النص المفهرس

صفحات 401-420

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
وقال الولى العراقى: نص فى الحديث على المحرم لكونه جوابا للسؤال عنه، ويعلم حكم الحلال من طريق أولى فإنه
لم يقم به مانع من ذلك. فإذا أبيح مع قيام المانع فمع فقده أولى. قال: واقتصر فى حديث ابن عمر على نفى الجناح
وهو الإثم عن قتل هذه المذكورات وليس فى ذلك ترجيح فعل قتلها على تركه، وفى حديث عائشة (عند مسلم) الأمر ،
وهو يدل على ترجيح قتلها على تركه، وهو محتمل للوجوب والندب بناء على أن المندوب مأمور به وهو المرجح فى
الأصول ومذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية استحباب قتل المؤذيات وهى الخمس المذكورة وما فى معناها، وتمسكوا
بالأمر به فى هذا الحديث ، وفيه زيادة على نفى الجناح الذى فى حديث ابن عمر. وقال الحافظ: ليس فى نفى الجناح وكذا
الحرج فى طريق سالم دلالة على أرجحية الفعل على الترك لكن ورد فى طريق زيد بن جبير عند مسلم بلفظ ((أمر) وكذا
فى طريق معمر (عند مسلم وعبد الرزاق) ولأبى عوانة من طريق ابن نمير عن هشام عن أبيه بلفظ «ليقتل المحرم)) وظاهر
الأمر الوجوب، ويحتمل الندب والإباحة. قال: ويؤيد الاباحة رواية الليث عن نافع عن ابن عمر عند النسائى
بلفظ ((أذن)) وفى حديث أبى هريرة عند أبي داود وغيره (خمس قلهن حلال للحرم، ثم إنه وقع التقيد بالخمس فى
حديث عائشة أيضا كما سيأتى، قال الحافظ: التقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم
عدد وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره يحتمل أن يكون قاله مو ئيل أولا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس
يشترك معها فى الحكم فقد ورد فى بعض طرق حديث عائشة بلفظ ((أربع)) وفى بعض طرقها بلفظ ((ست)) فأما طريق
(أربع)، فأخرجها مسلم عن طريق القاسم عنها فأسقط العقرب وأما طريق ((ست)) فأخرجها أبو عوانة فى المستخرج من
طريق المحاربى عن هشام عن أبيه عنها، فأثبت الخمس وزاد «الحية)) ويشهد لها طريق شيبان عن أبى عوانة عند مسلم وإن
كانت خالية عن العدد ، ولفظها «سأل رجل ابن عمر ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم فقال: حدثنى إحدى
نسوة النبى مَّ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفارة والعقرب والحدأة والغراب والحية، قال: وفى الصلاة أيضا.
فلم يقل فى أوله خمسا وزاد الحية وزاد فى آخره ذكر الصلاة لينبه بذلك على جواز قتل المذكورات فى جميع الأحوال،
وقد وقع فى حديث أبى سعيد عند أبى داود نحو رواية شيان وزاد السبع العادى فصارت سبعا ، وفى حديث أبى هريرة
عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة فتصير بهذا الاعتبار تسعا، لكن أفاد ابن
خزيمة عن الذهنى أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوى للكلب العقور، ووقع ذكر الذئب فى حديث مرسل أخرج
ابن أبى شيبة وسعيد بن منصور (وعبد الرزاق والبيهقى) وأبو داود من طريق سعيد بن المسيب عن النبي مُؤثّم قال: يقتل
المحرم الحية والذئب ورجاله ثقات، وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة عن وبرة عن ابن عمر قال ((أمر رسول
اللّه ◌َثّ بقتل الذئب للحرم)، وحجاج ضعيف وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفا، أخرجه ابن أبى شيبة ، فهذا جميع
٤٠١

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
الفأرة والغراب
ما وقفت عليه فى الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة ولا يخلو شئى من ذلك من مقال - انتهى. قال بعض
الحنفية: مرسل سعيد بن المسيب يكفى الاحتجاج فإن مراسيله مقبولة، قال: فهذا المرسل فى قوة المسند عندنا، وقد
تأيد بحديث الحجاج بن أرطاة ، وبما أخرجه الطحاوى بإسناده عن أبى هريرة عن النبي تزيثم بلفظ ((والحية والذئب
والكلب العقور، قال الشيخ عابد السندى فى شرح مسند أبي حنيفة فإلحاق الذئب بالخمس إنما هو إلحاق بالنص كالجاق
الحية، فعم من لا معرفة له بالأدلة من الحنفية ألحقه من حيث المعنى، والجامع الابتداء بالأذى - انتهى (الفأرة) بهمزة
ساكنة، ويجوز فيها التسهيل أى تخفيفها ألفا وجمعها «فار» قال القارى: الفأرة بالهمزة ويبدل أى الوحشية والأهلية - انتهى.
وبالأمر بقتلها قال الجمهور من السلف والخلف إلا إبراهيم النخعى فإنه منع المحرم من قتلها حكاه عنه الساجی وابن المنذر
وغيرهما، وزاد الساجى: وأراه قال: فإن قتلها ففيها فدية. قال ابن المنذر: وهذا لا معنى له لأنه خلاف السنة
وقول أهل العلم . وقال الخطابي: هذا مخالف للنص خارج عن أقاويل أهل العلم، وعند المالكية خلاف فى قتل ما انتهى
صغره منها إلى حد لا يمكن منه الأذى وليس هذا الخلاف عند غيرهم كذا فى شرح التقريب، وقال الحافظ : لم يختلف
العلماء فى جواز قتل الفأرة للحرم إلا ما حكى عن إبراهيم النخعى فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر
وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم. وروى البيهتی باسناد صحيح عن حماد بن زيد قال لما ذكروا له هذا
القول «ما كان بالكوفة أفحش ردا للآثار من إبراهيم النخعى لقلة ما سمع منها ولا أحسن اتباعا لها من الشعبي لكثرة
ما سمع، ونقل ابن شاس عن المالكية خلافا فى جواز قتل الصغير منها الذى لا يتمكن من الأذى ، والفار أنواع ، منها
الجرذ، بالجيم بوزن عمر، والخلد بضم المعجمة وسكون اللام ، وفأرة الايل، وفارة المسك، وفارة الغيط وحكمها فى
تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وقد أطلق الفويسقة عليها فى حديث جابر عند البخارى فى الأدب، وذكر سبب
تسميتها بذلك فى حديث أبى سعيد عند ابن ماجه، قيل له: لم قيل للفأرة الفويسقة؟ فقال: لأن النبي ◌ُّ استيقظ
وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت ، وقيل إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح (والغراب) أى الأبقع كما فى
الرواية الآتية، قال الحافظ: زاد فى رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم ((الأبقع)) وهو الذى فى ظهره أو
بطنه بياض. وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره وقد اختاره ابن خزيمة وهو قضية
حمل المطلق على المقيد، قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه فى الايذاء وتحريم الأكل، وقد اتفق العلماء على إخراج
الغراب الصغير الذى يأكل الحب من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له «الزاغ، وأفتوا بجواز أكله فبقى ما
عداه من الغربان ملتحقا بالأبقع. ومنها الغداف على الصحيح فى الروضة بخلاف تصحيح الرافعى ، وسمى ابن قدامة
٤٠٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
والحدأة والعقرب
الغداف ((غراب البين» والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل: سمى غراب البين لأنه بان عن نوح لما أرسله من
السفينة ليكشف خبر الأرض فلقى جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح ، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به ، فكانوا
إذا نعب مرتين قالوا: آذن بشر، وإذا نعب ثلاثا قالوا: آذن بخير فأبطل الاسلام ذلك. وقال صاحب الهداية:
المراد بالغراب فى الحديث الغداف والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا، وكذا استثناه ابن قدامة ،
وما أظن فيه خلافا ، وعليه يحمل ما جاءفی حدیث أبی سعید إن صح حیث قال فيه : ويرمى الغراب ولا يقتله ، وروى
ابن المنذر وغيره عن على ومجاهد، وعند المالكية اختلاف آخر فى الغراب والحدأة هل يتقيد جواز قتلهما بأن يتدها
بالأذى، وهل يختض ذلك بكبارها والمشهور عنهم كما قال ابن شاس: لا فرق وفاقا للجمهور، ومن أنواع
الغربان الأعصم وهو الذى فى رجليه أو فى جناحيه أو بطنه ياض أو حمرة، وحكمه حكم الأبقع ، ومنها المقعق وهو
قدر الحمامة على شكل الغراب ، قيل سمى بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، والعرب تتشائم به أيضا، وحكمه
حكم الأبقع على الصحيح، وقيل حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به - انتهى كلام الحافظ
باختصار. وقال الولى العراقى: إن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنه يستثنى من الأمر بقتل الغراب غراب الزرع
خاصة، فإما أن يكونوا اعتمدوا التقيد الذى فى حديث عائشة بالأبقع وألحقوا به ما فى معناه فى الأذى وأكل الجيف وهو
الغداف، وإما أن يكونوا أخذوا بالروايات المطلقة وجعلوا التقيد بالأبقع لغلته لا لاختصاص الحكم به، وأخرجوا
عن ذلك غراب الزرع وهو الزاغ لحل أكله، فهو مستثنى بدليل منفصل (والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين
وبعد الدال همزة بغير مد، وحكى صاحب الحكم المد فيه ندورا بزيادة الهاء فيه للوحدة وليست للتأنيث بل هى كالهاء فى
التمرة، وحكى الأزهرى فيها حدوة بواو بدل الهمزة، وجمع الحدأة حداً بكسر الحاء والقصر والهمز كعنبة وعنب،
ووقع فى حديث عائشة الآتى بلفظ ((الحديا)) بضم الحاء وفتح الدال وتشديد التحتانية مقصور تصغير الحدأة، وقال
القارى: ((الحدي) تصغير حد، لغة فى الحدا أو تصغير حدأة، قلبت الهمزة بعد ياء التصغير ياء وأدغم ياء التصغير فيه
فصار حدية ثم حذفت التاء وعوض عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضا. وقال الحافظ: قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه
الهمزة وكأنه سهل ثم أدغم، وقيل: هى لغة حجازية وغيرهم يقولون حدية، ومن خواص الحدأة أنها تقف فى الطيران
ويقال إنها لا تخطف إلا من يمين من تختطف منه دون شماله (والعقرب) يطلق على الذكر والأنثى سواء وجمعه
العقارب، وقد يقال للأنثى عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، وليس منها العقربان بل هى دوبة طويلة كثيرة القوائم،
قاله صاحب المحكم ، ويقال: إن عينها فى ظهرها وأنها لا تضرميتا ولا نائما حتى يتحرك، ويقال لدغته العقرب بالغين
٤٠٣٠

مرعاة المفامح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
والكلب العقور .
المعجمة ولسعته بالمهملتين ، وقد تقدم اختلاف الرواة فى ذكر الحية بدلها ومن جمعهما. قال الحافظ: والذى يظهر لى
أنه مَّ نبه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار، وبين حكمهما معا حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا
فى جواز قتل العقرب. وقال نافع: لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها، وفى رواية «ومن يشك فيها، وقعقبه
ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبى شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم بن عتية وحماد بن أبي سليمان فقالا: لا يقتل المحرم
الحية ولا العقرب ، وقال: ومن حجتهما أن هذين من هوام الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك فى سائر الهوام .
قال: وهذا اعتلال لا معنى له، لأن رسول اللّه مُؤثّم قد أباح للحرم قتلهما، نعم عند المالكية خلاف فى قتل صغير الحية
والعقرب التى لا تتمكن من الأذى (والكلب العقور) قال الحافظ: الكلب معروف والأثى كلبة. واختلف العلماء فى .
المراد به ههنا وهل لوصفه بكونه عقورا مفهوم أو لا. فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبى هريرة قال:
الكلب العقور الأسد، وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأى كلب أعقر من الحية؟
وقال زفر: المراد بالعقور هنا الذئب خاصة. وقال مالك فى الموطأ: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأعافهم
مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة:
المراد بالكلب هنا الكلب المتعارف خاصة ولا يلتحق به فى هذا الحكم سوى الذئب. واحتج للجمهور بقوله مزيج
اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فقتله الأسد. وهو حديث حسن أخرجه الحاكم - انتهى. قال الشوكانى بعد ذكره: غاية
ما فى ذلك جواز الاطلاق لا أن اسم الكلب هنا متناول لكل ما يجوز إطلاقه عليه وهو محل النزاع فإن قيل: اللام فى
الكلب تفيد العموم. قلنا بعد تسليم ذلك: لا يتم إلا إذا كان إطلاق الكلب على كل واحد منها حقيقة وهو منوع،
والسند أنه لا يتبادر عند إطلاق لفظ الكلب إلا الحيوان المعروف، والتبادر علامة الحقيقة وعدمه علامة المجاز، والجمع
بين الحقيقة والمجاز لا يجوز، فعم إلحاق ما عقر من السباع بالكلب العقور بجامع العقر صحيح، وأما أنه داخل تحت
لفظ الكلب فلا - انتهى. وقال النووى: اتفق العلماء على جواز قتل الكلب العقور الحرم والحلال فى الحل والحرم
واختلفوا فى المراد به، فقيل: هذا الكلب المعروف خاصة حكاه القاضى عن الأوزاعى وأبى حنيفة والحسن بن صالح
وألحقوا به الذئب. وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وقال الجمهور ليس المراد تخصيص هذا الكلب بل المراد
کل عاد مفترس کالسبع والنمر، وهذا قول الثورى والشافعى وأحمد وغيرهم، ومعنى العاقر الجارح ـ اتهى، قال
الحافظ: واختلف العلماء فى غير العقور ما لم يؤسر باقتنائه فصرح بتحريم قتله القاضيان: حسين والماوردى وغيرهما،
ووقع فى الأم الشافعى الجواز، واختلف كلام النووى فقال فى البيع من شرح المهذب: لا خلاف بين أصحابنا فى أنه
٤٠٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
محترم لا يجوز قتله ، وقال فى التيمم والغصب: أنه غير محترم، وقال فى الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف
شديد وعلى كرامة قتله اقتصر الرافعى وتبعه فى الروضة وزاد أنها كرامة تنزيه، وقال الولى العراقى: سواء حمل الكلب
على مدلوله المعروف أو على كل سبع مفترس فتقييده بالعقور يخرج غيره ويقتضى أن غير العقور من الكلاب محترم
لا يجوز قتله، وبه صرح الراضعی فی کتاب الأطعمة والنووی فی البیع فى شرح المهذب ، وزاد أنه لا خلاف فيه بین
أصحابنا، وقال الرافعى فى الحج: إن قتله مكروه، وقال النووى: هناك مراده كراهة تنزيه، وذكر الرافعى فى الغصب
أنه غير محترم، وكذا ذكر النووى فى التيمم، وهذه مواضع مختلفة، وقال شيخنا الأسنوى فى المهمات: جزم بالتحريم
القاضى الحسین والماوردی وإمام الحرمین ، ومذهب الشافعی جواز قتله ، صرح به فى الأم فى باب الخلاف فى ثمن
الكلب - انتهى. ومن يقول بجواز قتل غير العقور يجيب عن هذا التقييد بأنه للاستحباب وغير العقور يجوز قتله ولا
يستحب، والله أعلم، ثم إنه قال الحافظ: وذهب الجمهور كما تقدم إلى إلحاق غير الخمس بها فى هذا الحكم إلا أنهم
اختلفوا فى المعنى فى ذلك فقيل لكونها مؤذية فيجوز قتل كل مؤذ، وهذا قضية مذهب مالك. وقيل لكونها مما
لا يؤكل، فعلى هذا كل ما يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه، وهذا قضية مذهب الشافعى، وقد قسم هو وأصحابه الحيوان
بالنسبة للحرم إلى ثلاثة أقسام: قسم يستحب كالخمس وما فى معناها مما يؤذى ، وقسم يجوز كسائر ما لا يؤكل لحمه،
وهو قسمان: ما يحصل منه نفع وضرر فيياح لما فيه من منفعة الاصطياد ولا يكره لما فيه من العدوان ، وقسم ليس فيه
قفع ولا ضرر فيكره قتله ولا يحرم، والقسم الثالث ما أبيح أكله أو نهى عن قتله ولا يجوز ففيه الجزاء إذا قتله
المحرم، وخالف الحنفية فاقتصروا على الخمس إلا أنهم ألحقوا بها الحية لثبوت الخبر والذئب لمشاركته للكلب فى
الكلية ، وألحقوا بذلك ما ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها. وتعقب بظهور المعنى فى الخمس وهو الأذى الطبيعى
والعدوان المركب، والمعنى إذا ظهر فى المنصوص عليه تعدى الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى كما وافقوا عليه فى
مسائل الربا، قال ابن دقيق العيد: والتعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ قوى بالإضافة إلى تصرف أهل القياس فإنه
ظاهر من جهة الايماء بالتعليل بالفسق وهو الخروج عن الحد، وأما التعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال لما دل عليه إيماء
النص من التعليل بالفسق ، لأن مقتضى العلة أن يتقيد الحكم بها وجودا وعدما ، فإن لم يتقيد وثبت الحكم عند عدمها
بطل تأثيرها بخصوصها وهو خلاف ما دل عليه ظاهر النص من التعليل بها - انتهى. وقال غيره: مر راجع إلى
تفسير الفسق، فمن فسره بأنه الخروج عن بقية الحيوان بالأذى علل به، ومن قال بجواز القتل وتحريم الأكل علل
به، وقال من علل بالأذى: أنواع الأذى مختلفة، وكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها فى الأذى باللسع ونحوه من
ذوات السموم كالحية والزنبور والبرغوث، وبالفارة على ما يشاركها فى الأذى بالنقب والقرض كابن العرس،
٤٠٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
متفق عليه .
٢٧٢٤ - (٤) وعن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: خمس فواسق يقتلن
وبالغراب والحدأة على ما يشاركهما بالاختطاف كالصقر والبازى ، وبالكلب العقور على ما يشاركه فى الأذى بالعدوان
والعقر والافتراس بطبعه كالأسد والنمر والفهد. وقال من علل بتحريم الأكل وجواز القتل: إنما اقتصر على الخمس لكثرة
ملابستها للناس بحيث يعم أذاها ، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم على ما عرف فى الأصول. قلت:
وفى مذهب الحنفية فى السباع وفى قتل غير العقور روايتان كما يظهر من فروعهم من شاء الوقوف على ذلك رجع إلى
الهداية والدر المختار وشرح اللباب وفتح القدير والبدائع ، هذا وقد أطنب الولى العراق على عادته فى شرح حديث
ابن عمر وعائشة فى طرح التثريب (ج ٥: ص ٥٦ - ٧٢) وأجمل المحب الطبرى فى القرى (ص ٢١٦،٢١٥) فأحسن
فراجعهما إن شئت (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى بدء الخلق ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢:
ص ٣، ٣٢،٨، ٣٧، ٣٨، ٥٤، ٦٥، ٧٧، ٨٢، ١٣٨) ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه وعبد الرزاق
(ج ٤: ص ٤٤٢) والطحاوى والدارمى وابن الجارود (ص ١٥٥) والبيهقى (ج ٥: ص ٢١٠،٢٠٩) وغيرهم.
٢٧٢٤ - قوله (خمس) بالتنوين مبتدأ، وقوله (فواسق) صفته وهو غير منصرف والخبر قوله (يقتلن) قال
الطبي: وروى بلا تنوين مضافا إلى فواسق ، قال التور بشتى: والصحيح هو الأول ، ويدل عليه رواية البخارى فى أحد
طرقه (خمس من الدوائي كلين فاسق، أى كل واحدة أو واحد منها فاسق، وهو جمع فاسقة، وأراد بفسقهن خبثهن
وكثرة الضرر فيهن - آنهىٌّ. وقال النووى: هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين وأشار
إلى ترجيح الثانى فإنه قال: رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها غيرها فى الحكم من طريق المفهوم ، ورواية
التنوين تقتضى وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفا
وهو الفسق فيدخل فيه كل فاسق من الدواب، ويؤيده رواية البخارى من طريق يونس من الزهرى عن عروة عن عائشة
بلفظ ((خمس من الدواب كلهن فاسق)، وفى رواية مسلم (كلها فواسق)) قال الحافظ: قال النووى وغيره: تسمية هذه
الخهش فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن
قشرها، وقوله تعالى: ﴿ففسق عن أمر ربه - سورة الكهف: الآية ٤٨) أى خرج، وسمى الرجل فاسقا لخروجه
عن طاعة ربه فهو خروج مخصوص، وزعم ابن الأعرابى أنه لا يعرف فى كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق يعنى بالمعنى
الشرعى، وأما المعنى فى وصف الدواب المذكورة بالفسق فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان فى تحريم قتله،
وقيل فى حل أكله لقوله تعالى: {أو فسقا أهل لغير الله به - سورة الأنعام: الآية ١٤٦) وقوله: ﴿ولا تأكلوا مما
لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق - سورة الأنعام: الآية ١٢١) وقيل لخروجها عن حكم غيرها بالايذاء والافساد
٤٠٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب امامك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
فى الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا. متفق عليه.
( الفصل الثانى )
٢٧٢٥ - (٥) عن جابر، أن رسول اللّه وَيل قال: لحم الصيد لكم فى الاحرام حلال
وعدم الانتفاع، ومن ثم اختلف أهل الفتوى، فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال فى الحرم وفى الحل،
ومن قال بالثانى ألحق ما لا يؤكل إلا ما نهى عن قتله، وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث يخص الالحاق بما
يحمل منه الإفساد، ووقع فى حديث أبى سعيد عند ابن ماجه (قيل له لم قيل للفارة فويسقة؟ فقل: لأن النبي ◌َّ لَه
استيقظ وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت، فهذا يؤمى إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فعل الفساق
وهو يرجح القول الأخير، والله أعلم (فى الحل والحرم) أى حلالا كان أو محرما (الحية) بأنواعها وفى معناها العقرب،
(والغراب الأبقع) أى الذى فيه سواد وبياض (والكلب العقور) قال الحافظ: فى الكلب بهيمية وسبعية كانه مركب،
وفيه منافع الحراسة والصيد، وفيه من اقتفاء الأثر وشم الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما ليس لغيره
وقيل : إن أول من اتخذه للحراسة نوح عليه السلام (والحديا) بصيغة التصغير. قال التوربشتى: إنما خص هذه الخمس
من الدواب المؤذية والضارية وذوات السموم لما اطلعه الله تعالى عليه من مفاسدها أو لأنها أقرب ضررا إلى الإنسان
وأسرع فى الفساد، وذلك بغير تمكن الإنسان من دفعها والاحتراز عنها ، فإن منها ما يطير فلا يدرك ومنها ما يختبئى
فى نفق من الأرض كالمتهز الفرصة، فإذا أمكن من الصرر يبادر إليه، وإذا أحس بطلب استكن، ومنها ما لا يمتنع
بالكف والزجر بل يصول صولة العدو المباسل، وقد يصيب المعرض عنه بالمكروه كما يصيب المتعرض له ، ثم إنه
يتمكن من الهجوم على الإنسان لمخالطته بهم ولا كذلك السباع العادية فإنها منفرة عن العمرانات فى أما كنها يتخذ
الإنسان منها حذره - انتهى. واستدل بالحديث على جواز قتل من لجأ إلى الحرم من وجب عليه القتل، لأن
إباحة قتل هذه الأشياء معلل بالفسق، والقاتل فاسق فيقتل، بل هو أولى لأن فسق المذكورات طبيعى والمكلف إذا
اوتكب الفسق ماتك لحرمة نفسه فهو أولى بإقامة مقتضى الفق عليه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه بحث قال للنزاع،
وسيأتى بسط القول فيه فى ((باب حرم مكة) إن شاء اللّه (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى بدء الخلقى ومسلم
فى الحج وأخرجه أيضا أحمد مرارا والنسائى والترمذى وابن ماجه والدارمى وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٤٢)
والبيهقى (ج ٥ : ص ٢٠٩).
٢٧٢٥ - قوله (لحم الصيد لكم فى الإحرام حلال) يعنى لحم صيد ذبحه حلال من غير دلالة الحرم وإعانته
وإشارته وأمره حلال لكم، وقوله ((لحم الصيد لكم فى الاجرام حلال، كذا فى جميع نسخ المشكاة والمصابح، وهكذا
٤٠٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
ما لم تصيدوه أو يصاد لكم.
رواه الشافعى فى الأم (ج ٢، ص ١٧٦) ولفظ أبى داود والنسائى وابن حبان كما فى الموارد (ص ٢٤٣) والبيهقى
(ج ): ص١٩٠) «صيد البر (أى مصيده) لكم حلال، وزاد أحمد (ج ٣: ص ٣٦٢) وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٣٤)
والترمذى والدار قطنى (ص ٢٨٥) ((وأنتم حرم)» (بضمتين جمع حرام بمعنى المحرم كردح جمع رداح ويقال رجل حرام
وامرأة حرام) وفى رواية الحاكم (ج ١: ص ٣٥٢) وابن الجارود (ص ١٥٤) ((لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم))
وكذا وقع فى رواية للبيهقي (ج ٥: ص ١٩٠) (ما لم تصيدوه) أى بأنفسكم مباشرة (أو يصاد لكم) أى لأجلكم، وقوله
•يصاد، كذا بالألف عند أبى داود والنسائى والدار قطنى وابن حبان والبيهقى والطحاوى، ووقع عند أحمد (ج ٣: ص ٣٦٢)
والترمذى وابن الجارود والشافعى (أو يصد لكم، أى مجزوما بدون الألف، وهكذا وقع فى رواية للحاكم كما قال الحافظ
فى التلخيص (ص ٢٢٥) وهكذا وقع عند أحمد (ج ٣: ص ٣٨٧) ويؤيد ذلك ما وقع عنده أيضا (ج ٣: ص ٣٨٩)
بلفظ ((لحم الصيد حلال للحرم ما لم يصده أو يصد له)) ورواه عبد الرزاق بلفظ ((إلا ما اصطدتم أو اصطيد لكم، ورواية
الجزم أى بدون الألف ظاهرة لا إشكال فيها فإنها جارية على قوانين العربية، لأن قوله ((أو يصد)) معطوف على
المجزوم ، وأما رواية الألف فقيل هى جارية على لغة منها قول الشاعر:
ألم يأتيك والأخبار تنمى
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يتقى ويصبر - سورة يوسف: الآية ٩٠﴾ باثبات الياء ولا يخفى ما فيه، وقال السندى الوجه
قصب ((يصاد)) على أن ((أو)) بمعنى ((إلا أن)) فلا إشكال - انتهى. وقال القارى: قال بعض علمائنا بالنصب بإضمار أن
و أو بمعنى إلا يعنى لحم صيد ذبحه حلال من غير دلالة المحرم وإعانته حلال لكم إلا أن يصاد لأجلكم وبهذا يستدل
مالك والشافعى على حرمة لحم ما صاده الحلال لأجل المحرم ، قلت: ما ذهب مالك والشافعى هو مذهب جمهور العلماء
كما قدمنا فى أول الباب ، واحتج لهم بحديث جابر: فما صاده الحلال لأجل المحرم حرم على المحرم وما لم يصده لأجله
حل له، وقد صح هذا التفصيل عن عثمان بن عفان ، وأراد هؤلاء بهذا التفصيل الجمع بين الأحاديث المطلقة فى التحريم أو
الجواز لأن كلها صحيح لا يمكن رده، وبالجمع المذكور تجتمع الأدلة وإعمالها أحسن من إهمال بعضها مع صحتها وهو
جمع مستقيم ليس فيه تكلف أو تعسف. قال الشنقيطى: أظهر الأقوال وأظهرها دليلا هو القول المفصل بين ما صيد
لأجل المحرم فلا يحل له وبين ما صاده الحلال لا لأجل المحرم، فإنه يحل له، والدليل على هذا أمران: الأول أن
الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ولا طريق الجمع إلا هذه الطريق
ومن عدل عنها لابد أن يلغى نصوصا صريحة. الثانى حديث جابر الذى نحن فى شرحه، قلت: وهو صريح فى الفرق
٤٠٨
١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
والجمع المذكور، وظاهر فى الدلالة لمذهب الجمهور. قال الشوكانى: هذا الحديث صريح فى التفرقة بين أن يصيده
المحرم أو يصيده غيره له، وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم ومقيد لبقية الأحاديث
المطلقة كحديث الصعب وطلحة وأبى قنادة ومخصص لعموم الآية المتقدمة يعنى أنه يحمل ما جاء مطلقا فى بعض طرق
حديث أبى قنادة ونحوه على أنه لم يقصدهم باصطياده، ويحمل حديث الصعب وما وافقه على أنه قصدهم باصطياده لأنه
كان عالما بأنه مَّ يمر به فصاده لأجله، وتحمل الآية الكريمة على الاصطياد وعلى لحم ما صيد للحرم للأحاديث
المبينة المراد من الآية، ويؤيد ذلك حديث أبى قنادة عند أحمد وابن ماجه وعبد الرزاق والدار قطنى والبيهقى وابن
خزيمة وفيه (وذكرت أنى لم أكن أحرمت وإنى إنما اصطدته لك، فأمر النبى ميثم أصحابه، فأكلوا ولم يأكل منه حين
أخبرته أنى اصطدته له)، وقد تقدم الكلام عليه. هذا وأجاب الخفية عن حديث جابر بثلاثة أوجه: أحدها تأويله
بحيث لا يخالف مذههم بل يوافقه، والثانى الكلام فى سنده وإعلاله ، والثالث ترجيح حديث أبي قتادة وتقديمه على
حديث جابر ، أما التاويل فبوجوه وكلها مخدوشة باطلة لا يخفى بطلانها على المنصف فمنها ما قال صاحب الهداية
والطحاوى أن معناه أن يصاد لكم بأمركم، وهذا لأن الغالب فى عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب منه، ومنها ما
قاله صاحب الهداية أيضا أن اللام فى أو يصاد لكم للك، والمعنى أن يصاد ويجعل له فيكون تمليك عين الصيد من المحرم
وهو يمتنع أن يتملكه فيأكل من لحمه، وقال القارى: وأبو حنيفة رحمه اللّه يحمله على أن يهدى إليكم الصيد دون اللحم
انتهى. ويبطل هذا التأويل رواية الحديث بلفظ ((لحم الصيد لكم حلال)، إلخ. ومنها ما قيل: إن «لكم، بمعنى «إعاتكم،
أو ((إشارتكم، قال النورى بعد ذكره: هذا تأويل محض لا يطمئن بمثله القلب. قلت: وهو نحو ما تقدم من تأويل
صاحب الهداية والطحاوى. ومنها ما قيل: إن اللام ليس فى معنی (لأجلكم، بل هى لتو کیل کما فى قوله بعت له ثوبا،
واشتريت له لحما، وإذا احتمل كلا الوجهين لم يبق حجة فى الحمل على الوجه الأول، وفيه أن الوجه الأول هو
المتعين أعنى أن اللام فى «لكم)، بمعنى لأجلكم لا للتوكيل يدل عليه رواية أبي قتادة عند أحمد وابن ماجه وغيرهما بلفظ
((ولم يأكل منه حين أخبرته أنى اصطدته له)) ويدل عليه أيضا قول عثمان رضى الله عنه حين أبى من أكل لحم الصيد
«إنى لست كهيئتكم، إنما صيد لأجلى، ومنها ما قال بعضهم إن غرض الحديث كما قاله الجمهور، ولكن ليس الغرض
المنع والحرمة وإنما الغرض الكرامة فقط ، والنهى من قبيل سد الذرائع كما أنه عليه الصلاة والسلام أخذ صيد
أبى قنادة بيانا للجواز ولم يأخذ صيد صعب بن جثامة لسد الذرائع، وفيه أن حمله على الكرامة فقط بعيد جدا لأنه
خلاف الظاهر ویبطله أيضا رواية أبي قتادة عند أحمد وابن ماجه والحكم عليها بالوهم من غیر دلیل یس مما يلتفت إليه،
وأما الجواب عن حديث جابر بالكلام فى سنده فهو أن فى إستاد هذا الحديث عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب بن
٤٠٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
عبد الله بن حنطب عن مولاه المطلب عن جابر بن عبد الله، وعمرو مختلف فيه، فقال الدورى عن ابن معين: فى حديثه
ضعف ، ليس بالقوى ، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف، وقال النسائى: ليس بالقوى وقد اضطرب هو فى
هذا الحديث فقال أكثر أصحابه عنه عن المطلب بن عبد الله عن جابر بن عبد الله، وقال الدراوردى عنه عن
رجل من بنى سلمة عن جابر ، وهو عند الشافعى والدارقطنى والبيهقى والحاكم، وقال يوسف بن خالد السمتى عنه عن
المطلب بن عبد الله عن أبى موسى الأشعرى، وهو عند الطبرانى فى الكبير وابن عدى فى الكامل، ووافقه إبراهيم بن
سويد عن عمرو عند الطحاوى، والمطلب بن عبد الله قال فيه ابن سعد اس يحتج بحديثه لأنه يرسل كثيرا وليس له لقى
وعامة أصحابه يدلسون. وقال الحافظ فى التقريب: المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، صدوق كثير التدليس
والإرسال، وقال الترمذى: لا يعرف له سماع عن جابر، وقال فى موضع آخر: قال محمد يعنى البخارى: لا أعرف له
سماعا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثنى من شهد خطبة رسول اللّه مَّقة، وقال ابن أبى حاتم فى المراسيل عن أبيه لم
يسمع من جابر، وعلى هذا فالحديث مرسل، قال ابن التركمانى: هذا الحديث معلول، عمرو بن أبي عمرو مع
اضطرابه فى هذا الحديث متكلم فيه، قال ابن معين وأبو داود: ليس بالقوى. زاد يحى: وكان مالك يستضعفه ، وقال
السعدى: مضطرب الحديث، والمطلب قال فيه ابن سعد: ليس يحتج بحديثه لأنه يرسل عن النبي مؤقّة كثيرا وعامة
أصحابه يدلسون، ثم الحديث مرسل أى منقطع، قال الترمذى: المطلب لا يعرف له سماع من جابر ، فظهر بهذا أن
الحديث فيه أربع علل: إحداها الكلام فى المطلب، ثانيتها أنه ولو كان ثقة فلا سماع له من جابر فالحديث مرسل، ثالثتها
الكلام فى عمرو، ورابعتها أنه ولو كان ثقة فقد اختلف عليه فيه كما مر، وقد أخرجه الطحاوى من وجه آخر عن المطلب
عن أبى موسى، وقال ابن حزم فى المحلى: هو خبر ساقط ـ انتهى. وأجيب أن هذا كله ليس فيه ما يقتضى ضعف
هذا الحديث ورده ، لأن عمرو المذكور ثقة وهو من رجال البخارى ومسلم ، ومن روى عنه مالك بن أنس وكل ذلك
يدل على أنه ثقة ، وقال الحافظ فى التقريب: ثقة ربما وهم. وقال فيه النووى فى شرح المهذب: أما تضعيف عمرو بن
أبي عمرو فغير ثابت لأن البخارى ومسلما رويا له فى صحيحيهما واحتجا به وهما القدوة فى هذا الباب، وقد احتج به
مالك وروى عنه وهو القدوة وقد عرف من عادته أنه لا یروی فی کتابه إلا عن ثقة، وقال أحمد بن حنبل فيه : ليس
به بأس، وقال أبو زرعة: هو ثقة ، وقال أبو حاتم: لا بأس به ، وقال ابن عدى: لا بأس به، لأن مالكا روى عنه ولا
يروى مالك إلا عن صدوق ثقة، قلت: وقد عرف أن الجرح لا يقبل ولا يثبت إلا مفسرا ، ولم يفسره ابن معين
والنسائى بما يثبت تضعيف عمرو المذكور، وقال الشيخ ولى الدين: قد تبع النسائى على هذا ابن حزم وسبقهما إلى
تضعيفه يحى بن معين وغيره، لكن وثقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدى وغيرهم ، وأخرج له الشيخان فى
٤١٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
صحیحیهما و کفی بهما فر جب قبول خبره وقد سکت عنه أبو داود على خبره فهو عنده حسن أو صحیح کذا ذكر
السندى. قلت: وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين، وقرره الذهبى، وقال الشافعى: هذا أحسن حديث
روى فى هذا الباب وأقيس، وأما إعلال الحديث بأن عمروا اضطرب فى هذا الحديث وأنه اختلف عليه فيه فالجواب
أن الاضطراب والاختلاف إنما يضر إذا تساوت الطرق ولم يترجح واحد منها بوجه من وجوه الترجيح كما تقرر فى
موضعه، وأما إذا ترجح واحد منها فيقدم هو على غيره فإنه لا يعل الراجح بالمرجوح ، وههنا رواية من روى عن
عمرو عن المطلب عن جابر أرجح من رواية من روى عن عمرو عن رجل عن جابر لكثرة من روى بعدم ذكر
الواسطة ، ولذا قال الحاكم بعد روايته من طريق يعقوب بن عبد الرحمن ويحى بن عبد الله بن سالم عن عمرو عن المطلب
عن جابر: وهكذا رواه مالك بن أنس وسلمان بن بلال ويحى بن عبد الله بن سالم عن عمرو بن أبى عمرو متصلا
مسندا، ثم أخرج أحاديثهم ثم أخرجه من طريق الشافعى، أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن عمرو بن
أبي عمرو عن رجل من بنى سلمة عن جابر ، قال الحاكم: وهذا لا يعلل حديث مالك وسلمان بن بلال ويعقوب بن
عبد الرحمن الاسكندرانى فإنهم وصلوه وهم ثقات - انتهى، كذا فى نصب الراية، وأما الاختلاف عليه فى الصحابى
فلا يضرأيضا فإن يوسف بن خالد السمتى متروك، وأما رواية إبراهيم بن سويد عند الطحاوى فقال الحافظ فى التلخيص
بعد ذكرما: قد خالفه إبراهيم بن أبى يحى وسلمان بن بلال والدراوردى ويحى بن عبد الله بن سالم ويعقوب بن
عبد الرحمن ومالك فيما قيل وآخرون وهم أحفظ منه وأوثق - انتهى. وأما إعلال هذا الحديث بعدم سماع المطلب
من جابر و کون الحديث مرسلا فقد أجاب عنه الشنقيطى بأن قول الترمذى المذکور و کذا قول البخاری لیس فی شئی
من ذلك ما يقتضى رد روايته لما قدمنا فى سورة النساء من أن التحقيق هو الاكتفاء بالمعاصرة ولا يلزم ثبوت اللقى،
وأحرى ثبوت السماع كما أوضحه مسلم فى مقدمة صحيحه بما لا مزيد عليه مع أن البخارى ذكر فى كلامه هذا الذى نقله عنه
الترمذى أن المطلب مولى عمرو المذكور صرح بالتحديث من سمع خطبة رسول الله وزثم، وهو تصريح بالسماع من
بعض الصحابة بلا شك ، وقال النووى فى شرح المهذب: وأما إدراك المطلب لجابر فقال ابن أبى حاتم (فى الجرح
والتعديل): وروی عن جابر قال: ويشبه أن يكون أدر كه، هذا هو كلام ابن أبى حاتم ، فحصل شك فى إدرا که،
ومذهب مسلم الذى ادعى فى مقدمة صحيحه الاجماع فيه أنه لا يشترط فى اتصال الحديث اللقاء بل يكتفى بإمكانه ،
والإمكان حاصل قطعا، ومذهب على بن المدينى والبخارى والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء، فعلى مذهب مسلم
الحديث متصل ، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلا لبعض كبار التابعين ، وقد سبق أن مرسل التابعى الكبير يحتج به
عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة أو قول أكثر العلماء أو غير ذلك مما سبق ، وقد اعتضد هذا الحديث فقال به من
٤١
١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
رواه أبو داود ، والترمذى ، والنسائى.
الصحابة من سنذكره فى فرع مذاهب العلماء - انتهى كلام النووى. قال الشنقيطى: فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث
المذكور على كل التقديرات على مذاهب الأئمة الأربعة، لأن الشافعى منهم هو الذى لا يحتج بالمرسل، وقد عرفت
احتجاجه بهذا الحديث على تقدير إرساله، قال الشنقيطى: نعم يشترط فى قبول رواية المدلس التصريح بالسماع والمطلب
المذكور مدلس لكن مشهور مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد صحة الاحتجاج بالمرسل لا سيما إذا اعتضد بغيره كما
ههنا وقد علمت من كلام النووى موافقة الشافعية، ومن المعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعتعنة المدلس من باب أولى،
فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند مالك وأبى حنيفة وأحمد مع أن هذا الحديث له شاهد عند الخطيب
وابن عدى من رواية عثمان بن خالد المخزومى عن مالك عن نافع عن ابن عمر كما نقله الحافظ فى التلخيص (والزيلعى
فى نصب الراية) وهو يقويه وإن كان عثمان المذكور ضعيفا لأن الضعيف يقوى المرسل كما عرف فى علوم الحديث،
فالظاهر أن حديث جابر هذا صالح وأنه نص فى محل النزاع، وهو جمع بين هذه الأدلة بعين الجمع الذى ذكرنا أولا ،
فاتضح بهذا أن الأحاديث الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من أجله، وأن
الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده من أجله - انتهى كلام الشنقيطى. وأما الوجه الثالث ما
أجاب به الحنفية عن حديث جابر وهو ترجيح حديث أبى قنادة عليه فقال ابن الهمام فى تقريره إن فى حديث أبى قتادة
أنهم لما سألوه عليه السلام لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا؟ فقال مَضى: أمنكم
أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا إذا. فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه فى سلك ما
يشل عنه منها فى التفحص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح فى نفى كون الاصطياد
للحرم مانعا فيعارض حديث جابر، ويقدم عليه لقوة ثبوته إذ هو فى الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة بخلاف ذلك
بل قيل فى حديث جابر انقطاع يعنى فالأولى هو ترجيح حديث أبي قتادة ، وتعقب بأنه لا تعارض بين الحديثين،
فإن فى رواية أبى قنادة عند أحمد وابن ماجه وعبد الرزاق وغيرهم أنه مُؤثّم لم يأكل من صيده حين أخبره أبو قتادة
أنه اصطاده له وعلى هذا فحديث أبى قتادة موافق لحديث جابر لا معارض (رواه أبو داود) إلخ. وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٣: ص ٣٦٢، ٣٨٧، ٣٨٩) وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج ١: ص ٤٥٢) والدارقطنى (ص ٢٨٥) والبيهقى
(ج ٥: ص ١٩٠) وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٣٥) والشافعى فى الأم (ج ٢: ص ١٧٦) وابن الجارود فى المنتقى
(ص ١٥٤) والطحاوى (ج ١: ص ٣٨٨) من حديث عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن مولاه
المطلب عن جابر وهو إسناد صالح حسن أو صحيح وقد تقدم الكلام والبحث فى هذا فتذكر.
٤١٢٠

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
٢٧٢٦ - (٦) وعن أبى هريرة، عن النبى صلى اللّه عليه وسلم، قال: الجراد من صيد البحر.
٢٧٢٦ - قوله (الجراد) بفتح الجيم وتخفيف الراء، حيوان معروف، والواحدة جرادة، والذكر والأنثى
سواء كالحمامة، ويقال: إنه مشتق من الجرد لأنه لا ينزل على شتى إلا جرده. قال الدميرى: هو مشتق من الجرد
والاشتقاق فى أسماء الأجناس قليل جدا. يقال ثوب جرد أى أملس، وهو نوعان برى وبحرى، وهو أصناف مختلفة
فبعضه كبير الجنة وبعضه صغيرها وبعضه أحمر وبعضه أصفر وبعضه أبيض ، وإذا خرج من بيضه يقال له الَّدبىّ فإذا
طلعت أجنحته وكبرت فهو الغوغاء الواحدة غوغاة وذلك حين بموج بعضه فى بعض . فإذا بدت فيه الألوان واصفرت
الذكور وأسودت الإناث سمى جرادا حينئذ، ولها ست أرجل، يدان فى صدرها وقائمتان فى وسطها ورجلان فى
مؤخرها وطرفا رجليها منشاران ، وهو من الحيوان الذى ينقاد لرئيسه فيجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تتابع جميعه
ظاعنا ، وإذا نزل أوله نزل جميعه. قال: وفى الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه: وجه فرس وعينا فيل
وعنق ثور وقرنا أيل وصدر أسد وبطن عقرب وجناحا نسر وفخذا جمل ورجلا نعامة وذنب حية - انتهى. وقال
الحافظ فى الفتح: وخلقة الجراد عجيبة فيها عشرة من الحيوانات ذکر بعضها ابن الشهرزورى فى قوله :
٤
وقادمتا نسر وجوجو ضيغم
لهما فخذا بكر وساقا نعامة
عليها جياد الخيل بالرأس والفم
حبتها أفاعى الرمل بطنا وأنعمت
قيل: وفاته عین الفيل وعنق الثوروقرن الآيل وذنب الحية، وهو صنفان: طار و وثاب، ويبيض فى الصخر ویتر که حتى
يبس وينتشر فلا يمر بزرع إلا اجتاحه (من صيد البحر) قيل إن الجراد يتولد من الحيتان كالديدان فيدسرها البحر
ويطرحها إلى الساحل. وقيل: فيه بيان لأول خلقه فروى الباجى عن كعب قال: خرج أو له من منخر حوت فأفاد أن
أول خلقه من ذلك ، قاله الزرقانى. وفيه دليل على أن الجراد من صيد البحر وأنه فى حكمه فلا جزاء فى قتله، ويؤيده
حديث جابر وأفس عند ابن ماجه مرفوعا ((إن الجراد ثرة الحوت فى البحر)) لكن الحديثين ضعيفان كما ستعرف،
واختلف العلماء فى ذلك فقال مالك والشافعى وأبو حنيفة وأحمد فى رواية: إنه من صيد البروفيه الجزاء، قال النووى
فى شرح المهذب: يجب الجزاء على المحرم باتلاف الجراد عندنا، وبه قال عمر وعثمان وابن عباس وعطاء. قال العبدرى:
وهو قول أهل العلم كافة إلا أبا سعيد الأصطخرى قال: لا جزاء فيه، وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار وعروة
ابن الزبير قالوا: هو من صيد البحر فلا جزاء فيه، واحتج لهم بحديث أبي المهزم عن أبي هـريرة يعنى حديث الباب،
ثم قال: واتفقوا على تضعيفه لضعف أبى المهزم - انتهى. وقال ابن قدامة: اختلفت الرواية أى عن الإمام أحمد فى
الجراد، فعنه هو من صيد البحر لا جزاء فيه وهو مذهب أبى سعيد. قال ابن المنذر: قال ابن عباس وكعب: هو من
٤١٣
1

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
........
١٢ - باب - المحرم يجتنب الصيد
صيد البحر ، وقال عروة: هو نثرة حوت، ثم ذكر حديث أبى هريرة ثم قال: وروى عن أحمد أنه من صيد البر وفيه
الجزاء وهو قول الأكثرين لما رواه الشافعى فى مسنده عن عمر أنه قال لكعب فى جرادتين ما جعلت فى نفسك؟ قال :
درهمان .. قال: بخ1 درهمان خير من مائة جرادة، ولأنه طير يشاهد طيرانه فى البر ويهلكه الماء إذا وقع فيه فأشبه
العصافير ، فعلى هذا يضمنه بقيمته لأنه لا مثل له ، وهو قول الشافعى ، وعن أحمد يتصدق بتمرة عن الجرادة ، وهو
يروى عن عمر وعبد الله بن عمر ، وقال ابن عباس: قبضة من طعام. قال القاضى: هذا محمول على أنه أوجب ذلك على
طريق القيمة، والظاهر أنهم لم يريدوا بذلك التقدير وإنما أرادوا أن فيه أقل شئ - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح بعد
ذكر حديث أبى هريرة: وسنده ضعيف ، فلو صح لكان فيه حجة لمن قال: لا جزاء فيه إذا قتله المحرم ، وجمهور
العلماء على خلافه. قال ابن المنذر: لم يقل لا جزاء فيه غير أبى سعيد الخدرى وعروة بن الزبير، واختلف عن
كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء دل على أنه يرى - انتهى. والقول الراجح المعول عليه أن الجراد من صيد البر
فيجب الجزاء على المحرم فى قتله وهو قول عامة العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم إلا أبا سعيد الخدرى وعروة بن
الزبير ، واختلفت الرواية فى ذلك عن كعب، وأما حديث أبى هريرة وأنس فضعيف بالاتفاق لا يصلح للاحتجاج کما
سيأتى، وأيضا تدفعه المشاهدة والحس لاستقراره فى البر وإرزازه فى الأرض وتقوته بما يخرجه الأرض من نباتها
وثمراتها. قال النووي: ودعوى أنها بحرى لا تقبل بغير دليل وقد دلت الأحاديث الصحيحة والاجماع على أنه مأكول
فيجب جزاءه كغيره والله أعلم - انتهى. والظاهر أنه إنما عده من صيد البحر لأنه يشبه صيد البحر من حيث أنه يحل ميتته ولا
يفتقر إلى التذكية يعنى أنه جعله من صيد البحر لمشاركته صيد البحر فى حكم الأكل منه من غير تذكية على ما ورد به الحديث ((أحلت
لنا ميتان، إلخ. وقيل: إن الجراد على نوعين بحرى وبرى فيعمل فى كل منهما بحكمه، ثم إنهم اختلفوا فى أصله على أقوال،
فقيل: إنه نشرة حوت كما تقدم، وقيل: متولد من روث السمك حكاه العينى، وقيل: إنه يتولد من الحيتان فيطرحها البحر
إلى الساحل، وقيل : أول خلقه من نثرة الحوت كما سبق، وقال الباجى: روى عن سعيد بن المسيب أن الله تعالى خلق
الجراد مما بقى من طينة آدم، ورواه عبد الرزاق (ج ٤: ص ٥٣١) عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال لم يخلق
اللّه بعد آدم شيئا إلا الجراد بقى من طينته شئ فخلق منها الجراد ، وهذا أيضا لا يعرف إلا بخبر ني، ولا نعلم فى ذلك
خبرا يثبت فلا يصح التعلق بشئ من ذلك - انتهى. وقال الحافظ: اختلف فى أصله فقيل: إنه ثرة حوت لذلك
کان أكله بغیر ذکاة ، وهذا ورد فى حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن أنس رفعه «إن الجراد ثرة حوت من البحر))
ومن حديث أبى هريرة «خرجنا مع رسول الله مرثية فى حج أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضرب بتعالنا
وأسواطنا فقال كلوه فإنه من صيد البحر)) أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه وسنده ضعيف، إلى آخر ما نقلنا
٤١٤

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
رواه أبو داود، والترمذى.
من كلامه قبل ذلك. هذا والحديث يدل أيضا على جواز أكل الجراد مطلقا وقد حكى غير واحد من أهل العلم
الاجماع على إباحة أكله، لکن فصل ابن العربى فى شرح الترمذی بین جراد الحجاز وجراد الأندلس، فقال فى جراد
الأندلس: لا يؤكل لأنه ضرر حض ، وهذا إن ثبت أنه يضر أ کله بأن يكون فيه سمية تخصه دون غيره من جراد البلاد
قعین استثنائه، كذا فى الفتح. قال الدمیری: أجمع المسلمون على إباحة أكله، وقد قال عبد الله بن أبى أوفى: غزونا
مع رسول الله مَّج سبع غزوات تأكل الجراد، رواه أبو داود والبخارى، وزاد أبو نعيم ((ويأكله رسول الله مرثية
معنا) وروى ابن ماجه عن أنس: كن أزواج النبي ◌َّ يتهادين الجراد فى الأطباق. وفى الموطأ أن عمر رضى الله عنه
سئل عن الجراد فقال: إن عندى قفة آكل منها - انتهى. وقال النووى: أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد ،
ثم قال الشافعى وأبو حنيفة والجماهير: يحل سواءمات بذكاة أو باصطياد مسلم أو مجوعى، أو مات حتف أنفه، وقال
مالك فى المشهور عنه وأحمد فى رواية: يحل إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يلقى فى النار حيا فإن مات حتف أنفه
لا يحل ، وقال الحافظ: قد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته،
واختلفوا فى صفتها فقيل بقطع رأسه، وقيل: إن وقع فى قدر أونارحل، وقال ابن وهب: أخذه ذكاته، ووافق مطرف
منهم الجمهور فى أنه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر («أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال))
أخرجه أحمد والدار قطنى مرفوعا، وقال إن الموقوف أصح، ورجح البيهقى أيضا الموقوف، إلا أنه قال: إن له حكم
الرفع - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٨: ص ٥٧٢): يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم وقد قال عبد الله بن
أبي أوفى: غزونا مع رسول اللّه تَّل سبع غزوات نأكل الجراد، رواه البخارى. ولا فرق بين أن يموت بسبب أو
بغير سبب فى قول عامة أهل العلم منهم الشافعى وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى وابن المنذر، وعن أحمد أنه إذا قتله
البرد لم يؤكل، وعنه لا يؤكل إذا مات بغير سبب، وهو قول مالك، ويروى أيضا عن سعيد بن المسيب، ولنا عموم قوله عليه
السلام: أحلت لنا ميتان ودمان، فالميتان السمك والجراد، ولم يفصل، ولأنه تباح مينته فلم يعتبر له سبب كالسمك - انتهى.
(رواه أبو داود والترمذى) أخرجه أبو داود أولا من طريق ميمون بن جابان عن أبي رافع عن أبى هريرة عن النبي
وتقاع قال: الجراد من صيد البحر. ثم روى هو والترمذى من طريق أبي المهزم عن أبى هريرة قال: أصبنا صرما من
جراد فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم فقيل له: إن هذا لا يصلح، فذكر ذلك للنبي مَّ فقال: إنما هو من
صيد البحر، ولفظ الترمذى ((قال: خرجنا مع رسول اللّه تَيه فى حج أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضربه
بأسياطنا وعصينا، فقال التي تت: كلوه فإنه من صيد البحر، وبنحو ذلك رواه أحمد (ج ٢: ص ٣٠٦) وابن ماجه
٤١٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
٢٧٢٧ - (٧) وعن أبى سعيد الخدرى، عن النبى معَةٍ، قال: يقتل المحرم السبع العادى. رواه
الترمذى، وأبو داود ، وابن ماجه .
٢٧٢٨ - (٨) وعن عبد الرحمن بن أبى عمار، قال: سألت جابر بن عبد اللّه عن الضبع
والبيهقى (ج ٥: ص ٢٠٧) قال المنذرى: ميمون بن جابان لا يحتج به، وأبو المهزم - بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاى
وتشديدها، بعدما ميم - اسمه يزيد بن سفيان بصرى، متروك، وقال أبو داود: أبو المهزم ضعيف، والحديثان
جميعا وهم - انتهى. وأما حديث جابر وأنس عند ابن ماجه فهو أيضا ضعيف جدا، فى إسناده موسى بن محمد متررك،
منكر الحديث ومن أفراد ابن ماجه.
٢٧٢٧ - قوله (يقتل المحرم السبع العادى) بتخفيف الياء وفتحها، أى الظالم الذى يفترس الناس ويعقر فكل ما
كان هذا الفعل نعتا له من أسد ونمر وفهد وذئب ونحوها فحكمه هذا الحكم وليس على قائلها فدية، والحديث كذا ذكره
المصنف مختصرا وهو عند الترمذى بلفظ «يقتل المحرم السبع العادى والكلب العقور والفارة والعقرب والحدأة
والغراب)، وبنحو ذلك رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم. قال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا :
المحرم يقتل السبع العادى والكلب، وهو قول سفيان الثورى والشافعى، وقال الشافعى: كل سبع عدا على الناس أو على
دوابهم فللمحرم قتله - انتهى. قلت: وهو قول مالك وأحمد والجمهور كما تقدم (رواه الترمذى) وقال: هذا حديث
حسن (وأبو داود) وسكت عنه (وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد والطحاوى والبيهقى (ج ٥: ص ٢١٠) وفى إسناده
عندهم جميعا يزيد بن أبي زياد مختلف فيه، وروى له مسلم مقرونا بغيره. وقال المنذرى بعد نقل تحسين الترمذى: وفى
إسناده يزيد بن أبى زياد وقد تقدم الكلام عليه، وقد أطال الشنقيطى الكلام فى تقوية هذا الحديث وترجيح مذهب
الجمهور فارجع إلى أضواء البيان (ج ٢، ص ١٣٩، ١٤٠) إن شئت.
٢٧٢٨ - قوله (وعن عبد الرحمن بن أبى عمار) بفتح العين وتشديد الميم، هوعبد الرحمن بن عبد الله بن أبى عمار
المكى القرشى حليف بنى جمع الملقب بالقس - بفتح القاف وتشديد السين المهملة - ثقة عابد من الطبقة الوسطى من
التابعين. قال ابن أبى خيثمة كان حليفا لبنى جمح وكان ينزل مكة وكان من عبادها فسمى القس لعبادته (سألت جابر بن
عبد الله) أى الأنصارى الصحابى (عن الضبع) قال الزرقانى: بضم الباء لغة قيس وسكونها لغة تميم وهى أثى وقيل يقع
على الذكر والأثى، وربما قيل فى الأثى ضبعة بالهاء، والذكر ضبعان، والجمع ضباعين ( كسرحان وسراحين)
ويمجمع مضموم الباء على ضباع وساكنها على أضبع ـ انتهى. وقال شيخنا: الضبع - بفتح الضاد المعجمة وضم الباء
الموحدة - حيوان معروف يقال له بالفارسية كفتار (بفتح كاف وسكون فاء) وبالهندية ((جو)) بكسر الموحدة وضم الجيم
٤١٦
.

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
أصيد هى؟ فقال: نعم.
المشددة كما فى نفائس اللغات ومخزن الأدوية وغيرهما. وقيل: هو بالهندية ((هنذار) كما فى غياث اللغات والأول هو
الظاهر لأن الضبع معروف بنبش القبور والحيوان الذى يقال له بالهندية ((هنذار)) لم يعرف بنبش القبور، قال فى النيل:
ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرا وسنة أنثى، فيلقح فى حال الذكورة ويلد فى حال الأنوثة، وهو مولع بنبش القبور
لشهوته للحوم بنى آدم. وقال الدميرى: الضبع معروفة ولا تقل ضبعة، لأن الذكر ضبعان، ومن عجيب أمرها أنها
كالأرنب تكون سنة ذكرا وسنة أنثى فتلفح فى حال الذكورة وتلد فى حال الأنوثة، وهى مولعة بنبث القبور لكثرة
شهوتها للحوم بنى آدم، ومتى رأت إنسانا نائما حفرت تحت رأسه وأخذت بحلقه فنقتله وتشرب دمه (أ صيد هى؟)
أى أ فى قتلها جزاء؟ (فقال نعم) زاد فى رواية أبى داود وغيره كما سيأتى ((ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم،
والحديث نص فى أن الضبع صيد يلزم فيه الجزاء، وهذه المسئلة متفق عليها بين الأئمة الأربعة، وأما إيجاب الكبش
أو الشاة فى الضبع فهو مذهب الأئمة الثلاثة الشافعى ومالك وأحمد كما صرح به أهل الفروع، ففى الروض المربع:
وفى الضبع كبش، وهكذا فى مناسك النووى وشرح الاقناع، ونص الدردير على أن فى الضبع شاة، وأما عند الحنفية
فالواجب القيمة. قال فى الهداية: الجزاء عند أبى حنيفة وأبى يوسف أن يقوم الصيد فى المكان الذى قتل فيه أو فى
أقرب المواضع ويقومه ذوا عدل، ثم هو مخير فى الفداء إن شاء اشترى به هديا إن بلغته أو اشترى طعاما وتصدق به
وإن شاء صام، وقال محمد والشافعى: تجب فى الصيد النظير فيما له نظير فى الظبي شاة وفى الضبع شاة لأن الصحابة
أوجبوا النظير من حيث الخلقة ، وقال عليه الصلاة والسلام: الضبع صيد وفيه الشاة - انتهى بقدر الضرورة. وقال
ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٠٩): إن جزاء ما كان دابة من الصيد نظيره من النعم، هذا قول أكثر أهل العلم منهم
الشافعى وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة، ويجوز فيها المثل لأن الصيد ليس بمثلى، ولنا قول الله تعالى: ﴿نجزاء مثل ما
قتل من النعم - سورة المائدة: الآية ٩٦﴾ وجعل التي تَّى فى الضبع كبشا وأجمع الصحابة على إيجاب المثل، وقال
عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية: فى النعامة بدنة، وحكم عمر فى حمار الوحش بقرة، وحكم عمر
وعلى فى الظى بشاة ، وإذا حكموا بذلك فى الأزمنة المختلفة والبلدان المتفرقة دل ذلك على أنه ليس على وجه القيمة
ولأنه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التى تختلف بها القيمة إما برؤية أو إخبار ولم ينقل منهم السؤال عن
ذلك حال الحكم، إذا ثبت هذا فليس المراد حقيقة المماثلة فإنها لا تتحقق بين النعم والصيد لكن أريدت المماثلة من
حيث الصورة، والمختلف من الصيد قسمان أحدهما ما قضت فيه الصحابة فيجب فيه ما قضت ، وبهذا قال عطاء والشافعى
وإسحاق، وقال مالك: يستأنف الحكم فيه، قال ابن قدامة: والذى بلغا قضاء الصحابة فى الضبع كش، قضى به عمر وعلى
٤١٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
وجابر وابن عباس، وفيه عن جابر أن النبي مَّثين جعل فى الضبع يصيدها المحرم كبشا، رواه أبو داود وابن ماجه. قال
أحمد: حكم رسول الله مَثّ فى الضبع بكيش، وبه قال عطاء والشافعى وأبو ثور وابن المنذر، وقال الأوزاعى: إن
كان العلماء بالشام يعدونها من السباع ويكرهون أكلها وهو القياس إلا أن اتباع السنة والآثار أولى. القسم الثانى
ما لم تقض فيه الصحابة فيرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة لقول الله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم) فيحكمان ..
فيه بأشبه الأشياء به من النعم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل فى القيمة -
انتهى مختصرا. وقال الشنقيطى: اعلم أن الصيد ينقسم إلى قسمين: قسم له مثل من النعم كبقرة الوحش وقسم لا مثل له من
النعم كالعصافير وجمهور العلماء يعتبرون المثلية بالمماثلة فى الصورة والخلقة، وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال: إن
العائلة معنوية وهى القيمة أى قيمة الصيد فى المكان الذى قتله فيه أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد فى موضع
قله فيشترى بتلك القيمة هديا إن شاء أو يشترى بها طعاما ويطعم المساكين. واحتج أبو حنيفة بأنه لو كان الشبه من
طريق الخلقة والصورة معتبرا فى النعامة بدنة وفى الحمار بقرة وفى الظبى شاة لما أوقفه على عدلين يحكمان به لأن ذلك قد
على فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدلين والنظر ما تشكل الحال فيه ويختلف فيه وجه النظر. ودليل
الجمهور على أن المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد فى الخلقة والصورة منها قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم)
فالمثل يقتضى بظاهره المثل الخلق الصورى دون المعنوى، ثم قال (من النعم) فصرح بيان جنس المثل، ثم قال:
﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ وضمير «به)) راجع إلى «المثل من النعم، لأنه لم يتقدم ذكر لسواه حتى يرجع إليه الضمير، ثم
قال {مديا بالعا الكعبة) والذى يتصور أن يكون هديا مثل المقتول من النعم، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا ولا
جرى لها ذكر فى نفس الآية، وادعاء أن المراد شراء الهدى بها بعيد من ظاهر الآية، فاقضح أن المراد مثل من النعم ،
وقوله ((لو كان الشبه الخلق معتبرا لما أوقفه على عداين) أجيب عنه بأن اعتبار العدلين إنما وجب بالنظر فى حال الصيد
من كبر وصغر وما لا جنس له مما له جنس ، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص، قاله القرطبى. قال
الشنقيطى: المراد بالمثلبة فى الآية التقريب وإذا فوع المماثلة قد يكون خفيا لا يطلع عليه إلا أهل المعرفة والفطة التامة
ككون الشاة مثلا للحمامة لمشابهتها لها فى عب الماء والهدير ...... قال: والمثل من النعم له ثلاث حالات: الأولى
أن يكون تقدم فيه حكم من النبى مَّثة، الثانية أن يكون تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة أو التابعين مثلا، الثالثة
أن لا يكون تقدم فيه حكم منه ورثة ولا منهم رضى الله عنهم، فالذى حكم مَثل فيه لا يجوز لأحد الحكم فيه بغير
ذلك كالضبع، فإنه مَّ قضى فيها بكش، ثم ذكر حديث جابر الذى نحن فى شرحه ، ونقل تصحيحه عن البخارى
وعبد الحق والبيهقى، ثم ذكر الاختلاف فيه بالوقف والإرسال، ثم قال: قضاء. ورثة فى الضبع بكبش ثابت كما رأيت
٤.١٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
فقلت: أ یوكل؟
قصحيح البخارى وعبد الحق له، وكذلك البيهقى والشافعى وغيرهم، والحديث إذا ثبت صحيحا من وجه لا يقدح فيه الارسال
ولا الوقف من طريق أخرى كما هو الصحيح عند المحدثين، لأن الوصل والرفع من الزيادات وزيادة العدل مقبولة كما هو
معروف. وأما إن تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة أو من بعدهم فقال بعض العلماء: يتبع حكمهم ولا حاجة إلى نظر عداين
وحكمهما من جديد لأن الله تعالى قال: (يحكم به ذوا عدل منكم﴾ وقد حكما بأن هذا مثل لهذا، وقال بعض العلماء:
لا بد من حكم عدلين من جديد، ومن قال به مالك. قال القرطبي: ولو اجتزأ بحكم الصحابة لكان حسنا ، وروى عن
مالك أيضا أنه يستأنف الحكم فى كل صيد ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبى والنعامة فيكتفى فيها بحكم من مضى
من السلف، ثم ذكر الآثار فى ذلك عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد وابن عباس وعثمان وعلى وزيد بن ثابته
ومعاوية وابن مسعود وغيرهم. وقال الخطابى فى المعالم (ج ٥: ص ٣١٤): وفى الحديث دليل على أن المثل المجهول.
فى الصيد إنما هو من طريق الخلقة دون القيمة ولو كان الأمر فى ذلك موكولا إلى الاجتهاد لأشبه أن لا يكون بدله
مقدرا، وفى ذلك ما دل على أن فى الكبش وفاء لجزاء، كانت قيمته مثل قيمة المجزى أو لم تكن - انتهى. وقال
الشوكانى: قوله ((ويجعل فيه كبش، فيه دليل على أن الكبش مثل الضبع، وفيه أن التبر فى المثلية بالتقريب فى الصورة
لا بالقيمة، ففى الضبع الكبش سواء كان مثله فى القيمة أو أقل أو أكثر - انتهى (ا يؤكل) كذا بالتذكير فى جميع نسخ
المشكاة، ووقع فى المصابيح (أتوكل؟) بالتأنيث وهكذا فى كتاب الأم (ج ٢: ص ١٦٤) وهو الأظهر، والذى فى
جامع الترمذى (.قلت: آكلها؟، أى بصيغة المتكلم وكذا نقله الجد بن تيمية فى المنتقى وفى مسند الإمام أحمد، قال (أى
عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى عمار): سألت جابرا فقلت: الضبع آكلها؟ قال نعم. قلت: أصيد هى؟ قال: نعم.
قلت: أسمعت ذاك من نی الله ژێے ؟ قال: نعم. و فيه دليل على أن الضبع حلال. قال الشوكانى: فيه دليل على جواز
أكل الضبع وإليه ذهب الشافعى وأحمد، قال الشافعى ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير،
ولأن العرب تستطيبه وتمدحه، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى تحريمه، واستدل لهم بما صح من تحريم كل ذي ناب من
السباع، وبما سيأتى من حديث خزيمة بن جزء. قال الشوكانى: ويجاب عن الأول بأن حديث الباب يعنى حديث
جابر خاص فيقدم على حديث كل ذى ناب ، ويجاب عن الثانى بأنه ضعيف أى لا يصلح للاحتجاج، لأن فى إسناده
عبد الكريم بن أبى الخارق وهو متفق على ضعفه. وقال الخطابى فى المعالم: إذا كان قد جعله النبي مثل صيدا
ورأى فيه الفداء فقد أباح أكله كالظباء والخمر الوحشية وغيرها من أنواع صيد البر، وإنما أسقط الفداء فى قتل ما
لا يؤكل فقال : خمس لا جناح علی من قتلهن فى الحل والحرم۔الحديث. قال وقد اختلف الناس فیأ کل الضبع فروىعن
٤١٩

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
سعد بن أبى وقاص أنه كان يأكل الضبع ، وروى عن ابن عباس إباحة أكل لحم الضبع وأباح أكلها عطاء والشافعى
وأحمد بن حبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وكرهه الثورى وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وروى ذلك عن سعيد بن
المسيب، واحتجوا بأنها سبع وقد نهى رسول الله مُئل عن كل ذي ناب من السباع. قال الخطابي: وقد يقوم دليل
الخصوص فينزع الشئى من الجملة وخبر جابر خاص، وخبر تحريم السباع عام - انتهى. وقال ابن رسلان: وقد
قيل: إن الضبع ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة فعل الفرس ، فعلى هذا لا يدخل فى
عموم النهى - انتهى، كذا ذكره الشوكانى. وقال الخرقى: ولا بأس بأكل الضبع. قال ابن قدامة (ج ٨: ص ٦٠٤):
رويت الرخصة فى الضبع عن سعد وابن عمر وأبى هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق. وقال عروة: ما زالت
العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسا وقال أبو حنيفة والثورى ومالك: هو حرام. وروى نحو ذلك عن
سعيد بن المسيب لأنها من السباع، وقد نهى النبي ◌َّم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهى من السباع فتدخل فى عموم
النهى، ولنا ما روى جابر قال: أمرنا رسول اللّه مَّه بأ كل الضبع، قلت: صيد هى؟ قال: نعم. احتج به أحمد،
قال ابن عبد البر: هذا لا يعارض حديث النهى عن كل ذي ناب من السباع لأنه أقوى منه. قلنا: هذا تخصيص
لا معارض، ولا يعتبر فى التخصيص كون المخصص فى رتبة المخصص بدليل تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد،
ولأن الضبع قد قيل إنها ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة فعل الفرس ، فعلى هذا
لا تدخل فى عموم النهى - انتهى، وقال الشنقيطى بعد ذكر كلام ابن عبد البر: للخالف أن يقول: أحاديث النهى عامة
فى كل ذي ناب من السباع ودليل إباحة الضبع خاص ولا يتعارض عام وخاص لأن الخاص يقضى على العام فيخصص عمومه به
كما هو مقرر فى الأصول - انتهى، وقال الحافظ ابن القيم فى الاعلام (ج ١: ص ١٩٢، طبعة الحجر): أما الضبع
فروى عنه فيها حديث صححه كثير من أهل العلم بالحديث فذهبوا إليه وجعلوه مخصصا لعموم أحاديث التحريم كما
خصصت العرايا لأحاديث المزابنة، وطائفة لم تصححه وحرموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب، وقالوا: وتهـ
تواترت الآثار عن النبي تَّ بالنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وضحت صحة لامطعن فيها من حديث على وابن
عباس وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشنى، قالوا: وأما حديث الضبع فتفرد به عبد الرحمن بن أبى عمار وأحاديث تحريم
ذوات الأنياب كلها تخالفه، قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي وَيَّة
وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدا فقط ولا يلزم من كونها صيدا جواز أكلها فظن جابر أن كونها صيدا يدل على
أكلها ففتى به من قوله ورفع إلى النبي تربية ما سمعه من كونها صيدا، فروى الترمذى عن عبد الرحمن بن أبى عمار قال:
قلت لجابر بن عبد الله: آكل الضبع؟ قال: نعم. قلت: أصيد هى؟ قال: نعم. قلت: أسمعت ذلك من رسول
٤٢٠