النص المفهرس

صفحات 261-280

مزعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
خلقه ،
أى من الرأس (فحلقه) فيه أنه يستحب فى حلق الرأس أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق وإن كان على يسار
الحالق وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة يبدأ بجانبه الأيسر لأنه على يمين الحالق، والحديث يرد عليه ، قال
الطبي : دل الحديث على أن المستحب الابتداء بالأيمن (من رأس المحاوق) وذهب بعضهم إلى أن المستحب الأيسر -
انتهى. قال القارى: أى ليكون أيمن الحالق، ونسب إلى أبى حنيفة إلا أنه رجع عن هذا ، وسبب ذلك أنه قاس أولا
يمين الفاعل كما هو المتبادر من التيامن، ولما بلغه أنه عليه الصلاة والسلام اعتبر يمين المفعول رجع عن ذلك القول المبنى
على المعقول إلى صريح المنقول إذ الحق بالاتباع أحق، ولو وقف الحالق خلف المحلوق أمكن الجمع بين الأيمنين (أى
اجتمع الابتداء بيمين الحالق والمحلوق وارتفع الخلاف وإذا تعذر الجمع فلابد من ترجيح ما يدل عليه حديث أنس)
وقال ابن عابدين فى رد المحتار (ج ٢: ص ٢٤٩) تنبيه: قالوا: (أى الحنفية) يندب البداءة بيمين الحالق لا المحلوق إلا
أن ما فى الصحيحين يفيد العكس وذلك أنه مَّ قال للحلاق: خذ، وأشار إلى الجانب الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه
الناس، قال (أى ابن الهمام) فى الفتح: وهو الصواب وإن كان خلاف المذهب - انتهى. وأقول (قائله ابن عابدين):
يوافقه ما فى الملتقط عن الإمام ، حلقت رأسى خطأفى الحلاق فى ثلاثة أشياء لما أن جلست قال استقبل القبلة، وناولته
الجانب الأيسر ، فقال ابدأ بالأيمن، فلما أردت أن أذهب قال ادفن شعرك، فرجعت فدفته - انتهى (نهر) أى فهذا
يفيد رجوع الإمام إلى قول الحجام ، ولذا قال فى اللباب: هو المختار، قال شارحه: كما فى منسك ابن العجمى، والبحر ،
وقال فى النخبة : وهو الصحيح، وقد روى رجوع الامام عما نقل عنه الأصحاب نصح تصحیح قوله الأخير ، واندفع ما
هو المشهور عنه عند المشائخ من البداءة من يمين الحالق وأيسر المحلوق، وقال السروجى: وعند الشافعى يبدأ يمين
المحلوق، وذكر كذلك بعض أصحابنا ولم يعزه إلى أحد، والسنة أولى، وقد صح بداءة رسول الله مؤثّم بشق رأسه
الكريم من الجانب الأيمن، ولا لأحد بعده كلام، وقد كان يحب التيامن فى شأنه كله، وقد أخذ الإمام بقول الحجام ولم
ينكره، ولو كان مذهبه خلافه لما وافقه - انتهى ملخصا. ومثله فى ((المعراج)، و«غاية البيان، انتهى كلام ابن عابدين.
قلت: قصة أبى حنيفة مع الحجام مشهورة كما قال الحافظ، أخرجها أبو الفرج بن الجوزى فى «مثير الغرام الساكن»
بإسناده إلى وكيع عنه، قال وكيع قال لى أبو حنيفة: أخطأت فى خمسة أبواب من المناسك، فعلنيها حجام فذكرها، ثم قال: فقلت
له (أى للحجام) من أين لك ما أمرنى به؟ قال: رأيت عطاء بن أبى رباح يفعل هذا، وذكر هذه القصة المحب الطبرى
فى ((القرى)) (ص ٤١٤) مفصلا، والحافظ فى ((التلخيص)) مختصرا، ولا اضطراب فيها أصلا، وهى تدل على أن
أبا حنيفة رجع عن قوله الأول بتعليم الحجام وتدل على عظم شأنه حيث ترك قياسه ورأيه وقبل الحق عمن هو دونه،
وقدل أيضا على أنه لم يبلغه حديث الابتداء فى حلق الرأس بيمين المحلوق وإلا لما خالفه، وهو نص فى مورد النزاع قاطع
٢٦١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
ثم دعا أبا طلحة الأنصارى فأعطاه إياه، ثم ناول الشق الأيسر. فقال: احلق، خلقه فأعطاه أبا طلحة ،
فقال: أقسمه بين الناس.
للخلاف اتفقت رواياته عند مخرجيه على التصريح بالبداءة بشق الرأس الأيمن، وفيه بيان أن النيامن المحبوب المطلوب فى
حلق الرأس هو ما بينه النبي مَ فتهم بفعله وعمله لا ما فهمه أبو حنيفة أولا ، ولذلك اضطر ابن الهام والسروجى
والإتقانى وابن نجيم والعينى وغيرهم من الحنفية إلى تصحيح قول أبى حنيفة الأخير وتصويه واختياره (ثم دعا أبا طلحة
الأنصارى) زوج أم سليم والدة أنس راوى هذا الحديث واسم أبي طلحة زيد بن سهل الجارى، تقدم ترجمته (ج ١:
ص ٤٠٦) قال القارى: وكان له عليه الصلاة والسلام بأبي طلحة وأهله مزيد خصوصية ومجبة ليست لغيرهم من الأنصار
وكثير من المهاجرين الأبرار رضى الله عنهم (فأعطاه) أى أبا طلحة (إياه) أى الشعر المحلوق (ثم ناول) وفى مسلم
وثم ناوله)) أى الحالق (الشق الأيسر) من الرأس (فأعطاه أبا طلحة فقال اقسمه بين الناس) الحديث ظاهر بل نص قى
أن شعر شقيه مزيفة أعطاه أبا طلحة وفى أنه أمر بقسم شعر الشق الأيسر بين الناس ويدل عليه أيضا رواية أبى عوانة فى
صحيحه بلفظ أن رسول الله مَّل أمر الحلاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن ثم حلق الشق الآخر فأمره
أن يقسمه بين الناس، وفى رواية لمسلم أنه قسم الأيمن بين من يليه وأعطى الأيسر أم سليم ، وفى لفظ له «فوزعه (أى
الأيمن) الشعرة والشعرتين بين الناس ودفع الأيسر إلى أبى طلحة)). قال الحافظ: ولا تناقض فى هذه الروايات بل
طريق الجمع بينها أنه ناول أبا طلحة كلا من الشقين، فأما الأيمن فوزعه أبو طلحة بأمره، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم
زوجته بأمره موث أيضا، زاد أحمد فى رواية له لتجعلها فى طيبها، وعلى هذا فالضمير فى قوله يقسمه فى رواية أبى عوانة
يعود على الشق الأيمن وكذا قوله فى رواية الباب فقال اقسمه بين الناس - انتهى. وقال المحب الطبرى: والصحيح أن
الذى وزعه على الناس مايثير الشق الأيمن على ما تضمنه حديث توزيع الشعرة والشعرتين بين الناس، وأعطى الأيسر
أبا طلحة أو أم سليم على ما تضمنه أيضا ولا تضاد بين الروايتين، لأن أم سليم امرأة أبي طلحة فأعطاه مَبيع لهما،
فسبت العطية تارة إليه وتارة إليها - انتهى. قال النووى: فى الحديث فوائد منها بان السنة فى أعمال الحج يوم النحربعد
الدفع من مزدلفة ووصوله منى وهى أربعة: رمى جمرة العقبة أولا ، ثم نحر الهدى أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم
دخوله مكة وطواف الإفاضة، وكلها ذكرت فى هذا الحديث إلا طواف الإفاضة. والسنة فى هذه الأعمال الأربعة أن
تكون مرتبة كما ذكرنا لهذا الحديث الصحيح، فإن خالف ترتيبها فقدم مؤخرا أو أخر مقدما جاز لقوله مرتين («افعل ولا
حرج، وسیأتی الكلام على هذا البابالآن، ومنها طهارة شعر الآدمى وهو الصحيح من مذهبنا ، وبه قال جماهير العلماء،
ومنها التبرك بشعره مَّة وجواز اقتنائه للتبرك، ومنها مواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم
٢٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
متفق عليه.
٢٦٧٤ (٦) وعن عائشة، قالت: كنت أطيب رسول اللّه ◌َفى قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن
يطوف بالبيت،
من عطاء وهدية قال الحافظ: وفيه أن المواساة لا تستلزم المساواة، وفيه تنفيل من يتولى التفرقة على غيره ، قال
العينى: وفيه أن -اق الرأس سنة أو مستحبة اقتداء بفعله مَّه. قال الزرقانى: وإنما قسم شعره فى أصحابه ليكون بركة
باقية بينهم وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل، وخص أبا طلحة بالقسمة التفاتا إلى هذا المعنى، لأنه
هو الذى حفر قبره ولحد له وبنى فيه اللبن - انتهى (متفق عليه) أى على أصل الحديث، فإن البخارى رواه فى «باب
الماء الذى يغسل به شعر الإنسان)، من كتاب الطهارة مختصرا جدا بلفظ ((أن رسول الله مزيفة لما حلق رأسه كان
أبو طلحة أول من أخذ من شعره)، قال العينى: لم يخرجه أحد من السنة غيره بهذه العبارة. وقال المزى فى الأطراف
(ج ١: ص ٣٧٣) بعد ذكره: هو مختصر من حديث قد تقدم (ج ١: ص ٣٧١) يريد بذلك حديث الباب، وقد
أخرجه مسلم فى الحج مطولا بألفاظ مختلفة متقاربة المعنى والسياق المذكور فى الكتاب مأخوذ من روايتين لمسلم فقوله
«إن التي ◌ُٹے أتى من، فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى، وقع عندہ فی رواية یحی بن یحیی عن حفص بن غياث
عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس، وقوله (ونحر نسكه وناول الحالق شقه الأيمن)، إلخ. وقع فى رواية ابن
أبى عمر عن ابن عيينة عن هشام عن ابن سيرين، وقوله ((ثم دعا بالحلاق)) ليس عند مسلم بل هو عند أبي داود فقط.
فالمصنف أخذ صدر الرواية الأولى وترك عجزها ، وترك أول الرواية الثانية وأدخل فى الوسط فقرة من رواية
أبى داود ولا يخفى ما فى هذا الصنيع من الخال. والحديث أخرجه أحمد والترمذى والنسائى فى الكبرى وأبو داود
وابن الجارود (ص ١٧٣) والبيهقى (ج ٥: ص ١٠٣، ١٣٤) قال المزى فى الأطراف (ج ١: ص ٣٧١): حديث
عيد بن هشام الحلبي وعمرو بن عثمان الحمصى عن ابن عبينة (عند أبي داود) فى رواية أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن
داسة ولم يذكره أبو القاسم.
٢٦٧٤ - قوله( کنت أطیب رسول اللّه ◌ُٹے قبل أن يحرم) فيه دليل على جواز استعمال الطيب بل استحباب
التطيب قبل الاحرام بما شاء من طيب سواء كان يبقى عينه ولونه أو أثره بعد الإحرام أو لا يبقى، وبه قال الشافعى
وأحمد وأبو حنيفة والثورى وهو مذهب أكثر الصحابة وجماعة من التابين، وقال مالك يكره التطيب عند إرادة الاحرام
إذا يبقى أثر الطيب وريحه أو عينه بعد التلبس بالاحرام، وإليه ذهب محمد بن الحسن واختاره الطحاوى (ويوم النحر
قبل أن يطوف بالبيت) أى طواف الإفاضة يعنى بعد التحلل الأول وهو بالحاق ، وبه يظهر المناسبة بين الباب وبين هذا
٢٦٣

مرجاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
بطيب فيه مسك. متفق عليه.
٢٦٧٥ - (٧) وعن ابن عمر، أن رسول اللّه وَي أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى.
الحديث (بطيب) متعلق بأطيب (فيه) أى فى أجزائه (مسك) فى الحديث دليل على حل التطيب بعد رمى الجمرة والحلق
قبل طواف الإفاضة، وإليه ذهب الشافعى وأحمد وأبو حنيفة، وكرهه مالك ، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث
مستوفى فى باب الإحرام والتلبية ، وهو أول أحاديث الباب المذكور فعليك أن تراجعه (متفق عليه) واللفظ لمسلم،
رواه عن أحمد بن منيع ويعقوب الدورقى كلاهما عن هشيم عن منصور عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ،
((قالت كنت أطيب التى تَث}، إلخ. وليس عند البخارى لفظ المسك.
٢٦٧٥ - قوله (أفاض يوم النحر) أى نزل من منى إلى مكة بعد رميه ونحره وحلقه فطاف طواف الفرض أى
طواف الزيارة والإفاضة وقت الضحى (ثم رجع) أى فى ذلك اليوم (فصلى الظهر بمنی) فيه تصریح بأنه برے طاف
طواف الإفاضة نهارا وصلى صلاة الظهر بمنى بعد ما رجع من مكة ، ويوافقه فى وقت الطواف حديث جابر الطويل فى
حجة النبي ◌َّثة، ويخالفه فى الموضع الذى صلى فيه ظهر يوم النحر حيث قال «ثم ركب رسول اللّه مَ ثل فأفاض إلى
البيت فصلى بمكة الظهر، فقيه التصريح بأنه أفاض نهارا وهو نهار يوم النحر، وأنه صلى ظهر يوم النحر بمكة ، وكذلك
قالت عائشة أنه طاف يوم التحر وصلى الظهر بمكة ، فاتفق الحديثان فى وقت طواف الإفاضة واختلفا فى موضع صلاته
لظهر ذلك اليوم. ووجه الجمع بينهما أنه تَّ صلى الظهر بمكة كما قال جابر وعائشة، ثم رجع إلى منى فصلى بأصحابه
الظهر مرة أخرى كما صلى بهم صلاة الخوف مرتين مرة بطائفة ومرة بطائفة أخرى فى بطن نخل ، فرأى جابر وعائشة
صلاته فى مكة فأخبرا بما رأيا، وقد صدقا، ورأى ابن عمر صلاته بهم فى منى فأخبر بما رأى وقد صدق ، وبهذا الجمع
جزم النووى وغير واحد ، وقد جمع بعضهم بينهما بوجوه أخرى وصار بعضهم إلى الترجيح كما تقدم مفصلا فى شرح
حديث جابر فى قصة حجة الوداع. هذا، وقد ورد فى بعض الروايات ما يدل على أنه ميني طاف طواف الإفاضة ليلا .
قال البخارى فى صحيحه: وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس: أخر الني مَ ثّ الزيارة إلى الليل، وقد تقرر أن كل ما
علقه البخارى بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علق عنه مع أنه وصله أحمد وأبو داود والترمذى وغيرهم من طريق سفيان
الثورى عن أبي الزبير به، وزيارته ليلا فى هذا الحديث المروى عن عائشة وابن عباس مخالفة لما تقدم فى حديث جابر
وابن عمر وللجمع بينهما أوجه كما سبق منها أن النبي وزيئل طاف طواف الزيارة فى النهار يوم النحر كما أخبر به جابر
وعائشة وابن عمر ثم بعد ذلك صار يأتى البيت ليلا ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ، وإتيانه البيت فى ليالى منى هو مراد عائشة
وابن عباس. وقال البخارى فى صحيحه بعد أن ذكر هذا الحديث الذى علقه بصيغة الجزم ما نصه: ويذكر عن أبى حسان
-
٢٦٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
رواه مسلم.
( الفصل الثانى )
٢٦٧٦، ٢٦٧٧ - (٩،٨) عن على، وعائشة، قالا: نهى رسول اللّه عليه أن تحلق المرأة رأسها.
عن ابن عباس أن النبى مَّ كان يزور البيت أيام منى - انتهى. قال الحافظ فى الفتح: فكان البخارى عقب هذا بطريق
أبى حسان ليجمع بين الأحاديث بذلك، فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول ، وحديث ابن عباس هذا على
بقية الأيام ، وهذا الجمع مال إليه النووى، ومنها أن الطواف الذى طافه النبي مؤيّة ليلا طواف الوداع فنشأ الغلط من
بعض الرواة فى تسميته بالزيارة، ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلا ، فقد روى البخارى فى صحيحه بسنده عن أنس بن
مالك ((أن النبي ◌َّ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به)) وسيأتى فى
باب خطبة يوم النحر وهو واضح فى أنه طاف طواف الوداع ليلا ، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم ، ولو فرضنا أن أوجه
الجمع غير مقنعة فأحاديث جابر وعائشة وابن عمر «أنه طاف طواف الزيارة نها راء أصح مما عارضها فيجب تقديمها
عليه، وفى الحديث دلالة على أن رميه وحلقه وقع قبل الظهر بالاتفاق وإن اختلف فى كونه بمكة أو بمنى، إذ الترتيب
بين الحلق والإفاضة معتبر فظهرت المناسبة بين الباب وبين حديث ابن عمر فتدبر (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٢: ص ٣٤) وأبو داود وابن الجارود (ص ١٧٤) والبيهقى (ج ٥: ص ١٤٤) وقد عزا بعضهم هذا الحديث إلى
الشيخين وهو خطأ ، فإن الحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخارى ، وقد تقدم التنبيه على ذلك فى شرح حديث جابر
الطويل فى حجة النبي مَّم ، فتذكر.
٢٦٧٦، ٢٦٧٧ - قوله (نهى رسول الله رائع أن تحلق المرأة رأسها) أى فى التحلل من الإحرام أو مطلقا إلا لضرورة
فإن حلقها مثلة كحلق اللحية للرجل ، قاله القارى. قلت: الظاهر أن المرأة ممنوعة من حلق الرأس مطلقا إلا لضرورة
ولو كان الحلق يجوز لها لأمرت به فى الحج لأن الحلق نسك كما تقدم، قال الحافظ: وهذا أى التخيير بين الحلق والتقصير
وكون الحلق أفضل من التقصير إنما هو فى حق الرجال ، وأما النساء فالمشروع فى حقهن التقصير بالاجماع، وفيه حديث.
لابن عباس عند أبى داود يعنى الذى يأتى بعد هذا، ثم ذكر حديث على، ثم قال: وقال جمهور الشافعية: لو حلقت أجزأها
ويكره. وقال القاضيان أبو الطيب وحسين لا يجوز - انتهى. وقال ابن قدامة: المشروع المرأة التقصير دون الحلق
- لا خلاف فى ذلك ، قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم ، وذلك لأن الحلق فى حقهن مثلة، ثم ذكر حديث ابن
عباس وحديث على، وقال فى الباب وشرحه للقارى: التقصير واجب لهن لكرامة الحلق كراهة تحريم فى حقهن إلا
لضرورة - انتهى. وقال الباجى: وأما المرأة فقد قال ابن حبيب ليس على من حج من النساء حلاق وقد نهى عنه النبي
٢٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
◌َّفي المرأة فى حج أو عمرة، وقال: هى مثلة. وهو الذى رواه ابن حبيب وإن لم نعرف له إسنادا صحيحا إلا أنه من
قول العلماء، وهو الصحيح، لأنه مثلة لأنه حلاق غير معتاد كحلاق الرجل لحيته وشاربه - انتهى. قال الخرقى: والمرأة تقصر
من شعرها مقدار الأنملة، قال ابن قدامة: الأنملة رأس الاصبع من المفصل الأعلى. قال: وكان أحمد يقول: تقصر
من كل قرن قدر الأنملة وهو قول ابن عمر والشافعى وإسحاق وأبى ثور، وقال أبوداود: سمعت أحمد سئل عن المرأة تقصر
من كل رأسها؟ قال: نعم تجمع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة - انتهى. وقال مالك فى
المرأة إذا قصرت تأخذ قدر الأنملة أو فوقه بقليل أو دونه بقليل وليست كالرجل فى أنه يجزه جزا كذا فى طرح التشريب
للولى العراقى. وقال الشنقيطى: اعلم أن محل كون الحلق أفضل من التقصير إنما هو بالنسبة إلى الرجال خاصة، أما
النساء فليس عليهن حلق وإنما عليهن التقصير، والصواب عندنا وجوب تقصير المرأة جميع رأسها ويكفيها قدر الأنملة لأنه
يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة لظواهر النصوص ، ولأن شعر المرأة من جمالها وحلقه مثلة ، وتقصيره جدا إلى
قرب أصول الشعر نقص فى جمالها، وقد جاء عن النبي ◌َّئل أن النساء لا حلق عليهن وإنما عليهن التقصير، ثم ذكر
حديث ابن عباس الآتى برواية أبى داود والبزار والدار قطنى والطبرانى، ثم قال ويعتضد عدم حلق النساء رؤسهن بخمسة
أمور غير ما ذكرنا، الأول: الإجماع على عدم حلقهن فى الحج ولو كان الحلق يجوز لهن لشرع فى الحج، الثانى:
أحاديث جاءت بنهى النساء عن الحلق، الثالث: أنه ليس من عملنا ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، الرابع:
أنه تشبه بالرجال وهو حرام، الخامس: أنه مثلة، والمثلة لا تجوز، أما الإجماع فقد قال النووى فى شرح المهذب:
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا حلق على النساء وإنما عليهن التقصير، ويكره لهن الحلق لأنه بدعة فى حقه، وفيه
مثلة ، واختلفوا فى قدر ما تقصره، فقال ابن عمر والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة.
وقال قتادة: تقصر الثلث أو الرفيع، وقالت حفصة بنت سيرين: إن كانت عجوزا من القواعد أخذت نحو الربع، وإن كانت شابة
فتقلل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء ولا يجوز من بعض القرون-انتهى. وتراه نقل عن ابن المنذر الإجماع على
أن النساء لا حلق عليهن فى الحج ولو كان الحلق يجوزلهن لأمرن به فى الحج، لأن الحلق نسك على التحقيق كما تقدم إيضاحه،
وأما الأحاديث الواردة فى ذلك فقد قال الزيلعى فى نصب الراية (ج٣: ص ٩٥): فى نهى النساء عن الحلق أحاديث ، منها
ما رواه الترمذى فى الحج والنسائى فى الزينة ، فذكره وهو الذى نحن فى شرحه، ثم قال: حديث آخر أخرجه البزار فى
مسنده فذكره من رواية عائشة مرفوعا بلفظ حديث على مع الكلام عليه، ثم قال: حديث آخر رواه البزار فى مسنده أيضا
فذكره من رواية عثمان باللفظ المتقدم. قال الشنقيطى: وهذه الروايات التى ذكرنا فى نهى المرأة عن حلق رأسها عن على
وعثمان وعائشة يعضد بعضها بعضا كما تعتضد بما تقدم (يعنى حديث ابن عباس فى أن على النساء التقصير لا الحلق) وبما
٢٦٦.

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
سيأتى: وأما كون حلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة فمن بعدهم فهو أمر معروف لا يكاد يخالف فيه إلا
مكابر ، فالقائل بجواز الحلق المرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين المعروف . وفى الحديث الصحيح: من عمل عملا ليس
عليه أمرنا فهو رد، فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للحرمة بلا شك. وإذا لم يبح لها حلقه فى حال النسك فغيره من
الأحوال أولى، وأما كون حلق المرأة رأسها تشبها بالرجال فهو واضح ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرجال
لأن الحلق من صفاتهم الخاصة بهم دون الإناث عادة ، وقد ورد الحديث الصحيح فى لعن المتشبهاتمن النساء بالرجال،
وأما كون حلق رأس المرأة مثلة فواضح، لأن شعر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها
كما يدركه الحس السليم وعامة الذين يذكرون محاسن النساء فى أشعارهم وكلامهم مطبقون على أن شعر المرأة الأسود من
أحسن زينتها لا نزاع فى ذلك بينهم فى جميع طبقاتهم، وهو فى أشعارهم مسنفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام، ثم
ذكر أمثلة لذلك من شعراء العرب كامرئى القيس والأعشى ميمون بن قيس وعمر بن أبى ربيعة وغيرهم ، ثم قال : هذا
كله يدل على أن حلق المرأة شعر رأسها نقص فى جمالها وتشويه لها فهو مثلة، وبه تعلم أن العرف الذى صار جاريا فى كثير
من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة افرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين ونساء العرب قبل الإسلام فهو
من جملة الانحرافات التى عمت البلوى بها فى الدين والخلق والسمت وغير ذلك. فإن قيل: جاء من أزواج النبي مؤٹ ما
يدل على حلق المرأة رأسها وتقصيرها إياه، فما دل على الحلق فهو ما رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث وهب بن
جرير، ثنا أبى سمعت أبا فزارة يحدث عن يزيد بن الأصم عن ميمونة، أن النبي ◌َّ تزوجها حلالا وبنى بها وماتت
بسرف فدفناها فى الظلة التى بنى بها فيها فنزلنا أنا وابن عباس، فلما وضعناها فى اللحد مال رأسها فأخذت ردائی فوضعته تحت
رأسها فاجتذبه ابن عباس فألقاه، وكانت قد حلقت رأسها فى الحج فكان رأسها محجماء فهذا الحديث يدل على أن ميمونة
حلقت رأسها ولو كان حراماما فعلته، وأما التقصير فما رواه مسلم فى صحيحه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:
دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاع فسألها عن غسل النبي ◌َّثم من الجنابة، فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت
وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثا، قال: وكان أزواج التى تَتّ يأخذن من رؤسهن حتى تكون كالوفرة.
فالجواب عن حديث ميمونة على تقدير صحته أن فيه أن رأسها كان محجما ، وهو يدل على أن الخلق المذكور لضرورة
المرض لتتمكن آلة الحجم من الرأس، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها ، وقد قال تعالى (وقد فصل لكم ما حرم
عليكم إلا ما اضطرر تم إليه - ٦: ١١٩) انتهى. وقيل إن ميمونة إنما حلقت رأسها فى الحج عند التحلل من الاحرام
ولعل ذلك أن نهى النساء عن الحلق يكون عندها نهى إرشاد لا نهى حكم فحلقت رأسها اختيارا منها لترك الزينة. قال
الشنقيطى: وأما الجواب عن حديث مسلم فعلى القول بأن الوفرة أطول من اللمة التى هى ما ألم بالمنكبين من الشعر
٢٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
فلا إشكال ، لأن ما نزل عن المنكبين طويل طولا يحصل به المقصود. قال النووى فى شرح مسلم: والوفرة أشبع
وأكثر من اللمة، واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر، قاله الأصمعى - انتهى كلام النووى. وأما على القول الصحيح
المعروف عند أهل اللغة من أنها لاتجاوز الأذنين. قال فى القاموس: والوفرة الشعر المجتمع على الرأس ، أو ما سال
على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن ، ثم الجمة ثم اللمة، وقال الجوهرى فى صحاحه: والوفرة الشعر إلى شحمة
الأذن ثم الجمة ثم اللمة، وهى التى ألمت بالمنكبين - انتهى. فالجواب أن أزواج النبي حيث إنما قصرن رؤسهن بعد
وفاته مرّ لأنهن كن يتجملن له فى حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته مث فاهن حكم خاص بهن.
لا تشار كهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعا كليا من التزويج وبأسهن منه
اليأس الذى لا يمكن أن يخالطه طمع فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه مَ ◌ّه إلى الموت. قال تعالى (وما كان لكم أن
تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) واليأس من الرجال
بالكلية قد يكون سببا للترخيص فى الإخلال بأشياء من الزينة لا تحل لغير ذلك السبب. وقال النووى فى شرح مسلم
فى الكلام على هذا الحديث: قال عياض: المعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج
النبى مُوّ فعلن هذا بعد وفاته مروالله لتركمن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفا لمؤنة رؤسين، وهذا الذى
ذكره القاضى عياض من كونهن فعلته بعد وفاته ممثل} لا فى حياته ، كذا قاله أيضا غيره ( كالمازرى والقرطبي والأبى)
وهو متعين، ولا يظن بهن فعله فى حياته مرَّة، وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء - انتهى كلام النووى. قال
الشنقيطى: وقوله ((فيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء) فيه عندى نظر لما قدمنا من أن أزواج التي مؤقتة بعد وفاته
لا يقاس عليهن غيرهن، لأن قطع طمعهن فى الرجال بالكلية خاص بهن دون غيرهن ، وقد يباح له من الاخلال
ببعض الزينة ما لا يباح لغيره حتى إن العجوز من غيرهن لتتزين للخطّاب، وربما تزوجت لأن كل ساقطة لها لاقطة،
وقد يحب بعضهم العجوز كما قال القائل :
:
عجوزا ومن يحب عجوزا يفند
أبی القلب إلا أم عمرو وحبها
ورقعته ما شئت فى العين واليد
کثوب اليمانى قد تقادم عهده
وقال الآخر :
لکان موی لیلی جدیدا أوائله
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا
انتهى كلام الشنقيطى ببعض الاختصار. وقيل أيضا فى الجواب عن هذا الحديث أن المراد أن نساء التي مؤ فتح كن
يقصرن شعورهن المسترسلة ويعقدنها على القفا أو على الرأس من غير أن يتخذنها قرونا وضفائر فتكون كالوفرة فى
عدم مجاوزتها الأذنين كما يفعله كثير من العجائز والأيامى فى عصرنا بل عامة النساء فى حالة الاغتسال بعد غسل الرأس،
٢٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
رواه الترمذى.
فإن الشعور الطويلة لو استرسلت على حالها فإيصال الماء إلى البدن المستور تحت الشعور المسترسلة لا يخلو عن كلفة
ومشقة (رواه الترمذى) حديث على رواه الترمذى فى باب كراهية الحلق للنساء من كتاب الحج، والنسائى فى باب النهى
عن حق المرأة رأسها من كتاب الزينة، قالا حدثنا محمد بن موسى الحرشى عن أبى داود الطيالسى عن همام عن قتادة
عن خلاس بن عمرو عن على ، قال نهى رسول اللّه مَبين أن تحلق المرأة رأسها ، ثم رواه الترمذى عن محمد بن بشار عن
أبي داود الطيالسى عن همام عن خلاس عن النبي تَثم نحوه مرسلا أى لم يذكر فيه عن على. وقال: حديث على فيه
اضطراب، وروى هذا الحديث عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عائشة أن النبي ◌َّ نهى أن تحلق المرأة رأسها - انتهى.
وحكى الزيلعى (ج ٣: ص ٩٥) كلام الترمذى هذا بلفظ: قال الترمذى: هذا حديث فيه اضطراب، وقدروى عن حماد بن
سلمة عن قتادة عن عائشة عن النبي تَوَّةٍ مرسلا - انتهى. وإنما قال مرسلا أى منقطعا لما حكى الحافظ فى تهذيب التهذيب فى
ترجمة قتادة (ج ٨: ص ٣٥٥) عن الحاكم أنه قال فى ((علوم الحديث)) لم يسمع قنادة من صحابى غير أنس. قال وقد ذكر ابن
أبى حاتم عن أحمد بن حنبل مثل ذلك، وقال أبو حاتم: قتادة عن أبى الأحوص مرسل وأرسل عن أبى موسى وعائشة
وأبى هريرة ومعقل بن يسار ـ انتهى. ثم قال الزيلعى: وقال عبد الحق فى أحكامه: هذا حديث يرويه همام بن يحيى عن
قتادة عن خلاس بن عمرو عن على ، وخالفه هشام الدستوائى وحماد بن سلمة فروياه عن قنادة عن النبي عليه السلام مرسلا -
انتهى. قال الحافظ فى الدراية: رواته موثقون إلا أنه اختلف فى وصله - انتهى. وحاصل ما وقع فى هذا الحديث من.
الاضطراب أنه اختلف أصحاب قتادة عليه فروى همام عنه عن خلاس عن على عن النبى ◌َيثير أى جعله من
مسند على، وخالفه حماد بن سلبة فروى عن قتادة عن عائشة عن النبي مَّم فجعله من مسند عائشة وخالفهما هشام الدستوائى
فرواه عن قتادة عن النبي مزيج مرسلا ، وكذا روى عن حماد بن سلمة عن قتادة مرسلا أيضا، واختلف أيضا على همام فروى
محمد بن موسى عن الطيالسى عن همام عن قتادة عن خلاس عن على عن النبى مزّثية، وروى محمد بن بشار عن الطيالسى عن
همام عن خلاس نحوه مرسلا ولم يذكر فيه عن على. قلت: خلاس بن عمرو ثقة من رجال الستة غير أنه قال أبوداود
ويحي بن سعيد: لم يسمع خلاس من على. وقال أحمد بن حنبل: روايته عن على كتاب، وكذا قال يحيى بن سعيد وأبو حاتم
والبخارى فى تاريخه ولكن قال الجوزجاني والعقيلى: كان خلاس على شرطة على ، وقد سمع من عمار وعائشة وابن عباس
15 فى تهذيب التهذيب، وإذا فسماعه عن على ليس بعيد، ومحمد بن موسى الحرشى عن الطيالسى عن همام سلسلة الرواة
الثقات، فالرواية المسندة بذكر على مقبولة معتبرة لا يضرها رواية من رواها مرسلة ، وللحديث طريق آخر عند البزار
يعتضد به. قال الزيلغى حديث آخر أخرجه البزار فى مسنده عن معلى بن عبد الرحمن الواسطى ثنا عبد الحميد بن جعفر
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أن النبي ◌ُّ نهى أن تحلقى المرأة رأسها. قال البزار: ومعلى بن
٢٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
٢٦٧٨ - (١٠) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه على: ليس على النساء الحلق، إنما على
النساء التقصير. رواه أبوداود، والدارمى.
عبد الرحمن الواسطى روى عن عبد الحميد بأحاديث لم يتابع عليها، ولا نعلم أحدا تابعه على هذا الحديث - انتهى.
ورواه ابن عدى فى الكامل وقال: أرجو أنه لا بأس به. قال عبد الحق: وضعفه أبو حاتم وقال: إنه متروك الحديث -
انتهى. وقال ابن حبان فى كتاب الضعفاء: يروى عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا
انفرد - انتهى. وفى الباب أيضا عن عثمان، قال الزيلعى: رواه البزار فى مسنده من طريق روح بن عطاء بن أبى ميمونة
عن أبيه عن وهب بن عمير قال سمعت عثمان يقول: نهى رسول اللّه مَله أن تحلق المرأة رأسها. قال البزار: ووهب
ابن عمير لا نعلمه روى غير هذا الحديث، ولا نعلم حدث عنه إلا عطاء بن أبي ميمونة، وروح ليس بالقوى - انتهى.
وقال الهيشمى بعد عزوه إلى البزار (ج ٣: ص ٢٦٣): وفيه روح بن عطاء وهو ضعيف-انتهى. والحديثان وإن
كانا ضعيفين لكنهما يصلحان للاستشهاد .
٢٦٧٨ - قوله (ليس على النساء الحلق) أى لا يجب عليهن الحلق فى التحلل (إنما على النساء التقصير) أى إنما
الواجب عليهن التقصير بخلاف الرجال، فإنه يجب عليهم أحدهما والحلق أفضل ، قاله القارى. وفيه دليل على أن
المشروع فی حق النساء التقصير ، وقد حکی الحافظ وغیرہ الاجماع على ذلك کما تقدم (رواه أبوداود) قال : حدثنا
محمد بن الحسن العتكى ثنا محمد بن بكر ثنا ابن جريج قال بلغنى عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت أخبرتنى أم عثمان بنت
أبى سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول اللّه مَ الله، إلخ. ثم قال أبو داود حدثنا أبو يعقوب البغدادى ثقة، ثنا هشام بن
يوسف عن ابن جريج عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة عن صفية بنت شربةقالت أخبر تنى أم عثمان بنت أبى سفيان أن ابن عباس
قال، إلخ (والدارمى) قال: أخبرنا على بن عبد الله المدينى ثنا هشام بن يوسف ثنا ابن جريج أخبرنى عبد الحميد بن جير
عن صفية، إلخ. والحديث قد سكت عنه أبو داود والمنذرى، وقال النووى فى شرح المهذب: رواه أبوداود بإسناد حسن.
وقال الحافظ فى التلخيص: حديث «ليس على النساء حلق وإنما يقصرن)) رواه أبو داود والدار قطنى والطبرانى من حديث
ابن عباس وإسناده حسن، وقواه أبو حاتم فى العلل والبخارى فى التاريخ، وأعله ابن القطان ، ورد عليه ابن المواق
فأصاب - انتهى. قلت: قال الزيلعى فى نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث من رواية أبى داود: قال ابن القطان فى كتابه:
هذا ضعيف ومنقطع، أما الأول فانقطاعه من جهة ابن جريج قال: بلغنى عن صفية فلم يعلم من حدثه به، وأما الثانى
فقول أبى داود: حدثنا رجل ثقة يكنى أبا يعقوب وهذا غير كاف، وإن قيل: إنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم أبى
إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه، وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبى سفيان لا يعرف حالها - انتهى ما فى
٢٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
نصب الراية. قلت: حديث ابن عباس أقل درجاته الحسن، فقول النووى إنه حديث رواه أبوداود بإسناد حسن ،
وكذا قول من وافته فى تحسين إسناد الحديث وتقويته أصوب ما نقله الزیامی عن ابن القطان وسکت عليه، فقول ابن
جريج فى رواية أبى داود (بلغنى عن صفية بنت شبة) تفسره الرواية التى بين فيها ابن جريج أن من بلغه عن صفية المذكورة
هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة وهو ثقة معروف وقد صرح فى رواية الدارمى والدار قطنى والبيهقى بما يدل على سماعه
عن عبد الحميد بن جبير ، وأما قول ابن القطان: أن أم عثمان بنت أبى سفيان لا يعرف حالها، ففيه قصور ظاهر جدا،
لأن أم عثمان المذكورة من الصحابيات المبايعات، قد روت عن النبى مَّه وعن ابن عباس كما فى الاستيعاب والإصابة
وأسد الغابة، فدعوى أنها لا يعرف حالها ظاهرة السقوط ، وأما قول ابن القطان : أن توثيق أبى داود لأبى يعقوب
غیر کاف وأن أبايعقوب المذكور إن قيل إنه إسحاق بن إبراهيم أبی إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه،
فجوابه أن أبا يعقوب المذكور هو إسحاق بن أبى إسرائيل ، واسم أبى إسرائيل ، إبراهيم بن كامجرا المروزى نزيل
بغداد، وقد وثقه أبو داود، وأثنى عليه غير واحد من أجلاء العلماء بالرجال، وقال فيه الذهبي فى الميزان (ج ١:
ص ٨٥): حافظ شهير، قال ووثقه يحيى بن معين والدار قطنى، وقال صالح جزرة: صدوق إلا أنه كان يقف فى القرآن
ولا يقول غير مخلوق، بل يقول ((كلام اللّه)) ويسكت. وقال فيه الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ١: ص ٢٢٣): قال ابن
معين : ثقة ، وقال أيضاً: من ثقات المسلمين ما كتب حديثا قط عن أحد من الناس إلا ما خطه هو فى ألواحه أو كتابه ،
وقال أيضا : ثقة ، ماءون أثبتمن القواریری وأ کیس، والقواریری ثقة صدوق، وليس هو مثل إسحاق ، وذکر غير
هذا من ثناء ابن معين عليه وتفضيله على بعض الثقات المعروفين ، ثم قال: وقال الدار قطنى: ثقة، وقال البغوى: كان ثقة
مأمونا إلا أنه كان قليل العقل، وثناءأئمة الرجال عليه فى الحفظ والعدالة كثير مشهور، وإنما تقموا عليه أنه كان يقول:
القرآن كلام الله ويسكت عندها ولا يقول غير مخلوق، ومن هنا جعلوه واقفها ، وتكلموا فى حديثه، كما قال فيه صالح
جزرة: صدوق فى الحديث إلا أنه يقول: القرآن كلام الله، ويقف. وقال الساجى: تركوه لموضع الوقف وكان صدوقا.
وقال أحمد: إسحاق بن إسرائيل واقفى مشتوم إلا أنه صاحب حديث كيس. وقال السراج: سمعته يقول: هؤلاء الصبان
يقولون: كلام الله غير مخلوق، ألا قالوا: كلام اللّه وسكتوا، وقال عثمان بن سعيد الدارمى: سألت يحيى بن معين عنه،
فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه، ويوم كتبنا عنه كان مستورا. وقال عبدوس
النيسابورى: كان حافظا جدا ، ولم يكن مثله فى الحفظ والورع، وكان لقى المشائخ فقيل كان يتهم بالوقف ؟ قال : نعم اتهم
وليس بمنهم ، وقال مصعب الزبيرى: ناظرته فقال: لم أقل على الشك ولكنى أسكت كما سكت القوم قبلى، والحاصل
أنهم متفقون على ثقته وأمانته بالنسبة إلى الحديث إلا أنهم كانوا يتهمونه بالوقف. وقد رأيت قول من نفى عنه التهمة.
٢٧١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
وهذا الباب خال عن الفصل الثالث.
(٩) باب
( الفصل الأول )
٢٦٧٩ (١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول اللّه مزيج وقف فى حجة الوداع
بمنی للناس
وقول من ناظره أنه قال له لم أقل على الشك ولكنى سكت كما سكت القوم قبلى، ومعنى كلامه أنه لا يشك فى أن القرآن
غير مخلوق ولكنه يقتدى بمن لم يخض فى ذلك، ولما حكى الذهبي فى الميزان قول الساجى: إنهم تركوا الأخذ عنه لمكان
الوقف، قال بعده قلت: قل من ترك الأخذ عنه - انتهى. وهو تصريح منه بأن الأكثرين على قبول. حديثه لا يقل
عن درجة الحسن، وروايته عند أبى داود تعتضد بالرواية المذكورة قبلها، وكذا تعتضد بما رواه الدار قطنى عن عبد الله
ابن محمد بن عبد العزيز إملاء عن إسحاق بن أبى إسرائيل، وبما روى الدار قطنى أيضا عن أبى محمد بن صاعد عن إبراهيم
ابن يوسف الصير فى عن أبى بكر بن عياش عن يعقوب بن عطاء عن صفية بنت شيبة ، وبما رواه الدارمى والبيهقى من طريق
عبد الله بن على المدينى عن هشام بن يوسف. قال الزيلعى بعد ذكره كلام ابن القطان المتقدم ما نصه: وأخرجه
الدار قطنى فى سننه (ص ٢٧٧) والطبرانى فى معجمه عن أبى بكر بن عياش عن يعقوب بن عطاء عن صفية بنت شبيبة به .
وأخرجه الدار قطنى أيضا والبزار فى مسنده عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن صفية به . وقال
البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه - انتهى. فتين من جميع ما ذكر أن حديث ابن عباس فى أن
على النساء المحرمات إذا أردن قضاء التفث التقصير لا الحلق ، أنه لا يقل عن درجة الحسن كما جزم النووى بأن إسناده
عند أبى داود حسن، وقد رأيت اعتضاده بما ذكرنا من الروايات المتابعة له عند الدارمى والبيهقى والطبرانى والدار قطنى
والبزار (وهذا الباب عال عن الفصل الثالث) كذا وقع فى بعض النسخ، ولا يحتاج إلى الاعتذار، ولعله لدفع
وهم الإسقاط.
(باب) قال القارى: بالتنوين والسكون، وفى نسخة ((باب جواز التقديم والتأخير فى بعض أمور الحج)).
٢٦٧٩ - قوله (وقف) أى على ناقته كما فى رواية صالح بن كيسان عند البخارى ومعمر عند مسلم وابن الجارود،
ورواية يونس عند مسلم، ومعمر أيضا عند أحمد والنسائى بلفظ «وقف على راحلته، كلهم عن ابن شهاب الزهرى عن عيسى
ابن طلحة عن عبد الله بن عمرو فرواية يحيى القطان عن مالك عن الزهرى ((أنه جلس فى حجة الوداع فقام رجل، محمولة
على أنه ركب ناقته وجلس عليها (بمنى للناس) أى لأجلهم ولم يعين مكان الوقوف بمنى ولا اليوم، ووقع فى رواية عبد العزيز
ابن أبى سلمة عن الزهرى عند البخارى فى العلم («عند الجمرة)) وهو أول منى، وفى رواية ابن جريج عن الزهرى عند
٢٧٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
الشيخين وابن الجارود ((يخطب يوم النحر)) وفى رواية محمد بن أبى حفصة عن الزهرى عند مسلم وأحمد ((أتاه رجل يوم
النحر وهو واقف عند الجمرة، قال عياض: جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد على أن معنى خطب أى
على الناس، لا أنها من خطب الحج المشروعة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك فى موطنين: أحدهما على راحلته عند
الجمرة ولم يقل فى هذا «خطب)) وإنما فيه «وقف وسئل، والثانى يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة
المشروعة من خطب الحج يعلم الامام الناس ما بقى عليهم من مناسكهم ، قال النووى: هذا الاحتمال الثانى هو الصواب،
قال الحافظ : فإن قيل : لا منافاة بین ھذا الذی صوبه وبین الذی قبله فإنه ليس فى شئ من طرق الحديثین حدیث
عبد الله بن عباس (الآتى بعد ذلك) وحديث عبد الله بن عمرو بيان الوقت الذى خطب فيه من النهار، قلت: نعم لم
يقع التصريح بذلك لكن فى رواية ابن عباس (عند البخارى) إن بعض السائلين قال: رميت بعد ما أمسيت ، وهذا
يدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال وكأن السائل على أن السنة للحاج أن
يرمى الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك، على أن حديث عبد الله بن عمرو من
مخرج واحد لا يعرف له طريق إلا طريق الزهرى عن عيسى عنه، والاختلاف من أصحاب الزهرى، وغايته أن بعضهم ذكر ما
لم يذكر الآخر واجتمع من مرويهم ورواية ابن عباس أن ذلك كان يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب عند
الجمرة ، وإذا تقرر أن ذلك كان بعد الزوال يوم النحر تعين أنها الخطبة التى شرعت لتعليم بقية المناسك، فليس قوله
(خطب، مجازا عن مجرد التعليم بل حقيقة، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذ رماها ، ففى حديث ابن عمر
عند البخارى فى آخر باب الخطبة أيام منى: أنه مرَّم وقف يوم النحر بين الجمرات فذكر خطبته فلعل ذلك وقع بعد أن
أفاض ورجع إلى منى - انتهى. قلت: ولا يشكل عليه ما فى حديث عبد الله بن عمرو أنه وقف بمنى للناس يسألونه ،
بناء على أن المتبادر منه أن وقوفه كان لتعليم الناس وسؤالهم لا للخطبة فإنه لا منافاة بين الأمرين، فكان أصل وقوفه
للخطبة وكان وقت سؤال أيضا فسأله فى ذلك الوقت السائل عما فاته من حجه وعما أدرك وعما قدم وأخر ، وسأله قوم
عن المستقبل فعلهم دينهم وأفتى وأجاب عن مسائلهم، وذكر ابن حزم فى صفة حجة الوداع أن هذه الأسئلة عن التقديم
والتأخير كانت بعد عوده إلى منى من إفاضته يوم النحر - انتهى. نعم يشكل على ما قال الحافظ من كون الخطة
يوم النحر بعد الزوال ما وقع فى رواية رافع بن عمرو المزنى الآتى فى الفصل الثانى من باب خطبة يوم النحر بلفظ
(رأيت رسول اللّه بَّه يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى) - الحديث. فإنها تدل على أن هذه الخطبة كانت وقت
الضحى من يوم النحر (يعنى قبل طواف الإفاضة) ومشى على ذلك إبن القيم فى الهدى ولم أقف على دليل صريح من
الأحاديث فى كون هذه الخطبة بعد الظهر بمنى بعد طواف الإفاضة كما ذهب إليه القائلون بمشروعية الخطبة يوم النحر،
٢٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
يسألونه، فجاءه رجل ، فقال: لم أشعر خلقت قبل أن أذبح. فقال: اذبح ولا حرج.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بالحمل على التعدد كما تقدم عن عياض أنه حكاه احتمالا. وقال المحب الطبرى بعد ذكر قول
ابن حزم المنقدم ، قلت: ويحتمل أن الأسئلة تكررت قبله أى قبل الزوال وبعده وفى الليل، والله أعلم (يسألونه) هو
فى محل النصب على الحال من الضمير الذى فى وقف أو من الناس أى وقف لهم حال كونهم سائلين عنه ، أو هو استئناف
بيانا لسبب الوقوف، ويزيد الأخير رواية «وقف على راحلته فطفق ناس يسألونه)) وفى رواية «وقف فى حجة الوداع
فجعلوا يسألونه)، (فجاءه) عطف على قوله وقف (رجل) قال الحافظ: لم أعرف اسم هذا السائل ولا الذى بعده فى
قوله: فجاء آخر ، والظاهر أن الصحابى لم يسم أحدا لكثرة من سأل إذ ذاك، وقال فى موضع آخر: لم أقف على اسم
هذا السائل بعد البحث الشديد ولا على اسم أحد من سأل فى هذه القصة وكانوا جماعة، لكن فى حديث أسامة بن شريك
عند الطحاوى وغيره ((كان الأعراب يسألونه)) فكان هذا هو السبب فى عدم ضبط أسماءهم ـ انتهى. ويدل على كون
السائلين جماعة متفرقين اختلاف أسألتهم عن التقديم والتأخير كما سيأتى بيانها (لم أشعر) بضم العين من باب نصر أى
لم أفطن، يقال شعرت بالشئى شعورا إذا فطنت له، قيل: وعلى هذا يكون مؤدى الاعتذار النسيان، قال الباجى: يحتمل
أن يريد به نسيت فقدمت الحلاق - انتهى، وقيل الشعور العلم وعلى هذا المعنى لم أعلم المسئلة قبل هذا، ويؤيده لفظ
يونس عند مسلم (لم أشعر أن الرمى قبل النحر فتحرت قبل أن أرمى، وقال آخر لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل
أن أنحر، فين يونس متعلق الشعور أى العلم ولم يفصحه مالك فى روايته، وإلى الاحتمالين معا أشار البخارى فى صحيحه
إذ ترجم على حديث ابن عباس «باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ناسيا أو جاهلا، قال العينى: فإن
قلت: قيد فى الترجمة كونه ناسيا أو جاهلا وليس فى الحديث ذلك، قلت : جاء فى حديث عبد الله بن عمرو ذلك وهو
قوله: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح - الحديث. فإن عدم الشعور أعم من أن يكون يجهل أو نسيان ، فكانه أشار إلى
ذلك لأن أصل الحديث واحد وإن كان المخرج متعددا - انتهى. وبالاحتمالين معا فسره القارى حيث قال: لم أشعر
أى ما عرفت تقديم بعض المناسك وتأخيرها فيكون جاهلا لقرب وجوب الحج أو فعلت ما ذكرت من غير شعور لكثرة
الاشتغال فيكون مخطئا (فحلقت) أى شعر رأسى (قبل أن أذبح) أى الهدى وفى رواية «قبل أن أنحر) والفاء سبية جعل
الحلق مسبا عن عدم الشعور كانه يعتذر لتقصيره (اذبح) وفى رواية ((انحر، أى الآن (ولا حرج) أى لا ضيق عليك، ثم
من قال بعدم الفدية بمخالفة الترتيب فى وظائف يوم النحر حمل نفى الحرج على نفى الإثم والفدية معا، قال عياض: قوله ((اذبح ولا
حرج، ليس أمرا بالإعادة وإنما هو إباحة لما فعل لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى افعل ذلك متى شئت ، ونفى الحرج
بين فى رفع الفدية عن العامد والساهى وفى رفع الإثم عن السامى، وأما العامد فالأصل أن تارك السنة عمدا لا يأثم إلا
٢٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
نجاء آخر، فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى. فقال: ارم ولا حرج. فما سئل النبي مَفّ عن
شئى قدم ولا أخر إلا قال : افعل ولا حرج.
أن يتهاون فيأثم للتهاون لا للترك - انتهى. ومن ذهب إلى وجوب الدم حمله على نفى الإثم فقط ، قال الباجى يحتمل
أن يريد لا إثم عليك لأن الحرج الإثم، ومعظم سؤال السائل إنما كان ذلك خوفا من أن يكون قد أثم، فأعلمه النبي مدَّ
أن لا حرج، إذ لم يقصد المخالفة وإنما أتى ذلك عن غير علم ولا قصد مع خفة الأمر - انتهى. وقال السندى الحنفى فى
حاشية ابن ماجه معناه عند الجمهور أنه لا إثم ولا دم ، ومن أوجب الدم حمله على دفع الاثم وهو بعيد، إذ الظاهر عموم
النفى لحرج الدنيا وحرج الآخرة، وأيضا لو كان دم لينه النبي مؤثر، إذ ترك البيان أو تأخيره عن وقت الحاجة لا يجوز
فى حقه مَّثة (فجاء) رجل (آخر فقال: لم أشعر) أى لم أفطن أو لم أعلم أن الرمى قبل النحر (فنحرت) الهدى (قبل
أن أرمى) أى الجمرة (فقال ارم) أى الآن (ولا حرج) وفى رواية ابن جريج عن الزهرى عند البخارى: فقام إليه رجل
فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أتحر، نحرت قبل
أن أرمى، واشباه ذلك، فقال النبي ◌َّ: افعل ولا حرج، لهن كلهن، فما سئل يومئذ عن شئ إلا قال: افعل ولا حرج.
وفى رواية محمد بن أبى حفصة عن الزهرى عند مسلم كما سيأتى حلقت قبل أن أرمى، وقال آخر: أفضت إلى البيت قبل أن
أرمى، وفى حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمى أيضا، فحاصل ما فى حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن أربعة
أشياء، الحلق قبل الذبح والحلق قبل الرمى والنحر قبل الرمى والإفاضة قبل الرمى، والأولان فى حديث ابن عباس أيضافى
الصحيح وللدار قطنى من حديثه أيضا السؤال عن الحلق قبل الرمى ، و کذا فی حديث جابر ، وفى حديث أبى سعيد عند
الطحاوى ، وفى حديث على عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق ، وفى حديثه عند الطحاوى السؤال عن الرمى
والإفاضة معا قبل الحلق، وفى حديث جابر الذى علقه البخارى ووصله ابن حبان وغيره السؤال عن الإفاضة قبل
الذبح، وفى حديث أسامة بن شريك الآتى فى الفصل الثالث السؤال عن السعى قبل الطواف، وقد تقدم فى مسئلة اشتراط
الطهارة للسعى فى شرح حديث عائشة فى باب قصة حجة الوداع أن الجمهور القائلين بعدم إجراء السعى قبل
الطواف حملوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم قبل طواف الإفاضة فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف
أى طواف الرّكان، قيل: ولا إشكال فى الحديث على مذهب الحنفية، فإنهم يحملونه كسائر الأحاديث الواردة فى الباب
على نفى الحرج بمعنى نفى الإثم لعذر الجهل أو النسيان (فما سئل) بصيغة المجهول (النبي ◌َثية) زاد فى رواية «يومئذ)
(عن شئ قدم) بصيغة المجهول من التفعيل فيه وفى ((أخر)) أى وحقه التأخير (ولا أخر) أى ولا عن شتى أخر وحقه
التقديم (إلا قال) مَلِّم فى جوابه (افعل) الآن ما بقى وقد أجزأك فيا فعلت (ولا حرج) عليك فى التقديم والتأخير.
٢٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
وفى رواية يونس عند مسلم ((فما سمعته سئل يومئذ عن أمر ما ينسى المرا أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض
وأشباهها إلا قال: افعلوا ذلك ولا حرج)، قال الباجى: لا يقتضى هذا رفع الحرج فى تقديم شتى ولا تأخيره غير
المسئلين المنصوص عليهما ، لأننا لا ندرى عن أى شئى غيرهما سئل فى ذلك اليوم ، وجوابه إنما كان عن سؤال السائل
فلا يدخل فيه غيره كما لا يدخل فى قوله ((انحر ولا حرج، ارم ولا حرج)) غير ذلك مما لم يسئل عنه - انتهى. وكذا
قال ابن التين أن هذا الحديث لا يقتضى رفع الحرج فى غير المسئلتين المنصوص عليهما يعنى المذكورتين فى رواية مالك
لأنه خرج جوابا للسؤال ، ولا يدخل فيه غيره - انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: كأنه غفل عن قوله فى بقية الحديث
((ما سئل عن شئى قدم ولا أخر، وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر، لكن قوله فى رواية ابن جريج «وأشباه ذلك)) يرد
عليه، وقد تقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدة صور وبقيت عدة صور لم تذكرها الرواة إما اختصارا وإما
لكونها لم تقع ، وبلغت بالتقسيم أربعا وعشرين صورة، منها صورة الترتيب المتفق عليها وهى رمى جمرة العقبة ثم نحر
الهدى أو ذبحه ثم الحلق أو التقصير ثم طواف الإفاضة، وهى وظائف يوم النحر بالاتفاق، وقد أجمع العلماء على
مطلوبية هذا الترتيب إلا أن ابن الجهم من المالكية استثنى القارن فقال لا يجوز له الحلق قبل الطواف، وكأنه لاحظ
أنه فى عمل العمرة ، والعمرة يتأخر فيها الحلق عن الطواف، يعنى أنه رأى أن القارن عمرته وحجه قد تداخلا ، فالعمرة
قائمة فى حقه والعمرة لا يجوز الحلق فيها قبل الطواف ، ورد عليه النووى بنصوص الأحاديث والاجماع المتقدم عليه،
و نازعه ابن دقيق العيد فى ذلك حيث قال: وكأنه يريد بنصوص الأحاديث ما ثبت عنده أن النبي ے كان قارنا فى
آخر الأمر وقد حلق قبل الطواف، وهذا إنما ثبت بأمر استدلالى لا نصى أعنى كونه عليه السلام قارنا ، وابن الجهم
بنى على مذهب مالك والشافعى ومن قال بأن النبي ◌َّ كان مفردا، وأما الاجماع فبعيد الثبوت إن أراد به الاجماع
القلى القولى، وإن أراد السكوتى ففيه نظر، وقد ينازع فيه أيضا - انتهى. قال الحافظ: واختلف العلماء فى جواز تقديم
بعضها على بعض فأجمعوا على الاجزاء فى ذلك أى فى التقديم والتأخير كما قاله ابن قدامة فى المغنى إلا أنهم اختلفوا فى
وجوب الدم فى بعض المواضع، قال القرطبي: روى عن ابن عباس أن من قدم شيئا على شئى فعليه دم. وبه قال سعيد
ابن جبير وقتادة والحسن والنخعى وأصحاب الرأى - انتهى. وفى نسبة ذلك إلى النخعى وأصحاب الرأى نظر فإنهم لا
يقولون بذلك إلا فى بعض المواضع كما سيأتى ، قال: وذهب الشافعى وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى
الجواز وعدم وجوب الدم لقوله السائل: لا حرج، فهو ظاهر فى رفع الإثم والفدية معا، لأن إثم الضيق يشملهما -
انتهى. وقال ابن دقيق العيد (ج ٣: ص ٤٨، ٤٩): إذا ثبت أن الوظائف فى يوم النحر أربع فقد اختلفوا فيما لو
تقدم بعضها على بعض، فاختار الشافعى جواز التقديم وجعل الترتيب مستحبا، ومالك وأبو حنيفة يمنعان تقديم الحلق
٢٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
على الرمى لأنه يكون حينئذ حلقا قبل وجود التحللين ، والشافعى قول مثله ، وقد بنى القولان له على أن الحلق نسك أو
استباحة محظور، فإن قلنا إنه نسك جاز تقديمه على الرمى وغيره، لأنه يكون من أسباب التحلل، وإن قلنا إنه استباحة
محظور لم يجز لما ذكرناه من وقوع الحلق قبل التحللين. قال: وفى هذا البناء نظر، لأنه لا يلزم من كون الشئى نسكا
أن يكون من أسباب التحلل، وهذا مالك يرى أن الحلق نسك ويرى مع ذلك أنه لا يقدم على الرمى، إذ معنى كون
الشئى نسكا أنه مطلوب مثاب عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون سببا للتحلل - انتهى. وقال الأوزاعى: إن أفاض قبل
الرمى اهراق دما. وقال عياض: اختلف عن مالك فى تقديم الطواف على الرمى ، روى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجب
عليه إعادة الطواف ، فإن توجه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم ، قال ابن بطال: هذا يخالف حديث ابن عباس،
وكأنه لم يبلغه. قال الحافظ: وكذا هو فى رواية ابن أبى حفصة عن الزهرى فى حديث عبد الله بن عمرو، وكان مالكا
لم يحفظ ذلك عن الزهری ۔ انتھی. وقال الآبی: أما الافاضةفاختلف قول مالك إذا قدمها قبل الرمی فقيل يجز ئهويهدى ،
وقيل لا يجزئه ويعيدها بعد الرمى وهو كمن لم يفض، وكذلك اختلف قوله إذا قدمها على الحلق فرمى ثم أفاض ثم حلق ، فقال
مرة يجزئه وقال مرة يعيدها بعد الحلق ، وقال فى الموطأ فى باب التقصير: أحب إلى أن يريق دما ، وكذلك اختلف قولمالك
فى النحر قبل الحلق ، وقال فى آخر «باب ماجاء فى الحلاق، من الموطأ: الأمر الذى لا اختلاف فيه عندنا أن أحدا لا يحلق
رأسه ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هديا إن كان معه، وقال فى «باب العمل فى النحر): لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى
ينحر هديه، وارجع لشرح هذه الأقوال إلى المنتقى للباجى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٤٦): وفى يوم النحر
أربعة أشياء: الرمى، ثم النحر، ثم الحلق ثم الطواف، والسنة ترتيبها هكذا، فإن النبي حديثة رتبها، كذلك. وصفه جابر
فى حج النبي ◌َّ، وروى أنس ((أن النبيِ مَّ رمى ثم نحر ثم حلق، رواه أبوداود. فإن أخل بترتيبها ناسياً أو جاهلا
بالسنة فيها فلا شئ عليه فى قول كثير من أهل العلم ، منهم الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والشافعى
وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن جرير الطبرى. وقال أبو حنيفة: إن قدم الحلق على الرمى أو على النحر فعليه دم ،
فإن كان قارنا فعليه دمان، وقال زفر: عليه ثلاثة دماء، لأنه لم يوجد التحلل الأول فلزمه الدم كما لو حلق قبل يوم
النحر، ولنا ما روى عبد الله بن عمرو قال: قال رجل: يا رسول اللّه حلقت قبل أن أذيح، قال: اذمح ولا حرج،
فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمى. قال: ارم ولا حرج، متفق عليه. وفى لفظ ((قال: جاء رجل فقال: يا رسول اللّه لم
. أشعر فحلقت قبل أن أذبح - وذكر الحديث - قال: فما سمعته يسئل يومئذ عن أمر بما ينسى المرأ أو يجهل من تقديم
بعض الأمور على بعضها وأشباهها إلا قال: افعلوا ولا حرج عليكم، رواه مسلم. وعن ابن عباس عن النبي مَّ أنه
قيل له يوم النحر وهو بمنى فى النحر والحاق والرمى والتقديم والتأخير فقال: لا حرج. متفق عليه، ورواه عبد الرزاق
٢٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩- باب
عن معمر عن الزهرى عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو، وفيه: فعلقت قبل أن أرمى. وتابعه على ذلك محمد
ابن أیی حفصة عن الزهری عن عیسی عن عبد الله بن عمرو ، قال : سمعت رسول الله ڑٹے ۔ وأتاه رجل - فقال: یا
رسول الله إنى حلقت قبل أن أرمى، قال: ارم ولا حرج. قال: وأتاه آخر فقال: إنى أفضت قبل أن أرمى، قال
ارم ولا حرج، وسنة رسول اللّه ◌َ يتم أحق أن تبع. على أنه لا يلزم من سقوط الدم بفقد الشئى فى وقته سقوطه قبل
وقته. فإنه لو حلق فى العمرة بعد السعى لا شئى عليه، وإن كان الحل ما حصل قبله، وكذلك فى مسئلتنا إذا قلنا إن
الحل يحصل بالحلق فقد حلق قبل التحلل ولا دم عليه ، فأما إن فعله عمدا عالما بمخالفة السنة فى ذلك ففيه روايتان:
إحداهما لا دم عليه، وهو قول عطاء وإسحاق لإطلاق حديث ابن عباس، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو، من
رواية سفيان بن عيينة، والثانية عليه دم، روى نحو ذلك عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد وقتادة والنخعى، لأن الله
تعالى قال ﴿ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله - ٢: ١٩٦) ولأن النبي مَ ثّ رتب وقال: خذوا عنى مناسككم.
والحديث المطلق قد جاء مقيدا فيحمل المطلق على المقيد. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل حلق قبل أن
يذبح؟ فقال: إن كان جاهلا فليس عليه، فأما التعمد فلا، لأن النبي مَّم سأله رجل فقال: لم أشعر، قيل لأبي عبد الله
سفيان بن عيينة لا يقول: لم أشعر، فقال: نعم ، ولكن مالكا والناس عن الزهرى: لم أشعر. وهو فى الحديث . وقال
مالك: إن قدم الحلق على الرمى فعليه دم، وإن قدمه على النحر أو النحر على الرمى فلا شئ عليه، لأنه بالاجماع منوع من حلق
شعره قبل التحلل الأول ولا يحصل إلا برمى الجمرة، فاما النحر قبل الرمى فائز، لأن الهدى قد بلغ محله، ولنا الحديث، فإنه لم يفرق
بينهما، فإن النبي ◌َُّ قيل له فى الحلق والنحر والتقديم والتأخير فقال: لا حرج، ولا نعلم خلافا بينهم فى أن مخالفة
الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الاجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها، وإنما اختلفوا فى وجوب الدم على ما ذكرنا،
والله أعلم، فإن قدم الإفاضة على الرمى أجزاء طوافه، وبهذا قال الشافعى، وقال مالك: لا تجزئه الإفاضة فليرم ثم
لينحر ثم ليفض، ولنا ما روى عطاء أن النبي ◌َّ قال له رجل: أفضت قبل أن أرمى؟ قال: ارم ولا حرج، وعنه
أن التی {ٹے قال من قدم شيئا قبل شئ فلا حرج، رواهما سعید فى سننه، وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص
أن النبى ◌َّ أناه آخر فقال: إنى أفضت إلى البيت قبل أن أرمى؟ فقال: ارم ولا حرج، فما سئل رسول الله تَـ
عن شئى قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج. رواه أبو داود والنسائى والترمذى - انتهى. وقد ظهر بما
ذكرنا من كلام القرطبي وابن دقيق العيد وابن قدامة والحافظ أنه لم يقل بظاهر أحاديث الباب وعمومها أحد من
الأئمة بل خالفتها المالكية والحنفية فى بعض الأمور كما سيأتى ، نعم عمل بعمومها الشافعية والحنابلة كما سيأتى أيضا،
قال الدردير: يفعل فى يوم النحر أربعة أمور مرتبة الرمى فالنحر فالحلق فالإفاضة، فتقديم الرمى على الحلق والإفاضة
٢٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩- باب
واجب وما عداه مندوب - انتهى. وحاصله أن تقديم الرمى على الحلق والافاضة واجب يجبر بالدم وأما تقديمه على
النحر أو تقديم النحر على كل واحد من الحلق والافاضة أو تقديم الحلق على الافاضة فمستحب، فالمراتب سنة، الوجوب فى اثنين
والندب فى أربعة ، ومذهب الحنفية على ما قال ابن عابدين هو أن الطواف لا يجب ترتيبه على شئى من الثلاثة ، وإنما
يجب ترتيب الثلاثة الرمى ثم الذبح ثم الحلق لكن المفرد لا ذبح عليه فيجب عليه الترتيب بين الرمى والحلق فقط، وحاصله أنه
لا يجب الدم بتقديم الطواف على الثلاثة ، والمفرد ليس عليه الذبح فيجب عليه الترتيب فى الرمى والحلق دون الذبح فلا
شئ عليه فى تقديم الذبح على الرمى ولا بتقديم الحلق على الذبح ، وإنما يجب الترتيب فى الثلاثة على القارن والمتمتع ،
فإن قدم المفرد الحلق على الرمى فعليه دم ولو حلق القارن أو المتمتع دون المفرد قبل الذبح أو ذبح قبل الرمى فعليه
دمان، دم للقرآن أو التمتع. ودم لهذه الجناية، سواء كان عامدا أو جاهلا أو ناسيا. وقال النووى: الأعمال المشروعة
يوم النحر أربعة: الرمى ثم الذبح ثم الحلق ثم الطواف، وهى على هذا الترتيب مستحبة ، فلو خالف فقدم بعضها على
بعض جاز وفاته الفضيلة ، وقال أيضا: السنة ترتيبها هكذا فلو خالف وقدم بعضها على بعض جاز ولا فدية عليه لهذه
الأحاديث، وبهذا قال جماعة من السلف وهو مذهبنا دانتهى، وفى كشاف القناع من فروع الحنابلة: وإن قدم الحلق
على الرمى أو على النحر أو طاف للزيارة قبل رميه أو نحر قبل رمية جاهلا أو ناسيا فلا شئى عليه، وكذا لو كان عالما ،
لكن يكره ذلك للعالم، وإن قدم طواف الإفاضة على الرمى أجزأه ـ انتهى. وكذا فى منتهى الإرادات والروض
المربع، هذا، وقد احتج لما روى الأثرم عن أحمد من تخصيص الرخصة بالناسى والجاهل دون العامد بقوله فى
رواية مالك: لم أشعر، كما تقدم، وبقوله فى رواية يونس: فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرا أو يجهل من تقديم
بعض الأمور على بعض أو أشباهها إلا قال : افعلوا ولا حرج. وأجاب بعض الشافعية بأن الترتيب لو كان واجبا
لما سقط بالسهو كالترتيب بين السعى والطواف فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعى ، قال: وأما ما وقع فى
حديث أسامة بن شريك (الآتى فى الفصل الثالث) فمحمول على من سعى بعد طواف القدوم ثم طاف طواف الإفاضة
فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف أى طواف الركن. قال الحافظ ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء فقالا
لو لم يطف للقدوم ولا لغيره وقدم السعى قبل طواف الإفاضة أجزأه. أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عنه - انتهى.
وقال الخطابى فى المعالم (ج ٢: ص ٤٣٣): أما قوله: سعيت قبل أن أطوف. فيشبه أن يكون هذا السائل لما طاف
طواف القدوم قرن به السعى، فلما طاف طواف الإفاضة لم يعد السعى ، فأفتاه بأن لا حرج، لأن السعى الأول الذى
قرنه بالطواف الأول قد أجزأه، فأما إذا لم يكن سعى إلى أن أفاض فالواجب عليه أن يؤخر السعى عن الطواف، لا
پجزيه غير ذلك فی قول عامة أهل العلم، إلا فى قول عطاء وحده فانه قال : مجز ئه ، وهو قول کالشاذ لا اعتبار له - انهى.
٢٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
قلت : وقد ذهب إليه ابن حزم أيضا ورد على من فرق بين تقديم السعى وسائر ما قدم وأخر ، وأما تأويل الخطابى
وغيره فلا يخفى ما فيه من التعسف ، وقال ابن دقيق العيد (ج ٣: ص ٧٩) بعد حكاية قول الامام أحمد المذكور:
وهذا القول فى سقوط الدم عن الجاهل والناسى دون العامد قوى من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال الرسول
عَّ فى الحج بقوله: خذوا عنى مناسككم، وهذه الأحاديث المرخصة فى التقديم لما وقع السؤال عنه إنما قرنت بقول
السائل . لم أشعر، فيختص الحكم بهذه الحالة ويبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول فى الحج، وأيضا الحكم إذا
وقب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز إطراحه وإلحاق غيره مما لا يساويه ، ولا شك أن عدم الشعور وصف
مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة والحكم علق به ، فلا يمكن إطراحه وإلحاق العمد به إذ لا يساويه، فإن تمسك بقول
الراوى ((فما سئل عن شئى قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج)» فإنه قد يشعر بأن الترتيب مطلقا غير مراعى فى
الوجوب، فجوابه أن الراوى لم يحك لفظا عاما عن الرسول مَّ يلم يقتضى جواز التقديم والتأخير مطلقا، وإنما أخبر عن
قوله ◌َّه لا حرج بالنسبة إلى كل ما سئل عنه من التقديم والتأخير حينئذ، وهذا الإخبار من الراوى إنما تعلق بما وقع
السؤال عنه. وذلك مطلق بالنسبة إلى حال السؤال وكونه وقع عن العمد أو عدمه، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين
بعينه فلا يبقى حجة فى حال العمد، والله أعلم - اتهى. وتعقبه الشنقيطى بأنه لا يتضح حمل الأحاديث على من قدم
الحلق جاهلا أو ناسيا وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه يدل على أن السائل جاهل، لأن بعض تلك
الأحاديث ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على التخصيص فى النسيان والجهل.
وقد تقرر أيضا فى علم الأصول أن جواب المسئول لمن سأله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة، لأن تخصيص المنطوق بالذكر
لمطابقة الجواب للسؤال فلم يتعين كونه لاخراج المفهوم عن حكم المنطوق. وقال الشوكانى: وتعليق سؤال بعضهم بعدم
الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور ولا يجوز إطراحها بإلحاق العمد بها ،
وبهذا يعلم أن التعويل فى التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور فى سؤال بعض السائلين غير مفيد المطلوب - انتهى
بقدر الضرورة، وقد عرفت ما قدمنا أن أحاديث الباب مخالفة للحنفية والمالكية فى بعض الصور فاعتذروا عن
ذلك بوجوه، منها: أن معنى الحرج فى هذه الأحاديث الاثم وهو المنفى مها، قال الأبى فى الاكمال: قوله ((لا
حرج)) محمول عندنا على نقى الإثم فقط - انتهى. وبذلك جزم الطحاوى وغيره من الحنفية أن المنفى هو الاثم فقط
دون الفدية، وتعقبه الحافظ فى الفتح فقال: العجب ممن يحمل قوله ((ولا حرج)) على أفى الاثم فقط، ثم يخص ذلك
بعض الأمور دون بعض ، فإن كان الترتيب واجببا یجب بتر که دم، فلکن فی الجميع وإلا فما وجه تخصیص بعض
دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفى الحرج - انتهى. قلت: التعقب المذكور قوى متجه، وجوابه متعذر جدا،
٢٨٠