النص المفهرس
صفحات 461-480
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
( الفصل الأول ):
٢٧٤٠ - (١) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: لا هجرة،
ولكن جهاد ونية ،
طريق جدة هما العلمان القديمان من زمن نبينا إبراهيم عليه بإشارة جبريل عليه السلام بوضعهما فى تلك البقعة كسائر
حدود الحرم من الجهات الأخرى، أما العلمان الجنوبيان المسامتان لعلمى الحرم المذكورين فقد أحدثا فى جمادى الثانية
سنة ست وسبعين وثلثمائة وألف من أجل طريق السيارات المؤدى بينهما ، ثم صار عدول السيارات من هذا الطريق
الجنوبى الذى يمر بين العلمين المحدثين إلى الطريق الشمالى الذى يمر بين على الحرم القديمين، ولا زالة اللبس لزم التنبيه
على ذلك، وحيث الحال ما تقدم من أن حدود الحرم مختلفة فى القرب والبعد، وأن وضع حدود الحرم هو بايقاف
جبريل عليه الصلاة والسلام لأينا إبراهيم مريم على حدود الحرم وظهور أن حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال
ومن طريق جدة عشرة أميال مع أن الحدين متجاوران فبذلك تبين أنه ليس للاجتهاد فى تحديد الحرم مساغ وأنه
لا يجوز لأحد أن يحدث حدا للحرم ويضع عليه أنصابا من تلقاء نفسه لأنه قد لا يكون ذلك حدا للحرم فى نفس
الأمر ، أما إذا أتى على محل ليس به أحلام فإنه ينظر إلى محاذاة أقرب الأعلام إليه، وليس فى الامكان سوى ذلك مع
عدم الجزم بأن هذا حد للحرم، والله أعلم، كذا فى مفيد الأنام.
٢٧٤٠ - قوله (يوم فتح مكة) منصوب لأنه ظرف لقال (لا هجرة) أى بعد الفتح، وأفصح بذلك فى بعض
الروايات أى لا هجرة من مكة إلى المدينة مفروضة بعد الفتح كما كانت قبله، وقد عقد البخارى فى أواخر الجهاد («باب
لا هجرة بعد الفتح، قال الحافظ: أى بعد فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك. إشارة إلى أن حكم غير مكة فى
ذلك حكمها ، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلون ، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة، الأول:
قادر على الهجرة منها ، لا يمكنه إظهار دينه بها ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة ، الثانى: قادر لكنه يمكنه إظهار
دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم وجهاد الكفاروالأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر
بينهم، الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها
أجر (ولكن جهاد ونية) أى لكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التى فى معنى الهجرة ، وذلك بالجهاد ونية الخير فى كل
شئ، وارتفاع ((جهاد)) على الابتداء، وخبره محذوف مقدما تقديره («لكم جهاد، قال الحافظ: المعنى أن وجوب الهجرة
من مكة انقطع بفتحها إذا صارت دار إسلام ولكن بق وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسره بقوله («فإذا
استغرتم فانفروا، أى إذا دعيتم إلى الغزو فأجيبوا، قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضا فى أول الإسلام على
من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس فى دين الله أفواجا، فسقط فرض
٤٦١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
وإذا استنفرتم فانفروا.
الهجرة إلى المدينة، وبقى فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو - انتهى. قال الحافظ : وكانت الحكمة
أيضا فى وجوب الهجرة على من أسلم ليسلهم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى
أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالى أنفسهم قالوا فيم كنتم ، قالوا كذا مستضعفين فى
الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها - سورة النساء: الآية ٩٩﴾ وهذه الهجرة باقية الحكم فى حق
من أسلم فى دار الكفر وقدر على الخروج منها ، وقد روى النسائى من طبطريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن
جده مرفوعا: لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين، ولأبى داود من حديث سمرة مرفوعا:
أنا برئى من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، وهذا محمول على من لم يأمن على دينه، قال: وقوله (ولكن جهاد ونية))
قال الطي وغيره: وهذا الاستدراك يقتضى مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التى هى مفارقة الوطن التى
كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة
كالفرار من دار الكفر والخروج فى طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية فى جميع ذلك (وإذا استفرتم) بصيغة
المجهول أى إذا طلبتم للنفر وهو الخروج إلى الجهاد (فانفروا) بكسر الفاء أى اخرجوا، والمعنى إذا دعاكم السلطان
إلى غزو فاذهبوا. قال النووى: يريد أن الخير الذى انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة،
وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه، وفى الحديث بشارة بأن مكة تبقى
دار إسلام أبدا لا يتصور منها الهجرة ، وفيه وجوب تعيين الخروج فى الغزو على من عينه الامام، وأن الأعمال
تعتبر بالنيات، وقال الخطابى: فى الحديث إيهاب النفير والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة، وهذا إذا كان فيمن
بازاء العدو كفاية فإن لم يكن فيهم كفاية فهو فرض على المطيقين للجهاد ، والاختيار للطيق له مع وقوع الكفاية
بغيره أن لا يقعد عن الجهاد ، قال الله تعالى: ﴿لا يستوى القاعدون من المومنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى
سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى - سورة
النساء: الآية ٩٨) وقد ترجم البخارى لهذا الحديث «باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية، وقوله:
﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله - سورة التوبة: الآية ٤٢) قال الحافظ : قوله «وما
يجب من الجهاد والنية أى وبيان القدر الواجب من الجهاد ومشروعية النية فى ذلك ، والناس فى الجهاد حالان،
إحداهما فى زمن التى تَّ والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى
المدينة اتفاقا ، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية قولان مشهوران العلماء، وهما فى مذهب الشافعى ، وقال
الماوردى: كان عينا على المهاجرين دون غيرهم ، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح فى حق كل من أسلم إلى المدينة النصر
٤٦٢
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
وقال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض،
الإسلام، وقال السهيلى: كان عينا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي مَثّ ليلة العقبة على أن يؤدوا
رسول الله مَبطل وينصروه، فيخرج من قولهما أنه كان عينا على الطائفتين، کفایة فی حق غیرهم ، ومع ذلك وليس فى
حق الطائفتين على التعميم ، بل فى حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق ، وفى حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من
الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع فى قصة بدر فيما ذكره ابن اسحاق فإنه كالصريح فى ذلك ، وقيل كان عينا فى الغزوة
التى يخرج فيها النبي ◌َّ دون غيرها، والتحقيق أنه كان عينا على من عينه النبي مَثل فى حقه ولو لم يخرج:
الحال الثانى بعده تعريفية فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كان يدهم العدو، ويتعين على من عينه
الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله فى السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم: أن الجزية تجب بدلا عنه ، ولا تجب
فى السنة أكثر من مرة اتفاقا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوى، والذى يظهر أنه استمر على
ما كان عليه فى زمن النبي ترويج إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الإسلام فى اقطار الأرض ثم صار إلى ما
تقدم ذكره، والتحقيق أيضا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقله ـ انتهى.
وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك فى شرح هذا الحديث فى آخر الفصل الأول من كتاب الجهاد ، ويأتى هناك بسط أحكام
الجهاد إن شاء الله تعالى (وقال يوم فتح مكة) قال القارى: أعاده تاكيدا أو إشارة إلى وقوع هذا القول وقنا آخر من
ذلك اليوم والله تعالى أعلم - انتهى. قلت: اللفظ المذكور لمسلم رواه فى الحج عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير وروى
البخارى هذا الحديث فى باب لا يحل القتال بمكة من كتاب الحج من طريق عثمان بن أبى شيبة عن جرير بلفظ «فإذا
استفرتم فانفروا فإن هذا بلد، إلخ. أى ليس فيه قوله ((وقال يوم فتح مكة، قال الحافظ: الفاء أى فى قوله ((فإن هذا)
جواب شرط محذوف تقديره إذا علمتم ذلك فاعلموا أن هذا بلد حرام ، وكأن وجه المناسبة أنه لما كان نصب القتال
عليه حراما كان التغير يقع منه لا إليه، ولما روى مسلم هذا الحديث عن إسحاق عن جرير فصل الكلام الأول من
الثانى بقوله ((وقال يوم الفتح: إن الله حرم) إلى آخره. فجعله حديثا آخر مستقلا، وهو مقتضى صنيع من اقتصر
على الكلام الأول كعلى بن المدينى عن جرير كما سيأتى فى الجهاد - انتهى (إن هذا البلد) أى محكة يعنى حرمها. قال
القارى: أو المراد بالبلد أرض الحرم جميعها (حرمه الله) أى حكم بتحريمها وقضاء، وظاهره أن حكم الله تعالى فى مكة
أن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجاربها ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين فى قوله تعالى: {ومن دخله كان
آمنا - سورة آل عمران: الآية ٩١) وقوله: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا - سورة العنكبوت: الآية ٦٧)
(يوم خلق السموات والأرض) يعنى أن تحريمه أمر. قديم وشريعة سالفة مستمرة وحكمه تعالى قديم لا يتقيد بزمان
٤٦٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
١٠ - كتاب المناسك
فهو حرام بحرمة اللّه
نهو تمثيل فى تحريمه بأقرب منصور لعموم البشر، إذ ليس كلهم يفهم معنى تحريمه فى الأزل وليس تحريمه ما أحدثه الناس
أو اختص بشرعه، وهذا لا ينافى قوله فى حديث جابر عند مسلم وحديث أنس عند البخارى إن ابراهيم حرم .كة،
لأن إسناد التحريم إليه من حيث أنه مبلغه فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى، والأنبياء يبلغونها ،
فكما تضاف إلى الله تعالى من حيث أنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم وتبين على ألسنتهم، والحاصل
أنه أظهر تحريمها مبلغا عن الله بعد أن كان مهجورا لا أنه ابتدأه، وقيل إنه حرمها بإذن الله يعنى أنه تعالى كتب فى
اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالى، كذا فى إرشاد السارى. وقال
العينى: معنى قوله ((إن إبراهيم حرم مكة) أعلن بتحريمها وعرف الناس بأنها حرام بتحريم اللّه إياها فلما لم يعرف
تحريمها إلا فى زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما فى قوله تعالى: ﴿اللّه يتوفى الأنفس - سورة الزمر: الآية ٤٣﴾ فإنه
أضاف إليه التوفى، وفى آية أخرى: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت - سورة السجدة: الآية ١١) فأضاف إلى الملك التوفى،
وقال فى آية أخرى: ﴿الذين توفاهم الملائكة - سورة النحل: الآية ٣٠, ٣٤) فأضاف إليهم التوفى، وفى الحقيقة المتوفى
هو الله عز وجل، وأضاف إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم ـ انتهى. وقال الحافظ: لا معارضة بين الحديثين لأن
معنى قوله ((إن إبراهيم حرم مكة، أى بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن اللّه قضى يوم خلق السموات والأرض أن
إبراهيم سيحرم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حراما، أو أول
من أظهره بعد الطوفان، وقال القرطبي: معناه: إن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه
مدخل، قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله (فى حديث أبى شريح الآتى): ولم يحرمها الناس. والمراد بقوله " ولم
يحرمها الناس، أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك وليس
من محرمات الناس يعنى فى الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد فى تركه، وقيل معناه: إن
حرمتها مستمرة من أول الخلق، وليس مما اختصت به شريعة النبى مزيفة. قال الحافظ: واستدل بالحديث على اشتراط
الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبي: معنى قوله ((حرمه الله)) أى يحرم على غير المحرم دخوله حتى يحرم،
ويجرى هذا مجرى قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم - سورة النساء: الآية ٢٧ ) أى وطؤهن ﴿ وحرمت عليكم الميتة .
سورة المائدة: الآية ٤) أى أكلها. فعرف الاستعمال يدل على تعيين المحذوف. قال: وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره
عن دخول مكة غير محرم مقاتلا بقوله (لم تحل لى إلا ساعة من نهار، الحديث - انتهى. وقد تقدم بسط القول فى
هذه المسئلة فى شرح حديث ابن عباس فى بيان المواقيت (ج ٦: ص ٢٤٣ إلى ص ٢٤٦) وتقدم الجواب هناك عن
الاستدلال بهذا الحديث على منع دخول الحرم بغير إحرام فتذكر (فهو) أى البلد (حرام) أى محرم محترم (بحرمة اللّه)
٤٦٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
إلى يوم القيامة ،
أى بسبب حرمة الله، فالباء للسيبية، ويجوز أن تكون للملابسة فيكون متعلق الباء محذوفا، أى متلبسا بحرمة الله، وهو
تأكيد للتحريم (إلى يوم القيامة) إيماء إلى عدم نسخه، وقال الحافظ: قوله ((بحرمة الله)) أى بتحريمه، وقيل: الحرمة
الحق، أى حرام بالحق المانع من تحليله ، قال: واستدل به على تحريم القتل والقتال بالحرم ، فأما القتل فنقل بعضهم
الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها ، وخص الخلاف بمن قتل فى الحل ثم لجأ إلى الحرم ، ومن
نقل الاجماع على ذلك ابن الجوزى، واحتج بعضهم بقتل ابن خطل بها ، ولا حجة فيه، لأن ذلك كان فى الوقت
الذى أحلت فيه للنبى معَّه، وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقا.
ونقل التفصيل عن مجاهد وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يقتل فى الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره لكن لا يحالس ولا
يكلم ويوعظ ويذكر حتى يخرج، وقال أبو يوسف: يخرج مضطرا إلى الحل وفعله ابن الزبير ، وروى ابن أبى شيبة
من طريق طاوس عن ابن عباس: من أصاب حدا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع ، وعن مالك والشافعى يجوز
إقامة الحد مطلقا فيها ، لأن العاصى منك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن، وأما القتال فقال الماوردى:
من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز ، وإن لم يمكن إلا
بالقتال، فقال الجمهور يقاتلون لأن قتال البغاة من حقوق اللّه تعالى، فلا يجوز إضاعتها، وقال الآخرون: لا يجوز
قتالهم ، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، قال النووى: والأول نص عليه الشافعى وأجاب أصحابه عن الحديث
بحمله على تحريم نصب القتال بما يعم أذاه كالمنجنيق ، بخلاف ما لو تحصن الكفار فى بلد، فإنه يجوز قتالهم على كل
وجه، وعن الشافعى قول آخر بالتحريم اختاره القفال، وجزم به فى شرح التلخيص. وقال به جماعة من علماء الشافعية
والمالكية، قال الطبرى: من أتى حدا فى الحل واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن
ينصب عليه الحرب بل يحاصره ويضيق عليه حتى يذعن للطاعة لقوله مرثية: وإنما أحات لى ساعة من نهار، وقد عادت
حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فعلم أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذى حلت له به، وهو محاربة أهلها والقتل فيها،
ومال ابن العربى إلى هذا، وقال ابن المنير: قد أكد النبي التحريم بقوله («حرمه الله) ثم قال «فهو حرام بحرمة الله))
ثم قال ((ولم تحل لى إلا ساعة من نهار)) وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشئى ثلاثا، قال فهذا نص لا يحتمل التأويل.
وقال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضى تخصيصه مَّم بالقتال لاعتذاره عما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ
ذاك مستحقين للقتال والقتل لصدهم عن المسجد الحرام وإخراجهم أهله منه وكفرهم، وهذا الذى فهمه أبو شريح كما
سيأتى وقال به غير واحد من أهل العلم. وقال ابن دقيق العيد: يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دال على أن
المأذون التى تَّ فيه لم يؤذن لغيره فيه، والذى وقع له إنما هو مطلق القتال لا القتال الخاص بما يعم كالمنجنيق فكيف
٤٦٥
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
بسوغ التأويل المذكور ، وأيضا فسياق الحديث يدل على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها ،
وذلك لا يختص بما يستاصل - انتهى كلام الحافظ. قلت: ومذهب الحنفية فى مسئلتى القتل والقتال فى الحرم على ما
ذكره فى غنية الناسك (ص ١٦٣) هو أن من جنى فى غير الحرم بأن قتل او ارتد أو زنى أو شرب الخمر أو فعل
غير ذلك مما يوجب الحد ثم لاذ إليه لا يتعرض له ما دام فى الحرم ولكن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم سلم وإلا
قتل لأن إباءه عن الإسلام جناية فى الحرم، وغير المرتد لا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس ولا يؤدى إلى أن يخرج
منه فيقتص منه، وأما إن فعل ما يوجب القصاص ثم لاذ إليه فإن كان القصاص فى النفس لا يتعرض له ويضيق عليه
حتى يخرج كما فى الحد وإن كان فيما دون النفس يقتص منه فى الحرم، لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، ومز جنى
على المال إذا لجأ إلى الحرم يؤخذ منه لأنه حق العبد أى فكذا يقتص منه فى الأطراف بخلاف الحد لأنه حق الرب
تبارك وتعالى، وبخلاف القصاص فى النفس لأنه ليس بمنزلة المال، وإن فعل شيئا من ذلك فى الحرم يقام عليه الحد
ويقتص منه فيه، وإن قتل فى الحرم قتل فيه، وإن قتل فى البيت لا يقتل فيه. قال فى رد المحتار: وكذا الحكم فى
سائر المساجد - انتهى. ومن دخل الحرم مقاتلا قتل فيه إلى آخر ما ذكر، قلت: واستدل لما ذهب إليه مالك
والشافعى ومن تبعهما من أن حكم الحرم كغيره فيقام فيه الحد ويستوفى فيه القصاص سواء كانت الجناية فى الحرم أو فى الحل
ثم لجأ إلى الحرم بأن العاصى هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن، واستدلوا لذلك أيضا بعمومات
النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص فى كل زمان ومكان، وبأن النبى من أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق
بأستار الكعبة، وبالقياس على من أتى فى الحرم ما يوجب القتل، وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من الفقها ..
والإمام أحمد وبعض المحدثين من أنه إن كانت الجنابة فى الحرم استوفيت العقوبة فيه وإن كانت فى الحل ثم لجأ إلى
الحرم لم تستوف منه فيه ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتص منه، فاستدل لهم بمثل قوله تعالى: ﴿ومن دخله
كان آمنا﴾ (أو لم يمكن لهم حرما آمنا - سورة القصص: الآية ٥٧) ونحوهما من الآيات ، ولو لم يكن للتخصيص
فائدة ما ذكر ، وأجاب هؤلاء عن أدلة المعارضين بأن العمومات لا تتناوله لأن لفظها لا يدل عليه لا بالوضع ولا
بالتضمن فهو مطلق بالنسبة إليها ، ولو فرض تناولها له لكانت مخصصة بالأدلة الواردة فى منع إقامة الحد فيه لشلا يبحثل
موجبها. وأما قتل ابن خطل فليس فيه دليل لأنه قتل فى الساعة التى أحل فيها الحرم للتبي ◌َّة، وأما قياسه على من أتى
فى الحرم بما يوجب القتل فلا يستقيم، لأن الجانى فيه هتك حرمته وحرمة الله تعالى فهما مفسدتان ولو لم يقم الحد على
الجناة فيه لعم الفساد وعظم الشر فى حسرم اللّه بخلاف الذى أتى ما يوجب القتل خارجه فذنبه أخف كثيرا وهو
بلجوده إلى الحرم كالتائب من الذنب النادم على فعله. قلت: ونصر ابن حزم فى المحلى (ج ٧: ص ٢٦٢) أن القصاص
٤٦٦
1
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى ولم يحل لى إلا ساعة من نهار،
وأنواع الحدود لاتقام فى الحرم مطلقا، وقال من أتى فيه بما يوجب القتل والحد فليخرج ثم يقام عليه ، ونقل عمومات
عن بعض الصحابة ظاهرها معه. قلت: والقول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد لقوة دليل هذا القول
والله أعلم (وإنه) أى الشأن، فالهاء فيه ضمير الثان (لم يحل القتال فيه لأحد قبلى) زاد فى بعض طرق البخارى ((ولا
يحل لأحد بعدى)) قال المحب الطبرى (ص ٥٩١): هذا القول يحتمل وجوها ثم ذكرها، وقال: الوجه الرابع وهو
أقواها وأسلمها عن الاعتراض أن يريد تحريم القتل بها وكان مستحقا، حتى لو دخل كافر بغير أمان أو زان محصن أو
من قتل إنسانا عمدا عدوانا لم يقتل بها بل يضيق عليه حتى يخرج، وهذا مذهب أبى حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد
وقول بعض أصحاب مالك، وكذلك القتال أيضا لا يكون بقتل ، بل بالحصر والتضييق والمدافعة حتى يخرجوا منها،
ولا كذلك سائر البلاد، وإليه الإشارة بقوله وزيع ((فإن أحمد ترخص بقتال رسول الله مرثية، أى وقتله ابن خطل
وغيره وقد عاذوا بالحرم، فيقال لهم: إن الله عز وجل أذن لرسوله مَّه ولم يأذن لكم، فمنع رسول الله مزفي الناس
أن يقتدوا به فى هذه الرخصة، وأن يعد سبها تحقيقا لاختصاصه ورؤية بهذه الرخصة - انتهى. قال ابن بطال: المراد
بقوله ((ولا تحل لأحد بعدى، الاخبار عن الحكم فى ذلك لا الاخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك فى الشاهد كما
وقع من الحجاج وغيره ـ انتهى. ومحصله أنه خبر بمعنى النهى بخلاف قوله «لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، فإنه خبر
محض، أو معنى قوله ((ولا تحل لأحد بعدى)، أى لا يحله الله بعدى، لأن النسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النبيين،
(ولم يحل) أى القتال (لى إلا ساعة من نهار) أى مقدارا من الزمان، وهو ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وقد
ورد عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «لما فتحت مكة قال: كفوا السلاح إلا خزاعة عن
بنى بكر ، فأذن لهم حتى صلى العصر ، ثم قال: كفوا السلاح فلقى رجل من خزاعة رجلا من بنى بكر من غد بالمزدلفة.
فقتله فبلغ ذلك رسول اللّه مَّ فقام خطيا فقال: ورأيته مندا ظهره إلى الكعبة، فذكر الحديث. ويستفاد منه أن قتل من أذن
النبي مَ ◌ّه فى قتلهم كابن خطل وقع فى الوقت الذى أبيح للنبي مَثّ فيه القتال خلافا لمن حمل قوله ((ساعة من نهار)) على
ظاهره فاحتاج إلى الجواب عن قصة ابن خطل كذا فى الفتح قال القارى: قوله مزيج: ولم يحل لى إلا ساعة من نهار،
أى أحل لى ساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر ، وقال الخطابي، قيل: إنما أحلت له فى تلك الساعة إراقة الدم
دون الصيد وقطع الشجر وسائر ما حرم على الناس منه - انتهى. قال الطبرى: ويحتمل العموم، فإن انتشار العسكر
لا يخلو من تنفير صيد ودوس خلا وقطعه وغير ذلك، والعمد والخطأ فيه سواء، وقال أيضا: يحتمل أن يكون المراد
جميع ما حرم فيه من تنفير الصيد واختلاء الخلا وعضد الشجر، لأن ذلك من لوازم انتشار العسكر غالبا فالصيد ينفر
٤٦٧
مرعاة المفاتيح ج 1
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد
بذلك والدواب يختلى لها ويخبط فيحصوله وإن كان تبعا وضمنا لكنه لما كان معلوما بالضرورة كان كالمباشر - انتهى. ثم
قال القارى: قوله «لم يحل لى إلا ساعة من نهار، دل على أن فتح مكة كان عنوة وقهرا كما هو عندنا، وقال الشيخ
الدهلوى: يدل ظاهره على وقوع القتال فيه ، وقد وقع من خالد بن الوليد ، وكان ذلك بأمر من التى أو بإذن منه
ولهذا ذهب الأكثرون، ومنهم أبو حنيفة إلى أن مكة فتحت عنوة ، وعن الشافعى وهو رواية عن أحمد أنها
فتحت صلحا، لأنهم لم يتهيؤا للحرب، وإنما وقعت اتفاقا بعد دخول خالد وتعرض بعض المشركين، واعتذاره
بحل القتال له صريح فى وقوع القتال والفتح عنوة ، وثمرة الخلاف أن من قال: فتحت عنوة لا يجوز بيع دورها
وإجارتها لأن النبي ◌ُّ أخذها من الكفار وجعلها وقفا بين المسلمين، ومن قال بالفتح صلحا جوز ذلك لأنها مملوكة
لأصحابها مبقاة على أملاكهم - انتهى. قلت: ذهب الأكثرون منهم أبو حنيفة وأحمد فى المشهور عنه إلى أن مكة
فتحت عنوة، وذهب الشافعى إلى أنها فتحت صلحا، واستدل له على ذلك بأنها لو فتحت عنوة لقسمها النبي تزثل بين
الغانمين كخبير ولملك الغانمون دورها وكانوا أحق بها من أهلها ، ولو كانت عنوة لم يؤمن أهلها . واستدل الجمهور
بقوله {ٹے «لم یحل لی إلا ساعة من نهار، وبقوله فی حدیث أبی شرح «فان ترخص أحد بقتال رسول الله ،ُٹے فيها
فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك)، واستدلوا أيضا بأن التي تَّثم دخلها فى حالة حرب وتعبئة فقد جعل
للجيش ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلبا، ودخلها وعلى رأسه المنفر غير محرم. وحصل القتال بين خالد بن
الوليد وبينهم حتى قتل منهم جماعة. وقال مَّيّ للأنصار: أترون أوباش قريش وأتباعهم احصدوم حصدا ، حتى
قال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، وقال: من أغلق بابه فهو آمن، وغير ذلك
من الأدلة الواضحة الصحيحة، وأجابوا عن أدلة المعارضين فقالوا أما كرنه لم يقسم أرضها بين الغانمين فلأن الأرض
غير داخلة فى الغنائم التى تقسم، وهذا عمل الخلفاء الراشدين فى أرض العنوة التى يأخذونها لا يقسمونها ، وإنما يجعلونها
فيئا على المسلمين أولهم وآخرهم على أن النبي تََّ مَنّ على أهل مكة فأمتهم ، ومن تأمينهم ترك ما بأيديهم مع أن هناك
خلافا بين العلماء هل يملك رباع مكة ودورها؟ وقد رجح کثیر من العلماء عدم تملكها وقالوا : إنه یستوی فيها
المسلمون كالمساجد ، وأما تأمينه أهلها فبعد القتال من عليهم بذلك لكونهم جيران بيت اللّه تعالى، وبعد أن رأوا أن لا
طاقة لهم فى القتال طلبوا الأمان فأجابهم لطفا بهم ورحمة، كذا فى تيسير العلام. وارجع لمزيد التفصيل إلى الفتح
فى شرح حديث هشام بن عروة عن أبيه من باب ((أين ركز النبي ◌َّ الراية يوم الفتح؟» (فهو) أى البلد (حرام)
أى على كل أحد بعد تلك الساعة (بحرمة الله) أى المؤبدة (لا يعضد) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة أى لا يقطع ،
٤٦٨
منعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته
والعضد القطع، يقال: عضدت الشجر أعمده بالكسر قطعته، قال ابن الجوزى: أصحاب الحديث يقولون يعضد بضم الضناد.
وقال لنا ابن الخشاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله الآلة التى يقطع بها. قال الخليل: المعضد الممتهن من السيوف فى
قطع الشجر. وقال الطبرى: أصله من عضد الرجل إذا أصابه بسوء فى عضده (شوكه) قال القارى: أى ولو يحصل
التأذى به. وأما قول بعض الشافعية أنه يجوز قطع الشوك الموذى فخالف، لا طلاق النص، ولذا جرى جمع من
متأخريهم على حرمة قطعه مطلقا، ومصحه النووى فى شرح مسلم واختاره فى عدة كتبه ـ انتهى. قلت: قال الخطابي
فى المعالم: أما الشوك فلا بأس بقطعه لما فيه من الضرر وعدم النفع ولا بأس بأن ينتفع بحطام الشجر وما يلى منه -
انتهى. وقال الحافظ: وأجازوا (أى الشافعية) قطع الشوك لكونه يؤذى بطبعه فأشبه الفواسق ومنعه الجمهور لحديث
ابن عباس ، وصحه المتولى من الشافعية، وأجابوا بأن القياس المذكور فى مقابلة النص فلا يعتبر به حتى ولو لم يرد
النص على تحريم الشوك لكان فى تحريم قطع الشجر (كما فى حديث أبى هريرة الآتى) دليل على تحريم قطع الشوك
لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضا فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجرة. قال ابن
قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمى ولا بما يسقط من الورق نصى
عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا - انتهى (ولا ينفر) بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة (صيده) أى لا يصاح عليه فينف . .
وقال سفيان بن عيينة: معناه أن يكون الصيد فى ظل الشجرة. فلا ينفر ليجلس مكانه ويستظل. قال الطبرى: لا خلاف
أنه لو نقره وسلم فلا جزاء عليه لكنه يأثم بارتكابه النهى، فلو أتلفه أو تلف بتنغيره وجب جزاءه، وقال النووى:
يحرم التغير وهو الازعاج عن موضعه فإن نقره عصى سواء تلف أو لا، فإن تلس فى نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا .
قال العلماء يستفاد من النهى عن التغير تحريم الإتلاف بالأولى. وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطياد،
وقيل: هو على ظاهره، وقد روى البخارى عن عكرمة أنه قال: هو أن تنحيه من الظل تنزل مكانه ، قال الحافظ:
قيل فيه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف كسائر أنواع الأذى تنبيها بالأدنى على الأعلى، وقد عالف عكرمة عطاء
وبجاهد فقالا: لا بأس بطرده ما لم ينض إلى قله، أخرجه ابن أبى شيبة، وروى ابن أبى شيبة أيضا من طريق الحكم
عن شيخ من أهل مكة أن حاما كان على البيت فذرق على يد عمر فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكة
ضياءت حية فأكلته فحكم عمر على نفسه بشاة، وروى من طريق أخرى عن عثان نحوه (ولا يلتقط) بصيغة المعلوم
(لتعطته) بالنصب على أنه مفعول. قال القسطلانى: لقطته بفتح القاف فى اليونينية وبسكونها فى غيرما قال الأزهرى:
والمحدثون لا يعرفون غير الفتح، ونقل الطبى عن صاحب شرح السنة أنه قال: اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها.
٤٦٩
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
إلا من عرفها،
وقال الخليل: هو بالسكون، وأما بالفتح فهو الكثير الالتقاط، قال الأزهرى: وهو القياس، وقال ابن برى فى
حواش الصحاح: وهذا هو الصواب، لأن الفعلة للفاعل كالضحكة للكثير الضحك ، وفى القاموس: واللقط محركة أى
بغير ماء وكحزمة وهمزة وثمامة ما النقط - انتهى. وقال النووى: اللغة المشهورة فتحها. قال القسطلانى: وهى هنا
نصب مفعول مقدم والفاعل قوله (إلا من عرفها) أى أشهرها ثم يحفظها لمالكها ولا يتملكها، أى عرفها ليعرف
مالكها فيردها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم، فإنه يجوز تملكها بشرطه. وقال الحنفية والمالكية حكمها واحد فى
سائر البلاد لعموم قوله مريض: اعرف عفاصها ووكاءه! ثم عرفها سنة من غير فصل، لنا أن قوله ((ولا يلتقط لقطنه)) ورد
مورد بيان الفضائل المختصة بمكة كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوى بين لقطة الحرم وبين لقطة غيره من.
البلاد بقى ذكر اللقطة فى هذا الحديث خاليا عن الفائدة - انتهى. وقال النوربشتى: قوله ((لا يلتقط لقطنه إلا من
عرفها، أى لا يلتقطها إلا من يريد تعريفها فحسب، يدل عليه فوله فى حديث أبى هريرة (ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد)
أى ليس للنقط أن يتصدق بها أو يستفقها كسائر اللقطات وذلك لتعظيم أمر الحرم، ولم يفرق أكثر العلماء بين لقطة
الحرم ولقطة غيره من الأماكن، ويعضد هذا الحديث وما ورد بمعناه قول من فرق بينهما لأن الكلام ورد مورد يان
الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها وحصد خلاها، ثم إن الخبر الخاص إنما يساق لعلم خاص وإذا
سوى بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد وجدنا ذكر حكم اللقطة فى هذا الحديث خاليا عن الفائدة - انتهى.
قلت: ذهب الشافعية ومتأخرو المالكية فيما ذكره صاحب تحصيل المرام من المالكية إلى أن لقطة مكة بخلاف غيرها
من البلاد وأنها لا تحل إلا لمن يعرفما أبدا ولا يتملكها كما يتملكها فى غيرها من البلاد، والصحيح من مذهب مالك
وأبى حنيفة وأحمد أنه لا خصوصية للقطة مكة وأن حكم اللقطة فى سائر البلاد واحد، والحديث عندهم محمول على المبالغة
فى التعريف، فإن الحاج يرجع إلى بلاده فلا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة إلى إطالة التعريف أو على قطع وم
من يظن أنه لا يحتاج إلى التعريف، فإن الغالب أن الحجيج إذا تفرقوا مشرقين ومغربين وقد مدت المطايا أعناقها لا
يعرجون على شتى فلا فائدة فى التعريف. وقال القارى: المقصود من ذكرها أن لا يتوهم تخصيص تعريفها بأيام الموسم،
وقال ابن الحمام: تخصيص مكة لدفع وهم سقوط التعريف بها بسبب أن الظاهر أن ما وجد بها من لقطة فالظاهر أنه
للغرباء، وقد تفرقوا فلا يفيد التعريف فيسقط - انتهى، قال الحافظ: استدل بحديثى ابن عباس وأبي هريرة على أن
لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور ، وإنما اختصت بذلك عندهم لا مكان إيصالها إلى
ربها لأنها إن كانت للكى فظاهر، وإن كانت للآفاقى فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها. فإذا عرفها واجدما فى كل
٤٧٠
مرعاة المفاتيح جا
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
ولا يختل خلاما. فقال العباس: يا رسول الله! إلا الاذخر
عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها ، قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هى كغيرها من البلاد
وإنما تختص مكة بالمبالغة فى التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وتمد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة فى
التعريف. واحتج ابن المنير لمنسبه بظاهر الاستثناء لأنه ففى الحل واستثنى المنشد (فى قوله، لا تحل ساقطتها إلا لمنشد)
ندل على أن الحل ثابت للنشد لأن الاستثناء من النفى إثبات. قال: ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، والقياس
يقتضى تخصيصها، والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة يبأس ملتقطها
من صاحبها وصاحبها من وجدانها لتفرق الخلق إلى الآفاق البعيدة فربما داخل الملتقط الطمع فى تملكها من أول وهلة
فلا يعرفها فنبى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرفها، وفارقت فى ذلك لقطة العسكر بلاد الحوب بعد
تفرقهم فإنها لا تعرف فى غيرهم باتفاق بخلاف نقطة مكة فيشرع تعريفها لا مكان عود أهل أفق صاحب اللقطة إلى مكةـ
فيحصل التوصل إلى معرفة صاحبها - انتهى (ولا يختلى) يضم الياء ومكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية واللام أى لا يجز
ولا يقطع (خلاها) بفتح المعجمة مقصورا الرطب من الكلاً، فإذا ييس فهو حشيش وهشيم، قال الحافظ: الخلا هو
الرطب من النبات واختلاؤه قطعه واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك
والكوفيون واختاره الطبرى. وقال الشافعى: لا باس بالرعى لمصلحة البهائم وهو عمل الناس بخلاف الاحتشاش
فإنه المنهى عنه فلا يتعدى ذلك إلى غيره - انتهى. قلت: الظاهر أن الإمام مالكا وافق الشافعى فى جواز الرعى لما
فى المدونة. قال مالك: لا بأس بالرعى فى حرم مكة وحرم المدينة فى الحشيش والشجر، وفى آخر جامع الحج من
الموطأ: سئل مالك هل يحتش الرجل لدابته من الحرم؟ فقال: لا. قال الباجى: وهذا كما قال أن لا يحتش أحد فى
الحرم لدابته ولا لغير ذلك إلا الاذخر الذى أباحه التى معروفة، ومن احتش فى الحرم فلا جزاء عليه ولا بأس أن.
يرعى الأمل فى الحرم. والفرق بينه وبين الاحتشاش أن الاحتشاش تناول قطع الحشيش وإرسال البهائم للرعى ليس
بتناول لذلك، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولو منع منه لامتنع السفر فى الحرم والمقام فيه لتعذر الامتناع منه
والتحرز - انتهى. قال الحافظ: وفى تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعى اليابس واختلاءه وهو أصح
الوجهين للشافعية، لأن النبت اليابس كالصيد الميت. قال ابن قدامة لكن فى استثناء الاذخر إشارة إلى تحريم اليابس من
الحشيش، ويدل عليه أن فى بعض طرق حديث أبى هريرة ((ولا يحتش حشيشها، قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما
استنبته الناس فى الحرم من بقل وزرع ومشموم فلا بأس برعيه واختلاءه ـ انتهى. وسيأتى بسط الكلام فى ذلك فى
شرح قوله الآتى (لا يعضد شجرها)) (فقال العباس) أى ابن عبد المطلب (إلا الاذخر) يجوز فيه الرفع بدلا ما قبله
٤٧١
مرعاة المفاتيح ٩٢
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
فإنه لقينهم ولبيوتهم. فقال: إلا الا ذِخر. متفق عليه.
٢٧٤١ - (٢) وفى رواية أبى هريرة:
ونصبه لكونه مستثنى بعد النفى، واختار ابن مالك النصب لكون الاستناء وقع متراخيا عن المستثنى منه والاذخر
بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينهما ذال معجمة ساكنة نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن أى ماض
فى الأرض، وقضبان دقاق ينبت فى السهل والحزن ، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار. قال: والذى بمكة
أجوده ، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب يعنى يجعلونه تحت الطين وفوق الخشب ليسد الخلل فلا يسقط
الطين ، وكذا يجعلونه فى القبور يعنى يسدون به الخلل بين اللبنات فى القبور ، وكانوا يستعملونه بدلا من الحلفاء فى
الوقود، وهذا قال العباس. فإنه لقينهم، ووقع عند عمر بن شبة «فقال العباس: يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم
عن الاذخر لقينهم وبيوتهم، وهذا يدل على أن الاستثناء فى حديث الباب لم يرد به أن يستثنى هو، وإنما أراد به أن يلقز
التى مَثّ الاستثناء (فإنه نفينهم) بفتح القاف وسكون التجتانية بعدها نون أى الحداد وحاجته له ليوقد به النار وقال
الطبرى: القين عند العرب كل ذى صناعة يعالجها بنفسه، وفى رواية للبخارى ((فإنه لصاغتنا وقبورنا)، ووقع فى مرسل
مجاهد عند عمر بن شبة الجمع بين الثلاثة (ولبيوتهم) أى لسقفها (فقال: إلا الا ذخر) هو استثناء بعض من كل لدخول
الإذخر فى عموم ما يختلى، قال الحافظ: اختلفوا هل كان قوله ينجح ((إلا الاذخر)) باجتهاد أو وحى؟ وقيل كان الله
فوض له الحكم فى هذه المسئلة مطلقا. وقيل: أوحى إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شفى من ذلك فأجب
سؤاله. وقال ابن المنير: الحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة وترخيص النبى ووضع كان تبليغا عن الله إما
بطريق الإلهام أو بطريق الوحى، ومن ادعى أن نزول الوحى يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم ، قال الحافظ: وفى الحديث
يان خصوصية التى وُضع بما ذكر فى الحديث وجواز مراجعة العالم فى المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك فى المجامع
والمشاهد وعظيم منزلة العباس عند التى تؤ وعنايته بأمر مكة لكونه كان بها أصله ومنشأه (متفق عليه) أخرجه
الكبرى فى الجنائز وفى الحج وفى البيوع وفى اللقطة وفى الجهاد وفى الجزية وفى المغازى مختصرا ومطولا، ومسلم فى
المج والجهاد وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٢٦، ٢٥٣، ٢٥٩، ٢٦٦، ٣١٥، ٣١٦، ٣٥٥) مختصراً ومطولا،
والترمذى فى السير وأبو داود فى الحج والجهاد ، والنسائى فى الحج وفى البيعة، والدارمى مختصرا وابن الجارود
والبيهقى، وسعيد بن منصور وعبد الرزاق مطولا .
٢٧٤١ - قوله (وفى رواية أبى هريرة) أى عند الشيخين فقد أخرجها البخارى فى العلم وفى الديات وفى
اللقطة ومسلم فى الحج وأخرجها أيضا أحمد (ج ٢: ص ٢٣٨) والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه
والبيهقى وابن الجارود ولفظها عند الشيخين من طريق شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن خزاعة
قتلوا رجلا من بنى ليث عام فتح مكة بقتيل منهم مثلوه فأخبر بذلك أننى وَثي، فركب راحلته فخطب، فقال: إن الله
٤٧٢
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
لا يعضد شجرها،
حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسول اللّه والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدى، ألا وإنها
حلت لى ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتى هذه حرام، لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد
(وفى رواية ((لا يلتقط ساقطتها إلا منشد))) فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل،
فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لى يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لأبى فلان، فقال رجل من قريش إلا الاذخر
يا رسول الله، فإنما نجعله فى بيوتنا وقبورنا، فقال النبى مَّ: إلا الإذخر (لا يعضد) بصيغة المجهول أى لا يقطع،
ووقع فى رواية لعمر بن شبة بلفظ ((لا يخضد) بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معنى العضد، فإن
أصل الخضد الكسر ويستعمل فى القطع (شجرها) قال القرطى: خص الفقهاء الشجر المنهى عن قطعه بما ينبته الله تعالى
من غير صنع الآدمى ، فأما ما ينبت بمعالجة آدمى فاختلف فيه ، والجمهور على الجواز. وقال الشافعى فى الجميع الجزاء،
ورجحه ابن قدامة، واختلفوا فى جزاء ما قطع من النوع الأول فقال مالك: لا جراء فيه بل يأثم، وقال عطاء:
يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدى، وقال الشافعى: فى العظيمة بقدرة وفى ما دونها شاة. واحتج الطبرى
بالقياس على جزاء الصيد، وتعقبه ابن القصار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئا من شجر الحل
ولا قائل به. وقال ابن العربى: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم إلا أن الشافعى أجاز قطع السواك من فروع
الشجرة كذا نقله أبو ثور عنه. وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء
ومجاهد وغيرهما، كذا فى الفتح، وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم وإباحة أخذ الاذخر
وما أنبته الآدمى من البقول والزروع والرياحين، حكى ذلك ابن المنذر، والأصل فيه ما روينا من حديث ابن عباس،
وروى أبو شريح وأبو هريرة نحوا من حديث ابن عباس وكلها متفق عليها، فأما ما أنبته الآدمى من الشجر فقال
أبو الخطاب وابن عقيل: له قلعه من غير ضمان كالزرع، وقال القاضى: ما نبت فى الحل ثم غرس فى الحرم فلا جزاء
فيه، وما نبت أصله فى الحرم ففيه الجزاء بكل حال، وقال الشافعى فى شجر الحرم: الجزاء بكل حال أنبته الآدميون أو نبت
بنفسه، لعموم قوله عليه السلام ((لا يعضد شجرها)) وقال أبو حنيفة: لا جزاء فيما ينبت الآدميون جنسه كالجوز
واللوز والنخل ونحوه ولا يجب فيما ينبته الآدمى من غيره كالدوح والسلم والعضاء لأن الحرم يختص تحريمه ما كان
وحشيا من الصيد كذلك الشجر، قال ابن قدامة: ويحرم قطع الشوك والعوسج، وقال القاضى وأبو الخطاب: لا
يحرم. وروى ذلك عن عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعى. لأنه يؤذى بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان ،
ولنا قول النبي ◌َّم ((لا يعضد شجرها)، وفى حديث أبى هريرة ((لا يختلى شوكها)) وهذا صريح، ولأن الغالب فى شجر
٤٧٣
مرعاة التابح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
الحرم الشوك، فلما حرم النبى مَيتم قطع شجرها والشوك غالبه كان ظاهرا فى تحريمه قال : ولا بأس بقطع اليابس من
الشجر والحشيش لأنه بمنزلة الميت، ولا بقطع ما انكسر ولم بين، لأنه قد تلف فهو بمنزلة الظفر المكسر، ولا بأس
بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقاع من الشجر بغير فعل آدمى ولا ما سقط من الورق، نص عليه أحمد. ولا
نعلم فيه خلافا، لأن الخبر إنما ورد فى القطع وهذا لم يقطع، قال: وليس له أخذ ورق الشجر، وقال الشافعى: له
أخذه لأنه لا یضر به، وكان عطاء یرخص فی أخذ ورق السنا یستمشی به ولا ينزع من أصله ، ورخص فيه عمرو بن
دينار، ولنا أن النبي ◌َ ◌ّم قال: لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها، رواه مسلم. ولأن ما حرم أخذه حرم
كل شئى منه كريش الطائر، وقولهم ((لا يضر به)) لا يصح فإنه يضعفها وربما آل إلى تلفها. قال: وبحوم قطع حشيش
الحرم إلا ما استثناه الشرع من الاذخر وما أنبته الآدميون واليابس لقوله عليه السلام: لا يختلى خلاها، وفى لفظ ((لا
يحتش حشيشها، وفى استثناء التى ◌ّ الاذخر دليل على تحريم ما عداه. وفى جواز رعيه وجهان مأحد مما لا
يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد. والثانى يجوز، وهو
مذهب عطاء والشافعى، لأن الهدى كانت تدخل الحرم فتكثر فيه ولم ينقل أنه كانت تسد أفواهها، ولأن بهم حاجة إلى
ذلك أشبه قطع الاذخر. قال: ويباح أخذ الكمأة من الحرم وكذلك الفقع لأنه لا أصل له فأشبه الثمرة، وروى حبل
قال يؤكل من شجر الحرم الضغايس والعشرق وما سقط من الشجر وما أنبت الناس-انتهى. وقال فى الروض المربع: يحرم
قطع شجر الحرم وحشيشه الأخضرين الذين لم يزرعهما آدمى، ويجوز قطع اليابس والثمرة وما زرعه الآدمى والكمأة
والفقع والا ذخر ویباح الانتفاع بما زال أو انكسر بغیر فعل آدمی ولو لم یین، ویضمن حشيش وورق بقيمته وغصن
بما نقص -انتهى. وفى نيل المآرب: يحرم قطع شجره حتى ما فيه مضرة كعوسج وشوك وسواك ونحوه إلا اليابس - انتهى.
قال ابن قدامة: ويجب فى إتلاف الشجر والحشيش الضمان. وبه قال الشافعى وأصحاب الرأى ، وروى ذلك عن ابن
عباس وعطاء وقال مالك وأبو ثوروداود وابن المنذر: لا يضمن لأن المحرم لا يضمنه فى الحل فلا يضمن فى الحرم كالزرع.
وقال ابن المنذر: لا أجد دليلا أوجب به فى شجر الحرم فرضا من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأقول كما قال مالك
نستغفر اللّه تعالى، ولنا ما روى أبو هشيمة قال: رأيت عمر بن الخطاب أمر بشجر كان فى المسجد يضر بأهل الطواف
فقطع وفدى. قال: وذكر البقرة. رواه حنبل فى المناسك، وعن ابن عباس أنه قال فى الدوحة بقرة ، وفى الجزلة
شاة، والدوحة الشجرة العظيمة والجزلة الصغيرة ، وعن عطاء نحوه. ولأنه منوع من إتلافه لحرمة الحرم فكان مضمونا
كا لصيد، ويخالف المحرم فإنه لا يمنع من قطع شجر الحل ولا زرع الحرم، إذا ثبت هذا فإنه يصمن الشجرة الكبيرة
بفرة والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته والغصن بما نقص، وبهذا قال الشافعى ، وقال أصحاب الرأى يضمن الكل بقيمته
٤٧٤
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
لأنه لا مقدر فيه فأشبه الحشيش. ولنا قول ابن عباس وعطاء، ولأنه أحد نوعى ما يحرم إتلافه فكان فيه ما يضمن
بمقدر كالصيد - انتهى بقدر الضرورة، وقال مالك فى الموطأ: ليس على المحرم فيما قطع من الشجر فى الحرم شئ
ولم يبلغنا أن أحدا حكم فيه بشتى وبئس ما صنع. قال الباجى: ذكر فيه مسألتين: إحداهما ، ليس على المحرم فيما قطع
من الشجر فى الحرم بشتى، والثانية قوله بئس ما صنع فنص على المنع من ذلك ، وتتعلق بذلك مسئلة ثالثة وهى تيبين
الشجر الممنوع قطعه وتميزه من غيره، فأما المسئلة الأولى فى أنه لا يجب به شئ فهو مذهب مالك، وقال أبو حنيفة
والشافعى: يجب عليه الجزاء - انتهى. وقال الدردير: لاجزاء على قاطع ما حرم قطعه لأنه قدر زائد على التحريم
يحتاج لدليل - انتهى. واستدل لذلك الزرقانى بأن النبي ◌َّثم قال فى خطبة فتح مكة: لا يحل لامرئى يومن بالله واليوم
الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة. فى روايات أخر ليس فى شتى منها ذكر جزاء ولا غيره والكفارات لا
يقاس عليها ، قال الباجى: وأما المسئلة الثانية فى المنع من قطع شجر الحرم فهو مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة ،
والأصل فى ذلك ما روى عن النبى روثّم أنه قال: لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها، وأما المسئلة الثالثة أى تبين ما
يستباح قطعه من شجر الحرم وتمييزه ما هو منوع فإن الممنوع منه ما هو من شجر البادية ،! لا يملك غالبا ، وجرت
العادة بأن ينبت من غير عمل آدمى كالطلح والسعدان وما جرى مجرى ذلك، وكذلك سائر أنواع الحشيش، والأصل
فى ذلك ما روى عنه تريّ أنه قال: لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها، فقال العباس: إلا الاذخر يا رسول اللّه فإنه
لصاغتنا وقبورنا فقال عمرو: إلا الإذخر. قال الباجى: والسنا عندى مثله وهذا فيما ينبت بنفسه، وأما ما غرس منه
واتخذ بالعمل وملكه العامل فعندى يجوز أخذه وهو قول أبى حنيفة وقال الشافعى: لا يجوز. وأما ما جرت العادة
بأنه يملك ويغرس ويعمل كالنخل والرمان والجوز وما أشبهها فإنه غير منوع قطعه، وكذا ما كان يتخذ من البقول سواء نبت
بنفسه أو بصنع آدى لأنه على أصله، ويجرى ذلك مجرى الحيوان ما كان أصله التأنيس، فإنه لا يمنع من اصطياده فى
الحرم وإن توحش ـ انتهى. وفى المدونة: لا يقطع فى الحرم من الشجر شئى يس أو لم يبيس، وقال مالك كل شئى
انبته الناس فى الحرم من الشجر مثل النخل والرمان وما أشبههما فلا بأس بقطع ذلك كله، وكذلك البقل كله مثل
الكراث والخس والسلق وما أشبه ذلك، ولا بأس بالسنا والاذخر أن يقلع فى الحرم - انتهى. وقال الدردير
(حرم بالحرم قطع ما يتبت بنفسه) من غير علاج كالبقل البرى وشجر الطرفاء، ولو استنبت نظرا لجنسه، وكما يأتى
فى عكسه (إلا الاذخر والسنا) ومثلهما العصا والسواك وقطع الشجر البناء والسكنى بموضعه أو قطعه لا.صلاح الحوائط
.(كما يستنبت) من خس وسلق وكراث وبطيخ وخوخ وإن لم يعالج نظرالأصله - انتهى. قال الدسوقى: قوله: ما ينبت
بنفسه أى ولو كان قطعه لا طعام الدواب على المعتمد، ولا فرق بين الأخضر واليابس، وقوله كما يستنبت أى كما يجوز
٤٧٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
قطع ما يستنبته كالحنطة والقشاء والعناب والنخل والرمان - انتهى، وقال النووى فى مناسكه: يضمن المحرم والحلال
شجر حرم مكة ، فمن قلع شجرة كبيرة ضمنها بقرة، وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة ثم يتخير بين البقرة والشاة
والطعام والصيام كما سبق فى جزاء الصيد، وإن كانت صغيرة جدا وجبت القيمة ، ثم يتخير بين الطعام والصيام وكذا
حكم الأغصان ، وأما الأوراق فيجوز أخذها لكن لا يخبطها مخافة أن يصيب قشورها، ويحرم قطع حشيش الحرم،
فإن قلعه لزمه القيمة، وإن كان يابسا فلا شئى فى قطعه، فلو قطعه لزمه الضمان لأنه لو لم يقلعه لنبت، ويجوز تسريح
البهائم فى حشيش الحرم لترعى فاو أخذ الحشيش لعلف البهائم جاز على الأصح بخلاف من يأخذ للبيع أو غيره، ويستثنى
من البيع الاذخر، ولو احتيج إلى شئ من نبات الحرم للدواء جاز قطعه على الأصح. قال ابن حجر المكى: قوله
(يضمن شجر الحرم، أى بالقلع والقطع سواء الذى فى ملكه والمثمر والمستنبت وغيره، وقوله ((فمن قلع شجرة)) أى
رطبة غير موذية كالشوك، وقوله ((يحرم قطع حشيش الحرم) أى ليس من شأنه أن يستنبت سواء نبت بنفسه أو
استنبت. أما إذا كان من شأنه ذلك وإن نبت بنفسه كالحنطة والشعير والبقول والخضراوات فيجوز أخذه، وقوله
((لأنه لو لم يقلعه لنبت، محله ما إذا لم يفسد منبته وإلا جاز قلعه أيضا، وقوله: يستثنى الاذخر، ألحق به ما يتغذى به
كالرجلة والنبات المسمى بالبقلة ونحوهما لأنهما فى معنى الزرع، وكالا ذخر غيره إذا احتاج إليه التسقيف ـ انتهى.
واختلف الشافعية فى جواز أخذ المساويك وعدمه كما بسط ذلك ابن حجر، وقال ابن عابدين: اعلم أن الثابت فى
الحرم إما جاف أو منكسر أو إذخر أو غيرها، والثلاثة الأول مستثناة من الضمان كما يأتى، وغيرها إما يكون أنبته
الناس أو لا، والأول لا شى فيه سواء كان من جنس ما ينبته الناس كالزرع أو لا، كام غيلان، والثانى إن كان من
جنس ما ينبتونه فكذلك، وإلا ففيه الجزاء، فما فيه الجزاء هو النابت بنفسه، وليس مما يستنبت ولا منكسرا ولا جافا
ولا إذخرا كما قرره فى البحر - انتهى. وفى شرح اللباب: أشجار الحرم ونباته أربعة أنواع، الأول: كل شجر
أنبته الناس حقيقة وهو من جنس ما ينبته الناس عادة كالزرع. الثانى: ما أنبته الناس وهو ليس مما ينبتونه عادة
كالأراك وهو شجر المسواك، الثالث: ما نبت بنفسه وهو من جنس، ما ينبته الناس عادة فهذه الأنواع الثلاثة بحل
قطنها وقلعها والانتفاع بها ولا جزاء فيها. وأما النوع الرابع: فكل شجر نبت بنفسه وهو من جنس ما لا ينبته الناس
عادة كام غيلان، فهذا محظور القطع والقلع، سواء كان ملو كا بأن يكون فى أرض وجل أو لا إلا اليابس لعدم إطلاق
الشجر والنبات عليه حينئذ فإنه صار حطبا، وإلا الاذخر فيجوز قطعه وطبا ويابسا، ويجوز أخذ الكمأة وما اجتنى
من الزهر والثمر وما انكسر من الشجر بغير فعل آدمى ويحرم قطع الشوك والعوسج ، ولا ضمان فيه ، ولا يجوز
اتخاذ المساويك من أراك الحرم، وسائر أشجاره إذا كان أخضر ويجوز أخذ الورق ولا ضمان فيه إذا كان لا يضر
٤٧٦
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم ملة حرسها الله تعالى
بالشجر ولا يجوز رعى الحشيش فى قول أبى حنيفة ومحمد وأحمد ، وقال أبو يوسف ومالك والشافعى: لا بأس به ،
ولو ارقعت دابته حالة المشى لا شى عليه لوقوع رعيها من غير اختياره، وهذا ما اتفق عليه - انتهى. وزاد فى
الغنية: يحل قطع الشجر المثمر (أى وإن لم يكن من جنس ما ينبته الناس) لأن إثماره أقيم مقام إنبات الناس - انتهى.
وفى رد المحتار: ولا يرعى حشيشه أى عندهما ، وجوزه أبو يوسف للضرورة، فإن منع الدواب عنه متعذر ، وتمامه
فى الهداية وفقل بعض المحشين عن البرهان تأيد قوله بما حاصله أن الاحتياج الرعى فوق الاحتياج للاذخر ، وأقرب
حد الحرم فوق أربعة أميال ففى خروج الرعاة إليه ثم عودهم قد لا يبقى من النهار وقت تشبع فيه الدواب، وفى قوله
◌َ («لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها، وسكوته عن نفى الرعى إشارة لجوازه وإلا لبينه ولا مساواة بينهما ليلحق
·به دلالة ، إذ القطع فعل العاقل، والرعى فعل العجماء وهو جبار وعليه عمل الناس وليس فى النص دلالة على نفی الرعى
ليلزم من اعتبار الضرورة معارضته بخلاف الاحتشاش - انتهى. قال ابن عابدين: لكن فى قوله «والرعى فعل العجماء))
فظر لأنها لو ارقعت بنفسها لا شتى عليه اتفاقا، وإنما الخلاف فى إرسالها للرعى وهو مضاف إليه - انتهى. وفى
الهداية: إن قطع حشيش الحرم أو شجرة ليست بمملوكة وهو مما لا ينبته الناس (كشجر أم غيلان والأثل) فعليه
قيمته إلا فيما جف منه لأن حرمتهما تثبت بسبب الحرم. قال عليه السلام: لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ، ولا
يكون للصوم فى هذه القيمة مدخل (فلا يكفى فى الجزاء الصوم) لأن حرمة تناولها بسبب الحرم لا بسبب الإحرام
فكان من ضمان المحال على ما بينا من أن الصوم يصلح جزاء للأفعال لا ضمان المحال ويتصدق بقيمته على الفقراء - انتهى.
هذا وقد ظهر بما ذكرنا من عبارات كتب الفروع أن ههنا عدة مسائل اتفق الفقهاء على بعضها واختلفوا فى البعض
الآخر، فمنها أنهم اختلفوا فى مصداق المنهى عنه من الشجر وتميزه من غيره، فقال مالك كما ذكر الدردير: يحرم
قطع ما ينبت جنسه بنفسه ولو استنبته أحد نظرا لجنسه. وقالت الحنفية: يحرم ما ينبت بنفسه وهو من جنس ما لا
ينبته الناس عادة. وقال أحمد: يحرم قطع ما لم يزرعه آدمى من الشجر والحشيش، ویاح ما زرعه الآدمى وأنبته،
وقالت الشافعية: يحرم قطع شجر الحرم وحشيشه أى الذى ليس من شأنه أن يستنبت مطلقا أى سواء أنبته الآدميون أو
نبت بنفسه إلا الذى من شأنه أن يستنبت، وإن نبت بنفسه كالبقول والخضراوات والحنطة والشعير، ومنها أنهم أجموا
على أن ما زرعه الآدمى وأنبته من البقول والزروع والرياحين يجوز قطعه ولا اختلاف فى ذلك كما ذكره ابن قدامة
وغيره، ومنها أنه لا فرق بين الأخضر واليابس عند مالك كما فى المدونة والدسوقى خلافا للأ ئمة الثلاثة، إذ أباحوا
قطع اليابس كما صرح به ابن قدامة والنووى وابن عابدين وغيرهم ، ومنها أن الشوك وغيره سواء فى الحرمة عند
مالك وأحمد كما فى المغنى ويجوز قطعه عند الشاغی والقاضی وآبی الخطاب من الحنابلة ، ویحرم قطعه بلا ضمان عند
٤٧٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد.
٢٧٤٢ - (٣) وعن جابر، قال: سمعت رسول اللّه ◌َي يقول: لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة
السلاح.
الخفية كما فى شرح اللباب، ومنها أنهم أجمعوا على إباحة قطع الاذخر رطبا ويابسا ومنها أنه لا يجوز قطع ما
ينبت بنفسه لإطعام الدواب عند المالكية على المعتمد كما صرح به الدسوقى ، وبه قال أحمد كما فى المغنى والحنفية ،
ويجوز على الأصح عند الشافعية كما صرح به النووى فى مناسكه، ومنها أنه يجوز رعى الدواب عند مالك والشافعى
وأبى يوسف ولا يجوز عند أبى حنيفة ومحمد وعند أحمد فيه وجهان كما ذكر ابن قدامة ، ولو ارتعت بنفسها يجوز
إجماعا، ومنها أنهم أجمعوا على جواز الانتفاع بالأوراق الساقطة ، ومنها أنه يجوز أخذ السواك من شجر الحرم
عند المالكية كما صرح به الدردير وابن الحاج وكذا عند الشافعى على ما حكى عنه أبو ثور، ولا يجوز عند أحمد كما
فى نيل المآرب، وكذا عند الحنفية كما فى شرح اللباب. واختلفت فيه الشافعية، ومنها أنه لا يجوز قطع الورق
عند الحنابلة كما فى المعنى والروض المربع، ويجوز عند الشافعية والحنفية كما فى مناسك النووى وفى شرح اللباب
(ولا يلتقط) بصيغة المعلوم أى لا يأخذ (ساقطتها) بالنصب (إلا منشد) من الإنشاد أى معرف (وهو الذى يعرف
اللقطة ويحتفظ بها إلى أن يحضر صاحبها فيردها إليه) وأما الطالب فيقال له الناشد تقول: نشدت الضالة إذا طلبتها
وأنشدتها إذا عرفتها، وأصل الإنشاد والنشيد رفع الصوت، كذا فى الفتح . فائدة : قال القارى: يحرم على الأصح
عند الشافعية وأكثرهم على الكرامة نقل تراب الحرم وحجره إلى غيره ولو إلى حرم المدينة، كما يمنع نقل تراب
حرم المدينة وحجره إلى غيره ولو إلى حرم مكة - انتهى. وقال ابن جاسر فى مفيد الأنام: قال الإمام أحمد : لا
يخرج من تراب الحرم، كذلك قال ابن عمر وابن عباس، ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل. قال فى المنتهى: وكره
إخراج تراب الحرم وحجارته إلى الحل - انتهى. وقال المحب الطبرى فى القرى: روى عن ابن عمر وابن عباس رضى الله
عنهم أنهما كرما أن يخرج من تراب الحرم وحجارته إلى الحل شئى، أخرجه الشافعى ، وقال: قال غير واحد من
أهل العلم: لا ينبغى أن يخرج شئ من الحرم إلى غيره. وقال أبو حنيفة لا بأس، وعن عطاء أنه كان يكره أن يخرج
تراب الحرم إلى الحل ، أو يدخل تراب الحل إلى الحرم أخرجه سعيد بن منصور - انتهى. وارجع لمزيد البسط إلى
شفاء الغرام (ج ١: ص ٧١).
٢٧٤٢ - قوله (لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح) أى بلا ضرورة عند الجمهور ومطلقا عند الحسن وحجة
الجمهور ما رواه البراء، قال: اعتمر النبي ◌ُولم فى ذى القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم لا يدخل مكة
٤٧٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
رواه مسلم.
٢٧٤٣ - (٤) وعن أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح،
سلاحا إلا فى القراب. وما رواه ابن عمر ((أن رسول اللّه مؤ لم خرج معتمرا فحال كفار قريش بينه وبين البيت،
الحديث. وفيه «قاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفاء إلخ. أخرجهما أحمد والبخارى.
قال الشوكانى: فى الحديثين دليل على جواز حمل السلاح بمكة للعذر والضرورة فيخصص بهذين الحديثين عموم حديث
جابر عند مسلم يعنى به حديث الباب. قال فيكون هذا النهى فيما عدا من حمله الحاجة والضرورة، وإلى هذا ذهب
الجماهير من أهل العلم أى أن النهى محمول على حمل السلاح بغير ضرورة ولا حاجة ، فإن كانت حاجة جاز، قال.
وهكذا يخصص بحديثى البراء وابن عمر عموم قول ابن عمر للحجاج ((وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل
الحرم، فيكون مراده لم يكن السلاح يدخل الحرم لغير حاجة، فإنه قد دخل به مؤلم غير مرة كما فى دخوله يوم الفتح
هو وأصحابه، ودخوله تَيثير للعمرة كما فى حديث البراء وابن عمر - انتهى. وقال النووى فى شرح حديث جابر.
هذا النهى إذا لم تكن حاجة فإن كانت حاجة جاز، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء. قال القاضى عياض: هذا محمول عند أهل
" العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة ، فإن كانت حاجة جاز، قال القاضى: وهذا مذهب مالك والشافعى وعطاء
قال: وكرهه الحسن البصرى أى مطلقا تمسكا بظاهر هذا الحديث يعنى حديث النهى، وحجة الجمهور دخول النبي محدثة عام عمرة
القضاء بما شرطه من السلاح فى القراب ودخوله مَثّ عام الفتح متأهبا للقتال - انتهى. وقال ابن قدامة بعد ذكر حديث
البراء: هذا ظاهر فى إباحة حمله عند الحاجة لانهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد ويخفروا الذمه
واشترطوا حمل السلاح فى قرابه، فأما من غير خوف فإن أحمد قال لا إلا من ضرورة ، وإنما منع منه لأن ابن عمر
قال: لا يحمل المحرم السلاح فى الحرم. وقال القارى بعد ذكر كلام القاضى عياض: وفيه بحث ظاهر، إذا المراد
بحمل السلاح ظاهرا بحيث يكون سببا لرعب مسلم أو أذى أحد كما هو مشاهد اليوم ويؤيده أنه كان ابن عمر يمنع ذلك
فى أيام الحجاج، وأما عام الفتح فهو مستثنى من هذا الحكم فإنه كان أبيح له ما لم يبح لغيره من نحو حمل السلاح -
انتهى. قلت: والحق ما ذهب إليه الجمهور من حمل حديث جابر على حمل السلاح لغير ضرورة وحاجة لأن فيه الجمع بين
الأحاديث، وأما تخصيصه بحمل السلاح ظاهرا بحيث يكون سببالرعب مسلم أو أذى أحد فلا يخفى ما فيه
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٥: ص ١٥٦) والحديث من أفراد مسلم ووهم المحب الطبرى حيث عزاه إلى الشيخين.
٢٧٤٣ - قوله (دخل مكة) لثلاث عشرة خلت من رمضان سنة ثمان من الهجرة (يوم الفتح) أى فتح مكة
وكان خرج من المدينة إليها لليلتين خلتا من رمضان ، وقال الواقدى: خرج العاشر رمضان قال الحافظ: هذا ليس بقوى
٤٧٩
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ باب حرم مكة حرسها الله تعالى
وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل ،
المخالفة ما هو أصح منه (وعلى رأسه المغفر) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء آخره راء ويقال له مغفرة
بزيادة هاء التأنيث آخره، وهو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، حكاه فى الصحاح عن
الأصمعى ، وصدر به صاحب الحكم كلامه، ثم قال: وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو حلق يتقنع به المتسلح،
وقال فى المشارق: هو ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة والخمار، وقال فى التمهيد: هو ما غطى
الرأس من السلاح کالبيضة وشبهها من حدید کان أو غيره، قال الحافظ فى الحج: وفى رواية زید بن الحباب عن
مالك (عن ابن شهاب عن أنس): وعليه مغفر من حديد. أخرجه الدار قطنى فى الغرائب والحاكم فى الاكليل ، وكذا
هو فى رواية أبى أويس (عن ابن شهاب عند ابن سعد وابن عدى) وقال فى المغازى: فى رواية أبى عبيد القاسم بن
سلام عن يحى بن بكير عن مالك ((مغفر من حديد)) قال الدار قطنى: تفرد به أبو عبيد، وهو فى الموطأ ليحى بن بكير مثل
الجماعة. ورواه عن مالك جماعة من أصحابه خارج الموطأ بلفظ (مغفر من حديد)، ثم ساقه من رواية عشرة عن مالك كذلك،
وكذلك هو عند ابن عدى من رواية أبى أويس عن ابن شهاب، وعند الدار قطنى من رواية شبابة بن سوار عن مالك - انتهى.
واعلم أنه لا معارضة بين حديث أنس هذا وبين حديث جابر الآتى أنه دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء، لا مكان
أن المغفر فوق العمامة وهى تحته وقاية لرأسه من صد الحديد، أو كانت العمامة السوداء ملفوفة فوق المغفر، ويحتمل أن يكون أول
دخوله کان على رأسه المنفر ثم بعد ذلك کان على رأسه العمامة بعد إزالة المنفر بدلیل قوله فی حديث عمرو بن حريث
عند مسلم: خطب الناس وعليه عمامة سوداء، لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. قال الزرقانى
بعد ذكر هذه الوجوه : فرعم الحاكم فى الاكليل تعارض الحديثين متعقب بأنه إنما يتحقق التعارض إذا لم يمكن الجمع
وقد أمكن مها بوجوه حسان. وقال الحافظ: زعم الحاكم فی الا كليل أن بین حديث أنس وبین حديث جابر معارضة
وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم أزاله وليس العمامة بعد ذلك فحكى كل منهما ما رآه،
ويؤيده أن فى حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء وكانت الخطبة عند باب الكعبة ، وذلك
بعد تمام الدخول، وهذا الجمع لعياض، وقال غيره: يجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحت
المغفر وقاية لرأسه من صدء الحديد، فأراد أنس بذكر المغفركونه دخل منهياً للحرب وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل
غير محرم (فما نزعه) أى المغفر من رأسه (جاء رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أنه يحتمل أن يكون هو الذى
باشر قتله، وقد جزم الفاكهى فى شرح العمدة بأن الذى جاء بذلك هو أبو برزة الأسلى، وكأنه لما رجح عنده أنه
هو الذى قدله رأى أنه هو الذى جاء مخيرا بقصته ويوشحه قوله فى رواية يحى بن قزعة فى المغازى فقال اقتله بصيغة
٤٨٠