النص المفهرس

صفحات 321-340

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
رواه الترمذى، وأبوداود، وابن ماجه.
حبان والنووى والسندى إلى الجمع بين هذه الروايات، قال البخارى فى باب الزيارة يوم النحر: وقال أبو الزبير عن
عائشة وابن عباس: أخر النبي ◌َّ الزيارة إلى اليل، ويذكر عن أبى حسان عن ابن عباس أن النبي مؤ لّله كان يزور
البيت أيام منى ، وقال لنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر أنه طاف طوافا واحدا ثم يقيل ثم يأتى
منى يعنى يوم النحر ، ورفعه عبد الرزاق قال: حدثنا عبيد اللّه ثم ذكر البخارى حديث أبى سلمة أن عائشة قالت: حججنا
مع النبي ◌َّ فأفضنا يوم النحر - الحديث. قال الحافظ: كأن البخارى عقب هذا (أى حديث أبى الزبير عن عائشة
وابن عباس) بطريق أبى حسان ليجمع بين الأحاديث بذلك فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث
ابن عباس وعائشة هذا على بقية الأيام. قال الحافظ: وحديث أبي حسان عن ابن عباس وصله الطبرانى (والبيهقى
ج ٥: ص ١٤٦) قال: ولرواية أبى حسان هذه شاهد مرسل أخرجه ابن أبى شيبة عن ابن عينة حدثنا
ابن طاوس عن أبيه أن النبى مَ ال كان يفيض كل ليلة (يعنى لالى منى). وقال النووى: قوله «أخر طواف الزيارة يوم
النحر إلى الليل، محمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة. قال: ولابد من هذا التأويل للجمع بين
الأحاديث وقال ابن حبان: يشبه أن يكون النبي مَّه رمى ثم أفاض ثم رجع فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء
ورقد رقدة ثم ركب إلى البيت فطاف طوافا ثانيا بالليل. قال الطبرى بعد ذكر حديث ابن عباس أن النبي ◌َّ كان
یزور البيت أيام منى ما لفظه: هذا يؤيد تأويل أبى حاتم فلعل زيارته مثل وقعت فى تلك المرة ليلا ، ويجوز أن يكون
هذا منشأ اختلاف الروايات فأراد بعضهم يوم النحر وبعضهم غير يوم النحر، وقد سمى الزيارة إفاضة لأن معنى
الإفاضة الدفع بكثرة، ولم يذكر جميعهم أنه كان يوم النحر -انتهى. وقال السندى فى حاشية ابن ماجه: «قوله أخر طواف
الزيارة إلى الليل، المعلوم الثابت من فعله رؤية هو أنه طاف طواف الإفاضة وهو الطواف الفرض قبل الليل، فلعل
المراد بهذا الحديث أنه رخص فى تأخيره إلى الليل، أو المراد بطواف الزيارة غير طواف الإفاضة ، أى إنه كان يقصد
زيارة البيت أيام منى بعد طواف الإفاضة فإذا زار طاف أيضا ، وكان يؤخر طواف تلك الزيارة إلى الليل بتأخير تلك الزيارة
إلى الليل ولا يذهب إلى مكة لأجل تلك الزيارة فى النهار بعد العصر مثلا. وقال القارى: قوله أخر طواف الزيارة أى جوز
تأخيره يوم النحر إلى الليل إما مطلقا أو النساء لما ثبت أنه مَثّ أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمكة أو منى. وقال شيخنا فى
شرح الترمذى: حديث ابن عباس وعائشة المذكور ضعيف كما ستعرف (وكما تقدم) فلا حاجة إلى الجمع الذى أشار إليه
البخارى (وغيره) وأما على تقدير الصحة فهذا الجمع متعين، هذا وقد سبق شئى من الكلام فى الجواب عن هذا الحديث
فى شرح حديث جابر الطويل فى صفة الحج (رواه الترمذى) إلخ. وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٨٨، ٣٠٩)
٣٢١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
٢٦٩٨ - (١٦) وعن ابن عباس، أن النبى معَّثم لم يرمل فى السبع الذى أفاض فيه. رواه أبوداود،
وابن ماجه.
٢٦٩٩ - (١٧) وعن عائشة، أن النبى معَيتم قال: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل
شتى إلا النساء.
والبيهقى (ج ٥: ص ١٤٤) وذكره البخارى فى صحيحه تعليقا بصيغة الجزم كما تقدم. وقال الترمذى : هذا حديث
حسن وسكت عنه أبوداود ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره. وقال شيخنا فى شرح الترمذى فى كون هذا الحديث
حسناً نظر، فإن أبا الزبير ليس له سماع من ابن عباس وعائشة كما صرح به الحافظ ابن أبى حاتم فى كتاب المراسيل -
انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر فى شرح المسند: أبو الزبير هو المكى محمد بن مسلم تدرس ثقة ولكن فى سماعه من
ابن عباس وعائشة شك، روى ابن أبى حاتم فى المراسيل (ص ٧١) عن سفيان بن عيينة قال يقولون: إن المكى لم يسمع
من ابن عباس، وروى عن أبيه أبى حاتم قال: أبو الزبير رأى ابن عباس رؤية ولم يسمع من عائشة. قلت: وقال
البيهقى (ج ١: ص ١٤٤) بعد رواية هذا الحديث: وأبو الزبير سمع من ابن عباس وفى سماعه من عائشة نظر،
قاله البخارى.
٢٦٩٨ - قوله (لم يرمل) بضم الميم من باب نصر (فى السبع الذى أفاض فيه) أى فى طواف الزيارة يعنى
لا رمل فى طواف الإفاضة كما فى طواف الوداع، وإنما هو فى طواف القدوم، ففيه دليل على أنه لا يشرع
الرمل الذى سلفت مشروعيته فى طواف القدوم فى طواف الزيارة ، قال الطبرى: فيه دلالة على اختصاص
الرمل بطواف القدوم أو بكل طواف يعقبه سعى وهما قولان الشافعى. وقال أيضا فى شرح حديث ابن
عمر ((أن النبي ◌ُّل كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا)) قوله ((الطواف الأول))
هو الذى يأتى به أول ما يقدم يعنى طواف القدوم، وفيه دلالة على تخصيص الرمل بطواف القدوم وهو أظهر
قولى الشافعى، والقول الآخر أنه يرمل فى كل طواف يعقبه سعى بين الصفا والمروة - انتهى (رواه أبوداود وابن ماجه)
وأخرجه أيضا النسائى والبيهقى (ج ٥: ص ٨٤) كلهم من طريق ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ، وقد
سکت عنه أبو داود ثم المنذرى.
٢٦٩٩ - قوله (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة) أى وحلق أو قصر، قاله القارى بناء على مذهب الحنفية أن المؤثر
فى التحلل هو الحلق (فقد حل له كل شئى) أى حرم بالإحرام، ومنه الحلق (إلا النساء) بالنصب على الاستثناء، أى
وطنا ومباشرة وقبلة ولمسا بشهوة وعقد نكاح حتى يطوف طواف الإفاضة. والحديث يدل على أنه يحل كل محظور
٣٢٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
رواه فى شرح السنة، وقال: إسناده ضعيف.
٢٧٠٠ - (١٨) وفى رواية أحمد، والنسائى عن ابن عباس، قال: إذا رمى الجمرة، فقد حل له كل
شئ إلا النساء.
٢٧٠١ - (١٩) وعنها، قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه
من محظورات الإحرام إلا الوطنى ودواعيه بعد الرمى وإن لم يحلق لكن وقع فى رواية لأحمد وغيره ((إذا رميتم وحلقتم
فقد حل لكم كل شئ إلا النساء، وهو يدل على أنه بمجموع الأمرين رمى جمرة العقبة والحلق يحل كل محرم على المحرم
إلا النساء، وقد بسطنا الكلام فى ذلك فى شرح حديث عائشة «كنت أطيب رسول الله توزيع لإ حرامه قبل أن يحرم ولحله
قبل أن يطوف بالبيت)) وهو أول أحاديث الفصل الأول من باب الإحرام والتلبية (رواه) أى صاحب المصابيح
(فى شرح السنة) أى بسنده، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والدار قطنى (ص ٢٧٩) والبيهقى (ج ٥: ص ١٣٦)
والطحاوى وسعيد بن منصور (وقال: إسناده ضعيف) لأن مداره على الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ومدلس،
وقال المنذرى: قد ذكر غير واحد من الحفاظ أنه لا يحتج بحديثه ـ انتهى. وأيضا اضطرب هو فى إسناده ، ففي رواية
قال: عن أبى بكر بن حزم، وفى رواية قال: عن الزهرى. ولم يسمع من الزهرى شيئا. وقال البيهقى بعد ذكر
الاختلاف فى سنده ومتنه: وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة - أنتهى. لكن أخرج مثلها ابن أبى شيبة بإستاد
صحيح عن عائشة كما قال الحافظ فى الدراية (ص ١٨٩) قلت: وذكر ابن الهمام إسناده فقال: أخرج ابن أبى شيبة
ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضى الله عنها - الحديث. وفى الباب عن ابن عباس كماسيأتى، وعن أم سلمة
أخرجه أحمد (ج ٦: ص ٢٩٥، ٣٠٣) وأبو داود والحاكم (ج ١: ص ٤٨٩، ٤٩٠) والبيهقى (ج ٥: ص ١٣٦ ،
١٣٧) مطولا وفيه قصة وزيادات، وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضا فيصح الاحتجاج بها على أنه يحل بالرمى كل محرم
من محرمات الإجرام سوى النساء.
٢٧٠٠ - قوله (وفى رواية أحمد والنسائى) وابن ماجه والطحاوى والبيهقى (ج ٥: ص ١٣٦) من طريق
الحسن العربى (عن ابن عباس) مرفوعاوموقوفا (قال: إذا رمى الجمرة) أى جمرة العقبة (فقد حل له كل شئ إلا النساء)
أى حتى يطوف طواف الإفاضة، وهذا أيضا يدل على أن الرمى هو السبب التحلل الأول كما هو مذهب المالكية،
ويحمله الحنفية على إضمار الحاق أى إذا رمى وحاق جمعاً بينه وبين ما وقع فى بعض الروايات من عطفه على الرمى.
وحديث ابن عباس هذا منقطع ، لأن الحسن العربى لم يسمع من ابن عباس كما قاله الإمام أحمد وغيره ، وقد تقدم شئى
من الكلام فى حديث ابن عباس هذا وحديث عائشة الذى قبله فى شرح أول أحاديث باب الإحرام والتلية.
٢٧٠١ - قوله (أفاض رسول اللّه مَفة من آخر يومه) أى طاف طواف الإفاضة فى آخر يوم النحر، وهو
٣٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... الخ
حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالى أيام التشريق، يرمى الجمرة إذا زالت الشمس،
كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع،
ويرمى الثالثة فلا يقف عندها. رواه أبو داود.
٢٧٠٢- (٢٠) وعن أبى البداح بن عاصم بن عدى،
أول أيام النحر (حين صلى الظهر) فيه دلالة على أنه صلى الظهر بمكة موافقا لما دل عليه حديث جابر الطويل وأنه وقع
طوافه بعد الزوال بل بعد صلاة الظهر لقوله ((من آخر يومه)) وهذا مخالف لما وقع فى حديث ابن عمر وغيره أنه طاف
قبل الظهر . وقال الطبي: أى أفاض يوم النحر من منى إلى مكة حين صلى الظهر، فيفيد أنه صلى الظهر بمنى ثم أفاض وهو
خلاف ما ثبت فى الأحاديث لاتفاقها على أنه صلى الظهر بعد الطواف مع اختلافها أنه صلاها بمكة أو بمنى . قال القارى:
لا يبعد أن يحمل على يوم آخر من أيام النحر بأن صلى الظهر بمنى ونزل فى آخر يومه مع نسائه لطواف زيارتهن - انتهى.
ولا يخفى ما فى هذا الجمع من التكلف والتعسف ، وقد تفرد باللفظ المذكور محمد بن إسحاق ورواه بعن ، فلا حاجة إلى
الجمع (فمكث) بفتح الكاف وضمها ، أى لبث وبات (بها) أى بمنى (إذا زالت الشمس) فيه دليل على أن وقت رمى
الجمرات فى غير يوم النحر بعد الزوال (كل جمرة) بالنصب على البدلية وبالرفع على الابتدائية (ويقف عند الأولى) أى
أولى الجمرات الثلاث وهى التى تلى مسجد الخيف (والثانية) هى الوسطى (فيطيل القيام) للأذكار من التكبير والتوحيد
والتسبيح والتحميد والاستغفار (ويتضرع) أى إلى الله بأنواع الدعوات وعرض الحاجات (ويرمى الثالثة) هى جمرة العقبة
التى رماها يوم النحر (فلا يقف عندها) أى الذكر والدعاء (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم
والبيهقى (ج ٥: ص ١٤٨) وفى سنده عندهم محمد بن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث، والمدلس إذا قال ((عن))
ولم يتابعه أحد على روايته لا يحتج بروايته.
٢٧٠٢ - قوله (وعن أبى البداح) بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة فألف فحاء مهملة (بن عاصم بن عدى) بن
الجد - بفتح الجيم - ابن العجلان بن حارثة بن ضبيعة القضاعى البلوى ثم الأنصارى، حليف لبنی عمرو بن عوف من
الأنصار. قال الواقدى: أبو البداح لقب غلب عليه، وكنيته أبو عمرو - انتهى. وكذا قال على بن المدين وابن حبان:
كنيته أبو عمرو، وقيل كنيته أبو بكر وقيل أبو عمر. يقال: اسمه عدى. مات سنة (١١٧) فيما ذكره جماعة، وقيل سنة (١١٠)
قال ابن عبد البر فى الاستيعاب: اختلف فيه فقيل الصحبة لأبيه وهو من التابعين ، وقيل له صحبة وهو الذى توفى عن
سبعة الأسلمية، وخطبها أبو السنابل بن بعكك ذكره ابن جريج وغيره، وهو الصحيح فى أن له صحبة، والأكثر يذكرونه
فى الصحابة - انتهى. وذكره الحافظ فى القسم الرابع من حرف الباء من الإصابة، وتعقب ابن عبد البر فقال: عليه
٣٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
عن أبيه، قال: رخص رسول اللّه وي لرعاء الايل فى البيتوتة: أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا
رمی یومین بعد يوم النحر فيرموه
مؤاخذات، الأولی أن مالکا أخرج فى الموطأ عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبى البداح
حديثا، وهذا يدل على تأخر أبى البداح عن عهد النبي مَّه، لأن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يدرك العصر
النبوى، وقد روى أيضا عن أبى البداح أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابنه عبد الملك وغير واحد،
وأرخ جماعة وفاته سنة (١١٧) وقال الواقدى: مات سنة (١١٠) وله أربع وثمانون سنة، فعلى هذا يكون مولده
سنة (٢٦) بعد النبي تَوَثَمُ بخمس عشرة سنة، وهذا كله يدفع أن يكون له صحبة، ويدفع قول ابن مندة: أدرك التى مؤثّ
وقال ابن فتحون: قول أبى عمر ((توفى عن سبيعة، وهم - انتهى. قال ابن سعد: كان أبو البداح ثقة قليل الحديث. وقال
الحافظ فى التقريب ثقة من الثالثة، ووهم من قال: له صحبة (عن أبيه) عاصم بن عدى ، كان سيد بنى عجلان وهو أخو
معن بن عدى يكنى أبا عمرو ، ويقال أبا عبد الله. قال الحافظ فى الإصابة: اتفقوا على ذكره فى البدريين، ويقال:
إنه لم يشهدها بل خرج فكسر فرده التى مَُّ من الروحاء واستخلفه على العالية من المدينة وهذا هو المعتمد ، وبه جزم
ابن إسحاق، وأورد الواقدى بسنده إلى أبى البداح أن رسول اللّه مزيّ خلف عاصما على أهل قباء والعالية لشئى بلغه
عنهم، وضرب له بسهمه وأجره (فكان كمن شهدها ولهذا ذكروه فى البدريين) وقال شهد أحدا وما بعدها ، وله ذكر فى
الصحيح فى قصة اللعان. قال ابن سعد وابن السكن وغيرهما: مات سنة (٤٥) وهو ابن مائة وخمس عشرة ، وقيل
عشرين - انتهى (رخص رسول اللّه ◌َّة) أى جوز وأباح (لوعاء الايل) بكسر الراء والمد جمع راع أى لرعاتها بضم
الراء (فى البيتوتة) مصدربات أى رخص لهم فى البيوتة خارج من أو فى ترك البيتوتة، والمعنى: أباح لهم ترك البيتونة بمنى ليالى أيام
التشريق، لأنهم مشغولون برعى الايل وحفظها، فلو أخذوا بالمقام والمبيت بمنى ضاعت أموالهم. قال الباجى: قوله (((رخص)
يقتضى أن هناك منع خص هذا منه لأن لفظ الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذر، وذلك أن للرعاء عذرا فى
الكون مع الظهر الذى لابد من مراعاته، والرعى به للحاجة إلى الظهر فى الانصراف إلى بعيد البلاد، فأبيح لهم ذلك لهذا
المعنى - انتهى. وقد تقدم بيان اختلاف الأئمة فى البيتوتة بعنى هل هو واجب أو سنة، وتقدم أيضا أنهم اتفقوا على
سقوطه للرعاء وأهل السقاية، واختلفوا فى أنه يختص السقوط بالرعاء وبأهل السقاية أو يعم أهل الأعذار كلها من مرض
أو شغل أو حاجة (أن يرموا يوم النحر) أى جمرة العقبة كسائر الحجاج، قال الباجى: أخبر أن رميهم يوم النحر لا
يتعلق به رخصة ولا يغير عن وقته ولا إضافته إلى غيره (ثم يجمعوا رمى يومين) أى الحادى عشر والثانى عشر (فيرموه)
أی رمی الیومین وقوله «فیرموه، هكذا فى المشكاة والمصابیح والذی فی الترمذى «فیرمون)) وكذا وقع عند أحمد وابن
٣٢٥

ـرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
فی أحدهما .
ماجه ، وهكذا نقله الجزرى (فى أحدهما) أى فى أحد اليومين، ومعناه أنهم يجمعون رمى اليوم التالى ليوم النحر مع اليوم
الذى يليه وهو يوم النفر الأول جمع تقديم فيرمون فى اليوم التالى ليوم النحر ولا يرمون فى يوم النفر الأول، أو جمع
تأخير فيرمون فى يوم النفر الأول ولا يرمون فى اليوم التالى ليوم النحر. فظاهر الحديث أنهم بالخيار، إن
شاؤا رموا يوم القر لذلك اليوم ولما بعده تقديما، وإن شاؤا أخروا فرموا يوم النفر الأول ليومين تأخيرا، وإلى ذلك
ذهب بعضهم كما حكاه الخطابى إذ قال: قال بعضهم: هم بالخيار إن شاءا قدموا وإن شاؤا أخروا - انتهى. ويؤيد
ذلك رواية النسائى بلفظ «رخص للرعاء فى البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين الذين بعده يجمعونهما فى أجدهما،
ورواية أحمد وابن ماجه بلفظ ثم يجمعوا رمى يومين بعد النحر فيرمونه فى أحدهما، ورواية مالك فى الموطأ (على ما فى طبعات
الهند) وفى مسند أحمد والمستدرك الحاكم بلفظ «ثم يرمون من الغد أو من بعد الغدليومين ثم يرمون يوم النفر (الآخر).
لكن الجمهورومنهم الأئمة الأربعة لم يقولوا بجمع التقديم فأولوا الحديث إلى جمع التأخير ، فقال مالك كما فى مسند
أحمد: ظننت أنه فى الآخر منهما وفسره فى الموطأ بعبارة أوضح فقال: وتفسير الحديث الذى أرخص فيه رسول الله
عَّ لوعاء الايل فى رمى الجمار فيما نرى والله أعلم أنهم يرمون يوم النحر (جمرة العقبة كسائر الناس ثم ينصرفون لرعيهم
فيغيبون عن منى فى أول أيام التشريق، وهو اليوم الذى يلى يوم النحر) فإذا مضى اليوم الذى يلى يوم النحر رموا من الغد (أى
من غد هذا اليوم الذى يلى يوم النحر وهو اليوم الثالث من أيام النحر واليوم الثانى من أيام التشريق) وذلك يوم النفر الأول
(لمن تعجل) فيرمون (أى فى هذا اليوم) لليوم الذى مضى(أى لليوم الحادى عشر) ثم يرمون ليومهم ذلك (أى لليوم الثانى عشر)
لأنه لا يقضى أحد شيئًا (مما يجب عليه قضاؤه) حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه (الأداء) ومضى (وقته ولم يؤدفيه) كان القضاء
بعد ذلك، فإن بدا لهم النفر (بعد رمى يومين الذى رمى لهما فى الثانى) فقد فرغوا (ويجوز لهم النفر) وإن أقاموا إلى الغد
(أى إلى اليوم الثالث عشر) رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا -انتهى. وقال الخطابي: قد اختلف الناس فى تعیین
اليوم الذى يرمون فيه، فكان مالك يقول يرمون يوم النحر، وإذا مضى اليوم الذى يلى يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم
النفر الأول يرمون اليوم الذى مضى ويرمون ليومهم ذلك وذلك أنه لا يقضى أحد شيئا حتى يجب عليه. وقال الشافعى
نحوا من قول مالك - انتهى. وقال القارى فى المرقاة: قال الطيبي: رخص لهم أن لا يبيتوا بمنى وأن يرموا يوم العيد
جمرة العقبة ثم لا يرموا فى الغد بل يرموا بعد الغد رمى اليومين القضاء والأداء، ولم يجوز الشافعى ومالك أن يقدموا
الرمى فى الغد - انتهى. قال القارى: وهو كذلك عند أمتنا يعنى لم يجوزوا التقديم، ويزيد تفسير مالك ومن وافقه
رواية أحمد والبيهقى من طريق ابن جريج عن محمد بن أبى بكر عن أبيه عن أبى البداح عن عاصم بن عدى أن النبي مُؤثّر أرخص
٣٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطية يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرموا الغد. ولفظ الطحاوى من هذا الطريق: أن النبي مزيّ
رخص للرعاء أن يتعاقبوافكانوا يرمون غدوة يوم النحر ويدعون ليلة ويوما ثم يرمون من الغد. ويؤيده أيضا ما ورد
فی حدیث الباب من طریق سفیان عن عبد الله بن أبى بكر عن أبيه عن أبى البداح عن أبيه عند أحمد وأبي داود والترمذى
والنسائى وابن جه والحاكم والبيهقى وغيرهم أن النبي ◌َّ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما. قال الشوكانى: أى
يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبوا إلى إبلهم فيبيتوا عندها ويدعوا يوم النفر الأول ثم يأتوا فى
اليوم الثالث فيرموا ما فاتهم فى اليوم الثانى مع ربى اليوم الثالث ، وفيه تفسير ثان وهو أنهم يرمون جمرة العقبة ويدعون
ومی ذلك اليوم ويذهبون ثم يأتون فى اليوم الثانى من أيام التشريق فيرمون ما فاتهم ثم يرمون عن ذلك اليوم كما تقدم ،
وكلاهما جائز - انتهى. فهذه الروايات ظاهرة بل صريحة فى ما قال به الجمهور من جمع التأخير وموافقة لتفسير الموطأ المذكور
وأما رواية مالك على ما فى النسخ الهندية للوطأ وأحمد وغيرهما بلفظ «ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين، فقال فى
المحلى فى تأويلها: قوله (ثم يرمون الغد) من يوم النحر وهو اليوم الحادى عشر إن شاؤا ، وذلك هو العزيمة (أو من بعد
الغد ليومين) لذلك اليوم واليوم الماضى إن لم يرم من الغد من يوم النحر، فقوله ((ليومين، متعلق بقوله «أو من بعد الغد)
وهذا المعنى على مذهب مالك والشافعى وغيره من لم يجوز تقديم الرمى على يومه لأنه لاقضاء حتى يجب وإلا فظاهر الحديث
أنهم بالخيار إن شاؤا رموا يوم القر لذلك اليوم ولما بعده، وإن شاوا أخروا فرموا يوم النفر الأول ليومين، وبه قال
بعضهم - انتهى. وقال الزرقانى: ظاهر رواية الموطأ بلفظ «ثم يرمون الغد ومن بعد الغدليومين)) (على ما فى النسخ المصرية)
أنهم يرمون لهما فى يوم النحر، وليس بمراد كما بينه الإمام مالك بعد-انتهى. وقال الباجى: يريد (مرئية) أنه يرمى لليومين
الغد ومن بعد الغد ، فذكر الأيام التى يرمى لها وهى الغدمن يوم النحر وبعد الغد وهما أول أيام التشريق وتانيها ولم يذكر
وقت الرمى وإنما يرمى لهما فى اليوم الثانى من أيام التشريق بعد الزوال ولذا جمع بينهما فى اللفظ فقال «ليومين)، وقد فسر
ذلك مالك - انتهى. قلت: ويشكل على تفسير الموطأ وعلى ما وقع عند أحمد فى آخر الحديث ((قال مالك: ظننت
أنه فى الآخر منهما، ما حكاه الترمذى وابن ماجه عن مالك بعد قول عاصم بن عدى فى الحديث فيرمونه فى أحدهما
وقال مالك: ظننت أنه قال فى الأول منهما ثم يرمون يوم النفر، واختلفوا فى دفع هذا الإشكال والاختلاف
فذهب بعضهم إلى أن ما فى الترمذى وابن ماجه سهو وخطأ من بعض الرواة والصحيح ما فى مسند أحمد لأنه موافق
تفسير الموطأ الصريح الواضح، وذهب بعضهم إلى توجيه رواية الترمذى وتأويلها إلى ما فى الموطأ والمسند فقال معنى
قوله ((فى الأول منهما)) أى بترك الرمى فى الأول (أى فى الحادى عشر) منهما (وقضائه فى اليوم الثانى من أيام التشريق)
وليس المراد الرمى فى الأول منهما، ولا يخفى ما فى هذا التأويل من التعسف ، وقيل معناه أنهم يرمون فى الأول منهما
٣٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
أى فى الحادى عشر كسائر الحجاج ثم يروحون إلى إبلهم فى المراعى ولا يأتون اليوم الثانى من أيام التشريق أى اليوم
الثالث من أيام النحر وهو يوم النفر الأول بل يأتون يوم النفر الآخر فيجمعون فيه بين رمى يومين أى رمى
اليوم الثانى عشر ورمى الثالث عشر أى النفر الآخر. وفيه أن هذا شئى آخر لا يناسب ما فى المسند والموطأ، وقيل فى
معنى رواية الترمذى غير ذلك ، ثم إن الجمهور بعد ما اتفقوا على جمع التأخير وننى جمع التقديم أى تقدم رمى يوم على
ذلك اليوم اختلفوا فى أنه هل يجب الدم فى جمع التأخير أو لا يجب وهل هو أداء أو قضاء، فذهبت الأئمة
الثلاثة وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبى حنيفة والطحاوى من الحنفية إلى أنه لا يجب عليه دم. وقال أبو حنيفة
إذا طلع الفجر من الغد فى اليوم الثانى والثالث من أيام النحر فات وقت الأداء فيجب عليه القضاء مع الجزاء
إلى غروب آخر أيام التشريق. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٥٥): إذا أخر رمى يوم إلى ما بعده أو أخر الرمى كله
إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شئى عليه إلا أنه يقدم بالنية رمى اليوم الأول ثم الثانى ثم الثالث ، وبذلك قال *
الشافعى وأبو ثور، لأن أيام التشريق وقت للرمى، فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شئى. قال القاضى: ولا
يكون رميه فى اليوم الثانى قضاء لأنه وقت واحد، والحكم فى رمى جمرة العقبة إذا أخرما كالحكم فى رمى أيام التشريق فى
أنها إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد. وقال أيضا: آخر وقت الرمى آخر أيام التشريق فعتی خرجت قبل رميه كات
وقته واستقر عليه الفداء الواجب فى ترك الرمى، هذاقول أكثر أهل العلم - انتهى. وقال النووى فى مناسكه: إذا ترك شيئا
من الرمی نهارا فالأصح أنه یتداركه فیرمیه ليلا أو فیما یقی من أيام التشريق سواء ترکه عمدا أو سهوا، وإذا تداركه فيها
فالاصح أنه أداء لا قضاء، وإذا لم يتداركه حتى زالت الشمس من اليوم الذى يليه فالأصح أنه يجب عليه الترتيب
فيرمى أولا عن اليوم الفائت ثم عن الحاضر، ومتى تدارك فرمى فى أيام التشريق فائتها أو فائت يوم النحر فلا دم عليه،
ومتى فات ولم يتداركه حتى خرجت أيام التشريق وجب عليه جبره بالدم - انتهى. وقال الشيخ المواق فى شرحه لمختصر
خليل بن إسحاق المالكى فى الكلام على قوله «والليل قضاء): قال ابن شاس: للرمى وقت أداء ووقت قضاء ووقت فوات
فوقت الأداء فى يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قال: وتردد الباجى فى الليلة التى تلى يوم النحر هل هى
وقت أداء أو وقت قضاء، ووقت الأداء فى كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد الزوال إلى مغيب الشمس ويتردد فى الليل
کما تقدم ۔انتھی. وقال الدردير: فی جملة ما یجب فیه الدم تأخير الرمی حتی خرجت أیام الرمی وتأخیر رمی کل
حصاة من العقبة أو غيرها أو تأخير جميع الحصيات عن وقت الأداء وهو النهار لليل وهو وقت القضاء فأولى لو فات
الوقتان ندم واحد وقضاء كل من الجمار ولو العقبة ينتهى إلى غروب الرابع، والليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم يجب
به الدم، ووقت أداءكل من الزوال الغروب - انتهى. فعلم من هذا أن الرمى فى الليل وفى ما بعد الليل قضاء على ما هو
٣٢٨
٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
رواه مالك، والترمذى ، والنسائى، وقال
المشهور عند المالكية فيجب به الدم لكنه يرخص للرعاة مطلقا أو رعاة الايل خاصة فى جمع التأخير ولا يجب عليهم
دم. وقال فى الغنية: لو لم يرم فى الليل رماه فى النهار، ولو قبل الزوال قضاء عند أبى حنيفة وعليه الكفارة للتأخير
وأداء عندهما ولا شئى عليه - انتهى. قال القارى: والحاصل أن الرمى موقت عند أبى حنيفة وعندهما ليس بموقت
فإذا أخر رمى يوم إلى يوم آخر فعنده يجب القضاء مع الدم، وعندهما يجب القضاء لا غير، لأن الأيام كلها وقت لها
انتهى. وقال محمد فى موطاه بعد رواية حديث عاصم بن عدى: من جمسع رمى يومين فى يوم من علة أو غير علة فلا
كفارة عا إلا أنه يكره أن يدع ذلك من غير علة حتى الغد. وقال أبو حنيفة: إذا ترك ذلك حتى الغد فعليه دم.
وروى الطحاوى فى المعانى حديث ابن عباس مرفوعا «الراعى يرعى بالنهار ويرمى بالليل، ثم قال: ذهب أبو حنيفة إلى أن
فى هذا الحديث دلالة على أن الليل والنهار وقت واحد للرَمى، فقال: إن ترك رجل رمى العقبة فى يوم النحر ثم رماها
بعد ذلك فى الليلة التى بعده فلا شئ عليه، وإن لم يرمها حتى أصبح من غده رماها وعليه دم لتأخيره إياها إلى خروج وقتها
وهو طلوع الفجر من يومئذ، وخالفه فی ذلك أبو يوسف ومحمد فقالا : إذا ذكرها فى شتى من أیام الرمی رماها ولا شئى
عليه غير ذلك من دم ولا غيره ، وإن لم يذكرها حتى مضت أيام الرمى فذكرها لم يرمها وكان عليه فى تركها دم. ثم
احتج الطحاوى لهما بحديث الباب واستظهره بالنظر. وقد ظهر من هذا كله أنه يجب الدم فى جمع التأخير عند أبى حنيفة
ولا شك أن قوله بلزوم الجزاء أى الدم مخالف لحديث عاصم بن عدى. وقد أجاب بعض الحنفية عن ذلك بوجوه
كلها مخدوشة واهية. والراجح عندنا أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمى فى حق الرعاة ، فمن رمى عن
يوم منها فى يوم آخر منها أجزأه ولا شئ عليه، والدليل على ذلك حديث عاصم بن عدى ، فلو كان يجب الجزاء بتأخير
رمی یوم عن ذلك الیوم لبینه ◌ُٹے، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وأما ما روى عن ابن عباس مرفوعا
((من قدم شيئًا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دماء فهو محمول على عدم العذر، والله أعلم. قال الشنقيطى بعد ذكر
حديث عاصم بن عدى: التحقيق أن أيام الرمى كلها كاليوم الواحد ، وأن من رمى عن يوم فى الذى بعده لا شئ عليه
لإذن النبي ◌َّثي للرعاء فى ذلك ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلا لعذر فهو وقت له ولكنه كالوقت الضرورى
والله تعالى أعلم (رواه مالك) فى باب الرخصة فى رمي الجمار بلفظ ((أرخص لوعاء الايل فى البيتوتة يرمون يوم النحر
ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر، وكذا رواه أبو داود والدارمى (والترمذى والنسائى)
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥: ص ٤٥٠) والشافعى وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقى (ج ٥: ص ٤٥٠) وفى
رواية للترمذى وأبي داود والنسائى وابن الجارود والحاكم قال: رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما (وقال
٣٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
الترمذى: هذا حديث صحيح.
(١١) باب ما يجتنبه المحرم
( الفصل الأول )
٢٧٠٣ - (١) عن عبد الله بن عمر، أن رجلا سأل رسول اللّه وَّثه: ما يلبس المحرم من الثياب؟
الترمذى: هذا حديث صحيح) وسكت عنه أبو داود ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وقرره، وصححه الحاكم على شرط
الشيخين وسكت عنه الذهبي.
(باب ما يجتنبه المحرم) أى من المحظورات يعنى وما لا يجتنبه من المباحات، قاله القارى. والمقصود يان
ما يحرم على المحرم وما يباح له، والمراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قرن، وقد تقدم الكلام على معنى الاحرام
وحقيقته فى باب الاحرام والتلبية . .
٢٧٠٣ - قوله (عن عبد الله بن عمر أن رجلا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه فى شئ من الطرق (سأل رسول
اللّه مَّ ما يلبس) كلة استفهامية أو موصولة أو موصوفة فى محل النصب على أنه مفعول ثان لسأل، و«يلبس، بفتح
الموحدة من اللبس بضم اللام، يقال: لبس الثوب يلبس من باب علم يعلم. وأما اللبس بفتح اللام نهو من باب ضرب
يضرب، يقال لبست عليه الأمر ألبس بالفتح فى الماضى والكسر فى المستقبل إذا خلطت عليه، ومنه التباس الأمر
وهو اشتباهه (المحرم) قال الحافظ: أجمعوا على أن المراد به ههنا الرجل ولا يلتحق به المرأة فى ذلك. قال ابن المنذر:
أجمعوا على أن المرأة لبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل فى منع الثوب الذى مسه الزعفران أو الورس
وسيأتى الكلام على ذلك (من الثياب) أى من أنواع الثياب وهو يان لما، أو المسئول عنه وعند أحمد (ج ٢: ص ٧٧)
والنسائى من طريق عمر بن نافع عن أبيه (ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟)) وهكذا عند أحمد (ج ٢: ص ٥٤) من
طريق عبيد الله و(ص ٦٥) من طريق أيوب كلاهما عن نافع، وهو مشعر بأن السؤال كان قبل الاحرام. وللبيهقى من
طريق عبد الله بن عون عن نافع عن ابن عمر قال قام رجل من هذا الباب يعنى بعض أبواب مسجد المدينة فقال يا رسول
الله ما يلبس المحرم؟ وله أيضا من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال «نادى رجل رسول اللّه مَثل وهو يخطب وهو
بذاك المكان، وأشار نافع إلى مقدم المسجد، فظهر أن السؤال كان بالمدينة. وفى حديث ابن عباس عند الشيخين أنه مؤ لّ
خطب بذلك فى عرفات فيحمل على التعدد. ويؤيده أن فى حديث ابن عمر أجاب به السائل. وفى حديث ابن عباس
ابتدأ به الخطبة. وقوله (ما يلبس المحرم من الثياب)) هى الرواية المشهورة عن نافع عن ابن عمر. وقد رواه أبو عوانة
من طريق ابن جريج عن نافع بلفظ «ما يترك المجرم)) قال الحافظ: وهى شاذة، والاختلاف فيها على ابن جريج لا على
٣٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
فقال: لا تلبسوا القمص
نافع، وأخرجه أحمد (ج ٢: ص ٨) عن سفيان بن عيينة عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر فقال مرة : ما يترك؟ ومرة:
ما يلبس؟ وأخرجه أبو داود عن ابن عيينة بلفظ «ما يترك)) من غير شك. ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ ((أن رجلا
قال ما يجتنب المحرم من الثياب)) أخرجه أحمد (ج ٢: ص ٣٤) وابن خزيمة وأبو عوانة فى صحيحيهما من طريق
عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عنه وأخرجه البخارى فى أواخر الحج من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهرى بلفظ
نافع فالاختلاف فيه على الزهرى يشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها (لا تلبسوا)
أى مريدوا الإحرام. وفى رواية للبخارى ((لا يلبس، بالرفع على الخبر على الأشهر وهو فى معنى النهى، وروى بالجزم على أنه
نهى، وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين وهى قول السائل ما يترك المحرم أو ما يجتنب المحرم؟ وأما على الرواية
المشهورة أى قول السائل «ما يلبس، فإن المسئول عنه ما يلبسه المحرم فأجيب بذكر ما لا يلبسه، والحكمة فيه أن ما يجتنبه المحرم
ويمتنع عليه لبسه محصور فذكره أولى ويبقى ما عداه على الاياحة بخلاف ما يباح له لبسه فإنه كثير غير محصور فذكره
تطويل، وفيه تنبيه على أن السائل لم يحسن السؤال وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى،
وبعض علماء المعانى يسمى هذا أسلوب الحكيم ، وقريب منه قوله تعالى ﴿ يسئلونك ما ذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير
فالوالدين - سورة البقرة، الآية ٢١٥) فالسؤال عن جنس المنفق فعدل عنه فى الجواب إلى ذكر المتفق عليه لأنه أهم .
وكان اعتناء السائل بالسوال عنه أولى. قال النووي: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله فانه مثّ سئل عما
يلبسه المحرم فقال لا يلبس كذا وكذا فعصل فى الجواب أنه لا يلبس المذكورات ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا
بلس أولی لأنه منحصر ، وأما الملبوس الجائز للحرم فتیر منحصر نضبط الجميع بقوله لا یلیس کذا و کذا یعنی ویلس ما
سواه - انتهى. وقال البيضاوى: سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز،
وإنما عدل عن الجواب لأنه أخضر وأحصر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه ( م. العارض
فى الإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس. وقال
ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر فى الجواب ما يحصل منه المقصود كيف ما كان ، ولو بتغيير أو زيادة ولا يشترط
المطابقة (القمص) بضمتين جمع قيص نوع من الثياب معروف وهو الدرع، وذكر ابن الهمام فى أبواب النفقة من فتح
القدير أنهما سواء إلا أن القميص يكون مجيا من قبل الكتف، والدرع من قبل الصدر - انتهى. ونبه به وبالسراويلات
على جميع ما فى معناهما وهو ما كان محيطا أو مخيطا معمولا على قدر البدن أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبة والقميص
والقباء والتبان والقفاز، وفى البحر عن مناسك ابن أمير الحاج الحلبي أن ضابطه لبس كل شئى معمول على قدر البدن أو
٣٣١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يحتقبه المحرم
بعضه بحیث يحيط به بخياطة أو تلزیق بعضه بعض أو غيرهما ، ویستمسك علیه بنفس لبس مثله إلا المکعب- اتھی. وفى
شرح الاحياء للزيدى («ثم إن قولهم: إن المحرم لا يلبس المخيط)، ترجمة لها جزآن لبس ومخيط، فأما
اللبس فهو مرعى فى وجوب الفدية على ما يعتاد فى كل ملبوس إذ به يحصل الترفه والتعم، فلو ارتدى بقميص أو قباء
أو التحف فيهما أو انزر بسراويل فلا فدیة علیه (فانه لا يعد لابسا له فى العرف) کما لو اتزر بازار خيط عليه رقاع،
وأما المخيط فخصوص الخياطة غير معتبر بل لا فرق بين المخيط والمنسوج كالدرع والمعقود كجبة اللبد والملزق بعضه
ببعض قياسا لغير المخيط على الخيط والمتخذ من القطن والجلد وغيرهما سواء - انتهى. فإن قلت: تقيد اللبس المنهى
عنه باللبس المعتاد يخالف ما سيأتى فى الفصل الثالث من حديث نافع أن ابن عمر وجد القر فقال: ألق على ثوبا يا نافع،
فألقيت عليه برنسا، فقال: تلقى على هذا؟ وقد نهى رسول اللّه مَثّل أن يلبسه المحرم. قلت: قال ابن عبد البر:
هذا من ورعه وتوقيه كره أن يلقى عليه البرنس وسائر أهل العلم إنما يكرهون الدخول فيه ولكنه رضى الله عنه استعمل
العموم فى اللباس لأن التغطية والامتهان قد يسمى لباسا، ألم تسمع إلى قول أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من
طول ما لبس - انتهى. وهو يقتضى أن ابن عمر إنما فعل ذلك احتياطا لا لاعتقاده الوجوب. وقال العراقى فى شرح
الترمذى: ويحتمل أن البرنس كان مفرجا كالقباء بحيث لو قام عد لابساً له، فإن بعض البرانس كذلك. وقد حكى
الرافعى عن إمام الحرمين فيما لو ألقى على نفسه قباء أو فرجية وهو مضطجع أنه إن أخذ من بدنه ما إذا قام عد لابسه
فعليه الفدية ، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا -انتهى، وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك عند
شرح حديث نافع المذكور. تنبيه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى مناسك الحج ((والسنة أن يحرم فى إزار ورداء
سواء كانا مخيطين أو غير مخيطين باتفاق الأئمة، قال صديقنا العلامة عبد الرحمن الافريقى رحمه الله فى كتابه «توضيح
الحج والعمرة» (ص ٤٤): ومعنى ((مخيطين)) أن تكون فى الرداء والإزار خياطة عرضا وطولا، وقد غلط فى هذا كثير
من العوام ، يظنون أن المخيط الممنوع هوكل ثوب خيط سواء فى صورة عضو الإنسان أم لا ، بل كونه مخيطا مطلقا ،
وهذا ليس بصحيح، بل المراد بالخيط الذى نهى عن لبسه هو ما كان على صورة عضو الإنسان كالقميص والفنيلة والجبة
والصدرية والسراويل وكل ما على صفة الإنسان محيط بأعضاءه لا يجوز للحرم لبسه ولو بنسج، وأما الرداء
الموصل لقصره أو لضيقه أو خيط لوجود الشق فيه فهذا جائز - انتهى. قال النووى: قال العلماء: الحكمة فى تحريم
اللباس المذكور فى الحديث على المحرم ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل وليتذكر
أنه محرم فى كل وقت فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ فى مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات
وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ويتذكر البعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الداع، والحكمة فى تحريم الطيب
٣٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف،
والنساء أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها، ولأن الطيب داع إلى الجماع ولأنه ينافى الحاج فإنه أشعث أغبر،
ومحصله أن يجمع منه لمقاصد الآخرة - انتهى بزيادة يسيرة. وقال الشيخ ولى الله الدهلوى: الفرق بين المخيط وما
فى معناه وبين غير ذلك أن الأول ارتفاق وتجمل وزينة، والثانى ستر عورة، وترك الأول تواضع لله وترك الثانى
سوء أدب. وقال أيضا: إن الإحرام فى الحج والعمرة بمنزلة التكبير فى الصلاة، فيه تصوير الاخلاص والتعظيم
وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر، وفيه جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة وأنواع التجمل ، وفيه
تحقيق معاناة التعب والتشعث والتغبر لله، وإنما شرع أن يحتنب المحرم هذه الأشياء تحقيقا للتذلل وترك الزينة والتشعث
وتنويها لاستشعار خوف الله وتعظيمه ومؤاخذة نفسه أن لا تسترسل فى هواها - انتهى (ولا الغماتم) جمع عمامة بكسر
العين، سميت بذلك لأنها تعم جميع الرأس ، ونبه به على كل ساتر الرأس مخيطا أو غير مخيط حتى العصابة فإنها حرام
(ولا السراويلات) هو واحد جاء بلفظ الجمع، وقيل جمع سروالة، وهو ثوب خاص بالنصف الأسفل من البدن ولفظه
أعجمى لا عربى على الصحيح، يقال: هو فارسى معرب ((شاوار) فى الهندية. فى القاموس: السراويل فارسية معربة
جمعها سراويلات أو هى جمع سروال وسروالة - انتهى. فالسراويلات تكون حينئذ جمع الجمع. وقال صاحب المحكم:
السراويل فارسى معرب يذكر ويؤنث ولم يعرف الأصمعى فيها إلا التأنيث والجمع سراويلات، والسراوين
(بالنون) السراويل. زعم يعقوب أن النون فيها بدل من اللام. وقال أبو حاتم السجستانى: وسمعت من
الأعراب من يقول: الشراويل بالشين المعجمة (ولا البرانس) بفتح الموحدة وكسر النون ، جمع البرنس بضمهما .
قال الأزهرى وصاحب المحكم وغيرهما: البرنس كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كانت أو جبة أو مطرا (الممطر
بكسر الميم الأولى وفتح الطاء ما يلبس فى المطر يتوقى به) من البرس بكسر الباء وهو القطن والنون زائدة، قال النووي:
قبه بالعمام والبرانس على كل سائر الرأس مخيطا كان أو غيره حتى العصابة فإنها حزام ، فإن احتاج إليها لشجة أو
صداع أو غيرهما شدها ولزمته الفدية - انتهى. وقال الخطابي: ذكر العمامة والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية
الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر. قال: ومن النادر المكتل يحمله على رأسه. قال الحافظ: إن أراد أنه يجعله على رأسه
كلابس القبع صح ما قال ، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيأة الحامل لحاجته لا يضر، وما لا يضر أيضا الانغماس
فى الماء فإنه لا يسمى لابساوكذاستر الرأس باليد (ولا الخفاف) بكسر الخاء المعجمة جمع خف. قال النووى: نبهم
بالخفاف على كل ساتر الرجل من مداس وججم وجورب وغيرها. وهذا وما قبله كله حكم الرجال، وأما المرأة فياح
لهما ستر جميع بدنها بكل ساتر من مخيط وغيره إلا ستر وجهها فإنه حرام بكل ساتر، وفى ستر يديها بالقفازين خلاف
٣٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
إلا أحد لا يجد فعلين ،
للعلماء وهما قولان الشافعى أصمهما تحريمه - انتهى. قال الغزالى فى الاحياء: والمرأة أن تلبس كل مخيط بعد أن لا تستر
وجها بما يماسه، فإن إحرامها فى وجهها - انتهى. قال الزيدى فى شرحه: أى إن الوجه فى حق المرأة كالرأس فى حق
الرجل ويعبر عن ذلك بأن إحرام الرجل فى رأسه وإحرام المرأة فى وجهها ، والأصل فى ذلك ما روى البخارى من
حديث نافع عن ابن عمر مرفوعا: لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين (سيأتى الكلام على هذا بعد تخريج الحديث حيث
ذكره المصنف) ثم إن قوله: فإن إحرامها فى وجها هو لفظ حديث أخرجه البيهقى فى المعرفة (وفى السنن ج ٥: ص٤٧)
عن ابن عمر قال: إحرام المرأة فى وجهها وإحرام الرجل فى رأسه. وأخرج الدار قطنى والطبرانى والعقيلى وابن عدى
(والبيهقى فى السنن ج ٥: ص٤٧ مرفوعا) من حديثه بلفظ «ليس على المرأة إحرام إلا فى وجهها)) وإسناده ضعيف (لأن
فى سنده أيوب بن محمد أبا الجمل. قال البيهقى: هو ضعيف عند أهل العلم بالحديث، ضعفه ابن معين وغيره) وقال العقيلى:
لا يتابع على رفعه، إنما يروى موقوفا. وقال الدار قطنى فى العلل: الصواب وقفه، وليس للرجل لبس القفازين كما ليس
له لبس الخفين، وهل المرأة فيه قولان: أحدهما لا يجوز، قاله فى الأم والاملاء، وبه قال مالك وأحمد. والثانى وهو
منقول المزنى نعم، وبه قال أبو حنيفة. وفى الوجيز أنه أصح القولين لكن أكثر النقلة على ترجيح الأول - انتهى.
وسيأتى الكلام فى هذه المسئلة عند شرح قوله: لا تلبس القفازين (إلا أحد) قال القارى: بالرفع على البدلية من واو
الضمير ، وقال الزرقانى فى شرح الموطأ: بالنصب عربى جيد، وروى بالرفع وهو المختار فى الاستثناء المتصل بعد النفى
وشبهه. قال الزين بن المنير: يستفاد منه جواز استعمال أحد فى الإثبات خلافا لمن خصه بضرورة الشعر كقوله:
إلا على أحد لا يعرف القمرا
وقد ظهرت فلا تخفى على أحد
قال: والذى يظهرلى بالاستقراء أنه لا يستعمل فى الإثبات إلا أن كان يعقبه نفى وكان الاثبات حينئذ فى سياق النقى
(لا يجد فعلين) فى محل الرفع لأنه صفة لأحد، وزاد معمر فى روايته عن الزهرى عن سالم فى هذا الموضع زيادة حسنة
تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهى قوله: وليحرم أحدكم فى إزار ورداء وفعلين ، فإن لم يجد فعلين فليلبس الخفين.
واستدل بقوله «فإن لم يجد فعلين) على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور. وأجازه
الخفية وبعض الشافعية. وقال ابن العربى: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئا لم يجز إلا
الفاقد. قال الزرقانى: فإن لبسهما مع وجود أملين افتدى عند مالك والليث، وعن الشافعى قولان - انتهى. وصرح
فى الشرح الكبير والدسوقى بالفدية إن لبسهما مع وجود النعلين سواء قطعهما أولا ، وقال فى شرح الاحياء: هل يجوزلبس
الغف المقطوع والمكعب مع وجود النعلين، فيه وجهان أحدهما نعم، لشبهه بالنعل وأصمهما لا، لأن الإذن فى الخبر
٣٣٤
P
٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ،
مقيد بشرط أن لا يجدهما - انتهى. وقال القارى فى شرح المناسك: ويجوز لبس المقطوع مع وجود النعلين لكن
لا ينافى الكرامة المرتبة على مخالفة السنة - انتهى. قال الحافظ: والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما
لفقده أو ترك بذل المالك له أو عجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه أو الأجرة، ولو بيع بغين لم يلزمه شراؤه أو وهب له
لم يجب قبوله إلا أن أعيرله (فيلبس الخفين) كذا فى نسخ المشكاة بصيغة المضارع وهكذا وقع فى بعض نسخ
الموطأ. وفى الصحيحين ((فليلبس) بزيادة اللام على صيغة الأمر. قال الحافظ: ظاهر الأمر للوجوب لكنه لما شرع
التسهيل لم يناسب التثقيل فهو الرخصة (وليقطعهما) بكسر اللام وسكونها (أسفل من الكعبين) وفى رواية حتى يكونا
تحت الكعبين. والمراد قطعهما بحيث يصير الكعبان وما فوقهما من الساق مكشوفا لا قطع موضع الكعبين فقط.
قال العينى والحافظ: والمراد كشف الكعبين فى الاحرام وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ، ويؤيده ما
روى ابن أبى شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال : إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما
قدر ما يستمسك رجلاه - انتهى. أعلم أن المراد بالكعبين ههنا هو المراد بهما فى الوضوء عند الجمهور وهما العظمان
الناتتان فى جانبى القدم، والمراد بهما عند محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية هو العظم الشاخص فى ظهر القدم عند
معقد الشراك. قال ابن عابدين تحت قول المصنف ((فيقطعهما أسفل من الكعبين عند معقد الشراك)) وهو المفصل الذى
فى وسط القدم، كذا رواه هشام عن محمد بخلافه فى الوضوء، فإنه العظم الناتى أى المرتفع ولم يعين فى الحديث أحدهما
لكن لما كان الكعب يطلق عليهما حمل على الأول احتياطا لأن الأحوط فيما كان أكثر كشفا - انتهى. قال الحافظ:
لا يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن على تقدير صحته عنه أن يكون قول أبى حنيفة ونقل عن الأصمعى وهو قول
الإمامية أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم ، وجمهور أهل اللغة على أن فى كل قدم
كعين - انتهى. وقال الجوهرى: الكعب العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم وأنكر الأصمعى قول الناس إنه
فى ظهر القدم - انتهى. وقال فى القاموس الكعب كل مفصل العظام والعظم الناشر فوق القدم والناشزان من جانيها
أى القدم. قال فى تاج العروس (ج ١: ص ٤٥٦): وأنكر الأصمعى قول الناس: إنه فى ظهر القدم ، وسأل ابن
جابر أحمد بن يحيى عن الكعب فأومأً ثعلب إلى رجله إلى المفصل منها بسبابته عليه. ثم قال: هذا قول المفضل وابن
الأعرابى. قال: وأومأ إلى النانثين. قال: وهذا قول أبى عمرو بن العلاء والأصمعى ، وكل قد أصاب، كذا فى
لسان العرب (ج ١: ص ٢١٣) قلت: وهذا يدل على أن لفظ الكعب فى اللغة يستعمل بالمعنيين بمعنى العظم الناتئى عند
مفصل الساق والقدم، وبمعنى العظم فى ظهر القدم عند معقد الشراك، فأخذه محمد بهذا المعنى فى المحرم لكونه أحوط عنده.
٣٣٥

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يحتفيه المحرم
قلت: والظاهر عندنا هو قول الجمهور. ثم ظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما بعد القطع إذا لم يجد النعلين وهو
مذهب الجمهور. وقال الحنفية تجب، وتعقب بأنها لو وجبت لبينها التى تُؤية لأنه وقت الحاجة ، وأيضا لو وجبت فدية
لم يكن القطع فائدة لأنها تجب إذا لبسهما بلا قطع، قاله الزرقانى. وهذا الذى حكاه عن الحنفية قد اختاره الطحاوى
فى معانى الآثار ورجحه من حيث الدليل وعزاه إلى أبى حنيفة وصاحبيه، ولكن قال القارى فى المرقاة بعد نقل كلام
الطحاوى: وفى منسك ابن جماعة: وإن شاء قطع الخفين من الكعبين ولبسهما ولا فدية عند الأربعة - انتهى. وأغرب
الطبرى والنووى والقرطبي و (الحافظ) ابن حجر فحكوا عن أبى حنيفة أنه يجب عليه الفدية إذا لبس الخفين بعد القطع
عند عدم النعلين وهو خلاف المذهب ، بل قال فى مطلب الفائق: وهذه الرواية ليس لها وجود فى المذهب بل هى
منتقدة - انتهى. وقال فى شرح المناسك: إذا لبسهما قبل القطع يوما قدم ، وفى أقل من يوم صدقة ، وإن لسهما بعد
القطع أسفل من موضع الشراك فلا شئ عليه عندنا. وأغرب الطبرى والنووى والقرطبي فحكوا عن أبى حنيفة أنه
يجب عليه الفدية إذا لبس الخفين بعد القطع عند عدم النعلين - انتهى. وبهذا ظهر أن مذهب الحنفية هو كالجمهور،
واستدل بالحديث على أن لبس الخفين مشروط بالقطع، وبه قال مالك والشافعى وأبو حنيفة مع الاختلاف فيما
بينهم فى موضع القطع، وعن أحمد فى المشهور عنه لا يلزمه قطعهما بل يجوز لبسهما من غير قطع قال ابن قدامة :
ويروى ذلك عن على ، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح ، واحتج أحمد بإطلاق حديث ابن عباس عند
البخارى بلفظ «ومن لم يجد فعلين فليلبس خفين) ومثله حديث جابر عند مسلم، وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل
المطلق على المقيد فينبغى أن يقول بها مهنا ، وبأن ابن عباس حفظ لبس الخفين ولم ينقل صفة اللبس بخلاف ابن عمر فهو
أولى. قال الحافظ: وأجاب الحنابلة عن حديث القطع بأشياء: منها دعوى النسخ فى حديث ابن عمر فقد روى
الدار قطنی من طریق عمرو بن دینار أنه روی عن ابن عمر حديثه ، وعن جابر بن زيد عن ابن عباس حديثه وقال
انظروا أى الحديثين قبل. ثم حكى الدار قطنى عن أبى بكر النيسابورى أنه قال: حديث ابن عمر قبل، لأنه كان بالمدينة
قبل الاحرام ، وحديث ابن عباس بعرفات فيكون ناسخا لحديث ابن عمر ، لأنه لو كان القطع واجبا لبينه للناس إذ لا
يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأجاب الشافعى عن هذا فى الأم فقال: كلاهما صادق حافظ وزيادة ابن عمر لا
تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون عزبت عنه أو شك أو قالها فلم يقلها عنه بعض رواته ـ انتهى. وسلك بعضهم
الترجيح بین الحديثین. قال ابن الجوزی : حديث ابن عمر اختلف فی وقفه ورفعه ، وحديث ابن عباس لم يختلف فى
رفعه - انتهى. وهو تعليل مردود بل لم يختلف على ابن عمر فى رفع الأمر بالقطع إلا فى رواية شاذة على أنه اختلف
فى حديث ابن عباس أيضا فرواه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا ولا يرتاب أحد
٣٣٦
.

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه زعفران
من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح
الأسانيد واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم ، بخلاف حديث ابن عباس ظم يات مرفوعا
إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلى: إنه شيخ بصرى لا يعرف ، كذا قال، وهو معروف موصوف
بالفقه عند الأئمة . واستدل بعضهم بالقياس على السراويل كما سيأتى البحث فيه فى حديث ابن عباس إن شاء الله تعالى،
وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار، واحتج بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد والله لا يحب
الفساد، وأجيب بأن الإفساد إنما يكون فيما نهى الشرع عنه لا فيما أذن فيه، وقال ابن الجوزى: يحمل الأمر بالقطع
على الاياحة لا على الاشتراط عملا بالحديثين، ولا يخفى تكلفه - انتهى كلام الحافظ، وهكذا ذكر العينى، ثم قال:
والأحسن فى الجواب أن يقال إن حديث ابن عباس قد ورد فى بعض طرق ـه الصحيحة موافقته لحديث ابن عم فى قطع
الخفین، رواه النسائى فى سننه من طريق إسماعيل بن مسعود عن یزید بن زريع عن أيوب عن عمرو عن جابر بن زيد
عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللّه ◌َثم يقول إذا لم يجد إزارا ليلبس السراويل، وإذا لم يجد التعلين فليلبس الخفين
وليقطعهما أسفل من الكعبين. قال العينى: وهذا إسناد صحيح وإسماعيل بن مسعود الجحدرى وثقه أبو حاتم وغيره،
وباقيهم رجال الصحيح. والزيادة من الثقة مقبولة على المذهب الصحيح - انتهى. قلت: وكذا ورد الأمر بالقطع فى
حديث جابر أيضا عند الطبرانى فى الأوسط بإسناد حسنه الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٣: ص ٢١٩) فاتفقت الأحاديث
كلها. قال ابن قدامة (ج ٣: ص٣٠٢) والأولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح وخروجا من الخلاف وأخذا بالاحتياط -
انتهى. وقال الخطابي (ج ٢: ص ٣٤٥): أنا أ تعجب من أحمد فى هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلت سنة
لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس ، وليست هذه الزيادة فيه، إنما رواها ابن عمر إلا أن
الزيادات مقبولة - انتهى (ولا تلبسوا) بفتح أوله وثالثه، وهذا الحكم شامل للنساء، والدليل الصريح على تعميم هذا
الحكم ما سيأتى من حديث ابن عمر فى نهى النساء فى الاحرام عن لبس ما مسه الزعفران والورس فى الفصل الثانى من
هذا الباب. قال القارى: نكتة الإعادة اشتراك الرجال والنساء فى هذا الحكم إما على وجه التغليب أو التبعية - انتهى.
وقال الحافظ: قيل عدل عن طريقة ما تقدم ذكره إشارة إلى اشتراك الرجال والنساء فى ذلك ، وفيه نظر. بل الظاهر
أن نكتة العدول أن الذى يخالطه الزعفران والورس لا يجوز لبسه سواء كان مما يلبسه المحرم أو لا يلبسه. قال الزرقانى:
والظاهر أنه لا تنافى بين النكتتين (من الثياب شيئا مسه) أى صبغه (زعفران) بالنكير والتنوين لأنه ليس فيه إلا ألف
ونون فقط وهو لا يمنع الصرف ، وفى بعض الروايات الزعفران بالتعريف وهو بفتح الزأى المعجمة وسكون العين
٣٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
ولا ورس.
المهملة وفتح فاء وراء مهملة بعدها ألف ونون اسم عربى، كذا فى المحيط. وقال العينى: الزعفران اسم أعجمى صرفته
العرب فقالوا: ثوب مزعفر وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة ويجمع علىزعافر(ولا ورس) وفى بعض الروايات ولا الورس
- وهو بفتح الواو وإسكان الراء آخره سين مهملة - كذا فى المحيط، قال المجد: نبات كالسمسم ليس إلا بالمن يزرع
فيقى عشرين سنة ، نافع للكلف طلاء والبهق شربا ، وقال العينى: نباته مثل حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه تفتق
فينفض منه مثل الورق. وقال الجوهرى: الورس نبت أصفر يكون باليمن. وقال ابن بيطار: يؤتى بالورس من
الصين واليمن والهند، وهو يشبه زهر العصفر. وقال الحافظ: الورس نبت أصفر طيب الريح يصبغ به، وذكر
ابن العربى أنه ليس بطيب فقال: والورس وإن لم يكن طيافله رائحة طيبة، فأراد النبي مؤفضل أن يبين تجنب الطيب
المحض وما يشبه الطيب فى ملائمة الثم فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب -
انتهى. واستدل بقوله (مسه) على تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولو خفيت رائحته بعد ذلك للغسل أو لمرور الزمان،
وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع وإن بقى اللون، والحجة فيه حديث ابن
عباس عند البخارى بلفظ (ولم ينه عن شئ من الثياب إلا المزعفرة التى تردع الجلد، وأما المغسول فقال الجمهور: إذا
ذهبت الرائحة جاز خلافا لمالك، واستدل لهم بما روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع فى هذا الحديث إلا أن
یکون غسيلا ، أخرجه یحی بن عبد الحميد احمانى فى مسنده عنه ، وروى الطحاوى عن أحمد بن أبى عمران أن يحى بن
معين أنكره على الحمانى فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدى قد كتبته عن أبى معاوية ، وقام فى الحال فأخرج له أصله
فکتبه عنہ یحی بن معین ۔ انتھی. قال الحافظ: وهی زیادة شاذة لأن أبا معاوية وإن كان متقنا لکن فى حديثه عن
غير الأعمش مقال ، قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث فى عبيد الله ولم يجئى بهذه الزيادة غيره. قال الحافظ:
والحانى ضعيف وعبد الرحمن الذى تابعه فيه مقال - انتهى. وقال العينى: فى الحديث حرمة لبس الثوب الذى مسه ورس أو
زعفران ، وأطلق حرمته جماعة منهم مجاهد وهشام بن عروة وعروة بن الزبير ومالك فى رواية ابن القاسم عنه ، فانهم
قالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران لا يجوز لبسه للحرم سواء كان مغسولا أو لم يكن لإطلاق الحديث، وإليه
ذهب ابن حزم الظاهرى وخالفهم جماعة، وهم سعيد بن جير وعطاء بن أبي رباح والحسن البصرى وطاوس وقنادة
وإبراهيم النخعى وسفيان الثورى وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور فانهم أجازوا
الحرم لبس الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا كان غسيلا لا ينفض ـ انتهى. وفى الموطأ: سئل مالك عن ثوب
مسه طيب ثم ذهب رح الطيب منه هل يحرم فيه؟ قال نعم ما لم يكن فيه صباغ زعفران أو ورس ، قال الباجى: إذا
٣٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
زال من الثوب ربح الطيب ولم تكن فى لونه زينة كلون الزعفران والورس أو كان مما فى لونه زينة فزال اللون بالغسل فلا
مانع يمنع من الاحرام فيه ، وقال أيضا فى موضع آخر: إن كان الثوب مصبوغا فيجنب المصبوغ بالزعفران أو الورس
يجتنبه الرجال والنساء لما فيه من الطيب والصبغ الذى يستعمله غاليا للتجمل، وهذان المعنيان ينافيان الإحرام، فمن لبسه
من الرجال والنساء فعليه الفدية ، وفى المدونة كان مالك يكره الثياب المصبوغة بالورس والزعفران وإن كان قد غسل إلا
أن يكون ذهب لونه فلم يبق فيه من لونه شئى - انتهى. وحاصل كلام الباجى والمدونة أن المحظور عند المالكية شيئان
الطيب ولون الزينة والتجمل كلون الزعفران، فإذا كان الثوب مصبوغا بشئى فيه ريح فقط وزال يجوز الاحرام فيه وإذا
كان مصبوغا بنحو الزعفران لا يجوز الإحرام فيه بمجرد زوال الربح حتى يزول اللون أيضا. وقال العينى فى موضع
آخر: وقال أصحابنا (الحنفية): ما غسل من ذلك حتى صار لا ينفض (لأن المنع للطيب لا للون) فلا باس بلبسه فى
الإحرام وهو المنقول عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن وطاوس وقتادة والنخعى والثورى وأحمد
وإسحاق وأبى ثور، ومعنى ((لا ينفض)) لا يتناثر صبغه، وقيل لا يفوح ريحه وهما منقولان عن محمد بن الحسن والتعويل
على زوال الرائحة حتى لو كان لايتناثر صبغه ولكنه يفوح ريحه يمنع من ذلك ، لأن ذلك دليل بقاء الطيب، ثم ذكر
العينى حديث أبى معاوية عن عبد الله بن عمر المذكور ثم قال: فإن قلت: ما حال هذه الزيادة أعنى قوله ((إلا أن يكون
غسيلا، قلت: صحيح لأن رجاله ثقات وروى هذه الزيادة أبو معاوية الضرير وهو ثقة ثبت، فإن قلت: قال ابن حزم : لا
فعله صحيحا، وقال أحمد بن حنبل: أبو معاوية مضطرب الحديث فى أحاديث عبيد الله، ولم يحتى أحد بهذه غيره، قلت
کفى حجة لصحة هذه الزيادة شهادة عبد الرحمن و كتابة یحی بن معین ورواية أبى معاوية ، وأما قول ابن حزم ((لا
فعله صحيحا، فهو نفى لعلمه بصحته ، وهذا لا يستلزم نفى صحة الحديث فى علم غيره فافهم. وقد روى أحمد فى مسنده من
حديث ابن عباس حديثا يدل على جواز لبس المزعفر للحرم إذا لم يكن فيه نفض ولا ردع - انتهى. قلت : أبو ساوية
الضرير المذكور فى سند حديث ابن عمر عند الطحاوى هو مضطرب الحديث فى غير حديث الأعمش سيما فى عبد الله
ابن عمر العمرى كما قاله الإمام أحمد ومع ذلك كان يدلس كما صرح به يعقوب بن شيبة وابن سعد، وروى هذا الحديث
عن عبيد الله معنعنا ففى صحته نظر، وأما حديث ابن عباس الذى أشار إليه العينى فأخرجه أحمد فى مسنده (ج ١:
ص ٣٥٣) عن يزيد بن هارون عن الحجاج عن الحسين بن عبد الله بن عبيد اللّه عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي عرفة،
قال : لا بأس أن يحرم الرجل فى ثوب مصبوغ بزعفران قد غسل، ليس فيه نفض ولا ردع. ثم رواه فى (ج ١: ص٣٦٢)
عن ابن نمير عن حجاج بن أرطاة عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فى
الثوب المصبوغ ما لم يكن به نقض ولا ردع. والسندان ضعيفان لتدليس الحجاج وضعف الحسين بن عبيد الله، وذكره
٣٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
الزيلعى فى نصب الراية (ج٣: ص٢٩) من رواية إسحاق بن راهويه وابن أبى شيبة والبزار وأبي يعلىالموصلى فى مسانيدهم
من طريق يزيد بن هارون عن الحجاج عن الحسين بن عبدالله وسكت عنه الزيلعى وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٣ :
ص ٢١٩) وقال: رواه أبو يعلى والبزار وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله وهو ضعيف - انتهى. هذا وقد يستفاد
من ظاهر الحديث جواز لبس المزعفر لغير المحرم لأنه قال ذلك فى جواب السؤال عما يلبس المحرم فدل على جوازه لغيره ،
ويؤيده حديث ابن عمر مرفوعاءكان يصبغ بالصفرة ثيابه كلها حتى عمامته)) أخرجه أبو داود والنسائى، وفى لفظ للنسائى
أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران، وأصله فى الصحيح، ولفظه: وأما الصفرة فإنى رأيت رسول الله مؤثّ يصبغ
بها، ويؤيده أيضا حديث قيس بن سعد قال: أتانا النبي ◌َّ فوضعنا له ماء يتبرد فاغتسل ثم أتيته بملحفة صفراء فرأيت
أثر الورس عليه، أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما ، ويعارض ذلك فى المزعفر للرجل ما رواه الشيخان عن
أنس أن النبى تُ نهى أن يتزعفر الرجل. قال الشافعى: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن تزعفر وأمره إذا
تزعفر أن يغسله، وحمل الخطابى والبيهقى النهى على ما صبغ من الثياب بعد نسجه، فأما ما صبغ غزله ثم نسج فلا
يدخل فى النهى ، وجوز الزين العراقى فى شرح الترمذى أمرين آخرين أحدهما أن النهى عن أبس ما مسه الورس
والزعفران ليس داخلا فى جواب السؤال عما يحتبه المحرم بل هو كلام منفصل مستقل يعنى أن جواب سؤاله انتهى عند
قوله أسفل من الكعبين، ثم استأنف قوله «ولا تلبسوا شيئًا مسه الزعفران، ولا تعلق له بالمسئول عنه، ثم استبعد العراقى
هذا الاحتمال وهو حقیق بالاستبعاد، ومما رده به ما فى الصحیحین عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي ◌ُٹے نهى
أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بورس أو زعفران. قال فقيد ذلك بالمحرم، ثانيهما حمل النهى على لطخ البدن بالزعفران
دون لبس الثوب المصبوغ به، وأيده بما فى سبتن النسائى بإسناد صحيح عن أنس قال نهى رسول اللّه تَطيع أن يزعفر
الرجل جلده ، وبما تقدم من حديث ابن عمر وقيس بن سعد ذكره الولى العراقى فى شرح التقريب، وذهب ابن الهمام
إلى ترجيح حديث أنس لكونه مرويا فى الصحيحين، ولكون المحرم مقدما على المبيح. قال الحافظ: واستنبط من
منع لبس الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذى فيه الزعفران ، وهذا قول الشافعية وعن المالكية خلاف. وقال
الحنفية: لا يحرم لأن المراد اللبس والتطيب، والآ كل لا يعد متطيا ، وقال الولى العراقى مورد النص فى اللبس ، فلو
أكل ما فيه زعفران أو غيره من أنواع الطيب قال أصحابنا (الشافعية): إن استهلك الطيب فلم يبق له طعم ولا لون ولا
ريح لم يحرم بلا خلاف، وإن ظهرت هذه الأوصاف حرم بلا خلاف، وإن بقيت الرائحة وحدها حرم أيضا ، لأنه
يعد طيبا، وإن بقى الطعم وحده فالأظهر التحريم، وإن بقى اللون وحده فالأظهر عدم التحريم ، وقال المالكية: لا
شئى عليه فى أكل الخبيص بالزعفران ، وقيل إن صبغ الفم فعليه الفدية. وما خلط بالطيب من غير طبخ ففى إيجاب
٣٤٠
م
.