النص المفهرس
صفحات 521-540
مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف، رواه مسلم . ٢٧٥٨ - (٦) وعن عامر بن سعد، أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع جراً أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم. فقال: معاذ الله أن أرد شيئا ففلنيه رسول اللّه عليه، وأبى أن يرد عليهم. قال هو أن لا يهراق بها دم، وليس من المفعولية فى شئى إذ لو كان متعلقا لقوله (( إنى درمت)) لكان من حقه أن يقول أن يهراق بها دم، وقيل: إنه مفعول ((حرمت)) على زيادة «لا، مثل لثلا يعلم أهل الكتاب. أى لكى يعلم، أو على المفعول له أى لئلا بهراق، قال القارى: والمراد من نهى إراقة الدم النهى عن القتال المفضى إلى إراقة الدم، لأن إراقة الدم الحرام ممنوع عنه على الإطلاق، والمباح منه لم تجد فيه اختلافا يعتد به عند العلماء إلا فى حرم مكة ، وقيل لا يسفك دم حرام لأن سفك الدم الحرام فى مكة والمدينة أشد تحريما ، وقوله (ولا يحمل فيها سلاح) بكسر السين (لقتال) يؤيد القول الثانى ، لأن التأسيس أولى من التاكيد (ولا تخبط) بالتأنيث والتذكير (فيها شجرة) أى لا تضرب ليسقط أوراقها (إلا لعلف) قال النووى: هو بإسكان اللام وهو مصدر علفت علفا، وأما العلف بفتح اللام فاسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها ، وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف وهو المراد هنا بخلاف خبط الأغصان وقطعها فإنه حرام (رواه مسلم) مطولا، وكذا البيهقى (ج ٥: ص ٢٠١). ٢٧٥٨ - قوله (وعن عامر بن سعد) أى ابن أبى وقاص أحد العشرة المبشرة (أن سعدا) هو أبوه (ركب إلى قصره بالعقيق) اسم موضع قريب من المدينة ، وقال ابن حجر: قريب من ذى الحليفة فكانه من طرفها (يقطع شجرا) أى شجر حرم المدينة (أو يخبطه) بكسر الباء أى يخبط ورق شجر بضرب أو رمى حجر (فسلبه) أى أخذ ثيابه والسلب بفتحتين المسلوب (فلما رجع سعد) أى إلى المدينة (أو عليهم) شك من الراوى (معاذ الله) بفتح الميم مصدر لفعل مقدر أى أعوذ بالله معاذا (نغلنيه) بتشديد الفاء أى جعله لى نفلا بالتحريك أو أعطانيه ففلا أى غنيمة بإذنه لكل من رأى صائدا أو قاطع شجر أن يأخذ سلبه (وأبى أن يرد عليهم) قال النووى: هذا الحديث صريح فى الدلالة لمذهب مالك والشافعى وأحمد والجماهير فى تحريم صيد المدينة وثيرها كما سبق، وخالف فيه أبو حنيفة كما قدمناه عنه، وقد ذكر مسلم فى صحيحه تحريمها مرفوعا عن النبي ◌َّل من رواية على بن أبى طالب وسعد بن أبى وقاص وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأبی سعید وأبى هريرة وعبد الله بن عبيد ورافع بن خديج وسهل بن - يف وذكر غيره من رواية غيرهم أيضا فلا يلتفت إلى من عالف هذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة. وفى هذا الحديث دلالة لقول الشافعى القديم ٥٢١ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى رواه مسلم. ٢٧٥٩ - (٧) وعن عائشة، قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أن من صاد فى حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه ، وبهذا قال سعد بن أبى وقاص وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم. قال القاضى عياض: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعى فى قوله القديم وخالفه أئمة الأمصار. قلت (قائله النووى): ولا تضر مخالفتهم إذا كانت السنة معه، وهذا القول القديم هو المختار لثبوت الحديث فيه وعمل الصحابة على وفقه، ولم يثبت له دافع، قال أصحابنا فإذا قلنا بالقديم ففى كيفية الضمان وجهان أحدهما يضمن الصيد والشجر والكلا كضمان حرم مكة، وأصحهما وبه قطع جمهور المفرعين على هذا القديم أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلاً، وعلى هذا فى المراد بالسلب وجهان أحدهما أنه ثيابه فقط ، وأصحهما وبه قطع الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته وغير ذلك مما يدخل فى سلب القتيل وفى مصرف السلب ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها أنه للسالب وهو الموافق لحديث سعد، والثانى أنه لمساكين المدينة، والثالث لبيت المال ، وإذا سلب أخذ جميع ما عليه إلا ساتر العورة، وقيل يؤخذ ساتر العورة أيضا، قال أصحابنا: ويسلب بمجرد الاصطياد سواء أتلف الصيد أم لا - انتهى. هذا وقد تقدم أن حديث تحريم المدينة وحديث السلب منسوخ أو مؤول عند الحنفية، وتقدم الجواب أيضا عن ذلك (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١، ص ١٦٨، ١٧٠) والبيهقى (ج ٥: ص ١٩٩) وأخرج ابو داود والحاكم (ج ١: ص ٤٨٦) والبيهقى أيضا (ج ٥: ص ١٩٩) نحوه. ٢٧٥٩ - قوله (لما قدم رسول الله مثل المدينة) فى الهجرة يوم الاثنين لثنتى عشرة خلت من ربيع الأول فى أحد الأقوال قاله الزرقانى، وفى رواية البخارى فى آخر الحج ((قالت: وقدمنا المدينة وهى أوبأ أرض الله)) بالهمز بوزن أفعل من الوباء والوباء مقصور بهمز وبغير همز وهو المرض العام . وقد أطلق بعضهم على الطاعون أنه وباء لأنه من أفراده لكن ليس كل وباء طاعونا. قال الحافظ: الوباء أعم من الطاعون ، وحقيقته مرض عام ينشأ عن فساد الهواء، وقد يسمى طاعونا بطريق المجاز. وفى رواية مسلم ((قدمنا المدينة وهى ويشة)) بهمرة ممدودة يعنى ذات وباء. قال الحافظ : وما كان وباء المدينة إلا حی كما هو مبين فى حديث عائشة. قال: وزاد محمد بن إسحاق فى روايته عن هشام ابن عروة قال هشام: وكان وباؤها معروفا فى الجاهلية، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وباتها قيل له: إنهق فينهق كما ينهق الحمار وفى ذلك يقول الشاعر: نهيق حمسار إنى المروع لعمری لتن غنيت من خيفة الردى انتهى. قال عياض: قدومه وَّن على الوباء مع صحة نهيه عنه لأن النهى إنما هو فى الموت الذريع والطاعون، والذى A,, ° مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى : وعك أبو بكر وبلال، فجئت رسول اللّه مثلى فاخبرته، بالمدينة إنما كان وخما يمرض بسببه كثير من الغرباء، يعنى أن المنهى عنه إنما هو فى القدوم على الوباء الذريع والطاعون وما كان بالمدينة ليس كذلك، وإنما كان مجرد حى تشتد وقطول مدتها بالنسبة إلى الغرباء ولا يغلب الموت بسببها ، قال عياض: أو أن قدومه المدينة كان قبل النهى، لأن النهى كان فى المدينة بعد استيطانها - انتهى. وقال الحافظ: لا يعارض قدومه على المدينة وهى بهذه الصفة نهيه وي عن القدوم على الطاعون لأن ذلك قبل النهى، أو أن النهى يختص بالطاعون ونحوه من الموت الذريع لا المروض لوعم (وعك) بضم الواو وكسر العين على صيغة المجهول أى أصابه الوعك وهو الحمى، وقيل هو مغث الحى وهو ممارستها المحموم حتى قصرعه (أبو بكر) الصديق (وبلال) وغيرهما كما سيأتى. قال الحافظ: فى حديث البراء عند البخارى فى الهجرة أن عائشة أيضا وعكت وكان وصولها إلى المدينة مع آل أبی بکر ماجر بهم اخرها عبدالله وخرج زيد بن حارثة وأبو رافع بیتی التی رُٹے فاطمة وأم كلثوم وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن وسودة بنت زمعة وكانت رقية بنت النبي ◌ُّثم سبقت مع زوجها عثمان وأخرت زينب وهى الكبرى عند زوجها أبي العاص بن الربيع. قال الزرقانى: وعند النسائى وابن إسحاق عن هشام عن أبيه عنها لما قدم رسول الله والتّ وهى أوبأ أرض الله أصاب أصحابه منها بلاء وسقم ، وصرف اللّه ذلك عن نيه وأصابت أبا بكر وبلالا وعامر بن فهيرة، فاستأذنت رسول اللّه مَثّم فى عيادتهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فأذن لى فدخلت عليهم وهم فى بيت واحد (فجئت رسول اللّه وَّ فأخبرته) أى بما صدر عن أبى بكر رضى الله عنه حين قلت له: يا أبت كيف تجدك وقد أخذته الحمى يقول: والموت أدنى من شراك فعله كل امرئى مصبح فى أهله وبما قال بلال إذ أقلع عنه الحى يرفع صوته فيقول: بواد وعندی إذخر وجليل ألا ليت شعرى هل أيتن ليلة وهل أردن يوما مياه مجنة وهل تبدون لى شامة وطفيل قال ابن عبد البر: إذخر وجليل نبتان من الكلاً طيب الرائحة يكونان بمكد وأوديتها لا يكادان يوجدان فى غيرها. وقيل: ((الجليل)) نبت ضعيف صفراء يحشى بها خصاص البيوت وغيرها، و((مجنة)) بفتح الميم وكسر الجيم وتشديد النون موضع بأعلى مكة على أميال كان يقام للعرب بها سوق وبعضهم يكسر ميعها والفتح أكثر، وهى زائدة، و «شامة وطفيل، جبلان على نحو ثلاثين ميلا من مكة فى وجهة اليمن، وقيل جلان مشرفان على مجنة على بریدین من مكه ، وقيل عينان عندها، قال الزرقانى: وجمع باحتمال أن العينين بقرب الجبلين أو فيهما ، وحاصل ما قال بلال: أنه كان ٥٢٣ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا فى صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة . يذكر مكة وصحة هوائها وعذوبة مائها ولطافة جبالها ونباتها ونفحة رياح نباتها الذى بمنزلة بناتها وأبنائها. وعند ابن إسحاق: فذكرت ذلك فقلت يا رسول الله إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى (اللهم حبب) بصيغة الأمر من التحبيب (المدينة) بالنصب على المفعولية (كحبنا مكة أو أشد) من حب مكة أيضا. قال الزرقانى: فاستجاب الله دعاء. فكانت أحب إليه من مكة كما جزم به بعضهم وكان يحرك دابته إذا رأى المدينة من حبها - انتهى. وقال القارى: أو أشد أى بل أكثر وأعظم، ويؤيده، أنه فى رواية ((وأشد)، قال: ولا ينافى هذا ما سبق أنه عليه الصلاة والسلام قال لمكة: إنك أحب البلاد إلى وإنك أحب أرض الله إلى الله. وفى رواية: لقد عرفت أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله. فإن المراد به المبالغة أو لأنه لما أوجب الله على المهاجرين مجاورة المدينة وترك التوطن والسكون يمكة طلب من الله أن يزيد محبة المدينة فى قلوب أصحابه لتلا يميلوا بأدنى الميل غرضا به؟ إذ المراد بالمحبة الزائدة الملاء مة الملاذ النفس وففى مشاقها لا المحبة المرتبة على كثرة المثوبة فالحيثية مختلفة، ويؤيد ما قررناه قوله (وصححها) أى المدينة من الوباء. قال القارى: أى اجعل هياءها وماءها صحيحا (وبارك لنا فى صاعها ومدها) تقدم الكلام على هذا . قال الزرقانى: فاستجاب الله تعالى دعاء، فطيب هواءها وترابها ومساكنها والعيش بها. قال ابن بطال وغيره: من أقام بها يجد من تربها وحيطا نها رائحة طيبة لا نكاد توجه فى غيرها. قال بعضهم: وقد تكرر دعاء، بتحبيها والبركة فى ثمارها، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول والتكرير لطلب المزيد (وانقل) أى حول (حماما) أى وباتها وشدتها وكثرتها (فاجعلها بالجسمغة) بضم الجيم وسكون الحاء أحد المواقيت المشهورة وقد تقدم ذكرها فى حديث المواقيت. قال الخطابي وغيره: كان ساكنوا الجحفة فى ذلك الوقت يهودا وهم أعداء الإسلام والمسلمين، ولذا توجه دعاء، يؤثر عليهم ففيه جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والهلاك والسلمين بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها وكشف الضر والشدائد عنهم، وفيه إظهار معجزة عجيبة فإنها من يومئذوية لا يشرب أحد من مائها إلا حم ولا يمر بها طائر إلا حم وسقط. وقال عياض: فيه معجزة له مَثم فإن الجحفة من يومئذ وبيئة وخمة لا يشرب أحد من مائها إلا حم أى من الغرباء الداخلين عليها. قال السمهودى: والموجود الآن من الحمى بالمدينة ليس حمى الوباء بل ترحمة ربنا ودعوة نبينا للتكفير. قال: وفى الحديث ((أصح المدينة ما بين حرة بنى قريظة والعريض، وهو يؤذن ببقاء شئى منها بها، وأن الذى نقل عنها أصلا ورأسا سلطانها وشدتها ووباءها وكثرتها بحيث لا يعد الباقى بالنسبة إليه شيئا. قال: ويحتمل أنها رفعت بالكلية ثم اعيدت خفيفة لثلا يفوت ثوابها كما أشار إليه الحافظ ابن حجر ، ويدل له ما روى أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى ٥٢٤ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى متفق عليه . ٢٧٦٠ - (٨) وعن عبد الله بن عمر، فى رؤيا النبى عليه فى المدينة: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة ، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة وابن حبان فى صحيحه والطير فى عن جابر: استأذنت الخى على رسول اللّه تَّ فقال من هذه؟ فقالت: أم ملدم. فأمر بها إلى أهل قباء فبلغوا ما لا يعلمه إلا الله فشكوا ذلك إليه، فقال: ما شئتم؟ إن شتم دعوت الله ليكشفها عنكم وإن شئتم تكون لكم طهورا، قالوا: أو تفعل؟ قال: نعم، قالوا: فدعها - انتهى. قال الحافظ: وقد استشكل بعض الناس الدعاء برفع الوباء لأنه يتضمن الدعاء برفع الموت، والموت حتم مقضى فيكون ذلك عبثا، وأجيب بأن ذلك لا ينافى التعبد بالدعاء لأنه قد يكون من جملة الأسباب فى طول العمر أو رفع المرض، وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيئى الأسقام ومنكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، فمن ينكر التداوى بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوى بالعقاقير ولم يقل بذلك إلا شذوذ والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفى الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست فى التداوى بغيره لما فيه من الخضوع والتذلل للرب سبحانه بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالا على ما قدر فيلزم ترك العمل جملة ، ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس وليس من شرط الإيمان بالقدر أن لا يترس من ومى السهم والله أعلم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى آخر الحج وفى الهجرة وفى المرضى، ومسلم فى الحج وأخرجه أيضا مالك فى كتاب الجامع والنسائى فى الطب. ٢٧٦٠ - قوله (وعن عبد الله بن عمر فى رؤيا النبى مَيثير فى المدينة رأيت امرأة سوداء) قال الطيبي: أى قال فى حديث رؤيا الني مؤلّ فى شأن المدينة رأيت، فيكون رأيت حكاية ابن عمر عن رسول اللّه مَل ـ انتهى. وقال الحافظ: قوله ((رأيت)) حذف منه ((قال)) خطأ والتقدير ((قال رأيت)) وثبت فى رواية الاسماعيلى عن الحسن بن سفيان عن المقدمى شيخ البخارى فيه، ولفظه عن رؤيا رسول اللّه عليه فى المدينة قال رسول اللّه مَ له، إلخ. (ثائرة الرأس) أى منتشرة شعر الرأس من ثار الشئى إذا انتشر، وفى رواية عند أحمد وأبى نعيم (ثاثرة الشعر، والمراد شعر الرأس ، وزاد («قفلة)) بفتح المثناة وكسر الفاء بعدها لام أى كريهة الرائحة (خرجت من المدينة) بدعائه مر ضية (حتى نزلت مهيعة) بفتح الميم وسكون الماء بعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ثم عين مهملة، وقيل بوزن عظيمة يقال: أرض مهيعة أى مبسوطة واسعة، وقوله مهيعة كذا فى المشكاة والمصابيح، ولفظ البخارى ((بمهيعة)) أى بزيادة حرف الجار فى أولها، قال القسطلانى ولابن عساكر مهيعة بإسقاط الموحدة (فتأولتها) ولأبى ذر عن الكشميهنى (((فأولتها) بإسقاط الفوقية بعد الفاء، والتأويل تفسير الشئى بما يؤل إليه (أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة) قال القارئ: يقال: ٥٢٥ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى وهى الجحفة. رواه البخارى. ٢٧٦١ - (٩) وعن سفيان بن أبى زهير، قال: سمعت رسول الله وعلى يقول: يفتح اليمن أرض مهيعة أى مبسوطة، وبها كانت تعرف فظ) ذهب السيل بأهلها سميت جحفة، فقوله: (وهى الجحفة) تفسير من بعض الرواة. وقال الحافظ: وأظن قوله ((وهى الجحفة)) مدرجا من قول موسى بن عقبة أى راوى الحديث عن سالم بن عبد الله عن أبيه فإن أكثر الروايات خلا عن هذه الزيادة، وثبتت فى رواية سليمان وابن جريج عن موسى ابن عقبة - انتهى. وهذه الرؤيا كما قاله المهلب من قسم الرؤيا المعبرة وهى مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء السوء والداء فتأول خروجها بما جمع اسمها وتأول ثوران شعر رأسها أن الذى يسوه ويثير الشر يخرج من المدينة، وقيل لما كانت الحى مثيرة للبدن بالاقشعرار وارتفاع الشعر عبر عن حالها فى النوم بارتفاع شعررأسها ، فكأنه قيل الذى يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة. قال الزرقانى بعد ذكر هذا الحديث: ولا مانع من تجسم الأعراض خرقا للعادة ليحصل لهم الطمأنينة لإخراجها وفى رواية «قدم إنسان من طريق مكة فقال له النبي تحديث: هل لقيت أحداً؟ قال: لا إلا امرأة سوداء عريانة فقال وفيه: تلك الحمى ولن تعود بعد اليوم، قال السمهودى: والموجود الآن بالحى بالمدينة ليس حمى الوباء بل رحمة ربنا، إلى آخر ما تقدم من كلامه (رواه البخارى) فى الرؤيا، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه فى الرؤيا. ٢٧٦١ - قوله (وعن سفيان بن أبى زهير) بضم الزاى المعجمة وفتح الماء مصغرا الأزدى الشنوى من أزدشنوة بفتح المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة مفتوحة ، وفى النسب كذلك وقيل بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واو ، ويقال فيه النمرى لأنه من ولد التمر بن عثمان، صحابى نزل المدينة ، له خمسة أحاديث اتفقا على حديثين أحدهما فى اقتناء الكلب رواه عنه السائب بن يزيد والآخر فى فضل المدينة رواه عنه عبد الله بن الزبير وهو الذى نحن فى شرحه، ورواية ابن الزبير والسائب بن يزيد عنه تدل على جلالته وقدم مرتبته، قيل اسم أبيه أبى زهير الفرد بفتح القاف وكسر الراء بعدها مهملة، ولذا يقال له ابن القرد، وقيل اسم أبيه مير (يفتح) بالتذكير والتأنيث مبنيا للفعول (اليمن) نائب الفاعل، وسمى اليمن لأنه عن يمين القبلة أو عن يمين الشمس أو بيمن بن قحطان، وقوله ((يفتح اليمن )) الخ، كذا وقع فى رواية للشيخين البداءة بذكر اليمن ثم ذكر الشام ثم العراق، لكن عند مسلم بلفظة (ثم، وعند البخارى بالواو، ووقع فى رواية وكيع عن هشام عن أبيه عن ابن الزبير عند مسلم البداءة بذكر الشام ثم ذكر اليمن ثم العراق مرتبا بلفظة ثم، والأرجح ما وقع فى البخارى. قال الزرقانى: هذا من أعلام نبوته تمَّ حيث أخبر بفتح هذه الأقاليم وأن الناس يتحملون بأهليهم ويفارقون المدينة فكان ما قاله على ترتيب ما قال لكن فى رواية لمسلم وغيره تفتح الشام ثم اليمن ثم ٥٢٦ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى فيأتى قوم يبسون فيتحملون بأهليهم العراق، والظاهر أن اليمن قبل الشام للاتفاق على أنه لم يفتح شتى من الشام فى الزمن النبوى فرواية تقديم الشام على اليمن معناها أن استفاء فتح الیمن إنما كان بعد الشام - انتهى. وقال ابن عبد البر: افتتحت الیمن فی أیام النی یزیفے وفی أیام أبى بكر وافتحت الشام بعدها والعراق بعدها، وفى هذا الحديث على من أعلام النبوة فقد وقع على وفق ما أخبر به التى تَّة وعلى ترتيبه، ووقع تفرق الناس فى البلاد بما فيها من السعة والرخاء ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرا لهم، وفى هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة وهو أمر مجمع عليه، وفيه دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض ولم يختلف العلماء فى أن المدينة فضلا على غيرها، وإنما اختلفوا فى الأفضلية بينها وبين مكة، كذا فى الفتح (فيأتى قوم) من أهل المدينة. قال القارى: أى فيذهبون إلى اليمن فيعجب بعضا بلادهم وهيئة عيشهم فيحملهم على المهاجرة إليها بأنفسهم وأهاليهم فيأتون (يبسون) بفتح التحتية وكسر الموحدة وتشديد المهملة، وعن ابن القاسم بضم الموحدة فهو من باب ضرب ونصر ثلاثيا، ويقال أيضا بعضم التحتية وكسر الموحدة من الثلاثى المزيد فحصل فى ضبطه ثلاثة أوجه يقال أبسست الدابة وبسستها أى سقتها يعنى يسوقون دوابهم إلى المدينة (فيتحملون) أى يرتحلون من المدينة إلى اليمن المفتحة. قال الحافظ: ((يسون) بفتح أوله وضم الموحدة وبكسرها من بس يبس. قال أبو عبيد: معناه يسوقون دوابهم، والبس سوق الابل ، يقال بس بس عند السوق وإرادة السرعة، وقال الداودى: معناه بزجرون دوابهم فييسون ما يطؤنه من الأرض من شدة السير فيصير غبارا قال تعالى: ﴿وبست الجبال بسا - سورة الواقعة: الآية ٥) أى سالت سيلا، وقيل: معناه سارت سيرا، وقال ابن القاسم: البس المبالغة فى الفت ومنه قبل الدقيق المصنوع بالدهن بسيس، وأنكر ذلك النووى وقال: إنه ضعيف أو باطل، قال ابن عبد البر: وقيل: معنى يبسون يسألون عن البلاد ويستقرؤن أخبارها ليسيروا إليها. قال: وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة. وقيل: معناه يزينون لأهلهم البلاد التى تفتح ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها. ويدبد لهذا المعنى حديث أبى هريرة عند مسلم: يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه علم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلون. وعلى هذا فالذين يتحملون غير الذين يسون كأن الذى حضر الفتح أعجبه حسن البلد ورغاؤها فدعا قريبه إلى المجنى إليها لذلك فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه، قال ابن عبد البر: وروى يسون بضم أوله من أبس إبساسا، ومعناه يزينون لأماهم البلدة التى يقصدونها وإلى هذا ذهب ابن وهب، وقال النووى: الصواب أن معناه الاخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باساً فى سيره مسرعا إلى الرخاء فى الأمصار التى أخبر النبي توزيع بفتحها. قال الحافظ: ٥٢٧ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ ڪتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ويفتح الشام فيأتى قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ويفتح العراق فيأتى قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. متفق عليه. ويؤيده رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام فى هذا الحديث بلفظ «تفتح الشام فيخرج الناس من المدينة إليها يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. ويوضح ذلك ما رواه أحمد من حديث جابر أنه سمع رسول اللّه مؤلفة يقول : ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وفى إسناده ابن لهيعة ولا بأس به فى المتابعات وهو يوضح ما قلناه - انتهى (ومن أطاعهم) عطف على أهليهم أى انقاد لهم من الأجانب فى السفر معهم إلى اليمن (والمدينة) أى والحال أن المدينة (خير لهم) أى من اليمن لأنها حرم الرسول عليه ومهبط الوحى ومنزل البركات الدنيوية والأخروية، وقيل: لأنها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وقيل: لأن الفتن فيها دونها فى غيرها، وقيل لفضل مسجدها والصلاة فيه ومجاورة القبر الشريف (لو كانوا يعلمون) أى بما فيها من الفضائل والخيرات والفوائد الدينية والدنبوية لما فارقوها ولما اختاروا عليها غيرها من اللاد، قال "شيخ سلام الله الدحلوى فى المحلى: أو المعنى لو كانوا علماء يعلمون أن إقامتهم بالمدينة أولى فعلى الأول مفعول العلم محذوف وعلى الثانى هو منزل منزلة "لازم. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون لو بمعنى ليت فلا يحتاج إلى تقدير وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها وآثر غيرها (ويفتح) بالوجهين وفى رواية ابن جريج عن هشام عند مسلم ثم يفتح (الشام) سمى بذلك لأنه عن شمال الكعبة، وأنكر يا قوت الحموى تسميتها بأنها شامة القبلة، قال هذا فاسد لأن القبلة لا يمين لها ولا شامة ثم بسط الأقوال فى وجه تسميتها (ويفتح) بالوجهين ، وقال القارى بالتذكير فقط، وفى رواية ابن جريج (( ثم يفتح)) (العراق) قال ابن الأعرابي: سمى بذلك لأنه سفل عن نجد ودنا من البحر أخذ من عراق القربة وهو الخرز الذى فى أسفلها. وقال الخليل: العراق شاطئى البحر سمى بذلك لأنه على شاطئى دجلة والفرات مداً حتى يتصل بالبحر على طوله، قال: وهو مشبه بعراق القربة كذا فى معجم البلدان (فيأتى قوم يسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى العراق مسرعين (والمدينة خير لهم) من العراق (لو كانوا يعلمون) ذلك، والواو فى قوله «والمديسة)) فى الثلاثة للحال (متفق عليه) أخرجاه فى أواخر الحج وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥: ص ٢٢٠٠٢١٩) ومالك فى الجامع والنسائى فى الحج، وروى أحمد قصة فى أوله من طريق بسر بن سعيد أنه سمع فى مجاس الليثيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير أخبرهم أن فرسه أعيت بالعقيق وهو فى ٥٢٨ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى ٢٧٦٢ - (١٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ولى: أمرت بقرية تأكل القرى بعث بعثهم رسول اللّه ◌َع فرجع إليه يستحمله فخرج معه يبتغى له بعيرا فلم يجد إلا عند أبى جهم بن حذيفة العدوى فسامه له فقال له أبوجهم لا أبيعكه يا رسول اللّه ولكن خذه فاحمل عليه من شئت فزعم أنه أخذه منه ثم خرج حتى إذا بلغ بر إهاب قال يوشك البنيان أن يأتى هذا المكان ويوشك الشام أن يفتح فيأتى رجال من أهل هذا البلد فيعجبهم ريعه ورخاؤه والمدينة خير لهم - الحديث. ٢٧٦٢ - قوله (أمرت) بضم الهمزة على بناء المجهول أى أمرفى ربى (بقرية) أى بالهجرة إلى قرية والنزول فيها أو بالمقام فى قرية واستيطانها. قال الحافظ: أى أمرنى ربى بالهجرة إليها أو سكناها، فالأول محمول على أنه قاله بمكة والثانى على أنه قاله بالمدينة ـ انتهى. وفيه أنه لا مانع من حمله على الشق الأول أيضا على أنه قال ذلك بالمدينة حكاية للأمر السابق الذى وقع بمكة (تأكل القرى) بضم القاف جمع قرية أى تغلبها وتظهر عليها، والمعنى أن أهلها تغلب على أهل سائر البلاد فتفتح منها فكنى بالأكل عن الغلبة لأن الآكل غالب على المأكول، وقال التوربشتى: الأصل فى الأكل للشئى الإفناء له ثم استغير لافتاح البلاد وسلب الأموال فكأنه قال: يأكل أهلها القرى وأضاف الأكل إليها لأن أموال تلك البلاد تجمع إليها فيغنى فيها. و وقع فى موطأ ابن وهب («قلت لالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى لأن من المدينة افتحت القرى كلها بالإسلام، وبسطه ابن بطال فقال: معناه يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم و يسبون ذراريهم. قال: وهذا من فصيح الكلام، تقول العرب: أكلنا بلد كذا إذا ظهروا عليها. وسبقه الخطابى إلى معنى ذلك أيضا ، وقال النووى: ذكروا فى معناه وجهين أحدهما هذا، والآخر أن أكلها وميرتها تكون من القرى المفتحة وإليها تساق غنائمها، وقال ابن المنير فى الحاشية: يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناه أن الفضائل تضمحل فى جنب عظيم فضلها حتى تكون عدما، قال الحافظ: والذى ذكره احتمالا ذكره القاضى عبد الوهاب فقال لا معنى لقوله ((تأ كل القرى)) إلا رجوح فضلها عليها وزيادتها على غيرها كذا قال، ودعوى الحصر مردودة لما مضى، ثم قال ابن المنير: وقد سميت مكة أم القرى لكن المذكور المدينة أبلغ من الأمومة لأن الأمومة لا تمحى إذا وجدت ما هى له أم لكن يكون حق الأم أظهر، قال الزرقانى: وفى الحديث تفضيل المدينة على مكة، وقال الحافظ: استدل بالحديث على أن المدينة أفضل البلاد، قال المهلب: لأن المدينة هى التى أدخلت مكة وغيرها من القرى فى الإسلام فصار الجميع فى صحائف أهلها، وأجيب بأن أهل المدينة الذين افتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين ، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين. قال ابن حزم: أو فتحت بلد من بلد قثبت بذلك الفضل للأولى للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان وسجستان وغيرهما مما فتح من ٥٢٩ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك : ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى يقولون يثرب وهى المدينة تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد. جهة البصرة وليس كذلك (يقولون) أى يسمونها (يثرب) بفتح المثناة التحتية وسكون المثلثة وكسر الراء العهدلة أى إن بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسميها يثرب، ذكر أبو إسحاق الزجاج فى مختصره وأبو عبيد البكرى فى معجم ما استعجم أنها سميت يثرب باسم يثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح لأنه أول من سكنها بعد العرب، وقيل: هو اسم كان لموضع منها سميت به كلها ، وقيل سميت باسم واحد من العمالقة نزلها، قاله الزرقانى (وهى المدينة) يعنى والحال أن اسمها الذى يليق بها المدينة وفهم بعض العلماء من هذا كرامة تسمية المدينة يثرب وقالوا ما وقع فى القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين، وروى أحمد (ج ٤ ص ٢٨٥) من حديث البراء بن عازب رفعه ((من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هى طابة هى طابة)، وروى عمر بن شبة من حديث أبى أيوب ((أن رسول اللّه مَّه نهى أن يقال المدينة يشرب ، ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة. قال: وسبب هذه الكرامة أن يثرب إما من التثريب الذى هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما مستقبح وكان مزي يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح، كذا فى الفتح. قال النووي: وأما تسميتها فى القرآن يثرب فإنما هو حكاية عن قول المنافقين والذين فى قلوبهم مرض - انتهى. وحكى الباجى عن عيسى بن دينار أنه قال: إنما القرآن على ما يعرف الناس انتهى. قال الزرقانى: وأجيب عن حديث الصحيحين ((فإذا هى يثرب)) وفى رواية «لا أراها إلا يثرب)) بأنه كان قبل النهى - انتهى. ويمكن أن يقال أنه ◌َّث ذكرها بالاسم المعروف فيما بين الناس ليعرفوه، وقال البخارى فى باب هجرة التى تَّ وأصحابه إلى المدينة: وقال أبو موسى عن النبى تَّ رأيت فى المنام أتى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وعلى إلى أنها اليمامة أو حجر فإذا هى المدينة يثرب. قال الحافظ: كان ذلك قبل أن يسميها مثل طيبة - انتهى. أى لأن الرؤيا المذكورة كانت قبل الهجرة أو فى إبتدائها ووقع تغيير الأسماء بعد ذلك بكثير (تنى) بفتح الفوقية وسكون النون و کسر الفاء (الناس) أى الخبيث الردئی منهم يدل عليه التشبيه بقوله ( کما ینفی الکیر) بکسر الكاف وإسكان التحتية وفيه لغة أخرى (« كور) بضم الكاف والمشهور بين الناس أنه الوق الذى ينفخ فيه لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصائغ (أى ما بينيه من الطين) قال ابن التين: وقيل الكير هو الزق، والحانوت هو الكور، كذا فى الفتح. وقال أبو عمر: الكير هو موضع نار الحداد والصائغ وليس الجلد الذى نسميه العامة كيرا، هكذا قال علماء اللغة (خبث الحديد) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها مثلثة والنصب على المفعولية أى ونه الذى تخرجه النار ، والمراد أنها لا تترك فيها من فى قلبه دغل بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد ردئى الحديد من جيده، ونسب التمييز الكير لكونه السبب الأكبر فى اشتعال النار التى يقع التمييز بها ، قال التور بشت: ٥٣٠ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى متفق عليه. وهذا القول صدر منه مزيج على وجه التمثيل فجعل مثل المدينة وما يصيب ساكنيه من الجهد والبلاء كمثل الكير وما يوقد عليه فى النار فيميز به الخبيث من الطيب فيذهب الخبيث ويبقى الطيب فيه أزكى ما كان وأخلص وكذلك المدينة تنفى شرارها بالحى والوصب والجوع وتطهر خيارهم وتزكيهم، قال عياض: هذا مختص بزمن الذي تؤثّ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه وأما المنافقون وجهلة الأعراب فلا يصبرون على شدة المدينة ولا يحتسبون الأجر فى ذلك، وقال النووى: ليس هذا بظام لأن عند مسلم «لاتقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد، وهذا واقه أعلى فى زمن الدجال كما جاء فى الحديث الصحيح الذى ذكره مسلم فى أواخر الكتاب فى أحاديث الدجال أنه يقصد المدينة فترجف ثلاث رجفات يخرج الله منها كل كافر ومنافق، قال فيحتمل أنه مختص بزمن الدجال ويحتمل أنه فى أزمان متفرقة - انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد كلا من الزمنين أى زمن النبى مَثّل وزمن الدجال وكان الأمر فى حياته مثل كذلك للسبب المذكور ويؤيده قصة الأعرابى الآتية فإنه مَثّ ذكره معللا به خروج الأعرابى وسؤاله الإقالة عن البيعة ثم يكون ذلك أيضا فى آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه، وأما ما من ذلك فلا - انتهى. واستدل بالحديث على أن المدينة أفضل البلاد لأنها تنفى الخبث، قال الحافظ: وأجيب عن ذلك بأن هذا إنما هو فى خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: ﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق - سورة التوبة: الآية ١٠٢) والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي ◌َّ معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم على وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق فدل على أن المراد بالحديث تخصیص ناس دون ناس ووقت دون وقت، وقال فى موضع آخر : قال ابن بطال: فيه تفضيل المدينة على غيرما بما خصها الله تعالى من أنها تنفى الخبث ورتب على ذلك القول بحجية إجماع أهل المدينة، وتعقب بقول ابن عبد البر أن الحديث دال على فضل المدينة لكن ليس الوصف المذكور لها عاما فى جميع الأزمنة بل هو خاص بزمن التي رؤيته لأنه لم يكن يخرج منها رغبة عن الإقامة معه إلا من لا خير فيه، وقال عياض نحوه، وأيده بحديث أبى هريرة الذى أخرجه مسلم: لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الفضة. قال: والنار إنما تخرج الخبث والردى وقد خرج من المدينة بعد النبي محدثك جماعة من خيار الصحابة وقطنوا غيرها وماتوا خارجها فذكر المذكورين وزاد فيهم أبا موسى وأبا ذر وحذيفة وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء وغيرهم، قال فدل على أن ذلك خاص بزمنه مثل بالقيد المذكور ثم يقع تمام إخراج الردئ منها فى زمن الدجال، وورد فيه فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه فذلك يوم الخلاص ـ انتهى (متفق عليه) أخر جاه فى ٥٣١ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى ٢٧٦٣ - (١١) وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول اللّه ملي يقول: إن الله سى المدينة طابة. رواه مسلم. ٢٧٦٤ - (١٢) وعن جابر بن عبد الله، أن أعرابيا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أواخر الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٢٣٧، ٢٤٧) ومالك فى الجامع والنسائى. ٢٧٦٣ - قوله (إن الله سمى المدينة طابة) أى إن الله سماها فى اللوح المحفوظ أو فى التوراة أو أمر نبيه أن يسميها بها رداً على المنافقين فى تسميتها بيثرب، وطابة بتخفيف الموحدة كشامة تأنيث طاب وأصلها طيبة ، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، قال النووى: فيه استحباب تسميتها طابة وليس فيها أنها لا تسمى بغيرها، فقد سماها اللّه تعالى المدينة فى مواضع من القرآن وسماما النبى مريم طيبة فى حديث زيد بن ثابت عند مسلم - انتهى. وروى البخارى من حديث أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع النبي ◌َّثة من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال هذه طابة. قال الحافظ: وفى بعض طرقه طيبة، والمدينة أسماء غير ما ذكر. منها المطيبة، كما روى عمر بن شبة فى أخبار المدينة من رواية زيد ابن أسلم قال: قال النبي ◌َّة: المدينة عشرة أسماء، هى المدينة وطابة وطيبة والمطيبة، إلخ. وهذه الثلاثة أى طابة وطيبة بتشديد المثناة التحتية وطيبة بسكونها كهية وشية مع المطيبة أخوات لفظا ومعنى مختلفات صيغة ومبنى. قال السمهودى : تسميتها بهذه الأسماء إما من الطيب بتشديد المثناة وهو الطاهر لطهارتها من أدناس الشرك أو لموافقتها من قوله تعالى: (بريح طيبة - سورة يونس: الآية ٢٣) أو لحلول الطيب بها مر ئي أولكونها كالكيرتنفى خبثها وينصح طيها، وإما من الطيب بكسر انطاء وسكون المثناة لطيب أمورها كلها وطيب رائحتها ووجود ريح الطيب بها. قال ابن بطال: من سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة حسنة. وقال الاشبيلى: لتربة المدينة نفحة ليس طيبها كما عهد من الطيب بل عجب من الأعاجيب. وقال الحافظ: الطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشئى الطيب، وقيل لطهارة تربتها ، وقيل لطيها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفى طيب ترابها وهواتها دليل شاهد على صحة هذه التسمية لأن من أقام بها يجد من تربها وحيطانها رائحة طيبة لاتكاد توجد فى غيرها (رواه مسلم) فى أواخر الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥: ص ٩٤، ٩٦، ١٠٢،٩٧، ١٠٨) والنسائى. ٢٧٦٤ - قوله (أن أعرابيا) قال الحافظ لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشرى ذكر فى ربيع الأبرار أنه قيس بن أبى حازم وهو مشكل لأنه تابعى كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي محمد فتح قد مات فإن كان محفوظا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفى الذيل لأبي موسى فى الصحابة قيس بن أبى حازم المنقرى فيحتمل أن يكون هو هذا ، قال الزرقانى: أى زيد فى اسم أبيه أداة الكنية سهوا أو غلطا (بايع رسول الله مرثية) من المبايعة وهى عبارة عن المعاقدة ٥٣٢ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى فأصاب الأعرابى وعك بالمدينة فأتى النبي ◌َّم فقال يا محمد! أقلنى بيعتى، فأبى رسول الله ثم جاء فقال: أقلنى بيعتى، فأبى ثم جاءه فقال: أقلنى بيعتى، فأبى نفرج الأعرابي فقال رسول الله مرفقّ : إنما المدينة كالكير تنفى خبثها على الإسلام والمعاهدة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خلاصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، وزاد فى رواية البخارى ((على الإسلام» (فأصاب الأعرابى وعك) بفتح الواو وسكون المهملة وقد تفتح بعدها كاف الحمى، وقيل المها، وقيل إرعادها. وقال الأصمعى: أصله شدة الحر ، فأطلق على الحمى وشدتها، كذا فى الفتح. وفى رواية البخارى فجاء من الغد محموما (أقلنى بيعتى) استعارة من إقالة البيع وهو إبطاله، قال القسطلانى: ((أقلنى بيعتى، أى على الإسلام. وقال السمهودى: أقلنى بعتى أى انقض العهد حتى أرجع إلى وطنى، وكأنه قد بايع على هجرة الإقامة ، وقال الحافظ فى الحج: قوله ((فبايعه على الإسلام)، إلخ. ظاهره أنه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جزم عياض، وقال غيره إنما استقاله من الهجرة وإلا لكان قتله على الردة، يعنى أنه لميرد الأعرابى الارتداد عن الاسلام، قال ابن بطال: بدليل أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة النبي مؤقتة على ذلك، ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله إذ ذاك ولكنه خرج عاصيا، وقال الحافظ فى الأحكام: قوله ((على الاسلام، ظاهر فى أن طلبه الإقالة كان فيما يتعلق بنفس الاسلام ويحتمل أن يكون فى شتى من عوارضه كالهجرة وكانت فى ذلك الوقت واجبة ووقع الوعيد على من رجع أعرايا بعد هجرته (فأبى) أى امتنع (رسول الله مَّة) أن يقله، قال النووى: قال العلماء: إنما لم يقله النبي مَّه بيعته لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام ولا لمن هاجر إلى النبي ◌َّث للقام عنده أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أو غيره، قالوا: وهذا الأعرابى كان من هاجر وبايع النبي ◌َّةٍ على المقام معه، قال القاضى: ويحتمل أن بيعة هذا الأعرابى كانت بعد فتح مكة وسقوط الهجرة إليه عَّة، وإنما بايع على الاسلام وطلب الإقالة منه فلم يقله، والصحيح الأول - انتهى كلام النووى، وقال ابن التين: إنما امتنع النبي ◌َّم من إقالته لأنه لا يعين على معصية، لأن البيعة فى أول الأمر كانت على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن ، فخروجه عصيان ، قال: وكانت الهجرة فرضا قبل فتح مكة على كل من أسلم ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاة لقوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يها جروا - سورة الأنفال: الآية ٧٣) فلما فتحت مكة قال مَي ((لا هجرة بعد الفتح)، ففى هذا إشعار بأن مبايعة الأعرابى المذكورة كانت قبل الفتح - انتهى (فخرج الأعرابى) أى من المدينة راجعا إلى البدو (إنما المدينة كالكيرتفى) بفتح أوله (خبئها) بمعجمة وموحدة مفتوحتين. قال السمهودي: قوله ((تنفى خبئها)) يحتمل أن يكون بمعنى الطرد والابعاد ٥٣٣ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى وتنصح طيبها. متفق عليه. لأهل الخبث، وقصة الأعرابى المذكور ظاهرة فيه، وخصه ابن عبد البر بزمنه مَّة، والظاهر كما قال النووى عدم التخصيص وقد طهرها اللّه تعالى ممن كان بها من أرباب الأديان المخالفين لدين الإسلام وأهلك من كان بها من المنافقين وهؤلاءهم أهل الخبث الكامل ومن عداهم من أهل الخبث والذنوب قد يكون طرده وإبعاده إن استمر على ذلك بآخرة الأمر بنقل الملائكة له إلى غيرها من الأرض، ويحتمل أن يكون بمعنى طرد أهل الخبث الكامل وهم أهل الشقاء والكفر لا أهل السعادة والإسلام لأن القسم الأول ليس قابلا للشفاعة ولا للغفرة، وقد وعد ے من يموت بها بالشفاعة لهذا وجب انتفاء القسم الأول منها ، ويحتمل أن يكون بمعنى تخليص النفوس من شرحها وميلها إلى اللذات لما فيها من اللاواء والشدة ويؤيده رواية أنها طبية تنفى الذنوب ويكون نفيها للذنوب على ظاهره، ويحتمل أن يكون بمعنى أنها لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها ، ويؤيده ما فى غزوة أحد فى الصحيح من أنه مَثل لما خرج إلى أحد رجع ناس من أصحابه أى وهم المنافقون؛ فقال ◌َّ المدينة كالكبر - الحديث. ولهذا سميت بالفاضحة، قال السمهودى: والذى ظهر لى من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال هذه البلدة الشريفة أنها تنفى خبتها بالمعانى الأربعة (وتنصح) بضم التاء على بناء الفاعل من باب التفعيل والإفعال أى تخلص (طيها) بالنصب على المفعولية وهو بفتح الطاء وتشديد التحتية، وروى ينصع بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد المهملة من النصوع وهو الخلوص أى يصفو ويخلص ويتميز، والناصع الصافى الخالص، وعلى هذا طيبها مرفوع على أنه فاعل ينصع، ومعنى الحديث أنه يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه ويبقى فيها من خلص إيمانه، وقال الحافظ: والمعنى أنها إذا نقت الخبث تميز الطيب واستقر فيها. قال الأبى: فإن قيل قد استقر بها المنافقون، أجيب بأنهم انتفوا بالموت والموت أشد النفى ، وقال العينى: فإن قلت: إن المنافقين قد سكنوا المدينة وماتوا فيها ولم تنفهم ، قلت كانت المدينة دارهم أصلا ولم يسكنوا بها بالاسلام ولا حباله، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم، ولم يرد موج بضرب المثل إلا من عقد الإسلام راغبا فيه ثم خبث قلبه ـ انتهى. قال ابن المثير: ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة ، وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة وسكنوا غيرها من البلاد وكذا من بعدهم من الفضلاء والجواب أن المذموم من خرج عنها كرامة فيها ورغبة عنها كما فعل الأعرابى المذكور، وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم وفتح بلاد الشرك والمرابطة فى الثغور وجهاد الأعداء وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة وفضل سكناها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى الأحكام ومسلم فى الحج وأخرجه أيضا أحمد (ج٣: ص ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٦٥) ومالك فى الجامع والنسائى والترمذى فى أواخر المناقب ٥٣٤ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى ٢٧٦٥ - (١٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َ للَّه: لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد. رواه مسلم. ٢٧٦٦ - (١٤) وعنه قال: قال رسول اللّه ◌ُله: على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ٢٧٦٥ - قوله (لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة) أى تخرج (شرارما كما ينفى الكير) أى يذهب (خبث الحديد) أى وسخه، قال الطبي: يحتمل أن يكون ذلك فى زمنه عليه الصلاة والسلام، لأن بعثته من أشراط الساعة وأن يكون حين خروج الدجال وقصده المدينة - انتهى. وقد تقدم الكلام عليه مفصلا (رواه مسلم) فى الحج، والحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخارى ولا أصحاب السنن. ٢٧٦٦ - قوله (على أنقاب المدينة) طيبة ، بفتح الهمزة وسكون النون جمع قلة النقب ، بفتح النون والقاف بعدها موحدة، ووقع فى حديث أنس وأبى سعيد عند البخارى على «نقابها، بكسر النون جمع نقب بالسكون وهما بمعنى قال ابن وهب: المراد بها مداخلها وهى أبوابها وفوهات طرقها التى يدخل منها كما جاء فى الحديث الآخر ((على كل باب منها ملك)، وقيل طرقها، وأصل النقب الطريق بين الجبلين، وقيل الأنقاب الطرق التى يسلكها الناس (ملائكة) يحرسونها (لا يدخلها) قال الطبى: جملة مستانفة بيان لموجب استقرار الملائكة على الأنقاب (الطاعون) قال الحافظ فى (((باب ما يذكر فى الطاعون)) من كتاب الطب: بوزن فاعول، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالا على الموت العام كالوباء، ويقال طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون هذا كلام الجوهرى. وقال صاحب النهاية: الطاعون المرض العام الذى يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان . وقال ابن العربى: الطاعون الوجع الغالب الذى يطفتى الروح كالذبحة سمى بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله . وقال الداودى : الطاعون حبة تخرج من الأرقاع ، وفى كل طى من الجسد، والصحيح أنه الوباء. وقال ابن عبد البر: الطاعون غدة تخرج فى المراق والآباط، وقد تخرج فى الأيدى والأصابع وحيث شاء اللّه، وقال النووى فى الروضة: قيل الطاعون انصباب الدم إلى عضو ، وقال آخرون: «و هيجان الدم وانتفاخه. وقال النووى أيضا فى تهذيبه : هو بثر وورم مولم جدا يخرج مع لهب ويسود ما حواليه أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقان وقئ ويخرج غالبا فى المراق والآباط وقد يخرج فى الأيدى والأصابع وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطباء منهم أبو على بن سيناء: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قنالا يحدث فى المواضع الرخوة والمغابن من البدن وأغلب ما تكون تحت الايط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة، قال: وسيبه دم ردئى مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمى يفسد العضو ويغير ما يليه، ويؤدى إلى القلب كيفية رديئة فيحدث الفئى والغثيان والغشى والخفقان وهو لرداءته لا يقبل من ٥٣٥ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأودؤه ما يقع فى الأعضاء الرئيسة والأسود منه قل من يسلم مه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر والطواعين تكثر عند الوباء فى البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء، وذكر الحافظ أقوالا أخرى، ثم قال: هذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة وأهل الفقه والأطباء فى تعريفه، والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونا بطريق المجاز لاشتراكهما فى عموم المرض أو كثرة الموت، والدليل على أن الطاعون غير الوباء حديث ((أن الطاعون لا يدخل المدينة، وقد ورد فى حديث عائشة: قدمنا المدینة ومی أوباً أرض الله. وفيه قول بلال ((أخرجونا إلى أرض الوباء)» وغير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الوباء كان موجودا بالمدينة، وقد صرح فى الحديث بأن الطاعون لا يدخلها ، فدل على أن الوباء غير الطاعون وأن من أطلق على كل وباء طاعونا فبطريق المجاز، قال: والذى يفترق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذى لم يتعرض له الأطباء ولا أكثر من تكلم فى تعريف الطاعون وهو كونه من طعن الجن، ولا يخالف ذلك ما قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن ميجان الام أو انصبابه لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فتحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها أو ينصب، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن لأنه أمر لا يدرك العقل وإنما يعرف من الشارع فتكلموا فى ذلك على ما اقتضته قواعدهم. وقال الكلاباذى فى معانى الأخباء: يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم أو صفراء محترقة أو غير ذلك، وقسم يكون من وخز الجن كما تقع الجراحات من القروح التى تخرج فى البدن من غلبة بعض الأخلاط ـ انتهى. ومما يزيد أن الطاعون يكون من طعن الجن وقوعه غالبا فى أعدل الفصول و أصح البلاد هواء وأطيها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدم فى الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانا ويحثى أحيانا على غير قياس ولا تجربة فربما جاء سنة على سنة وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من هم بجانبهم ما هو فى مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لم جميع البدن وهذا يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضى تغير الأخلاط وكثرة الأسقام وهذا فى الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن كما ثبت فى الأحاديث الواردة منها حديث أبى موسى رفعه: فناء أمتى بالطعن والطاعون، قيل: يا رسول اللّه هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخز أعداءكم من الجن وفى كل شهادة. أخرجه أحمد من رواية زياد بن علامة عن رجل عن أبى موسى. وفى رواية له عن زياد حدثه رجل من قومى قال: كنا على باب عثمان نفظ الأذان فسمعت أبا موسى قال زياد: فلم أرض بقوله فسألت سيد الحى فقال: صدق. وأخرجه البزار والطبرانى من وجهين آخرين عن زياد فسميا المهم يزيد بن الحارث، وسماه أحمد فى رواية ٥٣٦ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى أخرى أسامة بن شريك، ولا معارضة بينه وبين من سماه يزيد بن الحارث لأنه يحمل على أن أسامة هو سيد الحى الذى أشار إليه فى الرواية الأخرى واستثبته فيما حدثه به الأول وهو يزيد بن الحارث ورجاله رجال الصحيحين إلا المبهم وأسامة بن شريك صحابى مشهور، والذى سماه وهو أبو بكر النهشلى من رجال مسلم ؛ فالحديث صحيح بهذا الاعتبار ، وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وأخرجاه، وأحمد والطبرانى من وجه آخر عن أبى بكر بن أبي موسى الأشعرى، قال: سأت عنه رسول اللّه تَّم فقال: هو وخز أعداءكم من الجن وهو لكم شهادة. ثم ذكر الحافظ للحديث طريقين أخريين وشاهدين من حديث عائشة وحديث ابن عمر وضعفهما ثم قال: والعمدة فى هذا الباب على حديث أبى موسى فإنه يحكم له بالصحة لتعدد طرقه إليه. ثم قال: قال العلماء: أراد ◌َّهم أن يحصل لأمته أرفع أنواع الشهادة وهو القتل فى سبيل الله بأيدى أعدائهم إما من الإنس وإما من الجن. وقوله ((وخز)) بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاى، قال أهل اللغة: هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخز لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر فى الباطن أولا ثم يؤثر فى الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الايس فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر فى الظاهر أولا ثم يؤثر فى الباطن وقد لا ينفذ. تنبيه: يقع فى الألسنة وهو فى النهاية لابن الأثير بلفظ «وخز إخوانكم من الجن، ولم أره بلفظ إخوانكم بعد التتبع الطويل البالغ فى شئ من طرق الحديث المسندة لا فى الكتب المشهورة ولا الأجزاء المنثورة وقد عزاه بعضهم مسند أحمد والطبرانى و کتاب الطواعین لابن أبى الدنيا ولا وجود لذلك فی واحد منها ، كذا فى الفتح، قال الزرقانى: فإن قيل : إذا كان الطعن من الجن فكيف يقع فى رمضان والشياطين تصفد فيه وتسلسل؟ أجيب باحتمال أنهم يطعنون قبل دخول رمضان ولا يظهر التأثير إلا بعد دخوله ، وقيل غير ذلك، ويمكن أن يقال أن المصفد بعض الشياطين كما وقع فى بعض الروايات وهم المردة لا كلهم فإن تصفيد الشياطين لا يستلزم تصفيد الجان كلهم ، وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كون الطاعون شهادة، وكيف قرن بالدجال ومدحت المدينة بعدم دخولهما ؟ قال الحافظ: والجواب أن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وينشأ عنه لكونه سببه فإذا استحضر ما تقدم من أنه طعن الجن حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة ، ومن اتفق دخوله إليها لا يتمكن من طعن أحد منهم. فإن قيل طعن الجن لا يختص بكفارهم بل قد يقع من مؤمنيهم ، قلنا : دخول كفار الانس المدينة ممنوع، فإذا لم يسكن المدينة إلا من يظهر الإسلام جرت عليه أحكام المسلمين ولو لم يكن خالص ء الإسلام فحصل الأمن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك لذلك لم يدخلها الطاعون أصلا. وقد أجاب القرطبي فى المفهم ٥٣٧ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى عن ذلك فقال : المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذى وقع فى غيرها كطاعون عمواس والجارف. وهذا الذى قاله يقتضى تسليم أنه دخلها فى الجملة، وليس كذلك فقد جزم ابن قتيبة فى المعارف وتبعه جمع جم من آخرهم الشيخ محى الدين النووى فى الأذكار بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلا ولا مكة أيضا لكن نقل جماعة أنه دخل مكة فى الطاعون العام الذى كان فى سنة تسع وأربعين وسبعمائة بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون أصلا. ولعل القرطبي مبنى على أن الطاعون أعم من الوباء أو أنه هو ، وإنه الذى ينشأ عن فساد الهواء فيقع به الموت الكثير، وقد مضى فى الجنائز من صحيح البخارى قول أبى الأسود: قدمت المدينة وهم يموتون بها موتا ذريعا، فهذا وقع بالمدينة وهو وباً بلا شك، ولكن الشأن فى تسميته طاعونا، والحق أن المراد بالطاعون فى هذا الحديث المنفى دخوله المدينة الذى ينشأ عن طعن الجن فيهيج بذلك الطعن الدم فى البدن فيقتل ، فهذا لم يدخل المدينة قط ، فلم يتضح جواب القرطي. وأجاب غيره بأن سبب الترجمة لم ينحصر فى الطاعون وقد قال ◌َّة: ولكن عافيتك أوسع لى. فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي مَو ◌َّه لها بالصحة. وقال آخر: هذا من المعجزات المحمدية لأن الأطباء .. من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة. قلت (قائله الحافظ): هو كلام صحيح ولكن ليس هو جوابا عن الإشكال. ومن الأجوبة أنه مَ لتم عوضهم عن الطاعون بالحمى لأن الطاعون يأتى مرة بعد مرة والحمى تتكرر فى كل حين فيتعادلان فى الأجر ويتم المراد من عدم دخول الطاعون لبعض ما تقدم من الأسباب ، ويظهر لى جواب أخر بعد استحضار الحديث الذى أخرجه أحمد من رواية أبى عسيب - بمهملتين آخره موحدة وزن عظيم - رفعه: أتانى جبريل بالحى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام. وهو أن الحكمة فى ذلك أنه مؤ قّم لما دخل المدينة كان فى قلة من أصحابه عددا ومددا وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة ثم خير التى معروفة فى أمرين يحصل بكل منهما الأجر الجزيل فاختار الحى حينئذ لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن له فى القتال كانت قضية استمرار الحى بالمدينة أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد فدعا بنقل الخى من المدينة إلى الجحفة فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من حيئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصات له بالقتل فى سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الخى التى هى حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تميزالهاعن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المدة المتطاولة، والله أعلم - انتهى. وارجع إلى وفاء الوفاء للسمهودى (ص ٦٤ - ٦٧) فإنه قد بسط الكلام على ذلك وأحسن. وقال الزرقانى: قد امتنع الطاعون ٥٣٨ ١ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى ولا الدجال. متفق عليه. ٢٧٦٧ - (١٥) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه تع: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال عن المدينة بدعائه وخبره هذه المدد المتطاولة فهو خاص بها. وجزم ابن قتيبة فى المعارف والنووى فى الأذكار بأن الطاعون لم يدخل مكة أيضا معارض بما فقله غير واحد بأنه دخلها فى سنة سبع وأربعين وسبعمائة ؛ لكن فى تاريخ مكة لعمر بن شبة برجال الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا: المدينة ومكة محفو فتان بالملائكة على كل نقب منها ملك فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون . وحينئذ فالذى نقل أنه دخل مكة فى التاريخ المذكور ليس كما ظن أو يقال إنه لا يدخلهما من الطاعون مثل الذى يقع فى غيرهما كالجارف وعمواس، وفى حديث أنس عند البخارى فى الفتن ((فيجد الملائكة يحرسونها يعنى المدينة فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله)). وقد اختلف فى هذا الاستثناء فقيل هو للتبرك فيشملهما، وقيل هو التعليق وأنه يختص بالطاعون ومقتضاه جواز دخول الطاعون المدينة. قال الحافظ فى الفتن: وكونه للنبرك هو أولى. وقال السمهودى بعد ذكر هذه الرواية: هذا يقتضى جواز دخول الطاعون المدينة، ويرده الجزم فى سائر الأحاديث والصواب حفظها منه كما هو المشاهد، وقيل المراد بالطاعون فى هذا الحديث المنفى دخوله المدينة طاعون العذاب فتأمل (ولا الدجال) هو فعال بفتح أوله وتشديد الجيم من الدجل وهو التغطية، والمراد المسيح الأعور، وسمى الكذاب دجالا لأنه يغطى الحق بباطه، ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه والإناء بالذهب إذا طلاء)، وقال ابن دريد: سمى دجالا لأنه يغطى الحق بالكذب، وقيل لضربه نواحى الأرض. وقيل: بل قيل ذلك لأنه يغطى الأرض فرجع إلى الأول. وقال القرطبي فى التذكرة اختلف فى قسميته دجالا على عشرة أقوال. وقال صاحب القاموس: إنه اجتمع له من الأقوال فى سبب تسميته الدجال المسيح خمسون قولا، کذا فى الفتح. ویأتی مزيد الكلام على عدم دخول الدجال المدينة فى شرح حديث أنس الذى يليه (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج و فى الطب وفى الفتن، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٢٣٧) ومالك فى الجامع والنسائى. ٢٧٦٧ - قوله (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال) أى يدوسه ويدخله ويفسده. قال الحافظ: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: المراد لا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته وغفل عما فى صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السنة. قلت: لا إشكال فى طى الدجال جميع البلاد فى المدة التى ذكرت فى الأحاديث ولا مجال لاستبعاده حيث اخترعت فى عصرنا هذا سيارات سريعة وقطارات بخارية وكهربائية فى البر وبواخر سريعة الجرى فى البحر وطيارات ونفائات وصواريخ ذرية تقطع فى أقصر وقت من الأبعاد والمسافات ما كان لا يتصوره الإنسان قبل ذلك، وروى الحاكم من حديث أبى الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه ٥٣٩ مرحاة المفائح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ، فينزل السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق . « أنه يخرج إمنى الدجال فى نقص من الدنيا وخفة من الدين وسوء ذات بين فيرد كل منهل وتطوى له الأرض على فروة الكبش حتى يأتى المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها ثم يأتى ايلياء فيحاصر عصابة من المسلمين ، فهذا فيه نوع آخر لطى الأرض (إلا مكة والمدينة) بالنصب على الاستثناء. قال الزرقانى: وعند الطبرى عن ابن عمرو مرفوعا (إلا الكعبة وبيت المقدس)، وزاد الطحاوى (( ومسجد الطور ، وفى بعض الروايات: فلا يبقى موضع إلا ويأخذه الدجال غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور، فإن الملائكة قطرده عن هذه المواضع - انتهى. ونسب الحافظ حديث عبد الله بن عمرو إلى الطبرانى والروابة الثانية إلى أحمد، قال: ورجاله ثقات (ليس نقب من أنقابها) أى أنقاب المدينة أو أنقاب كل واحدة منهما (إلا عليه الملائكة) أى على ذلك النقب (يحرسونها) أى يحفظون أهلها (فيزل) أى الدجال بعد أن منعته الملائكة (السبخة) بكر الباء صفة وهى الأرض التى تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض. الشجر، وبفتحها اسم، وهو مرضع قريب من المدينة (فترجف المدينة) بضم الجيم أى تضطرب (بأهلها) أى ملتبسة بهم. وقيل: الباء للتعدية أى تحركهم وتزلزلهم (ثلاث رجفات) بفتح الجيم (فيخرج إليه) أى إلى الدجال، وفى رواية (( فيخرج الله، (كل كافر ومنافق) قال الطبى: الباء يحتمل أن تكون للسبية أى تتزلزل وتضطرب بسبب أهلها لنفض إلى الدجال الكافر والمنافق، وأن يكون حالا أى ترجف ملتبسة، ثم نقل عن المظهر ((ترجف المدينة بأهلها)) أى تحركهم وتلقى ميل الدجال فى قلب من ليس بمؤمن خالص، قال: فعلى هذا الباء صلة الفعل، وقال الحافظ فى الحج: قوله ،ثم ترجف المدينة بأهلما ثلاث رجفات، إلخ. أى يحصل لها زلزلة بعد أخرى ثم ثالثة حتى يخرج منها من ليس مخاصا فى إيمانه ويبقى بها المؤمن الخالص فلا يسلط عليه الدجال ولا يعارض هذا ما فى حديث أبى بكرة عند البخارى أنه لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لأن المراد بالرعب ما يحدث من الفزع من ذكره والخوف من عتوه لا الرجفة التى تقع بالزلزلة لا خراج من ليس بمخلص ، وحمل بعض العلماء الحديث الذى فيه أنها تتفى الخبث على هذه الحالة دون غيرها ، وقد تقدم أن الصحيح فى معناه أنه خاص بناس وبزمان فلا مانع أن يكون هذا الزمان هو المراد ، ولا يلزم من كونه مرادا ففى غيره ، وقال فى باب ذكر الدجال من كتاب الفتن: الجمع بين قوله ترجف ثلاث رجنات وبين قوله لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال أن الرعب المفى هو الخوف والفزع حتى لا يحصل لأحد فيها بسبب نزوله قربها شئى منه، أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة الارفاق وهو إشاعة مجيئه وأنه لا طاقة لأحد به، ويسارع حينئذ إليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق فيظهر حينئذ تمام أنها تنفى خبثها - انتهى. وقال ٥٤٠ ٢