النص المفهرس
صفحات 501-520
مرعاة المفاتيح ج 1
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
قال رسول اللّه ◌َف: المدينة حرام ما بين عير إلى "ور،
الحديث. ولأحمد من طريق طارق بن شهاب ((فيها فرائض الصدقة)) والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت
واحدة وكان جميع ذلك مكتوبا فيها فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه، والله أعلم، وقد بين ذلك قتادة فى روايته
لهذا الحديث عن أبى حسان عز على (قال رسول اللّه ◌َبث: المدينة حرام) كذا فى رواية البخارى فى باب إثم من عاهد
ثم غدر من كتاب الجهاد، وهكذا وقع عند أحمد (ج ١: ص ١٢٦) وأبى داود ولفظ مسلم ((المدينة حرم )) بفتحتين
بدون ألف وهكذا عند البخارى فى «باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة، وكذا وقع عند أحمد (ج ١: ص ٨١)
والترمذى والنسائى. والحرام بمعنى الحرم لأن الروايات يفسر بعضها بعضا. وقال القارى: حرام أى محترم ممنوع بما
يقتضى إهانة الموضع المكرم، وعند الشافعية: الحرام بمعنى الحرم. قلت: وهو الظاهر (ما بين عير) بفتح العين المهملة
وسكون الياء آخر الحروف بلفظ العير مرادف الحمار، جبل مشهور فى قبلة المدينة بقرب ذى الحليفة ميقات المدينة ،
وفى رواية للبخارى (( ما بين عائر، بألف بعد العين المهملة على وزن فاعل (إلى ثور) بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو
بلفظ الثور فحل البقر جبل صغير خلف أحد وهو غير جبل ثور الذى بمكة ، وقوله ((إلى ثور، انفرد به مسلم ، ولفظ
البخارى ((إلى كذا) أى بإيهام النهاية. قال الحافظ: اتفقت روايات البخارى كلها على إبهام الثانى ووقع عند مسلم
((إلى ثور)، فقيل: إن البخارى أبهمه عمداً لما وقع عنده أنه وهم. وقال صاحب المشارق والمطالع: أكثر رواة
البخارى ذكروا عيرا ، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك مكانه بياضا ، والأصل فى هذا التوقف قول
مصعب الزبيرى (( ليس بالمدينة عير ولا ثور)) وأثبت غيره عيرا فوافقه على إنكار ثور. قال أبو عيد (القاسم بن سلام):
قوله «ما بین عیر إلی ثور ، هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلا عندهم یقائ له ثور، وإنما
ثور بمكة ، ونرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد. قلت (قائله الحافظ): وقد وقع ذلك فى حديث عبد الله بن
سلام عند أحمد والطبرانى (فی الکبیر قال عبد الله بن سلام: ما بین کذا و أحد حرام حرمه رسول الله ٹے، ما
كنت لأقطع به شجرة ولا أقتل به طائراً. هذا لفظ أحمد (ج ٥: ص ٤٥٠) ولفظ الطبرانى ((قال ما بين عير وأحد
حرام، قال الهيشمى: ورجاله ثقات) وقال عياض: لا معنى لإنكار عيد بالدبنة فإنه معروف، وقد جاء ذكره فى
أشعارهم، وأنشد أبو عيد البكرى فى ذلك عدة شواهد. وقال ابن السيد فى المثلث: غير اسم جبل بقرب المدينة
معروف. قال الحافظ: وقد سلك العزاء فى إنكار مصعب الزبيرى لغير ئون مسالك، منها ما تقدم، ومنها: قول ابن
قدامة فى المنى (ج ٣: ص ٣٥٤): يحتمل أن أثنى ثم أراد قدر ما بين ثور وعير لا أنهما بعينهما فى المدينة، ويحتمل
أنه أراد الجبلين الذين بطرفى المدينة وسماهما عيرا وثورا تجوزاً واوتجالا - انتهى. وحكى ابن الأثير كلام أبى عبد
٥٠١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
مختصرا ثم قال: وقيل إن عيرا جبل بمكة ، ويكون المراد أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة أو حرم
المدينة تحريما مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة ، على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف. وقال النووى:
يحتمل أن ثورا كان اسما لجيل هناك زما أحد وإما غيره فخفى اسمه، وقال صاحب البيان والانتصار: قد صحت
الرواية بلفظ ثور فلا ينبغى الإقدام على توهيم الرواة بمجرد عدم العرفان فإن أسماء الأماكن قد تتغير أو تنسى ولا
يعلمها كثير من الناس ، وأيضا فقد يكون للشئ اسمان فيعرف أحدهما دون الآخر. وقال المجد صاحب القاموس:
لا أدرى كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم فى الحديث المتفق على صحته بمجرد ادعاء أن أهل
المدينة لا يعرفون جبلا يسمى ثورا وذكر احتمال طرق التغيير فى الأسماء والنسيان لبعضها، قال حتى إنى سألت جماعة
من فقهاء المدينة وأمرائها وغيرهم من الأشراف عن فدك ومكانها فكلهم أجابوا بعدم معرفة موضع يسمى بذلك فى
بلادهم مع أن هذه القرية لم تبرح فى أيدى الأشراف والخلفاء يتداولونها إلى أواخر الدولة العباسية فكيف بجبل صغير
لا يتعلق به كبير أمر مع أنه معروف بين أهل العلم بالمدينة ونقل بعض الحفاظ وصفه بذلك خلفا عن سلف - انتهى.
ونقل جماعة عن المحدث أبى محمد عفيف الدين عبد السلام بن مزروع البصرى نزيل المدينة المشرفة أنه رآه غير مرة
وأنه لما خرج رسولا من صاحب المدينة إلى العراق كان منه دليل يذكر له الأماكن والأجبل ، فلما وصلا إلى أحد إذا
بقربه جبل صغير فسأله ما اسم هذا الجبل؟ فقال له: يسمى ثورا. وقد حكى عنه نحو هذا القطب الحلبى فى شرح
البخارى ثم قال: فعلمت بذلك صحة الرواية. وقال المحب الطبرى فى الأحكام بعد حكاية كلام أبى عبيد ومن تبعه:
قد أخبرنى الثقة الصدوق الحافظ العالم أبو محمد عبد السلام البصرى أن حذاء أحد عن يساره جانحاً إلى وراءه جبل
صغير يقال له ثور. وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل
أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك. قال الطیری فعلمنا بذلك أن ذکر ثور فی الحدیث صحیح، وأن
عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه. قال: وهذه فائدة جليلة - انتهى. وقال الحافظ بعد حكاية كلام
ابن مزروع البصرى والمحب الطبرى والقطب الحلى: وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغى نزيل المدينة فى مختصره
لأخبار المدينة أن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا يضرب لونه إلى الحمرة
بتدوير يسمى ثورا. قال: وقد تحققته بالمشاهدة - انتهى كلام الحافظ. ونقل السمهودى عن الإقشهرى أنه قال قد
استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم فوجدنا ذلك اسم جبل صغير خلف جبل أحد يعرفه القدماء
دون المحدثين من أهل المدينة. والذى يعلم حجة على من لا يعلم - انتهى. وأعلم أن ما ورد فى حديث على هذا من
٥٠٢
ـرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
تحديد حرم المدينة بما بين عير وثور لا ينافى الحديث الآتى ((إنى أحرم ما بين لابتى المدينة)) لأن اللابتين حرتان
يكتتفانها، كما فى القاموس، وعير وثور مكتفان المدينة ، فحديث عير وثور يفسر اللابتين ، وقيل حديث «ما بين
لابتيها)، يعنى من جهة المشرق والمغرب، فإن من جهة المشرق حرة ومن جهة المغرب أخرى، وحديث (( ما بين عير إلى
ثور )) يعنى من جهة الجنوب والشمال ، فثور من جهة الشمال وعير من جهة الجنوب، والله أعلم ، وفى حديث على هذا
وفيما يأتى من أحاديث سعد بن أبى وقاص وحديث أبى سعيد وحديث أنس دليل على أن المدينة حرماً كحرم مكة،
وقد روى فى هذا عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء، ذكر أحاديثهم المجمد فى المنتقى والعينى فى العمدة (ج ١٠:
ص ٢٣١) والهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٣: ص ٣٠٣) والسمهودى فى وفاء الوفا (ص ٨٩، ١٠٨٠١٠٥) قال
الشوكانى: استدل بما فى هذه الأحاديث من تحريم شجر المدينة وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره الشافعى ومالك
وأحمد وجمهور أهل العلم على أن للدينة حرما كحرم مكة يحرم صيده وشجره. قال الشافعى ومالك: فإن قتل صيدا
أو قطع شجرا فلا ضمان لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى. وقال ابن أبي ذئب وابن أبى ليلى: يجب فيه الجزاء
كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية وهو ظاهر قوله .. حرم إبراهيم مكة)، وذهب أبو حنيفة وزيد بن على والناصر
إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولا تثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر، والأحاديث ترد
عليهم - انتهى. وقال العينى: احتج بأحاديث تحريم حرم المدينة محمد بن أبي ذئب والزهرى والشافعى ومالك وأحمد
وإسحاق وقالوا: المدينة لها حرم فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم خلافا لابن أبى
ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعى، وقال فى القديم: من اصطاد
فى المدينة صيدا أخذ سلبه ويروى فيه أثرا عن سعد، وقال فى الجديد بخلافه. وقال الثورى وعبد الله بن المبارك
وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس المدينة حرم كما كان لمكة فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها - انتهى.
والمراد من المنع منع استحباب لا تحريم فلا يحرم عند الحنفية أخذ صيدها وقطع شجرها بل يكره فقط كما فى المرقاة.
قال فى الكافى: لأن حل الاصطياد عرف بالنصوص القاطعة فلا يحرم إلا بقاطع كذلك ولم يوجد، وأما تحريم مكة
قنصوص الكتاب فيه صريحة. قال التور بشتى: قوله مَّ ((حرمت المدينة، أراد بذلك تحريم التعظيم دون ما عدا.
من الأحكام المتعلقة بالحرم ، ومن الدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام فى حديث مسلم («لا تخبط منها شجرة إلا
العلف)) وأشجار حرم مكة لا يجوز خبطها بحال، وأما صيد المدينة وإن رأى تحريمه نفر يسير من الصحابة فإن الجمهور
منهم لم ينكروا اصطياد الطور بالمدينة ولم يبلغنا فيه عن النبي مثل نهى من طريق يعتمد عليه - انتهى. وأيضا قال
٥٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
أصحابنا: قوله عليه الصلاة والسلام ((أحرم)» من الحرمة لا من التحريم بمعنى أعظم المدينة جمعاً بين الدليلين بقدر
الإمكان، وبه نقول فنعظمها ونوقرها أشد التوقير والتعظيم لكن لا نقول بالتحريم لعدم القاطع احترازا عن الجرأة
على تحريم ما أحل الله تعالى. فإن قيل: إنه شبه التحريم بمكة فكيف يصح الحمل على التعظيم؟ أجيب بأنه لا
يخلو عن أمرين، إما أن يكون المراد التشبيه من كل الوجوه أو من وجه دون وجه، فإن كان الأول فلا يصح الحمل على ما حملتم
عليه قوله «كتحريم إبراهيم مكة، فقلتم فى الحرمة فقط لا فى وجوب الجزاء فى المشهور من المذهب، وإن قلتم بوجوب
الجزاء فلا نسلم لأنه لم يثبت عن النبي مَثم ولا عن الصحابة رضى الله عنهم إلا عن سعد فقط وعن عمر فى قول، وهو
سلب القاطع والصائد وقد أجمعنا أن ذلك لا يجب فى حرم مكة فكيف يحب هناك؟ وإن كان الثانى فكما حملتم على شئى
ساغ لنا أن تحمل على آخر ، وهذا لأن تشبيه الشئى بالشئى يصح من وجه واحد وإن كان لا يشبهه من كل الوجوه
كما فى قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم - سورة آل عمران: الآية ٥٢) يعنى من وجه واحد وهو تخليقه
بغير أب فكذلك نقول إن تشبيهه بمكة فى تحريم التعظيم فقط لا فى التحريم الذى يتعلق به أحكام أخر، لأن ذلك يوجب
التعارض بين الأحاديث، وبالحمل على ما قلنا يدفع ودفعه هو المطلوب مهما أمكن بالإجماع فصار المصير إلى ما ذهبنا
إليه أولى وأرجح بلا نزاع - انتهى. قال صاحب فتح الملهم بعد ذكر هذا كله: قلت: ولكن يرد هذا كله حديث.
جابر عند مسلم بلفظ ((إن إبراهيم حرم مكة وإنى أحرم المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها))
وأصرح منه حديث سعد بلفظ ((إنى أحرم ما بين لابتى المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها، وفى حديث ابن
عباس عند أحمد (ج ١: ص ٣١٨) بإسناد حسن ((لكل نبي حرم وحرمى المدينة، اللهم إنى أحرمها بحرمك أن لا
يؤوى بها محدث ولا يختلى خلاما ولا يعضد شوكها ولا تؤخذ لقطتها إلا لمنشدما)، فقد ثبت النهى عن الاصطياد
بطريق يعتمد عليه، وظهر أن التحريم فيه ليس بمعنى التوقير والتعظيم فقط بل هو واقع على قطع العضاء وقتل الصيد
الحرم المكى والله أعلم - انتهى. قلت: والأصل فى المنع والنهى التحريم حتى تقوم دلالة على التنزيه ولم يقم دليل
على كون النهى لكرامة التنزيه بل ورد ما يدل على كونه للتحريم فقد روى مسلم من طريق يزيد بن هارون عن عاصم
الأحوال، قال: سألت أنسا أ حرم رسول اللّه وَ ائل المدينة؟ قال: نعم هى حرام، لا يختلى خلاها؛ فمن فعل ذلك فعليه
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ففى هذه الرواية ترتب الوعيد الشديد على المختلى، قال صاحب فتح الملهم: هذا
مخالف لما ذهب إليه الحنفية من حمل النهى عن الاختلاء ونحوه على الكرامة مع إثبات الإباحة. قال: ولم أجد فى
غير هذا الطريق ويختلج فى قلبي أن الرواية وقع فيها اختصار، وحذف بعض الرواة ذكر الاحداث وإيواء المحدث وكان
٥٠٤
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
الوعيدمرتبا على ذلك المحذوف كماهو المصرح فى سائر الروايات عن أنس، وأيضا ليس فى هذه الرواية التصريح برفع هذه
الجملة إلى النبي ◌ٍَّ كما لا يخفى على المتأمل - انتهى. قلت: ليس منشأ هذا الاختلاج إلا أن هذه الرواية مخالفة لمذهب
الخفية فاضطر إلى توهينها والتشكيك فى رفعها وإلا فليس مهنا ما يدل على كونها مخالفة لسائر الروايات فتأمل.
وأجاب الخفية أيضا عن الأحاديث المذكورة بأنه مَّ إنما قال ذلك لا لأنه لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها
بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيوها ويألفوها وذلك كمنعه مَيثة من هدم آطام المدينة وقال إنها زينة المدينة.
قال الحافظ: قال الطحاوى: يحتمل أن يكون سبب النهى عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها فكان
بقاء الصيد والشجر مما يزيد فى زيتها ويدعو إلى ألفتها كما روى ابن عمر أن النبى مَّه نهى عن هدم آطام المدينة فإنها
من زينة المدينة فلا انقطعت الهجرة زار ذلك، وما قاله ليس بواضح لأن السخ لا يثبت إلا بدليل، وقد ثبت على
الفتوى بتحريمها سعد وزيد بن ثابت وأبو سعيد وغيرهم كما أخرجه مسلم. قال الحافظ: واحتج الطحاوى
(لما ذهب إليه الحنفية) بحديث أفس فى قصة أبي عمير ما فعل النغير)، قال: لو كان صيدها حراماً ما جاز حبس
الطير. وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل. قال أحمد: من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله
لحديث أبي عمير، وهذا قول الجمهور، لكن لا يرد ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له
حكم الحرم، ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم (لأنه فى أول الهجرة، وتحريم المدينة كان بعد
رجوعه {ية من خير) واحتج بعضهم بحديث أنس فى قصة قطع النخل لبناء المسجد ، ولو كان قطع شجرها
حراماً ما فعله ◌َ له، وتعقب بأن ذلك كان فى أول الهجرة كما سيأتى واضحا فى أول المغازى، وحديث تحريم المدينة
كان بعد رجوعه مثله من خبير كما سيأتى فى حديث عمرو بن أبى عمرو عن أنس فى الجهاد وفى
غزوة أحد من المغازى واضحا. قلت : واستدل الخفية أيضا بما رواه الطحاوى والطبرانى وابن أبى شيبة عن سلمة
أنه قال له رسول الله وَي أما إنك لوكنت قصيدت بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإنى أحب العقيق.
قال الطحاوى: ففى هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة، ألا ترى رسول اللّه تمويل قد دل سلمة وهو بها على موضع
الصيد وذلك لا يحل بمكة فثبت أن حكم صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة. وقال فى النخبة: هذا تصريح من النبى مُبَّه
على جواز صيد المدينة فإن الأئمة اتفقوا على أن العقيق من المدينة ولم يخالف فيه مخالف. وأجيب عن ذلك بما قال
البيهقى أن حديث سلمة ضعيف ومن يدعى العلم بالآثار لا ينبغى له أن يعارض الأحاديث الثابتة فى حرم المدينة بهذا
٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
الحديث الضعيف، وقد يجوز أن يكون الموضع الذى كان سلمة يصيد فيه خارجا من حرم المدينة ، والموضع الذى رأى
فيه سعد بن أبى وقاص غلاما يقطع شجرا من حرم المدينة داخله حتى لا يتنافيان ولو اختلفا كان الحكم لرواية سعد
لصحة حديثه وثقة رجاله دون حديث سلمة - انتهى. ويحتمل أن حديث سلمة كان قبل تحريم المدينة. قال صاحب
فتح الملهم : والذى تحصل من مجموع الروايات - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن لمكة حرما والدينة حرما
يختلف عن حرم مكة فى نوع من الأحكام كالنهى عن دخولها بغير إحرام وغيره، ويشبهه فى نوع منها
كالنهى عن الاصطياد وقطع الشجر مع تفاوت الدرجات فيه من حيث ورود التشديد والتغليظ فى شأن مكة وإيجاب
العقوبات على من جنى فيها على غير شاكلة ما هو فى شأن المدينة من وقوع التساهل والإغماض عمن ارتكب شيئا مما
نهى عنه، وهذا غير عاف على من تأمل فى الأحاديث التى ذكرناها من الطحاوى وغيره ، ويشهد لهذا التخفيف أيضا
ما رخص التي تُبث فى خبط شجرما لعلف الدواب، وقال فى حديث جابر عند أبى داود وغيره لا يخبط ولا يعضد حتى
رسول اللّه مَّ ولكن يهش هشا رفيقا أى ينثر نثراً بلين ورفق، ولهذا لم يجر التعامل على ما فى حديث سعد من التعزير
بالسلب؛ بل قال ابن بطال: حديث سعد فى السلب لم يصح عند مالك ولا رأى العمل عليه بالمدينة كما فى عمدة القارى -
انتهى. وقال الحافظ: قال ابن قدامة: يحرم صيد المدينة وقطع شجرها، وبه قال مالك والشافعى وأكثر أهل العلم،
وقال أبو حنيفة: لا يحرم ثم من فعل مما حرم عليه فيه شيئا أثم ولا جزاء عليه فى رواية لأحمد وهو قول مالك والشافعى
فى الجديد وأكثر أهل العلم وفى رواية لأحمد وهو قول الشافعى فى القديم وابن أبى ذئب واختاره ابن المنذر وابن نافع
من أصحاب مالك وقال القاضى عبد الوهاب: إنه الأقيس واختاره جماعة بعدهم فيه الجزاء وهو كما فى حرم مكة
وقيل: الجزاء فی حرم المدينة أخذ السلب لحديث صحه مسلم عن سعد بن أبى وقاص ، وفى رواية لأبى داود (( من
وجد أحدا يصيد فى حرم المدينة فليسله)) قال القاضى عياض: لم يقل بهذا بعد الصحابة إلا الشافعى فى القديم. قلت
(قاتله الحافظ): واختاره جماعة معه وبعده لصحة الخبر فيه، ولمن قال به اختلاف فی کیفیته ومصرفه، والذی دل
عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنه كسلب القتيل وأنه السالب لكنه لا يخمس، وأغرب بعض الحنفية فادعى
الإجماع على ترك الأخذ لحديث السلب ثم استدل بذلك على نسخ أحاديث تحريم المدينة، ودعوى الإجماع مردودة
فبطل ما ترتب عليها. قال ابن عبد البر: لو صح حديث سعد لم يكن فى نسخ أخذ السلب ما يسقط الأحاديث الصحيحة ،
ويجوز أخذ العلف لحديث أبي سعيد فى مسلم ((ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف)، ولأبي داود من طريق أبي حسان
عن على نحوه، وقال المهلب: فى حديث أنس دلالة على أن المنهى عنه فى الحديث الماضى مقصور على القطع الذى
٥٠٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
يحصل به الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح كمن يغرس بستانا مثلا فلا يمتنع عليه قطع ما كان لتلك الأرض من
شجر يضر بقاؤه. قال: وقيل: بل فيه دلالة على أن النهى إنما يتوجه إلى ما أنبته الله من الشجر مما لا صنع فيه للآدمى
كما حمل عليه النهى عن قطع شجر مكة وعلى هذا يحمل قطعه مَثيم النخل وجعله قبلة المسجد ولا يلزم منه النسخ
المذكور - انتهى. ويأتى مزيد الكلام على حرم المدينة ومسئلة السلب فى شرح حديث سعد الآتى. فائدة: روى
مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة، قال: حرم رسول اللّه مَّه
ما بين لابتي المدينة ، قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها ، وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة
حی ، وروى أبو داود من حديث عدى بن زيد قال: حمى رسول الله مَفي كل ناحية من المدينة بريدا بريدا لا يخبط
شجره ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل ، وقد سكت عليه أبو داود وكذا سكت عليه الحافظ فى الفتح، وقال المنذرى:
فى إسناده سليمان بن كنانة ، سئل عنه أبو حاتم الرازى فقال: لا أعرفه، ولم يذكره البخارى فى تاريخه، وفى إسناده
أيضاً عبد الله بن أبى سفيان وهو فى معنى المجهول - انتهى. وقال فى التقريب فى عبد الله بن أبى سفيان: إنه مقبول.
قال السمهودى (ص ٩٦): اعلم أن قوله فى حديث مسلم (( وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى، ظاهر فى التحريم
لذلك القدر، إذ حول المدينة إنما هو حرمها وحمى النبى مثل الذى ليس بحرم لم يكن حول المدينة على ما سيأتى بيانه،
ولأن التقى السبكى قال: إن فى سنن أبي داود تحديد حرم المدينة ببريد من كل ناحية. قال: وإسناده ليس بالقوى، والذى
رأيته فى أبى داود عن عدى بن زيد: حى رسول الله مؤهل كل ناحية من المدينة بريدا بريدا، إلخ. قال: ورواه البزار
بنحوه، ورواه ابن زبالة بلفظ «حرم رسول اللّه مَيثٍ شجر المدينة بريدا فى بريد منها، وأذن فى المسد والمنجدة ومناع
الناضح أن يقطع منه)). وروى المفضل الجندى عن سعد بن أبى وقاص أنه قال فى قصة العبد الذى وجده يعضد أو يخبط
عضاءا بالعقيق: سمعت رسول اللّه مَوالله يقول: من وجد من يعضد أو يخبط شيئا من عضاه المدينة بريدا فى بريد فله
سلبه. وروى البزار عن جابر قال: حرم رسول اللّه مَيتم المدينة بريدا من نواحيها كلها (قال الهيثمى بعد عزوه البزار:
وفيه الفضل بن مبشر وثقه ابن حبان وضعفه جماعة) قال السمهودي: وفى الأوسط للطبرانى: وفيه ضعيف عن كعب بن
مالك، قال حرم رسول اللّه مَّم الشجر بالمدينة بريدا فى بريد فأرسلنى فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش وعلى
شريب، وعلى أشراف مخيض وعلى نبت (قال الهيثمى: فى طرقه عبد العزيز بن عمران بن أبى ثابت، وهو ضعيف) قال
السمهودي: ورواه ابن النجار وابن زبالة بلفظ «حرم رسول اللّه مَوالقيم المدينة بريدا فى بريد وأرسلنى فأعلت على الحرم)»
إلخ. قال: وروى ابن زبالة أيضا من طريق مالك بن أنس عن أبى بكر بن حزم أن رسول اللّه مَ لي قال فى الحمى:
إلى مضرب القبة. قال مالك: وذلك نحو من بريد. قال السمرودى بعد بيان الألفاظ المتعلقة بالتحديد ما نصه:
٥٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
ز
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى
والتحديد بهذه الأماكن مؤيد لكون مجموع الحرم بريدا ، ولذلك قال ابن زبالة عقب ما تقدم عنه: وذلك كله يشبه أن
يكون بريد! فى بريد - انتهى. ويحمل عليه قول أبى هريرة فى حديث مسلم ((وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى))
لأن ذلك هو البريد أى ستة أميال من جهة قبلتها وستة أميال من جهة شاميها وكذلك فى المشرق والمغرب ومثله
حديث حى كل ناحية من المدينة بريدا أى من القبلة إلى الشمال بريدا ومن المشرق إلى المغرب بريدا، وقد أخذ بذلك
مالك رحمه الله، لكن فرق بين حرم الشجر وحرم الصيد، وجعل البريد حرم الشجر وما بين اللابتين
حرم الصيد، قال عياض فى الاكمال: قال ابن حبيب: تحريم ما بين اللابتين مخصوص بالصيد، قال: وأما قطع الشجر
فبريد فى بريد فى دور المدينة كلها، بذلك أخبرفى مطرف عن مالك وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب - أنتهى.
وحتى الباجى فى المنتقى مثله عن ابن نافع وقفل ابن زبالة عن مالك أنه قال: الحرم حرمان. فحرم الطير والوحش من
حرة واقم - أى مهى الحرة الشرقية - إلى حرة العقبق - أى وهى الغربية -- وحرم الشجر بريد فى بريد. وقال
البرهان ابن فرحون : - رم الصيدما بين حرارها الأربع، وسماها أربعا لوجود الحرئين المذكورتين فى الجهات
الأربع ، لانعطاف بعض الشرقية والغربية من جهة الشمال والقبلة، ولم يعول أصحابنا فى تحديد الحرم على البريد مع ما
فيه من الزيادة؛ لأن أدلته ليست بالقوية فعولوا على ما اشتملت عليه الأحاديث الصحيحة من الجبلين واللابتين على أن
إطلاق أحاديث التحريم مقتض لعدم الفرق بين حرم الشجر وحرم الصيد سواء كان الحرم بريدا أو دونه ، غير أن
فى أحاديث البريد ما يشعر بأنه الشجر، مع أن ابن زبالة - ومحله من الضعف معلوم - روى عن ابن بشير المازنى أنه
سمع رسول اللّه مَ له يحرم ما بين لابتبها - يعنى المدينة - من الصيد، وعن أبى هريرة وغيره نحوه. وفى رواية له
(( من الطير أن بصاد بها، وقد يقال: هو من باب إفراد فرد مما حرم بالذكر. فإن قيل: قوله فى حديث مسلم (( حرم
ما بين لابتيها وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حى، دال على الفرق المذكور، قلنا تنوع لأن غايته أن يراد بالحمى
الحرم ، فكأنه قال: وجعل اثنى عشر ميلا حولها حرما؛ إذ ليس فيه أنه جعله حى الشجر - انتهى كلام السمهودى
(فمن أحدث) أى أظهر (فيها) أى فى المدينة (حدثا) بفتحتين أى منكراً أو بدعة وهى ما عالف الكتاب والسنة،
وقال العينى: هو الأمر الحادث المنكر الذى ليس بمعتاد ولا معروف فى السنة (أو آوى) أى ضم وحمى ومكن وأجار.
قال عياض: ويقال: أوى وآوى بالقصر والمدى الفعل اللازم والمتعدى جميعا، لكن القصر فى اللازم أشهر وأنصح
والمد فى المتعدى أشهر وأفصح. قال النووي: وبالأفصح جاء القرآن العزيز فى الموضعين، قال الله تعالى: ﴿أرأيت إذ
أوينا إلى الصخرة - سورة الكهف: الآية ٦٢) وقال فى المتعدى: ﴿وآويناهما إلى ربوة - سورة المؤمنون:
٥٠٨
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ذمة المسلمين واحدة
الآية ٥٢) (محدثا) بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول ، فمعنى الكسر: من نصر جانيا وآواه وأجاره من
خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه ، ومعنى الفتح هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الايواء فيه الرضا به والصبر
عليه، فإنه إذا رضى بدعته وأقر فاعله عليها ولم ينكرما فقد آواه، قاله العينى. وقال القارى: بكسر الدال على الرواية
الصحيحة أى مبتدعا ، وقيل أى جانيا بأن يحول بينه وبين خصمه أن يقتص منه ويروى بفتح الدال أى أمرا مبتدعا،
وإيواؤه الرضاء به والصبر عليه (فعليه) أى فعلى كل منهما (لعنة الله) أى طرده وإبعاده (والملائكة) أى دعاؤهم عليه
بالبعد عن رحمته (والناس أجمعين) قال الحافظ: قوله «فعليه لعنة اللّه)) إلخ، فيه جواز لعن أهل المعاصى والفساد لكن
لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين. وفيه أن المحدث والمؤوى للحدث فى الاثم سواء. قال عياض: واستدل بهذا
على أن الحدث فى المدينة من الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا فى كبيرة ، والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة فى الابعاد
عن رحمة الله، فإن اللعن فى اللغة هو الطرد والايعادي. قال: والمراد باللعن هنا العذاب الذى يستحقه على ذنبه فى أول
الأمر وليس موكلعن الكافر الذى يبعد من رحمة الله كل الايعاد. وقال ابن بطال: دل الحديث على أن من أحدث حدثا
أو آوى محدثا فى غير المدينة أنه غير متوعد بمثل ما توعد به من فعل ذلك بالمدينة وإن كان قد علم أن من آوى أهل
المعاصى إنه يشاركهم فى الإثم، فإن من رضى فعل قوم وعملهم التحق بهم ولكن خصت المدينة بالذكر لشرفها
ولكونها مهبط الوحى وموطن الرسول عليه الصلاة والسلام. ومنها انتشر الدين فى أقطار الأرض فكان لها بذلك
مزيد فضل على غيرها. وقال غيره: السر فى تخصيص المدينة بالذكر أنها كانت إذ ذاك موطن النبي مؤثّه ثم صارت
موضع الخلفاء الراشدين (لا يقبل منه صرف ولا عدل) بفتح أولهما، وفى رواية «لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً
ولا عدلا ، واختلف فى تفسيرهما فعند الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة، ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن
الثورى وعن الحسن البصرى بالعكس، وعن الأصمعى الصرف التوبة والعدل الفدية، وقيل غير ذلك. قال عياض: معناه
لا يقبل قبول رضى وإن قبل قبول جزاء، وقيل يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما، وقد يكون معنى الفدية هنا
أنه لا يجد يوم القيامة فداء يفتدى به بخلاف غيره من المذنبين بأن يفديه من النار بيهودي أو نصرانى كما رواه مسلم من
حديث أبى موسى الأشعرى (ذمة المسلمين) أى عهدهم وأمانهم (واحدة) أى إنها كالشئى الواحد لا يختلف باختلاف
المراتب ولا يجوز نقضها لتفرد العاقد بها ، وكان الذى ينقض ذمة أخيه كالذى ينقض ذمة نفسه، وهى ما يذم الرجل
على إضاعته من عهد وأمان كأنهم كالجسد الواحد الذى إذا اشتكى بعضه اشتكى كله، قاله القارى.
وقال الحافظ : ذمة المسلمين واحدة أى أمانهم صحيح فإذا آمن الكافر واحد من المسلمين حرم على غيره
التعرض له، وللأمان شروط معروفة، وقال البيضاوى: الذمة العهد سمى بها لأنه يذم متعاطيها
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف
ولا عدل، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين،
على إضاعتها (يسعى بها) أى يتولاها ويلى أمرها (أدناهم) أى أدنى المسلمين مرتبة، والمعنى أن ذمة المسلمين
واحدة سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا آمن أحد من المسلمين كافراً وأعطاه
ذمة لم يكن لأحد نقضه فيستوى فى ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد لأن المسلمين كنفس واحدة. قال الحافظ :
دخل فى قوله ((أدناهم، كل وضيع بالنص وكل شريف بالفحوى؛ فدخل فى «أدناهم، المرأة والعبد والصبي والمجنون،
فأما المرأة فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئا ذكره عبد الملك يعنى ابن الماجشون صاحب
مالك لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام وتأول ما ورد ما يخالف ذلك على قضايا خاصة ،
قال ابن المنذر: وفى قول النبي مَ ه (( يسعى بذمتهم أدناهم)) دلالة على إغفال هذا القائل ـ انتهى. وجاء عن سحنون
مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الامام إن أجازه جاز وإن رده رد ، وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه قاتل أو لم
يقاتل. وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه وإلا فلا. وقال سحنون: إذا أذن له سيده فى القتال صح أمانه وإلا فلا.
وأما الصبى فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز. قلت (قائله الحافظ): وكلام غيره يشعر
بالتفرقة بين المراهق وغيره وكذلك المميز الذى يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة، وأما المجنون فلا يصح أمانه
بلا خلاف كالكافر، لكن قال الأوزاعى: إن غزا الذمى مع المسلمين فآمن أحداً فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرده
إلى مأمنه، وحكى ابن المنذر عن الثورى أنه استثنى من الرجال الأحرار الأسير فى أرض الحرب فقال لا ينفذ أمانه
وكذلك الأجير (فمن أخفر مسلم) بالخاء المعجمة والفاء أى نقض عهد مسلم وأمانه فتعرض لكافر آمنه مسلم. قال أهل
اللغة: يقال أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته بغير همز إذا آمنته، فالهمزة فى أخفر للإزالة والسلب نحو المكيته
أى أزلت شكاته فمعنى ((أخفر مسلما)) أزال خفرته أى عهده وأمانه (ومن والى قوما) أى اتخذهم أولياء، وهو يحتمل
أن يراد به ولاء الموالاة والحلف بأن يكون لرجل موالى فأبطل موالاتهم واتخذ قوما آخرين موالى بغير إذن مواليه
والاستشارة بهم فإن فيه نوعا من نقض العهد والإيذاء، وقيل المراد من نسب نفسه إليهم كانتمائه إلى غير أبيه ، ويحتمل
أن يراد ولاء العتافة وهذا أنسب لما جاء فى الرواية الأخرى من أقرانه وذكره مع قوله «من ادعى إلى غير أبيه» یعنی من
انتسب إلى غير من هو معتق له كان كالدعى الذى ينتسب إلى غير أبيه، قال النووى: معناه أن ينتمى العتيق إلى ولاء
غير معتقه وهذا حرام لتفويته حق المنعم عليه، ولأن الولاء كالنسب فيحرم تضييعه كما يحرم تضيع النسب وانساب
إنسان إلى غير أبيه (بغير إذن مواليه) تنبيه على ما هو المانع وهو إبطال حقهم وأمانتهم وإيراد الكلام على ما هو
٥
٠٠٠
٠٠
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
لا يقبل منه صرف ولا عدل. متفق عليه. وفى رواية لهما: من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير
مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل.
الغالب فى الوقوع لا تقييد الحكم بعدم الاذن حتى يجوز الانتساب باذنهم. قال النووى: احتج قوم بقوله ( بغير إذن
مواليه)، على جواز التولى بإذن مواليه، والصحيح الذى عليه الجمهور أنه لا يجوز وإن أذنوا كما لا يجوز الانتساب
إلى غير أبيه وإن أذن أبوه فيه، وحملوا التقيد فى الحديث على الغالب لأن غالب ما يقع هذا بغير إذن الموالى فلا يكون
له مفهوم يعمل به ونظيره قوله تعالى: ﴿ورباتبكم اللاتى فى حجوركم - سورة النساء: الآية ٢٧) وقوله تعالى: ﴿ولا
فقتلوا أولادكم من إملاق - سورة الأنعام الآية ١٢٢) وغير ذلك من الآيات التى قيد فيها بالغالب وليس لها
مفهوم يعمل به - انتهى. وقال الخطابي: ليس إذن الموالى شرطا فى ادعاء نسب و ولاء ليس منه و إليه، وإنما ذكر
تأكيدا للتحريم لأنه إذا استأذنهم فى ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك - انتهى. قال الحافظ: وهذا
لا يطرد لأنهم قد يتواطون معه على ذلك لغرض ما، والأولى ما قال غيره أن التعبير بالاذن ليس لتقييد الحكم بعدم
الإذن وقصره عليه، وإنما ورد الكلام بذلك على أنه الغالب - انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون كنى بذلك
عن بيعه فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثانى وهو غير مولاه الأول، أو المراد موالاة الحلف ، فإذا أراد
الانتقال عنه لا ينتقل إلا بإذن ، وقال البيضاوى: الظاهر أنه أراد به ولاء العنق لعطفه (فى الرواية الآتية) على قوله
(( من ادعى إلى غير أبيه)، والجمع بينهما بالوعيد، فإن العتق من حيث أنه لحمة كلحمة النسب فإذا نسب إلى غير من هو
له كالدعى الذى تبرأ عمن هو منه وألحق نفسه بغيره، فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والايعاد عن الرحمة ثم أجاب عن
الإذن بنحو ما تقدم، وقال: ليس هو للتقيد، وإنما هو التنبيه على ما هو المانع، وهو إبطال حق مواليه، فأورد
الكلام على ما هو الغالب (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى الجهاد وفى الفرائض وفى الاعتصام ، ومسلم فى
الحج وفى العنق، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود فى أواخر الحج والترمذى فى الولاء والهبة، والنسائى والطحاوى
والبيهقى وغيرهم (وفى رواية هما) أى الشیخین وفيه أن قوله (( من ادعى إلى غير أبيه» ليس فى رواية البخارى (من
ارجى) أى انتسب (إلى غير أبيه) أى المعروف (أوتولى غير مواليه) هذا العطف يؤيد من فسر الموالاة بولاء العتاقة
كما تقدم (فعليه لعنة الله) إلخ. قال النووي: هذا صريح فى غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه أو انتماء العتيق إلى
ولاء غير مواليه لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الارث والولاء والعقل وغير ذلك مع ما فيه من قطيعة
الرحم والعقوق.
٥١١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٥٤ - (٢) وعن سعد، قال: قال رسول اللّه عَّة: إنى أحرم ما بين لابتى المدينة أن يقطع
عضاهها أو يقتل صيدها.
٢١٥٤ - قوله (وعن سعد) أى ابن أبى وقاص أحد العشرة المبشرة (إنى أحرم ما بين لابتي المدينة)
بتخفيف الموحدة تثنية لابة، وهى الحرة وهى الأرض ذات الحجارة السود كأنها أحرقت بالنار وأراد بهما حرتين
تكتفانها وجمع اللابة لوب ولابات ولاب. قال ابن حبيب: هما الحرتان الشرقية والغربية، ولادينة حرنان حرة
بالقبلة (من جهة الجنوب) وحرة بالجرف (من جهة الشمال) فهى حرار أربع لكن يرجع كلها إلى الحرتين الشرقية
والغربية لاتصالهما بهما ولذلك جمعها مَّة فى اللابتين. وقال السمهودى: ما بين لا بتيها أى حرتيها الشرقية والغربية،
والمدينة بينهما، ولها أيضا حرة بالقبلة وحرة بالشام لكنهما يرجعان إلى الشرقية والغربية لاتصالهما بهما، ولهذا جمعها
◌َ كلها فى اللابتين كما نبه عليه الطبرى - انتهى. قال الحافظ: قد تكرر ذكر اللابتين فى الحديث ووقع فى حديث
جابر عند أحمد «وأنا أحرم المدينة ما بين حرقيها، فأدعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع فى رواية
(((ما بين جبليها، وفى رواية «ما بين لابتيها، وفى رواية «مازميها، وتعقب بأن الجمع بينهما واضح وبمثل هذا" ..
لا ترد الأحاديث الصحيحة، فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح، ولا شك أن رواية ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة
عليها، ورواية جبايها لا تنافيها يكون عند كل لابة جبل، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة الشرق
والغرب ، وتسمية الجباين فى رواية أخرى لا تضر، وأما رواية مازميها فهى فى بعض طرق أبى سعيد، والمزم بكسر
الراى المضيق بين الجبلين، وقد يطلق على الجبل نفسه كذا قال الحافظ فى شرح حديث أنس فى باب حرم المدينة.
وفيه نظر فإنه ليس عند كل جبل لابة ولا أن لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة المشرق والمغرب
بل الحقيقة أن حديث ما بين لابتيها بعنى من جهة المشرق والمغرب ، فإن من جهة المشرق حرة ومن جهة المغرب أخرى،
وحديث ما بين جبليها يعنى الحرتين الجنوبية والشمالية، قال النووي: الدينة لابتان شرقية وغربية وهى بينهما. قال:
والمراد باللابتين الحرتان ، قال: وهذه الأحاديث كلها متفقة فما بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهتى المشرق والمغرب
وما بين جبليها لحده من جهة الجنوب والشمال. وقال الحافظ فى باب لابتى المدينة فى شرح حديث أبى هريرة « ما بين
لابتبها حرام»: أن المدينة بين لاتين شرقية وغربية ولها لابتان أيضا من الجانبين الآخرين إلا أنهما يرجعان إلى
الأولين لاتصالهما بهما، والحاصل أن جميع دورها كلها داخل ذلك - انتهى. قال النووي: ومعنى قوله , ما بين
لاتيها، الابتان وما بينهما، والمراد تحريم المدينة ولا بتبها يعنى أن اللابتين داخلتان أيضا. قال الأبى ولعلها بدليل
آخر، وإلا فلفظ ((بين، لا يشملهما - انتهى (أن يقطع) بدل اشتمال من المفعول (عضامها) بكسر العين المهملة ،
٥١٢
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
وقال: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها
وهى كل شجر عظيم له شوك كالطلح والعوسج واحدها عضامة وعضهة وعضه وعضة بحذف الهاء الأصلية كما يحذف من
الشفة (وقال: المدينة خير لهم) قال القارى: أى لأهلها من المؤمنين فى الدنيا والأخرى، وذلك مطلق إن كان قبل الفتح
ومقيد بغير مكة إن كان بعده ، أو المراد بالخيرية من جهة بركة المعيشة فلا ينافى بركة الفضيلة الزائدة الثابتة لمكة
بالأحاديث الصحيحة الصريحة - انتهى. قلت: احتج ابن رشد بالحديث على تفضيل المدينة على مكة ، ولا دليل فيه لأن
كونها خيرا مطلق يصدق بصورة كمكونها خيرا من الشام لا من كل الأرض. وقال السندى فى حاشية مسلم: قوله
(((المدينة خير لهم، قال ذلك فى ناس يتركون المدينة إلى بعض بلاد الرخاء كالشام وغيره كما سيجتى، وهؤلاء الناس هم
المراد بضمير (لهم)) أى المدينة خير لأولئك النار كين لها من تلك البلاد التى يتركون المدينة لأجلها فلا دليل فى الحديث على
تفضيل المدينة على مكة كما لا يخفى (لو كانوا يعلمون) أى ما فيها من الخير لما فارقرها وما اختاروا غيرها عليها وما تحولوا
للتوسعة فى الدنيا، قال السندى: ليس المراد به أنها خير على تقدير العلم، إذ المدينة خير لهم علموا أو لا ، بل المراد لو
علوا بذلك لما فارقوها، وقد يجعل كلمة لو للتمنى لكن قد يقال: كثير منهم يبلغهم الخبر ويفارقونها فأولئك قد علوا
بذلك لبلوغهم الخبر ومع ذلك فارقوها فكيف يصح «لو علموا بذلك لما فارقوها)؟ قلت: يمكن دفعه بأن المراد لو علموا
بذلك عيانا وليس الخبر كالمعاينة، أو يقال هو من تنزيل العالم الذى لا يعمل بعده بمنزلة الجاهل، كأنه ما علم هذا، وقد
يقال: المعنى المدينة خير لهم لو كانوا من أهل العلم، إذ البلدة الشريفة لا ينتفع بها إلا الأعل الشريف الذين يعملون على
مقتضى العلم، وأما من ليس من أهل العلم فلا ينتفع بالبلدة الشريفة بل ربما يتضرر ، فخيرية البلدة ليست إلا لأهلها ،.
ومن يلبق للإقامة فيها فافهم ـ انتهى. وقال الأبى: (لو)، هذه إن كانت امتناعية فجوابها محذوف أى لو كانوا من أهل
العلم لعلموا ذلك ولم يفارقوا المدينة، وإن كانت متعدية فالتقدير لو كانوا يعلمون ذلك لما فارقوها، وإن كانت للتمنى لم
تفتقر إلى جواب، وعلى التقديرين هو تجهيل لمن فعل ذلك لتقويته عن نفسه أجرا عظيما، ولذلك قال: إلا أبدل الله .
فيها خيرا منهم، كما قال تعالى: ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم - سورة محمد: الآية ٤٠) أى يخلق خلقا سواكم على
خلاف صفتكم من الرغبة فى الايمان (لا يدعها) استئناف مبين أى لا يتركها (أحد) من استوطنها (رغبة عنها) أى
عن ثواب الساكن فيها، وأما من خرج لضرورة شدة زمان أو فتنة فليس من يخرج رغبة عنها، وقال القرطبي والمازرى:
رغبة عنها أى كرامة لها من رغبت عن الشئى إذا كرهته. وقال الباجى: الظاهر عندى أنه إنما أراد به الخروج عن
استيطانها إلى استيطان غيرها ، وأما من كان مستوطنا غيرها يعنى من كان وطنه غيرها فقدم عليها طالبا للقربة باتيانها
ورجع إلى وطنه أو كان مستوطنا بها فسافر عنها لحاجة أو اضرورة شدة زمان أو فتنة فليس من يخرج رغبة عنها -
٥١٣
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
إلا أبدل اللّه فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لاوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا
أو شهيدا
انتهى (إلا أبدل الله فيها) أى فى المدينة (من هو خير منه) قال الباجى: بمولود يولد فيها أو بمنتقل ينتقل إليها من غيرها .
قبل هذا خاص بزمن حیاته څے ، وقيل: دائما. ويدل عليه قوله فى حديث« یأتی على الناس زمان يدعو الرجل ابن
عمه وقريبه علم إلى الرخاء، المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)). وقال ابن عبد البر: هذا فى حياته مَّةٍ ، وذلك مثل
الأعرابى القائل ((أقلنى بيعتى)) ومعلوم أن من رغب عن جواره أبدله اللّه خيرا منه، وأما بعد وفاته فقد خرج منها
جماعة من أصحابه ولم تعوض المدينة خيرا منهم. قال الزرقانى: يعنى كأبي موسى وابن مسعود ومعاذ وأبى عبيدة وعلى
وطلحة والزبير وعمار وحذيفة وعبادة بن الصامت وبلال وأبى الدرداء وأبي ذر وغيرهم، وقطنوا غيرها و ماتوا
خارجا عنها ولم تعوض المدينة مثلهم فضلا عن خير منهم ، فدل ذلك على التخصيص بزمنه مَث. قال الأبى: الأظهر
أن ذلك ليس خاصا بالزمن النبوى ومن خرج من الصحابة لم يخرج رغبة عنها بل إنما خرج لمصلحة دينية من تعليم أو
جهاد أو غير ذلك ـ انتهى. قال الزرقانى: لا يقال ليس النزاع فى أن خروجهم لما ذكر إنما هو فى تعويضها بخير منهم ،
وهذا لم يقع فالأظهر التخصيص لأنا نقول: الابدال مقيد بالخروج رغبة عنها فلا يرد أن الخارج لمصلحة دينية لم
قعوض مثلهم - انتهى. قلت: هذا هو الظاهر بل الصحيح فإن التعويض والايدال لما كان مقيدا بترك المدينة والخروج
رغبة عنها فلا مانع من حمله على الإطلاق والعموم (ولا يثبت أحد) أى بالصبر (على لاواتها) بالمد بسكون الهمزة
الأولى وتبدل ألفا أى شدة جوعها (وجهدها) بفتح الجيم وقد تضم أى مشقتها ما يجد فيه من شدة الحر وكربة الغربة
وأذية من فيها من أهل البدعة لأهل السنة. قال الجوهرى: اللاواء الشدة، لكن المراد هنا ضيق المعيشة والقحط لما
فى أكثر الروايات على لاوائها وشدتها فلابد من الاختلاف فى معناهما وإن كان يمكن أن يكون العطف تفسیریا
وتاكيديا ، لأن التأسيس أولى، والأصل فى العطف التغاير فيحمل اللاواء على ضيق المعيشة والجهد على ما يصيبهم من
الحر وعلى ما يصيب المهاجر فيها من وحشة الغربة وغير ذلك، كذا فى المرقاة، وشرح المصابيح للنور بشتى. قال
الأبى: الحديث خرج مخرج الحث على سكناها فمن لزم سكناها دخل فى ذلك ولو لم تلحقه لاواء لأن التعليل بالغالب
والمظنة لا يضر فيه التخلف فى بعض الصور كتعليل القصر بمشقة السفر (إلا كنت) بصيغة المتكلم (له شفيعا أو شهيدا)
قال عياض: سئلت قديما عن معنى هذا الحديث يعنى أن ((أو)) هذه هل هى للشك أو غيره ولم خص ساكن المدينة
بالشفاعة هنا مع عموم شفاعته مٍَّ وادخاره إياها لأمته؟ قال: وأجبت عنه بجواب شاف مقنع فى أوراق اعترف
بصوابه كل واقف عليه. قال: وأذكر الآن منه يعنى فى شرح مسلم لمعاً تليق بهذا الموضع قال بعض شيوخنا: أو هنا
٥١٤
١٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
يوم القيامة ، رواه مسلم.
٢٧٥٥ - (٣) وعن أبى هريرة، أن رسول اللّه مؤلي قال: لا يصبر على لاواء المدينة وشدتها أحد
، من أمتى إلا
الشك والأظهر عندنا أنها ليست الشك لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله وسعد بن أبى وقاص وابن عمر
وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبى عبيد عن النبى روائي بهذا اللفظ ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم.
على الشك وتطبقهم فيه على صيغة واحدة بل الأظهر أنه تمَّع قال هكذا ، فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة مکذا (أى من
الله تعالى) وإما أن تكون أو للتقسيم ويكون شهيدا لبعض أهل المدينة وشفيعا لاقيهم إما شفيعا العاصين وشهيداً للطيعين
وإما شهيداً لمن مات فى حياته وشفيعا لمن مات بعده أو غير ذلك، وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة لكافة المذنبين
يوم القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمة وقد قال تزيثم فى شهداء أحد: أنا شهيد على هؤلاء فيكون لتخصيصهم بهذا
كله مزية وزيادة منزلة وحظوة. قال: وقد تكون أو بمعنى الواو فيكون لأهل المدينة شفيعا وشهيدا معاً. قال:
وقد روى: إلا كنت له شهيداً وله شفيعاً - انتهى. قال الزرقانى: بالواو رواه البزار من حديث ابن عمر. قال
عياض: وإذا جعلنا أو الشك كما قيل فإن كانت اللفظة الصححة («شهداً، اندفع الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة
المدخرة المجردة لغيرهم ، وإن كانت «شفيعاً، فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة
أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التى هى لإخراج أمته من النار ومعافاة بعضهم منها بشفاعته مؤثر فى القيامة وتكون
هذه الشفاعة بزيادة الدرجات ورفعها أو تخفيف السيئات أو بما شاء الله من ذلك أو باكرامهم يوم القيامة بأنواع من
الكراسة كإيوائهم إلى ظل العرش أوكونهم فى روح أو على منابر أو الاسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من
خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض - انتهى. كذا نقله عنه النووى فى شرح مسلم وغيره وأقروه
(يوم القيامة) فى الحديث إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة وتنبيه على أنه ينبغى للمؤمن أن يكون صابرا بل شاكرا على إقامته
فى المدينة ولا ينظر إلى ما فى عداها من النعم الصورية لأن العبرة بالعم الحقيقية الأخروية (رواه مسلم) وأخرجه أيضا
أحمد (ج ١: ص ١٨١، ١٨٥) والبيهقى (ج ٥: ص ١٩٧).
٢٧٥٥ - قوله (لا يصبر على لا واء المدينة) أى شدة جوعها (وشدتها) عطف تفسير على قول بعض الشراح،
وقال أبو عمر: يعنى المدينة، والشدة الجوع واللاواء تعذر الكسب وسوء الحال. وقال المازرى: اللاواء الجوع وشدة
المكسب، وضمير شدتها يحتمل أن يعود على اللاوا. ويحتمل أن يعود على المدينة. وقال الباجى: اللاواء هو الجوع وتعذر
التكسب والشدة يحتمل أن يريد بها اللاواء ويحتمل أن يريد بها كل ما يشتد به سكناها وتعظم مضرته (أحد من أمتى إلا
٥١٥-
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
كنت له شفيعاً يوم القيامة. رواه مسلم.
٢٧٥٦ - (٤) وعنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاؤا به إلى النبي ◌َّمَ، فإذا أخذه قال:
اللهم بارك لنا فى ثمرنا وبارك لنا فى مدينتنا
كنت له شفيعا يوم القيامة) كذا وقع فى المشكاة والمصابيح أى بذكر شفيعا فقط، وفى صحيح مسلم: كنت له شفيعا يوم
القيامة أو شهيدا، وهكذا عند أحمد والبخارى فى الكبير والترمذى، وكذا ذكره الجزرى فى جامع الأصول (ج ١٠:
ص ١٩٩) والظاهر أنه سقط لفظ (( أو شهيدا)، فى المشكاة والمصابيح. وقد تقدم أنهم اختلفوا فى هذا فقيل هو مختص
بمدة حیاته ڑٹے ، وقال آخرون هو عام أبدا ، وهذا أصح، حكاه النووى عن عیاض وأقره (رواه مسلم) وأخرجه
أيضا أحمد (ج٢: س ٢٨٨،) والبخارى فى التاريخ الكبير (ج٢: ص ٢٨٤، ٢٨٥) والترمذى فى فضل الدية
من آخر المناقب.
٢٧٥٦ - قوله (كان الناس) أى الصحابة (إذا رأوا أول الثمرة) كذا فى المشكاة والمصابيح وجامع
الأصول، ولفظ مسلم ((أول الأمر)) أى بغير التاء، وهكذا فى الموطأ وجامع الترمذى، والظاهر أن ما وقع فى المشكاة
والمصابيح وجامع الأصول خطأ ، والثمر بفتح المثلثة والميم ، وأول الثمر يسمى الباكورة، فالمعنى إذا رأوا باكورة
الثمر، وهى أول ما يدرك من الفاكهة (جاؤا به) أى بأول الثمر (إلى النبى رؤية) أى هدية له مر ئية كما يدل عليه
إعطاؤه لوليد. قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة فى دعائه وَالله فى الثمر والمدينة والصاع والمد، وإعلاما له تَين}
بابتداء صلاحها بما يتعلق بها من الزكاة وغيرها وتوجيه الخارصين. وقال الأبى: وقيل: إنما كانوا يوثرونه به على
أنفسهم حباً له ويرونه أولى الناس بما يسبق إليهم من خير ربهم. وقال الزرقانى: إما هدية وجلالة ومحبة وتعظيما وإما
تبركا بدعائه لهم بالبركة وهو الذى يغلب على ظنى، وسياق الحديث يدل عليه والمعنيان محتملان، قاله ابن عبد البر.
وكذا ذكر هذين الاحتمالين التوربشتى. وقال الباجى: يريد بالثمر ثمر النخل لأنه هو مقصود ثماره و أتوا به تبركا
بدعائه وإعلاما له بيدو الصلاح إما لما كان يتعلق به من إرسال الخراص ليستحلوا أكلها والتصرف فيها، وإما ليعلموه
جواز بيع ثمارهم لنهيه وَث عن بيعها قبل بدوها (فإذا أخذه) أى رسول اللّه مَثيه. قال الزرقانى: زاد فى بعض
طرق الحديث ((وضعه على وجهه، أى إظهار الفرح والمسرة (اللهم بارك لنا فى ثمرنا) بالماء والزيادة والبقاء
(وبارك لنا فى مدينتنا) أى فى ذاتها من جهة سعتها ووسعة أهلها وقد استجاب الله دعاءه عليه الصلاة والسلام بأن وسع
نفس المسجد وما حوله من المدينة وكثر الخلق فيها حتى عد من الفرس المعد للقتال المهيأ بها فى زمن عمر أربعون
٥١٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
وبارك لنا فى صاعنا وبارك لنا فى مدنا ،
ألف فرس ، والحاصل أن المراد بالبركة هنا ما يشمل الدنيوية والأخروية والحسية، قاله القارى. وقيل بارك لنا فى
مدينتنا فى أمور أخرى أيضا سوى الثمار (وبارك لنا فى صاعنا) أى فيما يكال به كمية وكيفية (وبارك لنا فى مدنا) قال
الزرقانى: أى بارك لنا فى ما يكال فى صاعنا وبارك لنا فى ما يكال فى مدنا، فحذف المقدر لفهم السامع وهو من باب
ذكر المحل وإرادة الحال. قال ابن عبد البر: هذا من فصيح كلامه وبلاغته مرّة، وفيه استعارة، لأن الدعاء إنما
هو البركة فى الطعام المكيل بالصاع والمد لا فى الظروف، وقد يحتمل على ظاهر العموم أن تكون فيهما. وقال
القاضى عياض: البركة هنا بمعنى النماء والزيادة وتكون بمعنى الثبات والازوم، قال: فقيل يحتمل أن تكون هذه البركة
دينية وهى ما تتعلق بهذه المقادير من حقوق اللّه تعالى فى الزكوات والكفارات فتكون بمعنى الدعاء للثبات والبقاء لها.
كبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير المال والقدر بهذه الأكال حتى يكفى منه
ما لا یکفی من غيره فی غیر المدینة، أو تر جع البر کة إلى التصرف بها فى التجارة وأرباحها أو إلى كثرة ما یکال بها.
ء
من غلانها وثمارها، أو تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه بما فتح الله عليهم ووسع من
فضله لهم وتمليكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى كثر الحمل إلى المدينة واتسع عيشهم
حتى صارت هذه البركة فى الكيل نفسه فزاد مدهم وصار هشاميا مثل مد النبى مُؤ ثّ مرتين أو مرة ونصفا. وفى هذا
كله ظهور إجابة دعوته موث وقبولها - انتهى كلام القاضى. قال النووى: الظاهر من هذا كله أن المراد البركة فى
نفس الكيل فى المدينة بحيث يكفى المد فيها لمن لا يكفيه فى غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سكنها. قال الطيبي:
ولعل الظاهر هو قول عياض ((أو لاتساع عيش أهلها)) إلخ، لأنه تَّم قال: وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك
إبراهيم لمكة، ودعاه إبراهيم هو قوله: ﴿فاجعل أفئدة من النساس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلكم يشكرون -
سورة إبراهيم: الآية ٤٠) يعنى وارزقهم من الثمرات بأن تجلب إليهم من البلاد لعلهم يشكرون النعمة فى أن يرزقوا
أنواع الثمرات فى واد لیس فيه نجم ولا شجر ولا ماء لا جرم أن الله عز وجل أجاب دعوته جعله حرما آمنا يجي
إليه ثمرات كل شئى رزقا من لدنه، ولعمرى أن دعاء حبيب الله مروي استجيب لها وضاعف خيرها على غيرها
بأن جلب إليها فى زمن الخلفاء الراشدين من مشارق الأرض ومغاربها من كنوز كسرى وقيصر وخاقان ما لا يحصى
ولا يحصر وفى آخر الأمر بارز الدين إليها من أقاصى الآرض وشامع البلاد وينصر هذا التاریل قوله فى حديث أبى
هريرة: أمرت بقرية تأكل القرى، ومكة أيضا من مأكولها - انتهى. وقال الباجى: يحتمل أن يريد بالبركة بركة
٥١٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
أللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإنى عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وأنا أدعوك المدينة
بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه.
دنيا وآخرة ففی الدنیا أن یکون الطعام الذی یکتال به تکثر بر کته بأن يجزئی منه العدد ما لا يجزئى ما كيل بغيره ، أو
يبارك فى التصرف به على وجه التجارة بمعنى الارباح أو يريد به المكيل فيكون ذلك دعاؤه فى كثرة ثمارهم وغلاتهم،
وأما البركة الدينية فإنها بهذا الكيل يتعلق كثير من العبادات من أداء زكاة الحبوب والفطر والكفارات - انتهى.
قلت: والأرجح عندنا هو ما قاله النووى فإنه هو الظاهر من ألفاظ هذا الحديث وما ورد فى معناه كما لا يخفى على
المتأمل، قال القرطبى: إذا وجدت البركة فيها فى وقت حصلت إجابة الدعوة ولا يستلزم دوامها فى كل حين ولكل
شخص والله أعلم تنبيه: قال الزرقانى: هل يختص الدعاء المذكور بالمد الخصوص بزمانه تمويل أو يعم كل مد تعارفه
أهل المدينة فى سائر الأعصار زاد أو نقص، وهو الظاهر لأنه يؤثر أضافه إلى المدينة تارة وإلى أهلها أخرى، ولم يضفه
إلى نفسه الزكية فدل على عموم الدعوة لا على خصوصه بمد النبي وي كما أفاده بعض العلماء -انتهى. قلت: وإلى الخصوص
يظهر ميل البخارى حيث ترجم على حديث أنس: أن رسول اللّه مَئل قال: اللهم بارك لهم فى مكيالهم وبارك لهم فى
صاعهم ومدهم بلفظ ((باب بركة صاع النبي مَثل ومده» (اللهم إن إبراهيم) عليه الصلاة والسلام (عبدك وخللك)
كما قلت: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا - سورة النساء: الآية ١٢٤) (وإنى) أيضا (عبدك ونبيك) لم يقل ((خللك)، مع
أنه خليل كما صرح به فى أحاديث عدة، قال الأبى: رعاية للأدب فى ترك المساواة بينه وبين آبائه الكرام. وقال الطيبي:
عدم التصريح بذلك مع رعاية الأدب أفخم. قال الزمخشرى فى قوله تعالى: ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض،
منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات - سورة البقرة: الآية ٢٥٤) الظاهر أنه أراد محمداً مثله، وفى هذا الاهام
من تفخيم فضله مَّثة كما لا يخفى، وقد سئل الحطيئة عن أشعر الناس فقال: زهير والنابغة ولو شئت لذكرت الثالث. أراد
نفسه، ولو صرح به لم يفخم أمره (وإنه دعاك لمكة) أى بقوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من
الثمرات لعلهم يشكرون﴾ (وأنا) كذا فى جميع نسخ المشكاة، وهكذا عند الترمذى، وفى صحيح مسلم ((وإنى)) وهكذا
فى الموطأ وجامع الأصول والمصايح (أدعوك) أى أطلب منك (للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله) أى بمثل ذلك المثل
(معه) والمعنى بضعف ما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولفظ حديث أنس عند البخارى كما سيأتى فى الفصل الثالث
((اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة)) قال القاضى أبو محمد: فى هذا دليل على فضل المدينة على مكد ، لأن
تضعيف الدعاء لها إنما هو أفضلها على ما قصر عنها، قال الباجى: والذى عندى أن وجه الدليل من ذلك أن إبراهيم دعا
٥١٨
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
ثم قال: يدعو أصغر وليد له
أهل مكة بما يختص بدنياهم فقال: وارزق أهله من الثمرات. وأن النبى رَبفن دعا لأهل المدينة بمثل ذلك ومثله معه،
فيحتمل أن يريد به وبدعاء آخر معه وهو لأمر آخرتهم، فتكون الحسنات تضاعف المدينة بمثل ما تضاعف بمكة ،
فإنما معنى فضيلة إحدى البقعتين على الأخرى فى تضعيف الحسنات، ويحتمل أن يريد أن إبراهيم أيضا دعا لأهل
مكة بأمر آخرتهم وعلم هو مَّ فدعا بمثل ذلك وبمثله معه فيعود إلى مثل ما قدمنا ذكره. ويحتمل أن يريد أن
إبراهيم دعا لأهل مكة فى ثمراتهم ببركة قد أجاب الله دعاء، فيه وأنه تمزيق دعا لأهل المدينة فى نمراتهم أيضا بمثل ذلك
ومثله معه فلا يكون هذا دليلا على فضل المدينة على مكة فى أمر الآخرة وإنما يدل على أن البركة فى تمارهم مثل البركة
فى ثمار مكة إما لقرب تناولها أو لكثرتها أو البركة فى الاقتيات بها أو ليوصل من يقتات بها فى المدينة إلى مثلى ما
يتوصل به من يقتات فى مكة بثمارما - انتهى. وقال الحافظ فى شرح حديث أنس المذكور: أى من بركة الدنيا بقرينة
قوله فى حديث آخر (( اللهم بارك لنا فى صاعنا ومدنا)، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، لكن يستثنى منه ما خرج
بدليل كتضعيف الصلاة بمكة على المدينة، واستدل به على تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة لكن لا
يلزم من حصول أفضلية المفضول فى شئ من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق، وأما من ناقض ذلك
بأنه يلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكة لقوله مؤتم فى الحديث الآخر («اللهم بارك لنا فى شامنا)) وأعادها ثلاثا
فقد تعقب بان الناکید لا یستلزم التکثیر المصرح به فی حدیث الباب، وقال ابن حزم: لا -جة فى حديث الباب
لهم لأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل فى أمور الآخرة لأن البركة أعم من أن تكون فى أمور الدين أو الدنيا لأنها
بمعنى النماء والزيادة إلى آخر ما قدمنا من كلامه - انتهى. قال الأبى: ولا يعارض دعاء، بالبركة قوله فى الحديث
الآخر ((أصابهم بالمدينة جهد وشدة)) إذ لا منافاة بين ثبوت الشدة وثبوت البركة فيها وتخلفها عن بعض لا يضر بها كذا
أجاب شيخنا، والأظهر أن البركة فى تحصيل القوت وأن المد بها يشبع ثلاثة أمثاله بغيرها، فتكون الشدة فى تحصيل المد
والبركة فى تضعيف القوت به. قال الزرقانى: ولعل الأظهر جواب شيخه وهو ابن عرفة - انتهى. وقد تقدم كلام
القرطبي أنه إذا وجدت البركة فيها فى وقت حصلت إجابة الدعوة ولا يستلزم دوامها فى كل حين ولكل شخص
(ثم قال) أى أبو هريرة (يدعو) أى النبي مَّج بعد الفراغ من الدعاء، وفى صحيح مسلم ((قال: ثم يدعو، وهكذا فى
المصابيح وجامع الأصول والترمذى، ولفظ الموطأ(( ثم يدعو)) أى بدون لفظة ((قال)) (أصغر وليسد) أى مولود،
فعيل بمعنى مفعول (له) يعنى أصغر طفل من أهل بيته، وفى رواية لمسلم (( ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان ))
٥١٩
مرجاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
فيعطيه ذلك الثمر. رواه مسلم.
٢٧٥٧ - (٥) وعن أبى سعيد، عن النبي ومؤثم قال: إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما، وإنى
حرمت المدينة حراما ما بين مازميها، أن لا يهراق فيها دم ،
والترمذى والموطأ ((أصغر وليد يراه)) قال القارى: التحقيق أن الروايتين يعنى الرواية المطلقة والمقيدة محمولتان على
الحالتين، والمعنى أنه إذا كان عنده أو قريبا منه وليد له أعطاه أو وليد آخر من غير أهله أعطاه، إذ لا شك أنهما
لو اجتمعا لشارك بينهما، فعم إذا لم يكن أحد حاضرا عنده فلا شبهة أنه ينادى أحدا من أولاد أهله لأنه أحق بيره من
غيره (فيعطيه) أى الولد (ذلك الثمر) قال الباجى: يحتمل أن يريد بذلك عظم الأجر فى إدخال المسرة على من لا ذنب
له لصغره؛ فإن سروره به أعظم من سرور الكبير، وقال أبو عمر: فيه من الآداب وجميل الأخلاق إعطاء الصغير
واتحافه بالطرفة لأنه أولى من الكبير لقلة صبره ولفرحه بذلك. وقال عياض: تخصيصه أصغر وليد يحضره لأنه ليس فيه
ما يقسم على الولدان، وأما من کېر منهم فإنه يتخلق بأخلاق الرجال فى الصبر ويلوح لى أنه تفاؤل بناء الثمار وزيادتها
لدفعها لمن هو فى سن النماء والزيادة كما قيل فى قلب الرداء للاستسقاء، وقيل إنما خصهم بذلك للناسبة الواقعة بين الولدان
وبين الباكورة لقربهما من الايداع أى حدثان عهدهما بالابداع (رواه مسلم) وأخرجه أيضا مالك فى كتاب الجامع
من الموطأ والترمذى فى الدعوات.
٢٧٥٧ - قوله (وعن أبى سعيد) الخدرى (إن إبراهيم) عليه الصلاة والسلام (حرم مكة) أى أظهر تحريمها
(فجعلها حراما) أى بين كونها حرما. وقال فى اللعات: نسبة التحريم إلى إبراهيم باعتبار دعائه وسؤاله ذلك ، فلا
ينافى ما سبق فى حرم مكة من قوله «إن مكد حرمها الله ولم يحرمها الناس، وقد تقدم الكلام فى ذلك بالبسط والتفصيل
فى شرح حديث ابن عباس أول أحاديث باب حرم مكة. وقوله ((حراما، كذا فى المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع
فى جامع الأصول والبيهقى، وفى نسخ مسلم الموجودة عندنا ((حرما)) (وإنى حرمت المدينة حراما ما بين مازميها) حراما
قصب على المصدر إما لحرمت على غير لفظه أو على حذف الزوائد، أى لفعل مقدر والتقدير إنى حرمت المدينة فحرمت
حراما، ومثله قوله سبحانه وتعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا - سورة نوح: الآية ١٦) و «ما بين مازميها،
يكون بدلا عنها، ويحتمل أن يكون («حراما)) مفعولا ثانيا لفعل محذوف ((وما بين مازميها)) مفعولا أولا، والتقدير
وجعلت ما بين مازميها حراما، والمأزم بهمزة بعد الميم وبكسر الزاى وهو الجبل، وقيل: المضيق بين الجبلين ونحوه والأول
هو الصواب هنا ومعناه ما بين جبليها، قاله النووى (أن لا يهراق) بسكون الهاء وتفتح أى بأن لا يراق
(فيها دم) لأن إراقة دم المسلم فيها أقبح من غيرها، قيل: إن قوله ((أن لا يهراق)) وقع موقع التفسير لما حرم كانه
٥٢٠
؟