهبي أبا قلابة
(١) "تعريف أهل التقديس" ص١٣٨ .
٢٠٤
الاتصال والانقطاع
الجرمي(١)، وجبير بن نفير (٢)، وخالد بن معدان بالتدليس (٣)، ووصف الهيثمي
بذلك شريح بن عبيد الحضر مي(٤)، غير مسبوقين بذلك، بل إن أبا قلابة -
بخصوصه قال فیه أبو حاتم: "لا یعرف له تدلیس" (٥).
وعلى هذا مشى الحافظ ابن حجر حين جمع أسماء المدلسين في كتاب
مستقل وهو "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" ، إلا أنه
توسع في ذلك فنحا منحى الجمع والاستقصاء ، والتعلق بأدنی سبب ، فبلغ
عددهم في هذا الكتاب مائة واثنين وخمسين راوياً .
ذكر فيهم من رماه بالتدليس إمام أو أكثر من أئمة هذا الشأن المتقدمين ،
وهؤلاء لا إشكال فيهم، كما ذكر فيهم من وصفه بذلك أحد الأئمة المتأخرين،
مثل من تقدم ذكرهم آنفاً .
وذكر فيهم أيضاً جماعة اعتمد في ذكرهم على مجيء صورة التدليس في
رواياتهم ، دون أن ينقل عن أحد وصفهم بذلك ، مثل أيوب السختياني ، ذكره
لكونه عاصر أنساً ولم يسمع منه ، ثم روى عنه بالعنعنة أحاديث ، وكذلك ابنا
عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: عبدالرحمن ، وأبو عبيدة ، بناءً على سماعهما
(١) "ميزان الاعتدال" ٤٢٦:٢ .
(٢) "تذكرة الحفاظ" ٥٢:١ .
(٣) "تذكرة الحفاظ" ١: ٩٣ .
(٤) "مجمع الزوائد" ٨٨:١ .
(٥) "الجرح والتعديل" ٥٨:٥.
٢٠٥
من أبيهما شيئاً ، وروايتهما عنه أحاديث أخر لم يسمعاها ، مع أن في ثبوت
سماعهما من أبيهما نظراً كبيراً .
وأكثر من ذلك أن ابن حجر أثبت في هذا الكتاب من وجدت منه صورة
التدليس ولو في حديث واحد ، مثل زيد بن أسلم ، وحماد بن أبي سليمان،
وخالد بن مهران الحذاء ، وعبدالله بن عطاء الطائفي .
وذكر أيضاً من لم يثبت عنه التدلیس کأبي داود الطيالسي ، حتى أنه ذكر من
هذا الضرب البخاري ومسلماً ، لكنه دافع عنهم .
وأثبت فيهم من جَرَّب التدلیس ثم رجع عنه، کیزید بن هارون ، فإنه قال:
"ما دلست قط إلا حديثاً واحداً عن عوفٍ الأعرابي، فما بورك لي فيه"(١).
وأثبت فيهم من يدلس تدليس الشيوخ فلا يسقط أحداً .
وما سار عليه ابن حجر في هذا الكتاب من أن الاكتفاء بوجود صورة
التدلیس في روایات الراوي کافٍ للحکم علیه بذلك ۔ یوافق تعلیله عدم وصف
الجمهور للصحابة الذین وقع منهم ذلك بالتدلیس ، فإنه علل ذلك بأنه تأدب
معهم(٢).
فكأنه يقرر أن هذا العمل تدليس ، وحينئذٍ فما يوجد من الرواة بعدهم من
باب أولى أنه تدليس ، فما المانع من إطلاق الوصف حينئذٍ ؟ .
(١) "تهذيب الكمال" ٢٦٨:٣٢.
(٢) "النكت على كتاب ابن الصلاح"٦٢٣:٢ .
=
٢٠٦
الاتصال والانقطاع
وبعد ابن حجر تبارى عدد من الباحثين في الاستدراك علیه ، سائرين على
منهجه، فاستدرك أحد الباحثين عليه ثمانين راوياً ، لم يذكرهم في "تعريف أهل
التقديس" ، ومن الطريف في الأمر أنهم استدركوا الحافظ ابن حجر نفسه ، فإنه
قد وصف بتدليس الشيوخ .
وحجة هؤلاء الأئمة ومن تابعهم ظاهرة ، خلاصتها أن العبرة بالمعاني لا
بالألفاظ ، فمتى وجدت صورة التدلیس فهو تدلیس ، و کونه لم يرد عن أحد من
المتقدمين لا تأثير له ، مع احتمال أن يكونوا قد وصفوا بذلك ولم يبلغنا كلامهم .
ولا شك أن هذا التوسع في الوصف بالتدليس من هؤلاء الأئمة ، لاسيما
من الحافظ ابن حجر في كتابه هذا الذي أصبح مرجعاً معتمداً لدى كثير من
المتکلمین في التصحيح والتضعيف ، وما صاحب ذلك من تشديد في قبول رواية
المدلس إذا لم يصرح بالتحديث ، كما سيأتي شرحه في المبحث التالي - قد ولّد ردة
فعل قوية لدى باحثين آخرين ، فصاروا يعيدون النظر في عمل من قبلهم ، ويبرز
في هذا الصدد رأيهم في هذه المسألة، إذ توارد عدد من الباحثين على القول بأن
من لم یوصف بالتدلیس من أحد من الأئمة - وإن وجد ذلك في روایاته - لا
ينبغي أن يوصف بالتدليس ، وعليه فلا يأخذ حكم المدلسين ، قال أحد الباحثين
بعد کلام له: "وعلى هذا فلا يرمى الراوي بالتدليس بمجرد الوقوف على ما
يظن أنه دلَّسه ... ، والمعتمد في ذلك على كلام أئمة الجرح والتعديل ، وأهل
الشأن ، هل وصموا هذا الراوي بالتدليس أم لا؟ كما هو الحال في التعديل
والتجريح، والله أعلم" .
٢٠٧
الفصل الثالث : التدليس
وقال باحث آخر : "من لم يصفه أحد أئمة الجرح والتعديل بالتدليس فلا
ينبغي أن يوصف بذلك ، فإن بعض الرواة يقع فيما يروونه ما يتطابق مع تعريف
التدليس ، ولم نجد من الأئمة من وصفهم ... ، فلا يجوز لأحد أن يصف راوياً
بالتدليس ، إلا من وصفه الأئمة من أهل الحديث بالتدليس".
ومن العجيب أن ابن حجر - وهو الذي توسع جداً في حصر المدلسين كما
تقدم آنفاً - هو السابق إلى هذه الفكرة ، أعني قصر الوصف بالتدليس على من
وصفه به الأئمة ، فقد تصدی لجمعهم في كتاب آخر له وهو "النكت علی کتاب
ابن الصلاح" ، فبلغ عددهم مائة واثني عشر رواياً ، وقال بعد أن سردهم :
"وكل من ذكر هنا فهو بحسب ما رأيت التصريح بوصفه بالتدليس من أئمة هذا
الشأن، على التفصيل ... " (١).
ولكن لا يظهر لي أن غرضه من هذا ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون ، بدلیل
أنه قد نوَّهَ هنا بكتابه الأول "تعريف أهل التقديس".
ومع أن ابن حجر قد أسقط من جمعه الأخير عدداً من الرواة الذين ليسوا
على شرطه وقد ذكرهم في الكتاب الأول ، إلا أنه أبقى منهم أفراداً لا ينطبق
عليهم شرطه، حسب ما ذكره في تراجمهم في الكتاب الأول ، مثل أيوب
السختياني ، لم ينقل عن أحد وصفه بالتدلیس ، وإنما اعتمد في ذكره على روايته
عن أنس وهو قد عاصره ولم يسمع منه، ومثل أبي قلابة الجرمي ، إنما وصفه
(١) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٢: ٦٣٦-٦٥١.
(٢٠٨
الاتصال والانقطاع
الذهبي بالتدليس ، ولم يذكر ابن حجر أن أحداً من أئمة الجرح والتعديل وصفه
بذلك ، بل قال أبوحاتم - كما تقدم آنفاً -: "لا يعرف له تدليس" ، وكذلك سالم
ابن أبي الجعد، وعكرمة بن خالد ، اعتمد ابن حجر في کتابه الأول علی وصف
الذهبي لهما بالتدليس .
فيحتمل أن يكون ابن حجر قد وقف بعد تأليفه للكتاب الأول على
وصفهم بالتدليس من إمام من أئمة هذا الشأن ، فأعادهم في الكتاب الثاني،
فسالم بن أبي الجعد قد وصفه يعقوب الفسوي بالتدليس (١)، ويحتمل أنه أبقاهم
سهواً .
فإن قيل : لعله قصد بأئمة هذا الشأن من تأخر أيضاً، فالجواب : أنه قد
أسقط رواة آخرين وصفهم المتأخرون بالتدليس ، كجبير بن نفير ، وخالد بن
معدان، وسعيد بن عبدالعزيز ، ثم إن هذا التفسير لا ينفع في مثل أيوب
السختياني، فإن ابن حجر لم يذكر أن أحداً وصفه بذلك ، لا من المتقدمين ولا
من المتأخرين .
وصنيعه هنا يشبه عمله في كتابه "التقريب" ، فإن كثيراً ممن ذكرهم في
"تعريف أهل التقديس" لم يصفه بالتدليس في "التقريب"، وربما وصف بعض
الرواة فيه بالتدليس وهو قد أسقطهم من جمعه في "النكت"، مثل أيوب بن
النجار، ليس هو على شرطه في "النكت" ، فلذلك حذفه، لكنه وصفه في
(١) "المعرفة والتاريخ" ٣: ٢٣٦.
٢٠٩
الفصل الثالث : التدليس
"التقريب" بقوله: "ثقة مدلس"(١)، ووصف في "التقريب" أناساً بالتدليس لم
يذكرهم في الكتابين، ولم يوصفوا بالتدليس من أحد من الأئمة ، مثل عطاء بن
أبي مسلم الخراساني (٣)، وعثمان بن عاصم أبي حصين (٣).
وفي المقابل فإن ابن حجر قد نظر في بعض مؤلفات من سبقه في المدلسين ،
فجمع من ذكروه فيها ، وزاد عليهم من كلام غيرهم ما وقف عليه ، لكنه مع
ذلك فاته رواة آخرون رماهم الأئمة بالتدليس ، استدرك عليه بعض الباحثين
رواة علی شرطه، وقد فاتهم أيضاً رواة آخرون، ومن هؤلاء سعيد بن جبير، قال
المروذي: "وذكر له التدلیس - یعني لأحمد بن حنبل رحمه الله -، فقال : قد دلس
قوم - وذكر الأعمش -، وذكر له مجاهد ، وسعيد بن جبير أنه يروى عنهما،
فقال: نعم "(٤).
وجعفر بن حيان أبو الأشهب ، قال أبوداود : "سمعت أحمد قال:
أبو الأشهب كانوا يرون أنه يدلس عن الحسن ... ، زعموا كان يأخذ عن
أصحاب الحسن، يعني عن الحسن" (٥).
(١) "التقريب" ص١١٩ .
(٢) "التقريب" ص٣٨٤ .
(٣) "التقريب" ص٣٩٢ .
(٤) "علل المروذي" ص٣٨.
(٥) "سؤالات أبي داود" ص٣٢٨، وانظر أيضًا: "العلل ومعرفة الرجال" ٢٦٦:١ فقرة (٣٩٤،
٣٩٦)، و"المعرفة والتاريخ" ٢: ٦٣٣، لكن يتنبه لما وقع في النسخة من سقط واضطراب، فقد
تداخل فیها کلام لأحمد في أبي الأشهب مع کلام له في محمد بن إسحاق .
-
٢١٠
الاتصال والانقطاع
وداود بن الزبرقان ، قال فيه أحمد: "إنما كتبت عنه حديثاً، وما أراه
یکذب، ولکن کان یدلس" (١).
وعبد السلام بن حرب الملائي، قال ابن محرز : "سمعت ابن نمير يقول:
قال أبو نعيم: أحاديث عبد السلام - يعني الملائي - عن سالم إنما هي أحاديث
شریك کلها، قال ابن نمیر : کان عبد السلام یدلس"().
وقال أحمد: " كنا ننكر من عبد السلام بن حرب شيئاً، كان لا يقول:
حدثنا إلا في حديث واحد أو حدیثین ، سمعته يقول فیه: حدثنا "(٣).
وجرير بن عبدالحميد، علق له الترمذي حديثاً يرويه عن هشام بن عروة ،
ثم قال : "وحديث جرير يقال: تدليس ، دَلَّس فيه جرير ، لم يسمعه من هشام
ابن عروة"(٤).
وحماد بن سلمة ، قال ابن حبان في معرض مناقشته لمن ترك الاحتجاج
بحماد: "فإن قال : كان حماد يدلس، يقال له: فإن قتادة ، وأبا إسحاق السبيعي،
وعبدالملك بن عمير ، وابن جريج، والأعمش ، والثوري، وهشيماً - كانوا
يدلسون ، واحتججت بروايتهم" (*).
(١) "مسائل إسحاق" ٢: ٢٣٠ .
(٢) معرفة الرجال ٢ : ٢٢٣.
(٣) " العلل ومعرفة الرجال " ٣ : ٤٨٥.
(٤) "العلل الكبير" ١: ٥١٥ .
(٥) "صحيح ابن حبان" ١: ١٥٤.
-
٢١١
الفصل الثالث : التدليس
والحجة لهذا القول - أعني الوقوف عند من رماهم أئمة هذا الشأن
بالتدليس - ترجع في جملتها إلى ما تكرر ذكره مراراً، وهو أننا متبعون لأئمة هذا
الفن في كل شيء، فكما نتبعهم في جرح الراوي وتعديله - نتبعهم في أحكامهم
الأخرى على الراوي ، بل إن التدليس نوع جرح في الراوي ، وقد تقدم شيء من
أقوالهم في ذم التدليس والمدلسين في المبحث الأول .
وهم مع ذمهم للتدليس والمدلسين لم يستحبوا في بادئ الأمر التنويه بمن
وصف بالتدليس صراحة ، لوقوعه من أئمة كبار ، وممن دارت عليهم الرواية ،
كما قال الحاكم: "ولم أستحسن ذكر أسامي من دلَّس من أئمة المسلمين صيانة
للحدیث ورواته" (١).
وكره أحمد وجماعة من الأئمة صنيع حسين الكرابيسي حين وضع كتاباً ذكر
فيه أسامي المدلسين، وذمُّوه لما فيه من الطعن عليهم وغمزهم(٢)، وألف
الطحاوي کتاباً في نقض کتاب الکرابيسي(٣).
على أن بعض أئمة الحديث قد صنف في المدلسين ، مع الذب عنهم ، وكان
غرضهم من ذلك صحيحاً ، إذ قصدوا حفظ السنة وصيانتها ، فعلى سبيل المثال
(١) "معرفة علوم الحديث" ص١١١.
(٢) انظر: "شرح علل الترمذي" ٨٩٢:٢-٨٩٣.
(٣) "الفهرست" لابن النديم ص ٢٦٠.
=
٢١٢
الاتصال والانقطاع
ألف فيهم ابن المديني كتاباً (١)، وكذا الدار قطني (٢)، ثم الخطيب البغدادي (٣)،
وسمى النسائي عدداً منهم في جزء صغير (4).
وفي أحايين كثيرة يكون الرمي بالتدليس من قبل الأئمة قصد به المنافحة
عن الراوي ، وذلك بتبرئته من أحاديث منكرة يرويها، فيدفعون عنه تعمد
الكذب أو الغلط ، كما تقدم آنفاً من كلام أحمد في داود بن الزبرقان .
ومثله وصفه لعبدالله بن واقد أبي قتادة الحراني ، قال عبدالله بن أحمد :
"قلت لأبي: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أنه كان يكذب ، فعظم ذلك
عنده جداً ، وقال : كان أبو قتادة یتحرى الصدق ، وأثنى عليه، وقال : قد رأيته،
یشبه أصحاب الحديث ، وأظنه کان یدلس ، ولعله کبر فاختلط" (٥).
وقال ابن المديني: " لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نافع، عن
ابن عمر، عن النبي قال: " إذا نعس أحدكم يوم الجمعة"، والزهري، عن
عروة ، عن زيد بن خالد: "إذا مس أحدكم فرجه"، هذان لم يروهما عن أحد،
(١) "الفهرست" لابن النديم ص٢٨٦، و"معرفة علوم الحديث" ص٧١، و"تاريخ بغداد"
١٠ : ٩.
(٢) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٢: ٦٥٠.
(٣) "الكفاية" ص٣٦١، وفيه: "وأخبار المدلسين تتسع، وقد ذكرت أسماءهم، وسقت كثيراً من
رواياتهم المدلسة في كتاب "التبيين لأسماء المدلسين"، وانظر أيضاً: ص ٣٥٧ .
(٤) "سؤالات السلمي للدار قطني" ص ٣٦٧ - ٣٧٠، و"سير أعلام النبلاء" ٧: ٧٤ .
(٥) "الجرح والتعديل" ٥: ١٩١، وانظر: "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٥٤ فهو فيه مطول .
٢١٣
الفصل الثالث ، التدليس
والباقون یقول: ذکر فلان ، ولكن هذا فیه: حدثنا"(".
ومراد ابن المديني أن المناكير التي في حديث ابن إسحاق سببها أنه يروي
عن ضعفاء، ومجاهيل، ثم يسقطهم تدليساً، فإذا صرح بالتحديث فالمناكير في
حديثه قليلة.
وقال الجوزجاني في روح بن جناح: "ذكر عن الزهري حديثاً معضلاً فيه
ذكر البيت المعمور، فإن كان قال: سمعت الزهري - أرجئ ونظر في أمره"(٢).
وقال عثمان بن أبي شيبة في حميد بن الربيع وقد رمي بالكذب : "أنا أعلم
الناس بحمید بن الربيع ، هو ثقة ، لكنه شره یدلس"(٣).
ومثله صنيع عدد من الأئمة مع يحيى بن أبي حية ، حيث وصفوه بالصدق
وعزوا ما في روايته من المناكير إلى تدليسه (٤).
وقال ابن حبان في عيسى بن موسى المعروف بغنجار : "اعتبرت حديثه
بحديث الثقات ، وروايته عن الأثبات مع رواية الثقات - فلم أر فيما يروي عن
(١) "المعرفة والتاريخ" ٢٧:٢، و"تهذيب الكمال" ٢٤: ٤٢٠.
(٢) "أحوال الرجال" ص٢٧١، وانظر: "الضعفاء الكبير" ٢: ٥٩، و"الكامل" ٣: ١٠٠٤.
(٣) "ميزان الاعتدال" ١: ٦١١ .
(٤) "تاريخ الدوري عن ابن معين" ٢: ٦٤٢، و"الجرح والتعديل" ٩: ١٣٨، و"الضعفاء الكبير"
٤: ٣٩٨، و"المجروحين" ٣: ١١١، و"ثقات ابن حبان" ٧: ٥٩٧، و"الكامل" ٧: ٢٦٦٩،
و"تهذيب التهذيب" ٢٠٢:١١ .
٢١٤
=
الاتصال والانقطاع
المتقنین شیئاً یوجب تر که إذا بین السماع في خبره ، لأنه کان یدلس عن الثقات ما
سمع من الضعفاء عنهم ... " (١).
وسلك ابن حبان هذه الطريقة في عدد من الرواة (٢).
ويستفاد من كل هذا أن وصف الراوي بالتدليس ليس بالأمر الهيِّن ، سواء
بالنسبة لشخصه ، أو لما يترتب على ذلك من إعطائه حكم المدلسين .
ويتأكد هذا إذا عرفنا الأسباب التي من أجلها يصف الأئمة صنيع راوٍ بأنه
تدلیس ، ثم توجد صورة هذا الصنيع عند راوٍ آخر ولا يطلقون عليه ذلك ، فإن
معرفتها تفيد في الوقوف عند كلام الأئمة في وصف الرواة بالتدليس ، وعدم
تجاوز ذلك .
وأول من رأيته تعرض لذكر هذه الأسباب هو ابن رشيد ، فإنه قال : "فإن
قيل : قد وجد الإرسال من الصحابة - رضي الله عنهم -، ومن بعدهم، ممن
يعلم أو يظن أنه لا يدلس عمن لقيه وسمع منه ، قلنا : أما حال الصحابة - رضي
الله عنهم - في ذلك ، الذین وجبت محاشاتهم عن قصد التدليس - فتحتمل
وجوهاً :
منها : أن يكونوا فعلوا ذلك اعتماداً على عدالة جميعهم ، فالمخوف في
الإرسال قد أمن ... .
(١) "الثقات" ٤٩٢:٨.
(٢) انظر مثلاً: "الثقات" ٨: ٣٠٩، و"المجروحين" ١: ٢٠٠، ١٢:٢، ٩٧، ١١٧، ٩٣:٣.
٢١٥
الفصل الثالث : التدليس
ومنها : أن يكونوا أتوا بلفظ: قال ، أو عن - ولفظ : قال أظهر -، إذ هو
مَهْيَع الكلام قبل أن يغلب العرف في استعمالهما للاتصال .
ومنها : أن يكونوا فعلوا ذلك عند حصول قرينة مفهمة للإرسال ، مع
تحقق سلامة أغراضهم ، وارتفاعهم عن مقاصد المدلسين وأغراضهم .
ومنها : أن يكونوا أتوا بلفظ مفهم لذلك ، فاختصره من بعدهم لثقة
جميعهم ....
وأما من سوى الصحابة فإنما فعل ذلك من فعله بقرينة مفهمة للإرسال في
ظنه، وإلا عُدَّ مُدَلِّساً ... ، وبالجملة فلولا ما فهم قصد الإيهام بالإفهام من جماعة
من الأعلام ما جاز أن ينسبوا إلى ذلك، ولَعُدُّوا مرسلين، كما عُدَّ من تحقق منه
أنه لا یدلس إذا أرسل" (١).
وقيد الإيهام في صنيع الراوي حتى يعدّ مدلساً ورد في كلام أئمة آخرين
قبل ابن رشيد ، مثل الخطيب البغدادي (٢)، لكن هل قصد الإيهام يفهم من مجرد
صيغة الرواية ، وذلك بأن تكون محتملة للسماع وعدمه ، أو هو أمر زائد عليها ؟
ظاهر صنيع كثير من الأئمة المتأخرين وغيرهم من الباحثين ممن جمع أسماء
المدلسين أن الإيهام يقع بمجرد صيغة الرواية ، ولهذا ذكروا في المدلسين - كما
تقدم قريباً - من وجدت منه صورة التدليس ، وإن لم ينص إمام من أهل هذا
(١) "السنن الأبين" ص٦٣ - ٦٥ .
(٢) "الكفاية" ص٣٥٧، ٣٦١.
= ٢١٦
الاتصال والانقطاع
الشأن على وصفه بذلك .
وكلام ابن رشيد ظاهر في أن الإيهام أمر زائد على مجرد الصيغة ، ويمكن
أن يستدل له بقول أبي داود : " كان ابن سيرين يرسل وجلساؤه يعلمون أنه لم
يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحواً من ثلاثين حديثاً"(١).
وبقول شعبة في التحذير من التدليس: "لأن أقع من فوق هذا القصر -
لدار حياله- على رأسي، أحب إلي من أن أقول لكم: قال فلان - لرجل ترون أنه
قد سمعت ذاك منه - ولم أسمعه" (٢).
وذكر الشيخ عبدالرحمن المعلمي أن هذا هو مقتضى كلام الإمام مسلم،
والخطيب البغدادي ، قال المعلمي : "وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي
الوجهین کان إنما يكون تدليساً إذا كان على وجه الإيهام، ويوافقه ما في
"الكفاية" للخطيب ، وذكر مسلم أمثلة فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة
عمن سمعوا منه ولم تعد تدليساً، ولا عدوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن
وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام ، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت
قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع ... "(٣).
وإذا كان هذا هو المراد بالإيهام فلا شك أن إدراك المتأخر لغرض الراوي
(١) "سؤالات الآجري لأبي داود" ٢: ٥٥.
(٢) "الجرح والتعديل" ١: ١٧٤.
(٣) التنكيل ٧٨:١ .
٢١٧
الفصل الثالث : التدليس
وهل قصد الإيهام أو لا شبه متعذر في أغلب الأحيان، وعليه فينبغي حينئذٍ
الوقوف عند أحكام أئمة النقد الأولين.
ثم إن ابن رشيد قد ذكر من وجوه الاحتمالات في عدم تسمية ما وقع من
الصحابة تدليساً - أنهم قد يكونون أتوا بلفظ مفهم لذلك - يعني للإرسال -
فاختصره من بعدهم ، وهذا المعنى ينطبق تماماً على من بعد الصحابة ، وفي
نظري أنه أهم سبب مانع من تسمية كل ما جاء على صورة التدليس تدليساً،
فقد تكون صيغة الرواية في الأصل صريحة في عدم الاتصال، كأخبرت عن
فلان، أو بلغني عن فلان ، ثم يتم تغييرها فيما بعد إلى صيغة (عن)، كما يتم
ذلك في الصيغ الصريحة في الاتصال ، وقد تقدم شرح هذا وبيانه في المبحث
الأول من الفصل الأول، وذکرت هناك مثالاً على ذلك وهو قول أحمد إن كل
روايات محمد بن سيرين عن ابن عباس فيها : نبئت عنه، لكن الموجود في
الكتب أنه يروي عنه بالعنعنة في الغالب ، وهو قد عاصره وأمكن سماعه منه،
لكن لم يسمع منه ، فلا يصح وصفه بالتدليس بمجرد هذا ، وإن كانت صورته
صورة التدليس ، إذ قد تبين أن الرواية بصيغة ( عن ) من تصرف الرواة بعد ابن
سيرين .
ومن الأمثلة أيضاً ما رواه معاذ بن هشام ، ووكيع ، ويزيد بن هارون،
وإسحاق الأزرق، وغيرهم عن هشام بن أبي عبدالله الدستوائي، عن يحيى بن
أبي كثير، عن أنس قال: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أفطر عند أهل
=
٢١٨
الاتصال والانقطاع
بيت قال : أفطر عندكم الصائمون ... " الحديث (١)، ويحيى بن أبي كثير رأى أنساً
ولم يسمع منه، كما قاله جماعة من الأئمة(٢)، وقد روى هذا الحديث عبدالله بن
المبارك ، عن هشام بن أبي عبدالله ، عن يحيى بن أبي كثير قال : حدثت عن
أنس(٣)، ورواه خالد بن الحارث - في رواية عنه - عن هشام، عن يحيى قال:
بلغني عن أنس (٤)، وفي رواية أخرى عن خالد، عن هشام، عن يحيى، أن أنساً
حدث ....
فاتضح من كل هذا أن أصل رواية يحيى لهذا الحديث مرسلة ، وأن روايته
بالعنعنة من تصرف من بعده تجوّزاً، وربما أطلق عليه بعض الأئمة أنه وهم ، كما
قال أبوزرعة : ( يحيى بن أبي كثير بلغه عن أنس ، وحديثه عنه مرسل أصح،
وهو وهم، يعني المرفوع ، يعني في حديثه عن أنس : " أفطر عندكم الصائمون،
وأكل طعامكم الأبرار ") (٢).
وحديث منصور، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي أمامة قال : " أتت النبي
: امرأة معها صَبِيّان لها ، قد حملت أحدهما ، وهي تقود الآخر ... " الحديث،
(١) "سنن النسائي الكبرى" حديث (٦٩٠١، ١٠١٢٨)، و"مسند أحمد" ١١٨:٣، ٢٠١.
(٢) "المراسيل" ص ٢٤٠ -٢٤٤ .
(٣) "سنن النسائي الكبرى" حديث (٦٩٠٢، ١٠١٣٠)، و"معرفة علوم الحديث" ص ١١٧ .
(٤) "المراسيل" ص٢٤٣.
(٥) "سنن النسائي الكبرى" حديث (١٠١٢٩).
(٦) "المراسيل" ص٢٤٣، وانظر: "سنن البيهقي" ٤: ٢٣٩.
٢١٩
الفصل الثالث : التدليس
رواه هكذا عن منصور جماعة منهم أبو الأحوص سلام بن سليم، وشريك،
وزياد البكائي ، وسفيان الثوري فيما رواه عنه مؤمل بن إسماعيل(١)، ورواه شعبة
عن منصور، عن سالم قال : ذكر لي عن أبي أمامة: " أن امرأة أتت النبي - صلى
الله عليه وسلم -... " الحدیث (٢).
وقد توجد صورة التدليس من الراوي لكن يبدو احتمال آخر أنه لم
يقصده، ومثاله أن عفان بن مسلم روى عن أبي عوانة، عن أبي إسحاق السبيعي،
عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة حديثاً ، ثم قال عفان: "وكان أبو عوانة
حدثنا بأحاديث عن أبي إسحاق، ثم بلغني بعد أنه قال: سمعتها من إسرائيل،
وأحسب هذا الحدیث منها"(».
وأبو عوانة لم يوصف بالتدليس ، وصورة فعله هذا أنه تدليس، لكن
يحتمل أن يكون وقع ذلك منه خطأ ، فظن أن هذه الأحاديث مما سمعه من أبي
إسحاق مباشرة، وقد وصفوه بأنه يخطىء إذا حدث من حفظه".
ويلتحق بهذا ما إذا كان إسقاط شيخ الراوي ليس منه، وإنما وقع ممن بعده
(١) "سنن ابن ماجه " حديث ٢٠١٣، و"مسند أحمد" ٥: ٢٥٧، ٢٦٩، و"مسند الطيالسي"
حدیث ١١٢٦ .
(٢) "مسند أحمد" ٥: ٢٥٢، و"المستدرك" ١٧٣:٤.
(٣) " مسند أحمد"٢ : ٣٨٣.
(٤) " تهذيب التهذيب" ١١ : ١١٧ -١٢٠.
٢٢٠
الاتصال والانقطاع
إما جزماً أو احتمالاً ، فلا عهدة عليه بيقين ، مثال ذلك قصة محمد بن القاسم ابن
سميع الآتية ، فقد سقط من الإسناد رجل واهٍ، بينه وبين ابن أبي ذئب، ثم تبين
أن الإسقاط ممن بعده.
وكذلك حديث جعفر بن مسافر ، عن كثير بن هشام ، عن جعفر بن
برقان، عن ميمون بن مهران ، عن عمر مرفوعاً: " إذا دخلت على مريض فمره
أن يدعو لك ... " الحديث(١)، فقد سقط من إسناده بين كثير بن هشام، وجعفر
ابن برقان رجل ضعيف جداً، وهو عيسى بن إبراهيم الهاشمي .
قال ابن حجر بعد أن ذكر ذلك : "فكأن جعفر ( يعني ابن مسافر) يدلس
تدليس التسوية ، إلا أني وجدت في نسختي من ابن ماجه تصريح كثير بتحديث
جعفر له ، فلعل كثيراً عنعنه، فرواه جعفر عنه بالتصريح، لاعتقاده أن الصيغتين
سواء من غير المدلس ، لكن ما وقفت على كلام أحد وصفه (يعني كثير بن
هشام) بالتدليس ، فإن كان الأمر كما ظننت أولاً ، وإلا فيسلم جعفر من
التسوية ، ويثبت التدليس في كثير ، والله أعلم" (٢).
وهناك احتمالات أخرى في هذا المثال، مثل أن يكون السقط وقع خطأ من
أحدهما لا على سبيل التدليس ، وقد يكون قد وقع الإسقاط كذلك من ابن
ماجه، أو من الناسخ.
(١) " سنن ابن ماجه " حديث (١٤٤١).
(٢) "تهذيب التهذيب" ٢: ١٠٧.