النص المفهرس
صفحات 481-500
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
وقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: أقتله.
الإفراد على أنه اختلف فى اسم قاتله. وقال العينى: قوله ((جاءه رجل، هو أبو برزة الأسلمى واسمه فضلة بن عبيد،
وجزم به الكرمانى والفا كهى فى شرح العمدة. قال الزرقانى: وكذا ذكره ابن طاهر وغيره. وقيل : اسمه سعيد
ابن حريث (إن ابن خطل) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة وآخره لام كان اسمه عبد العزى، فلما أسلم سماه النبي مزوَّ
عبد الله، ومن قال: اسمه هلال التبس عليه بأخ له اسمه هلال ، بين ذلك الكلبى فى النسب، وقيل: هو عبد الله بن هلال
ابن خطل. وقيل: غالب بن عبد الله بن خطل، واسم خطل عبد مناف من بنى تيم بن فهر بن غالب، كذا فى الفتح،
وهو أحد من أهدر دمه يوم الفتح، وقال: لا أؤمنهم فى حل ولا حرم ، وقد جمع الواقدى عن شيوخه أسماء من لم
يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنفس ستة رجال وأربع نسوة ، قاله الحافظ والعينى، والسبب فى قتل ابن خطل
وعدم دخوله فى قوله: من دخل المسجد فهو آمن، ما رواه ابن اسحاق فى المغازى أن رسول الله مزي حين دخل مكة
قال: لا يقتل أحد إلا من قاتل إلا نفرا سماهم فقال: اقتلوهم وإن وجد تموهم تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن
خطل وعبد الله بن سعد، وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلما فبعثه رسول اللّه مو ئيل مصدقا وبعث معه رجلا من
الأنصار وكان معه مولى يخدمه وكان مسلما فنزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما فنام واستيقظ ولم
يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا ولحق بمكة وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله ولي. قال الحافظ: وروى
الفاكهى من طريق ابن جريج قال: قال مولى ابن عباس: بعث رسول اللّه مَلل رجلا من الأنصار ورجلا من مزينة
وابن خطل وقال: أطيعا الأنصارى حتى ترجعا ، فقتل ابن خطل الأنصارى وهرب المزنى. وقال النووى: قال العلماء:
إنما قتله لأنه كان قد ارتد عن الاسلام وقتل مسلما كان يخدمه و کان يهجو التی {ٹێے و یسبه، و کانت له قینتان تغنيان
بهجاء المسلمين - انتهى. قال ابن عبد البر فهذا القتل قود من دم مسلم. وكذا قال الخطابي: لم ينفذ له رسول الله ما يه
الأمان وقتله بحق ما جناه فى الإسلام (متعلق بأستار الكعبة) جمع ستر وكان تعلقه بها استجارة بها ، وذلك كما ذكر
الواقدى أنه خرج إلى الجندمة ليقاتل على فرس وبيده قناة ، فلما رأى خيل الله والقتل دخله رعب حتى ما يستمسك
من الرعدة فرجع حتى انتهى إلى الكعبة فنزل عن فرسه وطرح سلاحه ودخل تحت أستارها فأخذ رجل من الركب سلاحه
وفرسه فاستوى عليه وأخبر النبي مَوتك بذلك (فقال: اقتله) زاد الوليد بن مسلم عن مالك: فقتل، أخرجه ابن عائذ
وصححه ابن حبان وأخرج عمر بن شبة فى كتاب مكة عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول اللّه مَثم استخرج
من تحت أستار الكعبة ابن خظل فضربت عنقه صبرا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال : لا يقتل قرشى بعد هذا صبرا
رجاله ثقات إلا أن فى أبى معشر مقالا، قاله الحافظ. واختلف فى قاتله هل هو سعيد بن حريث أو عمار بن ياسر أو
سعد بن أبى وقاص أو سعيد بن زيد أو أبو برزة - بفتح الموحدة وإسكان الراء المهملة ثم زأى معجمة مفتوحة .-
٤٨١
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
الأسلمى ، وهو أصح ما جاء فى تعيين قاتله ورجحه الواقدى ، وجزم به البلاذرى وغيره، وتحمل بقية الروايات
المخالفة له على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر منهم أبو برزة ، وجزم ابن هشام فى تهذيب السيرة بأن سعيد بن حريث
وأبا برزة اشتركا فى قتله، قاله الزرقانى. وقال الحافظ فى الحج بعد ذكر ما ورد من الروايات المختلفة فى ذلك ما لفظه:
وروى ابن أبى شيبة من طريق أبي عثمان النهدى أن أبا برزة الأسلمى قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، وإسناده
صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك فى البر والصلة من حديث أبي برزة نفسه، ورواه أحمد من وجه آخر
وهو أصح ما ورد فى تعيين قاتله، وبه جزم البلاذرى وغيره من أهل العلم بالأخبار وتحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا
قتله فكان المباشر له منهم أبو برزة ، ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه فقد جزم ابن هشام فى السيرة بأن سعيد بن
حريث وأبا برزة الأسامى اشتركا فى قتله ، ومنهم من سمى قاتله سعيد بن ذويب، وحكى المحب الطبرى أن الزبير بن
العوام هو الذى قتل ابن خطل ـ انتهى. وقال فى المغازى: اختلف فى قاتله ، وقد جزم ابن اسحاق بأن سعيد بن
حريث وأبا برزة الأسلمى اشتركا فى قتله، وحكى الواقدى فيه أقوالا، منها أن قاتله شريك بن عبدة العجلانى، ورجح
أنه أبو برزة - انتهى. واستدل بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة على أن الكعبة لا تعيذ من وجب عليه
القتل ، وأنه يجوز قتل من وجب عليه القتل فى الحرم. قال الحافظ : استدل بقصة ابن خطل على جواز إقامة الحدود
والقصاص فى حرم مكة ، قال ابن عبد البر كان قتل ابن خطل قودا من قتله المسلم، وقال السهيلى فيه أن الكعبة لا تعيذ
عاصيا ولا تمنع من إقامة حد واجب. وقال النووى: تأول من قال لا يقتل فيها على أنه ويتم قدله فى الساعة التى
أبيحت له، وأجاب عنه أصحابنا بأنها إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها وأذعن أهلها، وإنما قتل ابن
خطل بعد ذلك - انتهى، وتعقب بأن المراد بالساعة التى أحات له ما بين أول النهار ودخول وقت العصر، وقتل
ن خطل كان قبل ذلك قطعا لأنه قيد فى الحديث بأنه كان عند نزعه المغفر ، وذلك عند استقراره بمكة. وقد قال
ابن خزيمة: المراد بقوله فى حديث ابن عباس ما أحل الله لأحد فيه القتل غيرى أى قتل النفر الذين قتلوا يومئذ ابن خطل
ومن ذكر معه، قال: وكان الله قد أباح له القتال والقتل معا فى تلك الساعة زقتل ابن خطل وغيره بعد تقضى القتال- انتهى.
وقال فى المغازى: فى الاستدلال بقتل ابن خطل على ذلك نظر، لأن المخالفين تمسكوا بأن ذلك إنما وقع فى الساعة التى
أحل للنبىِ مَُّ فيها القتال بمكة، وقد صرح بأن حرمتها عادت كما كانت، والساعة المذكورة وقع عند أحمد من
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنها استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر - انتهى. قال الطيبي: دل
الحديث على جواز الدخول بغير إحرام لمن لا يريد النسك، وهذا أصح قولى الشافعى، وقال الحافظ: هذا الحديث
ظاهره أنه تمَّ لما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرما، وقد صرح بذلك مالك راوى الحديث كما ذكره البخارى فى
٤٨٢
١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
متفق عليه .
٢٧٤٤ - (٥) وعن جابر، أن رسول اللّه ولي دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء
المغازى عن يحى بن قرعة عن مالك عقب هذا الحديث. قال مالك: ولم يكن التي مَث فيما نرى والله أعلم يومئذ
محرما. وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهدى عن مالك جازما به، أخرجه الدار قطنى فى الغرائب، ووقع فى
الموطأ من رواية أبى مصعب وغيره قال مالك: قال ابن شهاب: ولم يكن رسول اللّه مَّ يومئذ محرما، وهذا مرسل،
ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ: دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام - انتهى.
وأجيب عن ذلك بأنه لا دلالة فى قصة ابن خطل على جواز دخول مكة بغير إحرام لاحتمال أن يكون مؤثّ كان
محرما ولكنه غطى رأسه لعذر، وفيه أن هذا مخالف لتصريح جابر بأنه لم يكن يومئذ محرما. قال الحافظ : لكن
فيه إشكال من وجه آخر لأنه مَّ كان متأهبا للقتال، ومن كان كذلك جاز له الدخول بغير إحرام عند الشافعية
وإن كان عياض نقل الاتفاق على مقابله ، وأما من قال من الشافعية كابن القاص: دخول مكة بغير إحرام من
خصائص النبيِ مَّة، ففيه نظر لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل - انتهى. وقال الشمنى كما فى المرقاة: دخوله ما فيه
عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص بذلك الوقت، ولهذا قال ◌َّيه فى ذلك اليوم إنها لم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد
بعدى، وإنما أحلت لى ساعة من نهار ثم عادت حراما - انتهى. وقد تقدم بسط الكلام على هذه المسئلة مع بيان المذاهب
ودلائلها فى شرح حديث ابن عباس فى المواقيت فارجع إليه. قال الحافظ: وفى الحديث مشروعية لبس المنفر وغيره
من آلات السلاح حال الخوف من العدو وأنه لا ينافى التوكل، وقد تقدم فى باب متى يحل المعتمر من أبواب العمرة
من حديث عبد الله بن أبى أوفى: اعتمر رسول اللّه مَّ فلما دخل مكة طاف وطفنا معه وكنا نستره من أهل مكة أن
يرميه أحد - الحديث، وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان حينئذ محرما نخشى الصحابة أن يرميه بعض سفها- المشر کین بشئى
يوذيه فكانوا حوله يسترون رأسه ويحفظونه من ذلك (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى الجهاد وفى المغازى
وفى اللباس ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد ومالك فى الحج وأبو داود والترمذى فى الجهاد والنسائى فى الحج وفى
السير وابن ماجه فى الحج والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ١٧٧).
٢٧٤٤ - قوله (أن رسول الله ے دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة) بكسر العين (سوداء) قال النووى: فيه جواز
لباس الثياب السود، وفى الرواية الأخرى ((خطب الناس وعليه عمامة سوداء» فيه جواز لباس الأسود فى
الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه كما ثبت فى الحديث الصحيح ((خير ثيابكم البياض، وأما لباس الخطباء السواد
فى حال الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السوداء فى هذا الحديث بيانا للجواز - انتهى
٤٨٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
بغير إحرام. رواه مسلم.
٢٧٤٥ - (٦) وعن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ◌ُ: يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا بييدا.
من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم. قلت: يا رسول الله! وكيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم
أسواقهم
(بغير إحرام) هذا يرد ما أبدى الشيخ ابن دقيق العيد فى شرح العمدة فى ستر الرأس بالمغفر فى حديث أنس احتمالا
فقال: يحتمل أن يكون وتَيِّم كان محرما لكن غطى رأسه لعذر، وقد تقدم فى كلام الحافظ ما فى أصل الاستدلال من
الإشكال، وقد بسطه الولى العراقى فى طرح التثريب (ج ٥: ص ٨٥) فارجع إليه (رواه مسلم) فى الحج وأخرجه أيضا
أحمد (ج ٣: ص ٣٨٧) والنسائي وابن ماجه والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ١٧٧).
٢٧٤٥ - قوله (وعن عائشة قالت: قال رسول الله مرثية: يغزو) بالغين والزاى المعجمتين أى يقصد (جيش)
أى عسكر عظيم فى آخر الزمان (الكعبة) أى ليخربها. وقال العينى: قوله ((يغزو جيش الكعبة، أى يقصد عسكر من
العساكر تخريب الكعبة، وهذا لفظ البخارى. وفى رواية مسلم ((عبث النبي مَيثة فى منامه فقلنا له: صنعت شيئا لم تكن
تفعله))؟ قال النووى: قوله ((عبث) هو بكسر الباء، قيل: معناه اضطرب بجسمه، وقيل حرك أطرافه كمن يأخذ شيئا
أو يدفعه (فإذا كانوا بيداء من الأرض) فى رواية مسلم (بالبيداء» وفى حديث صفية عند الترمذى وابن ماجه («باليداء
أو بيداء من الأرض، أى على الشك. وفى رواية لمسلم عن أبى جعفر الباقر قال: هى بداء المدينة. وهى بفتح الباء الموحدة
وسكون الياء آخر الحروف ممدودة، وهى فى الأصل المفازة التى لا شئى فيها. قال العينى: وهى فى هذا الحديث اسم
موضع مخصوص بين مكة والمدينة. وقال النووى: قال العلماء: البيداء كل أرض ملساء لا شئ بها، ويداء
المدينة الشرف الذى قدام ذى الحليفة أى إلى جهة مكة (يخسف) على بناء المفعول (بأولهم وآخرهم) أى يخسف بكلهم
الأرض. قال الحافظ: زاد الترمذى فى حديث صفية ((ولم ينج أوسطهم)، وزاد مسلم فى حديث حفصة «فلا يبقى إلا الشريد
الذى يخبر عنهم، واستغنى بهذا عن تكلف الجواب عن حكم الأوسط، أو أن العرف يقضى بدخول الأوسط فى من
هلك أو لكونه آخرا بالنسبة للأول وأولا بالنسبة للآخر فيدخل، وقال العينى: قوله ((يخسف بأولهم وآخرهم)، يعنى
كلهم ، هذا الذى يفهم منه بحسب العرف. قال الكرمانى: لم يعلم منه العموم، إذ حكم الوسط غير مذكور، والجواب
ما قلنا، أو نقول: إن الوسط آخر بالنسبة إلى الأول وأول بالنسبة إلى الآخر، على أن فى رواية صفية (ولم ينج أوسطهم، وهذا
يغنى عن تكلف الجواب (وفيهم أسواقهم) جملة حالية، وهو جمع سوق والتقدير أهل أسواقهم الذين يسعون ويشترون كما فى
المدن، وعليه ترجم البخارى بلفظ «باب ما ذكر فى الأسواق، وقال الطيبي: إن كان جمع سوق فالتقدير أهل أسواقهم، وإن
٤٨٤
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم. متفق عليه.
كان جمع سوقة وهى الرعايا فلا حاجة إلى التقدير. وفى مستخرج أبى نعيم «وفيهم أشرافهم، بالشين المعجمة والراء
والفاء، وفى رواية محمد بن بكار عند الاسماعيلى ((وفيهم سواهم، قال الاسماعيلى: وقع فى رواية البخارى أسواقهم أى
بالمهملة والقاف، وأظنه تصحيفا، فإن الكلام فى الخسف بالناس لا بالأسواق. قال الحافظ: بل لفظ «سواهم، تصحيف فإنه
بمعنى قوله الآتى «ومن ليس منهم، فيلزم منه التكرار، بخلاف رواية البخارى، فعم أقرب الروايات إلى الصواب
رواية أبى نعيم ، وليس فى لفظ أسواقهم ما يمنع أن يكون الخسف بالناس ، فالمراد بالأسواق أهلها أن يخسف بالمقائلة
منهم ومن ليس من أهل القتال كالباعة. وفى رواية مسلم «فقلنا: إن الطريق قد يجمع الناس، قال: نعم فيهم المستبصر
والمجبور وابن السبيل، والمستبصر هو المستبين لذلك القاصد القاتلة عمدا، والمجور بالجيم والموحدة أى المكره. قال
النووى: يقال أجبرته فهو مجبر، هذه اللغة المشهورة ، ويقال أيضا جبرته فهو مجبور، حكاما الفراء وغيره، وجاء
هذا الحديث على هذه اللغة، وأما ابن السبيل فهو سالك الطريق معهم وليس منهم، والغرض أنها استشكلت وقوع
العذاب على من لا إرادة له فى القتال الذى هو سبب العقوبة فوقع الجواب بأن العذاب يقع عاما لحضور آجالهم
ويبعثون بعد ذلك على نياتهم (ومن ليس منهم) أى فى الكفر والقصد بتخريب الكعبة عطف على أسواقهم. قال الطيبي:
أى من لا يقصد تخريب الكعبة بل هم الضعفاء والأسارى (قال: يخسف بأولهم وآخرهم) فيدخل فيهم هؤلاء وإن لم يكن
قصدهم لأنهم كثروا فى سوادهم (ثم يبعثون على نياتهم) قال العينى: أى يخف بالكل الشؤم الأشرار، ثم إنه تعالى
بعث كلا منهم فى الحشر بحسب قصده ونيته إن خيراً فخير وإن شرا نشر ، وفى رواية مسلم «يهلكون مهلكا واحدا
ويصدرون مصادر شتى قال النووى: أى يقع الهلاك على جميعهم ويبعثون مختلفين على قدر نياتهم فيجازون بحسبها
انتهى، وفى حديث أم سلمة عند مسلم («فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم ولكنه
بعث يوم القيامة على نيته، قال الحافظ: أى يخسف بالجميع الشؤم الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده.
وفى هذا الحديث من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم لئلا يناله ما يعاقبون به قال تعالى: ﴿واتقوا
فتنة لا قصيبن الذين ظلموا منكم خاصة - سورة الأنفال: الآية ٢٥)، وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليهم
حكمهم فى ظاهر عقوبات الدنيا ، قال الحافظ: فى هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل والتحذير من مصاحبة أهل
الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر لذلك، ويتردد النظر فى مصاحبة التاجر لأهل الفتنة هل هى إعانة لهم على
ظلهم أو هى من ضرورات البشرية، ثم يعتبر عمل كل أحد بنيته وعلى الثانى بدل ظاهر الحديث - انتهى (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى البيوع ومسلم فى الفتن واللفظ البخارى، والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ): ص ١٠٥) وفى
٤٨٥
مرعاة المفاتيح ج.٩
١٠- كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
٢٧٤٦ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه تَّيّة: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة.
الباب عن أم سلمة عند أحمد (ج ٦: ص ٢٥٩، ٢٩٠) ومسلم وابن ماجه والحاكم، وعن حفصة عند أحمد
(ج ٦: ص ٢٨٧،٣٨٦) ومسلم والنسائي وابن ماجه والحاكم، وعن صفية أخرجه أحمد (ج ٦: ص ٣٣٧،٣٣٦)
والترمذى وابن ماجه فى الفتن.
٢٧٤٦ - قوله (يخرب الكعبة) بضم الياء وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء مكسورة من التخريب وبإسكان.
الخماء وتخفيف الراء مكسورة من الإخراب والجملة فعل ومفعول والفاعل قوله (ذو السويقتين) بضم السين وفتح الواو
تثنية سويقة مصغر الساق ألحق بها التاء للتصغير، لأن الساق مؤنثة والتصغير للتحقير والإشارة إلى الدقة لأن الغالب على
سيقان الحبشة الدقة والحوشة فلذا صغرها (من الحبشة) من التبعيض أى يخربها ضعيف من هذه الطائفة، وقال الطبي:
سر التصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظمة يهتك حرمتها مثل هذا الحقير الذميم الخلقة ، ويحتمل أن يكون
الرجل اسمه ذلك أو أنه وصف له، أى رجل من الحبشة دقيق الساقين رقيقهما جدا، والحبشة وإن كان شأنهم دقة السوق
لكن هذا يتميز بمزيد من ذلك ـ انتهى. والحيش والحبشة نوع من السودان، قال فى القاموس: الحش والحبشة
محر كتين والأحبش بضم الباء جنس من السودان الجمع حبشان وأحابش ـ انتهى. قال الرشاطى: وهم من ولد كوش
ابن حام وهم أكثر السودان، وقد وقع هذا الحديث عند أحمد (ج ٢: ص ٣٥١) من طريق سعيد بن سمعان عن
أبى هريرة بأتم من هذا السياق ولفظه: يبايع لرجل بين الركن والمقام ولم يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه
فلا تسأل عن ملكة العرب ثم تأتى الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا وهم الذين يستخرجون كنزه، وهذا
التخريب يكون عند قرب الساعة حين لا يبقى فى الأن فى أحد يقول: اللّه الله. قال القرطبي: قيل إن خرابه يكون
بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح - انتهى. قلت:
وقع عند أحمد (ج ٢، ص ٣١٠) من طريق ابن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مثل: فى آخر الزمان
يظهر ذو السويقتين على الكعبة، قال: حسبت أنه قال: فيهدمها. قال الحافظ: قيل حديث أبى هريرة يخالف قوله
تعالى: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ ولأن الله حبس عن مكة الفيل ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة ولم
تكن إذ ذاك قبلة فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة المسلمين، وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع فى آخر الزمان
قرب قيام الساعة حيث لا يبقى فى الأرض أحد يقول الله الله كما ثبت فى صحيح مسلم: لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى
الأرض الله الله. ولهذا وقع فى رواية سعيد بن سمعان: لا يعمر بعده أبدا ، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال وغزو
أهل الشام له فى زمن يزيد بن معاوية ثم من بعده فى وقائع كثيرة من أعظمها وقمة القرامطة بعد الثلاث مائة فقتلوا من
٤٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
متفق عليه.
المسلمين فى المطاف من لا يحمى كثرة وقعوا الحجر الأسود نحولوه إلى بلادهم ثم أعادوه بعد مدة طويلة ثم غزى
مرارا بعد ذلك وكل ذلك لا يعارض قوله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا) لأن ذلك إنما وقع بأيدى المسلمين
فهو مطابق لقوله مثل: ولن يستحل هذا البيت إلا أهله. فوقع ما أخبر به ے ، وهو من علامات نبوته وليس
فى الآية ما يدل على استمرار الأمر المذكور فيها - انتهى كلام الحافظ. وقال العينى: لا يلزم من قوله ((حرما آمنا))
أن يكون ذلك دائما فى كل الأوقات، بل إذا حصلت له حرمة وأمن فى وقت ما صدق عليه هذا اللفظ وصح المعنى، ولا
يعارضه ارتفاع ذلك المعنى فى وقت آخر. وقال عياض ((حرما آمنا)) أى إلى قرب القيامة. وقال ابن الجوزى: إن قيل
ما السر فى حراسة الكعبة من الفيل ولم تحرس فى الاسلام مما صنع بها الحجاج والقرامطة وذو السويقتين؟ فالجواب أن
حبس الفيل كان من أعلام النبوة لسيدنا رسول الله ور الجل ودلائل رسالته لتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر
قبل الأدلة التى ترى بالبصائر، وكان حكم الحبس أيضا دلالة على وجود الناصر - انتهى. هذا وقد عقد البخارى باب قول الله
تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد - سورة المائدة: الآية ٩٨) ثم أورد فيه
حديث أبى هريرة هذا. قال العينى: أشار به إلى أن قوام أمور الناس وانتعاش أمر دينهم ودنياهم بالكعبة يدل عليه
قوله ((قياما للناس)) فإذا زالت الكعبة على يد ذى السويقتين تختل أمورهم، فلذلك أورد حديث أبى هريرة فيه - انتهى.
وقال الحافظ: كأنه يشير إلى أن المراد بقوله ((قياما)) أى قواما وأنها ما دامت موجودة فالدين قائم فلهذه النكتة أورد
فى الباب قصة هدم الكعبة فى آخر الزمان، ثم ترجم البخارى لحديث أبي هريرة هذا، وحديث ابن عباس الآنفى «باب
هدم الكعبة، وذكر فيه طرف حديث عائشة المتقدم بلفظ «قال النبي تولي يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم، قال الحافظ:
فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع، فمرة يهلكهم الله قبل الوصول إليها وأخرى يمكنهم، والظاهر أن غزو الذين
يخربونه متأخر عن الأول، وقال العنى: غزو الكعبة المذكور فى حديث عائشة مقدمة لهدمها لأن غزوها يقع مرتين، ففى
الأولى هلاكهم وفى الثانية هدمها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج ومسلم فى الفتن، وأخرجه أيضا أحمد كما تقدم
والحاكم والنسائى فى الحج وفى التفسير، هذا وقد جاء فى تخريب الكعبة أحاديث، منها حديث ابن عباس الآتى
ومنها ما رواه أبو داود الطيالسى بسند صحيح، ومنها ما رواه أحمد (ج ٢: ص ٢٢٠) والطبرانى فى الكبير من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلبها حليتها ويجردها من
كسوتها، ولكانى أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعواه)، ومنها ما رواه ابن الجوزى من حديث
حذيفة عن النبي ◌َت حديثا طويلا وفيه «وخراب مكا من الحبشة على يد حبشى أضحج الساقين أزرق العينين أناس
٤٨٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
٢٧٤٧ - (٨) وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كأنى به أسود أفحج
الأنف كبير البطن معه أصحابه ينقضونها حجرا حجرا ويتناولونها حتى يرموا بها يعنى الكعبة إلى البحر)). وفى كتاب
الغريب لأبي عبيد عن على، قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكانى برجل من الحبشة
أصلع وأصمع حمش الساقين قاعد عليها وهى تهدم، وخرجه الحاكم مرفوعا ، وفيه ((أصمع أقرع، بيده معول وهو
يهدمها حجرا حجراء ذكره العينى.
٢٧٤٧ - قوله (كانى به) قال الحافظ: كذا فى جميع الروايات عن ابن عباس فى هذا الحديث ، والذى يظهر
-أن فى الحديث شيئا حذف ويحتمل أن يكون هو ما وقع فى حديث على عند أبى عبيد فى غريب الحديث من طريق
أبي العالية عن على، قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكانى برجل من الحبشة أصاع أو
قال أصمع حمش الساقين قاعد عليها وهى تهدم ، ورواه الفاكهى من هذا الوجه، ولفظه ((اصعل)) بدل ((أصاع، وقال
(قائما عليها يهدمها بمسحاته)) ورواه يحى الحمانى فى مسنده من وجه آخر عن على مرفوعا - انتهى. وتعقبه العينى بأنه لا
يحتاج إلى تقدير حذف لأنه إنما يقدر فى موضع يحتاج إليه للضرورة ولا ضرورة ههنا. قال ودعواه الظهور غير
ظاهرة لأنه لا وجه فى تقدير محذوف لا حاجة إليه بما جاء فى أثر عن صحابى ولا يقال الأحاديث يفسر بعضها بعضا،
لأنا نقول هذا إنما يكون عند الاحتياج إليه ولا احتياج ههنا إلى ذلك. قال: والضمير فى لفظ «به)) يحتمل ثلاثة
أوجه: الأول أن يعود إلى البيت والقرينة الحالية تدل عليه، أى كانى متلبس به، الثانى أن يعود إلى القالع (الآفى
ذكره) بالقرينة الحالية أيضا، الثالث ما قاله الطبي وهو أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز كقوله تعالى:
(فقضا هن سبع سموات - سورة حم السجدة: الآية ١١) فإن ضمير ((هن، هو المبهم المفسر بسبع سموات وهو تميز،
وهذه الأوجه صحيحة ماشية على قاعدة العربية فلا يحتاج إلى تقدير حذف (أسود) بالرفع على أنه مبتدأ خبره يقلعها
والجملة حال بدون الواو والضمير فى به البيت أى كانى متلبس به وأنظر إليه أو يكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ
محذوف والضمير فى «به)) للقالع، والتقدير كانى بالقالع هو أسود، ويروى أسود منصوبا على الذم أو الاختصاص أو
الحال. قال التوربشتى والدمامينى: يجوز أن يكون أسود أضحج حالين متداخلتين أو مترادفتين من الضمير فى به ،
وقال المظهرى: هما بدلان من الضمير المجرور وفتحا لأنهما غير منصرفين، ويجوز إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو
ضربته زيدا، وتقدم ما قال الطبي أن الضمير فى به مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز فهما منصوبان على التمييز (أفحج)
بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها وفتح الحاء المهملة وبالجيم من الفحج بناء ثم جاء مهملة ثم جيم وهو بالنصب أو الرفع
كسابقه، والفحج تدانى صدور القدمين وتباعد العقبين من باب على وفتح، وقيل الفحج تباعد ما بين الساقين وقيل هو
٤٨٨
مرعاة المفاتيح ج1
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
يقلعها حجرا حجرا. رواه البخارى.
( الفصل الثانى )
٢٧٤٨ - (٩) عن يعلى بن أمية، قال: إن رسول اللّه وَفع قال: احتكار الطعام فى الحرم إلحاد فيه.
رواه أبو داود.
تباعد ما بين الفخذين. قال فى القاموس: فحج كمنع، تكبر وفى مشيته تدانى صدور قدميه وتباعد عقباه كفحج وهو
أفحج بين الفحج محركة والتفحج التفريج بين الرجلين - انتهى. والفحج بجيمين فتح ما بين الرجلين وهو أقبح من الفحج
(يقلعها) أى يقلع الأسود الأفحج بناء الكعبة (حجرا حجرا) نصب على الحال من الهاء نحو بوبته بابا بابا، أى مبوبا.
وقال الكرمانى: أو هو بدل من الضمير أى المنصوب فى يقلعها (رواه البخارى) فى الحج وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢:
ص ٢٢٨) بلفظ: كانى أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجرا حجرا يعنى الكعبة.
٢٧٤٨ - قوله (عن يعلى) بفتح المثناة تحت واللام بينهما مهملة ساكنة (بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم
وتشديد الياء (احتكار الطعام) أى احتباسه لانتظار الغلاء به، قال المناوى: وليس عموم الطعام مرادا، بل المراد اشتراء
ما يقتات وحبسه ليقل فيغلو فيبيعه بكثير. قال العزيزى: وخصه الشافعية بما اشتراه فى زمن الغلاء وأمسكه ليزيد السعر
(فى الحرم) أى المكى بدليل حديث ابن عمر عند الطبرانى فى الأوسط بلفظ («احتكار الطعام بمكة إلحاد، والمراد
يمكة جميع الحرم بدليل حديث يعلى، فكل من الحديثين مبين للآخر (إلحاد فيه) الإلحاد الميل عن الاستقامة والانحراف
عن الحق إلى الباطل ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها ولم يمله من دين إلى دين، ذكره الزمخشرى. قال الله
تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم - سورة الحج: الآية ٢٦) أى ومن يهم فيه بعمل من المعاصى
عذب عليه لعظم حرمة المكان. قال العلقمى: أصل الالحاد الميل، وهذا الالحاد والظلم يعم جميع المعاصى الكبائر
والصغائر لنظم حرمة المكان فمن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا فى مكة، قال المناوى: احتكار الطعام حرام فى
سائر البلاد وبالحرم المكى أشد تحريما ، وإنما سماه ظلما لأن الحرم واد غير ذى زرع فالواجب على الناس جلب
الأقوات إليه التوسعة على أهله فمن ضيق عليهم بالاحتكار فقد ظلم لأنه وضع الشئى فى غير محله فاستحق الوعيد
الشديد - انتهى. وقال العزيزى: احتكار الطعام هو شراء ما يقتات وحبسه إلى الغلاء فهو حرام ولو فى غير الحرم
وخص الحرم لأن الأثم به أشد، أما لو اشترى غير طعام أو طعاما غير مقتات بقصد ادخاره إلى الغلاء لم يحرم ،
وخرج بالشراء ما لو كان عنده بر مثلا یأ کله فادخره إلى الغلاء فلا يحرم، و کذا لو اشتراه بقصد أن يبيعه حالا أو فى
زمن الرغاء فلا حرمة (رواه أبو داود) فى الحج من حديث جعفر بن يحى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان عن
٤٨٩
من عاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
٢٧٤٩٠ - (١٠) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه مَّم لمكة: ما أطيبك من بلد وأحبك إلى،
ولو لا أن قومى أخرجونى منك ما سكنت غيرك. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح
موسى بن باذان عن يعلى ، وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير (ج ٤: ص ٢٥٥) فى ترجمة مسلم بن باذان ، قال
البخارى : قال أبو عاصم عن جعفر بن يحى بن ثوبان قال حدثنى عمى عمارة بن ثوبان عن مسلم بن باذان سمع يعلى، قال:
سمعت النبي مَّثم يقول: احتكار الطعام بمكة إلحاد، قال البخارى: هكذا وقع عندى. وقال العنبرى (؟) موسى
ابن باذان - انتهى. قال ابن أبى حاتم فى ترجمة موسى بن باذان سماه البخارى مسلم بن باذان فقال أبى وأبو زرعة
جميعا: أخطأ البخارى فى هذا ، أخرجه فى مسلم بن باذان وإنما هو موسى بن باذان، وحكى الحافظ فى تهذيب التهذيب
(ج ١٠: ص ٣٣٨) قول ابن أبى حاتم هذا ثم قال: قلت: قد حكى البخارى القولين فى تاريخه ويظهر من سياقه
ترجيح موس - انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذرى: وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير عن يعلى
ابن أمية أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: احتكار الطعام بمكة إلحاد - انتهى. وأنت تعلم أن هذا مما لا مجال للرأى
فیه فهو فى حكم المرفوع، وسكوت أبى داود على حديث أبي يعلى يدل على أنه حديث حسن عنده لكن نقل المناوى عن
ابن القطان أنه قال حديث لا يصح لأن موسى وعمارة وجعفرًا كل منهم لا يعرف فهم ثلاثة مجهولون. وفى الميزان
فى ترجمة جعفر بن يحى قال ابن المدينى: إنه مجهول. وقال الذهبي: وعمه (عمارة) لين ، فمن منا كير جعفر عن عمه
ثم ساق هذا الحديث، ثم قال: هذا حديث واهى الإسناد. قال ابن المدينى: لم يرو عن جعفر غير أبي عاصم.
وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب بعد ذكر كلام ابن المدينى: جعفر بن يحمى ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال ابن القطان
الفاسى : مجهول الحال ، وقال فى التقريب: إنه مقبول ، وقال عن عمارة بن ثوبان مستور ، وعن موسى بن باذان
مجهول ، ففى كون حديث يعلى هذا حسنا نظر ، والله أعلم ، وفى الباب عن ابن عمر بن الخطاب أخرجه الطبرانى فى
الأوسط وذكره الهیشی فی مجمع الزوائد وقال : فیه عبد الله بن المؤمل ، وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جمع ـ انتهى
٢٧٤٩ - قوله (قال رسول اللّه مَبيع لمكة) أى خطابا لها حين وداعها وذلك يوم فتح مكة (ما أطيك من بلد)
صيغة تعجب (وأحبك إلى) عطف عليه والأولى بالنسبة إلى حد ذاتها أو للإطلاق والثانية للتخصيص ، قاله القارى.
(ولو لا أن قومى أخرجونى) أى صاروا سبا لخروجى (ما سكنت غيرك) قال القارى: هذا دليل للجمهور على أن
مكة أفضل من المدينة خلافا للإمام مالك رحمه الله، وقد صنف السيوطى رسالة فى هذه المسئلة (رواه الترمذى) فى
أواخر المناقب وأخرجه أيضا ابن حبان فى صحيحه والحاكم (ج ١: ص ٤٨٦) كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن
خثيم عن سعيد بن جبير وأبي الطفيل عن ابن عباس (وقال هذا حديث حسن صحيح) وقال الحاكم حديث صحيح الإسناد
٤٩٠
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
غریب إسنادا.
٢٧٥٠ - (١١) وعن عبد الله بن عدى بن حمراء، قال: رأيت رسول اللّه ◌َيُ واقفا على الحزورة،
فقال: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت.
ووافقه الذهبي (غريب إسنادا) تمييز ، وفى جامع الترمذى غريب من هذا الوجه.
٢٧٥٠ - قوله (وعن عبد الله بن عدى بن حمراء) القرشى الزهرى من أنفسهم، وقيل إنه ثقفى حالف بنى
زهرة ، يكنى أبا عمر ، وقيل أبا عمرو ، قال البخارى : له صحبة ورواية ، يعد فى أهل الحجاز ، وكان ينزل فيما بين قديد
وعسفان وهو من مسلسة الفتح، روى عن النبي ◌ُّل فى فضل مكة. روى عنه أبو سلمة ومحمد بن جبير بن مطعم،
وقوله ((حمراء، كذا فى المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند الترمذى وابن حبان، وفى مسند الإمام أحمد وسنن ابن
ماجه («الحمراء)، وهكذا ذكر الحافظ فى التقريب والتهذيب والإصابة وابن عبد البر فى الاستيعاب وكذا وقع فى المنتقى
للجد بن تيمية والقرى الحب الطبرى (رأيت رسول الله تَثي واقفا على الحزورة) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاى
وفتح الواو بعدها راء ثم ماء: هى الرابية الصغيرة والجمع الحزاور، قال الجزرى: هو موضع بمكة عند باب الحناطين
وهو بوزن قسورة. قال الشافعى: الناس يشددون الحزورة والحديبية وهما مخففتان - انتهى. وقال الطبي: هو على
وزن القسورة موضع بمكة وبعضهم شددها أى الواو، والحزورة فى الأصل بمعنى التل الصغير، سميت بذلك لأنه
هناك كان تل صغير ، وقيل لأن وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد كان ولى أمر البيت بعد جرهم فبنى صرحا هناك وجعل
فيها أمة يقال لها حزورة فسميت حزورة مكة بها ، وارجع إلى شفاء الغرام (ج ١، ص ٧٦) (فقال) أى مخاطبا
للكعبة وما حولها من حرمها (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله) فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة
كما عليه الجمهور. قال الشوكانى: فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق وأحبها إلى رسول الله مر ثية وبذلك
استدل من قال إنها أفضل من المدينة (ولو لا أنى أخرجت منك) أى بأمر من الله (ما خرجت) فيه دلالة على أنه لا
ينبغى للؤمن أن يخرج من مكة إلا أن يخرج منها حقيقة أو حكما ، وهو الضرورة الدينية أو الدنيوية، والحديث حبة
للقائلين بفضل مكة على المدينة. قال الدميرى: وأما ما روى من حديث ((اللهم إنك تعلم أنهم أخرجونى من أحب
البلاد إلى فأسكنى فى أحب البلاد إليك، فقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم فى نكارته ووضعه ونسبوا وضعه إلى
محمد بن الحسن بن زياد وتركوه لأجله، وقال ابن دحية فى تنويره: إنه حديث باطل بإجماع أهل العلم. وقال ابن
مهدى: سألت عنه مالكا فقال: لا يحل أن تنسب الباطل إلى رسول الله مزيج وقد بين علته أبو بكر البزار والحافظ
وغيرهما ، فعم السكنى بالمدينة أفضل لما ثبت من حديث ابن عمر أن النبي ◌َّثم قال: لا يصبر على لاوائها وشدتها أحد
٤٩١
مر عاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
رواه الترمذى، وابن ماجه .
إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة، ولم يرد بسكنى مكة شئ من ذلك بل كرمها جماعة من العلماء، وثبت أنه مري}
قال: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فانى أشفع لمن يموت بها ، وجعل ابن حزم التفضيل الحاصل بمكة ثابتا
لجميع الحرم ، قاله السندى. وقال القارى: وأما خبر الطبرانى ((المدينة خير من مكة)) فضعيف بل متكر واه كما قاله
الذهبي، وعلى تقدير صحته يكون محمولا على زمانه لكثرة الفوائد فى حضرته وملازمة خدمته لأن شرف المدينة ليس
بذاته بل بوجوده عليه الصلاة والسلام فيه ونزوله مع بركاته، وأيضا نفس المدينة ليس أفضل من مكة اتفاقا إذ لا
تضاعف فيه أصلا بل المضاعفة فى المسجدين، ففى الحديث الصحيح الذى قال بعض الحفاظ على شرط الشيخين ((صلاة
فى مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فى غيره من المساجد إلا المسجد الحرام ، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من
الصلاة فى مسجدى هذا بمائة ألف صلاة، وصح عن ابن عمر موقوفا وهو فى حكم المرفوع لأنه لا يقال مثله بالرأى:
صلاة واحد بالمسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة بمسجد النبي عليه الصلاة والسلام - انتهى. وإن شئت بسط
الكلام على مسئلة أفضلهما وعلى مسئلة حكم المجاورة بمكة فارجع إلى النيل وشفاء الغرام (ج ١: ص ٧٨) والمرقاة والمحلى
لابن حزم (ج٧: ص٢٧٩) ووفاء الوفاء للسمهودى والقرى (ص ١٦٠) للحب الطبرى (رواه الترمذى) فى أواخر المناقب
(وابن ماجه) فى أواخر الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٣٠٥) والنسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما
وسعيد بن منصور فى سننه كلهم من طريق الزهرى عن أبى سلمة عن عبد الله بن عدى بن حمراء، والحديث صححه
الترمذى ثم قال: ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ◌ُے وحديث الزهرى عن أبى سلمة عن
عبد الله بن عدى بن الحمراء عندى أصح ـ انتهى. وفيه أنه روى هذا الحديث أيضا الزهرى عن أبى سلمة بن
عبد الرحمن عن أبى هريرة كما فى المسند (ج ٤: ص ٣٠٥) قال الحافظ فى الإصابة: انفرد برواية حديث عبد الله بن
عدى بن الحمراء ابن شهاب الزهرى، واختلف عليه فيه، فقال الأكثر عنه عن أبى سلمة عن عبد الله بن عدى بن
الحمراء، وقال معمر فيه عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبي هريرة، ومرة أرسله ، وقال ابن أخى الزهرى عن محمد بن
جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدى، والمحفوظ الأول - انتهى. قلت: روى أحمد من طريق عبد الرزاق عن معمر
عن الزهرى عن أبى سلبة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة ، ثم روى من طريق رباح عن معمر عن الزهري فقال عن
أبى سلمة بن عبد الرحمن عن بعضهم (أى الصحابة) أن رسول اللّه تَبيل قال، إلخ. قال التقى الفاسى فى شفاء الغرام
(ج ١: ص ٧٦) بعد ذكر الروايتين ما لفظه: وذكر صاحبنا الحافظ أبو الفضل العسقلانى أن رواية معمر شاذة يعنى روايته لهذا
الحديث عن الزهرى عن أبى سلبة عن أبى هريرة مرفوعا. قال: والظاهر أن الوهم فيه من عبد الرزاق لأن معمرا كان
٤٩٢
١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
الفصل الثالث )
٢٧٥١ - (١٢) عن أبى شريح العدوى، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة:
لا يحفظ اسم صحابيه كما جاءت رواية رباح عنه وعبد الرزاق سلك الجادة فقال عن أبى سلمة عن أبى هريرة ، ثم قال:
وإذا تقرر ذلك على أن لا أصل له من حديث أبى هريرة والله أعلم - انتهى. قلت: رواه عبد الرزاق فى المصنف
(ج ٥: ص ٢٧) عن معمر عن الزهرى عن أبى سلمة موقوفا عليه فيغلب على الظن أن الناسخ أسقط قوله ((عن أبى
هريرة، والله أعلم، والحديث روى نحوه عن عبد الله بن عمرو أيضا كما ذكره التقى الفاسى فى شفاء الغرام.
٢٧٥١ - قوله (عن أبي شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبالحماء المهملة (العدوى) بفتح العين والدال ،
قال الحافظ فى كتاب الحج: كذا وقع هنا، وفيه نظر لأنه خزاعى من بنى كعب بن ربيعة بن لحى بطن من خزاعة ،
ولهذا يقال له الكعبي أيضا ، وليس هو من بنى عدى لا عدى قريش ولا عدى مضر ، فلعله كان حليفا لبنى عدى بن
كعب من قريش، وقيل فى خزاعة بطن يقال لهم بنو عدى، ثم قال فى المغازى: كنت جوزت فى الكلام على حديث
الباب فى الحج أنه من حلفاء بنى عدى بن كعب، وذلك لأنى رأيته فى طريق أخرى الكعبى نسبة إلى بنى كعب بن ربيعة
ابن عمرو بن لحى، ثم ظهر لى أنه نسب إلى بنى عدى بن عمرو بن لحى، وهم إخوة كعب ويقع هذا فى الأنساب كثيرا
ينسبون إلى أخى القبيلة ، وأبو شرح هذا صحابى مشهور، اختلف فى اسمه، فقيل خويلد بن عمرو ، وقيل عمرو بن
خويلد ، وقيل كعب بن عمرو ، وقيل هانئ بن عمرو، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وأصحها وأشهرها خويلد بن عمرو ،
وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عدى بن عمرو بن ربيعة
الخزاعى ثم الكعبي أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بنى كعب بن خزاعة يوم فتح مكة، روى له عن النبي ◌ُّه
عشرون حديثا ، اتفقا على حديثين وانفرد البخارى بحديث، وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة سكن المدينة ومات
بها سنة ثمان وستين (أنه قال لعمرو) بفتح العين (بن سعيد) أى ابن أبي العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشى
الأموى المعروف بالأشدق وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان وعرف بالأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ
فى شتم على رضى الله تعالى عنه فأصابه لقوة (وهو) أى عمرو (يبعث البعوث إلى مكة) جملة حالية، والبعوث جمع بعث
بمعنى مبعوث وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهز للقتال أى يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله
ابن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم ، وكان عمرو والى يزيد على المدينة، والقصة مشهورة،
وملخصها أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية فبايعه الناس إلا الحسين بن على وابن الزبير، وأما عبد الرحمن
ابن أبى بكر فمات قبل موت معاوية، وأما عبد الله بن عمر فبايع ليزيد عقب موت أيه، وأما الحسين بن على فسار
٤٩٣
.عاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
إثذن لى أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله في الغد من يوم الفتح، سمعته أذناى
ووعاه قلبى وأبصرته عيناى حين تكلم به، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم
يحرمها الناس ،
إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فاعتصم ، ويسمى عائذ البيت، وغلب
على أمر مكة فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش ، فكان آخر ذلك أن أهل المدينة
اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة وكان عمرو بن سعيد هذا قد أمر على الجيش الذى جهزه إلى مكة عمرو بن الزبير ،
وكان معاديا لأخيه عبد اللّه، وكان عمرو بن سعيد قد ولاه شرطته ثم أرسله إلى قتال أخيه فجاء مروان إلى عمرو بن
سعيد فنهاه فامتنع، وجاء أبو شريح فذكر القصة، فلما نزل الجيش ذا طمى خرج إليهم جماعة من أهل مكة فهز موهم
وأسر عمرو بن الزبير فسجنه أخوه بسجن عارم، وكان عمرو قد صرب جماعة من أهل المدينة من اتهم بالميل إلى أخيه،
فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك الضرب، تنبيه: وقع فى السيرة لابن إسحاق ومغازى الواقدى أن
المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح وبين عمرو بن الزبير فإن كان محفوظا احتمل أن يكون أبوشريح
راجع الباعث والمبعوث والله أعلم ، قاله الحافظ (إئذن) بهمزتين وفتح الذال ، أمر من أذن يأذن، وتبدل همزته الثانية
ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فيقال: إيذن (أيها الأمير) أصله يا أيها الأمير، حذف منه حرف النداء ، ويستفاد منه
حسن التلطف فى مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا
كان فى أمر يعترض به عليه فترك ذلك ، والغلظة له قد يكون سببا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه (أحدثك) بالجزم
لأنه جواب الأمر (قولا) مفعول ثان (قام به) صفة للقول والمقول هو حمد الله تعالى إلى آخره (الغد) بالنصب
(من يوم الفتح) أى ثانى يوم الفتح يعنى أنه خطب اليوم الثانى من فتح مكة (أذناى) هو فاعل سمعت وأصله أذنان لى،
فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون التثنية ، وفيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه ، فقوله سمعته أى حملته
عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين التأكيد، وقوله (وعاء قلبي) أى حفظه تحقيق لفهمه وتثبته، وقوله (وأبصرته عيناى)
زيادة فى تحقيق ذلك وأن سماعه منه ليس اعتمادا على الصوت فقط بل مع المشاهدة والروية (حين تكلم به) أى بالقول
المذكور و((حين)) نصب على الظرف لسمعت ووعاه وأبصرت، ويؤخذ من قوله ((ووعاه قلبي) أن العقل محله القلب
(حمد الله) جملة استثنائية مبينة، وفى رواية ((أنه حمد الله)) قال الحافظ: هو بيان لقوله تكلم، ويؤخذ منه استحباب الثناء
بين يدى تعليم العلم وتبين الأحكام والخطبة فى الأمور المهمة، وقد تقدم من رواية ابن اسحاق أنه قال فيها «أما بعد» (وأثنى
عليه) عطف على حمد من قبيل عطف العام على الخاص (حرمها الله) جملة وقعت فى محل الرفع لأنها خير إن (ولم يحرمها الناس)
٤٩٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ كا- المنا ك ١٤ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
فلا يحل لامرئى يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد
ترخص بقتال رسول اللّه ول فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يؤذن لكم، وإنما أذن لى
بالضم أى إن تحريمها كان بوحى من الله لا من اصطلاح الناس (فلا يحل) الفاء فيه جواب شرط محذوف تقديره إذا
كان كذلك فلا يحل (لامرئى) هذا اللفظ من النوادر حيث كانت عينه دائما تابعة للامه فى الحركة (يؤمن بالله
واليوم الآخر) اكتفى بطرفى المؤمَن به عن بقيته قال الحافظ: فيه تنبيه على الامتثال لأن من آمن بالله لزمته طاعته ومن
آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه خوف الحساب عليه، وقد تعلق به من قال إن الكفار
غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الذى ينقاد للأحكام وينزجر
عن المحرمات فجعل الكلام معه ، وليس فيه ففى ذلك عن غيره ، وقال ابن دقيق العيد: الذى أراه أنه من خطاب التهيج
نحو قوله تعالى: ﴿ وعلى اللّه فتوكاوا إن كنتم مؤمنين - سورة المائدة: الآية ٢٢٦) فالمعنى أن استحلال هذا المنهى عنه
لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف، ولو قيل لا يحل لأحد مطلقا لم
يحصل منه هذا الغرض وإن أفاد التحريم (أن يسفك) فاعل لا يحل وأن مصدرية، تقديره فلا يحل سفك دم،
ويسفك بكسر الفاء على المشهور وحكى ضمها، ومعنى السفك إراقة الدم وصبه، والمراد به القتل ، واستدل به على تحريم
القتل والقتال بمكة، وتقدم البحث فيه فى الكلام على حديث ابن عباس (بها) أى بمكة، والباء بمعنى فى، أى فيها كما هى
رواية المستعلى البخارى (دما) مفعول ليسفك (ولا يعضد) بالنصب أيضا لأنه عطف على يسفك والتقدير وأن لا يعضد،
وزيدت لا لتأكيد معنى النفي، فمعناه لا يحل أن يعضد، ويعضد بكسر الضا د المعجمة بصيغة المعلوم ، والضمير الذى فيه
يرجع إلى امرئى أى ولا يقطع (بها) أى بمكة (شجرة) بالنصب مفعول يعضد، وفيه دليل على تحريم قطع شجر مكة
وقد سبق الكلام فى ذلك وتفصيل مذاهب الأئمة فى شرح حديث ابن عباس (فإن) شرطية (أحد) فاعل
فعل محذوف مضمر، والتقدير فإنن ترخص أحد، ويفسره قوله (ترخص) وإنما حذف لئلا يجتمع المفسر.
والمفسر، وذلك كما فى قوله تعالى: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك - سورة التوبة: الآية ٦) وقوله ((ترخص))
على وزن تفعل مشتق من الرخصة، وفى رواية ابن أبي ذئب عند أحمد «فإن ترخص مترخص، وهو المتكلف للرخصة
،صحيح مسلم وفى البخارى ((لقتال رسول الله)) واللام فيه للتعليل، وهو متعاق بقوله
كذا فى
(بقتال رسول الله
ترخص (فقولوا) جواب الشرط فلذلك دخلت فيه الفاء (إن الله قد أذن) بكسر الذال أى أجاز (لرسوله ولم يأذن الكم)
معناه إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة مستدلا بقتال رسول اللّه مريم فيها فقولوا
له: ليس الأمر كذلك، فإن الله أذن لرسوله مح له ولم يأذن لكم (وإنما أذن لى) بفتح الهمزة وكسر الذال على بناء
الفاعل، والضمير فيه يرجع إلى الله، ويروى بضم الهمزة على البناء للمجهول، وفى قوله ((لى)) النفات، لأن نسق الكلام
٤٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبى
شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرم لا يعيذ عاصياً
ولا فارا بدم ولا فارا بخربة.
(وإنما أذن له)) أى لرسوله، قاله الحافظ. وقال العينى: وإنما التفت ثانيا بقوله ((وإنما أذن لى)) ولم يقل (( أذن له ، بيانا
لاختصاصه بذلك بالإضافة إلى ضميره کما فی قول امرئ القيس :
وخبرته عن أبي الأسود
وذلك من نبأ جاء فى
(ساعة من نهار) قد مضى فى شرح حديث ابن عباس أن مقدار هذه الساعة ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر،
وكان قتل من قبل بإذن النبى معَّه كابن خطل وقع فى هذا الوقت الذى أبيح فيه القتال للنبي مَثّةٍ، والمأذون له فيه
القتال لا قطع الشجر، فليس فى الحديث ما يدل على إباحة عضد الشجر لرسول اللّه مَفيم فى تلك الساعة (وقد عادت
حرمتها) أى الحكم الذى فى مقابلة إباحة القتال المستفاد من لفظ الاذن (اليوم كحرمتها بالأمس) المراد باليوم الزمن
الحاضر وبالأمس أى الأمس من يوم الفتح. وقال السندى: الظاهر أن المراد وقد عادت حرمتها بعد تلك الساعة
كحرمتها قبل تلك الساعة - انتهى. ولم يبين غاية الحرمة هنا، وقد بينها فى رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله ، ثم
هى حرام إلى يوم القيامة، وكذا فى حديث ابن عباس السابق بقوله ((فهى حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)) (وليبلغ)
بسكون اللام وكسرها وتشديد اللام الثانية ويجوز تخفيفها أى يوصل (الشاهد) بالرفع (الغائب) بالنصب، قال ابن
جرير: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الابلاغ وأنه لم
يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أبلغه كالذى لزم السامع سواء وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ
فائدة (فقيل لأبي شريح) لم يدر اسم القائل. وظاهر رواية ابن اسحاق أنه بعض قومه من خزاعة (ما قال لك عمرو؟)
أى فى جوابك (قال) أى أبو شريح (قال) أى عمرو (أنا أعلم بذلك) أى بالمذكور من قول أبي شريح: أن مكة
حرمها الله تعالى، إلخ (منك يا أبا شريح) بإظهار الهمزة ويجوز حذفها للتخفيف فيقال يابا شريح (إن الحرم) أى
حرم مكة (لا يعيذ) بالذال المعجمة أى لا يجير ولا يعصم (ولا فارا بدم) بالفاء وتثقيل الراء من الفرار وهو عطف
على ((عاصيا، والباء فى ((بدم)) للصاحبة، أى مصاحبا بدم ومتلبسا به يعنى لا يجير هاربا عليه دم يعتصم بمكة كيلا يقتص
منه، قال الحافظ: المراد من وجب عليه حد القتل فهرب إلى مكة مستجيرا بالحرم، وهى مسئلة خلاف بين العلماء،
وأغرب عمرو بن سعيد فى سياقه الحكم مساق الدليل وفى تخصيصه العموم بلا مستند (ولا فارا بخربة) عطف على ما
قبله، والباء فيه للسبية وقوله ((بخربة، بفتح الخاء المعجمة ومكون الراء بعدها باءموحدة وهى السرقة، كذا ثبت
٤٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
متفق عليه، وفى البخارى: الخربة الجنابة .
تفسيرها فى رواية المستملى أعنى فى روايته: ولا فارا بخربة يعنى السرقة. وقال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد وبالفتح
السرقة. قال الحافظ: قد تصرف عمرو فى الجواب وأتى بكلام ظاهره حق ولكن أراد به الباطل. قال ابن حزم:
لا كرامة للطيم الشيطان أن يكون أعلم من صاحب رسول اللّه مَيه، وأغرب ابن بطال فزعم أن سكوت أبى شريح
عن جواب عمرو بن سعيد دال على أنه رجع إليه فى التفصيل المذكور، ويعكر عليه ما وقع فى رواية أحمد أنه قال فى
آخره: قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنت شاهدا وكنت غائبا وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغت. فهذا
يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما ترك مشاققته لعجزه لما كان فيه من قوة الشوكة. وقال ابن بطال أيضا: ليس قول عمرو جوابا
لأبى شريح لأنه لم يختلف معه فى أن من أصاب حدا فى غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه فى الحرم ، فإن
أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة ونصب الحرب عليها ، فأحسن فى استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن
جوابه وأجابه عن غير سؤاله، وتعقبه الطيبى بأنه لم يحد فى جوابه وإنما أجاب بما يقتضى القول بالموجب، كأنه قال له صح
سماعك وحفظك لكن المعنى المراد من الحديث الذى ذكرته خلاف ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان لسبب الفتح
وليس بسبب قتل من استحق القتل خارج الحرم ثم استجار بالحرم، والذى أنا فيه من القبيل الثانى. قلت (قاتله
الحافظ): لكنها دعوى من عمرو بغیر دلیل، لأن ابن الزبير لم يجب عليه حد فعاذ بالحرم فرارا منه حتى يصح جواب
عمرو، نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذى استنابه وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة ويحضر إليه
فى جامعة يعنى مغلولا، فامتنع ابن الزبير وعاذ بالحرم فكان يقال له بذلك عائذ اللّه، وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه
من امتثال أمر يزيد، ولهذا صدر كلامه بقوله: إن الحرم لا يعيذ عاصيا. ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادا، فهذه شبهة
عمرووهى واهية، وهذه المسئلة التى وقع فيها الاختلاف بين أبى شريح وعمرو فيها اختلاف بين العلماء أيضا كما مر تفصيله
فى شرح حديث ابن عباس من هذا الباب، وفى حديث أبى شريح من الفوائد غير ما تقدم: جواز إخبار المرء عن نفسه
بما يقتضى ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين، والموعظة بلطف وتدريج،
والاقتصار فى الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد ، ووقوع التاكيد فى الكلام البليغ ، وجواز المجادلة فى الأمور
الدينية ، وفيه الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بدا من ذلك (متفق عليه) أخرجه البخارى
فى العلم وفى الحج وفى المغازى، ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ٣٨٥) والترمذى فى الحج وفی الدیات
والنسائى فى الحج وفى العلم (وفى البخارى: الخربة الجنابة) قال القارى: وفى نسخة ((الخيانة)) ضد الأمانة - انتهى.
والذى فى البخارى فى الحج وفى المغازى، قال أبو عبد الله: الخربة البلية. وقال ابن الأثير فى النهاية: فى الحديث ((الحرم
٤٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
٢٧٥٢ - (١٣) وعن عياش بن أبى ربيعة المخزومى، قال: قال رسول اللّه ◌ُلل: لا تزال هذه
الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا. رواه ابن ماجه.
لا يعيذ عاصيا ولا فارا بخربة)، الخربة أصلها العيب والمراد بها ههنا الذى يفر بشئى يريد أن ينفرد به ويغلب عليه مما لا
تجيزه الشريعة، والخارب أيضا سارق الابل خاصة ثم نقل إلى غيرها اتساعا، وقد جاء فى سياق الحديث فى كتاب
البخارى أن الخربة الجناية والبلية. قال الترمذى: وقد روى بخزية، ويجوز أن يكون بكسر الخاء (وسكون الزاى) وهو
الشئى الذى يستحيي منه أو من الهوان والفضحة ويجوز أن يكون بالفتح وهو الفعلة الواحدة منهما - انتهى. وارجع
لمزيد التفصيل إلى الفتح فى الحج، والعينى والقسطلانى فى العلم.
٢٧٥٢ - قوله (وعن عياش) بتشديد التحتانية وآخره معجمة (بن أبى ربيعة) اسم أبى ربيعة عمرو - ويلقب
ذا الرمعمين - ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشى أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن المخزومى ابن عم
خالد بن الوليد بن المغيرة وأخو أبى جهل بن هشام لأمه، أمهما أم الجلاس ، وأخو عبد الله بن أبى ربيعة لأبيه وأمه
واسمها أسماء بنت سلمة بن مخرمة وهى أم الحارث وأبى جهل أبنى هشام بن المغيرة ، كان هشام بن المغيرة قد طلقها
فتزوجها أخوه أبو ربيعة بن المغيرة، كان إسلام عياش بن أبى ربيعة قديما قبل أن يدخل رسول اللّه مَثل دار الأرقم،
وهاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته وولد له بها ابنه عبد الله، ثم هاجر إلى المدينة جمع بين الهجرتين. قال الزبير:
كان عياش بن أبى ربيعة قد هاجر إلى المدينة حين هاجر عمر بن الخطاب فقدم عليه أخواه لأمه أبو جهل والحارث ابنا
هشام فذكرا له أن أمه حلفت أن لا يدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه فرجع معهما فأوثقاه رباطا وحبساه بمكة
فكان رسول اللّه مَ ثّ يدعو له بالنجاة فى القنوت كما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة. روى عن النبي مَثيه فى تعظيم
مكة وعنه ابنه عبد الله وعبد الرحمن بن سابط وغيرهما استشهد باليمامة، وقيل باليرموك، وقيل مات سنة خمس عشرة
بالشام فى خلافة عمر (لا تزال هذه الأمة) أى أمة الإجابة (بخير) التنوين للتعظيم (ما عظموا) أى مدة تعظيمهم (هذه
الحرمة) يعنى الكعبة والحرم ، وقال القارى: أى حرمة مكة وحرمها المعهودة عند العرب بأجمعها. وقال السندى: أى
حرمة شعائر الله (فإذا ضيعوا ذلك) أى التعظيم أو ما ذكر من الحرمة (هلكوا) أى بالإ هانة جزاء وفاقا (رواه ابن
ماجه) فى آخر الحج من طريق يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن سابط عن عياش، قال ابن عبد البر: ويقولون:
إن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع منه، وأنه أرسل حديثه عنه ، وروى عنه نافع مرسلا أيضاً وروى عنه ابنه عبد الله
ابن عياش سماعا منه - انتهى. وقال السندى: قال فى الزوائد: فى إسناده يزيد بن أبى زياد واختلط بآخره ـ انتهى.
٤٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
الفصل الأول )
والحديث ذكره المحب الطبرى فى القرى (ص ٥٨٩) وقال: أخرجه ابن الحاج فى منسكه، وذكره الحافظ فى الفتح فى
باب فضل مكة وبنيانها ثم قال أخرجه أحمد وابن ماجه وعمر بن شبة فى كتاب مكة وسنده حسن - انتهى.
(باب حرم المدينة) قال الزرقانى: المدينة فى الأصل المصر الجامع ثم صارت علما بالغلبة على دار هجرته مر ليج
ووزنها فعيلة لأنها من مدن (بالمكان أى أقام به) وقيل: مفعلة بفتح الميم لأنها من دان (بمعنى أطاع، والدين الطاعة)
والجمع مُدَن ومدائن بالهمز على القول بأصالة الميم ووزنها فعائل وبغير همز على القول بزيادة الميم ووزنها مفاعل
انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: المدينة علم على البلدة المعروفة التى هاجر إليها النبي ◌َّةٍ ودفن بها. قال الله تعالى:
﴿يقولون لتن رجعنا إلى المدينة - سورة المنافقون: الآية ٨) فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد، وإذا أريد غيرها
بلفظ المدينة فلابد من قيد فهى كالنجم للثريا ، وكان اسمها قبل ذلك ((يثرب، قال الله تعالى: ﴿وإذ قالت طائفة منهم:
يا أهل يثرب - سورة الأحزاب: الآية ١٣) ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به، قيل: "ميت يثرب بن قانية من
ولد إرم بن سام بن نوح، لأنه أول من زلها، حكاه أبو عبد البكرى، وقيل غير ذلك. ثم سماها النبي عَ ل طابة
وطيبة كما سيأتى. وكان سكانها العماليق ثم زلها طائفة من بنى إسرائيل قيل أرسلهم موسى عليه السلام كما أخرجه الزبير
ابن بكار فى أخبار المدينة بسند ضعيف تم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سباً بسبب سيل العرم - انتهى. قال
النووى فى مناسكه :لمدينة رسول الله ولا خمسة أسماء: المدينة وطابة طية والدار ويثرب، قال تعالى: ﴿ما كان لأهل
المدينة - سورة التوبة: الآية ١٢١) وفى مسلم عن جابر مرفوعا: إن الله سمى المدينة طابة. قال النووى: سميت طابة
وطية لخلوصها من الشرك وطهارتها منه، وقيل لطيب ساكنها، وأما تسميتها الدار فللا ستقرار بها لأمنها ، وأما المدينة
فقال كثير من أهل اللغة هى من دان أى أطاع، سميت بها لأنه يطاع لله تعالى فيها. قال ابن حجر فى شرحه: اقتصر
على هذه الأسماء مع أن أسمائها تقارب الألف كما بينها بعض المتآخرين لأنها أشهرها -انتهى. وقال السمهودي: إن كثرة
الأسماء تدل على شرف المسمى ولم أجد أكثر من أسماء هذه البلدة الشريفة وقد استقصيتها بحسب القدرة حتى أتى زدت
على شيخ مشائخنا المجد الشيرازى اللغوى وهو أعظم الناس فى هذا الباب نحو ثلاثين اسما فرقمت على ذلك صورة ليتميزوها
وأنا أوردها مرتبة على حروف المعجم، ثم ذكر السمهودى أربعة وتسعين اسما مع بيان معانيها وسرد أحمد بن عبدالحميد
العباسى ثمانية وخمسين اسما ثم ترجم كل اسم حسب ترتيبه الأبجدى، من أحب الوقوف على ذلك رجع إلى وفاء الوفا
(ص ٨ إلى ص ٢٧) وإلى عمدة الأخبار (ص ٥٨ إلى ص ٧٠). واعلم أن المدينة حرمة عند الحنفية لا حرما كما
لمكة خلافا للأئمة الثلاثة؛ فعندهم يحزم صيدها وقطع شجرها، وعند الحنفية لا يحرم ذلك وسيأتى بسط الكلام فى ذلك .
٤٩٩
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٥٣ - (١) عن على رضى الله عنه، قال: ما كتبنا عن رسول اللّه ◌َي إلا القرآن، وما
فى هذه الصحيفة. قال :
٢٧٥٣ - قوله (ما كتبنا عن رسول الله مريم إلا القرآن وما فى هذه الصحيفة) هذا لفظ البخارى فى الجزية
رواه من طريق سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمى عن أبيه عن على، وروى مسلم من طريق أبي معاوية عن
الأعمش عن إبراهيم عن أبيه، قال (أى يزيد بن شريك التيمى والد إبراهيم): خطبنا على بن أبى طالب فقال: من
زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، قال: وصحيفة معلقة فى قراب سفه، فقد كذب. وروى
البخارى أيضا فى العلم من طريق مطرف عن الشعبى عن أبى جحيفة قال: قلت لعلى رضى الله عنه: هل عندكم كتاب؟ قال: لا
إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما فى هذه الصحيفة. قال الحافظ: قوله ((هل عندكم)، الخطاب لعلى والجمع
إما لارادته مع بقية أهل البيت أو التعظيم. وقوله ((كتاب)) أى مكتوب أخذتموه عن رسول اللّه مَّم مما أوحى إليه،
ويدل على ذلك رواية المصنف يعنى البخارى فى الجهاد هل عندكم شئى من الوحى إلا ما فى كتاب الله ؟ وله فى الديات
«هل عندكم شئ مما ليس فى القرآن؟ ، وفى مسند إسحاق بن راهويه عن جرير عن مطرف «هل علمت شيئا من الوحى؟»
وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت لا سيما عليا أشياء من الوحى
خصهم النبي ◌َرائع بها لم يطلع غيرهم عليها. وقد سأل عليا عن هذه المسئلة أيضا قيس بن عباد (بضم العين وتخفيف الباء)
والأشتر النخعى وحديثهما فى مسند النسائى (ومسند الإمام أحمد ج ١: ص ١٢٢) وقال النووى: قوله من زعم أن
عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب، هذا تصريح من على رضى الله عنه بإبطال ما تزعمه الرافضة
والشيعة ويخترعونه من قولهم أن عليا رضى الله عنه أوصى إليه النبي مَّثم بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين
وكنوز الشريعة، وأنه ◌َث خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل
لها، ويكفى فى إبطالها قول على رضى الله عنه هذا، وفيه دليل على جواز كتابة العلم (قال) أى على رضى الله عنه تفسيرا لما
فى الصحيفة، وفى رواية أبى جحيفة عند البخارى فى العلم قال: قلت: وما فى هذه الصحيفة؟ قال: العقل، إلخ. قال
الحافظ: ووقع البخارى ومسلم من طريق يزيد التيمى عن على قال: ما عندنا شئى نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة،
فإذا فيها الجراحات وأسنان الابل والمدينة حرم - الحديث. ولمسلم عن أبى الطفيل عن على: ما خصنا رسول الله
مَّم بشئى لم يتم به الناس كافة إلا ما فى قراب سيفى هذا وأخرج صحيفة مكتوبة فيها: لعن الله من ذبح لغير الله -
الحديث. والنسائى من طريق الأشتر وغيره عن على ((فإذا فيها: المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم)»
٠.