النص المفهرس

صفحات 221-240

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
البدنات قال: من شاء اقتطع - انتهى. قال الشنقيطى: وأظهر القولين عندى أنه لا تبرأ ذمته بذبحه حتى يوصله إلى
المستحقين، لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيا، ولأن الله تعالى يقول: ﴿وأطعموا
البائس الفقير - ٢٢: ٢٨) ويقول: ﴿وأطعموا القانع والمعتر - ٢٢: ٣٦ ) والآيتان تدلان على لزوم التفرقة
والنخلية بينه وبين الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية، لأن الاذن لهم فى ذلك وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل، والعلم
عند الله تعالى. وقول من قال إن الهدى المذكور إن تعيب فى الطريق فعليه نحره ، ونحر هدى آخر غير معيب لا يظهر
كل الظهور، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه وهو لم يجب عليه إلا واحد، وحجة من قال بذلك: أنه لما عينه متقربه
به إلى الله لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك ولو لم يجزئه، وأما الواجب المعين بالنذر كأن يقول: نذرت الله إهداء هذا
الهدى المعين ، فالظاهر أنه يتعين بالنذر ولا يكون فى ذمته ، فإن عطب أو سرق لم يلزمه بدله، لأن حق الفقراء إنما يتعلق
بعينه لا بذمة المهدى، والظاهر أنه ليس له الأكل منه، سواء عطب فى الطريق أو بلغ محله، وحاصل ما ذكرنا راجع
إلى أن ما عطب بالطريق من الهدى إن كان متعلقا بذمته سليما فالظاهر أن له الأكل منه والتصرف فيه، لأنه يلزمه بدله
سليما ، وقيل: يلزم الذى عطب والسليم معا لفقراء الحرم ، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدى كالنذر المعين المسا كين
ليس له تصرف فيه ولا الأكل منه إذا عطب ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر - انتهى. تنبيه: اختلف فيما إذا
مثل المعين فذيح غيره ثم وجد الضال. قال الشنقيطى: الأظهر عندى أنه إذا عين هديا بالقول أو التقليد والاشعار ثم
فضل ثم نحر هديا آخر مكانه ثم وجد الهدى الأول الذى كان ضالا ، أن عليه أن ينحره أيضا ، لأنه صار هديا للفقراء
فلا ينبغى أن يرده لملكه مع وجوده، وكذلك إن عين بدلا عنه، ثم وجد العضال فإنه ينحر هما جميعا، قال ابن قدامة فى
المغنى (ج ٣: ص ٥٣٥): وإن ضل المعين فذمج غيره ثم وجده، أو عين غير الضال بدلا عما فى الذمة، ثم وجد الضال
ذبحهما معا. روى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وفعلته عائشة، وبه قال مالك والشافعى وإسحاق، ويتخرج على
قولنا فيما إذا تعيب الهدى فأبدله، فإن له أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما، لأنه قد ذبح ما فى الذمة فظم
يلزمه شتى آخر كما لو عطب المعين، وهذا قول أصحاب الرأى. ووجه الأول ما روى عن عائشة أنها أهدت هديين
فأضلتهما فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما ، وقالت: هذه سنة الهدى، رواه الدارقطنى ،
وهذا منصرف إلى سنة رسول اللّه تَبيّة، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما، وإيجاب الآخر - انتهى.
كلام ابن قدامة. قال الشنقيطى بعد ذكره: وليس فى المسئلة شئى مرفوع، والأحوط ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر
والعلم عند الله تعالى، ثم قال الشنقيطى: إن الهدى إن كان معينا بالنذر من الأصل بأن قال: نذرت إهداء هذا الهدى
بعينه أو معينا قطوعا إذا رآه صاحبه فى حالة يغلب على الظن أنه سيموت فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرط فيها حتى مات كان
٢٢١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
عليه ضمانه، لأنه كالوديعة عنده، أما لو مات بغير تفريطه أو ضل أو سرق فليس عليه بدل عنه لأنه لم يتعلق الحق بذمته
بل بعين الهدى ، والأظهر عندى إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشترى مديا مثله وينحره بالحرم بدلا عن الذى فرط فيه،
وإن قيل بأنه يلزمه التصدق بقيمته على مساكين الحرم فله وجه من النظر، والله أعلم، ولا نص فى ذلك - انتهى.
وأما ما يجوزالأكل منه من الهدايا إذا بلغت محلها وما لا يجوز فقد اختلفوا فيه أيضا فذهب مالك وأصحابه إلى
جواز الأكل من جميع الهدى واجبه وتطوعه إذا بلغ محله إلا ثلاثة أشياء: جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر الذى هو
المساكين. قال الأبى: أما ما بلغ من الهدى محله فشهور مذهب مالك أنه لا يأكل من ثلاثة: من الجزاء والفدية
ونذر المسا کین، ویأ کل ما سوى ذلك ، وبه قال فقهاء الأمصار وجماعة من السلف - انتهى. وهكذا حكى الباجى،
وقال الدردير: لما كان الأكل من دماء الحج ينقسم منعا وإباحة باعتبار بلوغ المحل وعدمه أربعة أقسام أشار للا ول منها
وهو المنع مطلقا بقوله (ولم يؤكل) أى يحرم على رب الهدى أن يأكل (من نذر مساكين عين لهم) باللفظ أو النية بأن
قال هذا نذر لله ونوى أن يكون للمساكين (مطلقا) بلغ محله أو لم يبلغ، ومثل نذر المساكين هدى التطوع إذا نواء
للمساكين وكذا الفدية إن لم يجعل هديا فهذه ثلاثة يحرم الأكل منها مطلقا، وأشار للقسم الثانى بقوله (عكس الجميع) أى
جميع الهدايا غير ما ذكر من تطوع أو واجب لنقص بحج أو عمرة من ترك واجب أو فساد أو فوت أو تعدى ميقات
أو متعة أو قران أو نذر لم يعين فله الأكل منها مطلقا بلغت محلها أو لا، وإذا جازله الأكل فى الجميع (فله إطعام الغنى
والقريب) وأولى غيرهما ثم استثنى مما يؤكل منه مطلقا ما يؤكل فى حال دون حال، وتحته قسمان أولهما ثالث الأقسام
الأربعة بقوله (إلا) ثلاثة (نذرالم يعين) مثل لله على هدى للمسا كين (والفدية) إذا جعلت هديا (والجزاء) للصيد فلا
يأكل من هذه الثلاثة (بعد بلوغ المحل) سالمة، فأما إن عطبت قبله فيأكل منها لأن عليه بدلها وأشار لرابع الأقسام
بقوله (وهدى تطوع) لم يجعله المساكين بلفظ ((ولا نية)) ومثله النذر المعين الذى لم يجعل لهم (إن عطب) قبل محله فلا
يأكل منه، وأما إن وصل لمحله سالما فإنه يأكل منه -انتهى، وقال اللخمى: كل هدى واجب فى الذمة عن حج أو عمرة
من فساد أو متعة أو قران أو تعدى ميقات أو ترك النزول بعرفة نهارا أو ترك النزول بمز دلفة أو ترك رمى الجمار
أو أخر الحلق يجوز الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده، أما جزاء الصيد وفدية الأذى فيوكل منهما قبل بلوغهما محلهما
ولا يؤكل منهما بعده، وأما النذر المضمون إذا لم يسمه للمسا كين فإنه يأكل منه بعد بلوغه محله ، وإن كان منذورا
معيناً ولم يسمه المسا كين أو قلده أو أشعره من غير نذر أكل منه بعد بلوغه محله ولم يأكل منه قبله، وإن عين النذر الما كين
أو نوى ذلك حين التقليد والإشعار لم يأكل منه قبل ولا بعد، والحاصل أن النذر المعين للمساكين لا يجوز له الأكل منه
مطلقا عند مالك ، وأن النذر المضمون للمسا كين حكمه عند المالكية حكم جزاء الصيد وفدية الأذى فيمتنع الأكل منه
٢٢٢

مرجاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
بعد بلوغه محله ويجوز قبله، لأنه باق فى الذمة حتى يبلغ محله، وأما النذر المضمون الذى لم يسم المساكين كقوله: قته
على نذر أن أتقرب إليه بنحر هدى. فله عند المالكية الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده، وقد تقدم أن هدى التطوع إن
عطب فى الطريق لا يجوز له الأكل منه عند المالكية، وذهب أحمد فى المشهور عنه إلى أنه لا يؤكل من الهدايا إلا
دم التمتع والقران والتطوع، وبه قالت الحنفية كما سيأتى. قال الحافظ فى الفتح تحت ما روى البخارى عن ابن عمر معلقا
أنه قال: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر و يؤكل من سوى ذلك: وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول مالك
وزاد •إلا فدية الأذى)) والرواية الأخرى عن أحمد ((لا يؤكل إلا من هدى التطوع والتمتع والقران، وهو قول الحنفية
بناء على أصلهم أن دم التمتع والقران دم نسك لا دم جبران - انتهى. وقال الخرقى: ولا يأكل من كل واجب إلا من
هدى التمتع ، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٤١): المذهب أنه يأكل من هدى التمتع والقران دون ما سواهما نص عليه
أحمد، ولعل الخرقى ترك ذكر القران لأنه متعة أو اكتفى بذكر المتعة لأنهما سواء فى المعنى، فإن سببهما غير محظور
فأشبها حدى التطوع، وهذا قول أصحاب الرأى وعن أحمد أنه لا يأكل من المنذور وجزاء الصيد ويأ كل مما سواهما،
وهو قول ابن عمر وعطاء والحسن وإسحاق، لأن جزاء الصيد بدل والنذر جعله الله تعالى بخلاف غيرهما. وقال ابن
أبى موسى: لا يأكل أيضا من الكفارة ويا كل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك لأن ما سوى ذلك لم يسمه
المساكين ولا مدخل للإطعام فيه فأشبه التطوع، وقال الشافعى: لا ياكل من واجب لأنه هدى وجب بالإحرام،
فلم يجز الأكل منه كدم الكفارة، ولنا أن أزواج النبي مؤلم تمتعن معه فى حجة الوداع وأدخلتٍ عائشة الحج على
العمرة فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن التى تَّم البقرة فأكلن من لحومها ، قال أحمد: قد أكل من البقرة أزواج النبي
مَّ فى حديث عائشة خاصة، وقال ابن عمر: تمتع رسول اللّه مؤتم بالعمرة إلى الحج فساق الهدى من ذى الحليفة، متفق
عليه. وقد ثبت أن النبي مؤثّه أمر من كل بدنة يضعة ، فجعلت فى قدر فأ كل هو وعلى من لحمها وشربا من مرتها ، رواه
مسلم. ولأنهما دماء نسك فأشبها التطوع ولا يؤكل من غيرهما لأنه يجب بفعل محظور فأشبه جزاء الصيد، فأما هدى
التطوع وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن واجب فى ذمته ، وما نحره تطوعا من غير أن يوجبه فيستحب
أن يأكل منه لقول الله تعالى ﴿فكلوا منها - ٢٢: ٢٨ ) وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولأن النبي مؤتم أكل من
بدنة. وقال جابر: كنا لا نأكل من بدنا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي مُئع فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا،
رواه البخارى، وإن لم يأ كل فلا بأس فإن النبي مَّم لما نحر البدنات الخمس قال: من شاء اقتطع ولم يأكل منهن شيئًا-
انتهى. وقال فى الهداية: يجوز الأكل من هدى التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك فيجوز الأكل منها بمنزلة
الإضحية، وقد صح أن النبي تَّ أ كل من لحم هديه وحسا من المرقة، ويستحب له أن يأكل منها لما روينا وكذلك
٢٢٣

مرجة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
رواه مسلم.
٢٦٦٠ - (١٠) وعن جابر، قال: تحرنا مع رسول اللّه وري عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة
عن سبعة.
يستحب أن يتصدق على الوجه الذى عرف فى الضحايا، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا لأنها دماء كفارات - انتهى.
وقال فى شرح اللباب: الهدى على نوعين ، هدى شكر وهو هدى المتعة والقران والتطوع ، وهدى جبر وهو سائر الدماء
الواجبة ما عدا الثلاثة، وكل دم وجب شكرا فلصاحبه أن يأكل منه ما شاء ولا يتقيد بعض منه ويؤكل الأغنياء والفقراء،
ولا يجب التصدق لا بكله ولا بعضه،بل يستحب أن يتصدق بثلثه ویطعم ثلثه ويهدی للأ غنياء ثلثه ، وكل دم وجب جبرا
لا يجوز له الأكل منه ولو كان فقيرا ولا للأغنياء، ويجب التصدق بجميعه حتى لو استهلكه بعد الذبح كله أو بعضه لزمه
قيمته الفقراء فيتصدق بها عليهم - انتهى. ومذهب الشافعية أنه لا يجوزا كل شئى من الدماء الواجبة حتى دم التمتع
والقران ويجوز الأكل من دم التطوع مع وجوب التصدق ببعض لحمه. قال النووي: وكذا قال الأوزاعى وداود
الظاهرى: لا يجوز الأكل من الواجب، قال الشنقيطى بعد ذكر مذاهب الأئمة: الذى يرجحه الدليل فى هذه المسئلة هو
جواز الأ کل من هدی التطوع وهدى التمتع والقران دون غیر ذلك، والآ کل من ھدی التمتع لا خلاف فيه من بین
العلماء بعد بلوغه محله، وإنما خلافهم فى استحباب الأكل منه أو وجوبه، ومعلوم أن النبي مَّ ثبت عنه فى الأحاديث
الصحيحة فى حجة الوداع أنه أهدى مائة من الايل، ومعلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوع ، وقد أكل منها وشرب
من مرتها جميعا. وأما الدليل على الأكل من هدى التمتع والقران فهو ما ثبت فى الصحيح أن أزواج التي ٹے ذبح
عنهن التي تزيثير بقرا ودخل عليهن بلحمه وهن متمتعات وعائشة منهن قارنة وقدأ کلن جمعاً مما ذبح عنهن فى تمتعهن وقرائهن
بأمره مَثّ، وهو نص صحيح صريح فى جواز الأكل من هدى التمتع والقرآن، أما غير ما ذكرنا من الدماء فلم يقم دليل
يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله فى عموم قوله تعالى ﴿فكلوا منها) لأنه لترك واجب أو فعل
محظور، فهو بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط، والعلم عند الله تعالى- انتهى (رواه مسلم) وأخرجه
أيضا أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى (ج ٥: ص ٢٤٣) وفى الباب أيضا عن ذويب أبى قبيصة عند أحمد ومسلم وابن
ماجة والبيهقى ، وعن ناجية الخزاعى وسيأتى فى الفصل الثانى، وعن عمرو بن خارجة الثمالى عند أحمد (ج ٤: ص ١٨٧،
٢٣٨) والطبرانى فی الکبیر وعن أبى قتادة عند الطبر انى فى الأوسط وعن شهر بن حوشب عن الأنصاری صاحب بدن
التي تَّ عند أحمد (ج ٤: ص ٦٤).
٢٦٦٠ - قوله (عام الحديبية) بالتخفيف وقيل بالتشديد (البدنة) أى الابل (عن سبعة والبقرة عن سبعة) ظاهره
٢٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٩.
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
أن البقرة لا تسمى بدنة وهو كذلك بالنسبة لغالب استعمالها فى القاموس البدنة محركة، من الإبل والبقر كالإضحية
من الغتم تهدى إلى مكة للذكر والأنثى، وفى الصحاح الجوهرى: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، وفى النهاية: البدعة تقع
على الجمل والناقة والبقرة وهى بالايل أشبه، وقال فى الفتح: إن أصل البدن من الابل وألحقت بها البقرة شرعا - انتهى .
والحديث فيه دليل على جواز اشتراك السبعة فى الهدى من البدعة وهو قول الجمهور، وعن داود وبعض المالكية
يجوز فى هدى التطوع دون الواجب، وعن مالك لا يجوز مطلقا ، وأولت المالكية حديث جابر بوجوه كلها تكافات
باردة من شاء الوقوف عليها رجع إلى شرحى الموطأ الزرقانى والباجى. وأجاب إسماعيل القاضى عن حديث جابر
بأنه كان بالحديبية حيث كانوا محصرين، وهذا الجواب لا يدفع الاحتجاج بالحديث بل ثبت عن جابر عند مسلم أمهم
اشتركوا الاشتراك المذكور معه مريضتم أيضا فى حجه ولاشك أن المراد بحجه حجة الوداع لأنه لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها.
روى مسلم عن جابر قال اشتركنا مع النبي مؤثر فى الحج والعمرة كل سبعة منافى بدنة فقال رجل لجابر: أيشترك فى البقرة
ما يشترك فى الجزور؟ فقال ماهى إلا من البدن، وفى لفظ له عنه، قال: خرجنا مع رسول الله رَح مهلين بالحج فأمرنا رسول
الله ◌َفع أن يشترك فى الإبل والبقر كل سبعة منا فى بدنة. وفى لفظ له عنه أيضا«قال: حججنا مع رسول الله ،آتم فتحرنا
البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة. وفى لفظ له عنه وهو يحدث عن حجة التي تقع فان فأمرنا إذا أحلنا أن نهدى ويجتمع
النفرمنا فى الهدية ، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم. وهذا يدل على صحة أصل الاشتراك. وفى لفظ له عنه أيضا
قال: كنا تمتع مع رسول الله مثل فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها - انتهى. فهذه الروايات الصحيحة تدل على أن
دم التمتع يكفى فيه الاشتراك السبع فى بدنة أو بقرة ويدل على جواز الاشتراك أيضا ما رواه البخارى عن أبى جمرة
قال سألت ابن عباس عن المتعة فأمرنى بها وسألته عن الهدى فقال فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك فى دم - انتهى.
قال الحافظ: قوله ((أو شرك)) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء، أى مشاركة فى دم أى حيث يجزئى الشفى الواحد عن
جماعة، وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله مَّ مهلين بالحج فأمرنا رسول اللّه ◌َفيم أن
تشترك فى الإبل والبقر كل سبعة منا فى بدنة. وقال الشنقيطى: قوله ((أو شرك فى دم)) يعنى به ما بينته الروايات المذكورة
الصحيحة عن جابر أن البدنة والبقرة كلتاهما تكفى عن سبعة من المتمتعين وأجاب إسماعيل القاضى عن حديث ابن عباس
هذا بأنه خالف أبا جمرة فى ذكره الاشتراك المذكورثقات أصحاب ابن عباس فرووا عنه أن ما استيسر من الهدى شاة،
ثم ساق ذلك بأسانيد صحيحة عنهم عن ابن عباس. قال: وحدثنا سليمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين
عن ابن عباس، قال: ما كنت أرى أن دماواحدايقضى عن أكثر من واحد - انتهى. قال الحافظ: ليس بين رواية أبى
جمرة ورواية غيره منافاة، لأنه زاد عليه، ذكر الاشتراك ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما أراد ابن عباس بالاقتصار على
٢٢٥

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
رواه مسلم.
٢٦٦١ - (١١) وعن ابن عمر، أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قياما
الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدى بالايل والبقر وذلك واضح فيما سنذكره بعدهذا ، وأما رواية محمد عن ابن عباس
فنقطعة ومع ذلك لو كانت متصلة احتمل أن يكون ابن عباس أخبر أنه كان لا يرى ذلك من جهة الاجتهاد حتى صح
عنده النقل بصحة الاشتراك فأفى به أباجمرة، وبهذا تجتمع الأخبار وهو أولى من الطعن فى رواية من أجمع العلماء على
توثيقه والاحتجاج بروايته، وهو أبو جمرة الضبعى، وقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك ، ثم رجع عن ذلك
لما بلغته السنة، ثم ذكر الحافظ رجوع ابن عمر عن ذلك عن أحمد بسنده من طريق الشعبى عن ابن عمر ، واستدل
بقوله «كل سبعة منا فى بدنة، من قال «عدل البدنة سبع شیاء، وهو قول الجمهور أی فی الهدى والاضحية کلیها ، وادعى
الطحاوى و ابن رشد أنه إجماع وتعقبعليهما بأن الخلاف فى ذلك مشهور حكاه الترمذى فى سنته عن إسحاق بن راهويه
وكذا الحافظ فى الفتح، وقال: هو (أى إجزاء البدنة عن عشرة) إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهب ابن
خزيمة من الشافعية واحتج له فى صحيحه وقواه، واحتج له ابن حزم وكذا ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج أنه مزدل
قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير - الحديث. وهو فى الصحيحين ، واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس، قال كنا مع النبي
وَّثة فى سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة ، رواه الخمسة إلا أبا داود، ويجاب عنه بأنه
خارج عن محل النزاع لأنه فى الاضحية، فإن قالوا يقاس الهدى عنيها، قلنا: هو قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النصوص
ويجاب عن حديث رافع أيضا بمثل هذا الجواب لأن ذلك التعديل كان فى القسمة وهى غير محل النزاع ، وأيضا حديث
جابر فى خصوص الهدى والأخص فى محل النزاع مقدم على الأعم ، ويؤيد كون البدنة عن سبعة فقط أمره مَثّة لمن لم
يجد البدنة أن يشترى سبعا فقط، ولو كانت تعدل عشرا لأمره بإخراج عشر لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد ومالك فى الأضاحى والترمذى فى الحج وابن ماجه فى الأضاحى وابن حبان والبيهقى
(ج ٥ : ص ٢٣٤) وغيرهم.
٢٦٦١ - قوله (وعن ابن عمر أنه) أى ابن عمر (أتقى) أى مر (على رجل) أى بمنى كما فى مسند أحمد، وهذا
الرجل لم يعرف ولم يسمه أحد من أصحاب الأصول (قد أناخ بدتته ينحرها) أى حال كونه يريد نحرها، وهذا لفظ
البخارى، ولمسلم ((وهو ينحر بدتته باركة)) (ابعثها) أى أقمها (قياما) قال القارى: حال مؤكدة أى قائمة، وقد محت
الرواية بها، وعاملها محذوف دل عليه أول الكلام أى انحرما قائمة لا ابعثها، لأن البعث إنما يكون قبل القيام، اللهم إلا
أن تجعل حالا مقدرة أى ابعثها مقدرا قيامها، وقال الحافظ: قوله ((ابعثها، أى أثرما يقال: بعثت الناقة أثرتها، وقوله
٢٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
مقيدة، سنة. محمد ڑ۴﴾.
(قياما، مصدر بمعنى قائمة وهى حال مقدرة، أو قوله ((ابعثها)) أى أقمها أو العامل محذوف تقديره انحرها، وقد وقع فى
رواية عند الإسماعيلى «انحر ها قائمة)) (مقيدة) حال ثانية أى معقولة الرجل قائمة على ما بقى من قوائمها، ولأبى داود من حديث
جابر أن النبي ◌َّ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقى من قوائمها (سنة محمد مزيل) بنصب سنة
على المفعولية أى فاعلا بها سنة محمد أو متبعا سنة محمد ، ويجوز رفعه خبرا لمبتدأ محذوف، ويدل عليه رواية الحربى فى
المناسك بلفظ «فقال له انحرها قائمة فإنها سنة محمد)، والحديث يدل على استحباب نحر الابل قياما مقيدة، قال الباجى: وهو
مذهب مالك وجمهور الفقهاء غير الحسن البصرى فى قوله ((تنحر باركة)) والأصل فى ذلك حديث أنس عند البخارى أن
النبي ◌ُوثّ نحر يده سبعة بدن قياما. قال الشيخ أبو بكر: إنما كان ذلك فى الابل لأنه أمكن لمن ينحرها لأنه يطعن فى
لبتها، وأما البقر والغنم التى سنتها الذنح فإن إضجاعها أمكن لتناول ذبحها ، فالسنة إضجاعها ، وروى محمد عن مالك أن
الشأن أن تنحر البدن قائمة قد صفت يداها بالقيد، وقال ذلك ابن حبيب فى قوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف-
٢٢: ٣٦) وقد روى محمد عن مالك أيضا «لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها)) - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣:
ص ٤٣١): السنة نحر الايل قائمة معقولة يدها اليسرى فيضربها بالحربة فى الوحدة التى بين أصل العنق والصدر، ومن
استحب ذلك مالك والشافعى وإسحاق وابن المنذر، واستحب عطاء نحرها باركة (وهذا مخالف للسنة) وجوز الثورى
وأصحاب الرأى كل ذلك، ولنا حديث ابن عمر عند الشيخين وحديث جابر عند أبي داود. وفى قول الله تعالى:
﴿وجبت جنوبها﴾ دليل على أنها تتحرقائمة، ويروى فى تفسير قوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف) أى قياما
وتجزئه كيف ما نحر. قال أحمد: ينحر البدن معقولة على ثلاث قوائم، وإن خشى عليها أن تنفر أناخها - انتهى.
قلت: وبذلك قالت الحنفية، ففى المضمرات: السنة أن ينحر البعير قائما، وتذبح الشاة والبقرة مضطجعة ، ذكره ابن
عابدين. وفى الهداية: الأفضل فى البدن النحر، وفى البقر والغنم الذبح، ثم إن شاء نحر الايل فى الهدايا قياما أو اضجها
وأى ذلك فعل فهو حسن، والأفضل أن ينحرها قياما لما روى أنه مَثّ نحر الهدايا قياما وأصحابه كانوا ينحرونها قياما
معقولة يدها اليسرى - انتهى. وقال ابن الهمام بعد ذكر حديث جابر عن أبى داود المتقدم: وإنما سن التى تَّ النحر
قياما عملا بظاهر قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها - ٢٢: ٣٦ ) والوجوب السقوط، وتحققه فى حال القيام أظهر.
قال: والاستدلال بقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ أظهر، وقد فسره ابن عباس بقوله قياما على ثلاث
قوائم، وهو إنما يكون بعقل الركبة، والأولى كونه اليسرى للاتباع، رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم.
قال: والحاصل أن القيام أفضل، فإن لم يتسهل فالقعود أفضل من الاضطجاع - انتهى. قال الحافظ فى الفتح: فى
حديث ابن عمر استحباب نحر الايل على الصفة المذكورة، وعن الحنفية يستوى نحرها قائمة وباركة فى الفضيلة - انتهى
٢٢٧

مرعاة المفاتيح ج ١٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
متفق عليه.
٢٦٦٣ - (١٢) وعن على، قال: أمرنى رسول اللّه ◌َيعلى أن أقوم على بدنه، وأن أقصدق بلحمها وجلودها
قلت: هذا خلاف ما وقع فى عامة فروع الحنفية كما تقدم ، ولعل منشأ ما حكى الحافظ والنووى عن الحنفية من استواء
البروك والقيام فى الفضيلة هو ما ذكره ابن الهمام فى فتح القدير عن أبى حنيفة نحرت بدنة قائمة فكدت أهلك قياما من
الناس، لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك إلا باركة معقولة، وأستعين عليه بمن هو أقوى منى - انتهى. وهذا
كما ترى مبنى على خشبة النفور لا مطلقا. قال الحافظ: وفى الحديث تعليم الجاهل وعدم السكوت على مخالفة السنة وإن
كان مباحا، وفيه أن قول الصحابي ((من السنة كذا) مرفوع عند الشيخين لاحتجاجهما بهذا الحديث فى مصحيحيهما
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٣) وأبو داود والنسائى والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ٢٣٧).
٢٦٦٢ - قوله (أن أقوم على بدنه) بضم الياء وسكون الدال جمع بدنة، والمراد بدنه التى أهداما إلى مكد فى
حجة الوداع ومجموعها مائة كما تقدم، وفيه جواز الإنابة فى نحر الهدى وتفرقته. قال الحافظ: قوله ((أن أقوم على بدنه))
أى عند نحرها للاحتفاظ بها، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، أى على مصالحها فى علفها ورعيها وسقيها وغير
ذلك (وأن أتصدق بلحمها) المراد أنه يقسم لحومها على المساكين إلا ما أمر به من كل بدنة ببضعة نطبخت كمام فى
حديث جابر الطويل (وجنودها) قال الكرمانى: فيه أنه لا يجوز بيع جلود الهدايا والضحايا كما هو ظاهر الحديث إذ
الأمر حقيقة فى الوجوب - انتهى. وتعقبه فى اللامع فقال: فيه نظر، فذلك صيغة افعل لا لفظ أمر. وقال الحافظ:
استدل به على منع بيع الجدد. قال القرطبى: فيه دليل على أن جلود الهدى وجلالها لاتباع لعطفها على اللحم وإعطاءما
حكمه ، وقد اتفقوا على أن لحها لا يباع فكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو
وجه عند الشافعية ، قالوا ويصرف ثمنه مصرف الاضحية. واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به
وكل ما جاز الانتفاع به جاز بعه وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدى التطوع، ولا يلزم من جواز
أكله جواز بيعه وأقوى من ذلك فى رد قوله ما أخرجه أحمد فى حديث قتادة بن النعمان مرفوعا «لا تبيعوا لحوم
الأضاحى والهدى وتصرفوا وكلوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوا، وإن أطعمتم من لحومها فكلوا إن شتم» - انتهى
كلام الحافظ. وقال النووى فى شرح المهذب: مذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الهدى والاضحية ولا غيره من أجزائها
لا بما يتفع به فى البيت ولا بغيره، وبه قال عطاء ومالك وأحمد وإسحاق، هكذا حكاه عنهم ابن المنذر، ثم حكى عن
ابن عمر وأحمد وإسحاق أنه لا بأس أن يبيع جاد هديه ويتصدق بثمنه، قال: ورخص فيه أبو ثور، وقال النخعى
والأوزاعى: لا بأس أن يشترى به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوهما - انتهى. قلت: ونحوه مذهب الحنفية،
٢٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
وأجلتها ،
ففى الدر المختار: ويتصدق بجلدها أو يعمل منه نحو غربال وجراب وقربة وسفرة ودلو أو يبدله بما ينتفع به باقيا
لا بمستهلك كخل ولجم ونحوه كدراهم، فإن بيع اللحم أو الجلد به أى بمستهلك أو بدراهم تصدق بثمنه، ومفاده صحة
البيع (وهو قول أبي حنيفة ومحمد كما فى البدائع) مع الكراهة، وعن أبى يوسف باطل لأنه كالوقف ـ انتهى. فالنهى
فى حديث قادة محمول عندهما على الكرامة أو على البيع مع الانتفاع بثمنه، وقال ابن عابدين: أفاد أى صاحب الدر المختار
أنه ليس له بيعهما بمستهلك وأن له بيع الجلد بما تبقى عينه، وسكت عن بيع اللحم للخلاف فيه، ففى الخلاصة وغيرها :
لو أراد بيع اللحم ليتصدق بثمنه ليس له ذلك، وليس له فيه إلا أن يطعم أو يأكل - انتهى. والصحيح كما فى الهداية
وشروحها أنهما سواء فى جواز بيعهما بما ينتفع بعينه دون ما يستهلك، وأيده فى الكفاية بما روى ابن سماعة عن محمد:
لو اشترى باللحم ثوبا فلا بأس به - انتهى. قلت: ظاهر حديث قنادة بن النعمان أنه لا يجوز بيع جلد الهدى والاضحية
ولحمهما مطلقا لا بما يتفع بعينه ولا بمستهلك، والله أعلم (وأجلتها) بكسر الجيم وتشديد اللام جمع جلال بكسر الجيم
وتخفيف اللام وهى جمع جل بضم الجيم وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه، وفيه دليل على مشروعية
تجليل البدن، وهو مستحب وليس بواجب، قال الأبى فى الاكمال: تحليل البدن ليس بلازم ولكن مضى عليه عمل السلف
وأئمة الفتوى، وتجلل بعد الإشعار لثلا تتلطخ بالدم، والجلال على قدر سعة المهدى - انتهى. وفى شرح مسلم النووى
((قال القاضى: التحليل سنة وهو عند العلماء مختص بالابل وهو مما اشتهر من عمل السلف، قال: ومن رآه مالك والشافعى
وأبو ثور وإسحاق، قالوا ويكون بعد الإشعار لتلا يتلطخ بالدم، قالوا: ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال
المهدى وكان بعض السلف يحلل بالوشى وبعضهم بالحبرة وبعضهم بالقباطى والملاحف والأزر، قال مالك: وتشق على الأسنمة
إن كانت قليلة الثمن لثلا تسقط، قال مالك: وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر استبقاء الثياب، لأنه كان يحلل الجلال
المرتفعة من الأنماط والبرود والحبر ، قال: وكان لا يحلل حتى يغدو من منى إلى عرفات ، قال: وروى عنه أنه كان
يحلل من ذى الحليفة، قال: وكان يعقد أطراف الجلال على أذنابها، فإذا مشى ليلة نزعها ، فإذا كان يوم عرفة جللها
فإذا كان عند النحر نزعها لتلا يصيبها الدم. قال مالك: وأما الجل فينزع فى الليل لثلا يخرقها الشوك. قال: واستحب
إن کانت الجلال مرتفعة أن یترك شقها وأن لا يحللها حتی یغدو إلى عرفات ، فإن کانت بشمن یسیر فن حين يحرم يشق
ويحلل ، قال القاضى: وفى شق الجلال على الأسنمة فائدة أخرى وهى إظهار الاشعار لئلا يستر تحتها ، وفى هذا
الحديث الصدقة بالجلال وهكذا قاله العلماء، وكان ابن عمر أولا يكسوها الكعبة، فما كسيت الكعبة تصدق بها -
انتهى. قال الباجى: معنى ذلك أن جلال البدن كانت كسوة الكعبة وكانت أولى بها من غيرها، فلما كسيت الكعبة
وأى أن الصدقة بها أولى من غير ذلك، لأن الهدى وإن كان له تعلق بالبيت فإن مصرفه إلى المساكين ومستحقى
٢٢٩

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
وأن لا أعلى الجزار منها، قال:
الصدقة، ويحتمل أن یکون ابن عمر کان یکسر جلال بدنه الکعبة قبل أن يعلم أن النبي ◌ُٹے کان يقسم جلال بدنه، فلما
على ذلك رجع إليه وأخذ به - انتهى. قال القسطلانى. قال الشافعى فى القديم: ويتصدق بالتعال وجلال البدن.
وقال المهلب : لیس التصدق محلال البدن فرعنا وإنما صنع ذلك ابن عمر لأنه أراد آن لا يرجع فى شتى أمداه لله ولا فى
شئ أضيف إليه - انتهى. وقال المرداوى من الحنابلة فى تنقيحه: وله أن ينتفع بجلدها وجلها أو يتصدق به
ويحرم بيعهما وشئى منهما. وقال المالكية: وخطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها فحيث يكون اللحم مقصورا على
المساكين يكون الجلال والخطام كذلك، وحيث يكون اللحم مباحا للأغمياء والفقراء يكون الخطام والجلال كذلك
تحقيقا للتبعية، فليس له أن يأخذ من ذلك، ولا يأمر بأخذه فى الممنوع من أكل لحمه، فإن أمر أحدا بأخذ شفى من ذلك
أو أخذ هو شيئًا رده، وإن أتلفه غرم قيمته للفقراء، وقال العينى من الحنفية: وقال أصحابنا: يتصدق بجلال المدى
وزمامه لأنه عليه الصلاة والسلام أمر عليا بذلك، والظاهر أن هذا الأمر أمر استحباب - اتهى. وقال محمد فى موطأ.
بعد رواية أثر ابن عمر فى التصدق بجلال بدنه، وبهذا نأخذ، ينبغى أن يتصدق بجلال البدن وخطمها ولا يعطى الجزار
من ذلك شيئا ولا من لحومها ، بلغنا أن النبي تَّ بعث مع على بن أبى طالب بهدى فأمر أن يتصدق بجلاله وخطمه
وأن لا يعطى الجزار من خطمه وجلاله شيئًا - انتهى (وأن لا أعطى الجزار) أى شيئًا (منها) المراد منع عطية الجزار
من الهدى عوضا عن أجرته كما بينته رواية أخرى لمسلم بلفظ «ولا يعطى فى جزارتها منها شيئًا، قال ابن الأثير: الجزارة
بالضم كالعمالة، ما بأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير: الرأس واليدان والرجلان، سميت
بذلك لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته - انتهى. قال ابن خزيمة: النهى عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطى منها
عن أجرته، وكذا قال البغوى فى شرح السنة، قال: وأما إذا أعطى أجرته كاملة ثم تصدق عليه إذا كان فقيراكا
يتصدق على الفقراء فلا بأس بذلك، وقال غيره: إعطاء الجزار منها على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة وأما أعطاه
صدقة أو هدية أو زيادة على حقا فالقياس الجواز. قال الحافظ: ولكن اطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة
مثلا تقع مسامحة فى الأجرة لأجل ما يأخذه فيرجع إلى المعاوضة. قال القرطبي: ولم يرخص فى إعطاء الجزار منها فى
أجرته إلا الحسن البصرى وعبد الله بن عبيد بن عمير، قال: وفى حديث على من الفوائد: سوق الهدى
والوكالة فى نحر الهدى والاستجار عليه، والقيام عليه وتفرقته، وأن من وجب عليه شئ لله فله تخليصه ونظيره الزرع
يبعلى عشره ولا يحسب شيئا من نفقته على المساكين - انتهى (قال) أى على أو التى تبث وهو الأظهر، قاله القارى.
وقوله ((قال)) كذا فى نسخ المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع فى جامع الأصول وفى بعض طرق أحمد وبعض نسخ مسلم،
ووقع فی بض نسخه وبعض طرق أحمد «وقال، أى بزيادة الواو ، وهكذا ذکره الزیلمی والمجد ، ومکذا وقع فى سنن
٢٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
نحن نعطيه من عندنا. متفق عليه.
٢٦٦٣ - (١٣) وعن جابر، قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا رسول الله
زي ، فقال: كلوا وتزودوا. فأكلنا وتزودنا.
أبي داود وابن ماجه، والبيهقى بلفظ «ثم قال» (نحن نعطيه) أى أجرته (من عندنا) وفى رواية أحمد (ج ١: ص ١٢٣)
«وقال: نحن نعطيه من عندنا الأجر» (متفق عليه) أى على أصل الحديث، لأن قوله «قال: ونحن نعطيه من عندنا)
ليس عند البخارى بل لمسلم فقط، وهكذا أخرجه أحمد (ج ١: ص ٨٩، ١٢٣، ١٥٤) وأبو داود وابن ماجه وابن الجارود
(ص ١٧٣) والبيهقى (ج ٥: ص ٢٤١) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١، ص ١١٢، ١٣٢، ١٦٠) والدارمى وابن
الجارود بدون الزيادة المذكورة .
٢٦٦٣ - قوله (كنا لا تأكل من لحوم بدتنا) أى التى نهديها ونضحى بها (فوق ثلاث) وفى الصحيحين ((فوق
ثلاث من، قال القسطلانى: بإضافة ثلاث إلى منى أى الأيام الثلاثة التى يقام بها بمنى وهى الأيام المعدودات. وقال فى
المصابيح: والأصل ثلاث ليال من كما فى قولهم ((حب رمان زيد، فإن القصد إضافة الحب المختص بكونه للرمان إلى زيد،
ومثله ابن قيس الرقيات ، فإن المتلبس بالرقيات ابن قيس لا قيس. قال الشيخ سعد الدين التفتازانى: وتحقيقه أن مطلق
الحب مضاف إلى الرمان، والحب المقيد بالإضافة إلى الرمان مضاف إلى زيد، قال الدمامينى: وفيه نظر فتأمله (فرخص
لنا رسول الله ) قال الطبي: نهى أولا أن يؤكل لحم الهدى والاضحية فوق ثلاثة أيام ثم رخص (فقال: كلوا
وتزودوا) أى ادخروا ما تزودونه فيما تستقبلونه مسافرين أو مجاورين، وفى رواية لمسلم « كنا لا نمسك لحوم
الأضاحى فوق ثلاث فأمر الني وزيل أن نتزود منها وتأكل منها يعنى فوق ثلاث)، وفى أخرى له أيضا «أنه نهى عن أكل
لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد «كلوا وتزودوا وادخروا، (فأكلنا وتزودنا) هذا البخارى وحده ، وانتهت رواية
مسلم إلى قوله ((كلوا وتزودوا)، وفيها بعد هذا «قلت (قائله ابن جريج) لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال
فعم)». ووقعت هذه الزيادة عند البخارى بعد قوله «فأ كلنا وتزودنا)، بلفظ ((قال (أى ابن جريج): قلت لعطاء: أ قال
حتى جئنا المدينة؟ قال لاء قال النووى: فيحتمل أنه نسى فى وقت فقال لا، وذكر فى وقت فقال نعم. وقال الحافظ:
والذى وقع عند البخارى هو المعتمد، فإن أحمد أخرجه فى مسنده عن يحيى بن سعيد (أى عن ابن جريج) كذلك، وكذلك
أخرجه النساقى عن عمرو بن على عن يحيى بن سعيد، وقدنبه على اختلاف البخارى ومسلم فى هذه اللفظة الحيدى فى جمعه وتبعه
عياض ولم يذكرا ترجميعا، وأغفل ذلك شراح البخارى أصلا فيما وقفت عليه، قال ثم ليس المراد بقوله ((لا)، فنى الحكم، بل مراده
أن جابرا لم يصرح باستمرار ذلك منهم حتى قدموا، فيكون على هذا معنى قوله فى رواية عمرو بن دينار عن عطاء«كنا نتزود لحوم
الهدى إلى المدينة، أى توجهنا إلى المدينة، ولا يلزم من ذلك بقائها معهم حتى يصلوا المدينة والله أعلم، لكن قد أخرج
٢٣١
.

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
مسلم من حديث ثوبان قال : ذمج النبی بُێے أضحيته، ثم قال لی یا ثوبان أصلح لحم هذه فلم أزل أطعمه منه حتى قدم
المدينة - انتهى. قيل: قول الحافظ: بل المراد أن جابرا لم يصرح باستمرار ذلك، إلخ. معناه جواز البقاء وعدمه فى
نفس الأمر لا وقوع أحدهما على القطع، ورواية عمرو بن دينار عن عطاء أخرجها الشيخان بلفظ ((كنا نتزود لحوم
الأضاحى على عهد رسول اللّه ◌َوفيه إلى المدينة)) قال على بن المدينى: قال سفيان بن عيينة غير مرة: لحوم الهدى يعنى
أن سفيان كان تارة يقول: لحوم الأضاحى، ومرارا يقول: لحوم الهدى. والظاهر أن معنى هذه الرواية أنهم كانوا
يتزودون لحوم الهدى من مكة فيأكلون منه فى سفرهم إلى المدينة فإن بقى منهم شئ أكاوه بالمدينة فى الحضر أيضا كما
يستفاد من رواية أحمد عن جابر قال («أكلنا مع رسول الله عزّ القديد بالمدينة من قديد الأضحى» يعنى قديد هدى يوم
الأضحى. ولا مانع من کونهم أهدوا وضحوا وتزودوا من لحی الهدى والضحية، فإن كان لحم هدی فهو من هدى
التطوع الذى يهدى إلى البيت، ومن هدى المتعة ، وإن كان لحم ضحية فهو دليل لمن قال بمشروعية الضحية للحاج،
وعلى كل حال فهو يفيد جواز الأكل من هدى التطوع والواجب أى المتعة والضحية وادخاره والتزود منه، والله
أعلى، هذا وحديث جابر نص فى جواز الادخار والأكل من لحوم الهدى والاضحية فوق ثلاث ، وهذا يخالف ما
رواه مسلم عن على بن أبى طالب أن رسول الله عَّه نهانا أن تأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث. وفى لفظ أن رسول
اللّه عَّ قد نها كم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوا، وروى أيضا عن ابن عمر عن النبى وَلَّم قال:
لا يأكل أحدكم من لحم إضحيته فوق ثلاثة أيام. قال القاضى: اختلف العلماء فى الأخذ بهذه الأحاديث فقال قوم:
يحرم إمساك لحوم الأضاحى والأكل منها بعد ثلاث وأن حكم التحريم باق كما قاله على وابن عمر. وقال جماهير
العلماء: يباح الأكل والامساك بعد الثلاث، والنهى منسوخ بحديث جابر وحديث بريدة عند أحمد ومسلم والترمذى
وحديث عبد الله بن مسعود عند أحمد وحديث قتادة بن النعمان عند أحمد والطحاوى وغير ذلك من الأحاديث. قال:
وهذا من نسخ السنة بالسنة. وقال بعضهم: ليس هو نسخا بل كان التحريم لعلة، فلما زالت زال التحريم،
وتلك العلة هى الدافة، وكانوا منعوا من ذلك فى أول الإسلام من أجل الدافة فلما زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن
يأكلوا ويدخروا كما يدل عليه رواية مسلم من حديث مالك عن عبد الله بن أبى بكر عن عبد الله بن واقد قال: نهى النبي
مدّ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبى بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة
تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول اللّه موفّم فقال رسول الله مرثية: ادخروا ثلاثا ثم
تصدقوا بما بقى، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله! إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فيها الودك، فقال
رسول اللّه مَّة: وما ذاك؟ قالوا نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التى دفت،
٢٣٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
فكلوا وادخروا وتصدقوا. والمراد بالدافة هنا من ورد من ضعفاء الأعراب المواساة. وقيل: كان النهى الأول
للكرامة لا للتحريم ، قال هؤلاء: والكراهية باقية إلى يومنا هذا ولكن لا يحرم ، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلة اليوم
قدفت داقة واساهم الناس وحملوا على هذا مذهب على وابن عمر. والصحيح نسخ النهى مطلقا وأنه لم يبق
تحريم ولا كرامة ، فياح اليوم الادخار فوق ثلاث والأكل إلى متى شاء لصريح حديث جابر، وحديث بريدة أيضا
يدل على ذلك، فروى مسلم وأحمد والترمذى والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال
رسول الله څے: نهيتكم عن أكل لحومالأضاحى فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم. وفى رواية «فكلوا وتزودوا وادخروا))
قلت: حكى الحازمى فى الاعتبار عن على والزبير وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر أنهم قالوا: يحرم الامساك بلحوم
الأضاحى بعد ثلاث وأن حكم التحريم باق. قال: وخالفهم فى ذلك جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء
الأمصار ورأوا جواز ذلك وتمسكوا فى ذلك بأحاديث تدل على نسخ الحكم الأول، ثم ذكرما يدل على النسخ من حديث
جابر وبريدة وعائشة، وقال ابن قدامة (ج ٨: ص ٦٣٣) يجوز الادخار فوق ثلاث فى قول عامة أهل العلم ولم يجزه
على ولا ابن عمر، لأن النبي ◌َُّثّ نهى عن ذلك. ولنا قوله مَثّل: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى فوق ثلاث
فأمسكوا ما بدا لكم. رواه مسلم. وقال أحمد فيه أسانيد صحاح، فأما على وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول الله تربية
وقد كانوا سمعوا النهى فرووا على ما سمعوا - انتهى مختصرا. وقال الحافظ فى الفتح: قال الشافعى: لعل عليا لم يبلغه
النسخ. وقال غيره: يحتمل أن يكون الوقت الذى قال على فيه ذلك كان بالناس حاجة كما وقع فى عهد النبي ◌َٹے ،
وبذلك جزم ابن حزم فقال إنما خطب على بالمدينة فى الوقت الذى كان عثمان حوصر فيه ، وكان أهل البوادى قد
ألجأتهم الفتنة إلى المدينة فأصابهم الجهد، فلذلك قال على ما قال، وبنحو ذلك جمع الطحاوى. قال الحافظ: وكذلك
يجاب عما أخرج أحمد (فى مسند فاطمة (ج ٦: ص ٢٨٢) من طريق أم سليمان قالت: دخلت على عائشة فسألتها عن
لحوم الأضاحى، فقالت: قد كان النبي تَّ نهى عنها ثم رخص فيها فقدم على من سفر فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها
فقال: أو لم ينهعنه رسول اللّه عليه فقالت: إنه قد رخص فيها، قالت: فدخل على على رسول اللّه مزيج فسأله عن ذلك فقال
كلها من ذى الحجة إلى ذى الحجة. فهذا على قد اطلع على الرخصة ومع ذلك خطب بالمنع فطريق الجمع ما ذكرته، وقد
جزم به الشافعى فى الرسالة فى آخر باب العلل فى الحديث (ص ٢٣٩ بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر) فقال ما نصه:
فإذا دفت الدافة ثبت النهى عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإذا لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود
والادخار والصدقة. قال الشافعى: ويحتمل أن يكون النهى عن إمساك لحوم الأضاحى بعد ثلاث منسوخا فى كل
حال. قال الحافظ : وبهذا الثانى أخذ المتأخرون من الشافعية ، فقال الرافعى: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال ، وتبعه
٢٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
النووى فقال فى شرح المهذب: الصواب المعروف أنه لا يحرم الادخار اليوم بحال، وحكى فى شرح مسلم عن جمهور
العلماء أنه من نسخ السنة بالسنة قال: والصحيح نسخ النهى مطلقا وأنه لم يبق تحريم ولا كرامة فيباح اليوم الادخار فوق
ثلاث والأ كل إلى متى شاء - انتهى. وإنما رجح ذلك لأنه يلزم من القول بالتحريم إذا دفت الدافة إيجاب الإطعام،
وقد قامت الأدلة عند الشافعية أنه لا يجب فى المال حق سوى الزكاة. ونقل ابن عبد البر ما يوافق ما نقله النووى فقال:
لا خلاف بين فقهاء المسدين فى إجازة أكل لحوم الأضاحى بعد ثلاث وأن النهى عن ذلك منسوخ كذا أطلق ، وليس
بجيد ، فقد قال القرطبي: حديث سلمة (الآتى فى الفصل الثالث) وعائشة نص على أن المنع كان لعلة فلما ارتفعت ارتفع
لارتفاع موجبه فتعين الأخذ به، ويعود الحكم بعود العلة، فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون فى زمان الأضحى ولم
يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا تعين عليهم أن لا يدخروما فوق ثلاث. قال الحافظ :
والتقييد بالثلاث واقعة حال وإلا فلو لم تستد الخلة إلا بتفرقة الجميع لزم على هذا التقرير عدم الإمساك ولوليلة واحدة.
وحكى البيهقى عن الشافعى أن النهى عن أكل لحوم الأضاحى فوق ثلاث كان فى الأصل للتنزيه، قال: وهو كالأمر فى
قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القافع والمعتر - ٢٢: ٣٦] وقال المهلب: إنه الصحيح لقول عائشة: وليس بعزيمة
والله أعلم. فائدة: قال القرطبي: اختلف فى أول الثلاث التى كان الادخار فيها جائزا، فقيل أولها يوم النحرا فمن
ضحی فیه جاز له أن يمسك يومين بعده ، ومن ضحى بعده أمسك ما بقى له من الثلاثة. وقيل: أولها يوم يضحى فلو
ضحى فى آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثًا بعدها، ويحتمل أن يؤخذ من قوله فوق ثلاث (فى حديث على) أن لا
يحسب اليوم الذى يقع فيه النحر من الثلاث، وتعتبر الليلة التى تليه وما بعدها، قال الحافظ: ويؤيده ما فى حديث جابر
((كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث من، فإن ((ثلاث من)، تتناول يوما بعد يوم النحر لأهل النفر الثانى - انتهى.
وقال الشوكانى: قال القاضى عياض: يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبح الأضحية وإن ذبحت بعد يوم النحر
ويحتمل أن يكون من يوم النحر وإن تأخر الذبح عنه. قال: وهذا أظهر. ورجح الحافظ ابن القيم الأول. وهذا
الخلاف لا يتعلق به فائدة عند من قال بالنسخ إلا باعتبار ما سلف من الاحتجاج بذلك على أن يوم الرابع ليس من
أيام الذيح - انتهى. فائدة أخرى: اختلف فى أن النهى عن أكل لحوم الأضاحى وادخارها فوق ثلاث فى أى
سنة كان ؟ فقيل كان ذلك سنة خمس من الهجرة كما جزم به صاحب الخميس حيث قال: وفى هذه السنة دفت دافة العرب
فهى التى ونى عن ادخار لحوم الأضاحى فوق ثلاث، كذا فى الوفاء، ثم رخص لهم فى الادخار ما بدا لهم - انتهى
وقيل إن النهى عن ذلك كان فى سنة واحدة سنة تسع من الهجرة، والرخصة فيه كانت فى حجة الوداع سنة عشر ،
والدليل على ذلك ما جاء فى حديث قتادة بن النعمان عند أحمد أن النبي مَثّ قام فى حجة الوداع فقال: إنى كنت أمرتكم
٠
٢٣٤

مرعاة المفاتيح ج
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
متفق عليه.
الفصل الثانى
جملا
٢٦٦٤ - (١٤) عن ابن عباس، أن النى مؤيتم أهدى عام الحديبية فى هدايا رسول الله
کان لآبی جھل
أن لا تأكلوا الأضاحى فوق ثلاثة أيام لتسعكم، وإنى أحله لكم فكلوا منه ما شئتم - الحديث. ففيه بيان وقت الرخصة
وهو سنة حجة الوداع، ويستفاد من حديث سلمة بن الأكوع الآتى فى الفصل الثالث أن النهى كان فى العام السابق لعام
الرخصة، وثبت فى حديث قنادة المتقدم أن الرخصة كانت فى حجة الوداع أى سنة عشر ، فيكون النهى سنة تسع .
قال الحافظ بعد ذكر حديث قتادة: فبين فى هذا الحديث وقت الاحلال وأنه كان فى حجة الوداع. وقال فى شرح حديث
سلمة بن الأكوع: يستفاد منه أن النهى كان سنة تسع لما دل عليه الذى قبله أن الإذن كان فى سنة عشر - انتهى.
واعترض عليه أن قيامه مَّله بذلك فى حجة الوداع لا يوجب أن يكون ذلك وقت الاياحة والإحلال فقد أعلن النبى
وَّى فى حجة الوداع بأمور كثيرة كانت منهية عنها قبل ذلك كالمتعة والخمر الأهلية. وأيضا كان نسخ المنع حين كان
أبو سعيد الخدری فی سفر كما وقع فى روايته عند أحمد ومالك والشيخين وغيرم مفصلا، وقد كان مع التي ژٹے فى
حجة الوداع فهو كالنص فى أنه نسخ المنع قبل حجة الوداع، ووقع نحو هذه القصة مع على رضى الله عنه عند أحمد
فى مسند فاطمة من حديث عائشة كما تقدم، وهو أيضا يدل على أن نسخه وقع حين كان على فى السفر عند الأضحى
وقد كان معه مَّ فى حجة الوداع (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج ومسلم فى الأضاحى، وأخرجه أيضا أحمد.
وللحديث ألفاظ أخرى عند أحمد والشيخين ومالك فى الأضاحى والنسائى فى الحج، وقد تقدم ذكر بعضها .
٢٦٦٤ - قوله (أهدى عام الحديبية) بالتخفيف على الأفصح، وهى السنة السادسة من الهجرة، توجه فيها
رسول الله بَّ إلى مكة للعمرة فأحصره المشركون بالحديبية وهو موضع من أطراف الحل (فى هدايا) أى فى جملة
هدايا (رسول الله {وبية) من وضع المظهر موضع المضمر تنويها بذكره ،ثم فى مقابلة ذکر اسم أبى جمل(جملا) ذكر الايل
باتفاق أهل اللغة، ونقل الجوهرى عن ابن السكيت: إنما يسمى جملا إذا أربع أى دخل فى السنة الرابعة، وذكر المنذرى
أن اسم هذا الجمل عصيفير، قال القارى ((جملاء نصب بأهدى، و «فى هدايا) صلة له، وكان حقه أن يقول ((فى هداياه))
فوضع المظهر موقع المضمر، والمعنى جملا كائنا فى هداياه (كان لأبى جهل) أى عمرو بن هشام المخزومى فرعون هذه
الأمة الأحول، كنته العرب ((أبا الحكم، وكناه النبى مرَّة «بأبى جهل، فغلبت عليه هذه الكنية. قتل كافرا يوم بدر
ٹے مائة بدنة فيها جمل أحر لابى جمل.
فى السنة الثانية من الهجرة. وعند أحمد (ج ١: ص ٢٦٩): أهدى رسول الله
mF
٢٣٥

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
فى رأسه برة من فضة، وفى رواية: من ذهب. يغيظ بذلك المشركين.
وفى أخرى له أيضا (ج ١: ص ٢٦١): أن رسول اللّه مَلل قد كان أهدى جمل أبى جهل الذى كان استلب يوم بدر
عام الحديبية فى هديه (فى رأسه) أى أنفه (برة) بضم الموحدة وفتح الراء المخففة، وأصلها بروة كغرفة لأنها تجمع على
برات وبرون كثبات وثبون، وهى حلقة من صفر ونحوه تجعل فى أنف البعير أو لحمة أنفه ، يشد بها الزمام (من فضة)
كذا فى جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند أحمد (ج ١: ص ٢٦١ ، ٢٦٩، ٢٧٣) وابن ماجه
والبيهقى فى رواية وفى أبى داود (برة فضة، بالإضافة وهكذا ذكره فى جامع الأصول، أى فى أنفه حلقة فضة، فإن البرة
حلقة من صفر ونحوه تجعل فى لحم أنف البعير. وقال الأصمعى: فى أحد جانبى المنخرين، لكن لما كان الأنف من
الرأس قال «فى رأسه، على الاتساع، أو هو مجاز المجاورة من حيث قربه من الرأس لا من إطلاق الكل على البعض،
وعند أحمد (ج ١: ص ٢٣٤) «برته نهضة)) وإنما جعلها أبو جهل من فضة أو ذهب إظهارا للفخر والعظمة، وقد وقع
هذا الجمل للبي مُضم فى غائم بدر جيله فى هديه عام الحديبية ليغيظ به المشتركين كما سيأتى (وفى رواية ((من ذهب»)
ويمكن التعدد باعتبار المنخرين (يغيظ بذلك المشركين) بفتح حرف المضارعة أى يوصل الغيظ إلى قلوبهم فى نحر ذلك
الجمل، وفيه تديح إلى قوله تعالى: ﴿ليغيظ بهم الكفار -٢٩:٤٨ ) قال الخطابي: قوله «يغيظ بذلك المشركين، معناه أن
هذا اجمل کان معروفا بأیی جهل فازه النی پے فى سلبه فكان يغيظهم أن يروه فى يده وصاحبه قتيل سليب. وفى
الحديث دليل على جواز الذكر فى الهدى ، وإليه ذهب جماهير أهل العلم. قال الخطابي: فى الحديث من الفقه أن
الذكران فى الهدى جائزة ، وقد روى عن عبد الله بن عمر أنه كان يكره ذلك فى الايل، ويرى أن يهدى الإناث منها .
قلت: وترجم له البيهقى (باب جواز الذكر والأنثى فى الهدايا)، وابن ماجه (باب الهدى من الإناث والذكور» قال
البوصيرى: قوله ((أهدى فى بدنه جملا، أى ذكرا، وكأنه أراد أن النوق كانت هى الغالب، فإذا ثبت إهداء الذكور
لزم جواز النوعين - انتهى. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٥٠) والذكر والأنثى فى الهدى سواء، ومن أجاز ذكران
الايل ، ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومالك وعطاء والشافعى، وعن ابن عمر أنه قال: ما رأيت أحدا فاعلا ذلك،
وأن أنحر أنثى أحب إلى. والأول أولى، لأن الله تعالى قال: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله - ٢٢: ٣٦) ولم
يذكر ذكرا ولا أنثى، وقد ثبت أن النبي ◌َّم أهدى جملا لأبى جهل فى أنفه برة من فضة، ولأن القصد اللحم، ولحم
الذكر أوفر، ولحم الأنثى أرطب فيتساويان - انتهى. وقال النووى فى مناسكه: إن صفات الهدى المطلق كصفات
الإضحية المطلقة، ويجزئى الذكر والأنثى، وقال ابن حجر فى شرحه: والذكر أفضل إن لم يكثر نزواته، وإلا فالأنثى
التى لم تلد ـ انتهى. وفى المدونة: الذكور والإناث عند مالك بدن كلها، وتعجب مالك من يقول لا يكون إلا فى
الإناث. قال مالك: وليس هكذا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) ولم يقل ذكرا ولا
٢٣٦

منعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
رواه أبو داود.
أنثى، قلت لابن القاسم: فالهدى من البقر والغنم والابل هل يجوز من ذلك الذكر والأنثى فى قول مالك؟ قال نعم-
انتهى (رواه أبو داود) فى باب الهدى من كتاب المناسك، قال: حدثنا التفلى نا محمد بن سلمة ثنا محمد بن اسحاق ح
وثنا محمد بن المنهال نا يزيد بن زريع عن ابن إسحاق المعنى قال: قال عبد الله يعنى ابن أبى نجيح حدثى مجاهد عن ابن
عباس، وقد سكت عنه أبو داود. وقال المنذرى: فى إسناده محمد بن إسحاق، قلت: وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث
والسماع بل قال: قال عبد الله يعنى ابن أبي نجيح. وقال البيهقى: واختلف فيه على محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق فقيل
(برة فضة)) وقيل: من ذهب. ثم روى البيهقى بسنده عن عبد الله بن على المدينى عن أبيه قال: كنت أرى أن هذا من
صجميح - ديث ابن إسحاق فإذا هو قد دلسه. حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق قال حدثنى من
لا أتهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس، ثم روى البيهقى بسنده وكذا أحمد (ج ١: ص ٢٧٣) عن جرير
ابن حازم عن ابن أبى نجیح عن مجاهد عن ابن عباس أن التی میٹے أهدی فی مدیه بعیرا کان لأبى جهل فى أنفه برة من
فضة. قال البيهقى: وهذا إسناد صحيح إلا أنهم يرون أن جرير بن حازم أخذه من محمد بن إسحاق ثم دلسه، فإن
بين فيه سماع جرير من ابن أبي نجيح صار الحديث صحيحا، والله أعلم - انتهى. قلت: روى الحديث أحمد (ج ١:
ص ٢٦١) والحاكم (ج ١: ص ٤٦٧) من طريق ابن إسحاق حدثنى عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر عن ابن
عباس أن رسول الله مٍَّ قد كان أهدى جمل أبى جهل - الحديث. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه
الذهبي. وهذا كما ترى قد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فالحديث صحيح أو حسن، وقد رواه أيضا أحمد
(ج ١: ص ٢٦٩) وابن ماجه والبيهقى من طريق سفيان الثورى عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس،
قال: أهدى رسول الله (ے مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل - الحديث. وهذا أيضا إسناد حسن. قال البيهقى: ورواه
مالك بن أنس فى الموطأ (فى باب ما يجوز من الهدى) مرسلا وفيه قوة لما مضى - انتهى. وفى الباب أيضا عن أبى بكر
الصدیق عند الدارقطنى والبیقی. تنبيه: روى الترمذی فی «باب ما جاءکم حج النی څے،؟ من طريق زيد بن الحباب
عن سفيان الثورى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي مثل حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر
وحجة بعد ما هاجر معها عمرة ، فساق ثلاثة وستين بدنة ، وجاء على من اليمن يقيتها (أى بقية المائة أو ببقية البدن التى
ذبحها التى تَّ) فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة من فضة فتحرها - الحديث. وهذا كما ترى مخالف لحديث الباب ولم ينبه على
هذا الاختلاف ابن العربى وغيره من شراح الترمذى. والصواب عندنا ما وقع فى رواية أبي داود ومن وافقه، وذلك
لوجوه منها أنه موافق لما فى كتب السير، فإن جميع أهل السير ذكروا إهداء جمل أبي جهل فى عمرة الحديبية لا فى حجة
الوداع.قال ابن القيم فى الهدى (ج١: ص ٣٨٥) فى الفصل الذى عقده لبيان ما فى قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: ومنها
٢٣٧

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
٢٦٦٥ - (١٥) وعن ناجية الخزاعى، قال: قلت يا رسول الله! كيف أصنع بما عطب من البدن
قال: انحرها ،
استحباب مغايظة أعداء الله، فإن النبي مزوثة أهدى فى جملة هديه جملا لأبي جهل فى أنفه برة من فضة يغيظ به المشركين
إلى آخر ما قال. ومنها ما وقع فى رواية ابن عباس عند أحمد وأبي داود والبيهقى وعند أهل السير من تعليل إهداء جمل
أبى جهل بإغاظة المشركين، فإن هذا لا يناسب حجة الوداع فإنه لم يكن فيها كافر بمكة. ومنها أن رواية الترمذى ضعيفة.
قال الترمذى : هذا حديث غريب من حديث سفيان ، وسألت محمدا عن هذا نظم یعرفه من حديث الثوری عن جعفر عن
أبيه عن جابر عن النبي ◌َّم، ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظا، وقال: إنما عن الثورى عن أبى إسحاق عن مجاهد مرسل-
انتهى. ولا يبعد أن يقال إن سفيان الثورى جمع بين الحديثين حديث جابر فى قصة هدايا حجة الوداع وحديث ابن عباس
فى قصة هدايا عمرة الحديبية، كما يدل عليه سياق ابن ماجه فى باب حجة رسول اللّه مَثل، فإنه روى عن القاسم بن محمد
المهلبی عن عبد الله بن داود عن سفيان قال: حج رسول اللّه ◌ُٹے ثلاث حجات، حجتین قبل أن يها جر وحجة بعد ما
هاجر من المدينة وقرن مع حجته عمرة. واجتمع ما جاء به النبي مَث وما جاء به على مائة بدنة منها جمل لأبى جهل
فى أفقه برة من فضة فنحر النبى مَثّ بيده ثلاثا وستين ونحر على ما غير. قيل له (أى لسفيان) من ذكره؟ قال : جعفر
عن أيه عن جابر وابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس - انتهى . ويؤيد ذلك أنه روی الحاكم من طريق زید
ابن الحباب عن الثورى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر (وهو طريق الترمذى كما تقدم) أول الحديث أى إلى قوله
((حجة قرن معها عمرة)) واقتصر عليه. ولم يذكر قصة جمل أبي جهل، وقد صح الحديث الحاكم على شرط مسلم وقرره الذهبي.
٢٦٦٥ - قوله (وعن ناجية) بالنون والجيم (الخزاعى) بمضمومة وخفة زاى، نسبة إلى خزاعة. قال الحافظ فى
التقريب: ناجية بن جندب بن كعب، وقيل: ابن كعب بن جندب الخزاعى، صحابى تفرد بالرواية عنه عروة بن الزير ،
ووهم من خلطه بناجية بن جندب بن عمير الأسلى الصحابى الذى روى عنه مجزأة بن زاهر وغيره - انتهى بتصرف
يسير. وهو معدود فى أهل المدينة. قال سعيد بن عفير: كان اسمه ذكوان فسماه التي تَّثيم ناجية، إذ نجا من قريش،
وهو الذى نزل القليب فى الحديبية بسهم رسول الله مرثية فيما يقال. مات بالمدينة فى زمن معاوية، وسيأتى مزيد الكلام
فى ترجمته عند تخريج الحديث ( كيف أصنع بميا عطب) بكسر الطاء من باب علم من العطب بفتحتين وهو
الهلاك وأريد به مهنا قربه للهلاك بأن اعترته آفة تمنعه من السير فيكاد يعطب. وقال القارى: بكسر الطاء أى عيى وعجز
عن السير ووقف فى الطريق ، وقيل: أى قرب من العطب وهو الهلاك. وقال فى النهاية: عطب الهدى هلاكه. وقد
يعبر بالعطب عن آفة تعتريه فتمنعه عن السير ويخاف عليه الهلاك فينحر (من البدن) أى من الهدى المهداة إلى الكعبة
٢٣٨

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
ثم اغمس فعلها فى دمها، ثم خل بين الناس وبينها فيأكلونها. رواه مالك، والترمذى، وابن ماجه.
ورواه أبو داود، والدارمى عن ناجية الأسلى.
بيان لما (ثم اغمس) بكسر الميم من باب ضرب (فعلها) أى المقلدة بها (فى دمها) أى ثم اجعلها على صفحتها (ثم خل)
بصيغة الأمر من التخلية (بين الناس وينها) قال الطيبي: التعريف للعهد . والمراد بهم الذين يتبعون القافلة أو جماعة غيرهم
من قافلة أخرى - انتهى. قلت: اختلفوافى المراد بالناس، فعند المالكية يدخل فيهم الفقراء والأغنياء من الرفقة وغيرهم
غير صاحب الهدى ورسوله ، وعند الحنفية هم الفقراء خاصة سواء كانوا من الرفقة أو من غيرهم، وأما عند الشافعية
والحنابلة فهم الفقراء لكن من غير أهل الرفقة وهو الراجح عندنا لما تقدم فى حديث ابن عباس من قوله مر ئي: لا تأكل
منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك، وقد تقدم الكلام فى ذلك مفصلا (فيأكلونها) أى فهم يأكلونها على حد قوله تعالى
﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون - ٧٧: ٣٦) وإلا لكان الظاهر أن يقال: فيأكلوها. أى بإسقاط النون لجواب الأمر
كقوله تعالى ﴿ذِرهم يأكلوا - ٣:١٥) (رواه مالك والترمذى وابن ماجه) أى عن ناجية الخزاعى، هذا هو ظاهر
معنى كلام المصنف، وفيه أن الامام مالكا روى الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه فقال (عن صاحب هدى رسول الله
عَّ قال: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدى) - الحديث. فهذا كما ترى لم يسم الرجل ولم ينسبه بل أبهم فقال
((عن صاحب هدى رسول اللّه مَثل)) ورواه الترمذى من طريق عبدة بن سليمان، وابن ماجه من طريق وكيع كلاهما عن
هشام عن عروة فقالا: عن ناجية الخزاعى، وهكذا رواه أحمد (ج٤: ص٣٣٤) ومن طريقه الحاكم (ج١: ص٤٤٧)
من رواية وكيع وأبى معاوية عن هشام وأخرجه أيضا ابن حبان من رواية أبى حازم عن هشام فقال ((عن ناجية الخزاعى))
فاتفق عبدة عند الترمذى ووكيع عند أحمد وابن ماجه والحاكم وأبو معاوية عند أحمد وأبو خازم عند ابن حبان على
التسمية والنسبة .
قوله (ورواه أبو داود والدارمى عن ناجية الأسلى) أخرجه أبوداود من طريق سفيان الثورى عن هشام بن
عروة عن أبيه ومن طريق أبي داود رواه البيهقى (ج ٥: ص ٢٤٣) وأخرجه الدارمى من طريق شعيب بن إسحاق عن
هشام فقالا «عن ناجية الأسلى، قال الزرقانى: وكذا رواه جعفر بن عون وروح بن القاسم وغيرهم عن هشام - انتهى.
ورواه ابن عبد البر فى الاستيعاب من طريق وهيب بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه فقال ((عن ناجية صاحب هدى
رسول الله مرثية، فلم يذكر النسبة لا الأسلى ولا الخزاعى. قال الحافظ فى الإصابة بعد ذكر طرقه: ولم يسم أحد منهم.
والد ناجية لكن قال بعضهم الخزاعى وبعضهم الأسلى، ولا يبعد التعدد، فقد ثبت من حديث ابن عباس أن ذويبا
الخزاعى حدثه أنه كان مع البدن أيضا (فنى لفظ عند أحمد أن نى اللّه تَّ كان يبعث معه بالبدن فيقول إن عطب منها
٢٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
شئى فخشيت عليه فانحرها واغمس فعلها فى دمها واضرب صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك) قال:
وأخرج ابن أبى شيبة من طريق عروة أن النبي ◌َّ بعث ناجية الخزاعى عينا فى فتح مكة، وقد جزم أبو الفتح الأزدى
وأبو صالح المؤذن بأن عروة تفرد بالرواية عن ناجية الخزاعى، فهذا يدل على أنه غير الأسلى - انتهى . وقال فى تهذيب
التهذيب: ناجية بن کعب بن جندب، ویقال ابن جندب بن کعب ویقال ابن عمیر بن معمر الأسلی الخزاعی ، روی عن
النبي ◌َّ وكان صاحب بدنه فيما يصنع بما عطب من البدن، روى عنه عروة بن الزبير ومجزأة بن زاهر الأسلمى ....
قلت (قاتله الحافظ) قوله (أى قول صاحب تهذيب الكمال) ((الأسلمى الخزاعى)) عجيب، وقد بينت فى معرفة الصحابة
أن ناجية بن جندب الأسلمی غیر ناجیة بنجندب بن کعبالخراعی، وأن کلامنھما وقع له استصحابالبدنوأن الذی روی
عنه عروة هو الخزاعى ، وقيل فيه الأسلمى، وأن الذی روی عنه مجزأة هو الأسلی بلا خلاف والأسلمى قد ذكر ابن
سعد أنه شهد الحديبية، وزعم الأزدى وأبو صالح المؤذن أن عروة تفرد بالرواية عن الخزاعى، وأما الأسلمى فروى عنه
مجزأة بن زاهر وعبد الله بن عمرو الأسلمى أيضا-انتهى قلت: كلام الحافظ هذا وكذا كلامه فى التقريب وفى الاصابة يدل
على أن ناجية الأسلی غیر ناجية الخزاعى، الأول ناجيةبن جندب بنعمیر، والثانىهو ناجية بن جندب بن کعب أو ناجية بن
كعب بن جندب وأن كليهما من أصحاب البدن المهداة التى وقع السؤال فيها عما يصنع بما يعطب منها ، وأن الصواب فى
حديث عروة «ناجية الخزاعى، لا الأسلمى ويؤيد ذلك أن الامام أحمد فى مسنده وضع الحديث فى مسند ناجية الخزاعى لما
وقع فى سنده ((عن عروة عن ناجية الخزاعى، وذكر الزرقانى كلام الحافظ المتقدم عن الإصابة ثم تعقبه بأن جزم أبى الفتح
الأزدى وأبى صالح المؤذن بتفرد عروة بالرواية عن الخزاعى لا يدل على أن هذا الحديث عنه فلعل الصواب رواية من قال
إنه الأسلمى لا سيما وهم حفاظ ثقات، وقد جزم ابن عبد البر بأنه ناجية بن جندب الأسلمى - انتهى. قلت: لم يتفق أصحاب
هشام على نسبة الأسلمى، بل قال أكثرهم الخزاعى كما تقدم، نعم صنيع عامة أصحاب الرجال يؤيد أنه الأسلمى حيث نسبوا
الحدیث إلى الأسلمی ولم یذکروا الخزاعى کالمصنففى الا کمال وابن عبد البر فى الاستيعاب والجزری فی رجال جامع
الأصول، وذكر الذهبى فى تجريده والجزرى فى أسد الغابة الحديث فى ترجمة الأسلمی والخزاعى كليهما ، وقال الجزرى
فى ترجمة ناجية بن جندب بعد ذكر الحديث عن الترمذى بسنده وعن الموطأ: والصحيح أنه أسلمى. ثم ذكر القصة من
رواية ابن إسحاق وفها أن الذى نزل القلیببسهم رسول الله ڕے ناجیة بن جندب الأسلمی صاحب بدن رسول الله ،بت}
انتهى. والظاهر أن البغوى صاحب المصابيح تبع فى ذلك الإمام أحمد والمصنف تبع ابن عبد البر ومن وافقه، فإنه لم
يذكر ناجية الخزاعى فى إكماله، والراجح عندنا هوما ذهب إليه الحافظ، والله أعلم. والحديث صححه الترمذى وسكت
عنه أبوداود والمنذرى وصححه الحاكم على شرط الشيخين وقرره الذهبي.
٢٤٠