النص المفهرس
صفحات 301-320
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠- كتاب المناسك
عليه الرمى فى أيامه فلم يكن من الواجبات عندهم. وللشافعى فى هذه المسئلة قولان أصحهما وأشهرهما وأظهرهما
أنه واجب، والثانى أنه سنة ، فعلى القول بأنه واجب فالدم واجب فى تركه وعلى أنه سنة فالدم سنة فى تركه ولا يلزم عندهم
الدم إلا فى ترك المبيت فى الليالى كلها لأنها عندهم كانها نسك واحد، وإن ترك المبيت فى ليلة من الليالى الثلاث ففيه
الأقوال المذكورة فى ترك الحصاة الواحدة عندهم، أصحها أن فى ترك مبيت الليلة الواحدة مدا والثانى أن فيه درهما ، والثالث
أن فيه ثلث دم ، وحكم الليلتين معلوم، والمعتبر فى المبيت عندهم الكون بمنى معظم الليل إذ المبيت ورد مطلقا والاستيعاب
غير واجب اتفاقا ، فأقيم المعظم مقام الكل ، ولا فرق بين أول الليل وآخره ، وفى قول أن المعتبر الكون بمنى عند طلوع
الفجر ومن حضر بها قبله فقد أدى واجب المبيت، ومذهب الإمام أحمد أن المبيت بمنى ليالى منى واجب فلو ترك
المبيت بها فى الليالى الثلاث فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه يتصدق بشئى وعنه لا شئ عليه، فإن ترك المبيت فى
ليلة من لياليها فتفيه ما فى الحصاة الواحدة من الأقوال التى قدمنا: قيل مد، وقيل درهم، وقبل ثلث دم، وأظهر الأقوال
دليلا أن المبيت بمنى أيام منى نسك من مناسك الحج يدخل فى قول ابن عباس: من نسى من مسكه شيئا أو تركه فليهرق
دما ، والدليل على ذلك ثلاثة أمور، الأول أن النبى تَّ بات بها الليالى المذكورة وقال لتأخذوا عنى مناسككم، فعلينا أن
نأخذ عنه من مناسكنا البيتونة بمنى الليالى المذكوره. الثانى هو حديث ابن عمر فى الترخيص للعباس الذى نحن فى شرحه.
قال الحافظ : فى الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير بالرخصة يقتضى أن مقابلها
عزيمة ، وأن الاذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هى أو ما فى معناها لم يحصل الإذن ، وبالوجوب قال الجمهور ،
وفى قول الشافعى ورواية عن أحمد وهو مذهب الحنفية أنه سنة ووجوب الدم بتركه مبنى على هذا الاختلاف ، ولا
يحصل المبيت إلا بمعظم الليل - انتهى. وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح. الأمر الثالث هو ما
روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كان يمنع الحجاج من المبيت خارج منى ويرسل رجالا يدخلونهم فى منى،
وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء بهم والتمسك بسنتهم، والظاهر أن من ترك المبيت بمنى لعذر لا شئى
عليه كما دل عليه الترخيص للعباس من أجل السقاية والترخيص ارعاء الايل فى عدم المبيت. قال الحافظ : وهل
يختص الإذن بالسقاية وبالعباس أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة فى هذا الحكم، فقيل يختص الحكم بالعباس وهو جمود،
وقيل يدخل معه آله، وقيل قومه وهم بنو هاشم، وقيل كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك ، ثم قبل أيضا: يختص الحكم
بسقاية العباس حتى لو عملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها فى المبيت لأجلها، ومنهم من عممه، وهو الصحيح فى الموضعين ،
والعلة فى ذلك إعداد الماء للشاربين ، وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما فى معناه من الأكل وغيره ، محل احتمال،
وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده بأهل السقاية كما جزم الجمهور
٣٠١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
بالحاق الرعاء خاصة. قال الزرقانى: لكنهم لم يجزموا بذلك بالالحاق ، إنما هو بالنص الذى رواه مالك وأصحاب
السنن الأربع عن عاصم بن عدى: أن رسول الله مثل أرخص لرعاء الايل فى البيتوتة عن منى. قال الحافظ: وهو
قول أحمد ، واختاره ابن المنذر أعنى الاختصاص بأهل السقاية ورعاء الابل ، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس
بذلك ، وعليه اقتصر صاحب المغنى حيث قال بعد ذكر حديث ابن عمر: وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه
لا رخصة لغيره، وعن ابن عباس قال لم يرخص النبي ◌َّة لأحد بيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته رواه ابن ماجه -
انتهى. وقال أيضا: يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى ليالى منى ويؤخرون رمى اليوم الأول ويرمون يوم النفر الأول
عن الرميين جميعا لما عليهم من المشقة فى المبيت والإقامة للرمى لحديث أبى البداح بن عاصم بن عدى (الآتى) وكذلك
الحكم فى أهل سقاية الحاج لحديث ابن عمر (الذى نحن فى شرحه) إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا
قاموا حتى غربت الشمس فقد انقضى وقت الرعى وأهل السقاية يشتغلون ليلا ونهارا فافترقا وصار الرعاء كالمريض الذى
يباح له ترك الجمعة لمرضه، فإذا حضرها تعينت عليه، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعى ، فإذا فات وقته وجب
المبيت، وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعا فى ترك البيتوتة ، لأن
النبىِ مَّثم رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم. أو نقول: نص عليه لمعنى وجد فى غيرهم فوجب إلحاقه بهم - انتهى. وقال
النووى فى مناسكه: من ترك مبيت منى لعذر فلا شئى عليه، والعذر أقسام أحدها أهل سقاية العباس يجوز لهم تركه
سواء تولى بنوالعباس أو غيرهم. ولو حدثت سقاية للحجاج فللمقيم بشأنها ترك المبيت ڪسقاية العباس (هذا هو
المعتمد ، وإن أطال الأسنوى وغيره فى رده) الثانى رعاء الابل يجوز لهم ترك المبيت لعذر الرعى (ينبغى حمله على ما
إذا احتاجوا إليه ليلا أو كانوا مع الذهاب إليه لا يمكنهم المجئى إلى المبيت وإن لم يحتاجوا إليه ليلا فلا منافاة بين هذا
وفرقه الآتى بين السقاة والرعاة) ومتى أقام الرعاء بمنى حتى غربت الشمس لزمهم المبيت بها تلك الليلة، ولو أقام أهل
السقاية حتى غربت الشمس فلهم الذهاب إلى السقاية بعد الغروب، لأن شغلهم يكون ليلا ونهارا. الثالث من له عذر
بسبب آخر كمن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو يخاف على نفسه أو مال معه أو له مريض يحتاج إلى تعهده
أو يطلب عبدا آبقا أو يكون به مرض يشق معه المبيت أو نحو ذلك فالصحيح أنه يجوز لهم ترك المبيت، ولهم أن
ينفروا بعد الغروب، لا شئى عليهم - انتهى وقال الدردير: إن ترك المبيت بها جل ليلة فأكثر قدم ولو لضرورة
ورخص لراعى إبل فقط بعد رمى العقبة يوم النحر أن ينصرف إلى رعيه ويترك المبيت ليلة الحادى عشر والثانى عشر ،
ويأتى اليوم الثالث من أيام النحر غيرميه فيه لليومين . وكذا يرخص لصاحب السقاية فى ترك المبيت خاصة فلابد أن
يأتى نهارا للرمى ثم ينصرف، لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلا ويفرغه فى الحياض. قال الدسوقى: قوله «ولو
٣٠٢
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
متفق عليه .
٢٦٨٧ - (٥) وعن ابن عباس، أن رسول اللّه عَّه جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس:
يا فضل! اذهب إلى أمك فأت رسول اللّه مَّفي بشراب من عندها. فقال: اسقنى. فقال: يا رسول
الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه.
كان الترك لضرورة، أى لخوف على متاعه وهو الذى يقتضيه مذهب مالك حسبما رواه عنه ابن نافع فى من حبسه مرض
فبات بمكة فإن عليه هديا، وقوله ((لراعى إبل فقط)) لأن الرخصة كما فى الموطأ عن النبى معَّه لرعاة الإبل، ومعلوم أن
الرخصة لا تتعدى محلها ، وفى القياس عليها نزاع، وظاهر المصنف (أى الشيخ خليل) وابن شاس وابن الحاجب وابن
عرفة الإطلاق (أى فى رعاء الايل ورعاء غير الابل) قوله ويأتى اليوم الثالث ولا دم عليه لترك المبيت ولا لتأخير
رمى اليوم الثانى لليوم الثالث، قوله «فى ترك المبيت خاصة)) أى لا فى ترك الاتيان يوم الحادى عشر والإتيان فى الثانى
عشر كالرعاة - انتهى. وقال فى الأنوار عن حاشية الصاوى: رخص مالك جوازا الراعى الايل فقط بعد رمى العقبة
أن ينصرف إلى رعيه ويترك المبيت ليلة الحادى عشر والثانى عشر، ويأتى اليوم الثالث من أيام النحر فيرمى فيه لليومين
الذى فاته والذى حضر فيه، ورخص لصاحب السقاية فى ترك المبيت خاصة فلابد أن يأتى نهارا للرمى ثم ينصرف لأن
ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ويفرغه فى الحياض- انتهى. وكذا قال الزرقانى: إن أهل السقاية إنما يرخص لهم فى ترك البيات
بمنى لا فى ترك رمى اليوم الأول من أيام الرمى فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهاراويعودون لمكة، كما فى الطراز المذهب -انتهى.
وقد تقدم أن المبيت بمنى سنة عند الحنفية وعدم المبيت بها مكروه تنزيها عندهم فضلا أن يكون للعذر. وفى الحديث
استئذان الأمراء والكبراء فيما يطرأ من المصالح والأحكام وبدار من استؤمر إلى الاذن عند ظهور المصلحة (متفق عليه)
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٩، ٢٢، ٢٨) وأبو داود وابن ماجه والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ١٥٣).
٢٦٨٧ - قوله (أن رسول اللّه مائل جاء إلى السقاية) قال فى المجمل: السقاية هى المحل الذى يتخذ فيه الشراب
فى الموسم كان يشترى الزبيب فينبذ فى ماء زمزم ويسقى للناس وكان يليها العباس جاهلية وإسلاما، وأقرما التى مثل له،
فهى لآل العباس أبدا فلا يجوز لأحد نزعها منهم ما بقى منهم أحد-انتهى (فاستسقى) أى طلب الشراب (فقال العباس: يا
فضل اذهب إلى أمك) الفضل هو ابن العباس أخو عبد الله وأمه هى أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، وهى والدة
عبد الله أيضا (فأت رسول اللّه ◌َيَّم بشراب) أى خالص خاص ما وصله استعمال (اسقنى) بهمزة وصل أو قطع أى
من هذا الشراب الحاضر فى السقاية (فقال) أى العباس (يا رسول الله إنهم) أى الناس (يجعلون أيديهم فيه) أى فى هذا
الشراب والغالب عليهم عدم النظافة. قال الحافظ : فى رواية الطبرانى من طريق يزيد بن أبي زياد عن عكرمة فى هذا
٣٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
قال: اسقنى، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل
صالح. ثم قال. لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه.
الحديث أن العباس قال له: إن هذا قد مرث (أى وسخوه بإدخال أيديهم فيه) أفلا أسقيك من بيوتنا؟ قال: لا،
ولكن اسقنى مما يشرب منه الناس - انتهى. وعند أحمد (ج ١: ص ٣٢٠، ٣٣٦) بسند ضعيف ، قال ابن عباس: جاء
النبي ◌َوائل عباسا فقال: اسقونا، فقال: إن هذا النبيذ شراب قد مغث ومرث، أفلا نسقيك لبنا أو علا؟ قال اسقونا
مما تسقون منه الناس (قال استنى) زاد أبو على بن السكن فى روايته «فناوله العباس الدلو)) (فشرب منه) قال الحافظ فى
رواية يزيد المذكورة («فأتى به فذاقه فقطب ثم دعا بماء فكسره)، قال: وتقطيه إنما كان لحموضته وكسره بالماء ليهون عليه
شربه وعرف بهذا جنس المطلوب شربه إذ ذاك، وقد أخرج مسلم من طريق بكر بن عبد الله المزنى. قال: كنت جالسا
مع ابن عباس فقال: قدم رسول اللّه تَّى وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نيذ شرب وسقى فضله أسامة وقال
أحسنتم، كذا فاصنعوا (ثم أتى زمزم وهم يسقون) أى الناس عليها (ويعملون فيها) أى يكدحون بالجذب والصب
(فاتكم على عمل) أى قائمون أو ثابتون أى تسعون على عمل (صالح) أى خير (لو لا أن تغلبوا) بضم أوله على البناء
للجهول ، أى لو لا كراهة أن يغلبكم الناس ويأخذوا هذا العمل الصالح من أيديكم (لنزلت) أى عن ناقتى، قال
التوربشتى: أعلمهم النبي ◌َّ أن الذى يكدحون فيه من سقاية الحاج بمكان من العمل الصالح لحب الذي عَّفي أن يشاركهم
فيه غير أنه لا يأمن عليهم إن فعل ذلك غائلة الولاة وتنافسهم وتنازعهم فيه حرصا على حيازة هذه المأثرة لمكان رسول
اللّه تَّ ورغبته فيها فتغلبوا عليها وينتزع عنكم فهذا هو المانع الذى صد فى عن النزع معكم - انتهى. وقال الحافظ:
معناه لو لا أن يغلبكم الناس على هذا العمل إذا رأونى قد عملته ارغبتهم فى الاقتداء بي فيغلبوكم بالمكاثرة لفعلت. ويؤيد
هذا ما أخرج مسلم من حديث جابر: أتى النبي مَّ بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بنى عبد المطلب،
فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، واستدل بهذا على أن سقاية الحاج خاصة بنى العباس. وقال ابن
بزيزة أراد بقوله « لو لا أن تغلبوا، قصر السقاية عليهم وأن لا يشاركوا فيها، واستدل به على أن الذى أرصد للصالح
العامة لا يحرم على النبي تَوقٍّ ولا على آله تناوله، لأن العباس أرصد سقاية زمزم لذلك، وقد شرب منها التى تؤثٍّ،
قال ابن المنير فى الحاشية: يحمل الأمر فى مثل هذا على أنها مرصدة للتفع العام فتكون للغنى فى معنى الهدية وللفقير صدقة
(حتى أضع) بالنصب والرفع (وأشار إلى عاتقه) هو أحد طرفى رقبته، قال الحافظ: فى الحديث من الفوائد أنه لا
يكره طلب السقى من الغير ولا رد ما يعرض على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه، لأن رده لما عرض
عليه العباس مما يؤتى به من نبيذ لمصلحة التواضع التى ظهرت من شربه مما يشرب منه الناس. وفيه الترغيب فى سقى
٣٠٤
.
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
رواه البخارى.
٢٦٨٨ - (٦) وعن أنس، أن النبى محمد صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم وقد رقدة
بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به.
الماء خصوصا ماء زمزم وفيه تواضع التي تولى وحرص أصحابه على الاقتداء به، وكرامة التقذر والتكره المأكولات
والمشروبات. قال ابن المنير في الحاشية: وفيه أن الأصل فى الأشياء الطهارة لتناوله وَئى من الشراب الذى غمست فيه
الأيدى - اتهى (رواه البخارى) وأخرجه أيضا الطبرانى والبيهقى (ج ٥: ص ١٤٧).
٢٦٨٨ - قوله (صلى الظهر) أى بعد النفر من منى فى اليوم الرابع من يوم النحر، وهذا صريح فى تقديم رمى
الجمار على الظهر أثر الزوال وأنه ينفر من منى قبل أداء صلاة الظهر. قال الحافظ: قوله ((صلى الظهر)) لا ينافى أنه مَّ
لم يرم إلا بعد الزوال لأنه رمى فتفر فنزل المحصب فصلى الظهر به (ثم رقد رقدة) أى نام نومة خفيفة، وفى حديث
ابن عمر عند أحمد وأبي داود ،ثم هجع هجعة، أى اضطجع ونام يسيرا (بالمحصب) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد
الصاد المهملة المفتوحة وفى آخره باء موحدة ، مكان متسع بين مكة ومنى سمى به لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل فإنه
موضع منهبط ، قال فى شرح اللباب: المحصب وهو الأبطح ويسمى الحصباء والبطحاء والخيف، قيل هو إلى من أقرب
وليس بصحيح، والمعتمد أنه بفناء مكة وحده على الصحيح ما بين الجبل الذى عند مقابر مكة ، والجبل الذى يقابله مصعدا
إلى جهة الأعلى فى الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى مرتفعا عن بطن الوادى وليس المقبرة من المحصب. وقال فى
المرقاة: قوله ((بالمحصب) تنازع فى الجار والمجرور ((صلى)، و «رقد) وهو فى الأصل كل موضع كثر حصباؤه، والمراد
الشعب الذى أحد طرفيه منى والآخر متصل بالأبطح وينتهى عنده، ولذلك لم يفرق الراوى بينهما ، فروى فى هذا الحديث
أنه صلى بالمحصب، وفى حديثه الآخر ((أنه صلى بالأبطح)) ويقال له البطحاء، وقال التور بشتى: قوله ((بالمحنصب)) متعلق بأول
الحديث إلى قوله ثم رقد كأنه قال: وذلك بالمحصب ، والمعنى أنه صلى الصلوات الأربع بالمحصب ثم رقد به رفدة ثم
وكب إلى البيت فطاف به أى طواف الصدر وهو طواف الوداع والمراد من المحصب فى هذا الحديث هو الأبطح
الذى فى الحديث الذى يليه، والمحصب يصح أن يقال لكل موضع كثر حصباؤه، والأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى
وهذا الموضع المذكور فى الحديث تارة بالأبطح والأخرى بالمحصب أو له منقطع الشعب من وادى منى وآخره متصل
بالمقبرة التى يسميه أهل مكة المعلى - انتهى. وهذا الحديث صريح فى أن أول صلاة صلاها رسول اللّه مَّم فى المحصب
صلاة الظهر ، والمتبادر من الحديث الآتى أنه العصر فيقدم الصريح على الظاهر (ثم ركب) أى من المحصب متوجها
(إلى البيت فطاف به) أى طواف الوداع، والحديث فيه دليل على مشروعية النزول بالمحصب واستحبابه لمن لم يكن.
٣٠٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
رواه البخارى .
٢٦٨٩ - (٧) وعن عبد العزيز بن رفيع، قال: سألت أنس بن مالك قلت: أخبرنى بشتى عقلته
عن رسول اللّه عَّة، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى.
متعجلا. واختلفوا فى أنه سنة أو منزل اتفاقى على القولين، وسيأتى تفصيل الكلام فيه فى شرح حديث عائشة الآتى
(رواه البخارى) وأخرجه أيضا النسائى فى الكبرى والبيهقى (ج ٥: ص ١١٠).
٢٦٨٩ - قوله (عن عبد العزيز بن رفيع) بضم الراء وفتح الفاء مصغرا، الأسدى أبو عبد الله المكى نزيل
الكوفة من مشاهير التابعين وثقاتهم ، قال البخارى عن على: له نحو ستين حديثا، مات سنة ثلاثين ومائة. وقيل
بعدها ، وليس لعبد العزيز بن رفيع عن أنس فى الصحيحين إلا هذا الحديث الواحد (قلت) بدل من سألت أو بيان
(عقلته) بفتح القاف أى علمته وحفظته. وهى جملة فى محل الجر لأنها وقعت صفة لقوله شئ (أين صلى الظهر) زاد فى
رواية للبخارى (والعصر)) (يوم التروية؟) أى اليوم الثامن من ذى الحجة، وقد تقدم وجه تسميته بذلك. وقال
الحافظ : سمى التروية بفتح المثناة وسكون السراء وكسر الواو وتخفيف التحتانية لأنهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون
من الماء، لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون، وأما الآن فقد كثرت جدا واستغنوا عن حمل الماء،
وقد روى الفاكهى فى كتاب مكة من طريق مجاهد قال قال عبد الله بن عمر: يا مجاهد إذا رأيت الماء بطريق مكة
ورأيت البناء يعلو أخاشبها فخذ حذرك، وفى رواية «فاعلم أن الأمر قد أظلك)). وقيل فى تسمية التروية أقوال أخرى
شاذة ، منها أن آدم رأى فيه حواء واجتمع بها. ومنها أن إبراهيم رأى فى ليلة أنه يذبح ابنه فأصبح منفكرا يتروى.
ومنها أن جبريل عليه السلام أرى فيه إبراهيم مناسك الحج. ومنها أن الامام يعلم الناس فيه مناسك الحج، ووجه شذوذها
أنه لو كان من الأول لكان يوم الرؤية، أو الثانى لكان يوم التروى بتشديد الواو، أومن الثالث لكان من الرؤيا، أو من الرابع
لكان من الرواية (قال ؟ نى) فيه أن السنة أن يصلى الحاج الظهر يوم التروية بمنى وهو قول الجمهور، ويدل عليه أيضا ما تقدم فى
حديث جابر الطويل فى صفة الحج «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله مرثية فصلى بها
الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر)) الحديث. وروى أبو داود والترمذى وأحمد والحاكم من حديث ابن عباس ،
قال: صلى النبى مَّهِ بمنى خمس صلوات، ولأحمد عن ابن عمر أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلى الظهر بمنى يوم التروية، وذاك
أن رسول الله مَوّ صلى الظهر بنى. ولابن خزيمة والحاكم من طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير قال: من
سنة الحج أن يصلى الامام الظهر وما بعدها والفجر بمنى ثم يغدون إلى عرفة. وروى الثورى فى جامعه عن عمرو بن
دينار قال: رأيت ابن الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة. قال الحافظ: لعله فعل ما نقله عمرو عنه لضرورة أو لبيان
الجواز، وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس قال إذا زاغت الشمس فليرح إلى منى. قال ابن المنذر فى حديث
٣٠٦
٠
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
قال: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك. متفق عليه.
ابن الزبير أن من السنة أن يصلى الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار. قال:
ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئا ، ثم روى عن عائشة أنها لم تخرج
من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه. قال ابن المنذر: والخروج إلى منى فى كل وقت مباح. قلت: الظاهر
من سياق حديث أنس وجابر أن توجهه مَّئيل كان قبل الزوال. وذكر أبو سعيد النيسابورى فى كتاب «شرف المصطفى،
أن خروجه مَّه يوم التروية كان ضحوة النهار، وهذا يدل على استحباب الغدو من الغد. وفى سيرة الملا أن النبي
مَُّ خرج إلى منى بعد ما زاغت الشمس. وهذا يدل على استحباب الرواح بعد الزوال. قال الطبرى: يمكن أن
يكون مَّ تأهب للتوجه ضحوة النهار وتوجه فى أول الزوال، ويكون أمره بالرواح على ما رواه الشافعى عن الحسن
ابن مسلم للراكب المخف الذى يصل إلى منى قبل فوات الصلاة وأمره بالغدو الماشى أو لذى الثقل أو يكون أمر بهما
توسعة فيهما ، فالمتوجه إلى منى بخير بين الغدو والرواح لذلك. وقد اتفقت الروايات كلها على أنه تَّ صلى بها الظهر
والعصر - انتهى. وقال المهلب: الناس فى سعة من هذا يخرجون متى أحبوا ويصلون حيث أمكنهم ، ولذلك قال أنس:
صل حيث يصلى أمراؤك، والمستحب فى ذلك ما فعله الشارع، صلى الظهر والعصر بمنى ، وهو قول مالك والثورى
وأبى حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبي ثور (قال) كذا فى جميع النسخ من المشكاة، وفى الصحيحين ((قلت) بدل ((قال))
قال القارى: فى قوله ((قال)) التفات، إذ حقه أن يقول ((قلت)) (يوم النفر) بفتح النون وسكون الفاء وهو الرجوع
والانصراف من منى. قال القارى: أى النفر الثانى وهو اليوم الثالث من أيام التشريق (قال بالأبطح) أى البطحاء التى بين
مكة ومنى وهى ما انبطح من الوادى واتسع، وهى التى يقال لها المحصب، وحدها ما بين الجبلين إلى المقبرة، قاله الحافظ .
وقد تقدم ما ذكره القارى فى الفرق (ثم قال) أى أنس (افعل كما يفعل أمراؤك) قال الحافظ: خشى عليه أن يحرص
على ذلك فينسب إلى المخالفة أو تفوته الصلاة مع الجماعة فقال له: صل مع الأمراء حيث يصلون، وفيه إشعار لأن
الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمكان معين فأشار أنس إلى أن الذى يفعلونه جائز ، وأن
الاتباع أفضل يعنى اتباعهم أفضل خوفا من حدوث فتنة. وقال القارى: أى لا تخالفهم فإن نزلوا به أى
(بالأبطح) فانزل، وإن تركوه فاتركه حذرا مما يتواد على المخالفة من المفاسد فيفيد أن تركه لعذر لا بأس به -
انتهى. قال الحافظ: وفى الحديث الإشارة إلى متابعة أولى الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة (متفق عليه)
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى والدارمى وابن خزيمة وأبو عوانة فى صحيحه ، وابن الجارود فى
المنتقى وسمويه فى فوائده وابن المنذر والاسماعيلى والبيهقى.
٣٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
٢٦٩٠ - (٨) وعن عائشة، قالت: نزول الأبطح ليس بسنة ،
٢٦٩٠ - قوله(نزول الآبطح) أی الحصب تعنیالنزول فیه (لیس بسنة) زاد فى رواية أبىداود «فمن شاءنزل
ومن شاء لم ينزل، قال القارى: ليس بسنة ، أى قصدية أو من سنن الحج. وروى الشيخان عن ابن عباس ، قال: ليس
التحصيب بشئى. قال ابن المنذر: أى من أمر المناسك الذى يلزم فعله. وروى أحمد من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة
قالت: ثم ارتحل حتى نزل الحصبة. قالت: والله ما نزلها إلا من أجلى. وروى مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق
سليمان بن يسار عن أبي رافع قال لم يأمرنى رسول الله يؤثر أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكن جئت فضربت
قبته فنزل، وروى مسلم من طريق الزهرى عن سالم أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح. قال الزهرى: وأخبرفى
عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك وقالت إنما نزله رسول الله تريفية لأنه كان منزلا أسمح لخروجه. قال
الحافظ: لكن لما نزله النبى موّم كان النزول به مستحبا اتباعا له ولتقريره على ذلك وفعله الخلفاء بعده كما رواه مسلم من
طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبي مر ثية وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح. ومن طريق
أخرى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنة، قال نافع: قد حصب رسول اللّه ريه والخلفاء بعده.
فالحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شئ ، ومن أثبته كابن عمر
أراد دخوله فى عموم التأسى بأفعاله مَّ لا الإلزام بذلك، ويستحب أن يصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء
ويبيت به بعض الليل كما دل عليه حديث أنس (المتقدم) وحديث ابن عمر - انتهى. قلت: نقل ابن المنذر الاختلاف
فى استحبابه مع الاتفاق على أنه ليس من المناسك. وادعى الحافظ زكى الدين المنذرى استحبابه عند جميع العلماء، وكذلك
ادعى قبله القاضى عياض. قال العراقى: فيه نظر، لأن الترمذى حكى استحبابه عن بعض أهل العلم، وقال النووى: إن
عائشة وابن عباس كانا لا يقولان به، ويقولان هو منزل اتفاقى لا مقصود ، فحصل خلاف بين الصحابة رضى الله
عنهم ، ومذهب الشافعى ومالك والجمهور استحبابه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وغيرهم.
قال العينى: وهذا هو الصواب، وقد كان من أهل العلم من لا يستحبه فكانت أسماء وعروة بن الزبير رضى
الله عنهما لا يحصبان، حكاه ابن عبد البر فى الاستذكار عنهما، وكذلك سعيد بن جبير، فقيل لا براهيم
إن سعيد بن جبير لا يفعله ، فقال قد كان يفعله ثم بدأ له، وقد تقدم أن عائشة لم تكن تفعل ذلك. قلت: وما يدل على
استحباب التخصيب ما أخرجه الجماعة من حديث أسامة بن زيد أن النبي و ◌ّم قال: نحن نازلون بخيف بنى كنانة حيث
تقاسمت قريش على الكفر يعنى المحصب، وذلك أن بنى كنانة حالفت قريشا على بنى هاشم أن لا يناكحوهم ولا
پڑروم ولا یپاپعوم. وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن النبي ◌ُٹے قال حين أراد أن ينفر من منی : نحن نازلون غدا
٣٠٨
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
إنما نزله رسول اللّه وي لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج. متفق عليه.
فذكر نحوه، وكان نزوله تَّث بالمحصب شكراً لله تعالى على ما منحه فيه من الظهور فيه على أعدائه الذين تقاسموا فيه على
قطيعته ومضرته ، وتذكيرا للنعمة من القضاء على الكفر وإظهار دينه ونصرته وتايده. وقال ابن الحمام بعد ذكر
حديث أسامة وأبى هريرة: فثبت بهذا أنه نزله قصداً ليرى لطيف صنع الله به وليتذكر فيه نعمته سبحانه عليه عند
مقايسته نزوله به الآن إلى حاله قبل ذلك، أعنى حال انحصاره من الكفار فى ذات الله تعالى. وهذا أمر يرجع إلى معنى
العبادة، ثم هذه النعمة التى شملته عليه الصلاة والسلام من النصر والاقتدار على إقامة التوحيد وتقرير قواعد الوضع
الإمحى الذى دعا الله تعالى إليه عباده لينتفعوا به فى دنياهم ومعادهم لا شك فى أنها النعمة العظمى على أمته لأنهم مظاهر
المقصود من ذلك المزيد، فكل واحد منهم جدير بتفكرها والشكر التام عليها لأنها عليه أيضا فكان سنة فى حقهم ، لأن
معنى العبادة فى ذلك يتحقق فى حقهم أيضا ، وعن هذا حصب الخلفاء الراشدون ، وعلى هذا الوجه لا يكون كالرمل ولا
على الأول، لأن الابراءة لم يلزم أن يراد بها إراءة المشركين، ولم يكن بمكة مشرك عام حجة الوداع، بل المراد إراءة
المسلمين الذين كان لهم علم بالحال الأول، كذا فى المرقاة. قلت: ومذهب الحنفية فى ذلك على ما فى فروعهم وفى
مناسكهم أن السنة أن ينزل به ولو ساعة ويدعى أو يقف على راحلته ويدعو. قال فى الدر المختار: وإذا نفر إلى مكة
نزل استنانا ولو ساعة بالمحصب. قال ابن عابدين: قوله ((ولو ساعة)) يقف فيه على راحلته يدعو فيحصل بذلك أصل
السنة. وأما الكمال فيما ذكره الكمال ابز الحمام من أنه يصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ثم يدخل
مكة (بحر) وفى شرح النقابة للقارى: والأظهر أن يقال إنه سنة كفاية لأن ذلك الموضع لا يسع الحاج جميعهم، وينبغى
لأمراء الحج وكذا غيرهم أن ينزلوا فيه ولو ساعة إظهارا للطاعة - انتهى. وفى المدونة: استحب مالك لمن يقتدى به
أن لا يدع النزول به ووسع لمن لا يقتدى به فى تركه، وكان يفتى به سرا، وفى العلانية يفتى بالنزول به لجميع الناس
(إنما نزله رسول اللّه ◌َم لأنه كان أسمح لخروجه) أى أسهل مخرجه إلى المدينة ليجتمع الناس إليه مدة مقامه ثم
يرحلوا لرحيله، فليس ذاك لقصد النسك حتى يكون سنة (إذا خرج) أى إذا أراد الخروج إلى المدينة. قال الحافظ:
قوله ((أسمح)) أى أسهل لتوجهه إلى المدينة يستوى فى ذلك البطئى والمعتدل ويكون مبيتهم وقيامهم فى السحر ورحيلهم بأجمعهم
إلى المدينة. وقال الطبى: لأنه كان يترك فيه ثقله ومتاعه، أى كان نزوله بالأبطح ليترك ثقله ومتاعه هناك ويدخل مكة
فيكون خروجه منها إلى المدينة أسهل ــ انتهى. قال القارى: وفيه أنه لا ينافيه قصد النزول به العنى الذى ذكره ابن
الحمام كما مر (متفق عليه) وتفرد مسلم منه بقولها «نزول الأبطح يس بسنة، والحديث أخرجه أيضا أحمد وأبو داود
والنسائى والترمذى وابن ماجه والبيهقى.
٣٠٩
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
٢٦٩١ - (٩) وعنها، قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتى، وانتظرنى رسول الله
◌َّثّ بالأبطح حتى فرغت، فأمر الناس بالرحيل، فرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح،
ثم خرج إلى المدينة. هذا الحديث ما وجدته برواية الشيخين ، بل برواية أبى داود مع اختلاف
يسير فى آخره.
٢٦٩٢ - (١٠) وعن ابن عباس، قال: کان الناس ینصرفون فی کل وجه،
٢٦٩١ - قوله (أحرمت من التنعيم بعمرة) قد تقدم الكلام على إحرامها من التنعيم بالعمرة فى الفصل الأول
من باب قصة حجة الوداع فى شرح حديث عائشة (فدخلت) أى مكة (فقضيت عمرنى) أى أديتها منفردة عن الحج
(وانتظرفى رسول اللّه مَثّل بالأبطح حتى فرغت) أى من العمرة (فأمر الناس بالرحيل :فرج) أى من الأبطح
(فطاف به) أى طواف الوداع (هذا الحديث ما وجدته برواية الشيخين) أى أحدهما (بل) وجدته (برواية أبى داود
مع اختلاف يسير) أى بينه وبين لفظ المصابيح (فى آخره) قال القارى: فيه اعتراضان على صاحب المصابيح حيث
ذكر الحديث فى الفصل الأول وحيث خالف لفظ أبى داود، والله أعلم. قلت: روى أبو داود حديث عائشة فى باب
طواف الوداع أولا من طريق وهب بن بقية عن خالد عن أفلح عن القاسم عن عائشة رضى الله عنها ، قالت: أحرمت
من التنعيم بعمرة فدخلت فقضيت عمرتى وانتظرفى رسول الله مؤقت بالأبطح حتى فرغت وأمر الناس بالرحيل. قالت:
وأتى رسول الله ◌َّم البيت فطاف به ثم خرج. ثم رواه من طريق محمد بن بشار عن أبي بكر الحنفى عن أفلح عن
القاسم عن عائشة قالت خرجت معه تعنى مع النبى مَيضم فى النفر الآخر فنزل المحصب. قال أبو داود: ولم يذكر ابن
بشار قصة بعثها إلى التنعيم فى هذا الحديث. قالت: ثم جئته بسحر فأذن فى أصحابه بالرحيل فاوتحل فمر بالبيت قبل صلاة
الصبح فطاف به حين خرج ، ثم انصرف متوجها إلى المدينة - انتهى. وقد اتضح بهذا ما وقع عن البغوى من
التصرف والاختلاف فى نقل لفظ الحديث. وقال المناوى فى الكشف : لم أقف على هذا الحديث بجملة فى الصحيحين ،
إنما الذى فى الصحيحين القطعة الأخيرة منه، وهى قوله «فأمر الناس بالرحيل، إلى آخره، وأول الحديث معناه فى
الصحيحين لا لفظه، ولفظه فى أبى داود، هذا ما ظهرلى بعد الكشف ـ انتهى. كذا فى تنقيح الرواة. والحديث سكت
عنه أبو داود والنذری، وأخرجه البيهتقی (ج ٥: ص ١٦١) من طريق أبي داود عن محمد بن بشار ثم قال : رواه
البخاری فی الصحح عن محمد بن بشار .
٢٦٩٢ - قوله (كان الناس ينصرفون فى كل وجه) أى فى كل طريق بعد انقضاء أيام منى، منهم من يطوف ومنهم
٣١٠
مرعاة المفاتيح ج ٧
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
فقال رسول اللّه توزيع: لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت،
•ن لم يع قب. وقال القارى: أى بعد -جهم فى كل طريق طائفا وغير طائف (لا ينفرن أحدكم) أى النفر الأول وهو الذى
يكون فى اليوم الثانى من التشريق لمن تعجل أو النغر الثانى وهو فى اليوم الثالث لمن تأخر، أو لا يخرجز أحدكم من مكة .
والمراد به الآفاقى، وقواه «أحدكم، هكذا وقع فى نسخ المشكاة، والذى فى صحيح مسلم ((لا ينفرن أحد» (حتى يكون
آخر عهده بالبيت) أى الطواف به كما رواه أبو داود، وقوله بالبيت خبر كان والسياق، المذكور لمسلم، ولفظ الخارى
(قال ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض، وكذا وقع فى رواية لمسلم.
قال الحافظ: قوله ((أمر الناس، كذا فى رواية سفيان عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس على البناء لما لم يسم
فاعله، والمراد به النبي ◌َّم وكذا قوله «خفف)) وقد رواه سفيان أيضا عن سليمان الأحول عن طاوس فصرح فيه
بالرفع، ولفظه عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون فى كل وجه، فقال رسول اللّه مَّف: لا ينفرن أحد حتى
يكون آخر عهده بالبيت، أخرجه مسلم هو والذى قبله عن سعيد بن منصور عن سفيان بالاسنادين فرقهما فكان طاوسا
حدث به على الوجهين، ولهذا وقع فى رواية كل من الراويين عنه ما لم يقع فى رواية الآخر. وفيه دليل على وجوب
طواف الوداع الأمر المؤكد به، وللتعبير فى حق الحائض بالتخفيف كما سيأتى، والتخفيف لا يكون إلا من أمر
مؤكد. قال النووى: فى الحديث دلالة من قال بوجوب طواف الوداع وأنه إذا تركه لزمه دم وهو الصحيح فى
مذهبنا ، وبه قال أكثر العلماء منهم الحسن البصرى والحكم وحماد والثورى وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال
مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شئى فى تركه، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين - انتهى. قال الحافظ: والذى رأيته
فى الأوسط لابن المنذر أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شئى - انتهى. قال الشوكانى: قد اجتمع فى طواف
الوداع أمره مَثّ به ونهيه عن تركه وفعله الذى هو بيان الجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب. وقال
ابن قدامة: طواف الوداع واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والثورى والشافعى. وقال
أيضا: من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها أو الخروج منها فإن أقام بها فلا وداع عليه لأن الوداع من المفارق
لا من الملازم، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد
أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف ولا يصح، لأنه غير مفارق، فلا يلزمه وداع كمن نواما قبل حل النفر، وإنما
قال النبي ◌َّ: لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت، وهذا ليس بنافر. فأما الخارج من مكة فليس له أن
يخرج حتى يودع البيت بطواف، وهو واجب من تركه لزمه دم ، وبذلك قال الحكم وحماد والثورى وإسحاق وأبو
ثور. وقال الشافعى فى قول له (ضعيف): لا يجب بتركه شئى، وبه قال مالك كما تقدم، لأنه يسقط عن الحائض فلم
٣١١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
يكن واجبا. ولنا ما روى ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلخ. ولمسلم قال قال رسول الله
ورثة : لا يفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، وليس فى سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه لغيره كالصلاة تسقط
عن الحائض وتجب على غيرها، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها، إذ لوكان ساقطا عن
الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى. ووقته بعد فراغ المرأ من جميع أموره ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به
العادة فى توديع المسافر إخوانه وأهله، ولذلك قال التى مُؤثّم: حتى يكون آخر عهده بالبيت. ومن كان منزله فى الحرم فهو
كالمکی لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريبا منه فظاهر كلام الخرقی أنه لا يخرج حتى يودع البيت، وهذا
قول أبى ثور، وقال أصحاب الرأى فى أهل المواقيت إنهم بمنزلة أهل مكة فى عدم وجوب طواف الوداع. ولنا عموم
قوله مثلا لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت. ولأنه خارج من مكة فلزمه التوديع كالبعيد، فإن أخر طواف
الزيارة فطافه عند الخروج ففيه روايتان: إحداهما يجزئه عن طواف الوداع لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت،
وقد فعل، ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزئى عنهما المكتوبة،
وعنه (أى عن أحمد وهى الرواية الثانية) لا يجزئه عن طواف الوداع لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجزئ إحداهما عن
الأخرى كالصلاتين الواجبتين ، فإن طاف للوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته ، وبهذا قال عطاء ومالك
والثورى والشافعى وأبو ثور. وقال أصحاب الرأى: إذا طاف للوداع بعد ما حل له النفر أجزأه، وإن أقام شهرا أو
أكثر (أى لا إعادة عليه، والأفضل أن يعيد) لأنه طاف بعد ما حل له النفر فلم يلزمه إعادته كما لو نفر عقيبه. ولنا
قوله عليه السلام: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، ولأنه إذا أقام بعده خرج عن أن يكون وداعا فى
العادة ، فلم يجزئه كما لو طافه قبل حل النفر. فأما إن قضى حاجة فى طريقه أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه فى طريقه لم
بعده ، لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت ، وبهذا قال مالك والشافعى، ولا نعلم مخالفا
لهما ، فإن خرج قبل طواف الوداع رجع إن كان بالقرب (فطاف) وإن بعد بعث بدم، هذا قول عطاء والثورى
والشافعى وإسحاق وأبي ثور. والقريب هو الذى بينه وبين مكة دون مسافة القصر، والبعيد من بلغ مسافة القصر.
نص عليه أحمد وهو قول الشافعى. وقال الثورى: حد ذلك الحرم ، فمن كان فى الحرم فهو قريب ومن خرج منه فهو
بعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد، ولو لم يرجع القريب الذى يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، إلى
آخر ما بسط الكلام فى هذه المسألة. وقال العينى: قال أصحابنا الحنفية: هو واجب على الآفاقى دون المكى والميقانى
ومن دونهم، وقال أبو يوسف: أحب إلى أن يطوف المكى لأنه يختم المناسك، ولا يجب على الحائض والنفساء ولا
على المعتمر، لأن وجوبه عرف نصا فى الحج فيقتصر عليه (وما ورد فى ثبوته على المعتمر فهو حديث ضعيف أخرجه
٣١٢
٠٠
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
إلا أنه خفف عن الحائض.
الترمذى) ولا على فائت الحج لأن الواجب عليه العمرة وليس لها طواف الوداع، وقال مالك: من أخر طواف
الوداع وخرج ولم يطف إن كان قريبا رجع فطاف، وإن لم يرجع فلا شئ عليه. وقال عطاء والثورى وأبو حنيفة
والشافعى فى أظهر قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إن كان قريبا وجع فطاف، وإن تباعد مضى واهراق دما ، واختلفوا
فى حد القرب فروى أن عمر رد رجلا من مرالظهران لم يكن ودع وبينه وبين مكة ثمانية عشر ميلا (رواه مالك ولم
يحد له هو حدا بل أدار الحكم على المشقة كماقال الباجى) وعند أبى حنيفة يرجع ما لم يبلغ المواقيت، وعند الشافعى وأحمد
يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وعند الثورى يرجع ما لم يخرج من الحرم (إلا أنه خفف) بصيغة المجهول من
التخفيف أى طواف الوداع (عن الحائض). وفى معناها النساء وعلى هذا الاستثناء اتفاق جميع أهل العلم. واستدل به على أن
الطهارة شرط لصحة الطواف، وقد تقدم الكلام فى ذلك، وصنيع البغوى يدل على أن قوله ((إلا أنه خفف عن الحائض))
تتمة قوله {بثج: لا ينفرن أحدكم، إلخ. والأمر ليس كذلك، فإنه قد انتهى إلى قوله ((بالبيت، والاستثناء المذكور إنما
هو تتمة قول ابن عباس عند الشيخين: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، كما تقدم وهو دليل على
سقوط طواف الوداع عن المرأة الحائضة، فلا يكون واجبا عليها ولا يلزمها دم بتركه. قال ابن قدامة: المرأة إذا
حاضت قبل أن تودع خرجت ولا وداع عليها ولا فدية، وهذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقد روى عن عمر وابنه
أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع . وکان زيد بن ثابت يقول به، ثم رجع عنه کما روى مسلم. وروى عن ابن عمر
أنه رجع إلى قول الجماعة أيضا ، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا: يا رسول الله إنها حائض،
فقال: أحابستنا هى؟ قالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذا ، ولا أمرها بفدية ولا غيرها.
وفى حديث ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. والحكم فى النفساء
كالحكم فى الحائض ـ انتهى. وقال النووى: حديث ابن عباس دليل لوجوب طواف الوداع على غير الحائض
وسقوطه عنها، ولا يلزمها دم بتركه، هذا مذهب الشافعى ومالك وأبى حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا ما حكى
ابن المنذر عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم أمروا بالمقام لطواف الوداع، ودليل الجمهور هذا الحديث
وحديث صفية - انتهى. وروى البخارى من طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: رخص الحائض
أن تنفر إذا أفاضت، قال: وسمعت ابن عمر يقول إنها لا تنفر ثم سمعته يقول بعد أن النبي محمد للم رخص لهن. قال
الحافظ : قوله «ثم سمعته يقول بعد، إن ذلك كان قبل موت ابن عمر بعام كما وقع الطحاوى من رواية عقيل عن
الزهرى عن طاوس، وقال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التى قد أفاضت طواف وداع،
٣١٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
متفق عليه.
٢٦٩٣ - (١١) وعن عائشة، قالت: حاضت صفية
وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروما بالمقام إذا كانت حائضا لطواف الوداع، وكانهم
أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع
عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت فأمر حمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف
بالبيت. قال وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك وبقى عمر خالفناه لثبوت حديث عائشة، يشير بذلك إلى
حديثها الآتى وما فى معناه ، وقد روى ابن أبى شيبة من طريق القاسم بن محمد كان الصحابة يقولون إذا أفاضت المرأة
قبل أن تحيض فقد فرغت إلا عمر فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت. وقد وافق عمر على رواية ذلك عن
التى تَّثْل غيره، فروى أحمد وأبوداود والنسائى والطحاوى واللفظ لأبي داود من طريق الوليد بن عبد الرحمن عن
الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال أتيت عمر فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض، قال ليكن آخر
عهدها بالبيت ، فقال الحارث كذلك أفتانى، وفى رواية أبى داود: هكذا حدثنى رسول اللّه مَثيم ، واستدل الطحاوى
بحديث عائشة على نسخ حديث الحارث فى حق الحائض ، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم عند أبي داود
الطيالسى أنها قالت: حضت بعد ما طفت بالبيت فأمرفى رسول اللّه تَّ أن أنفر، والحق مع الجمهور، ولعل عمر لم
يبلغه حديث الرخصة وإلا لكان أولى الناس عملا به (متفق عليه) قد تقدم أن أول الحديث إلى قوله بالبيت لمسلم وحده
وقوله ((إلا أنه خفف عن الحائض، إنما هو تتمة الرواية الأخرى التى اتفق عليها الشيخان، والحديث أخرجه أيضا
أحمد (ج ١، ص ٢٢٢) وأبو داود والنسائى وابن ماجه والشافعى وابن الحارود والدارمى والبيهقى والبغوى فى
شرح السنة .
٢٦٩٣ - قوله (حاضت صفية) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد الياء آخر الحروف، وهى أم المؤمنين
صفية بنت حيي- بضم الحاء المهملة ويجوز كسرها وفتح التحتية الأولى المخففة وشدة الأخرى - ابن أخطب، بفتح الهمزة
وإسكان الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة آخرها باء موحدة ، بن سعنة بن ثعلبة الاسرائيلية من سبط لاوى بن يعقوب
ثم من سبط هارون بن عمران أخى موسى عليهما السلام، كانت تحت سلام بن مشكم اليهودى، ثم خلف عليها كنانة
ابن أبى الحقيق، وهما شاعران فقتل زوجها كنانة فى غزوة خيبر حين افتحها رسول اللّه مثل سنة سبع فوقعت فى السبي
فاصطفاها رسول اللّه وَّث لنفسه وأسلمت فأعتقها وتزوجها النبي مَ ثّل بعد خيبر فى سنة سبع من الهجرة. قيل: كان
اسمها زينب ما صارت من الصفاء سميت صفية وكانت حليمة عاقلة فاضلة توفيت فى رمضان سنة (٥٠ أو ٥٢) فى زمن
٣١٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
ليلة النفر، فقالت: ما أرانى إلا حابستكم. قال التى عَ: عقرى حلقى
معاوية، وقيل سنة (٣٦) وهو غلط، فإن على بن الحسين لم يكن ولد، وقد ثبت سماعه منها فى الصحيحين ودفنت
بالبقيع ولها نحو ستين سنة لقولها: ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول الله موبي. قال الحافظ: قوله
(حاضت، أى بعد أن أفاضت يوم النحر كما فى رواية البخارى فى باب الزيارة يوم النحر من طريق أبى سلمة بن
عبد الرحمن عن عائشة قالت حججنا مع النبي ◌َثم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية - الحديث. ثم قال البخارى: ويذكر
عن القاسم وعروة والأسود عن عائشة أفاضت صفية يوم النحر. قال الحافظ: غرضه بهذا أن أبا سلمة لم ينفرد عن
عائشة بذلك وإنما لم يجزم به لأن بعضهم أورده بالمعنى ، ثم ذكر الحافظ تخريج روايات هؤلاء الثلاثة من الصحيحين
(ليلة النغر) أى ليلة يوم النفر لأن النقر لم يشرع فى تلك الليلة بل فى يومها. قال القارى: والنفر يحتمل الأول والثانى
وجزم به ابن حجر، قلت: يدل على أن المراد هو الثانى ما رواه مسلم من طريق الحكم عن إبراهيم عن عائشة قالت:
لما أراد التى تُؤلى أن ينفر إذا صفية على باب خائها كتيبة حزينة فقال عمرى حلق إنك لحابستنا - الحديث (فقالت)
أى صفية النبي ◌َّ (ما أرانى) بصيغة المجهول من الإراءة، أى ما أظن نفسى (إلا حابستكم) بكسر الباء وفتح التاء
قصبا على المفعولية، أى مانعتكم عن الخروج إلى المدينة بل تنتظرون إلى أن أطهر فأطوف طواف الوداع ظنا منها
أن طواف الوداع كطواف الإفاضة لا يجوز تركه بالأعذار. قال العينى: قولها ما أرانى إلا حاستكم أى ما أظن
نفسى إلا حابستكم لانتظار طهرى وطوافى للوداع فإنى لم أطف للوداع وقد حضنت فلا يمكنى الطواف الآن، وظنت
أن ظواف الوداع لا يسقط عن الحائض - انتهى. وفى رواية البخارى قالت صفية: ما أرانى إلا حابستهم. قال
العينى: أى ما أظن نفسى إلا حابسة القوم عن التوجه إلى المدينة لأنى حضت وما طفت بالبيت (أى الوداع) فعلهم
بسبي يتوقفون إلى زمان طوافى بعد الطهارة، وإسناد الحبس إليها على سبيل المجاز - انتهى (قال النبى ميك: عقرى
حلق) بالفتح فيهما ثم السكون، وبالقصر بغير تنوين فى الرواية، ويجوز فى اللغة التنوين، وصوبه أبو عبيد، لأن معناه
الدعاء بالفقر والحلق كما يقال سقيا ورعيا ونحو ذلك من المصادر التى يدعى بها، وعلى الأول هو نعت لا دعاء، ثم معنى
((عقرى) عقرها الله أى جرحها وقيل جعلها عاقرا لا تلد وقيل عقر قومها، ومعنى ((حلقى، حلق شعرما وهو زينة المرأة،
أو أصابها وجع فى حلتها، أو حلق قومها بشؤمها أى أهلكهم، وحكى القرطبى أنها كلمة تقولها اليهود للحائض ، فهذا
أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العرب فى قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا قاتله الله، وتربت يداه، ونحو ذلك.
وقال الطبي: قوله عقرى حلق، هكذا روى على وزن فعلى بلا تنوين، والظاهر عقراً وحلقا بالتنوين، أى عقرما الله عقرا
وحلتها الله حلقا يعنى قتلها وجرحها أو أصاب حلقها بوجع، وهذا دعاء لا يراد وقوعه، بل عادة العرب التكلم:مثله على
٣١٥
مرعاة المفاتيح بم ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم. قال: فانفرى. متفق عليه.
( الفصل الثانى )
٢٦٩٤ - (١٢) عن عمرو بن الأحوص، قال: سمعت رسول اللّه يمثّة، يقول فى حجة الوداع:
أى يوم هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر.
سبيل التلطف، وقيل هما صفتان المرأة يعنى أنها تحلق قومها وتعقرهم أى تستأصلهم من شؤمها-انتهى. وقيل إنهما مصدران
والمقر الجرح والقتل وقطع العصب، والحلق إصابة وجع فى الحلق أو الضرب على الحلق أو الحلق فى شعر الرأس
لأنهن يفعلن ذلك عند شدة المصيبة، وحقهما أن ينونا لكن أبدل التنوين بالألف إجراء الوصل مجرى الوقف - انتهى.
قال القارى: وفيه أنه لا يساعده رسمها بالياء، وقيل إنهما تأنيث فعلان، أى جعلها عقرى أى عاقرا أى عقيما وحلقى
أى جعلها صاحبة وجع الحلق، ثم هذا وأمثال ذلك مثل تربت يداه وثكلته أمه ما يقع فى كلامهم للدلالة على تهويل
الخبر وأن ما سمعه لا يوافقه لا القصد إلى وقوع مدلوله الأصلى والدلالة على التماسه - انتهى. قال القرطبي وغيره:
شتان بين قوله ◌َّ هذا الصفية وبين قوله لعائشة لما حاضت معه فى الحج: هذا شئى كتبه الله على بنات آدم ، لما يشعر به
من الميل لها والحنو عليها بخلاف صفية. قال الحافظ: وليس فيه دليل على اقضاع قدر صفية عنده ، لكن اختلف
الكلام باختلاف المقام فعائشة دخل عليها وهى تبكى أسفا على ما فاتها من النسك فسلاما بذلك، وصفية أراد منها ما
يريد الرجل من أهله (كما ورد فى رواية) فأبدت المانع فناسب كلا منهما ما خاطبها به فى تلك الحالة - انتهى (أطافت؟)
أى صفية (يوم النحر) أى طواف الإفاضة (قيل نعم) وفى رواية للبخارى ثم قال (أى النبي {ث): كنت طفت يوم
النحر؟ قالت نعم (قال: فانفرى) بكسر الفاء أى اخرجى إلى المدينة من غير طواف الوداع فإن وجوبه ساقط بالعذر
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى كتاب الحيض وفى الحج ومسلم فى الحج، واللفظ المذكور البخارى فى باب الادلاج
من المحصب، وأخرجه أيضا أحمد ومالك والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن الجارود والبيهقى بألفاظ
مختلفة.
٢٦٩٤ - قوله (عن عمرو) بفتح أوله (بن الأحوص) بمفتوحة وسكون حاء وبصاد مهملتين. هو عمرو بن
الأحوص الجشمى بضم الجيم وفتح المعجمة، من بنى جثم بن سعد ، قال الحافظ فى التقريب: صحابى ، له حديث فى حبة
الوداع. ونسبه ابن عبد البر فقال: عمرو بن الأحوص بن جعفر بن كلاب الجشمی الكلابی. اختلف فی نسبه، روی
عنه أنه سليمان بن عمرو بن الأحوص، حديثه عن النبيِ مَّ فى خطبة فى حجة الوداع، وفى رمى الجمار أيضا. يقال:
إنه شهد حجة الوداع مع أمه وامرأته، وحديثه فى الخطبة عن النبى مزبت صحيح - انتهى. قال الحافظ: وقد شهد
اليرموك فى زمن عمر (يقول فى حجة الوداع) أى يوم النحر كما سبق (أى يوم هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر) وفى
٣١٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا. ألا لا يجنى
جان عل نفسه،
رواية «قال: أى يوم أحرم؟ (أى أعظم وأشد حرمة وأكثر احتراما) فقال الناس: يوم الحج الأكبر، وفيه دليل لمن
يقول إن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر ، وقد وردت فى ذلك أحاديث أخرى ذكرها السيوطى فى الدر المشور
والحافظ ابن كثير فى تفسيره. منها ما رواه البخارى فى باب الخطبة أيام منى تعليقا من حديث ابن عمر قال: وقف
النبي ◌َّ يوم النحر بين الجمرات فى الحجة التى حج بها وقال هذا يوم الحج الأكبر فطفق النبي مَثّ يقول : اللهم اشهد.
وودع الناس فقالوا هذه حجة الوداع، ووصل هذا التعليق أبو داود وابن ماجه والطبرانى. ومنها ما رواه
البخارى أيضا فى باب كيف ينبذ إلى أهل العهد من كتاب الجهاد من حديث أبى هريرة قال بعثنى أبو بكر
فيمن يؤذن يوم النحر بمنى .... إلى أن قال: ويوم الحج الأكبر يوم النحر. واختار هذا القول الحافظ ابن جرير ،
وهو قول مالك والشافعى والجمهور، وسمى بذلك لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، وقال الحافظ: لأن فيه تتكمل بقية
المناسك، وذهب آخرون منهم عمر وابن عباس وطاوس إلى أنه يوم عرفة لقوله مرثية: الحج عرفة. وفيه أقوال
أخرى، ذكرها العينى والحافظ فى الفتح فى تفسير سورة براءة، والقول الأول أرجح وأما ما اشتهر على ألسنة العوام
من أن يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة كان الحج حجا أكبر يعنى أن الحج الأكبر ما كان فيه الوقوف بعرفة يوم الجمعة ،
فهذا ما لا أصل له عن رسول اللّه مَّم ولا عن أحد من الصحابة ولا هو المراد بالحج الأكبر المذكور فى الكتاب
والسنة ، فعم له فضل ومزية كما يدل عليه ما ذكره رزين فى تجريده عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلا مرفوعا،
ولكن لا يعرف إسناده ولا من خرجه، وقد تقدم التنبيه على هذا فى باب الوقوف بعرفة ثم قولهم (يوم الحج الأكبر،
بظاهره ينافى جوابهم السابق «والله ورسوله أعلم)) وقد تقدم وجه التوفيق فتذكر (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم
حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا) أى مكة أو الحرم المحترم وزاد فى رواية ابن ماجه والترمذى فى التفسير ((فى
شهركم هذا، أريد بذلك أن دم كل واحد حرام عليه وعلى غيره. وأما فى المال فالمراد أن مال كل واحد حرام على غيره لا
عليه إلا فى الباطل فقد يصير جراما عليه أن يصرفه فيه، قاله السندى (ألا) للتنبيه (لا يجنى جان على نفسه) قال الطيبي:
خبر فى معنى النهى ليكون أبلغ يعنى كأنه نهاه فقصد أن ينتهى فأخبر به ، والمراد الجناية على الغير إلا أنها لما كانت سببا
الجناية على نفسه أندرها فى صورتها لیکون أدعىإلى الامتناع، ويدل على ذلك أنه روی فی بعض طرق الحديث ((إلا
على نفسه)، وحينئذ يكون خبرا بحسب المعنى أيضا، كذا فى المرقاة ، وقال فى اللبعات: قوله ((ألا لا يجنى جان على نفسه))
خير بمعنى النهى. والمراد لا يجنى أحدكم على الغير فيكون سبا للجناية على نفسه اقتصاصا ومجازاة، ولما كان هذا فى
٣١٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
ألا لا يجنى جان على ولده، ولا مولود على والده. ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد فى
بلدكم هذا أبدا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به.
معنى النهى عن الجناية على الغير والغير أعم أردفه بذكر النهى عن الجنابة على والد ومولود تخصيصا بعد تعميم
لاختصاصه بمزيد قبح وشناعة ، وقد روى: ألا لا يحنى جان إلا على نفسه ، وحينئذ يكون خبرا بحسب المعنى أيضا
انتهى. قلت: قوله ((لا يجنى جان على نفسه)) هكذا وقع فى جميع نسخ المشكاة، والذى فى الترمذى وابن ماجه: لا
يجنى جان إلا على نفسه، وكذا وقع فى المصابيح، فالظاهر أن ما وقع فى المشكاة خطأ من المصنف أو الناسخ. قال
السندى: لا يجنى جان إلا على نفسه أى لا يرجع وبال جنايته من الإثم أو القصاص إلا إليه. وقال الجزرى فى النهاية:
الجناية الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص فى الدنيا والآخرة، المعنى أنه لا يطالب
بجناية غيره من أقاربه وأباعده ، فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الآخر كقوله تعالى: ﴿ ولا تزر وازرة وزر
أخرى) انتهى (ألا لا يحنى جان على ولده ولا مولود على والده) قال القارى: يحتمل أن يكون المراد النهى عن الجناية
عليه لاختصاصها بمزيد قبح، وأن يكون المراد تأكيد لا يجنى جان على نفسه، فإن عادتهم جرت بأنهم بأخذون أقارب
الشخص بجنايته. والحاصل أن هذا ظلم يؤدى إلى ظلم آخر، والأظهر أن هذا نفى فيوافق قوله تعالى: ﴿ ولا تزر
وازرة وزر أخرى) وإنما خص الولد والوالد لأنهما أقرب الأقارب، فإذا لم يؤاخذا بفعله فغيرهما أولى، وفى رواية
«لا يؤخذ الرجل بجريمة أبيه)) وضبط بالوجهين (ألا وإن الشيطان) هو إبليس الرئيس أو الجنس الخسيس (قد أيس)
أى قنط (أن يعبد) قال القارى: أى من أن يطاع فى عبادة غير الله تعالى، لأنه لم يعرف أنه عبده أحد من الكفار -
انتهى. وقيل معناه إن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم ، ولا يرد على هذا مثل أصحاب مسيلمة
ومانعى الزكاة وغيرهم من ارتد لأنهم لم يعبدوا الصنم. ويحتمل معنى آخر وهو أنه أشار مَيّ إلى أن المصلين من أمتى
لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى، ولكَ أن تقول: معنى الحديث أن الشيطان أيس من
أن يتبدل دين الإسلام ويظهر الإشراك ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ینافيه ارتداد من ارتدبل لو عبدالأصنام
أيضا لم يضر فى المقصود فانهم، كذا فى اللعات مع زيادة (فى بلدكم هذا) أى مكة ، قال القارى: أى علانية ، إذ قد يأتى
الكفار مکة خفیة ، قلت : قوله «فی بلدكم هذا، کذا وقع فى رواية ابن ماجه، والترمذى فى الفتن «فى بلادكم هذه، يعنى
مكة وما حولها من جزيرة العرب (ولكن ستكون له طاعة) أى انقياد أو إطاعة (فيما تحتقرون) من الاحتقار أى
تحسبون ذلك حقيرة صغيرة، ويكون فيها طاعة ومرضاة للشيطان (من أعمالكم) أى دون الكفر من القتل والنهب
ونحوهما من الكبائر وتحقير الصغائر (فسيرضى) بصيغة المعلوم أى الشيطان (به) أى بالمحتقر حيث لم يحصل له الذنب
٣١٨
۔
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
رواه ابن ماجه، والترمذى وصححه.
٢٦٩٥ - (١٣) وعن رافع بن عمرو المزنى، قال: رأيت رسول اللّه مؤلم يخطب الناس بمنى حين
ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلى يعبر عنه،
الأ کبر ، ولهذا ترى المعاصى من الكذب والخيانة ونحوهما توجد کثیرا فى المسلمین و قليلا فى الكافرین لأنه قد رضی
من الكفار بالکفر فلا یوسوس لهم فى الجزئيات ، وحيث لا یرضی عن المسلين بالكفر غیرمهم فى المعاصى ، وروى
عن على رضى الله عنه: الصلاة التى ليس لها وسوسة إنما هى صلاة اليهود والنصارى. ومن الأمثال ((لا يدخل اللص
فى بيت إلا فيه متاع نفيس، وقال الطبى: قوله ((فيما تحتقرون)) أى مما يتهجس فى خواطركم وتتفوهون عن هناتكم وصغائر
ذنوبكم فيؤدى ذلك إلى هيج الفتن والحروب كقوله مَثّل: إن الشيطان قديئس من أن يعبده المصلون فى جزيرة العرب،
ولكن فى التحريش بينهم، كذا فى المرقاة، وقوله («فيما تحتقرون)) إلخ. هو لفظ الترمذى، وفى ابن ماجه («فى بعض ما
تمتقرون من أعمالكم فيرضى بها، والحديث دليل على مشروعية الخطبة يوم النحر ، وقد سبق الكلام على ذلك (رواه
ابن ماجه) فى الحج (والترمذى) فى تفسير سورة التوبة وفى كتاب الفتن، ونسبه فى تنقيح الرواة للنسائى أيضا
(وصححه) أى الترمذى وكذا صححه ابن عبد البر كما تقدم.
٢٦٩٥ - قوله (وعن رافع بن عمرو المزنى) نسبة إلى قبيلة مزينة بضم الميم وفتح الزاى، وهو رافع بن عمروبن
هلال المزنى أخو عائذ بن عمرو ، لهما ولأبيهما صحبة. قال ابن عبد البر: سكن رافع وعائذ جميعا البصرة. روى عن
رافع هذا عمرو بن سليم المزنى وهلال بن عامر المزنى. وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب: روى رافع عن النبي مَّه
حديثين أحدهما ((العجوة من الجنة)) عند ابن ماجه (من رواية عمرو بن سليم المزنى عنه) والآخر شهوده حجة الوداع
عند أبى داود والنسائى (من رواية هلال بن عامر المزنى عنه) قال ابن عساكر: كان رافع فى حجة الوداع خماسيا أو
سداسيا - انتهى. ورواية هلال بن عامر عنه تدل على أنه بقى إلى خلافة معاوية (يخطب الناس بمنى) أى أول النحر بقرينة
قوله (حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء) أى بيضاء يخالطها قليل سواد، ولا ينافيه حديث قدامة: رأيت النبي
وَّة يرمى الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء، قاله القارى. قلت: وروى أحمد وأبو داود من حديث الهرماس بن
زياد الباهلى قال: رأيت النبي مَّ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى. قال الطبرى بعد ذكر حديث الهرماس
ورافع المزنى: وهذه الخطبة الثالثة من خطب الحج، ولا تضاد بين الحديثين إذ قد يجوز أن يكون خطب على الناقة ثم
تحول إلى البغلة ويجوز أن يكون الخطبتان فى وقتين ، وكانت إحدى الخطبتين قعليما الناس لا أنها من خطب الحج - انتهى
فتأمل (وعلى يعبر عنه) من التعبير أى يبلغ حديثه من هو بعيد من النبي مزيج فهو رضى الله عنه وقف حيث بلغه صوت
٣١٩
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
والناس بين قائم وقاعد. رواه أبو داود.
٢٦٩٦، ٢٦٩٧ - (١٤، ١٥) وعن عائشة، وابن عباس، أن رسول اللّه مزيل أخر طواف الزيارة
يوم النحر إلى الليل.
النبي ◌َّةُ ويفهمه فيلغه للناس ، ويفهمهم من غير زيادة ونقصان (والناس بين قائم وقاعد) أى بعضهم قاعدون وبعضهم
قائمون وهم كثيرون حيث بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفا ، كذا فى المرقاة. وفى هذا الحديث أيضا دليل على مشروعية
الخطبة فى يوم النحر (رواه أبوداود) وأخرجه أيضا النسائى والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٠) وسكت عنه أبو داود والمنذرى،
وقال النووى فى شرح المهذب: رواه أبوداود بإسناد حسن والنسائى بإسناد صحيح.
٢٦٩٦، ٢٦٩٧ - قوله (أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل) هذا يعارض ما وقع فى حديث جابر
الطويل فى صفة حجة الوداع من أنه يمثل ربى ثم انصرف إلى المنحر فتخر ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر،
وكذا يعارض ما تقدم فى باب الحلق من حديث ابن عمر أن رسول الله مزيج أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر
بمنى ، واختلفوا فى الجواب عن ذلك فذهب جماعة منهم ابن القطان الفاسى وابن القيم وابن حزم إلى تضعيف حديث
عائشة وابن عباس هذا بل إلى تغليطه. قال ابن القطان: عندى أن هذا الحديث يعنى حديث عائشة هذا ليس بصحيح،
إنما طاف النبي مَّ يومئذ نهارا، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه التى فيها أنه أخر الطواف
إلى الليل ، وهذا شئ لم يرو إلا من هذا الطريق وأبو الزبير مدلس لم يذكر ههنا سماعا عن عائشة - انتهى. وقال ابن
القيم: أفاض مَّ إلى مكة قبل الظهر راكبا فطاف سرف الإفاضة وهو طواف الزيارة، ولم يطف غيره ولم يسع
معه، هذا هو الصواب. وطائفة زعمت أنه لم يطف فى ذلك اليوم ، وإنما أخر طواف الزيارة إلى الليل وهو قول طاوس
ومجاهد وعروة، واستدلوا بحديث أبي الزبير المكى عن عائشة المخرج فى سنن أبي داود والترمذى، قال الترمذى: حديث
حسن، وهذا الحديث غاط بين خلاف المعلوم من فعله مَّ الذى لا يشك فيه أهل العلم بحجته مريم وقال ابن حزم: هذا أى
حديث عائشة الذى نحن فى شرحه حديث معلول لأنه يرويه أبو الزبير عن ابن عباس وعائشة، وهو يدلس فيما لم يقل
فيه أخبرنا أو حدثنا أو سمعت فهو غير مقطوع إلا ما كان من رواية الليث عنه عن جابر فإنه كله سماع، ولسنا تحتج
من حديثه إلا بما كان فيه بيان أنه سمعه، وليس فى هذا بيان سماعه منهما - انتهى. وذهب بعضهم إلى ترجيح
حديث ابن عمر وجابر وتقديمه على حديث عائشة وابن عباس ، قال البيهقى بعد ذكر روايات ابن عمر وجابر وعائشة
وابن عباس ما لفظه: أصح هذه الروايات حديث نافع عن ابن عمر وحديث جابر وحديث أبى سلمة عن عائشة يعنى
حديث البخارى بلفظ («قالت: حججنا مع رسول الله تَثم فأخضنا يوم النحر، وذهب جماعة منهم البخارى وابن
٣٢٠٠
١