النص المفهرس
صفحات 441-460
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدنى إلا وجعة. فقال لها: حجى واشترطى
وقولی اللهم محلی حیث حبستنى.
ذلك من خصائصه، فهو فى ذلك كغيره فى التحريم (فقال لها) أى وهى فى المدينة (لعلك أردت الحج) أى معنا،
وهذا لفظ البخارى، وفى رواية لمسلم ((أردت الحج)) أى بدون لفظ ((لعلك)) وفى أخرى له أيضا «قالت: إنى أريد الحج،
وقد يقتضى ظاهر هذه الرواية أنها قالت له ذلك ابتداء، ولا منافاة ، فقد تكون إنما قالت: إنى أريد الحج ، فى جواب
استفهامه لها ، وليس اللفظ صريحا فى أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله فى رواية ابن ماجه من حديث ضباعة أنه
عليه الصلاة والسلام قال لها : أ ما تريدين الحج العام؟ ومن رواية أسماء أو سعدى عند ابن ماجه أيضا «ما يمنعك
من الحج؟، كل ذلك يقتضى أن كلامها كان جوابا لسؤاله لكن فى حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة
أن ضباعة أتت رسول اللّه تَّ فقالت، وهذا قد ينافى قوله فى حديث عائشة: دخل على ضباعة. وقد يجمع بينهما
بأنها أتت رسول اللّه ◌ُٹے ولم یکن إذ ذاك فىمنزله، ثم جاء فدخل عليها وهیفیمنزله، وفى حديث ابنعباس عند أبىداود
والترمذى أنها قالت له: إنى أريد الحج فأشترط؟ فقال لها: نعم. وهذا يقتضى أن أمره بالاشتراط ما كان إلا بعد
استئذانها (قالت: والله ما أجدفى) أى ما أجد نفسى، واتحاد الفاعل والمفعول مع كونهما ضميرين لشئ واحد من
خصائص أفعال القلوب. وفى الحديث جواز اليمين فى درج الكلام بغير قصد (إلا وجعة) بفتح الواو وكسر الجيم،
وهو من الصفات المشبهة، أى إنى ذات وجع أى مرض، وفى رواية لمسلم ((وأنا شاكية) بالشين المعجمة أى مريضة،
والشكوى والشكو والشكاية المرض، وفى حديث ابن عباس عند مسلم («إنى امرأة ثقيلة، أى أثقلها المرض (فقال لها:
حجى) أى أحرمى بالحج (واشترطى وقولى) عطف تفسيرى (اللهم محلى) بفتح الميم وكسر الحاء أى محل خروجى من
الحج وموضع تحالى من الإحرام أو وقت تحالى من الإحرام، والمحل يقع على المكان والزمان (حيث حبستنى) أى
منعتنى من السير بسبب ثقل المرض. قال العينى: أى إنك حيث عجزت عن الإتيان بالمناسك وانحبست عنها بسبب
قوة المرض تحللت، وقولى: اللهم مكان تحلى عن الإحرام مكان حبستنى فيه عن النسك لعلة المرض. وقال القارى : قال
بعض علمائنا قوله ، قولى: اللهم محلى، الخ، تفسير الاشتراط يعنى اشترطى أن أخرج من الإحرام حيث مرضت وعجزت
عن اتمام الحج، فمن لم ير الاحصار بالمرض يستدل بهذا الحديث بأن يقول لو كان المرض ينتج التحلل لم يأمرها.
بالاشتراط لعدم الإفادة، وإليه ذهب الشافعى ومن وافقه، ومن يرى الاحصار بالمرض، وهو مذهب أبى حنيفة
يستدل بحديث الحجاج بن عمرو الأنصارى الآتى - انتهى. قلت: حديث عائشة يدل على جواز الاشتراط فى الحج
خوفاً من حدوث طارئى يطرأ عليه أثناء الحج من مرض أو نحوه ، وأن من اشترط الاشتراط المذكور فى إحرامه
٤٤١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المنا ك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
ثم عرض له ما يحبسه من المرض ونحوه عن الحج جاز له أن يتحلل، وأن من لم يشترط فى إحرامه فليس له التحلل،
قال الولى العراقى: فى الحديث أنه مَّةٍ أمر ضباعة أن تشترط فى إحرامها التحلل عند المرض، وقد اختلف العلماء
فى هذا الأمر هل هو على سبيل الإباحة أو الاستحباب أو الايجاب، وهذه الأقوال متفقة على الاشتراط فى الجملة ،
ومنهم من أنكره لعدم صحة الحديث عنده أو لتأويله كما سيأتى، وحاصل هذا الخلاف أقوال أحدها جوازه، وهو
المشهور من مذهب الشافعى فإنه نص عليه فى القديم، وعلق القول به فى الجديد على صحته، وقد صح كما سيأتى،
ولذلك قطع الشيخ أبو حامد بصحته، وأجرى غيره فيه قولين فى الجديد، اظهرهما الصحة ، وروى ابن أبى شيبة فعله
عن على وعلقمة والأسود وشريح وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، والأمر به عن عائشة وعبد الله بن مسعود،
وعن عثمان أنه رأى رجلا واقفا بعرفة فقال له أشارطت؟ فقال نعم. وعن الحسن وعطاء فى المحرمقالا: له شرطه. وروى
البيهقى الأمر به عن أم سلمة وقال ابن المنذر: ممن روينا عنه أنه رأى الاشتراط عند الاحرام عمر بن الخطاب وعلى بن
أبى طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر، وهو مذهب عبيدة السلمانى والأسود بن يزيد وشريح وسعيد بن
المسيب وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وعطاء بن يسار وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وبه قال الشافعى إذ هو
بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وبالأول أقول (وهو المصحح عند الشافعية) وحكاه ابن حزم عن جمهور
الصحابة، وحكاه والدى يعنى الزين العراقى فى شرح الترمذى عن جمهور الصحابة والتابعين ومن
بعدم، الثانى استحبابه وهو مذهب أحمد فإن ابن قدامة جزم به فى المغنى (ج ٣: ص ٢٨٢) وهو المفهوم من قول
الخرقى والجد بن تيمية فى مختصريهما عند ذكر الاحرام ((ويشترط، أى المحرم إن لم يفهم منه الوجوب، الثالث إيجابه،
ذهب إليه ابن حزم الظاهرى تمسكا بالأمر، الرابع إنكاره، وهذا مذهب الحنفية والمالكية (ومعنى إنكار الاشتراط
وعدم صحته وبطلانه أنه لا ينفعه الاشتراط ولا يفيده وإنه لا تأثير له فى جواز التحلل ولا حاجة إليه ولا حكم له :
فإن الاحصار عند الحنفية يتحقق بالمرض أيضا ولو لم يشترط فيصير المريض عندهم محصرا له حكم المحصر) وروى
ابن أبى شيبة عن هشام بن عروة قال: كان أبى لا يرى الاشتراط فى الحج شيئا، وعن إبراهيم النخعى : كانوا لا
يشترطون ولا يرون الشرط شيئا، وعن طاوس والحكم وحماد الاشتراط فى الحج ليس بشئى، وعن سعيد بن جبير: المستثنى
وغير المستثنى سواء، وعن إبراهيم التيمى: كان تلقمة لا يرى الاشتراط شيئا، وروى الترمذى وصححه والنسائى عن ابن عمر
أنه كان ينكر الاشتراط فى الحج ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكمَثّه؟ زاد النسائى فى روايته «أنه لم يشترط)) أى
التي تَّ وهو فى صحيح البخارى بدون أوله. وحكى ابن المنذر إنكاره عن الزهرى أيضًا، وحكاه ابن
عبد البر عن سفيان الثورى ، وعن أبى حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحصار،
٤٤٢
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
ثم قال الولى العراقى: فمن قال بالجواز تمسك بهذا الحديث ورأى أن الأمر به ترخيص وتوسعة وتخفيف ورفق
وأنه يتعلق بمصلحة دنيوية ، وهى ما يحصل لها من المشقة بمصابرة الاحرام مع المرض ، ومن قال بالاستحباب رأى
المصلحة فيه دينية، وهو الاحتياط للعبادة، فإنها بتقدير عدمه قد يعرض لها مرض يشعث العبادة ويوقع فيها الخلل،
وهذا بعيد، ومن قال بالوجوب حمل الأمر على حقيقته، وهو أبعد من الذى قبله، ولو كان واجبا لما أخل التى مُؤَّ
بفعله ولا الصحابة، ولو فعلوا ذلك فى حجة النبي ◌َّ النقل ، وقد صرح ابن عمر بأنه لم يشترط كما تقدم ذكره ، ولما
لم يأمر به إلا هذه المرأة الواحدة بعد شكايتها له علينا أن ذلك ترخيص حرك ذكره هذا السبب وهو شكواها، ومن
قال بالإنكار، منهم من ضعف الحديث كما سيأتى ذكره ورده، ومنهم من أوله وفی تأويله أوجه: أحدها أنه خاص
بضاعة ، حكاه الخطابى عن بعضهم. قال: وقال: يشبه أن يكون بها مرض أو حال كان غالب ظنها أنها تعوقها عن
إتمام الحج فأذن لها النبي مَّ فى الاشتراط كما أذن لأصحابه فى رفض الحج، وليس ذلك لغيرهم ، وقال النووى فى شرح
مسلم بعد ذكره هذا المذهب: وحملوا الحديث على أنها قضية عين وأنه مخصوص بضاعة، وحكاه فى شرح المهذب
عن الرؤيانى من أصحابنا الشافعية، ثم قال: وهذا تأويل باطل ومخالف لنص الشافعى، فإنه إنما قال: لو صح الحديث
لم أعده ولم يتأوله ولم يخصه. الثانى أن معناه: حيث حستنى بالموت أى إذا أدركتنى الوفاة انقطع
إحرامى، حكاه النووى فى شرح المهذب عن إمام الحرمين ، ثم قال: وهذا تأويل ظاهر الفساد ، وعجبت
من جلالة الامام كيف قاله، الثالث أن المراد التحلل بعمرة لا مطلقا حكاه المحب الطبرى عن بعضهم، ويرده
حديث ضباعة عند ابن خزيمة فى صحيحه والبيهقى فى سننه من رواية يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عنها قالت،
قلت: يا رسول الله إنى أريد الحج فكيف أهل بالحج، قال، قولى: اللهم إنى أهل بالحج إن أذنت له به وأعتنى عليه
ويسرته لى، وإن حبستنى فعمرة ، وإن حبستنى عنهما جميعا فمحلى حيث حيستنى، فإن فيه التصريح بالتحلل المطلق عن
الحج والعمرة معا. وحكى ابن حزم عن بعضهم: أن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله)
ولقوله تعالى: ﴿فإن أحصر تم فما استيسر من الهدى﴾ وعن بعضهم أن هذا الخبر رواه عروة وعطاء وسعيد بن
جبير وطاوس، وروى عنهم خلافه يعنى فهذا مما يوهن الاشتراط ، ثم قال ابن حزم: سمعناكم تعتلون بهذا فى الصاحب
فعد يتموه إلى التابع وإن درجتموه بلغ إلينا وإلى من بعدنا فصار كل من بلغه حديث فتركه حجة فى رده ، ولتن خالف
هؤلاء ما رووا فقد رواه غيرهم ولم يخالفه، وأطنب ابن حزم فى رد هذه المقالات، وهى حقيقة بذلك، والظن بمن
يعتمد عليه من خالف هذا الحديث أنه لم يبلغه. قال البيهقى: عندى أن ابن عمر أو بلغه حديث ضباعة فى الاشتراط
لم ينكره كما لم ينكره أبوه - انتهى. واستدل بالحديث على أن المشترط لذلك يحل بمجرد المرض والعجز ولا يحتاج
٤٤٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
إلى إحلال، وقد قال الشافعية إن اشترط التحلل بذلك فلا يحل إلا بالتحلل، وإن قال: إذا مرضت فأنا حلال فهل
يحتاج فى هذه الصورة إلى تحلل أو يصير حلالا بنفس المرض ، فيه الشافعية وجهان ، الذى نص عليه الشافعى أنه يصير
حلالا بنفس المرض، ودلالة الحديث محتملة ، فإن قوله ((فإن محلى)» يحتمل أن يكون معناه موضع خلى، ويحتمل أن
يكون معناه موضع إحلالى. قال الولى العراقى: والحديث ورد فى الحج، والعمرة فى معناه ، فلو أحرم بعمرة
فشرط التحلل منها عند المرض كان كذلك. ولا خلاف فى هذا بين المجوزين للاشتراط فيما أعلم ، ولعل العمرة داخلة فى
قوله فى رواية النسائى من حديث ابن عباس («فإن لك على ربك ما استثنيت)) قال: والمراد بالتحلل أن يصير نفسه حلالا
فلو شرط أن يقلب حجه عمرة عند المرض فذكر أصحابنا أنه أولى بالصحة من شرط التحلل وقص عليه الشافعى ، وإذا
جاز إبطال العبادة للعجز فنقلها إلى عبادة أخرى أولى بالجواز - انتهى. وأعلم أن سبب الحديث إنما هو فى التحلل
بالمرض لكن قوله ((حبستنى، يصدق بالحبس بالمرض وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة وفراغها وضلال الطريق
والخطأ فى العدد وقد صرح الشافعية والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض فى جواز شرط التحلل بها، وظاهر
الحديث أنه لا يجب عليه عند التحلل بالشرط دم، إذ او وجب لذكره، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرح الحنابلة
والظاهرية، وهو الأصح عند الشافعية، ومحل الخلاف عندهم فى حالة الإطلاق، فلو شرط التحلل بالهدى لزمه قطعا ،
وإن شرطه بلا هدى لم يلزمه قطعا ، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٨٢): يستحب لمن أحرم بنسك أن يشترط عند
إحرامه فيقول: إن حبسنى حابس فمحلى حيث حبستنى ، ويفيد هذا الشرط شيئين أحدهما أنه إذا عاقه من عدو
أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه أن له التحلل ، والثانى أنه متى حل بذلك فلا دم عليه ولا صوم - انتهى. وفى شرح
الاقناع: لا يسقط عنه الدم إذا شرط عند الإحرام أنه يتحلل إذا أحصر، بخلاف ما إذا شرط فى المرض أنه يتحلل بلا
هدى فإنه لا يلزمه ، لأن حصر العدو لا يفتقر إلى شرط، أى التحلل بالا. حصار جائز بلا شرط، فالشرط فيه لاغ ولو أطلق
فى التحلل من المرض بأن لم يشترط هديا لم يلزمه شئى بخلاف ما إذا شرط التحلل بالهدى فإنه يلزمه قال البجيرمى: حاصله أن
المرض ونحوه لا يبيح التحلل بدون شرط، أما إذا شرطه جاز التحلل به، وأما الدم فإن شرط التحلل به فلا بد منه أيضا، فإن سكت
عنه أو نفاه فلا يجب-انتهى. قال الولى العراقى: واستدل بالحديث الجمهور على أنه لا يجوز التحلل بالإحصار بالمرض من
غير شرط ، إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى قال: وظاهر الحديث أنه لا قضاء عند التحلل بالمرض بالشرط
وبه صرح أصحابنا وغيرهم ، ويعود فيه قول من قال بوجوب القضاء عند الإطلاق على ما تقدم بيانه، والمفهوم
من لفظ الشرط أنه لابد من مقارنته للإحرام فإنه متى سبقه أو تأخر عنه لم يكن شرطا ، وقد صرح بذلك فى قوله فى
حديث ابن عباس: اشترطى عند إحرامك، وهو بهذا اللفظ فى مصنف ابن أبى شيبة ، وقد صرح بها الماوردى وغيره
٤٤٤
متفق عليه.
كما فقله الووى فى شرح المهذب، وكذا قال ابن قدامة فى المغنى: يستحب أن يشترط عند إحرامه - انتهى. وهو واضح،
قال: وظاهر الحديث أنه لابد من التلفظ بهذا الاشتراط كغيره من الشروط وهو ظاهر كلام أصحابنا الشافعية،
وذكر فيه ابن قدامة احتمالين: أحدهما هذا، قال: ويدل عليه ظاهر قوله مَ ثل فى حديث ابن عباس («قولى: محلى
من الأرض حيث تحبسنى، قلت وكذا فى حديث عائشة فى الصحيحين ((وقولى: اللهم محلي حيث حبستنى)) والثانى أنه
تكفى فيه النية. ووجهه بأنه تابع لعقد الاحرام، والاحرام ينعقد بالنية فكذلك تابعه، قال: وقد يفهم منه أنه يتعين
فى الاشتراط اللفظ المذكور فى الحديث، وليس كذلك، بل كل ما يؤدى معناه يقوم مقامه فى ذلك. قال ابن قدامة: وغير
هذا اللفظ مما يؤدى معناه يقوم مقامه، لأن المقصود المعنى والعبارة إنما تعتبر لتأدية المعنى. قال: وفى قوله
((محلى حيث حبستنى)) أن المحصر يحلّ حيث يجبس، وهناك ينحر هديه ولو كان فى الحل، وبه قال الشافعى وأحمد ،
وقال أبو حنيفة: لا ينجره إلا فى الحرم ، فائدة: قد يتشوف لحال ضباعة هل حبسها المرض أم لا؟ وقد جاء فى
رواية لمسلم فى حديث ابن عباس («فأدركت)) ومعناه أنها أدركت الحج ولم تتحلل حتى فرغت منه (متفق عليه) أخرجه
مسلم فى الحج والبخارى فى كتاب النكاح فى باب الأكفاء فى الدين لقوله فى رواية الصحيحين فى آخر الحديث:
وكانت تحت المقداد بن الأسود)) يشير إلى تزوجها بالمقداد، وليس كفوا لها من حيث النسب فإنه كندى وليس
كندة أكفاء لقريش فضلا عن بنى هاشم، وإنما هو كفو ها فى الدين فقط. قال الحافظ: قوله ((وكانت تحت المقداد
ابن الأسود» هذا القدر هو المقصود من هذا الحديث فى هذا الباب فإن المقداد هو ابن عمرو الكندى ، نسب إلى
الأسود بن عبد يغوث لكونه تبناه فكان من حلفاء قريش، وتزوج ضباعة وهى ماشمية، فلولا أن الكفاءة لا تعتبر
بالنسب لما جاز له أن يتزوجها، لأنها فوقه فى النسب، والذى يعتبر الكفاءة فى النسب أن يجيب بأنها رضيت هى
وأولياءما ، فسقط حقهم من الكفاءة، وهو جواب صحيح إن ثبت أصل اعتبار الكفاءة فى النسب، وقال فى موضع
آخر: لم يثبت فى اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: العرب بعضهم أكفاء
بعض، والموالى بعضهم أكفاء بعض، فاسناده ضعيف، واحتج البيهقى بحديث واثلة مرفوعا «إن الله اصطفى بنى كنانة
من بنى إسماعيل - الحديث. وهو صحيح: أخرجه مسلم لكن فى الاحتجاج به لذلك نظر، لكن ضم بعضهم إليه حديث
((قدموا قريشا ولا تقدموها) - انتهى. والحديث أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبوداود والنسائى والبيهقى وابن حبان
والدار قطنى وابن الجارود وغيرهم ، وفى الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد ومسلم والأربعة والبيهقى وابن الجارود
والدارمى وغيرهم ، وعن أنس عند البيهقى وعن جابر عند الطبرانى والبيهقى وعن ابن مسعود وأم سليم عند البيهقى
٤٤٥
٦
مرعاة المفاتيح ج1
١٠ - كتاب المناسك
الحر
١٣ - باب الاحجار، وفرت
أيضا ، وعن أم سلمة عند أحمد والطبرانی فی الکبیر، وسنده جيد ، وعن ابن عمر عند الطبرانى فى الكبير ، وفيه على
ابن عاصم وهو ضعيف، وعن ضباعة أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقى، وعن أسماء بنت أبى بكر أو
سعدى بنت عوف ، أخرجه ابن ماجه على الشك هكذا. قال العقيلى: روى عن ابن عباس قصة ضباعة بأسانيد ثابتة
جياد ، وقال ابن حزم فى المحلى بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء أو سعدى: فهذه آثار متظاهرة متواترة لا
يسع أحدا الخروج عنها. وقال الشوكانى: وقد غلط الأصيلى غلطا فاحشا فقال: إنه لا يثبت فى الاشتراط حديث،
وكأنه ذهل عما فى الصحيحين - انتهى. وقال الولى العراقى: قال النسائى: لا أعلم أحدا أسنده عن الزهرى غير معمر،
وقال فى موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرزاق فيما أعلم ، وأشار القاضى عياض إلى تضعيف الحديث فإنه
قال: قال الأصيلى: لا يثبت فى الاشتراط إسناد صحيح. قال النووى فى شرح مسلم: وهذا الذى عرض به القاضى
وقاله الأصيلى من تضعيف الحديث غلط فاحش جدا نبهت عليه لئلا يغتر به لأن هذا الحديث مشهور فى صحیحی
البخارى ومسلم وسنن أبي داود والترمذى والنسائى وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن
جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية. وقال والدى فى شرح الترمذى: والنسائى لم يقل بانفراد
معمر به مطلقا بل بانفراده به عن الزهرى. ولا يلزم من الانفراد المقيد الانفراد المطلق فقد أسنده معمر وأبو أسامة
وسفيان بن عيينة عن هشام عن أبيه عن عائشة، وأسنده القاسم عنها ، ولو انفرد به معمر مطلقا لم يضره، وكم فى
الصحيحين من الانفراد ولا يضر إرسال الشافعى له، فالحكم لمن وصل، هذا معنى كلامه ـ انتهى كلام الولى العراقى.
تنبيه قال الشيخ محمد أنور الكشميرى: وافقنا البخارى فى مسئلة الاشتراط حيث لم يخرج حديث ضباعة فى كتاب
الحج مع كونه صريحا فى الاشتراط، وإنما أخرجه فى كتاب النكاح، ومن آدابه وعاداته فى التراجم والأبواب أنه
لا يعقد ترجمة على الحديث إذا لم يذهب إليه، وأن الحديث إذا ورد فى مسئلة ولم يخرجه فى بابه مع كونه صريحا فيه
بل حوله من مظنته، فكان هذا تنبيه منه على أنه لا يأخذه ولا يذهب إليه ، ونظير ذلك أنه روى حديث الركعتين بعد
الوتر جالسا ولم يبوب عليه الترجمة ولم يخرجه فى أبواب الوتربل أخرجه فى السنة أى الركعتين قبل الفجر. قال: وما نيه
أحد على هذه العادة ، هذا معنى كلامه. وفيه ما قال صاحب فتح الملهم أنه قد تنبه لها ابن المرابط وأشار إليها كما
حكاه العينى عنه فقال: زعم ابن المرابط أن عدم ذكر البخارى حديث ضباعة فى الحج دلالة على أن الاشتراط عنده
لا يصح، ثم قال العينى: فيه نظر لا يخفى ، ولم يبين وجه النظر، وما ادعاه الشيخ الأنور من عادة البخارى ليس
بمطرد، فقد روى البخارى حديث الصلاة على النبي ◌َّث فى الدعوات ولم يخرجه فى أبواب الصلاة أصلا مع أنه
لا شبهة فى كونه أليق بها فيما بين باب التشهد وباب الدعاء قبل السلام كما هو الظاهر.
٤٤٦
مرجاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
■ ( الفصل الثانى )
٢٧٣٧ - (٦) عن ابن عباس، أن رسول اللّه ◌َيّم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدى الذى نحروا عام
الحديبية فى عمرة القضاء. رواه
٢٧٣٧ - قوله (أمر أصحابه أن يبدلوا) بالتشديد والتخفيف (الهدى الذى نحروا عام الحديبية) أى يذبحوا
مكان ما ذبحوه هديا آخر (فى عمرة القضاء) يعنى أمرهم بأن ينحروا الهدى فى عمرة القضاء بدل ما نحروا عام الحديبية
أى فى السنة المتقدمة، واستدل بقوله «عمرة القضاء) من رأى القضاء على المحصر، قالوا: كانت عمرة العام المقبل
قضاء العمرة التى صد عنها فى العام الماضى، وهذا الاسم تابع للحكم، ومن لم ير القضاء قال: القضاء هنا من المقاضاة
لأنه قاضى أهل مكة عليها لا أنه من قضى يقضى قضاء، ولهذا سميت عمرة القضية. قال الطبي: يستدل بهذا الحديث من
يوجب القضاء على المحصر إذا حل حيث أحصر ، ومن يذهب إلى أن دم الاحصار لا يذبح إلا فى الحرم فإنه أمرهم
بالايدال لأنه نحروا هداياهم فى الحديبية خارج الحرم - انتهى. وقال الخطابي: أما من لا يرى عليه القضاء فى غير
الفرض فإنه لا يلزمه بدل الهدى، ومن أوجبه فإنما يلزمه البدل لقوله عز وجل ﴿هديا بالغ الكعبة) ومن نحر الهدى
فى الموضع الذى أحصر فيه وكان خارجا من الحرم فإن هديه لم يبلغ الكعبة ، فيلزمه إبداله وإبلاغه الكعبة ، وفى
الحديث حجة لهذا القول - انتهى. وقال فى اللغات: هذا أى الأمر بإيدال الهدى يدل على أن هدى الإحصار لا
يذبح إلا فى الحرم كما هو مذهب أبي حنيفة، وهذا إن قلنا إنهم نحروا فى الحديبية فى غير الحرم، وإن قلنا إنهم
ذبحوها فى الحرم فإن الحديبية أكثرما حرم، فالتبديل للاحتياط وإدراك الفضيلة ثانيا، والأمر للاستحباب، والله أعلم.
وقوله ((فى عمرة القضاء) تسميته عمرة القضاء ظاهر فى مذهبنا، والشافعية يقولون إن المراد بالقضاء الصلح، والقضاء
والمقاضاة يجينى بمعنى الصلح والمصالحة، وقد ذكروا فى الصاح أن يأتى رسول اللّه مَئه فى العام المقبل. وقال البيهقى
لعله إن صح الحديث استحب الايدال وإن لم يكن واجبا كما استحب الاتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء ما أحصروا
) قال القارى:
عنه واجبا بالتحلل والله أعلم ، ذكره المنذرى فى مختصر السنن والمحب الطبری فی القری (رواه )
هنا بياض فى الأصل، وفى نسخة ألحق به ((أبوداود)) وزادفى نسخة ((وفيه قصة)) وفى سنده محمد بن إسحاق - انتهى. قلت:
الحديث رواه أبو داود فى باب الاحصار من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن ميمون عن أبى حاضر الحيرى وهو
عثمان بن حاضر، قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معى رجال من قومى بهدى ، فلما انتهينا
إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم ، فتحرت الهدى مكانى ثم أحللت ثم رجعت ، فلما كان من العام المقبل خرجت
لأقضى عمرتى فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الحدى فإن رسول الله ولي أمر أصحابه أن يبدلوا الهدى، إلخ.
٤٤٧
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
٢٧٣٨ - (٧) وعن الحجاج بن عمرو الأنصارى، قال: قال رسول اللّه مَفي: من كسر، أو عرج
فقد حل
وقد سكت عنه أبو داود. قال المنذرى: فى سنده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام فيه - انتهى. قلت: قد تقدم أنه
مدلس ولم يصرح فى روايته لهذا الحديث بالتحديث والسماع ففى كون الحديث حسنا نظر.
٢٧٣٨ - قوله (وعن الحجاج بن عمرو الأنصارى) هو الحجاج بن عمرو بن غزية - بفتح المعجمة وكسر
الزاى وتشديد التحتانية - الأنصارى الخزرجى المازنى، نسبة إلى جده مازن بن النجار، قال البخارى: له صحبة
روى عن النبيِ مَّم حديثين، هذا أحدهما، وقد صرح بسماعه فيه من النبى مَّه، والآخر: كان النبي ◌َُّ يتهجد من
الليل بعد نومه. روى عنه ابن أخيه حمزة بن سعيد وكثير بن العباس وعبد الله بن رافع وعكرمة، وقيل عن عكرمة
عن عبد الله بن رافع، والحجاج بن عمرو هذا هو الذى ضرب مروان بن الحكم يوم الدار حتى أسقطه وحله أبو حفصة
مولاه وهو لا يعقل، وقال أبو نعيم: شهد مع على صفين (من كسر) بضم الكاف وكسر السين على بناء المجهول
(أو عرج) بفتح المهملة على بناء المعلوم من باب نصر وضرب، أى أصابه شئ فى رجله وليس بخلقة، فإذا كان خلقة ..
قبل عرج بالكسر كفرح من باب سمع ، قال فى الصحاح: عرج فى الدرجة والسلم يعرج عروجا إذا ارتقى، واعرج
أيضا إذا أصابه شئ فى رجله فخمع ومشى مشية العرجان، وليس بخلقة ، فإذا كان ذلك خلقة قلت عرج بالكسر فهو
أعرج بين العرج، وفى القاموس عرج عروجا ارتقى وأصابه شئى فى رجله فخمع وليس بخلقة، فإذا كان خلقة فعرج
كفرح أو يثلث فى غير الخلقة ـ انتهى. وزاد أبو داود وابن ماجه فى رواية ((أو مرض، وقال المجد فى المنتقى:
وفى رواية ذكرها أحمد فى رواية المروزى ((من حبس بكسر أو مرض، يعنى من حدث له بعد الإحرام مانع غير
إحصار العدو (فقد حل) أى يجوز له أن يترك الاحرام ويرجع إلى وطنه، قاله القارى. وقال السندى: قوله
((من كسر أو عرج)، إلخ. أى من أحرم ثم حدث له بعد الإحرام مانع من المضى على مقتضى الاحرام غير إحصار
العدو بأن كان أحد كسر رجله أو صار أعرج من غير صنيع من أحد يجوز له أن يترك الاحرام وإن لم يشترط
التحلل، وقيده بعضهم (الشافعية والحنابلة) بالاشتراط ، ومن يرى أنه من باب الاحصار (وهم الحنفية)
لعله يقول: معنى «حل، كاد أن يحل قبل أن يصل إلى نسكه بأن يبعث الهدى مع أحد ويواعده يوما
بعينه يذبحها فيه فى الحرم فيتخلل بعد الذبح - انتهى. وقال التوربشتى: إن قيل ما وجه قوله ((فقد حل))
والمنمسك بهذا الحديث يرى أن المحصر ليس له أن يحل حتى يبلغ الهدى محله، وعنده أن محله مكانه الذى يجب أن
يتحر به وهو الحرم فكيف يقول ((فقد حل)) ولم يبلغ الهدى محله، قلنا: قد قيل إن وجه قوله ((فقد حل)) له أن يحل من
٤٤٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
وعليه الحج من قابل.
غير أن يصل إلى البيت، ومثله قولك المرأة إذا انقضت عدتها «قد حلت للرجل، يعنى أن يخطبها ويعقد عليها، ويجوز
أن يكون بمعنى المقاربة، أى قرب له ذلك وحان فكان كقولك من بلغ ذات عرق فقد حج - انتهى (وعليه الحج من
قابل) وفى رواية ((وعليه حجة أخرى، وللحديث تتمة من قول عكرمة وهو أحد الرواة عن الحجاج بن عمرو وذلك
قوله ((فذكرت ذلك لأبى هريرة وابن عباس فقالا صدق)، وفى رواية فحدثت بذاك ابن عباس وأبا هريرة فقالا صدق.
قال الخطابي : فى الحديث حجة لمن رأى الإحصار بالمرض والعذر يعرض للحرم من غير حبس العدو وهو مذهب
الثوری وأصحاب الرأى ، وقال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق: لا حصر إلا حصر العدو ، وقد روى ذلك عن ابن
عباس وعلل بعضهم حديث الحجاج بن عمرو بأنه قد ثبت عن ابن عباس خلافه وهو أنه قال: لا حصر إلا حصر
العدد وأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك فى عقد الإحرام على معنى حديث
ضباعة، قالوا: ولو كان الكسر عذرا لم يكن لاشتراطها معنى، ولا كانت بها إلى ذلك حاجة، وأما قوله «وعليه
الحج من قابل، فإنما هذا فيمن كان حجه عن فرض ، فأما المتطوع بالحج إذا أحصر فلا شئى عليه غير هدى الإحصار،
وهذا على مذهب مالك والشافعى، وقال أصحاب الرأى: عليه حجة وعمرة وهو قول النخعى ، وعن مجاهد والشعبى
وعكرمة عليه حجة من قابل - انتهى باختصار يسير. وقال ابن القيم فى مختصر السنن: إن صح حديث الحجاج
ابن عمرو فقد حمله بعض أهل العلم على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض فقد روينا عن ابن
عباس ثابتا عنه أنه قال: لا حصر إلا حصر عدو، وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عمرو أن تحلله بالكسر والعرج إذا
كان قد اشترط ذلك فى عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة، قالوا: ولو كان الكسر مبيحا للحل لم يكن الاشتراط
معنى ، قالوا: وأيضا فلا يقول أحد بظاهر الحديث فإنه لا يحل بمجرد الكسر والعرج فلابد من تأويله فنحمله على
ما ذكرناه، قالوا: وأيضا فإنه لا يستفيد بالحل زوال عذره أى التخلص من الاذى الذى به ولا الانتقال من حاله
بخلاف المحصر بالعدو. وقوله «وعليه الحج من قابل)، هذا إذا لم يكن حج الفرض فأما إذا كان متطوعا فلا شى عليه
غير هدى الاحصار ، وقال البيهقى: وحديث الحجاج بن عمرو قد اختلف فى إسناده، والثابت عن ابن عباس خلافه
وأنه لا حصر إلا حصر العدو ـ انتهى. وبنحو ذلك قرر ابن قدامة مذهب الجمهور، من شاء الوقوف عليه رجع إلى المغنى
(ج ٣: ص ٣٦٣)، ثم قال ابن القيم: اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم فيمن منع الوصول إلى البيت بمرض أو
كسر أو عرج هل حكمه حكم المحصر فى جواز التحلل؟ فروى عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا
يحلله إلا الطواف بالبيت، وهو قول مالك والشافعى وإسحاق وأحمد فى المشهور من مذهبه، وروى عن ابن مسعود
أنه كالمحصر بالعدو وهو قول عطاء والثورى وأبى حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعى وأبى ثور وأحمد فى الرواية الأخرى
٤٤٩
مرقة البابيع ج ١
١٠ - كتاب اسمه
١٣ - باب الاإحضار، وبوت الجتج
عنه، ومن حجة هؤلاء حديث الحجاج وأبى هريرة وابن عباس، قالوا: وهو حديث حسن يحتج بمثله، قالوا:
وأيضا ظاهر القرآن بل صريحه يدل على أن الحصر يكون بالمرض فإن لفظ الإحصار إنما هو الرض، يقال أحصره
المرض وحصره العدو ، فيكون لفظ الآية صريحا فى المريض وحصر العدو ملحقى به ، فكيف يثبت الحكم فى الفرع دون
الأصل؟ قال الخليل وغيره: حصرت الرجل حصرا: منعته وحبسته، وأحصر هو عن بلوغ المناسك بمرض أو نحوه،
قالوا: وعلى هذا خرج قول ابن عباس ((لا حصر إلا حصر العدو)، ولم يقل لا إحصار إلا إ-صار العدو، فليس بين رأيه
وروايته تعارض واوقدر تعارضهما فالأخذبروايته دون رأيه. لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة، وأما قولكم: إن
معناه أنه يحل بعد فواته بما يعل به من يفوته الحج اغير مرض. ففى غاية الضعف، فإنه لا تأثير للكسرولا للعرج فى ذلك،
فإن المفوت يحل صحيحا كان أو مريضا، وأيضا فإن هذا يتضمن تعليق الحكم بوصف لم يعتبره النص وإلغاء الوصف الذى
اعتبره، وهذا غير جائز، وأما قولكم: إنه يحمل على الحل بالشرط. فالشرط إما أن يكونله تأثير فى الحل عندكم
أولا تأثير له، فإن كان مؤثرا فى الحل لم يكن الكسر والعرج هو السبب الذى عاق الحكم به، وهو خلاف النص، وإن لم
يكن له تأثير فى الحل بطل حمل الحديث عليه، قالوا: وأما قولكم: إنه لا يقول أحد بظاهره، فإن ظاهره أنه بمجرد
الكسر والعرج يحل، فجوابه أن المعنى: فقد صار ممن يجوز له الحل بعد أن كان ممنوعا منه، وهذا كقوله مَّ: إذا
أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من مها فقد أنطر الصائم، وليس المراد به أنه أفطر حكما وإن لم يباشر المفطرات،
بدليل إذنه لأصحابه فى الوصال إلى السحر، ولو أنطروا حكما لاستحال منهم الوصال. ولقوله تعالى: ﴿ فلا تحل له
من بعد حتى تتكح زوجا غيره - سورة البقرة: الآية ٢٣٠) فإذا نكحت زوجا آخر حلت، لا بمجرد نكاح الثانى ، بل
لابد من مفارقته وانقضاء العدة وعقد الأول عليها، قالوا: وأما قولكم: إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من
حاله التى هو عليها ولا التخلص من أذاه، بخلاف من حصره العدو. فكلام لا معنى تحته ، فإنه قد يستفيد بحله اكثر
مما يستفيد المحصر بالعدو ، فإنه إذا بقى ممنوعا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه قضرر بذلك أعظم الضرر
فى الحر والبرد ، ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترفه ما يكون سبب زوال أذاه، كما يستفيد المحصر بالعدو بحله ، فلا
فرق بينهما ، فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة
والقياس يدل عليه؟ والله أعلم - انتهى كلام ابن القيم. قلت: وأما قول الجمهور: أنه ولو كان التحلل جائزا بدون
شرط لم يكن للاشتراط معنى، ولو كان المرض ونحوه من الأعذار يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط فقد أجاب عنه
بعض الحنفية بأنه ليس المراد بنفى الاشتراط وعدم الاحتياج فى التحلل إليه كون الاشتراط لغوا وعبثا وأنه لا فائدة
فيه أصلا، بل فيه فائدة عظيمة وإن لم يتغير به حكم، والفائدة فيه تسكين قلب ضباعة وتسلية نفسها حيث كانت مريضة
٤٥٠
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
١٠ - كتاب المناسك
تخاف من عدم إتمام ما أحرمت به فظو حدث لهما مفاجئة ما يعوتها من الإتمام لكان أشق عليها وأبلغ فى التفجيع لها كما
شق على الصحابة التحلل فى الحديبية وكما شق عليهم فسخ الحج إلى العمرة فى حجة الوداع بخلاف ما إذا اشترطت
وصرحت بتعليق الإتمام على الشرط واستحضرت من أول الأمر أنها فى خيرة من تركه عندما يتفق لها من المواقع،
فهذا ما لا شك فيه أنه لا يحصل فى قلبها ضيق وحرج فى التحلل عند حدوث عارض يمنعه من الإتمام والاكمال،
ويكون شروعها فى أعمال الحج أمون عليها وأسهل وأيسر ، وهذه فائدة لا يمكن إنكارها مع جواز التحلل من غير
اشتراط، على أنه روى عن أبى حنيفة كما فى المغنى أن الاشتراط يفيد سقوط الدم مع كون التحلل ثابتاً عنده بكل
احصار، وأما ما ذكره الجمهور من قول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. فقد تقدم الجواب عنه فى كلام الألوسى
أيضا فتذكر. وقال التوربشتى: قد نقل عنه فى معنى الاحصار برواية الثقات ما يزيد حديث الحجاج، وروى عن سفيان
الثورى عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، فإن أحصرتم، قال: من حبس أو مرض، قال إبراهيم: حدثت به
سعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس. ولو ثبت عنه أيضا لا حصر إلا حصر العدو، فالسبيل أن يؤول ثلا
يخالف حديث حجاج عن النبي وَتج وليوافق حديث سعيد بن جير عنه، ورأيت التأويل الجامع أن نقول لا حصر
إلا حصر العدو بمثابة قول من قال: لا هم إلا هم الدين، وذلك أن الحصر بالعدو من أعظم أسباب الحصر لأنه متعلق
بالعموم وغيره متعلق بالخصوص والأفراد كما كان من أمر التى مَّ حين صد عن البيت وأحصر بالعدو، أحصر
هو وسائر من معه، ولو مرض أحد القوم لم يكن كذلك، فهذا معنى قوله لا حصر إلا حصر العدو - انتهى.
قلت: والقول الراجح عندى فى معنى الاحصار أنه يكون من كل حابس يحبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك
كما ذهب إليه الحنفية وكثير من الصحابة. قال الأمير اليمانى فى السبل: القول بتعميم الإحصار هو أقوى الأقوال
وليس فى غيره من الأقوال إلا آثار وفتاوى للصحابة - انتهى. قلت: وإليه مال البخارى فى صحيحه إذ ذكر فى باب المحصر
بعد آية الإحصار: قال عطاء: الإخصار من كل شئى يحبسه. قال الحافظ: وفى اقتصاره على تفسير عطاء إشارة
إلى أنه اختار القول بتعميم الاحصار - انتهى. وإليه ذهب ابن حزم حيث قال فى المحلى: كل من عرض له ما يمنعه
من إتمام حجه أو عمرته من عدو أو مرض أو خطأ طريق أو خطأ فى روية الهلال فهو محصر. قلت: ويدل عليه
محموم قوله تعالى: ﴿فإن أحضرتم - الآية). وإن كان سبب نزولها إحصار التي تَّ بالعدو، فالعام لا يقصر على
سببه. قال الشوكانى فى السيل الجرار (ج ٢: ص ٢٣١): هذه الآية وإن كان سببها خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ كما
تقرر فى الأصول، وبنحو ذلك قال الأمير اليمانى فى السبل: وقال ابن جرير فى تفسيره بعد تفصيل طويل: وأولى
التأويلين للصواب فى قوله تعالى: ﴿فإن أحصر تم) تأويل من تأوله بمعنى فإن أحصركم خوف أو مرض أو علة عن
٤٥١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٣ - باب الاإحضار، وفوت الحج
رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، والدارمى، وزاد أبو داود فى رواية أخرى :
أو مرض. وقال الترمذى: هذا حديث حسن. وفى المصابيح ضعيف.
٢٧٣٩ - (٨) وعن عبد الرحمن بن يعمر الديلى، قال: سمعت النبى معَّف، يقول: الحج عرفة،
الوصول إلى البيت أى صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من
عمل الحج والعمرة فإذا قيل («أحصر تم، إلى آخر ما قال. قلت: ويدل على التعميم أيضا حديث الحجاج بن عمرو بل
هو مع الآية المذكورة نص على كون الاحصار عاما للعدو والمرض، وفيهما بيان قاعدة كلية خرجت مخرج التشريع
العام فلا تترك بما ورد مما يخالفها من الآثار والوقائع الجزئية التى تحتمل محامل من الخصوصية وغيرها، والله أعلم
(رواه الترمذى وأبو داود) إلخ. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ٤٥٠) وابن خزيمة والحاكم (ج ١: ص ٤٨٣)
والبيهقى (ج ٥: ص ٢٢٠) والدار قطنى (ص ٢٧٩) (وقال الترمذى: هذا حديث حسن) وقد سكت عنه أبو داود
ونقل المنذرى تحسين الترمذى وقرره ، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخارى وأقره الذهبي (وفى المصابيح ضعيف)
لعل البغوى ضعفه للاختلاف فى سنده كما بينه الترمذى والبيهقى والحافظ فى الفتح وغيرهم، والحق أن الاختلاف
الواقع فى سنده لا يضر ولا يستلزم ضعفه كما حققه الحافظ ، ولذلك حسنه الترمذى وسکت علیه أبو داود وأقر
المنذرى تحسين الترمذى والذهبي تصحيح الحاكم .
٢٧٣٩ - قوله (وعن عبد الرحمن بن يعمر) بفتح المثناة التحتية وسكون العين المهملة وفتح الميم ويضم ، غير
منصرف (الديلى) بكسر الدال وسكون التحتانية، منسوب إلى الديل - بمكسورة وسكون ياء - وقيل الدولى بضم الدال
وفتح الهمزة مكان الياء، وحينئذ تكتب بصورة الواو وقد تكسر الدال مع فتح همزة وقد تضم مع كسر همزة. قال
الحافظ فى التقريب: عبد الرحمن بن يعمر الديلى صحابى نزل بالكوفة، ويقال: مات بخراسان. وقال فى الإصابة:
قال ابن حبان فى الصحابة: مكى سكن الكوفة، يكنى أبا الأسود، مات بخراسان، روى عن النبي مَثل حديث ((الحج
عرفة، وفيه قصة، وحديث النهى عن الدباء والمزفت، وصحح حديثه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطنى وصرح
بسماعه من النبى معَّم فى بعض طرقه إليه (الحج عرفة) مبتدأ وخبر على تقدير مضاف من الجانبين أى معظم الحج أو
ملاكه الوقوف بعرفة لفوت الحج بفواته. وقال الطيبي: تعريفه للجنس وخبره معرفة فيفيد الحصر نحو: ذلك
الكتاب. وقال التور بشتى: أى معظم الحج وملاكه الوقوف بعرفة وذلك مثل قولهم : المال الابل ، وإنما كان ذلك
ملاكه وأصله لأنه يفوت بفواته ويفوت الوقوف لا إلى بدل، وقيل: تقديره: إدراك الحج إدراك وقوف عرفة،
والمقصود أن إدراك الحج يتوقف على إدراك الوقوف بعرفة، وأن من أدركه فقد أمن حجه من الفوات ، وقال
٤٥٢
٤
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. أيام منى ثلاثة، فمن تعجل
الشوكانى: أى الحج الصحيح حج من أدرك يوم عرفة. وقال المحب الطبرى: معناه أن قوات الحج متعلق بفوات
وقته، وغيره من الأركان وقته ممتد - انتهى. وفى الحديث قصة، وهى أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله مر ثية
وهو بعرفة فسألوه فأمر مناديا فنادى: الحج عرفة. هذا لفظ الترمذى وفى رواية أبى داود قال (عبد الرحمن بن يعمر):
أتيت النبيِ وَّ (ولأحمد والنسائى ((شهدت رسول اللّه مَثّ}(،) وهو بعرفة فجاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلا
فنادى رسول الله يمثل كيف الحج؟ (أى كيف حج من لم يدرك يوم عرفة كما بوب عليه أبو داود) فأمررجلا فنادى
الحج الحج يوم عرفة (بتكرير لفظة الحج، وزاد فى رواية «ثم أردف رجلا خلفه فجعل ينادى بذلك))) وفى رواية
الدار قطنى والبيهقى: الحج عرفات الحج عرفات، وفى المنتقى لابن الجارود: الحج عرفات ثلاثا، وعند أحمد (ج ٤:
ص ٣١٠،٣٠٩) ((الحج يوم عرفة أو عرفات)) وكلاهما اسم للوضع الذى يقف به الحاج، وكل ذلك خارج عن الحرم
(من أدرك عرفة) أى الوقوف بها (ليلة جمع) أى ولو ليلة المبيت بالمز دلفة وهى ليلة العيد (قبل طلوع الفجر) أى قبل
طلوع فجر يوم النحر ، وفيه رد على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة، ومن زعم أن وقته يمتد
إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس قاله القارى. وقوله ((من أدرك عرفة ليلة جمع) كذا وقع فى المشكاة والمصابيح،
وهكذا فى المنتقى لابن الجارود، وفى رواية الحميدى (من أدرك عرفة قبل الفجر)) والنسائى (من أدرك ليلة
عرفة)، وفى أخرى له ((من: جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح)) ولفظ الترمذى ((من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر، ولفظ أبى داود (من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع)، وهكذا وقع عند أحمد (ج ٤: ص ٣٠٩،
٣٣٥) وابن ماجه، والمعنى: من جاء عرفة ووقف فيها ليلة المزدلفة قبل طلوع فجر يوم النحر،
ولأحمد أيضا (ج ٤: ص ٣٠٩) والدارمى من أدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح (فقد أدرك الحج) أى لم يفته وأمن من
الفساد، وهذا لفظ الترمذى والحميدى والدارمى وابن الجارود وأحمد فى رواية، ولأبى داود والنسائى وابن ماجه ،
وأحمد فى رواية ((فقد تم حجه)) قال السندى: أى أمن من الفوات، وإلا فلابد من الطواف، وقال القاضى أبو الطيب
فى تعليقه على النسائى أى قارب التمام. وقال الخطابى: قوله «فقد تم حجه)) يريد به معظم الحج وهو الوقوف بعرفة،
لأنه هو الذى يخاف عليه القوات، فأما طواف الزيارة فلا يخشى فواته وهكذا كقوله: الحج عرفة، أى معظم الحج هو
الوقوف بعرفة - انتهى (أيام منى) مرفوع على الابتداء وخبره قوله (ثلاثة) أى ثلاثة أيام، وهى الأيام المعدودات
وأيام التشريق وأيام رمى الجمار، وهى الثلاثة التى بعد يوم النحر وليس يوم النحر منها لا جماع الناس على أنه لا
يجوز النفر يوم ثانى النحر، ولو كان يوم النحر من الثلاث لجاز أن ينفر من شاء فى ثانيه (فمن تعجل) أى استعجل بالنفر
٤٥٣
.
مرجاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
فى يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه.
أى الخروج من منى (فى يومين) أى من أيام التشريق فنفر فى اليوم الثانى منها. قال الآلوسى: النفر فى أول منها لا
يجوز فظرفية اليومين له على التوسع باعتبار أن الاستعداد له فى اليوم الأول، والقول بأن التقدير فى أحد يومين إلا أنه
مجمل فسر باليوم الثانى أو فى آخر يومين خروج عن مذاق النظر (فلا إثم عليه) في تعجيله (ومن تأخر) أى عن النفر فى
اليوم الثانى من أيام التشريق إلى اليوم الثالث (فلا إثم عليه) فى تأخيره، وقيل: المعنى: ومن تأخر عن الثالث إلى الرابع
ولم يتفر مع العامة فلا إثم عليه، والتخيير ههنا وقع بين الفاضل والأفضل لأن المتأخر أفضل، فإن قيل: إنما يخاف
الإثم المتعجل فما بال المتأخر الذى أتى بالأفضل ألحق به؟ فالجواب أن المراد من عمل بالرخصة وتعجل فلا إثم
عليه فى العمل بالرخصة ومن ترك الرخصة وتأخر فلا إثم عليه فى ترك الرخصة، كذا فى النيل، وقال التور بشتى: إن قيل
ما وجه التخيير بين الأمرين وأحدهما أفضل من الآخر؟ وما وجه التسوية بين المتعجل والمتأخر؟ والمتأخر أخذ بالأسد
والأفضل؟ قلنا: قد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا قتين، فإحداهما ترى المتعجل آثما والأخرى ترى المتأخر
آئما، فورد التنزيل بنفى الحرج عنهما، وهذا قول مطابق لسياق الآية لو كان له فى أسباب النزول أصل ثابت ، والظاهر
أن الإعلام الذى جاءهم من قبل الله إنما جاء ليعلموا أن الأمر موسع عليهم فلهم أن يأخذوا من الأمر ين بأيهما شاؤاء
ونظيره التخيير بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل. وأما وجه التسوية بين المتعجل والمتأخر فى نفى الحرج
فهو أن من الرخص ما يقع من العامل موقع العزيمة، ويكون الفضل فى إتيانه دون إتيان ما يخالفه ، , ذاك مثل قصر
الصلاة السافر ، فمنهم من يراه عزيمة ولا شك أنه فى الأصل رخصة، والذى يراه أيضا رخصة يرى إتبان هذه الرخصة
أفضل، ولما كان التعجل فى يومين رخصة والرخصة محتملة المعانى التى ذكر ناما وقع قوله ((فلا إثم عليه)) موضع البيان فى إتيان
الرخصة، وقوله ((ومن تأخر، موقع البيان لترك الرخصة، وإذا كانت الرخصة من هذا القبيل الذى لم يبين لنا فضله على
ما يخالفه فلا شك أن الإتيان بالأتم والأكمل أولى وأفضل - انتهى. والحديث فيه دليل على أن الوقوف بعرفة
فى وقته ركن لا يصح الحج إلا به وقد أجمع العلماء على ذلك، حكى هذا الاجماع غير واحد من شراح الحديث ونقلة
المذاهب، منهم ابن قدامة وابن رشد وغيرهما. ودل الحديث أيضا على أن وقت الوقوف ممتد إلى ما قبل طلوع الفجر
من ليلة المزدلفة وقد أجمعوا عليه أيضا لكنهم اختلفوا فى وقت الفرض والواجب للوقوف كما ستعرف، قال
ابن قدامة (ج ٣: ص ٤١٠، ٤١٣): الوقوف ركن لا يتم الحج إلا به إجماعا، ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر
ثم قال: ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس ليجمع بين الليل والنهار فى الوقوف بعرفة فإن النبي مثله وقف بعرفة
حتى غابت الشمس كما تقدم فى حديث جابر (الطويل) وفى حديث على وأسامة ((أن النبي ◌ُ} دفع حين غابت الشمس))
٤٥٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح فى قول جماعة الفقهاء إلا مالكا. قال: لا حج له ، قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدا
من فقهاء الأمصار قال بقول مالك، وحجته ما روى ابن عمر أن النبى وزيع قال: من أدرك عرفات بليل فقد أدرك
الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فيحل بعمرة، وعليه الحج من قابل، ولنا ما روى عروة بن مضرس بن
أوس بن حارثة قال: أتيت رسول اللّه ◌َبيع بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة - الحديث، وفيه ((أن رسول الله مجزئ}
قال: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حبه، فأما غيره
فإنما خص الليل لأن الفوات يتعلق به إذا كان يوجد بعد النهار، فهو آخر وقت الوقوف كما قال عليه السلام: من
أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد
أدركها . وعلى من دفع قبل الغروب دم فى قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والثورى والشافعى وأبو ثور وأصحاب
الرأى ومن تبعهم، وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال الحسن البصرى: عليه هدى من الايل، ولنا أنه واجب لا
يفسد الحج بقواته فلم يوجب البدنة كالاجرام من الميقات، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارا فرقف حتى غريت
الشمس فلا دم عليه. وبهذا قال مالك والشافعى، وقال الكوفيون وأبو ثور: عليه دم لأنه بالدفع لزمه الدم فلم يسقط
برجوعه، كما لو عاد بعد غروب الشمس. ولنا أنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الوقوف فى الليل والنهار فلم يحبه
عليه دم كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه، فإن لم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم لأن عليه الوقوف
حال الغروب وقد فاته بخروجه - انتهى. قلت: وما نسب إلى الكوفيين من وجوب الدم فيما إذا دفع قبل الغروب
ثم عاد نهارا فوقف حتى غربت الشمس، هو قول مرجوح الحنفية، والراجح سقوط الدم كما ذهب إليه الجمهور ،
قال القارى: إن دفع قبل الغروب فإن جاوز حد عرفة بعد الغروب فلا شفى عليه اتفاقاً، وإن جاوزه قبله فعليه دم ،
فظين لم يعد أصلا أو عاد بعد الغروب لم يسقط الدم، وإن عاد قبل الغروب فدفع بعد الغروب سقط الدم على الصحيح -
انتهى. ثم قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤١٥): ومن لم يدرك جزءا من النهار ولا جاه عرفة حتى غابت الشمس
فرق ليلا فلا شئ عليه، وححه تام لا نعلم مخالفا فيه القول التي توزيع: من أدرك عرفات بليل ولأنه لم يدرك جزءا
من التهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه، ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من
يوم النحر. لا نعلم خلافا بين أهل العلم فى أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر. قال جابر: لا يفوت الحج حتى
يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول اللّه ◌َعَ ذلك؟ قال: نعم. رواه الأثرم، وأما
أوله فمن طلوع الفجر يوم عرفة. وقال مالك والشافعى أول وقته زوال الشمس من يوم عرفة، واختاره أبو حفص.
المكبرى، وحكى ابن عبد البر ذلك إجماعا، ولنا قول النبي مثله فى حديث عروتزبن مضرس «من شهد صلاتنا هذه
٤٥٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الاحصار، وفوت الحج
ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه)، ولأنه من يوم عرفة فكان وقنا الوقوف
كبعد الزوال، وترك الوقوف لا يمنع كونه وقتا للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقفوا فى وقت الفضيلة ولم يستوعبوا
جميع وقت الوقوف - انتهى. وقد ظهر من كلام ابن قدامة أنهم اختلفوا فى فرض الوقت للوقوف على ثلاثة
أقوال، الأول: قول أحمد : إنه من طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر من غير فرق بين الليل
والنهار، وبه جزم عامة أهل الفروع من الحنابلة، والثانى: قول مالك: إنه ليلة النحر من الغروب إلى طلوع الفجر.
فالمعتمد عنده فى الوقوف بعرفة ليلة النحر، والنهار من يوم عرفة تبع، والأفضل الجمع بنهما ، فإن أفرد الليل جاز،
وإن عكس لم يجزه، والحاصل أن الوقوف بجزء من الليل ركن عنده فمن خرج من عرفات قبل الغروب ولم يرجع
حتى يتدار كه بجزء من الليل فاته الحج وعليه الحج من قابل، ومن وقف أيلا ولم يقف بالنهار فعليه دم. قال الدردير:
الركن الرابع للحج حضور عرفة ساعة ليلة النحر ، وتدخل بالغروب، وأما الوقوف نهارا فواجب يتجبر بالدم ويدخل
وقته بالزوال - انتهى. وظاهر الحديث حجة على مالك، والقول الثالث: قول الشافعى وأبى حنيفة إنه من زوال
عرفة إلى فجر النحر، وهو مختار اللخمى وابن العربى وابن عبد البر من المالكية، وأما الوقت الواجب الوقوف
فاختلفوا فيه على قولين، الأول: أن يجمع فى وقوفه بين الليل والنهار فى أى جزء منهما ، وهو قول مالك. قال
الدردير: أما الوقوف نهارا فواجب ينجبر بالدم ويدخل وقته بالزوال ويكفى فيه أى جزء منه، قال الدسوقى: أى يكفى
فى تحصيل الوقوف الواجب الوقوف فى أى جزء من ذلك - انتهى. وهو مختار صاحب الروض المربع من الحنابلة،
وبه جزم النووى فى مناسكه، والثانى: قول الحنفية وعامة الحنابلة أن الواجب أن يعتد الوقوف إلى ما بعد الغروب
كما تقدم عن ابن قدامة وعلى القارى إذا وقف بالنهار وإن لم يتفق له الوقوف بالنهار فلا امتداد ، وقال الشنقيطى:
اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح الحج بدونه، وأنهم أجمعوا على أن الوقوف
ينتهى وقته بطلوع فجر يوم النحر، فمن طلع فجر يوم النحر وهو لم يات عرفة فقد فاته الحج إجماعا، ومن جمع فى
وقوف عرفة بين الليل والنهار وكان جزء النهار الذى وقف فيه من بعد الزوال فوقوفه تام، ومن اقتصر على جزء من
اليل دون النهار صح حجه ولزمه دم عند المالكية خلافا لجماهير أهل العلم القائلين بأنه لا دم عليه، ومن أقصر
على جزء من النهار دون الليل لم يصح حجه عند مالك، وهو رواية عن أحمد، وعند الشافعى وأبى حنيفة وأحمد فى
الرواية الأخرى: حجه صحيح وعليه دم، والدليل على أن الوقوف بعرفة ركن وأن وقته ينتهى بطلوع الفجر ليلة
التحر ما رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلى، ودليل الاجماع على أن من.
جمع فى وقوفه بعرفة بين جزء من الليل وجزء من النهار من بعد الزوال أن وقوفه تام هو ما ثبت فى الروايات الصحيحة
٤٥٦
١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار، وفوت الحج
أن الني تر كذلك فعل وقال «تأخذوا عني مناسككم، فمن الروايات الصحيحة الدالة على ذلك ما رواه مسلم فى
صحيحه من حديث جابر الطويل فى حبة التي تَثية، فإنه قد صرح فيه بأنه جمع فى وقوفه بين النهار من بعد الزوال
وبين جزء قليل من الليل مع قوله: لتأخذوا عني مناسككم. ودليل القائلين بأن من اقتصر فى وقوفه بعرفة على جزء
من الليل دون النهار فقد تم حجه: حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور، فإن فيه تصريح التى تَيثي بأن من أدرك
عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه، و((جمع)) هى المزدلفة، وللتها هى اليلة التى صبيحتها يوم النحر،
ودليل من ألزموه دما مع وقوفه بعرفة فى جزء من الليل وهم المالكية: أن النبي ◌َّة لم يكتف بالليل بل وقف معه
جزءا من النهار، فتارك الوقوف بالنهار تارك نسكا، وفى الأثر المروى عن ابن عباس: من ترك نسكا فعليه دم ،
ولكن قوله مَّ فى حديث الديلى «فقد تم حجه)) لا يساعد على لزوم الدم، لأن لفظ التمام يدل على عدم الحاجة
إلى الجبر بدم، فهو يزيد مذهب الجمهور، والعلم عند الله تعالى، ودليل من قال: بأن من اقتصر فى وقوفه بعربة على
النهار دون الليل أن وقوفه صحيح وحجه تام: حديث عروة بن مضرس، فإن فيه ((وقد وقف قبل ذلك بعرفة
ليلا أو نهارا فقد تم حجه، قال المجمد فى المنتقى بعد أن ساق هذا الحديث: رواه الخمسة وصححه الترمذى، وهو حبة
فى أن نهار عرفة كله وقت الوقوف - انتهى. وقد قدمنا إجماع أهل العلم على أن وقت الوقوف ينتهى بطلوع الفجر
ليلة جمع، وإجماعهم على أن ما بعد الزوال من يوم عرفة وقت للوقوف، وأما ما قبل الزوال من يوم عرفة فجمهور
أهل العلم على أنه ليس وقتا للوقوف، وخالف أحمد الجمهور فى ذلك قائلا إن يوم عرفة كله من طلوع فجره إلى غروبه
وقت الوقوف، واحتج لذلك بحديث عروة بن مضرس، فإن فيه «وقد وقف بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه)»
قوله مَث «ليلا أو نهارا)) يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، وقد قدمنا قول الجد فى المنتقى بعد أن ساق هذا
الحديث: وهو حجة فى أن نهار عرفة كله وقت للوقوف، وحجة الجمهور هى أن المراد بالنهار فى حديث عروة
خصوص ما بعد الزوال بدليل أن النبي تربية والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال ولم ينقل عن أحد أنه
وقف قبله، قالوا نعمله تَّث وفعل خلفائه من بعده مبين المراد من قوله ((أو نهارا، والحاصل أن الوقوف بعرفة
ركن من أركان الحج إجماعا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعا، وأن من اقتصر على
الليل دون النهار فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور خلافا المالكية القائلين بلزوم الدم، وأن من اقتصر على النهار
دون الليل لم يصح وقوفه عند المالكية، وعند جمهور العلماء حجه صحيح، منهم الشافعى وأبو حنيفة وعطاء والثورى
وأبو ثور، وهو الصحيح من مذهب أحمد. ولكنهم اختلفوا فى وجوب الدم، فقال أحمد وأبو حنيفة يلزمه دم،
وعن الشافعية قولان: أحدهما لا دم عليه وصححه النووى وغيره، والثانى: عليه دم، قيل وجوبا ، وقيل استنانا ، وقيل
٤٥٧
1
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٣ - باب الإخصار، وفوت الحج
رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، والدارمى. وقال الترمذى: هذا حديث حسن
صحيح
تدبا، والأصح أنه سنة على القول به كما جزم به النووى، وأن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقتا للوقوف عند
جماهير العلماء خلافا لأحمد وقد رأيت أدلة الجميع. قال الشنقيطى: أما من اقتصر فى وقوفه على الليل دون النهار أو
النهار من بعد الزوال دون الليل فأظهر الأقوال فيه دليلا عدم لزوم الدم ، أما المقتصر على الليل فاحديث عبد الرحمن بن
يعمر فإن قوله مزيل فيه «فقد تم حجه» مرتبا ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر نص صريح فى أن المقتصر
على الوقوف لا حجه تام، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم ، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو
السنة، وعلى هذا جمهور أهل العلم خلافا المالكية، وأما المقتصر على النهار دون الليل فاحديث عروة بن مضرس فإن.
فيه أن النبي ◌َّ قال ((وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه، فقوله ((فقد تم حجه، مرتبا له بالفاء على
وقوفه بعرفة ليلا أو نهارا يدل على أن الواقف نهارا يتم حجه بذلك والتعبير بلفظ التمام ظاهر فى عدم لزوم الجبر بالدم
ولم يثبت ققل صريح فى معارضة ظاهر هذا الحديث، وعدم لزوم الدم القتصر على النهار هو الصحيح من مذهب
الشافعى لدلالة هذا الحديث على ذلك كما ترى، وأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال فقد قدمنا أن ظاهر
حديث ابن (مضرس المذكور يدل عليه لأن قوله {فے ((أو نهارا، صادق بأول النهار وآخره كما ذهب إليه أحمد،
ولکن فعل التی یثے وخلفائه من بعده کالتفسير المراد بالتمار فى الحديث المذ کور وأنه بعد الزوال ، وكلاهما له وجه
من النظر ، ولا شك أن عدم الاقتصار على أول النهار أحوط، والعلم عند الله تعالى. وحجة مالك فى أن الوقوف
نهارا لا جزئی إلا إذا وقف معه جزءا من اللیل می أن النی ◌ُێے فعل كذاك وقال تأخذوا عنی مناسككم، فيلزمنا
أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع فى الوقوف بين الليل والنهار، ولا يخفى أن هذا لا ينبغى أن يعارض به الحديث
الصريح فى محل النزاع الذى فيه «وكان قد وقف قبل ذلك بمرة للا أو نهارا فقد تم حمه، كما ترى - انتهى كلام
الشنقعلى مختصرا بقدر الضرورة (رواه الترمذى) إلخ، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٣٠٩، ٣٣٥،٣١٠)
والحيدى (ج ٢: ص ٣٩٩) وأبو داود الطبالسى وابن حبان والحاكم (ج ١: ص ٤٦٤) وقال: حديث صحيح الإسناد
كما فى نصب الراية، وقال الذمى: صحيح. والبزار والبيهقى (ج ٥: ص ١١٦) والدار قطنى (ص ٢٦٤) وابن الجارود
(ص ١٦٥) (وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح) كذا فى جميع نسخ المشكاة، وإنى لم أجد كلام الترمذى هذا
فى جامع الترمذى ولا ذكره الزيلى فى نصب الراية (ج ٣: ص ٩٢) والحافظ فى التلخيص (ص ٢١٦) والمنذرى فى
مختصر السنن (ج ٢: ص ٤٠٨، ٤٠٩) والمناوى فى كشف المناهج وفيض القدير، ولا ذكره المجد فى المنتقى
والشوكانى فى النيل، بل سكتوا كلهم كما سكت عليه أبو داود، فهو حديث صالح قابل للاحتجاج عندهم. وقال النووى.
٤٥٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
(١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى
فى شرح المهذب: حديث عبد الرحمن الديلى صحيح، رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وآخرون بأسانيد
صحيحة ، وقال بعد ذكر رواية الترمذى من طريق سفيان بن عيينة عن سفيان الثورى عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن
ابن يعمر: وإسناد هذه الرواية صحيح، وهو من رواية سفيان بن عيينة عن سفيان الثورى. قال ابن عيينة: ليس عندكم
بالكوة حديث أشرف ولا أحسن من هذا - انتهى كلام النووى. وذكر الترمذى عن سفيان بن عينة أنه
قال: هذا أجود حديث رواه سفيان الثورى. قال السيوطى: أى من حديث أهل الكوفة، وذلك لأن أهل الكوفة
يكثر فيهم التدليس والاختلاف، وهذا الحديث سالم من ذلك، فإن الثورى سمعه من بكير، وسمعه بكير من
عبد الرحمن، وسمعه عبد الرحمن من النبي ◌َّمَ، ولم يختلف روائه فى إسناده، وقام الاجماع على العمل به - انتهى.
ونقل ابن ماجه فى سنته عن شيخه محمد بن يحى: ما أرى الثورى حديثاً أشرف منه.
(باب حرم، مكة) أى حرمة حرمها، وسيأتى ذكر حدوده (حرسها الله تعالى) أى حماها وحفظها من الآفات
الحسية والعامات المعنوية، واعلم أن مكة هى الاسم المشهور تلك البقعة المباركة ولها أسماء أخرى كثيرة وقد عنى
الناس يجمعها منهم العلامة القرى مجد الدين الشيرازى والنووى ، وقد ذكرها النقى الفاسى فى شفاء الغرام مع بيان
معانى بعض الأسماء، وقال الحب الطبرى: سمى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: مكة وبكة والبلد والقرية وأم القرى،
فأما مكة ففى قوله تعالى (يطن مكة - سورة الفتح: الآية ٢٤) وفى تسميتها بهذا الاسم أربعة أقوال أحدها : لأنها
يومها الناس من كل مكان، فكأنها تجذبهم إليها من قول العرب: إمْتك الفصيل ما فى ضرع الناقة إذا لم يق فيه شيئا،
الصافى: لأنها تمك من ظم فيها أى تهلكه، والثالث: لجهد أهلها، من قولهم («تمككت العظم، إذا أخرجت مخه، والتمكك
الاستقصاء، الرابع: لقلة الماء بها، وأما بكة فى قوله تعالى: ﴿الذى يكة - سورة آل عمران: الآية ٩٠) وفى
فسيتها بذلك ثلاثة أقوال، أحدها: لازدحام الناس بها يقال: م فيها يتاكبون أى يزدحمون، قاله ابن عباس.
والتى: لأنها تبك أجاق الجبابرة، أى تحتها، وما تصدما جبار إلا قسمه الله تعالى، والثالث: لأنها تضع من تخرة
المتكبرين وأناقصيها بالبلد فى قوله تعالى: ﴿لا أقسم بهذا اله) قال المفسرون: أراد مكة، والله فى النة
صدرالتر عةوراه تسميتها بالقرية نفى قوله تعالى: (ضرب الله مثلاقوية كانت آمنة مطمئنة - سورة النحل: الآية ١١٣)
الإشارة إلى مكة، فإنها كانت ذات أمن يأمن أهلها أن يناو عليهم، وكانوا أهل طمأنينة لا يحتاجون إلى الاتقال
عنها لخوف أو ضيق، والقرية اسم لما يجمع جماعة كثيرة من الناس . من قولهم قريت الماء فى الحوض، إذا حنته فيه،
وأما تسميتها أم القرى ففى قوله تعالى: ﴿لتنذر أم القرى ومن حولها - سورة الأنعام: الآية ٩٢) بنى مكة، وفى
٤٥٩
مزجاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى
قسميتها بذلك أربعة أقوال، أحدها: أن الأرض دخيت من تحتها ، قاله ابن عباس. وقال ابن قتيبة: لأنها أقدم
الأرض، والثانى: لأنها قبلة يؤمها جميع الأمة، الثالث: لأنها أعظم القرى شأنا، الرابع: لأن فيها بيت الله تعالى،
ولما جرت العادة أن بلد الملك وبيته مقدمان على جميع الأماكن سمى أما لأن الأم متقدمة، قلت وسماها الله أيضا فى
القرآن بالبلد الأمين وبالبلدة وبمعاد بفتح الميم، فأما الأول: نفى موله تعالى: ﴿وهذا البلد الأمين - سورة التين:
الآية ٣) قال ابن عباس: يعنى مكة، وأما الثانى: ففى قوله تعالى: ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة - سورة النمل:
الآية ٩٣) قال الواحدى فى الوسيط: هى مكة، وأما الثالث: ففى قوله تعالى: ﴿إن الذى فرض عليك القرآن
الرادك إلى معاد - القصص: الآية ٨٥) قال ابن عباس: إلى مكة، قال النقى الفاسى بعد ذكر هذه الأسماء الثانية:
فهذه ثمانية أسماء لمكة مأخوذة من القرآن العظيم، ولم يذكر المحب الطبرى من أسمائها المأخوذة من القرآن إلا خمسة
لأنه قال: سمى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: بكة ومكة والبلد والقرية وأم القرى - انتهى، أما حرم مكة فهو ما
أحاطها وأطاف بها من جوانبها ، جعل الله تعالى له حكمها فى الحرمة تشريفا لها، وسمى حرما لتحريم اللّه تعالى فيه
كثيراً مما ليس بمحرم فى غيره من المواضع، وحده من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة ، وقيل أربعة،
وقيل خمسة ، ومن طريق اليمن طرف أضاة لِبْن على ستة أميال من مكة، وقيل سبعة ، ومن طريق الجعرانة على تسعة
أميال - بتقديم المثناة الفوقية على السين - ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال - بتقديم السين
على الباء - وقيل: ثمانية. ومن طريق جدة عشرة أميال. وقال الرافعى: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميال،
ومن العراق على سبعة ، ومن الجعرانة على تسعة ومن الطائف على سبعة ومن جدة على عشرة ، والسبب فى بعد
بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل إن الله تعالى لما أهبط على آدم بيتا من ياقوتة أضاء له ما بين المشرق والمغرب،
فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة ضحفوا بمكة من
كل جانب، ووقفوا مكان الحرم، أى فى موضع أنصاب الحرم يحرسون آدم ، فصار حدود الحرم موضع وقوف
الملائكة، وقيل: إن الخليل عليه السلام لما وضع الحجر الأسود فى الركن حين بنى الكعبة أضاء له نور وصل إلى
أماكن الحدود فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام فبناها الخليل عليه السلام حاجزا ، رواه مجاهد عن ابن عباس،
وعنه أن جبرئيل عليه السلام أرى إبراهيم عليه السلام موضع أنصاب الحرم فنصبها ثم جددها إسماعيل عليه السلام
ثم جددها قصى بن كلاب ثم جددها النبي ◌َّي، فلما ولى عمر رضى الله عنه بعث أربعة من قريش فنصبوا أنصاب الحرم
ثم جددها معاوية رضى الله عنه ثم عبد الملك بن مروان كذا ذكر القسطلانى فى شرح البخارى، ونحوه فى القرى
(ص ٦٠٢) للحب الطبرى، وارجع لمزيد البسط إلى شفاء الغرام (ج ١: ص:٥ إلى ص٦٦) تنبيه: إن علمى الحرم من
٤٦٠