النص المفهرس
صفحات 341-360
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحر
متفق عليه. وزاد البخارى فى رواية:
الفدية به روايتان. وقال الخفية: إن أكل الطيب فى طعام قد طبخ وتغير فلا شئ عليه، وإن لم يطبخ وريحه موجود
كره له ذلك، وقد يقال: إن تحريم الأكل حيث حرم مأخوذ من طريق الأولى، لأن الأكل أبلغ فى مخالطة الجسد
من اللبس، تنبيه: قال الحافظ: زاد الثورى فى روايته عن أيوب عن نافع فى هذا الحديث ((ولا القباء) أخرجه
عبد الرزاق عنه، ورواه الطبرانى من وجه آخر عن الثورى ، وأخرجه البيهقى والدار قطنى عن عبيد الله بن عمر عن نافع
أيضا. والقباء معروف ويطلق على كل ثوب مفرج، ومنع لسه على المحرم متفق عليه إلا أن أبا حنيفة قال: يشترط
أن يدخل يديه فى كميه لا إذا ألقاه على كتفه، ووافقه أبو ثور والخرقى من الحنابلة - انتهى. وقال الولى العراقى: ظاهر
زيادة لفظ القباء أنه لا فرق بين أن يدخل يديه فى كميه أم لاوبه قال مالك والشافعى وأحمد وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعى
وحكاه ابن عبد البر عن سفيان الثورى والليث بن سعد وزفر، وخص أبو حنيفة ذلك بما إذا أدخل يديه فى كميه ، فإن
اقتصر على لبسه على كتفيه لم يحرم وبه قال إبراهيم النخعى وحكاه ابن عبد البر عن أبى ثور ـ انتهى. وقال الباجى:
ژیس له أن يدخل منکبیه، فإن فعل ذلك انتدی، وبه قال الشافعى، وقال أبو حنيفة : لا شئ عليه حتى يدخل يديه فى
كميه - انتهى . وقال الدردير فى محرمات الاحرام: وقباء وإن لم يدخل كما فى يد بل وضعه على منكبيه مخرجا يديه من
تحته، ومحل المنع إن أدخل المتكبين فى محلهما، فإن نكسه بأن جعل أسفله على منكبيبه فلا فدية - انتهى (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى العلم وفى الصلاة وفى المناسك وفى اللباس، ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد مرارا، ومالك
وأبوداودوالترمذى والنسائى وابن ماجه والدارمى والدار قطنى والبيهق وابن الجارود والطحاوى (وزاد البخارى فى رواية)
وكذا زاده أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى كلهم من رواية الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر. وذكر البخارى
وأبو داود وغيرهما الاختلاف فى رفع هذه الزيادة ووقفها. قال البخارى بعد روايته: تابعه (أى الليث) موسى بن
عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق فى النقاب والقفازين (أى فى ذكرهما فى الحديث المرفوع)
وقال عبيد الله (يعنى ابن عمر العمرى) ولا ورس، وكان يقول: ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن
نافع عن ابن عمر ((لا تنتقب المحرمة)) وتابعه ليث بن أبى سليم - انتهى. قال الحافظ: قوله ((وقال عبيد اللّه ولا ورس،
إلخ. يعنى أن عبد الله المذكور خالف المذكورين قبل فى رواية هذا الحديث عن نافع فوافقهم على رفعه إلى قوله «زعفران
ولا ورس)) وفصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر ، وهذا التعليق عن عبيد الله وصله إسحاق بن راهويه فى مسنده
عن محمد بن بشر وحماد بن مسعدة وابن خزيمة من طريق بشر بن المفضل ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر عن نافع فساق
الحديث إلى قوله ((ولا ورس)) قال وكان عبد الله يعنى ابن عمر يقول: ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين. ورواه.
٣٤١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يحتقبه المحرم
ولا تنتقب المرأة المحرمة ، ولا تلبس القفازين.
يحيى القطان عند النسائى وحفص بن غياث عند الدار قطنى كلاهما عن عبيد الله، فاقتصر على المنفق على رفعه، وقوله
((وقال مالك، إلخ. هو فى الموطأ كما قال مالك، والغرض أن مالكا اقتصر على الموقوف فقط. وفى ذلك تقوية لرواية
عبد الله، وظهر الإدراج فى رواية غيره. وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالادراج فى هذا الحديث لورود
النهى عن النقاب والقفاز مفردا مرفوعا (عند أبى داود من رواية إبراهيم بن سعد المدنى عن نافع عن ابن عمر عن
النبي ◌َّة) وللابتداء بالنهى عنهما فى رواية ابن إسحاق (عن نافع عن ابن عمر عند أحمد وأبي داود والحاكم) وقال
فى الاقتراح: دعوى الإدراج فى أول المتن ضعيفة وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدمت
ولا سيما إن كان أحفظ والأمر ههنا كذلك، فإن عبيد الله بن عمر فى نافع أحفظ من جميع من خالفه ، وقد فصل
المرفوع من الموقوف، وأما الذى اقتصر على الموقوف فرفعه (وهو إبراهيم بن سعد) فقد شذ بذلك وهو ضعيف، وأما
الذى ابتدأ فى المرفوع بالموقوف (وهو ابن اسحاق) فإنه من التصرف فى الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة
فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذى فصل زيادة على فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا فى شرح الترمذى - انتهى.
قلت: وبسط الكلام على ذلك الولى العراقى فى شرح التقريب (ج ٥: ص ٤٣،٤٢) نقلا عن شرح الترمذى لوالده
الزين العراقى (لا تنتقب) بفوقيتين مفتوحتين بينهما نون ساكنة ثم قاف مكسورة من باب الافتعال وهو مجزوم على
النهى فتكسر لالتقاء الساكنين، ويجوز رفعه على الخبرية، والانتقاب هو أن تخمر المرأة وجهها أى تغطيه بالخمار وتجعل
لعينيها خرقين تنظر منهما (المرأة المحرمة) قال الزرقانى: أى لا تلبس النقاب وهو الخمار الذى تشده المرأة على الأنف
أو تحت المحاجر وإن قرب من العين حتى لا يبدو أجفانها فهو الوصواص - بفتح الواو وسكون الصاد
الأولى - فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللفاف - بكسر اللام وبالفاء - فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه
شئى فهو اللثام بالمثلثة - انتهى (ولا تلبس) بفتح الباء والجزم على النهى ويجوز رفعه (القفازين) بضم القاف وشد الفاء
وبعد الألف زأى تثنية قفاز بوزن رمان شئى تلبسه نساء العرب فى أيديهن يغطى الأصابع والكف والساعد من البرد
ويكون فيه قطن محشو، ذكره الطيبى. وقيل يكون له أزراريزر على الساعد، كذا فى المرقاة . وقال الحافظ : القفاز ما
تلبسه المرأة فى يدها فيغطى أصابعها وكفيها عند معاناة الشئى كغزل ونحو، وهو لليد كالخف الرجل - انتهى، قال الولى
العراقى: النهى عن الانتقاب دل على تحريم ستر الوجه بما يلاقيه ويمسه دون ما إذا كان متجافيا عنه، وهذا قول الأئمة
الأربعة وبه قال الجمهور. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخفاف وأن لها أن تغطى رأسها
إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال ولا تخمر إلا ما روى عن فاطمة بنت المنذر،
قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبى بكر الصديق فلا تتكره علينا. قال ابن المنذر. ويحتمل
٣٤٢
١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
أن یکون ذلك التخمير سدلا کما باء عن عائشة. قالت کان الر کبان یمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله {ٹے ، فإذا
حاذوا بنا سدلت إحدانا جلابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه، أخرجه أبوداود وابن ماجه. وقال
ابن المنذر أيضا: لا نعلم أحدا من أصحاب رسول اللّه ◌َيل رخص فيه يعنى النقاب، ثم قال: وكانت أسماء بنت أبى بكر
قفعلى وجهها وهى محرمة، وروينا عن عائشة أنها قالت: المحرمة تغطى وجهها إن شاءت. وقال ابن عبد البر: وعلى
کرامة النقاب المرأة جمهور علماء المسلین من الصحابة والتابعين ومنبعدهم من فقهاء الأمصار أجمعین إلا شئ روی عن
أسماء بنت أبى بكر أنها كانت تغطى وجهاوهى محرمة، وعن عائشة أنها قالت: تغطى المرأةوجهها إن شاءت وروى عنها أنها لا تفعل
وعلیهالناس۔انتهى . وهذا كله يدل على اتفاق العلماءعلى وجوب كشف وجهها وعلى أنها أن تسدل الثوب و ترخیه من فوق
رأسها على وجهها للتستر عن أعين الناس كما يدل عليه حديث عائشة المذكور. وعليه يحمل ما روى عن فاطمة بنت المنذر وأسماء
بنت أبى بكر. وقال ابن القيم: أما نهيه مَئل فى حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين فهو دليل على أن وجه
المرأة كبدن الرجل لا كرأسه فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع ، ولا يحرم عليها ستره
بالمقعة والجلباب ونحوهما، وهذا أصح القولين فإن النبي مَثّم سوى بين وجهها ويديها ومنعها من القفازين والنقاب ،
ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان ، فهكذا الوجه
إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه. وليس عن النبي مَثيم حرف واحد فى وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا
النهى عن النقاب وهو كالنهى عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء، وقد ثبت عن أسماء أنها
كانت تغطى وجهها وهى محرمة، وقالت عائشة: كانت الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول اللّه مي فإذا
حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجها فإذا جاوزونا كشفنا، ذكره أبو داود. واشتراط المجافاة عن الوجه - كما
ذكره القاضى وغيره - ضعيف لا أصل له دليلا ولا مذهبا. قال صاحب المغنى: ولم أر هذا الشرط - يعنى المجافاة - عن أحمد
ولا هو فى الخبر مع أن الظاهر خلافه فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطا لين،
وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحو هما مما يعد لستر الوجه ، قال أحمد : لها أن تسدل على وجهها من فوق ، ولیس
لها أن ترفع الثوب من أسفل ، كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها ، تم كلامه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث
المروى عن النبي ◌َّم أنه قال إحرام الرجل فى رأسه وإحرام المرأة فى وجهها، فجعل وجه المرأة كرأس الرجل، وهذا
يدل على وجوب كشفه؟ قيل: هذا الحديث لا أصل له أى فى المرفوع ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها
ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة، ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها ، وأنه يحرم عليها
فيه ما أعد العضو كالنقاب والبرقع ونحوه، لا مطلق الستر كاليدين - انتهى، ونحو ذلك قال ابن تيمية. وأما بس
٣٤٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
المرأة القفازين فمختلف فيه فذهب مالك وأحمد إلى منعه وهو أصح القولين عن الشافعى وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر
وعطاء ونافع وإبراهيم النخعى. وقال ابن المنذر اتقاؤه أحب إلى الحديث الذى جاء فيه (يعنى حديث ابن عمر الذى
نحن فى شرحه) وقال ابن عبد البر: الصواب عندى بهى المرأة عنه ووجوب الفدية عليها به لثبوته عن النبي مَّه، وذهب
آخرون إلى جوازه وحكاه ابن المنذر عن سعد بن أبى وقاص وعائشةوعطاء والثوری ومحمد بن الحسن، وحكاه النووى
وغيره عن أبى حنيفة. قال ابن عبد البر: ويشبه أن يكون مذهب ابن عمر لأنه كان يقول: إحرام المرأة فى وجهها - انتهى
قال الولى العراقى: وهو رواية المزنى عن الشافعى وصححه من أصحابنا الغزالى والبغوى، قال الرافعى: لكن أكثر النقلة على
ترجيح الأول، وحكى الخطابى عن أكثر أهل العلم أنه لا ندية عليها إذا لبست القفازين، وهو قول عند المالكية -
انتهى. قلت: اتفقت فروع المذاهب الثلاثة على منع المحرمة من لبس القفازين واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر الذى
نحن فى شرحه، ومذهب الحنفية على ما فى البدائع أنه لا يكره لبس القفازين عندهم. قال الكاسانى: وهو قول على
وعائشة. قال: وقال الشافعی : لا يجوز لحديث ابن عمر ، ولنا ما روی أن سعد بن أبى وقاص كان يلبس ناته وهن
محرمات القفازين ولأن لبس القفازين ليس إلا تغطية يديها بالمخيظ وأنها غير منوعة عن ذلك فإن لها أن تغطيهما
بقميصها وإن كان مخيطا فكذا بمخيط آخر بخلاف وجهها، وقوله لا تلبس القفازين نهى ندب حملناه عليه جمعا بين
الدلائل بقدر الإمكان - انتهى. وقال ابن القيم: تحرم لبس القفازين قول عبد الله بن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد
وإبراهيم النخعى ومالك والامام أحمد والشافعى فى أحد قوليه وإسحاق بن راهويه، وتذكر الرخصة عن على وعائشة
وسعد بن أبى وقاص وبه قال الثورى وأبو حنيفة والشافعى فى القول الآخر. ونهى المرأة عن لبسهما ثابت فى الصحيح
كنهى الرجل عن ليس القميص والعمائم ، وكلاهما فى حديث واحد عن راو واحد ، وكنهه المرأة عن النقاب وهو فى
الحديث نفسه، وسنة رسول اللّه مَّ أولى بالاتباع، وهى حجة على من خالفها، وليس قول من خالفها حجة عليه.
فأما تعليل حديث ابن عمر فى القفازين بأنه من قوله فإنه تعليل باطل ، وقد رواه أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد عن
ابن عمر عن النبي ◌ُّثم فى حديث نهيه عن لبس القمص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها القفازين،
ولا ريب عند أحد من أئمة الحديث أن هذا کله حدیث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله گێ مرفوعا إليه،
ليس من كلام ابن عمر ، وموضع الشبهة فى تعليله أن ناضا اختلف عليه فيه، ثم ذكر ابن القيم عن أبى داود والبخارى ما
وقع من الاختلاف فى رفعه ووقفه ثم قال: فالبخارى ذكر تعليله ولم يرها علة مؤثرة فأخرجه فى صحيحه عن عبد الله بن
يزيد عن الليث عن نافع عن ابن عمر - انتهى. ثم ظاهر قوله ولا تنتقب المرأة اختصاصها بذلك، وأن الرجل ليس كذلك
وهو مقتضى ما ذكره أول الحديث فيما يتركه المحرم، فإنه لم يذكر فيه ستر الوجه. ومذهب الشافعى وأحمد والجمهور
٣٤٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
٢٧٠٤ - (٢) وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول اللّه ◌ُ يخطب، وهو يقول: إذا لم يجد
المحرم فعلين ليس خفين، وإذا لم يجد إزارا ليس سراويل.
أنه يجوز للحرم ستر وجهه ولا فدية عليه، وفيه آثار عن الصحابة عثمان ابن عفان وزيد بن ثابت ، وذهب أبو حنيفة
ومالك إلى منعه كالرأس وهو رواية عن أحمد، وقالوا: إذا حرم على المرأة ستر وجهها مع احتياجها إلى ذلك فالرجل
أولى بتحريمه. وتمسكوا أيضا بقوله عليه الصلاة والسلام فى المحرم الذى وقصته ناقته ولا تخمروا وجهه ولا رأسه.
وأجاب الجمهور عنه بأن النهى عن تغطية وجهه إنما كان لصيانة رأسه لا لقصد كشف وجهه. ولا بد من هذا التأويل
لأن المتمسكين بهذا الحديث وهم الحنفية والمالكية لا يقولون يقاء أثر الإحرام بعد الإحرام بعد الموت لا فى الرأس
ولا فى الوجه، والجمهور يقولون: لا إحرام فى الوجه فى حق الرجل فحينئذ لم يقل بظاهره أحد منهم ، ولابد من تأويله
على أن المالكية قالوا إنه لا فدية فى تغطية المحرم وجه إلا فى رواية ضعيفة جزم بها ابن المنذر عن مالك ، وبنى بعضهم
هذا الخلاف على أن التغطية حرام أو مكروهة، وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن أنه إن غطی ثلثه أو ربعه فعليه دم،
وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة. ومذهب الحنفية أنه لو غطى جميع وجهه بمخيط أو غيره يوما وليلة فعليه دم وفى
الأقل من یوم صدقة کما بسط فى فروعهم . وروى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح يغطى المحرم وجههما دون
الحاجبين أى من أعلى. وفى رواية له ما دون عينيه. قال الزين العراقى: ويحتمل أنه أراد الاحتياط لكشف الرأس.
ولكن هذا أمر زائد على الاحتياط لذلك، وهو حاصل بدونه - انتهى. وفى المسئلة قول رابع وهو أنه إن كان حيا فظه
تغطية وجهه، وإن كان ميتالم يجز، قاله ابن حزم ، قال الحافظ: قال أهل الظاهر: يجوز للحرم الحى تغطية وجهه ولا
يجوز للحرم الذى يموت عملا بالظاهر فى الموضعين - انتهى.
٢٧٠٤ - قوله (يخطب) أى بعرفات كما تقدم (إذا لم يجد المحرم فعلين لبس خفين) أى بعد قطعهما أسفل من
الكعبين كما هو مذهب الجمهور خلافا لأحمد (وإذا لم يجد إزارا لبس سراويل) فيه دليل على جواز لبس السراويل عند
عدم الإزار من غير لزوم شئ، وإليه ذهب أحمد والشافعى ، وعن أبى حنيفة منع السراويل الحرم مطلقا، ومثله عن
مالك وكأنه لم يبلغه حديث ابن عباس، ففى الموطأ أنه سئل عما ذكر عن النبي مُؤثم أنه قال من لم يجد إزارا فليلبس
سراويل فقال: لم أسمع بهذا ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل، لأن رسول اللّه مَّل نهى (فى حديث ابن عمر) عن
لبس السراويلات (مطلقا) فيما نهى عنه من لبس الثياب التى لا ينبغى للحرم أن يلبسها ولم يستثن فيها (أى فى
السراويلات فى حديث ابن عمر) كما استثنى فى الخفين - انتهى. قال ابن عبد البر: قال عطاء بن أبي رباح والشافعى
وأصحابه والثورى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود: إذا لم يجد المحرم إزارا لبس السراويل ولا
٣٤٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
شئ عليه، وحكاه النووى عن الجمهور، قال: ولا حجة فى حديث ابن عمر لأنه ذكر فيه حالة وجود
الإزار وذكر فى حديث ابن عباس حالة العدم ولا منافاة. وقال الرازى من الحنفية: يجوز لبسه وعليه
الفدية كما قال أصحابهم فى الخفين، وأجاب بعض الحنفية عن هذا الحديث بأنه متروك الظاهر، ثم حكى عن القدورى
أنه قال فى التجريد: وافقونا على أن السراويل لوكان كبيراً يمكن أن يتزر به من غير فتق لم يجز لبسه لأنه واجد
للإزار، وكذا لوخاط إزاره سراويل قطعة واحدة لا يجوز لبسه وإن لم يجد إزارا غيره ، لأنه إزار فى نفسه إذا
فتقه. قال الزين العراقى فى شرح الترمذى: لا يحصل الاعتراض بهاتين الصورتين لأنه واجد للإزار فيهما وقد علله
القدورى بذلك، وإنما يجوز لبس السراويل عند عدم وجدان الإزار فليس الحديث إذن متروك الظاهر، كذا فى
شرح التقريب. وقال ابن رشد: اختلفوا فى من لم يجد غير السراويل هل له لباسها ؟ فقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز
له لباس السراويل وإن لبسها افتدى، وقال الشافعى والثورى وأحمد وأبو ثور وداود: لا شئ عليه إذا لم يجد إزارا،
وعمدة مذهب مالك ظاهر حديث ابن عمر المتقدم، وعمدة الطائفة الثانية حديث ابن عباس - انتهى. قال الأبى: ما
فى حديث ابن عباس أخذ به الشافعى ولم يأخذ به مالك لسقوطه فى حديث ابن عمر. وقال فى الموطأ: لم أسمع بها ولا
أرى أن يلبسها المحرم، إلخ. وهذا يدل على أن هذه الزيادة لم تبلغه أو لم يبلغه أن المحرم يلبسه على حاله، أما لو فتق وجعل
منه شبه إزار جاز - انتهى. قلت: ومذهب الحنفية أنه إذا لم يجد غير سروال فليسه من غير فتق فعليه دم، وإن شقه
واتزره فلا شئ عليه. قال الرازى: يجوز لبس السراويل من غير فتق عند عدم الإزار، ولا يلزم منه عدم لزوم الدم
لأنه قد يجوز ارتكاب المحظور للضرورة مع وجوب الكفارة كالحلق للأذى ولبس المخيط للعذر. وقد صرح الطحاوى
فى الآثار بإباحة ذلك مع وجوب الكفارة. قال القارى: وليس فى الحديث أنه لا يلزمه فتق السراويل حتى يصير غير
مخيط كما قال به أبو حنيفة قياسا على الخفين. وأما اعتراض الشافعية بأن فيه إضاعة مال فردود بما تقدم، نعم لو فرض
أنه بعد الفتق لا يستر العورة يجوز له لبسه من غير فتق بل هو متعين واجب إلا أنه يقدى. وأما قول ابن حجر: وعن
أبى حنيفة ومالك امتناع لبس السراويل على هيئته مطلقا فغير صحيح عنهما ، وقال الولى العراقى: لم يأمر فى الحديث
بقطع السراويل عند عدم الإزار كما فى الخف وبه قال أحمد وهو الأصح عند أكثر الشافعية. وقال إمام الحرمين
والغزالى: لا يجوز لبس السراويل على حاله إلا إذا لم يتأت فتقه وجعله إزارا، فإن تأتى ذلك لم يجز لسه، وإن
لبسه لزمته الفدية. وقال الخطابي: يحكى عن أبى حنيفة أنه قال يفتق السراويل ويتزر به، وقالوا: هذا كما جاء فى الخف
أنه يقطع. قال الخطابي: والأصل فى المال أن تضيعه حرام والرخصة إذا جاءت فى لبس السراويل فظاهرها اللبس
المعتاد، وستر العورة واجب، وإذا فتق السراويل واتزر به لم تستتر العورة، وأما الخف فإنه لا يغطى عورة وإنما
٣٤٦
٠
ـرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
متفق عليه.
٢٧٠٥ - (٣) وعن يعلى بن أمية، قال: كنا عند النبى رَ بالجعرانة إذ جاءه رجل أعرابى ،
هو لباس رفق وزينة فلا يشتبهان، ومرسل الإذن فى لبس السراويل إباحة لا تقتضى غرامة - انتهى. قال الحافظ:
ومن أجاز لبس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون فى حالة لو فتقه لكان إزارا لأنه فى تلك الحالة يكون واجد
الإزار - انتهى. قلت: الظاهر عندنا ما ذهب إليه أحمد وأكثر الشافعية من أنه يجوز لبس السراويل بغير فتق عند
عدم الإزار، ولا يلزمه شئ (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى اللباس بلفظ ((من لم يجد النعلين فليلبس الخفين
ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل الحرم، وأخرجه مسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١، ص ٢١٥، ٢٢١
٢٧٩،٢٢٨ ، ٢٨٥ ، ٣٣٧) وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٥: ص ٥٠).
٢٧٠٥ - قوله (وعن يعلى) بمفتوحة وسكون مهملة وفتح لام وقصر كيرضى (بن أمية) بمضمومة نشفة مفتوحة
وشدة تحتية ، هو يعلى بن أمية بن أبى عبيدة بن همام التميمى حليف قريش وهو المعروف ببعلى بن منية بضم الميم وسكون
النون وفتح التحتانية وهى أمه، وقيل جدته أم أبيه، كنيته أبو خلف، ويقال أبو خالد، ويقال أبو صفوان ، أسلم يوم
الفتح وشهد الطائف وحنينا وتبوك مع رسول الله تَثي، وروى عنه وعن عمر بن الخطاب وروى عنه أولاده صفوان
ومحمد وعثمان وغيرهم، واستعمله أبو بكر على حلوان فى الردة ثم عمل لعمر على بعض اليمن فحمى لنفسه حى فعزله،
ثم عمل لعثمان على صنعاء اليمن وحج سنة قتل عثمان فخرج مع عائشة فى وقعة الجمل، ثم شهد صفين مع على ، وكان جوادا
معروفا بالكرم، له تسعة عشر حديثا ، مات سنة بضع وأربعين (كنا عند النبي ◌َّثية بالجعرانة) أى معتمرين سنة ثمان
فى ذى القعدة بعد فتح مكة بالعمرة المسماة بعمرة الجعرانة، وهو اسم مكان بين الطائف ومكه ، وهو إلى مكة أقرب وفى
ضبطه لغتان مشهورتان. قال النووى: إحداهما إسكان العين (يعنى بعد الجيم المكسورة) وتخفيف الراء، والثانية کسر
العين وتشديد الراء ، الأولى أفصح، وبهما قال الشافعى وأكثر أهل اللغة - انتهى. وقال ابن الأثير: وهى قريب من
مكة وهى فى الحل وميقات الإحرام، وقال القارى: الجعرانة موضع معروف، أحرم منه التي مربية للعمرة ، وهو
أفضل من التنعيم عند الشافعية خلافا لأبى حنيفة بناء على أن الدليل القولى أقوى، لأن القول لا يصدر إلا عن قصده،
والفعل يحتمل أن يكون اتفاقيا لا قصديا، وقد أمر مرَّ عائشة رضى الله عنها أن تعتمر عن التنعيم وهو أقرب المواضيع
من الحرم - انتهى، وقد تقدم الكلام على ذلك فى شرح حديث عائشة ثانى أحاديث باب قصة حجة الوداع (إذ جاء.
رجل أعرابى) منسوب إلى الأعراب وهم سكان البادية أى بدوى. قال الحافظ فى الفتح: لم أقف على اسمه. وقال فى
مقدمة الفتح: الصواب أنه أى الرجل المبهم يعلى بن أمية راوى الحديث كما أخرجه الطحاوى من طريق شعبة عن قنادة
٣٤٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
عليه جبة وهو متضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله! إنى أحرمت بالعمرة وهذه على. فقال: أما
الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع فى عمرتك كما تصنع فى حبك.
عن عطاء أن رجلا يقال له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة فأمره النبي تبين أن ينزعها، قلت: روى الطحاوى بسنده إلى شعبة
عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا يقال له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة فأمره النبي مُؤَّ أن ينزعها. قال قتادة:
قلت لعطاء: إنما كنا نرى أن نشقها فقال عطاء إن الله لا يحب الفساد، فإن صح الحديث فيكون هو يعلى بن أمية صاحب
القصة كما قال الحافظ: وأبهم اسمه كما يحصل كثيرا من بعض الرواة لغرض ما، والله أعلم (عليه جبة) ثوب معروف،
وفى رواية «عليه قميص، (وهو) أى الرجل (متضمخ) بالضاد والخاء المعجمتين أى متلوث ومتلطخ، يقال: قضمخ
بالطيب إذا تلطخ به وتلوث به (بالخلوق) بفتح الخاء المعجمة نوع من الطيب يجعل فيه زعفران (إنى أحرمت بالعمرة
وهذه) أى الجبة (على) بتشديد الياء (أما الطيب الذى بك) أى لصق ببدنك من الجبة (فاغسله ثلاث مرات) قال
عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبي ◌َّم فيكون نصا فى تكرار الغسل، ويحتمل أنه من كلام الصحابى وأنه مؤلم أعاد
لفظ ((اغسله)) ثلاث مرات على عادته أنه إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاث مرات لنفهم عنه - انتهى. وقال القارى: ذكر
الثلاث إنما هو لنوقف إزالة الخلوق عليها غالبا، وإلا فالواجب إزالة العين بأى وجه كان - انتهى. وفى رواية
البخارى ((قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ فقال نعم)). قال الحافظ: القائل هو ابن جريج
وهو دال على أنه فهم من السياق أن قوله ((ثلاث مرات)) من لفظ التي مرّے ، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابى
وأنه مَيُّ أعاد لفظة (((غسله)) مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه، نبه عليه عياض -
انتهى. وفى رواية أبى داود والبيهقى أمره أن ينزعها نزعا ويغتسل مرتين أو ثلاثا. قال النووى: إنما أمر بالثلاث
مبالغة فى إزالة لونه وريحه والواجب الإزالة ، فإن حصلت بمرة كفت ولم تجب الزيادة ، ولعل الطيب الذى كان على
هذا الرجل كثير ويؤيده قوله متضمخ (وأما الجبة فانزعها) بكسر الزاى أى اقلعها فورا وأخرجها (ثم اصنع فى
عمرتك) هذا يدل على أن المأمور به من الأعمال ما زاد على الغسل والنزع (كما تصنع فى حجك) قال الباجى : هذا
يقتضى أنه مرَّ علم من حال السائل أنه عالم بما يفعل فى الحج وإلا فلا يصح أن يقول له ذلك لأنه إذا لم يعلم ما يفعل
الحاج لم يمكنه أن يمثله المعتمر - انتهى. اعلم أنهم اختلفوا فى المراد بقوله مزي هذا فقال ابن العربى: كأنهم كانوا
فى الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب فى الاحرام إذا حجوا وكانوا يتساهلون فى ذلك فى العمرة فأخبره النبى مزيفة
أن مجراهما واحد. وقال ابن المنير فى الحاشية: قوله ((واصنع)، معناه اترك، لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم فيؤخذ منه
فائدة حسنة وهى أن الترك فعل. قال: وأما قول ابن بطال: أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة ففيه
٣٤٨
١
:
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
فظر، لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال. فإن فى الحج أشياء زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده. وقال النووى
كما قال ابن بطال وزاد: ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج. وقال الباجى: يجب أن يكون ما أمره بأن يفعل غير ما
أمره من إزالة القميص وغسل الصفرة لأنهما قد نص عليهما فلا معنى أن ينصرف قوله «وافعل فى عمرتك ما تفعل فى
حجك)) إليهما. والوجه الآخر أنه قد عطف هذا اللفظ الثانى على النزوع والغسل فالظاهر أنهما غير هما ولا شئى
يمكن أن يشار إليه فى ذلك إلا الفدية. قال الحافظ : كذا قال الباجى: ولا وجه لهذا الحصر بل الذى تبين من طريق
أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم والنسائى من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء فى هذا
الحديث ، فقال ما كنت صانعا فى حجك؟ قال: أنزع عنى هذه الثياب وأغسل عنى هذا الخلوق، فقال ما كنت صانعا
فى حجك فاصنعه فى عمرتك ـ انتهى، واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره
من الثوب والبدن وقد تقدم الكلام فى هذا فى شرح حديث عائشة أول أحاديث باب الإحرام والتلية ، واستدل
به أيضا على أن من أصابه طيب فى إحرامه ناسيا أو جاهلا ثم على فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه (وهو مذهب الشافعى)
وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمته، وعن أبى حنيفة وأحمد فى رواية تجب مطلقا، كذا فى الفتح. وقال العينى:
فى الحديث أنه مَّ لم يأمر الرجل بالفدية فأخذ به الشافعى والثورى وعطاء وإسحاق وداود وأحمد فى رواية، وقالوا:
إن من لبس فى إحرامه ما ليس له لبسه جاهلا فلا فدية عليه والناسى فى معناه، وقال أبو حنيفة والمزنى فى رواية عنه يلزمه
إذا غطى رأسه متعمدا أو ناسيا يوما إلى الليل فإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة يتصدق بها. وقال مالك: يلزمه إذا
انتفع بذلك أو طال لبسه عليه - انتهى. قال ابن بطال: لو لزمته الفدية لبينها النبي مؤلفم أى فى هذا الحديث لأن تأخير
البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وفرق مالك فى من قطيب أو لبس ناسيا بين من بادر فنزع وغسل وبين من تمادى
والشافعى أشد موافقة للحديث، لأن السائل فى حديث الباب كان غير عارف بالحكم، وقد تمادى ومع ذلك لم يؤمر
بالفدية، وقول مالك فيه احتياط ، وأما قول الكوفيين والمزنى فهو مخالف لهذا الحديث وأجاب ابن المنير فى الحاشية
بأن الوقت الذى أحرم فيه الرجل فى الجبة كان قبل نزول الحكم، ولهذا انتظر النبى من الوحى (كما يدل عليه القصة)
قال: ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى بخلاف من
لبس الآن جاهلا، فإنه جهل حكما استقر، وقصر فى على ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفا به، وقد تمكن من فعله،
وأجيب أيضا بأن الحديث ساكت عن الفدية نفيا وإثباتا. قال الباجى: لا يقتضى ذلك إثبات الفدية ولا نفيها ، وإنما
أحاله على من قد على من حال من أحرم بالحج - انتهى. واستدل بالحديث على أن المحرم إذا صار عليه مخيط نزعه
ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه، وأنه إذا نزعه من رأسه لم يلزمه دم، وهو مذهب الجمهور، وروى عن إبراهيم النخعى
٣٤٩
المفاتيح ج 1
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
متفق عليه.
٢٧٠٦ - (٤) وعن عثمان، قال: قال رسول اللّه عَلى: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب.
والشعبى أنه لا ينزعه من قبل رأسه بل يشقه ويمزة لثلا يصير مغطيا لرأسه، أخرجه ابن أبى شية عنهما وعن على نحوه،
و کذا عن الحس وأبى قلابة وقد وقع عند أبى داود بلفظ «اخلع عنك الجنة، فخلعها من قبل رأسه) - انتهى. قال
الطبرى: ووجه الحجة عليهما أى على الشعبي والنخعى أن التي تَّثم أمره بالنزع والخلع والمتعارف فيهما إنما هو من قبل .
الرأس، ولو أراد الشق لأمره به، ثم لما نزعه من قبل رأسه أقره عليه، ولو كان ممتعا لما أقره عليه، ولو وجب بذلك
قدية لذكره وبينه كما بين غيره من الأحكام ، لأنه موضع ضرورة فإنه سأل عما يجب عليه فى تلك العمرة ، والله أعلم
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى فضائل القرآن ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٢٢٢،
٢٢٤) وأبو داود والترمذى والنسائى والطيالسى والبيهقى وغيرهم، وأخرجه مالك مرسلا، وفى الحديث قصة عند الشيخين
وأحمد وهى أن يعلى بن أمية قال لعمر: أرفى النبيِ مَّ حين يوحى إليه قال: فبينما النبي ◌َّ بالجعرانة ومعه نفر من
أصحا به جاءه رجل فقال يا رسول الله كيف ترى فى رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ◌َ ◌ّم ساعة
فجاءه الوحى فأشار عمر إلى يعلى فجاء يعلى وعلى رسول الله مؤثي ثوب قد أظل به فأدخل رأسه، فإذا رسول الله مزيلة
محمر الوجه وهو يغط ثم سرى عنه، فقال أين الذى سأل عن العمرة فأتى بالرجل فقال اغسل الطيب، إلخ. وفيها دليل على
أن المفتى والحاكم إذا لم يعرف الحكم يمسك عن الجواب حتى يتبين له وعلى أن بعض الأحكام ثبت بالوحى وإن لم يكن
مما يتلى، وعلى أن النبي ◌َّه لم يكن يحكم بالاجتهاد إلا إذا لم يحضره الوحى.
٢٧٠٦ - قوله (لا ينكح) بفتح الياء وكسر الكاف وتحريك الحاء بالكسر لالتقاء الساكنين على النهى وبالضم
على النفى، قال صاحب المحلى: مرفوع على الخبرية، ويحتمل أن يكون مجزوما بالكسر. وقال الخطابي: الرواية الصحيحة
بكسر الحاء على معنى النهى أى لا يعقد لنفسه ولا يتزوج امرأة (المحرم) بحج أو عمرة أو بهما (ولا ينكح) بضم الياء
وكسر الكاف مجزوما أو بضم الحاء أى لا يعقد لغيره بولاية ولا وكالة (ولا يخطب) بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء،
أى لا يطلب امرأة بنكاح. وزاد ابن حبان فى صحيحه («ولا يخطب عليه)) كما فى نصب الراية والدراية والفتح. قال
التوربشتى: يروى هذا الحديث عن وجهين أحدهما على صيغة الخبر ويكون لا النفى، وعلى صيغة النهى ولا هى الجازمة
والكلمات الثلاث مجزومة بها إلا أن الأولى منها تحرك بالكسر للوصل، وذكر الخطابى أنها على صيغة النهى أصح.
قال التوربشتى: قد أخرج هذا الحديث مسلم وأبو داود وأبو عيسى (الترمذى) وأبو عبد الرحمن (النسائى) فى كتبهم
والذى وجدناه الأكثر فيا يعتمد عليه من روايات الأثبات هو الرفع فى تلك الكلمات. وقد ذهب الأكثرون من
٣٥٠
١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
فقهاء الأمصار لا سيما من أصحاب الحديث إلى أن المراد منه النهى وإن روى على صيغة الخبر، وإيراد الإنشاء بصيغة
الخير أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء كماهو مقرر فى موضعه. والحديث يدل على أنه لا يجوز للحرم أن يتزوج
ولا أن يزوج غيره، وإليه ذهب أكثر أهل العلم، وعزاه النووى فى شرح المهذب لجماهير العلماء من الصحابة والتابعين
فمن بعدهم ، وقال: وهو مذهب عمر بن الخطاب وعثمان وعلى وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن
يسار والزهرى ومالك وأحمد والشافعى وإسحاق وداود وغيرهم، وقال فى شرح مسلم: قال مالك والشافعى وأحمد
وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم - انتهى. وذهبت جماعة أخرى إلى أنه يجوز للحرم
أن يتزوج ويزوج غيره، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وهو مروى عن الحكم بن عتبة والثورى والنخعى وعطاء وحماد
ابن أبى سليمان وعكرمة ومسروق. قيل: وهو قول ابن عباس وابن مسعود وأنس ومعاذ بن جبل، وإليه يظهر ميل
البخاری حیث ترجم فى المناسك بلفظ «باب تزويج امحرم، وفى النكاح بلفظ «باب نكاح المحرم، وأورد فيهما حديث ابن
عباس فى تزوج النبي ◌َّ ميمونة محرما. قال الحافظ فى الحج: أورد فيه حديث ابن عباس فى تزوج ميمونة، وظاهر
صنيعه أنه لم يثبت عنده النهى عن ذلك ولا أن ذلك من الخصائص، وقد ترجم فى النكاح باب نكاح المحرم ، ولم يزد
على إيراد هذا الحديث - انتهى. وقال الحافظ فى النكاح: كأنه يجنح إلى الجواز لأنه لم يذكر فى الباب شيئا غير
حديث ابن عباس فى ذلك، ولم يخرج حديث المنع كأنه لم يصح عنده على شرطه - انتهى. واستدل الأولون
بحديث عثمان وبما روى عن ابن عمر أن رسول اللّه مَّم قال: لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ولا يخطب عليه،
ذكره الهيثمى وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط عن أحمد بن القاسم ، فإن كان أحمد بن القاسم بن عطية فهو ثقة ، وإن
كان غيره ظم أعرفه وبقية رجاله لم يتكلم فيهم أحد، واحتج الذين ذهبوا إلى أن الاحرام لا يمنع عقد النكاح بحديث
ابن عباس الآتى فقيه التصريح بأنه حتى تزوج ميمونة وهو محرم والله تعالى يقول ﴿ولقد كان لكم في رسول الله أسوة
حسنة - سورة الأحزاب، الآية ٢١) وهو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره، فلو كان تزويج المحرم حراما لما
فعله ◌َّفة، واحتجوا أيضا بما روى عن عائشة مثل حديث ابن عباس أخرجه الطحاوى والبيهقى (ج ٧: ص. ٢١٢)
والبزار والطبرانى فى الأوسط، قال الهيشمى (ج٤: ص ٢٦٨) بعد عزوه إلى البزار والطبرانى: ورجال البزار رجال الصحيح -
انتهى. وبما روى عن أبى هريرة مثل حديث ابن عباس أيضا أخرجه الطحاوى والدار قطنى وابن حبان كما فى موارد الظمآن
(ص ٣٠٩) قال الحافظ فى الفتح فى الحج: صح نحو حديث ابن عباس عن عائشة وأبى هريرة ، وقال فى النكاح: قدمت فى
الحج أن حديث ابن عباس جاء مثله صحيحا عن عائشة وأبى هريرة، فأما حديث عائشة فأخرجه النسائى من طريق أبي سلمة عنه.
وأخرجه الطحاوى والبزار من طريق مسروق عنها وصححه ابن حبان وأكثر ما أعل بالارسال وليس ذلك بقادح فيه.
٣٥١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
وقال النسائى: أخبرنا عمرو بن على أنبأنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة عن عائشة مثله. قال عمرو
ابن على: قلت لأبي عاصم أنت أمليت علينا من الرقعة ليس فيه عائشة، فقال دع عائشة حتى أنظر فيه، وهذا إسناد صحيح
لو لا هذه القصة، لكن هو شاهد قوى أيضا. وأما حديث أبى هريرة فأخرجه الدار قطنى، وفى إسناده كامل أبو العلاء
وفيه ضعف لكنه يعتضد بحديثى ابن عباس وعائشة وفيه رد على قول ابن عبد البرأن ابن عباس تفرد من بين الصحابة
بأن النبي ◌َُّ تزوج وهو محرم ، وجاء عن الشعبى ومجاهد مرسلا مثله أخرجها ابن أبى شيبة ، وأخرج الطحاوى من
طريق عبد الله بن محمد بن أبى بكر قال سألت أنساعن نكاح المحرم فقال لا بأس به، وهل هو إلا كالبيع، وإسناده قوى
لكنه قياس فى مقابل النص فلا عبرة به، وكان أنسا لم يلغه حديث عثمان - انتهى. وأعلم أن النفى أو النهى فى قوله
«لا ينكح ولا ينكح، للتحريم، وفى قوله ((لا يخطب، للتنزيه عند الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، وفى الكل للتنزيه
عند أبى حنيفة ومن وافقه، فاتفق الأئمة الأربعة على كون النفى فى الثالث للتنزيه، والظاهر عندنا أن النهى فى
الجميع للتحريم فلا يجوز للحرم أن يخطب امرأة وكذلك المحرمة لا يجوز للرجل خطبتها ، فحرمة الخطبة
كحرمة النكاح ، لأن الصيغة فيها متحدة ، فالحكم بحرمة أحدها دون الآخر يحتاج إلى دليل خاص ، ولا دليل عليه
والظاهر من الحديث حرمة النكاح وحرمة وسيلته التى هى الخطبة كما تحرم خطبة المعتدة ، وما ذكروه من أن الخطبة لا
تحرم فى الاحرام وإنما تكره هو خلاف الظاهر من النص ولا دليل عليه، وما استدل به بعض أهل العلم من الشافعية
وغيرهم على أن المتعاطفين قد يكون أحدهما مخالفا لحكم الآخر كقوله تعالى ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر وآنو حقه يوم
حصاده - سورة الأنعام، الآية ١٤١) قالوا: الأكل مباح وإيتاء الحق واجب لا دليل فيه، لأن الأمر بالأكل
معلوم أنه ليس للوجوب ، بخلاف قوله فى الحديث ((ولا يخطب)) فلا دليل على أنه ليس للتحريم كقوله قبله ((لا ينكح
المحرم، هذا، وأجاب القائلون بجواز عقد النكاح فى الاجرام عن حديث عثمان بوجوه منها أن حديث ابن عباس
أصح وأقوى لأنه اتفق عليه الشيخان، وأما حديث عثمان فهو ما انفرد به مسلم وقد تعارضا فيقدم عليه حديث ابن
عباس. وفيه أن حديث عثمان تشريع قولى عام مقطوع الدلالة فى الحكم، وحديث ابن عباس وما فى معناه واقعة عين
ومن المعلوم أن الحديث القولى العام يقدم على الفعلى عند التعارض: وإن كان أقوى إسنادا. قال الحافظ: يترجح
حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين تحتمل أنواعا من الاحتمالات - انتهى. ومنها أن المراد
بالنكاح فى حديث عثمان وطأ الزوجة وهو حرام فى حال الإحرام إجماعا وليس المراد به العقد، وفيه أولا أن فى
نفس الحديث قريتين دالتين على أن المراد عقد النكاح لا الوطء، الأولى أن قوله ((ولا ينكح، بضم الياء دليل على أن
المراد لا يزوج لا الوطء، لأن الولى إذا زوج قبل الاجرام وطلب الزوج وطأ زوجته فى حال إحرام وليها فعليه أن
يمكنه من ذلك إجماعا فدل ذلك على أن المراد بقوله ((ولا ينكح)) ليس الوطء بل التزويج كما هو ظاهر، وأما ما قال ابن
٣٥٢
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
الهمام من أن المراد بالجملة الثانية التمكين من الوطء والتذكير باعتبار الشخص أى لا تمكن المحرمة من الوطء زوجها فلا
يخفى ما فيه من التكليف والتعسف ، على أنه ينافيه قوله ((ولا يخطب)) وهى القرينة الثانية الدالة على أن المراد بالنكاح فى
الجملتين الأوليين عقد النكاح لا الوطء، لأن المراد بالخطبة هى خطبة المرأة التى هى طلب تزويجها، وذلك دليل على أن المراد العقد
لأنه هو الذى يطلب بالخطبة، وليس من شأن وط الزوجة أن يطلب بخطبة كما هو معلوم، قال الحافظ: تأويل أهل الكوفة
حديث عثمان بأن المراد به الوطء متعقب بالتصريح فيه بقوله (ولا ينكح، بضم أوله وبقوله فيه «ولا يخطب» وثانيا أن أبان
ابن عثمان راوى الحديث وهو من أعلم الناس بمعناه فسره بأن المراد بقوله «ولا ينكح)، أى لا يزوج لأن السبب الذى أورد فيه
الحديث هو أنه أرسل له عمر بن عبيد الله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير فأنكر عليه ذلك
أشد الإنكار وبين له أن حديث عثمان عن النبي ◌َّ دليل على منع عقد النكاح فى حال الإحرام ولم يعلم أنه أنكر عليه
أحد تفسيره الحديث بأن المراد بالنكاح فيه العقد لا الوطء، وثالثا أنه روى أحمد من حديث ابن عمر أنه سئل عن
امرأة أراد أن يتزوجها رجل وهوخارج من مکه فأراد أن يعتمر أو يحج فقال: لا تتزوجها وأنت محرم ، نهى رسول
اللّه ◌ُلّ عنه. فنراه صرح بأن النكاح المنهى عنه فى الاحرام التزويج، وروى مالك والبيهقى والدار قطنى عن أبى
غطفان بن طريف أن أباه طريفا تزوج امرأة وهو محرم فرد عمر بن الخطاب نكاحه - انتهى. وهذا دليل على أن
عمر يفسر النكاح الممنوع فى الاحرام بالتزويج. وقد روى البيهقى فى السنن الكبرى بإسناده عن الحسن عن على قال:
من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته، وروى بإسناده أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا رضى الله عنه قال لا
ینکح المحرم فإن نکح رد نكاحه، وروى باسناده أيضا عن شوذب مولی زید بن ثابت أنه تزوج وهو محرم ففرق بينهما
زيد بن ثابت، وروى بإسناده أيضا عن سعيد بن المسيب أن رجلا تزوج وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرق
بينهما. وقال الحافظ: قد ثبت أن عمر وعليا وغيرهما من الصحابة فرقوا بين محرم نكح وبين امرأته ولا يكون هذا إلا
عن ثبت - انتهى. فهذه الآثار صريحة فى أن النكاح المنهى عنه فى الاجرام هو التزويج وأن النهى للتحريم، وحمل
هذه الآثار على أن عملهم ذلك كان من قبيل الزجر والتعزير سدا للذرائع بعيد جدا بل هو باطل. ومن الوجوه
التى أجاب بها القائلون بجواز النكاح فى الاحرام أن النهى فى حديث عثمان الكرامة وأن المراد منه أن النكاح والخطبة
ليست من شأن المحرم فإنه فى شغل شاغل عن ذلك، قال التور بشتى: قصد النبي محدّثله بذلك كف المحرم وتفتير رغبته عن
النكاح والإنكاح والخطبة لكونها مدعاة إلى هيجان الشهوة ولم يقصد تحريمه، وقال الشيخ محمد عابد السندى: الأولى أن يقال:
النهى للكرامة جمعا بين الدلائل، وذلك لأن المحرم فى شغل عن مباشرة عقود الأنكحة، لأن ذلك يوجب شغل خاطره عما
هو بصدده من المناسك فكرهه الني مَثّ لذلك، وإنما قلنا إنه الأولى لأنه لا قائل بعدم جواز الخطبة للحرم (كما تقدم)
٣٥٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
رواه مسلم.
٢٧٠٧ - (٥) وعن ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم.
وحاصله أن قران النكاح والإنكاح بالخطبة دليل على أن النهى للكرامة لأنه لا خلاف فى جواز الخطبة ، وإنما
الخلاف فى كرامتها ، فالخطبة تصح عندهم مع الكرامة فكذا النكاح والإنكاح. وقال ابن الهمام: يحمل قوله ((لا
يتكح المحرم، على نهى الكراهة جمعا بين الدلائل، وذلك لأن المحرم فى شغل عن مباشرة عقود الأنكحة، لأن ذلك
يوجب شغل قلبه عن الإحسان فى العبادة لما فيه من خطبة ومراودات ودعوة واجتماعات ، ويتضمن تنبيه النفس لطلب
الجماع، وهذا محمل قوله ،ولا يخطب)) ولا يلزم كونه مَيفتلم باشرا لمكروه (أى فى قصة تزويج ميمونة محرما) لأن
المعنى المنوط به الكرامة هو عليه الصلاة والسلام منزه عنه، ولا بعد فى اختلاف حكم فى حقنا وحقه لاختلاف المناط
فيه وفينا كالوصال نهانا عنه وفعله ـ انتهى. وقال التوربشتى: فإن قيل كيف يصرف معنى الحديث إلى التنزه عن
الخلال الثلاث وأنت تأبى أن يقال وهم ابن عباس (أى فى قوله تزوج النبي مؤثّة وهو محرم) فترى أن النبى حز فه لم
يتنزه عن ذلك، قلنا: كان النبي ◌َّثَّ مشرعا يفعل الشئى ليعلم أنه مباح، ويفعل الشئى ليقتدى به وكان يفعل الشئى أيضا
متخصصا به، ولم يكن هذا من باب ما خص به لأنه لو كان كذلك لبينه ولم يكن للاقتداء لأنه لم يحث عليه بل منع عنه
حالة الإحرام بالمفهوم عن الحديث، وبعد فإن حاله مَّثة فى التمكن من الاستقامة والتصرف فى القوى البشرية كانت
خلاف حال غيره من الأمة، وقد كان ◌َفي مسيطرا على حوائج النفس بتمكين اللّه إياه ، وفى هذا المعنى حديث
عائشة كان رسول اللّه مَّ يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لأربه. وفيه أن الأصل فى النهى التحريم، وهو الذى
فهمه راوی الحديث أبان بن عثمان وغيره من الصحابة کعمر وابنه وعلى وزيد بن ثابت فلا یعدل عنه الا بدليل صریح،
وأما حديث ابن عباس فسيأتى الجواب عنه، وقد سبق منا أن النهى فى قوله «لا يخطب) أيضا للتحريم كالجملتين الأولين
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٥٧، ٦٤، ٦٨، ٧٣) ومالك وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه
وابن حبان والبيهقى وابن الجارود والدارمى والحمدى وغيرهم، وليس الترمذى فيه ((ولا يخطب)) وزاد ابن حبان
مولا يخطب عليه».
٢٧٠٧ - قوله (تزوج ميمونة) أم المؤمنين وهى بنت الحارث الهلالية ، آخر امرأة تزوجها من دخل بهن ،
تزوجها سنة سبع وتوفيت بسرف حيث بنى بها رسول اللّه مثل سنة إحدى وخمسين على الراجح (وهو محرم) قد
اشتهر عن ابن عباس برواية الثقات عنه أنه قال تزوج رسول اللّه تَفتة ميمونة وهو محرم، وقد تقدم أن له شاهدين
قربين من حديث أبى هريرة وعائشة، ويعارض ذلك ما سيأتى من حديث يزيد بن الأصم عن ميمونة، ومن حديث
أبي رافع أنه تزوج رسول اللّه مَ ثل ميمونة وهو حلال، ويؤيد هذا ما رواه ابن سعد عن ميمون بن مهران قال
٣٥٤
٠
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
دخلت على صفية بنت شبيبة وهى عجوزة كبيرة فسأ٦"ها أتزوج رسول اللّه ويل ميمونة وهو محرم؟ قالت: لا واقه لقد
تزوجها وهما حلالان، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ٤: ص ٢٦٨) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط،
ورجال الكبير رجال الصحيح، وبهذا ظهر أن الروايات اختلفت فى تزوج النبي مَ ثّه بميمونة. قال ابن القيم بعد ما حكى
اختلاف الروايات فى نكاحه مروية: فالأقوال ثلاثة أحدها أنه تزوجها بعد حله من العمرة وهو قول ميمونة نفسها وقول السفير
بينها وبين النبي ◌َّه وهو أبو رافع وقول جمهور أهل النقل، والثانى أنه تزوجها وهو محرم وهو قول ابن عباس وأهل الكوفة وجماعة،
والثالث أنه تزوجها قبل أن يحرم -انتهى. هذا وقد تقدم أن حديث ابن عباس من مستدلات القاتلين بجواز النكاح فى الاحرام،
وقد أجاب المانعون عنه بأجوبة: منها ما ذكره الترمذى عن بعضهم أنه تزوجها حلالا وظهر أمر تزويجها وهو محرم وبنى بها
وهو حلال بسرف فى طريق مكة. وحاصل هذا الجواب أن معنى قوله ((تزوجها وهو محرم)) أى ظهر أمر تزويجها وشى
واشتهر وهو محرم وإن كان عقد النكاح قبل الإحرام. وتعقب هذا الجواب أو الجمع بأنه قد ثبت بالروايات
الصريحة أن نكاحه مَّله بميمونة كان بسرف فقد روى النسائى من طريق قنادة ويعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن
عباس قال : تزوج رسول الله ژێے ميمونة بنت الحارث وهو محرم ، وفی حدیث یعلی «بسرف) وروى ابن سعد من
طريق ميمون بن مهران سألت صفية بنت شبيبة فقالت: تزوج رسول اللّه مَض ميمونة بسرف وبنى بها فى قبة لها وماتت
بسرف، وسرف قريب مكة خارج الحرم داخل الميقات. قال الطبرى: وهو على عشرة أميال من مكة. وقال القارى:
والصحيح أنه على ستة أميال، وروى الطحاوى من طريق محمد بن إسحاق عن ابن عباس: أن رسول اللّه مَثّ تزوج
ميمونة وهو حرام فأقام بمكة ثلاثا فأتاه حويطب بن عبد العزى فى نفر من قريش، فى اليوم الثالث فقالوا : إنه قد انقضى
أجلك فاخرج عنا، فقال: وما عليكم لوتر كتمونى فعرست بين أظهر كم فصنعنا لكم طعاما خضر تموه ، فقالوا: لا حاجة
لنا فى طعامك فأخرج عنا، تخرج في اللّه مثل وخرج بميمونة حتى عرس بها بسرف. ونقل ابن القيم فى الهدى عن مغازى
موسى بن عقة نحو ذلك، وهذا كله يدل على أن نكاحه ري ميمونة وقع بسرف ذاهبا إلى مكة والبناء بها وقع فيها آتبا
من مكة وأما ما رواه مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن عن سليمان بن يسار أن رسول اللّه مَيثة بعث أبا رافع ورجلا
من الأنصار فزوجاه ميمونة ورسول اللّه مَوال بالمدينة قبل أن يخرج، وهو يدل على أن نكاحه بميمونة وقع بالمدينة
قبل الخروج إلى عمرة القضاء، فهو مأول بأن المراد بقوله ((زوجاه)) خطبا له فقط، مجازا كما قال الزرقانى، لأنه صح عند
أحمد والنسائى من حديث ابن عباس قال: لما خطبها النبي ◌َّ جعلت أمرها إلى العباس فأنكحها النبى مَُّ ، وقيل معنى
"زوجاه، بلغاه رضا ميمونة بالخطبة أو بتزوجها بالمدينة، ثم إنه وقع التصريح فى صحيح البخارى فى غزوة الحديبية
بإنشاء إحرامه عَنّة من ذي الحليفة فى عمرة الحديبية قبل عمرة القضاء التى وقع فيها نكاحه مرات بميمونة، وهذا ظاهر فى
٣٥٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم.
أن توقيت المواقيت وقع قبل عمرة الحديبية خلافا لما حكى الأثرم عن أحمد أنه وقع عام حجة الوداع وإذا ثبت أنه
تزوج بسرف ذاهبا إلى مكة للعمرة وأن توقيت المواقيت كان قبل عمرة الحديبية لزم أن يكون نكاحه فى الاحرام وإلا
لزم تجاوز الميقات وهو ذو الحليفة بغير إحرام ، فإن سرف داخل الميقات قريب من مكة كما سبق، وهذا يطل التأويل
المذكور، على أنه يمكن أن يأول حديث ميمونة ويزيد بن الأصم بمثل التأويل الذى ذكره الترمذى فى حديث ابن
سباس ، فيقال: إنه تزوجها بسرف وهو محرم، وظهر واشتهر أمر تزويجه وهو حلال حين بنى بها بسرف راجعا من
مكة إلى المدينة أو حين أراد الوليمة بمكة، وفيه أن إحرامه مريم من ذى الحليفة فى عمرة الحديبية لا يستلزم وقوع
التوقيت قبل حجة الوداع، وقد روى البخارى فى باب ذكر العلم والفتيا فى المسجد عن ابن عمر أن رجلا قام فى المسجد
فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل، فقال رسول اللّه مَ ئه: يهل أهل المدينة، إلخ. قال الحافظ: المراد بالمسجد
مسجد النبي مَثية، ويستفاد منه أن السؤال عن مواقيت الحج كان قبل السفر من المدينة، وقال فى الحج بعد ذكر ما
حكاه الأثرم عن أحمد من توقيت المواقيت عام حجة الوداع: وقد سبق حديث ابن عمر فى العلم بلفظ ((أن رجلا قام فى
المسجد فقال يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل ؟ - انتهى. وهذا يدل على أن الحافظ وافق الامام أحمد فى ذلك.
ومنها أن معنى قول ابن عباس تزوجها وهو محرم أى فى الشهر الحرام وهو حلال وقد تزوجها مؤثر فى الشهر
الحرام وهو ذو القعدة عام سبع فى عمرة القضاء كما ذكره البخارى فى كتاب المغازى فى باب عمرة القضاء، ولا خلاف
بين أهل اللسان العربى فى إطلاق الإحرام على الدخول فى حرمة لا تهتك كالدخول فى الشهر الحرام أو فى الحرم أو غير
ذلك. وقال ابن منظور فى اللسان: وأحرم الرجل إذا دخل فى حرمة لا تهتك، ومن إطلاق الاحرام على الدخول
فى الشهر الحرام قد أنشده فى اللسان شاهدا لذلك قول زهير :
جعلن القنان عن يمين وحزنه
وكم بالقنان من محل ومحرم
وقول الآخر :
فعلى من عوف بن كعب سلامله
وإذ فتك النعمان بالناس محرما
وقول الراعى :
ودعاظم أر مثله مخذولا
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما
شققا وأصبح سيفهم مسلولا
فتفرقت من بعد ذاك عصام
ويروى فلم أر مثله مقتولا، فقوله ((قتلوا ابن عفان محرما)) أى فى الشهر الحرام وهو ذو الحجة. وقيل المعنى أنهم قتلوه
فى حرم المدينة لأن المحرم يطلق لغة على كل داخل فى حرمة لا تهتك سواء كانت زمانية أو مكانية أو غير ذلك. وقال
٣٥٦
سرجة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
بعض أهل اللغة منهم الأصمعى: إن معنى قول الراعى ((محرما)) فى بيته المذكور: كونه فى حرمة الاسلام وذمته التى يجب
حفظها ويحرم انتها كها ، وأنه لم يحل من نفسه شيئا يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول
عدی بن زید:
. غادروه لم يمتع بكفن
قتلوا کسری بليل محرما
ويروى ((ڤتولى ولم يمتع بكفن)) يريد قتل شيرويه أباه أبرويزبن هرمز مع أن له حرمة العهد الذى عاهدوه به حين ملكوه
عليهم وحرمة الأبوة ولم يفعل لهم شيئا يستوجب به منهم القتل، وذلك هو مراده بقوله ((محرما)) وعلى تفسير قول ابن
عباس (وهو محرم، بماذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس وبين حديث ميمونة وأبى رافع، وتعقب هذا الجواب
بأن رواية البخارى فى باب عمرة القضاء بلفظ أنه مرّ تزوجها وهو محرم وبنى بها وهو حلال، تدفع هذا التفسير أو
تبعده كما قال الزيلعى، فإن المقابلة بين المحرم والحلال تدل على أن المراد بالمحرم فى قول ابن عباس ضد الحلال، ولم
يرد الحلال بمعنى الداخل فى الحل أو فى الشهر الحرام ، وفيه أنه لو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس
بمنعبن وليس بظاهر كل الظهور وأن التعارض بين الحديثين باق فالمصير إلى الترجيح إذن واجب وهو الجواب الثالث
فيقال: حديث ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس، لأن ميمونة هى صاحبة الواقعة، ولا شك أن صاحب القصة
أدرى بماجرى له فى نفسه من غيره، وقد تقرر فى الأصول أن خبر صاحب القصة المروية مقدم على خبر غيره، لأنه أعرف بالحال
من غيره ، والأصوليون يمثلون له بحديث ميمونة المذكور مع حديث ابن عباس، وما يرجح به حديث أبي رافع على حديث
ابن عباس أن أبارافع هو رسوله إليها يخطبها عليه فهو مباشر للواقعة وابن عباس ليس كذلك، وقد تقرر فى الأصول ترجيح
خير الراوى المباشر لما روى على خبر غيره، لأن المباشر لما روى أعرف بحاله من غيره، والأصوليون يمثلون له بخبر أبي رافع
مع حديث ابن عباس، ومما يرجح به حديث ميمونة وحديث أبي رافع معا على حديث ابن عباس أن ميمونة وأبارافع كانا
بالغين وقت تحمل الحديث المذكوروابن عباس ليس بالغ وقت التحمل، وقد تقرر فى الأصول ترجيح خبر الراوى المتحمل
بعد البلوغ على المتحمل قبله لأن البالغ أضبط من الصبى بما تحمل، وللاختلاف فى قبول خبر المتحمل قبل البلوغ مع الاتفاق
على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ وإن كان الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد البلوغ لأن المتفق عليه
أرجح من المختلف فيه، فإن قيل: يرجح حديث ابن عباس بأنه اتفق عليه الشيخان فى صحيحيهما ومعلوم أن ما اتفق
عليه مسلم والبخارى ارجح مما انفرد به مسلم وهو حديث ميمونة، وأرجح ما أخرجه الترمذى وأحمد وهو حديث أبى
وافع، فالجواب أن غاية ما يفيده اتفاق الشيخين على صحة الحديث إلى ابن عباس، ونحن أو جزمنا بأنه قاله قطعالم
يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبى رافع عليه لأنهما أعلم بحال الواقعة منه لأن ميمونة صاحبة الواقعة وأبو رافع
٣٥٧
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
متفق عليه .
هو الرسول المباشر لذلك فلنفرض أن ابن عباس قال ذلك، وأن أبا رافع وميمونة خالفاه وهما أعلم بالحال منه لأن
لكل منهما تعلقا خاصا بنفس الواقعة ليس لابن عباس مثله، وأما ما قال الطحاوى من أنه يحتمل أنه خفى عن ميمونة
وقت تزويجها وذهب عنها الوقت الذى عقد عليها عند ما فوضت إلى العباس أمرما فلم تشعر إلا فى الوقت الذى بنى بها
فيه وعلمه ابن عباس لحضوره وغيبتها عنه فهو مما لا يلتفت إليه لأنه احتمال ناشئى من غير دليل ولم يثبت أن ابن عباس
شهد الواقعة بل يدل كلام العينى على عدم شهوده حيث قال من الجائز غير المنكر أن يرويه ابن عباس عنه مَثل أو يرويه
عن أیه الذی ولی عقد النكاح بمشهد عنه ومرأی او یرویه عن خاله ميمونة ،فإن قيل : صح نحو حديث ابن عباس
عن عائشة وأبى هريرة كما قال الحافظ وعلى هذا من روی أن تزويجها فى حالة الاحرام أ کثر من روى خلاف ذلك
فيرجح حديثهم إذن بالكثرة، فالجواب أنهم وإن كثروا فميمونة وأبو رافع أعلم منهم بالواقعة كما تقدم والمرجحات
يرجح بعضها على بعض ، وضابط ذلك عند الاصولين هو قوة الظن ومعلوم أن ما أخبرت به ميمونة رضى الله عنها عن
نفسها وأخبر به الرسول بينها وبين زوجها مَثل الذى هو أبو رافع أقوى فى ظن الصدق مما أخبره به غيرهما ، ومن
الأجوبة التى أجاب بها المانعون أنه لو سلم أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم لم تكن فى ذلك حجة
على جواز ذلك بالنسبة إلى أمته برؤية لأنه ثبت عنه من حديث عثمان ما يدل على منع النكاح فى حال
الاجرام وهو عام لجميع الأمة، والأظهر دخوله هو صلى الله عليه وسلم فى ذلك العموم فإذا فعل فعلا يخالف ذلك العموم
المنصوص عليه بالقول دل على أن ذلك الفعل خاص به وروائي لتحتم تخصيص ذلك العموم القولى بذلك الفعل فيكون خاصا به
مَّة، وقد تقرر فى الأصول أن النص القولى العام الذى يشمل النبي بظاهر عمومه لا بنص صريح إذا فعل التى تَئية
فعلا يخالفه كان ذلك مخصصا لذلك العموم القولى فيكون ذلك الفعل خاصا به مَ فيه، كذا حقق الشنقيطى. وقال الشوكانى
فى نيل الأوطار: يجعل فعله معَّ مخصصا له من عموم ذلك القول (يعنى حديث عثمان) كما تقرر فى الأصول إذا فرض
تأخر الفعل عن القول ، فإن فرض تقدمه فقيه الخلاف المشهور فى الأصول ثفى جواز تخصيص العام المتأخر بالخاص
المتقدم كما هو المذهب الحق أو جعل العام المتأخر ناسخا كما ذهب إليه البعض - انتهى. وقال فى السيل الجرار: إن
حديث ابن عباس غاية ما فيه على فرض أنه أرجح لكونه فى الصحيحين أن ذلك جائز لرسول الله مثيل فيكون خاصا به،
والنهى خاصا بالأمة كماتقرر فى الأصول أن فعله مؤثر لا يعارض القول الخاص بالأمة، وعلى تقدير شمول النهى له فيكون
فعله مخصصا له - انتهى. وقال النووى وغيره من الشافعية: هذا من خصائصه من فكان له أن يتزوج فى حال الإحرام
وهو ما خص به دون الأمة، وتعقبه العینی فقال : دعوى التخصیص تحتاج إلى دليل ، ويأتى مزيد الكلام فى ذلك فى
شرح حديثى يزيد بن الأصم وأبي رافع (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى المغازى وفى النكاح، ومسلم فى النكاح،
٣٥٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
٢٧٠٨ - (٦) وعن يزيد بن الأصم، ابن أخت ميمونة، عن ميمونة، أن رسول الله مؤلم تزوجها
وهو حلال.
وأخرجه أيضا أحمد مرارا وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وابن الجارود والدارمى والبيهقى والطحاوى وغيرهم.
٢٧٠٨ - قوله (وعن يزيد بن الأصم) بن عبيد بن معاوية بن عبادة بن البكاء - بفتح الموحدة وتشديد الكاف -
واسم الأصم عمرو أبو عوف البكافى الكوفى نزل الرقة ، ربته خالته ميمونة أم المومنين، وأسم أمه برزة بنت الحارث
أخت ميمونة. قال الحافظ: يقال له رؤية ولا يثبت وهو ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين ، مات سنة ثلاث
ومائة، وذكر الواقدى أنه عاش ثلاثا وسبعين سنة (ابن أخت ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين (تزوجها وهو حلال)
أى غير محرم، قيل تزوجها قبل الإحرام كما يدل عليه رواية مالك عن ربيعة عن سليمان بن يسار المرسلة فى وقوع
التزويج بالمدينة قبل أن يخرج، وقيل تزوجها بعد ما حل من عمرته بمكة أو بسرف وعلى كل حال هذا الحديث معارض
لحديث ابن عباس السابق وأجاب القائلون بجواز النكاح فى الإحرام عن ذلك بوجهين: الأول ترجح حديث ابن
عباس على حديث يزيد بن الأصم وذلك بوجوه منها أن حديث ابن عباس أقوى وأصح إسنادا لاتفاق الشيخين عليه
بخلاف حديث ابن الأصم وما فى معناه فإنه لم يخرجه البخارى، وقد تقدم الجواب عن هذا ، ومنها أن ابن الأصم
لا يقاوم بابن عباس حفظا واتقانا وفقها ، ولذا قال عمرو بن دينار للزهرى: وما يدرى ابن الأصم أعرابي كذا وكذا
بشتى؟ أنجعله مثل ابن عباس ، فابن عباس بمرتبة من العلم والفقه والحفظ والإتقان لا يدانيه ابن الأصم، وأجاب عن
هذا ابن حزم بما نصه: وأما ترجيحهم ابن عباس على يزيد فنعم، والله لا يقرب يزيد بعبد الله ولا كرامة، وهذا تمويه منهم
لأن يزيد إنما رواه عن ميمونة، وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس ونحن لا نقرن ابن عباس صغير من الصحابة
إلى ميمونة أم المؤمنين لكن فعدل يزيد إلى أصحاب ابن عباس ولا نقطع بفضلهم عليه ، قال: وخبر يزيد عن ميمونة هو
الحق، وقول ابن عباس وهم لا شك فيه لأنها هى أعلم بنفسها منه وأنها كانت إذ ذاك امرأة كاملة، وكان ابن عباس
يومئذ ابن عشرة أعوام وأشهر فبين الضبطين فرق لا يخفى، هذا وقد تصدى العينى الجواب عن كلام ابن حزم ، من شاء
الوقوف عليه رجع إلى العمدة (ج ١٠: ص ١٩٦) ومنها ان حديث ابن عباس مثبت لأمر زائد وهو الإحرام
وحديث ابن الأصم ناف له، ومن المعلوم أن المثبت يقدم ويرجح على النافى. وفيه أن حديث يزيد عن ميمونة أيضا
مثبت لوقوع عقد النكاح حلالا وحديث ابن عباس ناف لذلك، وبه صرح أهل الأصول من الحنفية، وهذا يقتضى أن
يقدم حديث ابن الأصم ومن وافقه على حديث ابن عباس. ومنها أن حديث ابن عباس محكم لا يحتمل تأويلا قريبا
بخلاف رواية ابن الأصم وما فى معناها فإنها تحمل على الخطبة أو فهو أمر التزوج واشتهاره عند البناء فى الحل أى
بسرف راجعا إلى المدينة. وفيه أن الأمر على العكس من ذلك مما تقدم. ومنها أن أمر النكاح كان إلى العباس
٣٥٩
...
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
رواه مسلم، قال الشيخ الإمام محى السنة رحمه الله: والأكثرون على أنه تزوجها حلالا، وظهر أمر
تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف فى طريق مكة.
وكان هو وكيل عقد النكاح، والوكيل أعرف من الموكل وكذا يكون ابن العباس أعرف بالقضية. وفيه ما تقدم أن
صاحب القضية أى ميمونة أعرف بقضيتها ولم يرو عن العباس فى وقت التزويج شئ ولم يثبت شهود ابنه واقعة النكاح،
ومنها أن حديث ابن عباس مؤيد بالقياس فإنه عقد كسائر العقود التى يتلفظ بها من شراء الأمة للتسرى وغيره كما
حكى عن أنس فيما رواه الطحاوى. وفيه أن الواجب حينئذ الرجوع إلى الحديث القولى أى حديث عثمان لا إلى
القیاس فان تحكيم القیاس عند التعارض بين حکایتی فعل مع وجود النص القولی غیر صحیح فإن فيه تركا للص وعملا
بالقياس، الوجه الثانى من الوجهين اللذين أجاب بهما القائلون بالجواز هو أن المراد بالنكاح والتزوج فى حديث
يزيد بن الأصم هو الدخول والبناء والوطء دون العقد. قال القارى: قوله تزوجها أى دخل بها. وقال ابن الهمام:
يحمل لفظ التزوج فى حديث ابن الأصم على البناء بها مجازا بعلاقة السبية العادية - انتهى. وبنحو ذلك قال الزيدى فى
شرح الاحياء. وفيه أنه روى مسلم عن ابن نمير عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء أن ابن عباس أخبره
أن رسول اللّه مَ ثل تزوج ميمونة وهو محرم. قال عمرو بن دينار: فحدثت به الزهرى فقال: أخبر نى يزيد بن الأصم
أنه نكحها وهو حلال، زاد عبد الرزاق والبيهقي: قال عمرو بن دينار («فقلت لابن شهاب: أتجعل أعرابيا بوالا على
عقبيه إلى ابن عباس، وهى حالة ابن عباس أيضا؟ ولفظ الطحاوى ((أتجعله مثل ابن عباس ؟)) قال البيهقى: ويزيد بن
الأصم لم يقله عن نفسه إنما حدث به عن ميمونة بنت الحارث - انتهى. فهذه الرواية تدل على أن المراد بالنكاح
والتزوج فى حديثى ابن عباس ويزيد بن الأصم عند عمرو بن دينار وابن شهاب هو العقد لا الوطء والبناء وإلا لما صح
المقابلة والمعارضة فافهم ، وكذا يدل على بطلان التأويل المذكور رواية أحمد والتزمذى والبيهقى لحديث يزيد بن الأصم
عن ميمونة بلفظ ((أن رسول الله مر ثية تزوجها حـلالا وبنى بها حلالا)) (رواه مسلم) فى النكاح وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٦: ص ٣٣٢، ٣٣٥،٣٣٣) وأبو داود وابن ماجه والدارمى وابن الجارود والبيهقى (ج ٥: ص ٦٦، وج ٧:
ص ٢١١) (قال الشيخ الإمام محى السنة) أى صاحب المصابيح (والأكثرون) قال القارى: يعنى الأئمة الثلاثة
وأتباعهم (على أنه تزوجها حلالا) أى عقد عليها قبل أن يحرم (وظهر أمر تزويجها) أى بسرف ذاهبا إلى مكة (وهو
محرم ثم بنى) أى دخل بها (وهو حلال بسرف) على وزن كتف غير منصرف وقيل منصرف (فى طريق مكة) أى إلى
المدينة وذلك بعد فراغه من عمرته المسماة بعمرة القضاء، قال الساعاتى فى شرح المسند: وهذا الجمع وجيه وعليه فيقال إن
ابن عباس لم يعلم بالعقد إلا بعد انتشاره والتي تَت محرم بسرف، نفهم أن العقد لم يحصل إلا فى المكان الذى يقال له
٣٦٠
.