النص المفهرس

صفحات 541-560

جزعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
متفق عليه.
٢٧٦٨ - (١٦) وعن سعد، قال: قال رسول اللّه عَ: لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما
ينماع الملح فى الماء.
السمهودی بعد ذكر حديث أنس وأبى بكرة وغير ذلك مما ورد فى الباب ما لفظه: ويستفاد منه أن المراد من قوله فى
الأحاديث المتقدمة ((فترجف المدينة)) يعنى بسبب الزلزلة فلا يشكل بما تقدم من أنه لا يدخل المدينة رعب المسيح
الدجال فيستغنى عما جمع به بعضهم من أن الرعب المنفى هو أن لا يحصل لمن بها بسبب قربه منها خوف، أو هو عبارة
عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة إشاعة مجيئه وأن لا طاقة لأحد به فيتسارع حينئذ عليه من كان يتصف
بالنفاق أو الفسق، قاله الحافظ ابن حجر. وما قدمناه أولى - انتهى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى
الفتن ومسلم فى آخر الكتاب فى أحاديث الدجال ، وأخرجه أيضا النسائى، وأخرج أحمد نحوه.
٢٧٦٨ - قوله (لا يكيد أهل المدينة أحد) أى لا يريد بأهلها .و١٠، والكيد المكر والحيلة فى المساءة. وقال
القسطلانى: أى لا يفعل بهم كيدا من مكر وُحرب وغير ذلك من وجوه الضرر بغير حق (إلا أنماع) بسكون النون
بعد همزة الوصل آخره مهملة، أى ذاب. قال فى النهاية: ماع الشئى ويميع وانماع إذا ذاب وسال (كما ينماع الملح فى
الماء) وفى رواية مسلم من طريق أبي عبد الله القراظ عن أبى هريرة ومعد جميعا فذكر حديثا فيه (من أراد أهلها بسوء.
أذابه الله كما يذوب الملح فى الماء، وفى رواية مسلم من طريق عامر بن سعدعن أيه فى أثناء حديث: ولا يريد أحد أهل المدينة
بسوء إلا أذا به الله فى النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح فى الماء. قال عياض: هذه الزيادة أى قوله فى النار تدفع
إشكال الأحاديث التى لم تذكر فيها ، وتبين أن هذا حكمه فى الآخرة. قال: ويحتمل أن يكون المراد به أن من
أرادها فى حياة التي تريقة كفى المسلمون أمره واضمحل أمره كما يضمحل الرصاص فى النار فيكون فى اللفظ تقديم وتأخير
ويؤيده قوله أو ذوب الملح فى الماء. قال: ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرتها فلا يتم له أمر بخلاف
من أتى ذلك جهاراً، قال: ويحتمل أن يكون ذلك لمن أرادها فى الدنيا بسوء فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطانا بل
يذهبه عن قرب كما انقضى شأن من حاربها أيام بنى أمية مثل مسلم بن عقبة فإنه عوجل عن قرب فأهلك فى منصرفه من
المدينة ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك وغيرهما من صنع صنيعهما - انتهى. قال السمهودى: وهذا
الاحتمال الأخير هو الأرجح، ولیس فى الحديث ما يقتضى أنه لا یتم له ما أراد منهم بل الوعد باهلا که ولم يزل شأن
المدينة على هذا حتى فى زماننا هذا لما تظاهرت طائفة العباشى لإرادة السوء بالمدينة الشريفة لأمر اقتضى خروجهم منها
٥٤١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
متفق عليه.
٢٧٦٩ - (١٧) وعن أنس، أن النبى معَه كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة،
أوضع راحلته وإن كان على دابة حركها من حبها. رواه البخارى.
حتى أهلك الله عناتهم مع كثرتهم فى مدة يسيرة، وقد يقال المراد من الأحاديث الجمع بين إذابته بالاهلاك فى
الدنيا وبين إذابته بالنار فى الأخرى، والمذكور فى هذا الحديث هو الثانى، وفى غيره الأول ففى رواية لأحمد برجال
الصحيح من جملة حديث من أرادها بسوء يعنى المدينة أذابه الله كما يذوب الملح فى الماء، وكذا فى مسلم أيضا وفى رواية
له من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء» بالشك، والدهم بفتح الدال المهملة وإسكان الهاء أى بغائلة وأمر عظيم ،
ولذا قيل المراد غازيا مغيرا عليها، وروى النسائى من حديث السائب بن خلاد رفعه: من أخاف أهل المدينة ظالما لهم
أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله - الحديث. ولابن حبان نحوه من حديث جابر، والحديث فيه دليل على فضل المدينة،
واستدل به بعضهم على أن المدينة أفضل من مكة ولا يخفى ما فيه. قال ابن حزم: إنما فيه الوعيد على من كاد أهلها
ولا يحل كيد مسلم ، فليس فيه أنها أفضل من مكة ، وقد قال تعالى عن مكة : ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب
أليم - سورة الحج: الآية ٢٦﴾ فصح الوعيد على من ظلم بمكة كالوعيد على من كاد أهل المدينة (متفق عليه) أخرجاه
فى الحج وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ١٨٠) والنسائى.
٢٧٦٩ - قوله (فنظر إلى جدرات المدينة) بضم الجيم والدال جمع جدر بضمتين جمع سلامة والجدر جمع
جدار (أوضع) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالضاد المعجمة أى أسرع ، يقال وضع البعير أى أسرع فى مشيه وأوضعه
واكبه أى حمله على السير السريع (راحلته) وفى رواية ناقته أى حملها على السير السريع، قال القارى: الايضاع
مخصوص بالبعير، والراحلة النجيب والنجيبة من الابل، فى الحديث: الناس كابل مائة لا تجد فيها راحلة (وإن كان على
دابة) سوى الناقة كالبغل والفرس والدابة أعم من الناقة (حركها) جواب إن (من حبها) أى حرك الدابة لسرعة السير
من أجل حبه مَيفتح المدينة أو أهلها؛ فمن سبية متعلقة بقوله حركها. قال القسطلانى: وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه
عَّ حيث دعا اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها (رواه البخارى)
فى الحج فى باب من أسرع ناقه إذا بلغ المدينة، وفى فضائل المدينة قبل باب كراهية النبي روي أن تعرى المدينة،
وأخرجه أيضا الترمذى فى الدعوات بعد «باب ما يقول إذا رجع من سفره)).
٥٤٢٠
١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المنا ك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٧٠ - (١٨) وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلع له أحد، فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه،
٢٧٧٠ - قوله (طلع) أى ظهر (له أحد) قال السهيلى: سمى أحداً لتوحده وانقطاعه عن جال أخرى هناك
أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد (فقال: هذا) إشارة إلى جبل أحد (جبل يحبنا ونحبه) قال الحافظ: ظهر من
هذه الرواية أنه يزثم قال ذلك لما رآه فى حال رجوعه من الحج ـ انتهى. قلت: ويظهر من رواية عمرو عن أنس عند
البخارى فى باب من غزا بصبى للخدمة من كتاب الجهاد أنه مرئي قال ذلك لما رآه فى حال رجوعه من خيبر، ووقع فى
رواية أبي حميد عند البخارى أيضافى باب خرص التمر من كتاب الزكاة أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على
المدينة قال: هذه طابة، فلما رأى أحدا قال: هذا جبل يحبنا ونحبه. قال الحافظ: فكانه مَ ◌ّه تكرر منه ذلك القول،
والعلماء فى معنى ذلك أقوال أحدها أنه على حذف مضاف، والتقدير أهل أحد والمراد بهم الأنصار لأنهم جيرانه،
ثانيها أنه قال ذلك المسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب ، ثالثها
أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت فى حديث أبى عبس بن جبر مرفوعا
((جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة)) أخرجه أحمد ولا مانع فى جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح
منها أى الجبال وقد خاطبه مَيثم مخاطبة من يعقل فقال لم) اضطرب: اسكن أحد - الحديث. وقال السهيلى: كان مَّة
يحب الفبال الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية. قال: ومع كونه مشتقاً من الأحدية
فحركات خروفه الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه فتعاق الحب من النبي مَ ثّل به لفظا ومعنى نخص من بين
الجبال بذلك، والله أعلم. وقال الحافظ أيضا فى باب من غزا بصبى للخدمة: قبل: هو على الحقيقة ولا مانع من وقوع
مثل ذلك بأن يخلق الله المحبة فى بعض الجمادات، وقيل: هو على المجاز والمراد أهل أحد على حد قوله تعالى: ﴿واسئل
القرية) وقال الشاعر:
ولكن حب من سكن الديار - انتهى.
وما حب الديار شغفن قلبی
وقال السمهودى: قيل: المراد يحبنا أهله ونحبهم ، فحذف أهله لدلالة اللفظ عليه كما فى قوله تعالى: ﴿وأشربوا فى
قلوبهم العجل - سورة البقرة: الآية ٨٧) أى حبه ﴿واسئل القرية - سورة يوسف: الآية ٨٢) وقيل: هو
ضرب من المجاز أى نحن نحبه ونستبشر برويته، ولو كان ممن يعقل لأحبنا على سبيل مطابقة الكلام ، وقيل: يحتمل أن
يكون ذلك حقيقة وأن الله تعالى جعل فيه أو فى بعضه إدرا كا ومحبة كما جعل فى تسبيح الحصى وحنين الجذع ، ويكون
من خوارق العادات ، ويحتمل أن يكون يحبنا هنا عبارة عن نفعه لنا فى الحماية والنصرة كمن يحبنا - انتهى. وقال
النووى: الصحيح المختار أن معناه أن أحدا يحبنا حقيقة، جعل الله تعالى فيه تمييزا يحب به كما قال سبحانه
٥٤٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
أللهم إن إبراهيم حرم مكة وإنى أحرم ما بين لابتيها. متفق عليه.
وتعالى: {وإن منها لما يهبط من خشية الله - سورة البقرة: الآية ٦٩) وكما حن الجذع اليابس وكما سبح الحصى
وكما فر الحجر بثوب موسى مَّم. قال: وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه واختاره المحققون فى معنى الحديث ،
وأن أحدا يحبنا حقيقة، وقيل المراد يحبنا أهله فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه - انتهى. وقال الزرقانى:
قوله «يجبناء حقيقة كما رجحه جماعة وقد خاطبه مَفى مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب ((اسكن، فوضع الله الحب فيه
كما وضع التسبيح فى الجمال مع داود، والخدية فى الحجارة التى قال فيها {وإن منها لما يهبط من خشية الله)) وكما جن
الجذع لفراقه حتى سمع الناس حنته فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلم عليه الحجر والشجر وسبحت
الحصيات فى يده وكلمته الذراع وأمنت حوائط البيت وأسكافة الباب على دعائه مر ضى إشارة إلى مزيد حب الله إياه
حتى أسكن حبه فى الجماد وغرس محبته فى الحجر مع فضل يبسه وقوة صلابته، وقوله ((نحبه)) حقيقة أيضا. لأن جزاء
من يحب أن يحب، ولأنه من جبال الجنة كما رواه أحمد عن أبي عبس بن جبر (كما تقدم) والبزار والطبرانى ((أحد
هذا جبل يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجنة)) أى من داخلها. فلا ينافى رواية الطبرانى أيضا: أحد ركن من أركان
الجنة. لأنه ركن داخل الباب، بدليل رواية ابن سلام فى تفسيره أنه ركن باب الجنة، وقيل هو على حذف المضاف أى
يحبنا أمله وهم الأنصار لأنهم جيرانه، وكانوا يحبونه مَيثٍ ويحبهم. وقيل لأنه كان يبشره بلسان الحال إذا قدم من
-سفر بقربه من أهله ولقائهم، وذلك فعل المحب بمن يحب فكان يفرح إذا طلع له استبشارا بالأوبة من السفر والقرب
من الأهل، وضعف بما فى رواية الطبرانى عن أنس (( فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه)) بكسر المهملة
وضاد معجمة كل شجرة عظيمة ذات شوك، فحث على عدم إهمال الأكل حتى لو فرض أنه لا يوجد إلا ما لا يؤكل
كالعضاه يمضغ منه تبركا ولو بلا ابتلاع قال: وأخذ من هذا الحديث أنه أفضل الجبال. وقيل: عرفة، وقيل:
أبو قبيس: وقيل: الذى كلم اللّه عليه موسى، وقيل: قاف. قيل: وفيه قبر هارون أخى موسى عليهما السلام ولا
يصح - انتهى (اللهم إن إبراهيم حرم مكة) تقدم شرحه (متفق عليه) أخرجه البخارى فى باب خرص التمر من
كتاب الزكاة ، وفى باب من غزا بصي للخدمة من الجهاد، وفى باب قوله: ﴿اتخذ الله إبراهيم خليلا - سورة النساء:
الآية ١٢٤) من كتاب الأنبياء، وفى باب غزوة أحد من المغازى، وفى باب الحيس من الأطعمة، وفى باب ما ذكر
النبي ◌َّ وحض على اتفاق أهل العلم، إلخ. من كتاب الاعتصام، وأخرجه مسلم فى الحج فى فضل المدينة، وأخرجه
أيضا مالك فى الجامع والترمذى فى أواخر المناقب.
٥٤٤

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٧١ - (١٩) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللّه ◌َفي: أحد جبل يحبنا ونحبه.
رواه البخارى.
﴿ الفصل الثانى )
٢٧٧٢ - (٢٠) عن سليمان بن أبى عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبى وقاص أخذ رجلا يصيد فى
حرم المدينة الذى حرم رسول اللّه تَّ فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله
زيثر حرم هذا الحرم، وقال: من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه، فلا أرد عليكم
٢٧٧١ - قوله (وعن سهل بن سعد) تقدم ترجمته فى الجزء الأول (ص ١٦٦) (أحد جبل يحبنا ونحبه) تقدم
وجه تخصيصه بالذكر فى كلام السهيلى. وقال القارى: لعل وجه تخصيصه بالذكر لتحر كه به سرورا لما رقى عليه مع
أصحابه الثلاثة فقال له اثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان (رواه البخارى) فى باب خرص التمر من كتاب
الزكاة تعليقا إذ قال: وقال سليمان (بن بلال) عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن عباس (بن سهل بن سعد) عن
أبيه عن النبىِ يُّم قال: أحد جبل يحبنا ونحيه . قال الحافظ: وصله أبو على بن خزيمة فى فوائده ، وفى الباب عن أبى حميد
الساعدى عند أحمد والبخارى ومسلم وعن سويد بن عامر الأنصارى عند أحمد والطبرانى فى الكبير والضياء
فى المختارة .
٢٧٧٢ - قوله (عن سليمان بن أبى عبد الله) قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: روى عن سعد وأبى هريرة وصهيب وعنه
پعلى بن حكيم الثقفى، قال أبو حاتم: ليس بالمشهور فیعتبر حديثه، وذكره ابن حبان فى الثقات ، روی له أبوداود حديثا
واحدا فى حرم المدينة ، قلت: قال البخارى وأبو حاتم: أدرك المهاجرين والأنصار، وقال فى التقريب عنه: مقبول من
الثالثة ، أى الطبقة الوسطى من التابعين (أخذ رجلا) أى عبدا (فسابه ثيابه) بدل اشتمال أى أخذ ما عليه من الثياب
(فجاء مواليه فكلمره فيه) أى فى شأن العبد ورد سله (حرم هذا الحرم) قال الطبي: دل على أن سعداً اعتقد أن تحريمها
كتحريم مكة (وقال) أى النبى ◌َّثين (من أخذ) كذا فى المشكاة والمصابيح وجامع الأصول والمنتقى للجد بن تيمية،
وهكذا وقع فى بعضر. نسخ أبى داود وفى بعضها وجد بدل أخذ (أحدا يصيد فيه فليسلبه) زاد فى بعض نسخ أبى داود
((ثيابه)) ولفظ أحمد «من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه)) وقوله ((فليسلبه ثيابه)) ظاهر فى أنها تؤخذ ثيابه جميعها،
وقال الماوردى: يبقى له ما يستر عورته، وصححه النووى، واختاره جماعة من أصحاب الشافعى (فلا أرد عليكم
٥٤٥

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
طعمة أطعمنيها رسول اللّه تَّى، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه. رواه أبو داود.
٢٧٧٣ - (٢١) وعن صالح مولى لسعد، أن سعدا وجد عبيدا من عبيد المدينة
طعمة) بضم الطاء وكسرها ومعنى الطعمة الأكلة، وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته، قاله الشوكانى. وقال القارى:
طعمة بالضم أى رزقا (ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه) أى تبرعا، قاله الطبي. وفى رواية لأحمد ((إن شئتم أن
أعطيكم ثمنه أعطيتكم، قال الشوكانى: وبقصة سعد هذه احتج من قال إن من صاد من حرم المدينة أو قطع من شجرها
أخذ سلبه، وهو قول الشافعى فى القديم. قال النووى: وبهذا قال سعد بن أبى وقاص وجماعة من الصحابة - انتهى.
وقد حكى ابن قدامة عن أحمد فى إحدى الروايتين القول به . قال: وروى ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر - انتهى.
وهذا يرد على القاضى عياض حيث قال: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعى فى قوله القديم. وقد اختلف فى
السلب فقيل: إنه لمن سلبه، وقيل: لمساكين المدينة، وقيل: لبيت المال. قال الشوكانى: وظاهر الأدلة أنه للسالب
وأنه طعمة لكل من وجد فيه أحدا يصيد أو يأخذ من شجره - انتهى (رواه أبو داود) فى الحج، وأخرجه أيضاً
أحمد (ج ١: ص ١٧٠) وقد سكت عنه أبوداود. قال النووي: وهو صحيح أو حسن أى كما هو قاعدته فيما يسكت
عليه، وقال المنذرى: سئل أبو حاتم الرازى عن سليمان بن أبى عبد الله (المذكور فى إسناده) فقال: ليس بالمشهور
ولكن يعتبر بحديثه ـ انتهى. وقال الشوكانى: قال الذهبي: تابعى وثق، وقد روى الحاكم (ج ١: ص ٤٨٦) من
طريق بشر بن المفضل عن عبدالرحمن بن إسحاق عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه أنه كان يخرج من المدينة يريد
الخاطب من الخطاب معه شجرة رطب قد عضده من بعض شجر المدينة فيأخذ سلبه فيكلمه فيه فيقول: لا أدع غنيمة
غنمنيها رسول الله مَويّمه وأنا من أكثر الناس مالا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال الذهبي: صحيح
٢٧٧٣ - قوله (وعن صالح مولى لسعد) هذاخطاً والصواب عن صالح عن مولی لسعد کما فی أبى داود، و
الظاهر أنه سقط لفظ ((عن)) من قلم نساخ المشكاة أو وقع سهو من المصنف. قال ميرك: ويؤيد ذلك أن من صنف
فى أسماء رجال الكتب لم يذكر لسعد ،ولى يقال له صالح، وصالح هذا هو صالح بن نبهان المدنى مولى التوسة - بفتح
المثناة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة - قال الحافظ فى التقريب: صدوق اختلط بآخره ، قال ابن عدى : لا بأس
برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج ، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة - انتهى. وقال الخزرجى فى
الخلاصة: قال ابن معين: صالح مولى النوعمة ثقة حجة سمع منه ابن أبى ذئب قبل أن يخرف، ومن سمع منه قبل أن
يختلط فهو ثبت - انتهى. قلت: هذا الحديث من رواية ابن أبى ذئب عنه. وما قال المنذرى فى مختصر السنن ((صالح
مولى التومة لا يحتج بحديثه)، فهو محمول على ما روى عنه بعد الاختلاط ومولى سعد هذا مجهول كما قال المنذرى ، فنى
٥٤٦
أ

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
يقطعون من شجر المدينة فأخذ متاعهم، وقال يعنى لمواليهم: سمعت رسول اللّه مؤفى ينهى أن يقطع
من شجر المدينة شى، وقال: من قطع منه شيئا فلمن أخذه سلبه. رواه أبو داود.
٢٧٧٤ - (٢٢) وعن الزبير، قال: قال رسول اللّه عَل: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله.
الاحتجاج بهذا الحديث نظر قوى لكن يؤيده الحديث الذى قبله، وحديث مسلم من طريق عامر بن سعد عن سعد الذى
سبق فى الفصل الأول (يقطعون من شجر المدينة) أى من بعض أشجارها (فأخذ متاعهم) أى ثيابهم وما عندهم (وقال)
أى سعد (يعنى لمواليهم) بيان من الراوى للقول لهم (أن يقطع) بصيغة المجهول (وقال) أى النب منز له (من قطع منه)
أى من شجرها (نلن) أى الذى (أخذه) أى القاطع (سلبه) بفتح السين واللام أى ما عليه من الثياب وغيرها (رواه
أبو داود) فى الحج ومكت عليه، وقد تقدم أن مولى سعد مجهول لكن يؤيده الحديث الذى قبله وحديث سعد المذكور
فى الفصل الأول.
٢٧٧٤ - قوله (وعن الزير) أى ابن العوام، تقدم ترجمته (إن صيد وج) بفتح الواو وتشديد الجيم هو
الطائف، وقيل: واد بالطائف، قال ابن رسلان: هو أرض بالطائف عند أهل اللغة، وقال أصحابنا: هو واد بالطائف
وقيل كل الطائف. وقال الحازمى فى المؤتلف والمختلف فى الأماكن ((وج) اسم لحصون الطائف، وقيل لواحد منها.
(وعضاهه) بكسر العين وتخفيف الضاد كما سلف. قال الجوهرى: العضاء كل شجر يعظم وله شوك، وعند البيهقى
((عضاهه يعنى شجره)) (حرم) بفتح الحاء والراء المهملتين الحرام، كقولهم زمن وزمان، وعند البيهقى «حرام)) (محرم
لله) تاكيد للحرمة. قال الشوكانى: والحديث يدل على تحريم صيدوج وشجره، وقد ذهب إلى كراهته الشافعى حيث
قال فى الابلاء: أكره صيدوج. وجزم جمهور أصحاب الشافعى بالتحريم وقالوا: إن مراد الشافعى بالكراهة كرامة
التحريم. قال ابن رسلان فى شرح السنن بعد أن ذكر قول الشافعى فى الاملاء: وللا صحاب فيه طريقان أصحهما وهو
الذى أورده الجمهور القطع بتحريمه. قالوا: ومراد الشافعى بالكراهة كراهة التحريم ، ثم قال: وفيه طريقان أصمهما و
هو قول الجمهور يعنى من أصحاب الشافعى أنه يأثم فيؤدبه الحاكم على فعله ولا يلزمه شتى لأن الأصل عدم الضمان إلا
فيما ورد به الشرع ولم يرد فى هذا شئ. والطريق الثانى حكمه فى الضمان حكم المدينة. شجر ها وفى وجوب الضمان فيه خلاف-
انتهى. وقد قدمنا الخلاف فى ضمان صيد المدينة وشجرها. قال الخطابي فى المعالم (ج ٢: ص ٤٤٢): ولست أعلم
لحريمه وجأ معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما
كان فى وقت معلوم وفى مدة محصورة، ثم نسخ ، ويدل على ذلك قوله («وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف))
ثم عاد الأمر فيه إلى الاباحة كسائر بلاد الحل، ومعلوم أن عسكر رسول الله مطيع إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا
٥٤٧

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
رواه أبو داود ،
أهلها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيد ومرفق فدل ذلك على أنها حل مباح وليس يحضرنى فى هذا وجه غير ما
ذكرته - انتهى. قال فى عون المعبود نقلا عن غاية المقصود: فى ثبوت هذا القول أی کون تحريم وج قبل نزول
الطائف نظر لأن محمد بن إسحاق قال فى مغازيه ما ملخصه: أن رجالا من ثقيف قدموا على رسول اللّه مؤتم المدينة بعد
وقعة الطائف فضرب عليهم قبة فى ناحية مسجده وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذى يمشی بینهم وبین رسول الله {}
حتى كتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذى كتبه وكان كتاب رسول الله مؤهل الذى كتب لهم أى بعد إسلام أهل الطائف
« بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد التي رسول الله إلى المؤمنين إن عضاه وج وصيده حرام لا يعضد، من وجد يصنع
شيئا من ذلك فإنه يجلد وينزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمد وأن هذا أمر النبي محمد رسول الله
وَله وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله لما فيه ،
انتهى ملخصاً محررا من زاد المعاد. قال ابن القيم: إن وادى وج وهو واد بالطائف حرم يحرم صيده وقطع شجره، وقد اختلف
الفقهاء فى ذلك، والجمهور قالوا ليس فى البقاع حرم إلا مكة والمدينة وأبو حنيفة رحمه اللّه خالفهم فى حرم المدينة، وقال
الشافعى رحمه الله فى أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره. واحتج لهذا القول بحديثين أحدهما هو الذى تقدم،
والثانى حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن النبي ◌َّثم قال: إن صيدوج وعضاهه حرم محرم لله، رواه الإمام
أحمد وأبو داود. وهذا الحديث يعرف لمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة. قال البخارى فى تاريخه:
لا يتابع عليه. قلت: وفى سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه، والله أعلم - انتهى كلام ابن القيم. وقال
الشوكانى بعد نقل كلام الخطابى: والظاهر من الحديث تأييد التحريم، ومن ادعى النسخ فعليه الدليل لأن الأصل عدمه،
وأما ضمان صيده وشجره على حد ضمان صيد الحرم المكى فموقوف على ورود دليل يدل على ذلك، لأن الأصل براءة
الذمة ولا ملازمة بين التحريم والضمان - انتهى (رواه أبو داود) فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ١٦٥)
والحميدى (ج ١: ص ٣٤) والبيهقى (ج ٥: ص ٢٠٠) والبخارى فى التاريخ الكبير (ج ١: ص ١٤٠) كلهم من طريق
. عبد الله بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة بن الزبير عن الزبير، وفيه قصة، والحديث سكت
عنه أبوداود وكذا سكت عنه عبد الحق وتعقب بما نقل عن البخارى أنه قال (ج ٣: ص ٤٥) فى ترجمة عبد الله بن
إنسان: لم يصح حديثه، وكذا قال الأزدى وابن حبان ، وذكر الذهبى فى الميزان أن الشافعى صححه واعتمده وذكر
الخلال فى العلل أن أحمد ضعفه وذكر ابن حبان عبد الله بن إنسان فى الثقات وقال كان يخطئى، وتعقبه الذهبي فقال:
هذا لا يستقيم أن يقوله الحافظ إلا فيمن روى عدة أحاديث ، فأما عبد اللّه هذا فهذا الحديث أول ما عنده وآخره،
فإن كان قد أخطأ فحديثه مؤدود على قاعدة ابن حبان يعنى أنه إذا لم يكن عند عبد الله المذكور غير هذا الحديث فإن
٥٤٨

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
وقال محى السنة: وج ذكروا أنها من ناحية الطائف. وقال الخطابى ((أنه)) بدل ((أنها)).
٢٧٧٥ - (٢٣) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ◌َله: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت
بها، فانى أشفع لمن يموت بها.
كان أخطأ فيه فما هو الذى ضبطه؟ قال الشوكانى: مقتضى قول ابن حبان ((كان يخطئى، تضعيف الحديث فإنه ليس له
غيره، فإن كان أخطأ فيه فهو ضعيف. وقال العقيلى: لا يتابع إلا من جهة تقاربه فى الضعف. وقال النووى فى شرح
المهذب: إسناده ضعيف. وقال المنذرى فى مختصر السنن (ج ٢: ص ٤٤٢): فى إسناد هذا الحديث محمد بن عبد الله.
ابن إنسان الطائفى وأبوه فأما محمد فسئل عنه أبو حاتم الرازى فقال: ليس بالقوى، وفى حديثه نظر، وذكره البخارى
فى تاريخه الكبير (ج١: ص ١٤٠) وذكر له هذا الحديث وقال ولم يتابع عليه وذكر أباه (ج ٣: ص ٤٥) وأشار إلى
هذا الحدیث وقال لم يصح حديثه. وقال البستی: عبد الله بن إنسان روى عنه ابنه محمد ولم يصح حديثه ۔ انتهى. و
هذا يتبين عدم صحة الاستدلال بهذا الحديث على حكم مشتمل على تحريم (وقال محى السنة) أى البغوى صاحب
المصابيح فى شرح السنة (وج ذكروا) أى العلماء (أنها من ناحية الطائف) يعنى أنه موضع من نواحى الطائف (وقال
الخطابى) أى فى معالم السنن (ج ٢: ص ٤٤١) (أنه) بفتح الهمزة (بدل أنها) وهو أمر سهل لأن التذكير باعتبار
الموضع والتأنيث باعتبار البقعة .
٢٧٧٥ - قوله (من استطاع) أى قدر (أن يموت بالمدينة) أى أن يقيم بها حتى يدركه الموت ثمة (فليمت بها)
أى فليقم بها حتى يموت بها فهو تحريض على لزوم الإقامة بها ليتأتى له أن يموت فيها إطلاقا للسبب على سببه (فانى
أشفع) ولفظ ابن ماجه ((فإنى أشهد)) (لمن يموت بها) أى أخصه بشفاعتى غير العامة زيادة فى إكرامه. قال الطيبي:
أمر له بالموت فيها وليس ذلك من استطاعته بل هو إلى اللّه تعالى لكنه أمر بلزومها والإقامة بها بحيث لا يفارقها فيكون
ذلك سببا لأن يموت فيها فأطلق المسبب وأراد السبب كقوله تعالى: ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون - سورة آل عمران:
الآية ٩٧) والحديث قد استدل به على أن السكنى بالمدينة والمجاورة بها أفضل منها بمكة لأن الترغيب فى الموت فى
المدينة لم يثبت مثله لغيرها والسكنى بها وصلة إليه فيكون ترغيبا فى سكناها وتفضيلالها على غيرها، ولأنه صح (( لا
يصبر على لاوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة)) ولم يرد فى سكنى مدينة نحو ذلك، ولأنه
اختار ورث ذلك ولم يكن يختار إلا الأفضل، ولأن الإقامة بالمدينة فى حياته ويتم أفضل إجماعاً فيستصحب ذلك بعد
وفاته حتى يثبت إجماع مثله برفعه، هذا حاصل ما ذكره السندى فى اللباب والسمهودى فى وفاء الوفاء للاحتجاج لذلك،
وهما من القائلين بأفضلية المجاورة بالمدينة من المجاورة بمكة، وقد رد ذلك على القارى وابن حجر المكى من شاء البسط
٥٤٩

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
رواه أحمد، والترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادا.
٢٧٧٦ - (٢٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َ}: آخر قرية من قرى الإسلام خرابا
المدينة. رواه الترمذى،
والتفصيل رجع إلى شرح اللباب للقارى وشرح مناسك النووى لابن حجر وإلى غنية الناسك، وسيأتى شتى من الكلام
فى ذلك فى شرح حديث يحيى بن سعيد المرسل فى الفصل الثالث. وقال المناوى: وأخذ من الحديث حجة الاسلام
. ندب الإقامة بها مع رعاية حرمتها وحرمة ساكنيها ، وقال ابن الحاج: حثه على محاولة ذلك بالاستطاعة التى هى بذل
المجهود فى ذلك فيه زيادة اعتناء بها ففيه دليل على تمييزها على مكة فى الفضل لا فراده إياها بالذكر هنا . وقال القارى:
ليس هذا الحديث صريحا فى أفضلية المدينة على مكة مطلقا إذ قد يكون فى المفضول مزية على الفاضل من حيثية، وتلك
بسبب تفضيل بقعة البقيع على الحجون، إما لكونه تربة أكثر الصحابة الكرام أو لقرب ضجيعه عليه الصلاة والسلام
ولا يبعد أن يراد به المهاجرون فإنه ذم لهم الموت بمكة كما قرر فى محله. وقال النووى فى شرح مسلم وفى مناسكه:
إن المجاورة بهما جميعا مستحبة إلا أن يغلب على ظنه الوقوع فى الأمور المحظورة (رواه أحمد) (ج ٢: ص ١٠٤،٧٤)
(والترمذى) فى أواخر المناقب، وأخرجه أيضا ابن ماجه فى الحج وابن حبان فى صحيحه كمافى موارد الظمآن (ص ٢٥٥)
والبيهقى وعبد الحق (وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادا) وفى جامع الترمذى غريب من هذا الوجه من
حديث أيوب السختيانى (عن نافع عن ابن عمر) والحديث صححه أيضا عبد الحق. وفى الباب عن سبيعة بنت الحارث
الأسلمية عند البيهقى فى الشعب والبزار والطبرانى فى الكبیر نحو حديث ابن عمر، قال المنذرى: ورواته محتج بهم فى
الصحيح إلا عبد الله بن عكرمة وروى عنه جماعة ولم يجرحه أحد وعن صميتة الصحابة أخرجه ابن حبان فى صحيحه كما
فى موارد الظمآن (ص ٢٥٥) والبيهقى فى الشعب والطبرانى، وعن امرأة يتيمة كانت عند رسول الله مو ئيل من ثقيف
أنها حدثت صفية بنت أبى عبيد أن رسول اللّه مَ ثّل قال من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت - الحديث. أخرجه
الطبرانى فى الكبير ، قال الهيثمى: إسناده حسن ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبرانى.
٢٧٧١ - قوله (آخر قرية) بفتح القاف (من قرى الإسلام) بضم القاف (خرابا) قال المناوى: الخراب
ذهاب العمارة والعمارة إحياء المحل وشغله بما وضع له، ذكره الحرانى، وفى الكشاف: التخريب والإخراب الإفساد
بالنقض والإلم (المدينة) خبر وآخر مبتدأ ويجوز عكسه. والمراد بالمدينة المدينة النبوية وهى علم لها بالغلبة فلا يستعمل
معرفاً إلا فيها، والنكرة اسم لكل مدينة، ويقال فى النسبة للكل مدينى والمدينة النبوية مدنى للفرق، وفى الحديث إشارة
إلى أن عمارة الإسلام منوطة بعمارتها وهذا ببركة وجوده فيها مرّة (رواه الترمذى) فى أواخر جامعه وأخرجه أيضاً
٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
وقال: هذا حديث حسن غريب.
٢٧٧٧ - (٢٥) وعن جرير بن عبد الله، عن النبى لل قال: إن الله أوحى إلى: أى هؤلاء الثلاثة
نزلت فهى دار حجرتك: المدينة أو البحرين أو قنسرين.
ابن حبان فى صحيحه كما فى الموارد (ص ٢٥٧) كلاهما من طريق مسلم بن جنادة عن أبيه عن هشام بن عروة عن أبيه عن
أبى هريرة (وقال هذا حديث حسن غريب) لا نعرفه إلا من حديث جنادة عن هشام. قال المناوى فى شرح الجامع
الصغير: وقد رمز المصنف يعنى السيوطى لضعفه وهو كما قال، فإن الترمذى ذكر فى العلل أنه سأل عنه البخارى فلم يعرفه وجعل
يتعجب منه وقال كنت أرى أن جنادة هذا مقارب الحديث - انتهى. وذكر البخارى جنادة هذا فى التاريخ الكبير
ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وقال الحافظ فى التهذيب والذهبى فى الميزان: ضعفه أبو زرعة. وقال أبو حاتم:
ضعيف الحديث ما أقربه من أن يترك حديثه، وذكره ابن حبان فى الثقات. قال الحافظ : وقال الساجی : حدث عن
هشام بن عروة حديثا منكرا و وثقه ابن خزيمة وأخرج له فى صحيحه. وقال فى التقريب: هو صدوق له أغلاط .
انتهى. قلت: الظاهر أن الترمذى حسن الحديث لكون جنادة المذكور صدوقا، قال السبكى كغيره: إذا ضعف
الرجل فى السند ضعف الحديث من أجله ولم يكن فيه دلالة على بطلانه من أصله، ثم قد يصح من طريق أخرى وقد
يكون هذا الضعيف صادقا ثبتا فى تلك الرواية فلا يدل مجرد تضعيفه والحمل عليه على بطلان ما جاء فى نفس الأمر ..
انتهى. قالوا: وإذا قوى الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثر الطرق، بخلاف ما خف ضعفه ولم يقصر
الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد.
٢٧٧٧ - قوله (أى «ؤلاء الثلاثة) منصوب على الظرفية بقوله (نزلت) أى للإقامة بها والاستيطان فيها
(المدينة) بالجر على البدلية من الثلاثة (أو البحرين) موضع بين بصرة وعمان وقيل بلاد معروفة باليمن ، وقال الطيبي
جزيرة ببحر عمان (أو قنسرين) بكسر القاف وفتح النون الأولى المشددة ويكسر بلد بالشام وهو غير منصرف. قال
القارى: هذا الحديث مشكل فإن التى رآها وهو بمكة أنها دار هجرته وأمر بالهجرة إليها هى المدينة كما فى الأحاديث
التى أصح من هذا، وقد يجمع بأنه أوحى إليه للتخير بين تلك الثلاثة ثم عين له إحداها وهى أفضلها - انتهى. قال
شيخنا فى شرح الترمذى: وفى حديث أبى موسى عند البخارى (فى باب هجرة النبي ◌َّي إلى المدينة) عن النبي مَّ
وأيت فى المنام أتى أهاجر من مكة إلى أرض بها تخل فذهب وعلى إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هى المدينة يثرب. قال
الحافظ: ووقع عند البيهقى من حديث صهيب رفعه: أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهر انى حرتين فإما أن تكون هجر أو
يثرب. ولم يذكر اليامة. والتر مذى من حديث جرير قال: قال رسول اللّه مَثّل: إن الله تعالى أوحى إلى أى هؤلاء
٥٥١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
رواه الترمذى.
الفصل الثالث )
٢٧٧٨ - (٢٦) عن أبى بكرة، عن النبى تَثم قال: لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها
يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان. رواه البخارى.
٢٧٧٩ - (٢٧) وعن أنس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اجعل بالمدينة ضعفى
الثلاثة نزلت فذكر الحديث، ثم قال: استغربه الترمذى، وفى ثبوته نظر لأنه مخالف لما فى الصحيح من ذكر اليمامة،
لأن قنسرين من أرض الشام من جهة حلب بخلاف اليمامة فإنها إلى جهة اليمن إلا أن حمل على اختلاف المأخذ فإن
الأول جرى على مقتضى الرؤيا التى أريها ، والثانى يخير بالوحى فيحتمل أن يكون أرى أولا ثم خير ثانيا فاختار المدينة
انتهى (رواه الترمذى) فى أواخر المناقب عن الحصين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان
ابن عبد الله العامرى عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير بن عبد الله البجلي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه
إلا من حديث الفضل بن موسى، تفرد به أبو عمار ، وقد تقدم أن الحافظ قال: فى ثبوت هذا الحديث نظر لكونه
مخالفا لما فى صحيح البخارى. وقال فى تهذيب التهذيب فى ترجمة غيلان بن عبد الله ذكره ابن حبان فى الثقات وقال: روى
عن أبى زرعة عن جرير حديثا منكرا وأخرجه الترمذى وقال غريب. وقال الذهبي فى الميزان: ما علمت روى عنه
سوى عيسى بن عبيد، حديثه منكر ، ما أقدم الترمذى على تحسينه بل قال غريب.
٢٧٧٨ - قوله (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال) بضم الراء وسكون العين أى خوفه وذعره وإذا لم يدخل.
رعبه فأولى أن لا يدخل هو، وسمى الدجال مسيحا لمسحه الأرض أو لأنه بمسوح العين لأنه أعور، وذكر أفظ الدجال
بعد المسيح ليتميز عن عيسى المسيح عليه الصلاة والسلام وقد تقدم بيان ما هو المراد من عدم دخول رعب الدجال فى
المدينة فى شرح حديث أنس ((ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة)) (ها) أى لسورها (يومئذ سبعة
أبواب) أى طرق وأنقاب (على كل باب ملكان) أى اثنان أو نوعان يمينا وشمالا يحفظانها ويحرسانها منه (رواه البخارى)
فى الحج وفى الفتن وهو من أفراده لم يخرجه مسلم ولا أصحاب السنن نعم أخرجه أحمد (ج ٥: ص ٤١، ٤٣، ٤٦).
٢٧٧٩ - قوله (اللهم اجعل بالمدينة ضعفى) تثنية ضعف بالمكسر أى مثليه بناء على أن ضعف الشفى مثله وهو ما عليه أهل
اللنسة. قال الجوهرى: ضعف الشقى مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله ـ انتهى. وقال فى القاموس ضعف الشئى
بالكسر مثله وضعفاء مثلاه، أو الضعف المثل إلى مازاد، يقال: لك ضعفه، يريدون مثليه وثلاثة أمثاله لأنه زيادة غير
٠٥٢
٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
ما جعلت بمكة من البركة. متفق عليه.
٢٧٨٠ - (٢٨) وعن رجل من آل الخطاب، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
محصورة، وقول الله تعالى: ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين-سورة الأحزاب: الآية ٣٠﴾ أى ثلاثة أعذبة، ومجاز يضاعف
أى يجعل إلى الشقى شيئان حتى يصير ثلاثة .انتهى. وأما فى العرف فضعف الشئ مثلاه وضعفاء ثلاثة أمثاله وعليه جرى
الفقهاء فى الإقرار والوصية فيلزم فى الوصية بضعف نصيب ابنه مثلاه وبضعفيهثلاثة أمثاله فى قوله «أ.على ضه درهم، يلزمه
درهمان عملا بالعرف لا العمل باللغة، والمعنى هنا اللهم اجعل بالمدينة مثلى (ماجمات، كا من البركة) أى الدنيوية بقرينة قوله
فى الحديث الآخر ((اللهم بارك لنا فى صاعنا ومدنا، فلا يقال إن مقتضى إطلاق البركة أن يكون ثواب صلاة المدينة
ضعفى ثواب الصلاة بمكة، أو المراد عموم البركة لكن خصت الصلاة ونحوها بدليل خارجى ، واستدل به على تفضيل
المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة لكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول فى شئ من الأشياء ثبوت الأفضلية
على الإطلاق، وتكرير الدعاء فى حق الشام واليمن بقوله: اللهم بارك لنا فى شامنا ويمنا، للنأكيد والتأكيد لا يستلزم
التكثير المصرح به فى حديث الباب فلا يصح مناقضة الاستدلال المذكور بتكرير الدعاء الشام واليمن. قال الأبى:
ومعنى ((ضعفى ما بمكة، أن المراد ما أشبع بغير مكة رجلا أشبع بمكة رجلين وبالمدينة ثلاثة، فالأظهر فى الحديث أن
البركة إنماهى فى الاقتيات، وقال النووى: فى نفس المكيل بحيث يكفى المد فيها من لا يكفيه فى غيرها، وهذا أمر
محسوس عند من سكنها (متفق عليه) أخرجاه فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد، وفى الباب عن على بلفظ «اللهم إن إبراهيم
كان عبدك وخللك ودما لأهل مكة بالبركة وأنا عبدك ورسولك أدعو لأهل المدينة أن تبارك لهم فى مدهم وصباعهم
مثلى ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين ، (أى أدعوك أن تضاعف لهم البركة ضعفى ما باركته لأهل مكة بدعاء
إبراهيم) أخرجه أحمد (ج١: ص ١١٥، ١١٦) والترمذى فى فضل المدينة من المناقب والطبرانى فى الأوسط .
٢٧٨٠ - قوله (وعن رجل من آل الخطاب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة على ما فى نسخ المشكاة،
وكتب ميرك على الهامش («آل حاطب)) بالحاء المهملة وكسر الطاء ووضع عليه الظاهر وكتب تحته كذا فى الترغيب
النذرى ذكره القارى. قلت: قد وقع الاضطراب فى سند هذا الحديث فرواه العقيلى وكذا البيهقى فى الشعب بلفظ ((عن رجل
من آل الخطاب، ورواه أبو داود الطيالسى ومن طريقه البيهقى فى السنن بلفظ ((عن رجل من آل عمر عن عمر)) ورواه
البخارى فى تاريخه والدار قطنى فى سننه بلفظ ((عن رجل من ولد حاطب)) وفى رواية ((من آل حاطب، ثم الرجل المبهم
بعضهم يسنده عن عمر كما فى رواية البيهقى من طريق أبي داود الطيالسى وبعضهم يسنده عن حاطب وهو عند الدارقطنى
وبعضهم يرسله ولا يسنده لا عن حاطب ولا عن عمر وهو الذى ذكره البخارى والعقيلى، ورواية العقيلى بلفظ ((عن
٥٥٣

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
من زارنى متعمدا كان فى جوارى يوم القيامة، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيدا
و شفيعا يوم القيامة، ومن مات فى أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة.
٢٧٨١ - (٢٩) وعن ابن عمر مرفوعا: من حج فزار قبرى بعد موتى، كان كمن زارنى فى حياتى.
رجل من آل الخطاب)، توافق رواية الطيالسى عن رجل من آل عمر، وقيل ((الخطاب)) تصحيف من حاطب
(من زارنى) أى زيارة مشروعة (متعمدا) أى لا يقصد غير زيارتى من الأمور التى تقصد فى اتيان المدينة من التجارة
وغيرها فالمعنى لا يكون مشوبا بسمعة ورباء وأغراض فاسدة بل يكون عن احتساب وإخلاص ثواب (كان فى
جوارى) بكسر الجيم أى فى مجاورتى (ومن سكن المدينة) أى أقام أو استوان بها (وصبر على بلاتها) من حرها
وضيق عيشها وفتنة من يسكنها من الروافض وغيرهم من أهل البدع آتى فيها نظير ما كان يقع الصحابة من منافقيها
(كنت له شهيدا) أى لطاعته (وشفيما) لمعصيته. قال القارى: ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو (ومن مات فى أحد
الحرمين) أى مؤمنا (بعثه الله من الآمنين يوم القيامة) أى من الفزع الأكبر أو من كل كدورة، وفى الحديث دليل
على فضل زيارة النبى موق وفضل سكنى المدينة وفضل الموت فى أحد الحرمين، واستدل به على ندب السفر وشد الرحل
لزيارة قبر النبي ◌َب وسيأتى الكلام على هذا فى شرح الحديث التالى.
٢٧٨١ - قوله (من حج فزار قبرى بعد موتى) وفى رواية بعد وفاتى. قال القارى: الفاء التعقيبية دالة على أن
الأنسب أن تكون الزيارة بعد الحج كما هو مقتضى القواعد الشرعية من تقديم الفرض على السنة، وقد روى الحسن
عن أبى حنيفة تفصيلا حسنا وهو أنه إن كان الحج فرضاً فالأحسن للحاج أن يبدأ بالحج ثم يثنى بالزيارة ، وإن بدأ
بالزيارة جاز، وإن كان الحج ففلا فهو بالخيار فيدأ بأيهما شاء ـ انتهى. والأظهر أن الابتداء بالحج أولى لا طلاق
الحديث ولتقديم حق الله على حقه وله؛ ولذا تقدم تحية المسجد النبوى على زيارة مشهده مَ له - انتهى كلام القارى.
قلت: وما نقل عن بعض السلف من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يدون بالمدينة قبل مكة إذا حجوا ففيه أنهم علموا
ذلك بالإهلال من ميقات النبي مَثّ لقولهم ((نهل من حيث أحرم رسول اللّه ◌َوَّل، ولم يعللوه بما توهم من
توهم أن ذلك إنما كان لأجل زيارة قبر النبي ◌َّث وإن اتفق معها قصد عبادات أخرى فهو مغمور بالنسبة إليها، فلا
دلالة فى فعلهم على فضل الابتداء بالمدينة على مكة ولا على أن الابتداء بالمدينة كان لقصد الزيارة ( كان كمن زارنى فى
حياتى) فى الحديث دليل على فضيلة زيارة قبر النبي مَثَه ولا خلاف فيه بل هو أمر مجمع عليه، واستدل به السبكى ومن
وافقه على استحباب السفر لمجرد زيارة مشهده توزيع، قيل لأن الزيارة شاملة للسفر فإنها تستدعى الانتقال من مكان
الزائر إلى مكان المزور وإذا كانت الزيارة قربة كان السفر إليها قربة، وفيه أنه سلمنا أن الزيارة مطلقة شاملة السفر
٥٥٤

مرعاة المفاتيح ج1
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
رواهما البيهقى فى شعب الإيمان.
ولكن قوله تعَثّل: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، إلخ. مقيد لذلك الإطلاق، على أن لفظ الزيارة مجمل كالصلاة
والزكاة فإن كل زيارة قبر ليست قربة بالاجماع للقطع بأن الزيارة الشركية والبدعية غير جائزة فلما زار النبي ميثية القبور
وقع ذلك الفعل بيانا لمجمل الزيارة ولم يثبت السفر لزيارة القبر من فعله مثل وكذلك الصلاة والذكر شاملان للصلوات
المبتدعة والأذكار المحدثة فلو سوغ الاستدلال بمثل تلك الاطلاقات للزم جواز الصلوات والأذكار المبتدعة المحدثة
وهذا كله مبنى على أن حديث ابن عمر هذا والذى قبله ثابتان صالحان للاستدلال والاحتجاج أو الاستشهاد ودون
ذلك خرط القتاد كما ستعرف (رواهما) أى الحديثين السابقين (البيهقى فى شعب الايمان) وروى الحديث الثانى فى
السنن الكبرى أيضا (ج ٥: ص ٢٤٦) وفى الباب روايات أخرى ذكرها السبكى فى شفاء السقام وكلها ضعيفة ونائل
الزيارة مشهورة ومن أنكرها إما أنكر ما فيها من بدع وخرافات وأمور شركية أو أنكر السفر وإعمال المعطى للزيارة
لا نفس الزيارة والحديث الأول أخرجه أيضا العقيلى والدار قطنى (ص ٢٧٩، ٢٨٠) والبيهقى فى السنن والطيالسى
وغيرهم بألفاظ مختصرا ومطولا وإسناده مجهول كما قال البيهقى مضطرب اضطرابا شديدا فى منه وسنده كما بينه العلامة
ابن عبد الهادى واه جدا لا يصلح للاحتجاج ومداره على هارون بن قرعة وهو مجهول وشيخه رجل من آل الخطاب
أيضا مجهول والتفصيل فى ((الصارم المنكى فى الرد على السبكى)) للعلامة الحافظ ابن عبد الهادى الحنبلى المقدسى، وفى
((صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، للعلامة الشيخ محمد بشير المحدث السهسوانى فعليك أن تراجعهما.
والحديث الثانى وهو حديث ابن عمر أخرجه أيضا أبو يعلى والدار قطنى وابن عدى والطبرانى وابن عساكر وفى سنده
حفص بن أبى داود سلمان الأسدى القارى وليث بن أبى سليم وفى بعض طرقه الحسن بن طيب وأحمد بن رشدين وكلهم
ضعفاء مجروحون وبعضهم متروكون وضاعون. قال الإمام ابن عبد الهادى فى الصارم (ص ٥٢): اعلم أن هذا
الحديث لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح الاعتماد على مثله فإنه حديث منكر المتن ساقط الاستاد لم يصححه أحد من
الحفاظ ولم يحتج به أحد من الأئمة بل ضعفوه وطعنوا فيه وذكر بعضهم أنه من الأحاديث الموضوعة والأخبار
المكذوبة. قال: والحديث منكر جدا - انتهى. وحفص بن سليمان المذكور ضعفه الأئمة وتركوه واتهمه بعضهم
فقال أحمد ومسلم: هو متروك الحديث. وقال البخارى: تركوه. وقال على بن المدينى: ضعيف الحديث وتركته على
عمد. وقال النسائى: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال مرة: متروك الحديث. وقال ابن أبى حاتم: سألت أبي عنه
فقال لا يكتب حديثه، هو ضعيف الحديث، لا يصدق، متروك. وقال ابن خراش: كذاب، متروك، يضع
الحديث ، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وروى ابن عدى من طريق الساجى عن أحمد بن محمد البغدادى قال:
سمعت يحيى بن معين يقول: كان حفص بن سليمان كذابا. وقال أبو بشر الدولابى فى كتاب الضعفاء والمتروكين:

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٨٢ - (٣٠) وعن يحى بن سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
حفص بن سليمان متروك الحديث ، وقال البيهقى: تفرد به حفص وهو ضعيف فى رواية الحديث. وليث بن أبي سليم
مضطرب الحديث ضعفه يحيى بن معين والنسائى وغيرهما ، وقد اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك، وأما الحسن بن
الطيب البلخى فضعفه النسائى وغيره ، وكذبه مطين. وأما أحمد بن رشدين فقال ابن عدى كذبوه فإن قيل: قد
روى هذا الحديث من غير رواية حفص بن سليمان عن ليث بن أبى سليم ، ولو ثبت ضعف حفص بن سليمان فانه لم
ينفرد بهذا الحديث، وقول البيهقى أنه تفرد به بحسب ما اطلع عليه وقد جاء فى معجم الطبرانى الكبير والأوسط متابعته
فقد قال الطبرانى: حدثنا أحمد بن رشدين حدثنا على بن الحسين بن هارون الأنصارى حدثنا الليث ابن بنت الليث بن
أبى سليم قال حدثنى جدقى عائشة بنت يونس امرأة الليث بن أبى سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله
مَّ : من زار قبرى بعد موتى كان كمن زارنى فى حياتى. فالجواب أن يقال: ليس هذا الاسناد بشئ يعتمد عليه
ولا هو ما يرجع إليه بل هو إسناد مظلم ضعيف جدا لأنه مشتمل على ضعيف لا يجوز الاحتجاج به ومجهول لم يعرف
من حاله ما يوجب قبول خبره وابن رشدين شيخ الطبرانى قد تكلموا فيه وعلى بن الحسين الأنصارى ليس هو ممن يحتج
بحديثه والليث ابن بنت الليث بن أبى سليم وجدته عائشة مجهولان لم يشتهر من حالهما عند أهل العلم ما يوجب قبول
روايتهما ولا يعرف لهما ذكر فى غير هذا الحديث وليث بن أبى سليم قد تقدم ما فيه من الكلام، والحاصل أن هذا
المتابع الذى ذكر من رواية الطبرانى لا يرتفع به الحديث عن درجة الضعف والسقوط ولا ينهض إلى رتبة تقتضى.
الاعتبار والاستشهاد لظلمة إسناده وجهالة رواته وضعف بعضهم واختلاطه واضطراب إسناده، ولو كان الإسناد إلى
ڤیث بن أبى سلم صحيحا لكان فيه ما فيه فكيف والطريق إليه ظلمات بعضها فوق بعض ، کذا فى الصارم المنکی (ص ٦٢،
٦٣) وقال الحافظ فى التلخيص (ص ٢٢١) بعد ذكر تخريج هذا الحديث وتفصيل طرقه والكلام فى أسانيده وییان ما
وقع فيه من الاختلاف فى منته وسنده ما نصه: فائدة: طرق هذا الحديث كلها ضعيفة لكن مصدره من حديث ابن عمر أبو على بن
السكن فى إيراده إياه فى أثناء الصحاح له وعبد الحق فى الأحكام فى سكوته عنه، والشيخ تق الدين السبكى من المتأخرين
باعتبار مجموع الطرق - انتهى. قلت: ومن وقف على ما فى سند حديث ابن عمر من الكلام لا يخفى عليه ما فى صنيع
ابن السكن وعبد الحق من التساهل والاعمال، وأما تصحيح السبكى إياه باعتبار مجموع الطرق فقد ناقشه فى ذلك ابن
عبد الهادى حديثا حديثا وبين ما فى كلامه من الخطأ والتعشف والزيغ والفساد من أحب الوقوف على ذلك وعلى
اختلاف العلماء فى مسألة زيارة قبر النبي مثل رجع إلى الصارم المنكى .
٢٧٨٢ - قوله (وعنیحی بن سعید) الأنصارى التابعی قد تقدم ترجمته فى الجنائز (أن رسول ٹے كان) وفى
٥٥٦
١
..

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
جالساً وقبر يحفر بالمدينة، فاطلع رجل فى القبر فقال: بئس مضجع المؤمن. فقال رسول الله
بئس ما قلت. قال الرجل: إنى لم أرد هذا إنما أردت القتل فى سبيل الله فقال رسول الله
لا مثل القتل
الموطأ ((قال كان رسول اللّه وَ ليل)) قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أحفظه مسندا ولكن معناه موجود من رواية
مالك وغيره (جالسا) أى فى المقبرة (وقبر) الواو حالية (يحفر) لميت (بالمدينة) كذا فى النسخ المصرية للوطأ ووقع
فى الهندية ((فى المدينة)) وكلام الزرقانى يشير إلى أن الأولى رواية يحيى حيث قال: ولابن وضاح ((فى المدينة)) انتهى.
قال الباجى: يحتمل أن يكون قصد ذلك لمواصلة من كان القبر يحفر بسبه أو لفضل المقبور فيه وديته أو للاتعاظ به ،
ويحتمل أن يكون جلس لغير ذلك فصادف حفر القبر - انتهى. قلت: والظاهر هو الأول، والله أعلم (فاطلع) بتشديد
الطاء أى نظر (رجل فى القبر فقال) أى الرجل المطلع (بئس مضجع المؤمن) بفتح الميم والجيم بينهما ضاد معجمة موضع
الضجوع جمعه مضاجع. قال القارى: مضجع المؤمن بفتح الجيم مرقده ومدفنه. قال الطيبي: أى هذا القبر يمنى
المخصوص بالذم محذوف، والمعنى كون المؤمن. يضجع بعد موته فى مثل هذا المكان ليس محمودا - اتهى. وقال
الباجى: قول المطلع (( بئس مضجع المؤمن)) يحتمل ظاهر اللفظ أن يريد بذلك المكان وقد يتأوله على ذلك من يسمعه
منه فلو أقره النبى تَّ لاعتقد بعض السامعين له أن النبى مَّنُ قد أقره على قوله إن المدينة المنورة بئس مضجع
المؤمن - انتهى (بئس ما قلت) أى حيث أطلقت الذم على مضجع المؤمن. مع أن قبره روضة من رياض الجنة
([فى لم أرد) بصيغة المتكلم من الارادة من باب الافعال (هذا) أى ذم القبر، وقال القارى: أى هذا المعنى أو هذا
الإطلاق (إنما أردت القتل فى سبيل الله) أى أردت أن الشهادة فى سبيل الله أفضل من الموت على الفراش قال الباجى
قوله ((بئس ما قلت)) يحتمل إما أنه قد أراد عيب القبر وتفضيل الشهادة لكن اللفظ لما كان فيه من الاحتمال ما ذكرناه
أفكر عليه اللفظ دون المعنى، ويحتمل أن يكون على هذا الوجه أنكر عليه اللفظ والمعنى لأنه لا يجوز أيضا أن يقول فى
القبر بئس مضجع المؤمن لأنه له روضة من رياض الجنة وسبب إلى الرحمة والدرجة الرفيعة وإنما يجب أن يقول إن
الشهادة أفضل من هذا فإذا كان الأمران فاضلين وأحدهما أفضل من الآخر وجب أن يقال هذا أفضل من هذا ولا
يجوز أن يقال فى المفضول بئس هذا الأمر، وأما المعنى الثانى فأن يكون النبى مَّثين اعتقد أنه أراد بذلك ذم الدفن
بالمدينة ولذلك لم ينكر على القائل إذ قال لم أرد هذا يا رسول الله وإنما أردت القتل فى سبيل الله، ولو كان فهم منه
هذا لكان الأظهر أن يقول له قد فهمت مرادك ولكن هو مع ذلك خطأ فإنك قد جئت بلفظ مشترك أو عبت
المنفضول مع فضله (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) تقريرا لمراده (لا مثل القتل) بالنسب أى ليس شئ مثل القتل
٥٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
فى سبيل اللّه، ما على الأرض بقعة أحب إلى أن يكون قبرى بها منها.
(فى سبيل الله) فى الثواب والفضل ولكن للدفن بالمدينة مزيد الفضل، وقوله لا مثل القتل كذا فى جميع نسخ المشكاة أى
بالإضافة، وفى الموطأ لا مثل القتل. ثم ذكر تمتع فضيلة من يموت ويدفن فى المدينة سواء يكون بشهادة أو غيرها
فقال (ما على الأرض بقعة) بضم الموحدة فى الأكثر فيجمع على بقع كغرفة وغرف وتفتح فتجمع على بقاع مثل كلية
وكلاب أى قطعة (أحب) بالرفع وقيل بالنصب وفى الموطأ (هى أحب» (أن يكون قبرى بها) أى بتلك البقعة (منها) أى
من المدينة. قال الباجى: ظاهره تفضيل المدينة على ما سواها من الأرض ولذلك أحب أن يكون قبره بها وهذا يقتضى
أنه أحب أن يكون قبره بها دون مكة، وقد قيل إن ذلك لمعنى الهجرة، قال الباجى: وليس عندى بالبين لأنه لو كان كذلك لم
يعلق الحكم بالبقعة ولعلقه بالهجرة والله أعلم. وهذا فى حال الاخبار وليس فيه دليل على أنه فضل أن يكون قبره بالمدينة
على القتل فى سبيل الله على صفة لا يقبر فيها - انتهى. وقال القارى: قد أجمع العلماء على أن الموت بالمدينة أفضل بعد
اختلافهم أن المجاورة بمكة أفضل أو بالمدينة، ولهذا كان من دعاء عمر رضى الله عنه ((اللهم ارزقنى شهادة فى سيلك
واجعل موتى بلد رسولك)) أخرجه البخارى. وقال الطبي: معنى قوله «إنى لم أرد هذا، إلخ. أنى ما أردت أن القبر
بئس مضجع المؤمن مطلقا بل أردت أن موت المؤمن فى الغربة شهيداً خير من موته فى فراشه وبلده وأجاب رسول الله
مَّ بقوله لا مثل القتل، أى ليس الموت بالمدينة مثل القتل فى سبيل الله أى الموت فى الغربة بل هو أفضل وأكمل،
فوضع قوله ما على الأرض بقصة، إلخ. موضع قوله بل هو أفضل وأكمل فإذا لا بمعنى ليس واسمه محذوف
والقتل خبره - انتهى. قال القارى : .. بظاهره يخالف ما عليه الاجماع من أن الشهادة فى سبيل الله أفضل
من مجرد الموت بالمدينة، بل تقدم فى الحديث ما يدل على أن الموت فى الغربة أفضل من الموت بالمدينة فتكون الفضيلة
الكاملة أن يجمع له ثواب الغربة والشهادة بالدفن بالمدينة -انتهى. قلت: أراد القارى بقوله بل تقدم فى الحديث، إلخ. ما
مر فى أوائل الجنائز من حديث عبدالله بن عمرو قال: توفى رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه التى تمثل فقال: يا ليته
مات بغير مولده، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله ؟ 45:إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع
أثره فى الجنة. وتقدم أيضاً ما رواه ابن عباس مرفوعا «موت غربة شهادة)» وحديث عبد الله بن عمرو بظاهره
يخالف الحديث الذى نحن فى شرحه ولذا قال القارى فى تأويله: ظاهره تخصيص أهل المدينة من عموم ما اتفق عليه
العلماء من أن الموت بالمدينة أفضل من مكة مع اختلافهم فى أفضلية المجاورة فيهما - انتهى. وقال الشيخ سلام الله
الدحلوى فى المحلى شرح الموطأ: قوله (( لا مثل القتل)) أى ليس الموت فى المدينة مثل القتل فى سبيل الله بل هو أفضل،
وقوله ما على الأرض، إلخ. دليل على الأفضلية هكذا فسر الطيبي فعلم منه أن الموت والدفن فيها أفضل من الشهادة. قال
٥٥٨

مرجة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
ثلاث مرات. رواه مالك مرسلا.
ڕۆے ، وهو
٢٧٨٣ - (٣١) وعن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله
بوادى العقيق
ججى الشيخ الأجل الدهلوى: وقد يختلج أن الظاهر على هذا التقدير أن يقال ليس القتل فى سبيل الله مثل الموت فى
المدينة، ويحتمل أن يكون معناه فعم ليس الموت بالمدينة مثل القتل فى سبيل الله بل القتل أفضل ولكن إن لم يرزق
الشهادة فالموت بالمدينة والقبر فيها أفضل من الموت فى سائر البلاد، وهذا احتمال لفظى، ولا شك أن المعنى الأول
أبلغ وأدخل فى فضلة المدينة - انتهى. قال الشيخ سلام الله: ويشهد لما قاله الشيخ إيراد الامام مالك هذا الحديث
فى أبواب فضائل الجهاد ولو كان المعنى كما فسره الطبى كان ينبغى إيراده فى أبواب فضائل المدينة فى آخر الكتاب -
انتهى. هذا وقد ظهر بما ذكرنا من كلام الباجى والقارى والطبي وصاحب المحلى أن مهنا ثلاثة مسائل متقاربة يمكن
أن تلتبس على القارى، الأولى أن القتل فى سبيل الله أفضل من الموت بالمدينة عند الجمهور وقد ادعى القارى الإجماع على
ذلك خلافا لما يدل عليه كلام الطبى من أن الموت والدفن فى المدينة أفضل من الشهادة. والثانية أن الموت بالمدينة
أفضل من الموت فى الغربة كما هو نص آخر حديث الباب. والثالث أنه قد استدل بعضهم بحديث الباب على أفضلية
المدينة على مكه وقد تقدم بان الخلاف فى ذلك. قال القارى: ليس فى الحديث دلالة على أفضلية المدينة بل الأفضلية
البقمة المكينة، وقد قام الإجماع على أنها أفضل من مكة (ثلاث مرات) قال القارى: ظرف لجميع المقول الثانى أو
الفصل الثانى من الكلام - انتهى. قال الباجى: وإنما قال ذلك ثلاث مرات لما علم من حاله أنه كان إذا قال قولا كوره
ثلاثا يريد بذلك الافهام والبيان - انتهى، وفى الحديث حضوره توزيع الجنائز وحفر القبر والدفن للوعظة والاعتبار
ورة القلب ليتأسى به فيه ويكون سنة بعده وأن الكلام يحمل على ظاهره فيحمد على حسنه ويلام على عنده حتى يعلم
مراد قالله فيحمل عليه دون ظاهره، قاله الزرقانى (رواه مالك) فى الجهاد (مرسلا) لأنه روى عن يحيى بن سعيد
الأنصارى وهو من التابعين ، وإذا حذف التابعى ذكر الصحابى يسمى الحديث مرسلا، وقد تقدم أن ابن عبد البر
قال: هذا الحديث لا أحفظه مسنداً ولكن معناه موجود من رواية مالك وغيره .
٢٧٨٣ - قوله (سمعت رسول الله توزيع وهو بوادى العقيق) كذا فى المشكاة وجامع الأصول والمنتقى، و
كذا عند أحمد، ولفظ البخارى فى الحج («سمعت النبي تَوث بوادى العقيق) أى بدون لفظة هو. قال العينى: قوله
بوادى الدقيق حال والباء بمعنى فى - انتهى. والمراد بالعقيق هنا الموضع القريب من ذى الحليفة، ينه وبين المدينة أربعة
أميال وهناك أعقة أخرى غير هذا . منها العقيق الذى بحذاء ذات عرق ميقات أهل المشرق، وقد تقدم ذكره فى
٥٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
يقول: أتانى الليلة آت من ربى فقال: صل فى هذا الوادى المبارك. وقل عمرة فى حجة.
المواقيت. وقال الشيخ أحمد شاكر فى شرح المسند: العقيق ههنا أى فى حديث عمر مر الذى يبطن وادى ذى الحليفة
وهو الأقرب منها كما قال ياقوت فى معجم البلدان وكما فسره الوليد بن مسلم هنا (حيث قال أحمد بعد تمام الحديث:
قال الوليد بن مسلم يعنى ذا الحليفة) ووهم ابن الأثير فى النهاية لجعله العقيق الذى بالمدينة - انتهى (آت) فاعل أتى وأصله
آتى فأعل إعلال قاض، وهو جبريل. قال العينى: صرح فى رواية البيهقى أنه جبريل عليه الصلاة والسلام (من ربى)
أى جامى البارحة من عنده (صل) أمر بالصلاة. قال الكرمانى: ظاهره أن هذه الصلاة صلاة الإحرام، وقيل
كانت صلاة الصبح والأول أظهر (فى هذا الوادى المبارك) يعنى وادى العقيق (وقل عمرة فى حجة) برفع عمرة فى
أكثر الروايات وبنصبها فى بعضها، أما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير: قل هذه عمرة فى حجة
وأما وجه النصب فيإضمار فعل تقديره ((قل جعلت عمرة فى حجة)) وقوله ((فى)) بمعنى مع كأنه قال عمرة معها حجة،
فيكون دليلا على أنه ومؤثم كان قارنا، وأبعد من قال: معناه عمرة مدرجة فى حجة أى إن عمل العمرة يدخل فى عمل
الحج فيجزئى لهما طواف واحد ، وكذا أبعد من قال معناه: أنه يعتمر فى تلك السنة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع
إلى منزله. وهذا أبعد من الذى قبله لأنه مَّئية لم يفعل ذلك. وقال الطبرى: يحتمل أن يكون أمر أن يقول ذلك
لأصحابه ليعلمهم مشروعية القران، والمعنى ((قل ذلك لأصحابك)) أى أعليهم أن القران جائز، وهو كقوله: دخلت
العمرة فى الحج. واعترضه ابن المنير فقال: ليس نظيره لأن قوله ((دخلت، إلخ. تأسيس قاعدة وقوله ((عمرة فى
حجة)) بالتنكير يستدعى الوحدة ، وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القران إذ ذاك. قال الحافظ: ويؤيده ما فى كتاب
الاعتصام بلفظ ((عمرة وحجة)) بواو العطف، وفى الحديث فضل العقيق لفضل المدينة وفيه فضل الصلاة فيه
ومطلوبيتها عند الإحرام لاسيما فى هذا الوادى المبارك وهو مذهب العلماء كافة إلا ما روى عن الحسن البصرى فإنه
استحب كونها بعد فرض ، وقال الطبرى: ومعنى الحديث الإعلام بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه لقيام الاجماع
على أن الصلاة فى هذا الوادى ليست بفرض قال: فبإن بذلك أن أمره بالصلاة فيه نظير حثه لأمته على الصلاة فى
مسجده ومسجد قباء، قال العينى: الصلاة بركعتين من سنة الإحرام لأنه تَّم أمر بذلك أمر إرشاد وأنه على
ركعتين. وفيه أفضلية القران والدلالة على وجوده وعلى أن النبي مَثّ كان قارنا فى حجة الوداع وذلك لأنه أمر
أن يقول عمرة فى حجة، فيكون مأمورا بأنه يجمع بينهما من الميقات وهذا هو عين القران ، فإذا كان مأمورا به
استحال أن يكون حجه خلاف ما أمر به، فإن قلت: لا يدل ذلك على أفضلية القران ولا على كون التي تَّ}
قارنا؛ لأنه جاء فى رواية أخرى ((قل عمرة وحجة)) ففصل بينهما بالواو لحينئذ يحتمل أن يريد أن يحرم بعمرة إذا فرغ
٥٦٠