النص المفهرس

صفحات 361-380

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
٢٧٠٩ - (٧) وعن أبى أيوب ، أن النى صلى الله عليه وسلم كان يغسل رأسه وهو محرم.
سرف، ولهذا قال فى روايته أن النبى مُوثي تزوج بماء يقال له سرف وهو محرم، وتقدم أن هذا الماء أقرب إلى مكد من
المدينة، وميقات أهل المدينة أقرب إلى المدينة من مكة فثبت أنه كان محرما بسرف ولم يبلغ ابن عباس خبر الزواج إلا
بهذا المكان نفهم أنه حصل حينئذ.
٢٧٠٩ - قوله (كان يغسل رأسه وهو محرم) فيه دليل على جواز الاغتسال للحرم وغسله رأسه وتشريبه شعره
بالماء، وفى الحديث قصة وهو مختصر من حديث طويل رواه الشيخان وغیرهما عن عبد الله بن حنین أن عبد الله بن عباس
والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه.
فأرسلنى عبد الله بن عباس إلى أبى أيوب الأنصارى فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب فسلمت عليه، فقال:
من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلتى إليك عبد الله بن عباس يسألك كيف كان رسول الله عزَّم يغسل رأسه
وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لى رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب، فصب على
رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر فقال: هكذا رأيت رسول الله مَّله يفعل. وقد ترجم البخارى لهذا الحديث
((باب الاغتسال للحرم)، قال الحافظ: أى ترفها وتنظفا وتطهرا من الجنابة، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للحرم أن
يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وكأن المصنف (أى البخارى) أشار إلى ما روى عن مالك أنه كره
للحرم أن يغطى رأسه فى الماء، وروى فى الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام
قال الحافظ: وفى الحديث جواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره. وقال الزرقانى: دل
حديث أبى أيوب على جواز ذلك ما لم يؤد إلى نتف الشعر ، وقال الباجى : ليس فى إمرار اليد على الرأس قتل الدواب
ولا إزالتها عن موضعها إلا مثل ما فى صب الماء على الرأس خاصة، ولذلك كانا مباحين فأما الانغماس فى الماء فإنه
محظور عند مالك على المحرم لأنه ربما زال القمل بكثرة الماء عن الشعر، وقد روى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن
عباس إجازة انغماس المحرم فى الماء. قال العينى: وكان أشهب وابن وهب يتغامسان فى الماء وهما محرمان مخالفة
لابن القاسم، وكان ابن القاسم يقول: إن غمس رأسه فى الماء أطعم شيئا من طعام خوفا من قتل الدواب ولا تجب الفدية
إلا بيقين، وعن مالك استحبابه ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه الماء لحر يجده - انتهى.
قال الساعاتى فى شرح المسند: اتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده من الجنابة بل هو واجب عليه، وأما
غسله تبردا فمذهب الجمهور جوازه بلا كراهة ، واختلفوا فى غسل المحرم رأسه فذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعى وأحمد
وإسحاق والثورى والأوزاعى إلى أنه لا بأس بذلك، ووردت الرخصة به عن عمر بن الخطاب وابن عباس وجابر
٣٦١

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
وعليه الجمهور، وحجتهم حديث أبى أيوب وكان مالك يكره ذلك الحرم الأثر ابن عمر أنه كان لا يغسل رأسه إلا من
احتلام، ويجوز غسل الرأس بالسدر والخطمى عند الشافعية (ورواية للحنابلة) مع الكرامة بحيث لا يتف شعرا ولا
فدية عليه. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى التحريم ولزوم الفدية. وقال صاحبا أبى حنيفة: عليه صدقة لأن
الخطمى تستلذ رائحته وتزيل الشعث وتقتل الهوام فوجبت به الفدية كالورس وقال ابن رشد: قال الجمهور (أبو حنيفة
والشافعى وأحمد وإسحاق والثوری والأوزاعى): لا بأس بغسل المحرم رأسه، وقال مالك يكره ، وعمدته أثر ابن عمر
(المذكور) وعمدة الجمهور حديث أبى أيوب وحمله مالك على غسل الجنابة والحجة له إجماعهم على أن المحرم ممنوع من
قتل القمل ونتف الشعر وإلقاء التفث، والغاسل رأسه إما أن يفعل هذه كلها أو بعضها - انتهى. وقال الأبى فى الاكمال:
اختلف فى غسل المحرم تبردا أو غسل رأسه فأجازه الجمهور كما قال عمر: لا يزيده الماء إلا شعثا، وتؤول عن مالك مثله
وتؤولت عنه الكرامة أيضا، وكره غمس المحرم رأسه فى الماء، وعللت الكراهة بأنه من تحريك يده فى غسله أو غمسه
قد يقتل بعض الدواب أو يسقط بعض الشعر، وقيل: لعله رآه من تغطية الرأس - انتهى. وقال الباجى:
الغسل للتبرد جائز للحرم وإن كان لغير ضرورة. وهذه رواية ابن القاسم عنه - انتهى. قلت: وأثر ابن عمر المذكور
بظاهره معارض لما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يدخل مكة إذا خرج حاجا
أو معتمرا حتى يغتسل قبل أن يدخل إذا دنا من مكة بذى طوى ويأمر من معه فيغتسلون قبل أن يدخلوا مكة. قال
الحافظ: ظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه، وهكذا قال الباجى وزاد «قال ابن حبيب: إذا اغتسل
المحرم لدخول مكة فإنما يغسل جسده دون رأسه فقد كان ابن عمر لا يغسله)). وقال الشيخ أبو محمد: لعل ابن عمر كان
لا يغسل رأسه إلا من جنابة يعنى فى غير هذه المواضع الثلاثة فذهب إلى تخصيص ذلك وحكى ابن المواز عن مالك أن
المحرم لا يتدلك رأسه فى غسل دخول مكة ولا يغسل رأسه إلا بصب الماء فقط. واعتبر الباجى من قول مالك أنه فى
كل موضع أباح الغسل للحرم لغير جنابة لا يذكر فيه إمرار اليد وإنما يذكر فيه صب الماء، وإذا ذكر غسل الجنابة ذكر
إمرار اليد. وقال الشافعى: نحن ومالك لا نرى باسا أن يغسل المحرم رأسه من غير احتلام، وروى عنه مَّم أنه
اغتسل وهو محرم وأطال الكلام إلى أن قال: وقد يذهب على ابن عمر وغيره السنن ولو عليها ما خالفها - انتهى. وقال
فى المحلى: قوله ((كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام)) أى تحريا لما هو الأفضل لما روى الترمذى عن ابن عمر
مرفوعا «الحاج الشعث التفل) انتهى، وأما غسل الرأس بالختامى والسدر ونحوه فاختلفوا فيه أيضا كما تقدم، قال
العينى: إن غسل رأسه بالخاعى والسدر فإن الفقهاء يكرهونه وهو قول مالك وأبى حنيفة والشافى وأوجب مالك
وأبو حيفة عليه الفدية. وقال الشافعى وأبو ثور: لا شئ علیه، وقال فى البناية: لا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمى ،
٣٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
متفق عليه.
٢٧١٠ - (٨) وعن ابن عباس، قال: احتجم النبى صلى الله عليه وسلم وهو محرم .
وبه قال مالك. وفى شرح الوجيز: لا يكره بالخطمى والسدر ، وفى القديم يكره ولكن لا فدية عليه. وبه قال أحمد ،
وفى الهداية: لا يغسل بالخطمى لأنه نوع طيب ولأنه يقتل هوام الرأس ، وقال القارى: يجوز للحرم غسل رأسه بحيث
لا ينتف شعرا بلا خلاف، أما لو غسل رأسه بالخطمى فعليه دم عند أبى حنيفة ، وبه قال مالك وقالا صدقة ، ولو غسل
بأشنان فيه طيب فان كان من رآه سماه أشنانا فعليه الصدقة ، وإن سماه طیا فعليه الدم، و کذا فى قاضی خان ، ولو غسل
رأسه بالحرض والصابون والسدر ونحوه لا شئ عليه بالاجماع (متفق عليه) فيه أن اللفظ المذكورليس لهما ولا لأحدهما
بل هو مفهوم ما فعله أبو أيوب، ومقتضى ما نسبه إلى النبى تربية كما يظهر من سياق الحديث وتمامه عند الشيخين ، وقد
أخرجه أيضا مطولا أحمد (ج ٥: ص ٤١٦، ٤١٨، ٤٢١) ومالك وأبو داود وابن ماجه والدارمى وابن الجارود
والبيهقى وغیرم.
٠
٢٧١٠ - قوله (احتجم النبي مَثية) أى فى حجة الوداع كما جزم به الحازمى وغيره (وهو محرم) جملة حالية،
زاد فى رواية للبخارى «فى رأسه من وجع كان به بماء يقال له لحى جمل، وفى طريق أخرى له عن ابن عباس تعليقا «أن
رسول اللّه مَّ احتجم وهو محرم فى رأسه من شقيقة كانت به)) بشين معجمة وقافين وزن عظيمة: وجع يأخذ فى أحد
جانبى الرأس أو فى مقدمه، وفى حديث ابن بحينة الآتى فى الفصل الثالث ((فى وسط رأسه، قال الحافظ بفتح المهملة أى
متوسطه وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة فى فأس الرأس ، وفى حديث أنس
الآتى فى الفصل الثالث ((احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به)) وفى حديث جابر عند أحمد والنسائى «احتجم
النبي ◌َّ وهو محرم من وثئى كان بوركه أو ظهره، ويجمع بين هذه الروايات بتعدد الحجامة منه فى الإحرام، ثم
يحتمل أنها فى إحرام واحد أى فى حجة الوداع، ويمكن أن يكون بعضها فى إحدى عمراته، وفى الحديث دليل على
جواز الحجامة الحرم، وقد ترجم البخارى لحديث ابن عباس وابن بحينة «باب الحجامة للحرم)) قال الحافظ: أى هل
يمنع منها أو تباح له مطلقا أو الضرورة، والمراد فى ذلك كله المحجوم لا الحاجم. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٠٥):
أما الحجامة إذا لم يقطع شعرا فمباحة من غير فدية فى قول الجمهور لأنه تداو لإخراج دم أشبه الفصد وبط الجرح
وقال مالك: لا يحتجم إلا من ضرورة. وكان الحسن البصرى يرى فى الحجامة دما - انتهى. وقال العينى: وبجوازه
مطلقاً قال عطاء ومسروق وإبراهيم وطاوس والثورى وأبو حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق ، وقالوا ما لم يقطع الشعر،
وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة روى ذلك عن ابن عمر وبه قال مالك - انتهى. وقال النووى: أجمع
٣٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
العلماء على جواز الحجامة له فى الرأس وغيره إذا كان له عذر فى ذلك وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية بقطع
الشعر فإن لم يقطع فلا فدية عليه، ودليل المسألة قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فقدية - سورة
البقرة، الآية ١٩٦) وهذا الحديث محمول على أن النبي مو ئيل كان له عذر فى الحجامة فى وسط الرأس، لأنه لا ينفك عن
قطع شعر. أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهى حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم
تتضمن ذلك بأن كانت فى موضع لا شعر فيه فهى جائزة عند الجمهور ولا فدية فيها وعن ابن عمر ومالك كرامتها،
وعن الحسن البصرى: فيها الفدية وإن لم يقطع شعرا ، دليلنا أن إخراج الدم فى الاحرام ليس بحرام - انتهى. وخص
أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس. ونقل الحطاب عن ابن بشير المالكى أنه ذكر قولا بسقوط الفدية مطلقًا أى سواء
أزال بسبب الحجامة شعرا أولا. قال الشنقيطى: القول الذى ذكره ابن بشير من المالكية واستغربه خليل فى التوضيح
بسقوط الفدية مطلقا ولو أزال بسبب الحجامة شعرا، له وجه من النظر ، ولا يخلو عندى من قوة والله تعالى أعلم،
وإيضاح ذلك أن جميع الروايات المصرحة بأن النبي مَيتم احتجم فى رأسه، لم يرد فى شئ منها أنه اقتدى لا زالة ذلك
الشعر من أجل الحجامة ، ولو وجبت عليه فى ذلك فدية لبينها للناس ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز،
والاستدلال على وجوب الفدية فى ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله، فمن كان منكم مريضا
أو به أذى من رأسه فقدية - سورة البقرة، الآية ١٩٦) لا ينهض كل النهوض، لأن الآية واردة فى حلق جميع الرأس
لا فى حلق بعضه، وقد قدمنا أن حلق بعضه ليس فيه نص صريح ، ولذلك اختلف العلماء فيه فذهب الشافعى إلى أن الفدية
تلزم بحلق ثلاث شعرات فصاعدا، وذهب أحمد فى إحدى الروايتين إلى ذلك، وفى الأخرى إلى لزومها بأربع شعرات،
وذهب أبو حنيفة إلى لزومها بحلق الربع، وذهب مالك إلى لزومها بحلق ما فيه ترفه أو إماطة أذى، وهذا الاختلاف
يدل على عدم النص الصريح فى حلق بعض الرأس ، فلا تتعين دلالة الآية على لزوم الفدية لمن أزال شعرا قليلا لأجل
تمكن آلة الحجامة من موضع الوجع ، والله تعالى أعلم ، وبمن قال بأن إزالة الشعر عن موضع الحجامة لا فدية فيه:
محمد وأبو يوسف صاحبا أبى حنيفة بل قالا: فى ذلك صدقة، وقد قدمنا مرارا أن الصدقة عندهم نصف صاع من بر أو
صاع كامل من غيره كتمر وشعير، والحاصل أن أكثر أهل العلم منهم الأئمة الأربعة على أنه إن حلق الشعر
لأجل تمكن آلة الحجامة لزمته الفدية على التفصيل المتقدم فى قدر ما تلزم به الفدية من حلق الشعر كما تقدم
إيضاحه وأن عدم لزومها عندنا له وجه من النظر قوى وحكاه ابن بشير من المالكية، وأما إن لم
يحلق بالحجامة شعرا فقد قدمنا قريبا أقوال أهل العلم فيها وتفصيلهم بين ما تدعو إليه الضرورة وبين غيره .-
انتهى. قال النووي: وفى حديث الحجامة بيان قاعدة من مسائل الاحرام، وهى أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو
٣٦٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
متفق عليه.
٢٧١١ - (٩) وعن عثمان، حدث عن رسول اللّه عفي فى الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم:
ضمدهما بالصبر.
ذلك من المحرمات يباح للحاجة وعليه الفدية كمن احتاج إلى حاق أو لباس لمرض أو حر أو برد أو قتل صيد للمجاعة
وغير ذلك، واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد وبط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من
وجوه التداوى إذا لم يكن فى ذلك ارتكاب ما نهى عنه المحرم من تناول الطيب وقطع الشعر ولا فدية عليه فى شئى من
ذلك، وفيه مشروعية التداوى واستعمال الطب والتداوى بالحجامة، تنبيه: قال الزرقانى فى شرح قول مالك
«لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، أى يكره، لأنها قد تؤدى لضعفه كما كره صوم يوم عرفة
الحاج مع أن الصوم أخف من الحجامة فبطل استدلال الجيز بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم
فى الاحرام لأنا لم نقل بالحرمة بل بالكرامة لعلة أخرى علمت - انتهى. ومرادهم أن ضعفه بإخراج الدم منه
قد يؤدى إلى عجزه عن إتمام بعض المناسك. وهذا يدل على أن المنع عند المالكية لاحتمال الضعف لا لمعنى فى نفس
الحجامة، لكن قال الدردير: وكره حجامة بلا عذر خيفة قتل الدواب، فإن تحقق نفى الدواب فلا كرامة، ومحل
الكرامة إذا لم يزل بسببها شعر وإلا حرم بلا عذر. وافتدى مطلقا لعذر أم لا ، وحكى الدسوقى اختلاف أصحابهم فى
إطلاق الكرامة وتقييدها باحتمال قتل الدواب ولم يذكرمن كرهه لعارض الضعف ووجه بعض المالكية الكراهة المذكورة بأن
الحجامة إنما تكون فى العادة بشد الزجاج ونحوه والمحرم منوع من العقدوالشد على جسده، قاله الشيخ سند (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الحج وفى الصوم وفى الطب، ومسلم فى الحج، وأخرجه أحمد مرارا والترمذى وأبو داود والنسائى
والحيدى والبيهقى والدارمى وابن الجارود وغيرهم.
٢٧١١ - قوله (فى الرجل) أى فى حقه وشأنه وكذا حكم المرأة المحرمة (إذا اشتكى عينيه) أى حين شكا
وجعهما (ضمدهما) بصيغة الماضى مشددا من باب التفعيل. قال القارى: وفى نسخة يعنى من المشكاة على بناء الأمر
للإباحة. قلت: ويحتمل أن يكون بصيغة الماضى مخففا من باب ضرب ونصر، يقال ضمد الجرح يضمده ويضمده
وضمّده شده بالضمادة وهى العصابة كالضماد ، هذا أصله ثم استعمل فى خاط الدواء بمائع فيلين ويوضع على العضو
الماؤف ، قال الطبى: أصل الضمد الشد، يقال ضمد رأسه وجرحه إذا شده بالضماد وهو خرقة يشد بها العضو الماؤف
أى المصاب بالآفة، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يشد - انتهى (بالصبر) ككتف بفتح الصاد المهملة
وكسر الباء ويجوز إسكانها، وقال فى القاموس: ولا يسكن الباء إلا فى ضرورة الشعر، عصارة شجر مر، وقال فى بحر
٣٦٥

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
رواه مسلم.
٢٧١٢ - (١٠) وعن أم الحصين، قالت: رأيت أسامة وبلالا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول
اللّه وَّ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة.
الجواهر: هو عصارة جامدة من نبات كالسوسن بين صفرة وحمرة منه سقوطرى ومنه عربى ومنه سميخانى وأفضله
سقوطرى - انتهى. ويسمى بالأردية «إيلواء والمقصود أن يخلط الصبر بالماء ويمرخ فيقطره فى عينيه أو يكتحلهما به أو
يضعه على عينيه. وفى الحديث دليل على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه. قال النووي: اتفق العلماء على
جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه ما ليس بطيب ولا فدية فى ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله
وعليه الفدية. واتفق العلماء على أن للحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه ولا فدية عليه فيه. وأما
الاكتحال الزينة فمكروه عند الشافعى وآخرين ومنعه جماعة منهم أحمد وإسحاق ، وفى مذهب مالك قولان كالمذهبين ،
وفى إيجاب الفدية بذلك عندهم خلاف ـ انتهى. ومذهب الحنفية فيه مثل مذهب الشافعى، وروى البيهقى عن عائشة
أنها قالت فى الانمد والكحل الأسود إنه زينة نحن نكرهه ولا تحرمه. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق إلا عند الحاجة،
وأجمعوا على حله حيث لا طيب فيه (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٦٠، ٦١، ٦٥، ٦٨) وأبو داود
والترمذى والنسائى والبيهقى وابن الجارود والحميدى.
٢٧١٢ - قوله (وعن أم الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ثم ياء ساكنة ثم نون، هى بنت إسحاق
الأخمسية الصحابية ولا يعرف لها اسم (رأيت أسامة) هو ابن زيد بن حارثة مولى رسول الله مَوفية (وبلالا) هو ابن
رباح مولى أبي بكر الصديق (وأحدهما) أى والحال أن أحدهما. قال القارى: والظاهر أنه بلال (آخذ) بصيغة الفاعل
(بخطام ناقة رسول الله مرثية) الخطام بكسر الخاء ككتاب بمعنى الزمام (والآخر) أى أسامة (رافع) بالتنوين (ثوبه)
أى ثوبا فى يده (يستره) أى يظله بثوب مرتفع عن رأسه بحيث لم يصل الثوب إلى رأس رسول الله مر ثية (من الحر)
وفى رواية «رافع ثوبه على رأس رسول اللّه رَّم من الشمس، وروى أحمد عن أبى أمامة عمن رأى النبي ◌ُ ◌ّ دراح
وفى الحديث دليل على جواز
إلى منى يوم التروية وإلى جانبه بلال ، بیده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله
تظليل المحرم على رأسه بثوب أو نحوه سواء كان راكبا أو نازلا وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعى والجمهور محتجين
بحديثى أم الحصين وأبى أمامة، وذهب مالك وأحمد إلى عدم الجواز إلا إذا كان نازلا، فإن استظل سائرا فعليه الفدية،
وعن أحمد رواية أخرى أنه لا ندية وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز. وقد احتج لمالك وأحمد على
منع التظلل بما رواه البيهقى بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه أبصر رجلا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس،
٣٦٦
٠٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
فقال: إضح لمن أحرمت له، وبما أخرجه البيهقى أيضا بإسناد ضعيف عن جابر مرفوعا «ما من محرم يضحى للشمس حتى
قغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولد ته أمه)، وقوله ((اضح)) بالضاد المعجمة، و كذا ((يضحى) والمراد أُبرز للشمس،
وروى البيهقى أيضا والشافعى وسعيد بن منصور عن عبد الله بن عياش بن ربيعة قال: حججت مع عمر بن الخطاب فما
رأيت مضطربا فسطاطا حتى رجع ، قيل له: فما كان يصنع؟ قال يطرح النطع على الشجر فيجلس تحته ، قال الشوكانى:
ويجاب بأن قول ابن عمر لا حجة فيه، وبأن حديث جابر مع كونه ضعيفا لا يدل على المطلوب وهو المنع من النظلل
ووجوب الكشف لأن غاية ما فيه أنه أفضل، على أنه يبعد منه مَّل أن يفعل المفضول ويدع الأفضل فى مقام التبليغ -
اتھی. وقال النووى : حديث جابر ضعیف مع أنه ليس فيه نهی و کذا فعل عمر وقول ابن عمر ليس فيه نهى ولوكان
فحديث أم الحصين مقدم عليه - انتهى. قلت: ويدل على الجواز مطلقا استظلاله مريضة بالقبة المضروبة فى عرفة. وقال
الشنقيطى: لا يجوز عند المالكية أن يظل المحرم على رأسه أو وجهه بعصا فيها ثوب ، فإن فعل افتدى ، وفيه قول عندهم
بعدم لزوم الفدية وهو الحق، وحديث أم الحصين فى التظليل على النبى محدودة بثوب يقيه الحر وهو يرمى جمرة العقبة ، يدل
على ذلك، وعلى أنه جائز فالسنة أولى بالاتباع، وأجاز المالكية للحرم أن يرفع فوق رأسه شيئا يقيه من المطر، واختلفوا
فى رفعه فوقه شيئا يقيه من البرد، والأظهر الجواز لدخوله فى معنى الحديث المذكور إذ لا فرق بين الأذى من البرد
والحر والمطر، وبعضهم يقول: إن الفدية المذكورة مندوبة لا واجبة ولا بأس عندهم باتقاء الشمس أو الربح باليد يجعلها
على رأسه أو وجهه. قال الشنقيطى: ولا خلاف بين أهل العلم فى الاستظلال بالخباء والقبة المضروبة والفسطاط
والشجرة وأن يرمى عليها ثوبا، وعن مالك منع إلقاء الثوب على الشجرة، وأجازه عبد الملك بن الماجدون قياسا على
الخيمة وهو الأظهر. قال: والاستظلال بالثوب على العصا عند المالكية إذا فعله وهو سائر لا خلاف فى منعه، ولزوم
الفدية فيه ، وإن فعله وهو نازل ففيه خلاف عندهم. والحق الجواز مطلقا للحديث المذكور لأن ما ثبتت فيه سنة عن
رسول الله وَويّ لا يجوز العدول عنه إلى رأى مجتهد من المجتهدين ولو بلغ ما بلغ من العلم والعدالة لأن سنته مؤثر حجة
على كل أحد، وليس قول أحد حجة على سنته مَث، وحديث أم الحصين نص صحيح صريح فى جواز استظلال المحرم
الراكب بثوب مرفوع فوقه يقيه حر الشمس والنازل أحرى بهذا الحكم عند المالكية من الراكب. وهذا الحديث
الصحيح المرفوع لا يعارض بما روى من فعل عمر وقول ابنه عبد الله موقوفا عليهما ، ولا بحديث جابر الضعيف فى منع
استظلال الحرم - انتهى. قلت: وأجاب عن حديث أم الحصين بعض أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد يدوم
فهو كما أجاز مالك الحرم أن يستظل بيده. وقال الطبرى: حمل بعض أصحاب مالك الحديث على أنه تساهل لما قارب
٣٦٧

مرعاة المفاتيح ج!
١٠ -كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
ورواه مسلم.
٢٧١٣ - (١١) وعن كعب بن عجرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم مر به
الإحلال كما تساهل فى الطيب قبل الإفاضة. قلت: وما رواه أحمد من حديث أبى أمامة يرد التاويلين (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ٤٠١) وأبو داود والنسائى والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ٦٩).
٢٧١٣٠٠ - قوله (وعن كعب بن عجرة) بضم العين المهملة وسكون الجيم وبعدها راء مهملة ثم تاء تأنيث. نقل
ابن عبد البر عن أحمد بن صالح المصرى قال: حديث كعب بن عجرة فى الفدية سنة معمول بها لم يروها من الصحابة غيره
ولا رواها عنه إلا ابن أبى ليلى وابن معقل. قال: وهى سنة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة. قال الزهرى:
سألت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فظلم يبينوا كم عدد المساكين. قال الحافظ فيما أطلقه ابن صالح نظر فقد
جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب فذكرهم، قال: ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين
أبو وائل عند النسائى ومحمد بن كعب القرظى عند ابن ماجه ويحى بن جعدة عند أحمد وعطاء عند الطبرى فيقيد إطلاق
أحمد بن صالح بالصحة ، فإن بقية الطرق التى ذكرتها لا تخلو عن مقال إلا طريق أبى وائل عن كعب بن عجرة عند
النسائى (أن النبي ◌ُّجُ مر به) فيه تجريد أو التفات أو نقل بالمعنى، قاله القارى. قلت: وفى رواية «وقف على رسول
اللّه ◌َعُ بالحديبية، وفى أخرى ((أتى على رسول اللّه وَثّ زمن الحديبية)) وفى أخرى ((أتيت رسول اللّه مَّم فقال: أدنه،
فدنوت، فقال: أدنه، فدنوت)) وفى رواية «حملت إلى رسول الله تمويل والقمل يتناثر على وجهى، فقال: ما كنت أرى
أن الجهد بلغ منك ما أرى، وفى أخرى ((أنه خرج مع النبي ◌َّثم محرما فقمل رأسه ولحيته فبلغ ذلك التي تَّى فأرسل
إليه فدعا الحلاق فحلق رأسه، والجمع بين هذا الاختلاف أن يقال: مر به أولا وهو يوقد تحت قدر فرآه على تلك
الصورة روية إجمالية عن بعد يسير وقال: أيؤذيك موامك هذه؟ ولكنه لم يقدر قدر ما بلغ به من الوجع الشديد،
ثم بلغه ما هو فيه من البلاء وشدة الأذى فأرسل إليه واستدعاه حتى أتاه محمولا فاستدناه فدنا كما فى رواية ابن عون
عن مجاهد عن ابن أبى ليلى عند الشيخين وحك رأسه باصبعه الكريمة كما فى رواية أبى وائل عن كعب عند الطبرى
فخاطبه وقال له: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى، ودعا الحلاق فحلق رأسه بحضرته ، فنقل بعض الرواة ما لم
ينقله الآخر. قال الحافظ بعد ما ذكر اختلاف الروايات فى ذلك مفصلا ما لفظه: «والجمع بين هذا الاختلاف فى قول
ابن أبى ليلى عن كعب أن النبي تُوثّ مربه فرآه، وفى قول عبد الله بن معقل أن التى تؤثم أرسل إليه فرآه، أن يقال مربه
أولا فرآه على تلك الصورة فاستدعى به إليه فخاطبه وحلق رأسه بحضرته فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر
ويوضحه قوله فى رواية ابن عون حيث قال فيها ((فقال: ادن فدنوت)) فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه
٣٦٨
از

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر، والقمل تتهافت على وجهه ،
فقال: أيوذيك هوامك؟ قال: نعم. قال: فاحلق رأسك،
إذ مر به وهو بيوقد تحت القدر - انتهى. وقال الطبرى: يحتمل أن يكون وقف عليه مرَّثي وأمره بذلك ثم حمل إليه
لما كثر عليه فأمره ثانيا فلا يكون بين قوله «فحملت إلى رسول اللّه مَث})) وبين قوله ((مر به)) تضاد. وقال العينى بعد
ذكر اختلاف الروايات: لا تعارض فى شئى من ذلك ووجهه أنه مر به وهو محرم فى أول الأمر وسأله عن ذلك ، ثم
حمل إليه ثانيا بإرساله إليه، وأما إتيانه فبعد الارسال، وأما رؤيته فلابد منها فى الكل - انتهى باختصار يسير (وهو)
أى كعب (بالحديبية) تقدم ضبطها والكلام عليها، وكان ذلك سنة ست من الهجرة وكانوا محرمين بعمرة مع النبي مدية
فصدهم المشركون عن دخول مكة (قبل أن يدخل مكة) أى وهو يتوقع دخولها حين لم يقع منع عن وصولها ، وفى
رواية للبخارى: أن رسول اللّه وَ الله رآه وإنه ليسقط القمل على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال نعم، فأمره
أن يحلق وهم بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون وهم على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله الفدية (وهو يوقد) من الإيقاد
(تحت قدر) وفى رواية «برمة)) (والقمل) أى جنسه وهو بفتح القاف وسكون الميم، دوبية تولد من العرق والوسخ فى
بدن الإنسان أو ثوبه أو شعره تسمى بالفارسية ((سيس، وبالأردوية ((جوين)) (تهافت) بالتائين، وفى مسلم «يتهافت»
أى بصيغة التذكير يعنى تتساقط شيئا فشيئا، من التهافت وهو تساقط الشئى قطعة قطعة كالثلج والرذاذ ونحوهما
(على وجهه) وفى رواية لأحمد ((قملت حتى ظننت أن كل شعرة من رأسى فيها القمل من أصلها إلى فرعها. وفى رواية
له أيضا «وقع القمل فى رأسی ولحیتی حتی حاجی وشاربی، وفىرواية لأبى داود («أصابتنى هوام حتى تخوفت على بصرى»
(فقال أيؤذيك) بالتذكير، وفى بعض النسخ بالتأنيث (هوامك) بتشديد الميم جمع هامة وهى ما يدب من الأخاش
والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان غالبا إذا طال عهده بالتنظيف ، وقد وقع فى الرواية هذه نفسها القمل فهو المراد
بالهوام. قال الحافظ: قد عين فى كثير من الروايات أنها القمل، وقال فى موضع آخر: الهوام اسم للحشرات لأنها
تهم أن تدب، وإذا أضيفت إلى الرأس اختصت بالقمل. وقال القارى: الهوام جمع هامة بتشديد الميم وهى الدابة التى
تسير على السكون كالنمل والقمل. قال القرطبى: قوله ((أيؤذيك موامك؟)) هذا سؤال عن تحقيق العلة التى يترتب
عليها الحكم فلما أخبره بالمشقة التى نالته خفف عنه - انتهى. قال الحافظ: واستدل به على أن الفدية مرتبة على قتل
القمل ، وتعقب بذكر الحلق. فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه، وهما وجهان عند الشافعية. ويظهر أثر الخلاف فيا
لو حاق ولم يقتل قملا (فاحلق رأسك) أمر إباحة، قاله القارى. وفى رواية «فأمره رسول الله ٹے أن يحلق راسه،
قال الباجى: والأمر وإن كان يقتضى الوجوب أو الندب ولا تكون الاباحة أمرا فقد یحتمل أن یکون النبى آثے ند به
١
٣٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
وأطعم فرقا بين ستة مساكين. والفرق ثلاثة آصع،
إلى ذلك، ورآه الأفضل له فقد نهى الإنسان عن أذى نفسه وتحمل المشقة الخارجة عن العادة المؤذية التى لا يطيقها
الإنسان غالبا فى العبادات ولذلك كره من الحولاء بنت تويت أن لا تنام الليل، وقد قال مرئي: اكلفوا من العمل ما
قطبقون۔انتھی. وقوله ((أن یحاق رأسه) أی یزیل شعره أعم من أنیکون بموسی أو بمقص أونورة، قاله الزرقانى، وقال ابن
قدامة : لا نعلم خلافا فى إلحاق الازالة بالحلق سواء كان بموسی أو مقص أو نورة أو غير ذلك وأغرب ابن حزم
فأخرج التف عن ذلك، فقال يلحق جميع الازالات بالحلق إلا التف ، كذا فى الفتح (وأطعم) أمر وجوب وهو بيان
لقوله تعالى: ﴿أو صدقة) (فرقا) بفتح الفاء والراء وقد تسكن قاله ابن فارس. وقال الأزهرى: كلام العرب بالفتح
والمحدثون قد يسكنونه وآخره قاف، مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا. قال الحافظ: وإذا ثبت أن الفرق
ثلاثة آصع كما سيأتى اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث خلافا لمن قال إن الصاع ثمانية أرطال (بين ستة مساكين)
قال الطيبي: فلكل واحد نصف صاع بلا فرق بين الأطعمة (والفرق ثلاثة آصع) كذا فى صحيح مسلم وكتاب الحميدى
وشرح السنة، وفى نسخ المصابيح (أصوع)، وكلاهما جمع صاع. وأخطأ من قال ((آصع)، لحن. قال الطبي: صح هذا
اللفظ فى الحديث وهو من قبيل القلب وأصله أصوع - انتهى. والمراد بالقلب القلب المكانى بأن تجعل الواو مكان
العاد وعكسه بعد نقل حركة الواو إلى الصاد ثم تقلب الواو ألفا لتحركها فى الأصل وانفتاح ما قبلها ، كذا فى المرقاة
وقال النووى: الآصع جمع صاع ، وفى الصاع لغتان ، التذكير والتأنيث وهو مكيال يسع خمسة أرطال و ثلثا
بالبغدادى، هذا مذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة يسع ثمانية أرطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة
أمداد ، وهذا الذى قدمناه من أن الآصع جمع صاع صحيح، وقد ثبت استعمال الآصع فى هذا الحديث الصحيح من
كلام رسول اللّه مَثّة، وكذلك هو مشهور فى كلام الصحابة والعلماء بعدهم، وفى كتب اللغة وكتب النحو والتصريف،
ولا خلاف فى جوازه وصحته - انتهى. وذكر الحافظ فى الفتح هذه الرواية عن مسلم ثم قال: وأخرجه الطبرى من
طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة فقال: فيه قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع، فأشعر بأن تفسير الفرق مدرج لكنه
مقتضى الروايات الآخر ، ففى رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهانى عند أحمد ((لكل مسكين نصف صاع، وفى رواية
يحيي بن جعدة عند أحمد أيضا ((أو أطعم ستة مسا كين مدين مدين)) وفى رواية زكريا عن ابن الأصبهافى عند مسلم
((أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكينين صاع)، وكذا أخرجه مسدد فى مسنده عن أبى عوانة عن ابن الأصبهانى،
ولبخارى عن أبى الوليد عن شعبة عن ابن الأصيهانى (أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، ثم انه اختلفت
الروايات فى ذكر ما يخرج فى الصدقة وفى مقدار الواجب لكل مسكين من المخرج؛ فللطبرانى كما قال الحافظ عن أحمد
٣٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
ابن محمد اخراعی عن أبى الوليد شیخ البخاری فیه «لكل مسکین نصفصاع تمر، ولمسلم وأحمد وأبى داود من طريق
أبى قلابة عن ابن أبي ليلى ((أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين، ولأحمد عن محمد بن جعفر وبهز عن شعبة
نصف صاع طعام، والمراد بالطعام هنا التمر كما صرح بذلك فى عدة طرق عند أحدوأبىداودوغيرهما، وفى طريق لمسلم، قال
الحافظ: ولبشر بن عمر الزهرانى عن شعبة (عند الدار قطنى فى الغرائب) نصف صاع حنطة ، ورواية الحكم عن ابن
أبى ليلى (عند أبى داود والبيهقى) تقتضى أنه نصف صاع زبيب فإنه قال: يطعم فرقا من زبيب بين ستة مساكين. قال
ابن حزم: لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات لأنهاقصة واحدة فى مقام واحد فى حق رجل واحد. قال الحافظ: المحفوظ
عن شعبة أنه قال نصف صاع من طعام، والاختلاف عليه فى كونه تمرا أو حنطة لعله من تصرف الرواة ، وأما الزيب
فلم أره إلا فى رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفى إسنادها ابن إسحاق وهو حجة فى المغازى لا فى الأحكام إذا
خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة كما تقدم، ولم يختلف فيه على أبى قلابة.
وكذا أخرجه الطبرى من طريق الشعبي عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم عن ابن الأصبهانى، ومن طريق أشعث
وداود عن الشعبي عن كعب، وكذا فى حديث عبدالله بن عمرو عند الطبرانى، وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق فى
ذلك بين التمر والحنطة وأن الواجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع ـ انتهى. يشير بذلك إلى تضعيف ما هو
محكى عن الحنفية، ففى الدر المختار ((أو تصدق بثلاثة أصوع طعام على ستة مساكين)) قال ابن عابدين ناقلا عن القهستانى:
والطعام البر بطريق الغلبة - انتهى. وقال ابن قدامة: قال الثورى وأصحاب الرأى: يجزئى من البر نصف صاع لكل
مسكين، ومن التمر والشعير صاع صاع، واتباع السنة أولى، وترجم البخارى «باب الإطعام فى الفدية نصف صاع)»
قال الحافظ: أى لكل مسكين من كل شئى، يشير بذلك إلى الرد على من فرق فى ذلك بين القمح وغيره، قال ابن عبد البر:
قال أبو حنيفة والكوفيون: نصف صاع من قمح وصاع من تمر وغيره، وعن أحمد رواية تضاهى قولهم ، قال عياض:
وهذا الحديث يرد عليهم - انتهى. وأما رواية إسماعيل بن زكريا عن أشعث عن الشعبى عن عبد الله بن معقل عن
كعب بلفظ «لكل مسكين صاع من تمر، فضعيفة كما قال ابن حزم (ج ٧: ص ٢١٠)، هذا وقوله («أطعم فرقا بين
ستة مساكين» يدل على أن الإطعام لستة مساكين، وترجم البخارى «باب قول الله: (أو صدقة) وهى إطعام سنة.
مساكين» قال الحافظ : يشير بهذا إلى أن الصدقة فى الآية مهمة فسرتها السنة، وبهذا قال جمهور العلماء، وروی سعید بن
منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام والصدقة على عشرة مساكين، وروى الطبرى عن عكرمة
ونافع نحوه. قال ابن عبد البر: لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار - انتهى. وقال العينى: إن الإطعام لستة مساكين
ولا يحزئی أقل من ستة، وهو قول الجمهور ، وحکی عن أبى حنيفة أنه يجوز أن يدفع إلى مسکین واحد-انتهى
٣٧١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة.
(أوصم ثلاثة أيام) بيان لقوله تعالى: ﴿فقدية من صيام﴾ قال ابن التين وغيره : جعل الشارع هنا صوم يوم معادلا
بصاع ، وفى الفطر من رمضان عدل مد وكذا فى الظهار والجماع فى رمضان وفى كفارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث ،
وفى ذلك أقوى دليل على أن القياس لا يدخل فى الحدود والتقديرات، کذا فى الفتح ، وفى الحديث دليل على أن
الصوم فى الفدية الواجبة بحلق الشعر ثلاثة أيام ، وقد تقدم ما روى عن الحسن أنه قال: الصيام عشرة أيام ، قال
ابن كثير: هو قول غريب فيه نظر لأنه ثبت السنة فى حديث كعب بن عجرة صيام ثلاثة أيام لا عشرة. وقال
ابن عبد البر فى الاستذكار: روى عن الحسن وعكرمة ونافع صوم عشرة أيام ولم يتابعهم أحد من العلماء على ذلك.انتهى،
هذا ولا تخصيص لصيام الفدية عند العلماء بموضع دون موضع بل يجوز له أن يصوم فى أى موضع شاء بالاتفاق بين الأئمة
الأربعة وغيرهم ، وأما الإطعام ففيه خلاف فذهب الشافعى إلى أن الإطعام لا يجزيه إلا فى الحرم وبه قال أحمد،
قال أبو حنيفة ومالك: لا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم فيطعم حيث شاء (أو انسك) بوصل الهمزة وضم السين
(نسيكة) أى اذبح ذبيحة، وفى رواية «انسك شاة، أى اذبح شاة، والنسك يطلق على العبادة وعلى الذبح المخصوص.
وقوله وَ ◌ّ المذكوربيان لقوله تعالى: ﴿أو نسك) وترجم البخارى «باب النسك شاة» قال الحافظ: أى النسك المذكور
فىالآية حيث قال: أو ذسك، وروى الطبرى من طريق مغيرة عن مجاهد فى آخرهذا الحديث «فأنزل الله (نقدية من صيام
أو صدقة أو نسك) والنسك شاة، ومن طريق محمد بن كعب القرظى عن كعب ((أمرنى أن أحلق وأقتدى بشاة، قال
عیاض ومن تبعه تبعا لأبى عمر : کل من ذکر النسك فى هذا الحديث مفسرا إنما ذکروا شاة وهو أمر لا خلاف فيه
بين العلماء. قال الحافظ: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع عن رجل من الأنصار عن كعب بن عجرة
أنه أصابه أذى فحلق فأمره النبي ◌َّ أن يهدى بقرة ، والطبرانى من طريق عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر
قال حلق كعب بن عجرة رأسه فأمره رسول الله مرثية أن يفتدى فافتدى بقرة، ولعبد بن حميد من طريق أبى معشر عن
نافع عن ابن عمر قال افتدى كعب من أذى كان برأسه فحلقه بقرة قلدها وأشعرها ، ولسعيد بن منصور من طريق ابن
أبی للی عن نافع عن سلمان بن یسار قیل لابن کعب بن عجرة : ما صنع أبوك حین أصابه الآنی فی رأسه؟ قال: ذبح
بقرة ، فهذه الطرق كلها تدور على نافع. وقد اختلف عليه فى الواسطة الذى بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح
منها من أن الذى أمر به كعب وفعله فى النسك إنما هو شاة، وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق المقبرى
عن أبى هريرة أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه، وهذا أصوب من الذى قبله ، واعتمد ابن بطال على رواية
نافع عن سليمان بن يسار فقال أخذ كعب بأرفع الكفارات ولم يخالف النبي مزيج فيما أمره به من ذبح الشاة بل وافق
٣٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
وزاد ففيه أن من أختى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب. قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث ولم
يثبت بما قدمته - انتهى. وقال الحافظ العراقى: لفظ بقرة شاذ منكر، هذا واختلفت الروايات فيما افتدى به كعب
ابن عجرة ، قال الحافظ بعد ذكر رواية أبي الزبير عن مجاهد عند الطبرانى بلفظ «ما أجد هديا، قال فأطعم، قال ما أجد
قال صم)، ما نصه: عرف من رواية أبي الزبير أن كعبا افتدى بالصيام، ووقع فى رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى
بالذبح لأن لفظه صم أو أطعم أو انسك شاة ، قال فحلقت رأسى ونسكت وروى الطبرانى من طريق ضعيفة عن عطاء
عن كعب فى آخر هذا الحديث، فقلت يا رسول الله: خر لى قال: أطعم ستة مساكين - انتهى. كذا ذكر الحافظ ولم يجزم
بشى من الثلاثة، لكن فى كلامه السابق الإشارة إلى أن الذي فعله كعب إنما هو الاقتداء بذبح الشاة حيث قال بعد ذكر
رواية البقرة: وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذى أمر به كعب وفعله فى النسك إنما هو شاة وتقدم أن ابن بطال
اعتمد على رواية انتدائه بالبقرة، وتعقبه الحافظ بأن ذلك لم يثبت ، ورواية أبى داود من طريق الحكم عن ابن أبي ليلى
بلفظ فحلقت رأسى ثم نسكت تدل على أنه افتدى بالذبح وهى تؤيد رواية ابن إسحاق، لكن يأباه حديث الشعبى عن
كعب عند أبى داودأيضا. قال ◌َ: أ.ك دم؟ قال: لا، قال: نصم ثلاثة أيام أو تصدق. وجمع بينهما بأنه يحتمل أنه لم يكن
واجدا الشاة حين سأله مَثيه، ثم بعد ذلك حصات له فذبحها ، قال الزرقانى: يحتمل أنه وجدما بعد ما أخبره أنه لا
يجدها فسك بها، وأما ما أخرجه ابن عبد البر أنه قال فحلقت وصمت ، فإما أنها رواية شاذة أو أنه فعل الصوم أيضا
باجتهاده، واختلف العلماء فى موضع ذبح فدية الأذى نقال مالك وأحمد يذبح حيث شاء ولا يختص ذلك بمكة ولا
بالحرم ، وقال الشافعى وأبو حنيفة يختص بالحرم. قال العينى: احتج بعموم الحديث مالك على أن الفدية يفعلها حيث
يشاء سواء فى ذلك الصيام والإطعام والكفارة لأنه لم يعين له موضا للذبح أو الإطعام ولا يجوز تأخير البيان عن
وقت البيان، وقد اتفق العلماء فى الصوم أن له أن يفعله حيث شاء لا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم، وأما النسك
والاطعام فجوزهما مالك أيضا کالصوم ، وخصص الشافعی ذلك بمكة أو بالحسرم ، واختلف فيه قول أبى حنيفة فقال
مرة: يختص بذلك الدم دون الاطعام ، وقال مرة: يختصان جميعا بذلك. وقال مشيم: أخبرنا ليث عن طاوس أنه كان
يقول: ما كان من دم أو إطعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال عطاء ومجاهد والحسن - انتهى.
وقال الخرقى: كل هدى أو إطعام فهو لمساكين الحرم إن قدر على إيصاله إليهم إلا من أصابه أذى من رأسه فيفرقه
على المساكين فى الموضع الذى حاق فيه، قال ابن قدامة: أما ندية الأذى فتجوز فى الموضع الذى حلق فيه نص عليه
أحمد ، وقال الشافعى: لا يجوز إلا فى الحرم لقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق - سورة الحج، الآية ٣٣) ولنا
أنه ◌ُٹے أمر کعب بن عجرة بالفدية بالحدییة ولم يأمر بعثه إلى الحرم، وروی الأثرم وإسحاق والجوزبانی فی کتايهما
٣٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
عن أبى أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال كنت مع عثمان وعلى وحسين بن على رضى الله عنهم حجاجا فاشتكى حسين بن
على بالسقيا فأومأ بيده إلى رأسه فحلقه على ونحر عنه جزورا بالسقيا، هذا لفظ رواية الأثرم ولم يعرف لهم مخالف،
والآية وردت فى الهدى ، وظاهر كلام الخرقى اختصاص ذلك بفدية الشعر، وما عداه من الدماء فبمكة، وقال القاضى
فى الدماء الواجبة بفعل محظور كاللباس والطيب هى كدم الحلق، وفى الجميع روايتان إحداهما يفدى حيث وجد
سببه والثانية محل الجميع الحرم، وأما جزاء الصيدفهو لمسا كين الحرم نص عليه أحمد، إلى آخر ما قال. وقال الدردير:
لم يختص النسك بمعنى الفدية بأنواعها الثلاثة (شاة أو إطعام ستة مسا كين أو صيام ثلاثة أيام) بزمان كا يام منى أو
بمكان كمكة أو منى بخلاف الهدى فإنه يختص بهما إلا أن ينوى بالذبح الهدى بأن يقلد أو يشعر، والمعتمد أن مجرد
النية كاف فحكمه حكم الهدى فى الاختصاص بمنى أو مكة - انتهى. وفى الهداية الصوم يجزيه فى أبى موضع شاء لأنه
عبادة فى كل مكان، وكذلك الصدقة عندنا، وأما النسك فيختص بالحرم لأن الإبراقة لم تعرف قرية إلا فى
زمان أو مكان ، وهذا الدم لا يختص بزمان فتعين اختصاصه بالمكان - انتهى. قال الحافظ: واحتج (المالكية) القرطي
بقوله فى حديث كعب ((أو اذبح نسكا، قال: فهذا يدل على أنه ليس بهدى ، قال فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء،
قلت (قائله الحافظ): لا دلالة فيه إذ لا يلزم من تسميتها نسكا أو نسيكة أن لا تسمى هديا أو لا تعطى حكم الهدى، وقد
وقع تسميتها هديا فى رواية للبخارى حيث قال: أو تهدى شاة، وفى رواية مسلم ((واحد هديا، وفى رواية للطبرى ((هل
لك هدى؟ قلت: لا أجد» فظهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويؤيده قوله فى رواية مسلم («أو اذبح شاة، واستدل به
على أن الفدية لا يتعين لها مكان ، وبه قال أكثر التابعين ، وقال الحسن : تتعين مكة ، وقال مجاهد: النسك بمكة ومنى،
والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، وقريب منه قول الشافعى وأبى حنيفة: الدم والإطعام لأهل الحرم والصيام
حيث شاء إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم، وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة وأبو بكر بن الجهم من المالكية الإطعام بالصيام -
انتهى. والأظهر عندنا فى النسك والصدقة أيضا أن له أن يفعلهما حيث شاء، لأن فدية الأذى أشبه بالكفارة منها
بالهدى، ولأن الله لم يذكر الفدية محلامعينا ولم يذكره النبي تَّةٍ وسماها نسكا، والله أعلم، هذا وقد تقدم أن الحديث
تفسیر لقوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فقدية من صیام أو صدقة أو نسك) وسياق الحديث
موافق للآية و((أو)) فيهما للتخيير، وقد ترجم البخارى فى الحج من صحيحه بالآية وقال بعد ذكرها: وهو مخير والصيام ثلاثة
أيام. قال الحافظ: قوله ((مخير، من كلام المصنف، استفاده من أو المكررة، وقد أشار إلى ذلك فى أول باب كفارات
الأيمان، فقال: وقد خير النبي ◌َّ كعبا فى الفدية، ويذكر عن ابن عباس وعطاء وعكرمة: ما كان فى القرآن أو فصاحبه
بالخيار، قال الحافظ: وأقرب ما وقفت عليه من طرق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود من طريق الشعبي
٣٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
عن ابن أبى ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي مَّم قال له: إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن
شئت فأطعم - الحديث. وفى رواية مالك فى الموطأ عن عبد الكريم بإسناده فى آخر الحديث (أى ذلك فعلت أجزأ).
قال الحافظ : لكن رواية عبد الله بن معقل عند الشيخين تقتضى أن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد
النسك، ولفظه عند البخارى قال أتجد شاة؟ قال لا، قال: فصم أو أطعم، ولأبى داود فى رواية أخرى ((أمعك دم؟
قال لا، قال: فإن شئت فصم، ونحوه للطبرانى من طريق عطاء عن كعب ، ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند الطبرانى،
وزاد بعد قوله ((ما أجد هديا)): قال فأطعم قال ما أجد، قال: فصم، ولهذا قال أبو عوانة فى صحيحه: فيه دليل على أن من
وجد نسكا لا یصوم یعنی ولا یطعم لکن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما رواه الطبری وغيره عن سعيد بن
جير .قال: النسك شاة، فإن لم يجد قومت الشاة دراهم، والدراهم طعاما فتصدق به أو صام لكل نصف صاع يوما،
أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال فذكرته لا براهيم فقال («سمعت لقمة مثله)، فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين
وقد جمع بينهما بأوجه، منها: ما قال ابن عبد البر: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لا يجابه، ومنها:
ما قال النووى: ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئى إلا لفاقد الهدى بل المراد أنه استخبره هل معه هدى أو لا،
فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام وإن لم يجده أعلمه أنه مخير بينهما، ومحصله أنه لا يلزم من سؤاله
عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخبير بينه وبين الإطعام والصوم. ومنها: ماقال
غيرهما: يحتمل أن النبي ◌َّ لما أذن له فى حلق رأسه بسبب الأذى أفناه بأن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه مؤ لّ أو
يوحى غير متلو فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخير بين الذبح والإطعام والصوم فخيره حينئذ بين الصيام
والاطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه فصام لكونه لم یکن معمه ما يطعمه ، ويوضح ذلك رواية مسلم فى حديث عبد الله بن
معقل المذكور حيث قال: أتجد شاة؟ قات لا، فنزلت هذه الآية (فقدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾
قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم، وفى رواية عطاء الخراسانى قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة
مساكين ، قال: وكان قد علم أنه ليس عندى ما أنسك به، ونحوه فى رواية محمد بن كعب القرظى عن كعب،
وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل فى هذا المقام من غيره ، بل السر فيه أن
الصحابة الذين خوطبوا شفاها بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثرما يقدر على الذبح أو الإطعام - انتهى كلام
الحافظ ثم إن التخيير فى الفدية بأنواعها الثلاثة هل يختص بالعذر والضرورة أو يعم، وأن الفدية المذكورة تختص
بالحلق أو تعم الحاق وغيره من محرمات الاحرام كاللبس والتطيب؟ وهل تختص بالعمد أو تعم العمد والخطأ والنسيان؟
وما هو حكم بعض شعر الرأس وحكم شعر الجسد غير الرأس؟ العلماء مختلفون فى ذلك كله من أراد الوقوف على مذاهبهم ومستندات
٣٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
متفق عليه.
( الفصل الثانى)
٢٧١٤ - (١٢) عن ابن عمر، أنه سمع رسول اللّه عَيم ينهى النساء فى إحرامهن عن القفازين،
والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفر
أقوالهم فليرجع إلى العينى (ج ١٠: ص ١٥٢) والمغنى (ج ٣: ص ٤٩٢، ٤٩٣، ٤٩٤) وأضواء البيان (ج ٥:
ص ٣٩٦ إلى ٤٠٠) وفى الحديث من الفوائد أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية فى القرآن
وتقيدها بالسنة وتحريم حاق الرأس على المحرم والرخصة له فى حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع مع
الكفارة المذكورة، وأن النسك ههنا شاة ، فلو تبرع بأكثر من هذا جاز، وفيه تلطف الكبير بأصحابه وعنايته
بأحوالهم وتفقده لهم، وإذا رأى بعض أصحابه ضررا سأل عنه وأرشده إلى المخرج منه (متفق عليه) أخرجه البخارى
فى الحج والمغازى والتفسير والمرضى والطب والنذور، ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا مالك فيه، وأحمد (ج ٤ :
ص ٢٤١، ٠٢٤٢ ٢٤٣، ٢٤٤) والترمذى فى الحج وفى التفسير وأبو داود والنسائى وابن ماجه فى الحج ، وأخرجه أيضا
الشافعی وابن الجارود والحميدى والبيهقى وغيرهم.
٢٧١٤ - قوله (عن ابن عمر أنه سمع رسول اللّه مَثل ينهى النساء فى إحرامهن عن القفازين) أى عن لبسهما
فى أيديهن (والنقاب) أى البرقع فى وجوههن بحيث يماس بشرتهن، فيه دليل على منع المحرمة من لبس القفازين والنقاب،
وهو الحق والصواب، وقد تقدم الكلام فى ذلك (وما مس) أى وعما صبغه (الورس والزعفران من الثياب) تقدم
الكلام فى ذلك أيضا (ولتلبس) قال الطبي كأنه قال سمعته يقول: لا تلبس النساء القفازين والنقاب ولتلبس (بعد ذلك)
أى ما ذكر (ما أحبت من ألوان الثياب) أى أنواعها وأصنافها (معصفر) بالجر على أنه بدل من ألوان الثياب أى المصبوغ
بالعصفر وهو بضم عين وسكون صاد مهملتين فضم فاء آخره راء، يقال له بالهندية («كُسُمْ وكُسُشْبة)) قلت: وقوله
((معصفر) كذا فى جميع نسخ المشكاة والمصابيح، وفى أبى داود (معصفراء بالنصب وهكذا ذكر المجدفى المنتقى والنووى فى
شرح المهذب والحافظ فى التلخيص والبيهقى فى السنن والزيلعى فى نصب الراية، وفى المستدرك الحاكم (من معصفر، أى
بزيادة (من، وكذا فى جامع الأصول وفى الحديث دلالة على لبس الثوب المعصفر للحرمة وإليه ذهب الشافعى.
وأحمد وكرهه مالك إذا كان يتفض، ومنع منه الثورى وأبو حنيفة. قال الخرقى: لا بأس بما صبغ بالعصفر. قال
ابن قدامة: إن العصفر ليس بطيب ولا بأس باستعماله وشمه ولا بما صبغ به، وهذا قول جابر وابن عمر وعبد الله بن
جعفر وعقيل بن أبى طالب وهو مذهب الشافعى، وعن عائشة وأساء وأزواج النبي تؤثّ أنهن كن يحرمن فى المعصفرات
٣٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
أو خز أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف. رواه أبو داود.
وكرهه مالك إذا كان ينتفض فى بدنه ولم يوجب فيه فدية ، ومنع منه الثورى وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وشبهوه
بالمورس والمزعضر لأنه صبغ طيب الرائحة فأشبه ذلك. قال: ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر أنه سمع
رسول اللّه ◌َع نهى النساء فى إحرامهن عن القفازين والنقاب - الحديث. وروى الإمام أحمد فى المناسك باسناده
عن عائشة بنت سعد قالت كنا أزواج النبي ويتم تحرم فى المعصفرات، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم
مخالفا، ولأنه ليس بطيب فلم يكره ما صبغ به كالسواد والمصبوغ بالمغرة، وأما الورس والزعفران فإنه طيب بخلاف
مسئلتنا - انتهى. وقال الشنقيطى: الأظهر أن العصفر ليس بطيب مع أنه لا يجوز لبس المحرم ولا غيره للعصفر، وقد
تقدم حديث ابن عمر عند أبى داود يريد حديثه الذى نحن فى شرحه، قال: وهو صريح فى أن العصفر ليس بطيب،
وعن ابن عباس قال: «كان أزواج النبي مَثّل يختضبن بالحناء وهن محرمات ويلبسن المعصفر وهن محرمات، ذكره الهيشمى
فى مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبرانى فى الكبير وفيه يعقوب بن عطاء وثقه ابن حبان وضعفه جماعة، وأما ما ورد
من منع لبس المعصفر مطلقا فهو محمول على الرجال فلا يجوز لهم لبس المعصفر فى الاحرام ولا فى غير الإحرام ، وأما
النساء فيجوز لهن مطلقا. وأجاب الحنفية عن حديث ابن عمر هذا بأوجه: منها أنه محمول على معصفر مغسول لا
يوجد منه رائحة ، ومنها أن المراد بالمعصفر فى الحديث ما يصبغ بالطين الأرمنى، كذا ذكره القارى ، ولا يخفى ما فيه ،
ونحوه ما ذكره فى البدائع أن المراد بالمعصفر المصبوغ بمثل العصفور كالمغرة ونحوها ، ومنها ما قال ابن الهمام أن مبنى
الخلاف على أن العصفر طيب الرائحة أم لا؟ فقلنا نعم ، فلا يجوز، قال: والنص المذكور ورد بمنع المورس وهو دون
المعصفر فى الرائحة فيمنع المعصفر بطريق أولى، قال: والجواب المحقق من حديث ابن عمر إن شاء الله أن نقول: ولتلبس
بعد ذلك، إلخ. مدرج فإن المرفوع صريها هو قوله: سمعته ينهى عن كذا، وقوله ((ولتلبس بعد ذلك)) ليس من متعلقاته ،
ولا يصح جعله عطفا على نهى لكمال الانفصال بين الخبر والإنشاء فكان الظاهر أنه مستانف من كلام ابن عمر فتخلو
تلك الدلالة عن المعارض الصريح أعنى منطوق المورس ومفهومه الموافق فيجب العمل به - انتهى. وقد تقدم
الجواب عن ذلك فى كلام الطبي والشنقيطى فتأمل (أو خز) بفتح الخاء المعجمة والزاى المشددة، ثوب من
إبريسم وصوف، وفى المغرب: الخزاسم دابة سمى المتخذ من وبرها خزا (أوحلى) بفتح الحاء وإسكان اللام وبضم
الحاء مع كسر اللام وتشديد الياء جمع حلى بالفتح، وهو ما تتحلى به المرأة من جلجل وسوار وخرص وتتزين به من
ذهب أو فضة أو غير هما من المعدنيات أو الحجارة الثمينة، قال الطبي: جعل الحلى من الثياب تغليا أو أدخل فى الثياب مجازا
لعلاقة إطلاق إلبس عليه فى قوله تعالى: ﴿وتستخرجون منه حلية تلبسونها - سورة النحل، الآية ١٤﴾ (رواه أبوداود)
وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ٤٨٦) والبيهقى (ج ): ص ٥٢) وأخرجه أحمد (ج ٢: ص ٢٢) إلى قوله ((من
٣٧٧

مرعاة المفاتيح ج.٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
٢٧١٥ - (١٣) وعن عائشة، قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللّه مَّ محرمات،
فإذا جازوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجها، فإذا جاوزونا كشفناه.
الثياب)» وفى سنده عندهم جميعا محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث ، فالحديث حسن وقد سكت عنه أبوداود والحافظ
فى الفتح والتلخيص ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقرره الذهبي، وقال النووى فى شرح المهذب:
رواه أبوداود بإسناد حسن، وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازى ، إلا أنه قال حدثنى نافع عن ابن عمر ،
وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس وإذا قال المدلس ((حدثنى، أحتج به على المذهب الصحيح المشهور - انتهى.
٢٧١٥ - قوله ( كان الركبان) بضم السراء جمع الراكب (يمرون بنا) أى علينا معشر النساء (محرمات) بالرفع
على الخبرية أى مكثوفات الوجوه (فإذا جازوا بنا) كذا فى بعض نسخ المشكاة، وهكذا وقع فى السنن للبيهقى، وهو
من الجواز بمعنى المرور أى مروا علينا، وفى بعض النسخ ((جاوزوا بناء من المجاوزة، وهكذا وقع فى جامع الأصول، أى
أرادوا الجاوزة والمرور بنا، ولفظ أبى داود ((حاذوا بناء بفتح الذال من المحاذاة بمعنى المقابلة، وهكذا وقع فى مسند
أحمد وفى القرى للطبرى والمنتقى للجد، وفى بعض نسخ أبى داود ((حاذونا، وهكذا وقع فى نسخة معالم السنن، وفى السيل
الجرار والمغنى والناخيض والمصابيح وهو الأظهر (سدلت) أى أرسلت (جلبابها) بكسر الجيم أى ملحفتها وهى الملاءة
التى تشتمل بها المرأة إذا خرجت لحاجة ، وقال الطبرى: الجلباب هو كالمقنعة تغطى به المرأة رأسها وظهرها وصدرها،
وجمعه جلايب وقد يطلق على الإزار والملحفة (فإذا جاوزونا) أى تعدوا عنا وتقدموا علينا (كشفناه) أى أزلنا
الجلباب ، قال القارى: ولو جعل الضمير إلى الوجه لقرينة المقام فله وجه، والمعنى أنهن كن يسترن وجوههن إذا مر
عليهن الرجال بجلابيبهن، فإذا أبعدوا عنهن كشفن وجوههن، وفى الحديث الرخصة المرأة فى ستر وجهها للحاجة كما فعلت
عائشة ومن معها من النسوة وهن محرمات عند مرور الرجال عليهن. قال الخطابي : قد ثبت عن التی ٹے أنه نهى
المحرمة عن النقاب، فأما سدل الثوب على وجها من رأسها فقد رخص فيه غير واحد من الفقهاء ومنعوها أن تلف الثوب
أو الخار على وجهها أو تشد النقاب أو تنثم أو تبرقع ، ومن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب علی وجهها من فوق رأسها
عطاء ومالك وسفيان الثورى وأحمد بن حنبل وإسحاق، وهو قول محمد بن الحسن وقد علق الشافعى القول فيه أى على
صحته - انتهى. وقال الشوكانى: استدل بهذا الحديث على أنه يجوز المرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها بمرور الرجال
قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجها ، لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجها فلم يحرم عليها ستره مطلقا
كالعورة لكن إذا سدات يكون الثوب متجانيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعى وغيرهم،
وظاهر الحديث خلافه لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافى شرطا لبينه النبي
٣٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
رواه أبو داود، ولابن ماجه معناه ..
٢٧١٦ - (١٤) وعن ابن عمر، أن النبى معَّ كان يدهن بالزيت وهو محرم غير المقتت يعنى غير
المطيب.
انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٢٦): إذا احتاجت المرأة إلى ستر وجها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل
الثوب من فوق رأسها على وجهها ، روى ذلك عن عثمان وعائشة ، وبه قال عظاء ومالك والثورى والشافعى وإسحاق
ومحمد بن الحسن ، ولا نعلم فيه خلافا ، وذلك لحديث عائشة عند أبى داود والأثرم فذكر حديثها الذى نحن فى شرحه ،
قال ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجها فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة، وذكر القاضى أن الثوب يكون
متجافيا عن وجها بحيث لا يصيب البشرة ، فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شئى عليها كما لو أطارت الربح
الثوب عن عورة المصلى ثم عاد بسرعة لا تبطل الصلاة ، فإن لم ترفعه مع القدرة افتدت لأنها استدامت الستر ، ولم أر
هذا الشرط عن أحمد ولا هو فى الخبر مع أن الظاهر خلافه ، فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة ، فلو
كان هذا شرطا لبين، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يعد لستر الوجه. قال أحمد: إنما لها أن تسدل
على وجها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل، كأنه يقول إن النقاب من أسفل على وجها - انتهى
(رواه أبو داود) أى بهذا اللفظ وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ٣٠) والبيهقى وابن خزيمة كلهم من طريق يزيد بن
. أبى زياد عن مجاهد عن عائشة، وقد سكت عنه أبو داود، وقال المنذرى: ذكر شعبة ويحى بن سعيد القطان ويحى بن معين أن مجاهدا
لم يسمع من عائشة، وقال أبو حاتم الرازى: مجاهد عن عائشة مرسل، وقد أخرج البخاري ومسلم فى صحيحيهما من حديث مجاهد
عن عائشة أحاديث ، وفيها ما هو ظاهر فى سماعه منها وفى إسناده يزيد بن أبى زياد ، وقد تكلم فيه غير واحد ، وأخرج له
مسلم فى جماعة غیر محتج به ۔ انتهى. وقال الحافظ فى التلخيص : وقال ابن خزيمة : فى القلب من یزید بن أبی زیاد ،
ولكن ورد من وجه آخر، ثم أخرج من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبى بكر وهى جدتها نحوه، وصححه
الحاكم، وقال فى الفتح بعد ذكر حديث عائشة: أخرجه ابن المنذر من طريق مجاهد عنها، وفى إسناده ضعف. وقال الشوكانى:
يزيد بن أبي زياد المذكور قد أخرج له مسلم أى مقرونا. فى الخلاصة عن الذهبى أنه صدوق ردئ الحفظ ، قلت:
وقال ابن معين: ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه، وقال أبو داود: لا أعلم أحدا ترك حديثه وغيره أحب إلى منه،
كذا فى تهذيب الحافظ .
٢٧١٦ - قوله (كان يدهن) بتشديد الدال (غير المقتت) بقاف وتائين مثناتين فوقيتين الأولى مشددة من
التقنيت حال من الزيت أو صفة له، وهو الذى يطبخ فيه الرياحين حتى يطيب ريحه ، قال فى القاموس زيت مقتت،
طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيبة -انتهى (يعنى) هو كلام بعض الرواة يعنى يريد ابن عمر بغير المقتت (غير المطيب)
٣٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
وفى الحديث دلالة على جواز الادمان بالزيت الذى لم يخلط بشئى من الطيب ، لكن الحديث ضعيف كما ستعرف ،
ويستدل بمفهومه على أنه لو كان مطيبا لم يجز الادمان به، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للحرم أن يأكل الزيت
والشحم والسمن والشيرج وأن يستعمل ذلك فى جميع بدنه سوى رأسه ولحيته. قال: وأجمعوا على أن الطيب لا يجوز استعماله
فى بدنه نفرقوا بين الطيب والزيت فى هذا. قال الحافظ: فقياس كون المحرم ممنوعا من استعمال الطيب فى رأسه أن ياح
له استعمال الزيت فى رأسه ـ انتهى قلت: فى نقل الاجماع على جواز استعمال الزيت ونحوه فى جميع البدن نظر،
فكلام الحنفية والمالكية يدل على أن الادهان منوع عندهم، فٍ الهداية: ولا يمس طيا لقوله عليه السلام: الحاج الشعث
النفل، وكذا لا يدهن لما روينا - انتهى. قال ابن الهمام: والشعث انتشار الشعر وتغيره لعدم تعهده ، فأفاد منع
الإدمان - انتهى. وقال القارى فى شرح المناسك: إن ادهن بدهن غير مطيب كالزيت الخالص وأكثر منه فعليه دم
عند أبى حنيفة وصدقة عندهما، وروى عنه مثل قولهما وإن استقل منه فعليه صدقة اتفاقاً، هذا إذا استعمله على وجه
الطيب، أما إذا استعمله على وجه التداوى أو الأكل فلا شئ عليه اتفاقا. ولو ادهن بسمن أو شحم أو ألية أو أكله
فلا شئ عليه، ولا فرق بين الشعر والجسد فى الدهن ـ انتهى. وفى البدائع: لوادهن بدهن فإن كان الدهن مطيبا فعليه دم
إذا بلغ عضوا کاملا ، وإن كان غير مطیب بأن ادهن بزيت فعليه دم فى قول أبى حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد عليه
صدقة ولو داوى بالزيت جرحه أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه لأنه ليس بطيب بنفسه ، وإن كان أصل الطيب لكنه
ما استعمله على وجه الطيب فلا يجب به الكفارة بخلاف ما إذا تداوى بالطيب أنه تجب به الكفارة لأنه طيب فى نفسه
فيستوى فيه استعماله للتطيب أو لغيره، وإن أدهن بشحم أوسمن فلا شئى عليه لأنه ليس بطيب فى نفسه، ولا أصل الطيب
بدليل أنه لا يطيب بإلقاء الطيب فيه ولا يصير طيبا بوجه، وقد قال أصحابنا إن الأشياء التى تستعمل فى البدن على ثلاثة
أنواع: نوع هو طيب محض معد للتطيب كالمسك وتحوه فتجب به الكفارة على أى وجه استعمل حتى قالوالوداوى
عينه بطيب تجب عليه الكفارة، ونوع ليس بطيب بنفسه وليس فيه معنى الطيب ولا يصير طيا بوجه كالشحم فسواء أكل
أو ادهن به أو جعل فى شقوق الرجل لا تجب الكفارة ، ونوع ليس بطيب بنفسه لكنه أهل الطيب يستعمل على وجه
الطيب ويستعمل على وجه الإدام كالزيت والشيرج فيعتبر فيه الاستعمال ، فإن استعمل استعمال الادمان فى البدن
يعطى له حكم الطيب، وإن استعمل فى مأكول أو شقاق رجل لا يعطى له حكم الطيب كالشحم - انتهى. وقال فى اللباب:
لا فرق بين الشعر والجسد فى الدهن. وقال الباجى: الادمان بعد الاحرام وقبل وجود شئى من التحلل بخوع
بدهن مطیب وغیر مطیب، وروى ابن حبيب عن الليث إباحة ذلك بكل ما يجوز له أكله من الأدمان ، وقال: إنه
قول عمر وعلى ، فإن فعل شيئا من ذلك فقد روى ابن حبيب عن مالك أن عليه الفدية، واختار ابن حبيب أن لا ندية
٣٨٠