النص المفهرس
صفحات 201-220
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
٠
كنت أقتل القلائد للنبى مريثم فيقلد الغنم ويقيم فى أهله حلالا، وفى لفظ «كنت أقتل قلائد الغنم للنبي مَ}، رواه
البخارى. ولأنه هدى فيسن تقليده كالابل، ولأنه إذا سن تقدد الابل مع إمكان تعريفها بالاشعار فالغنم أولى وليس
التساوى فى النقل شرطا لصحة الحديث ، ولأنه كان يهدى لا بل أكثر فكثر فقنه - انتهى قلت: حديث الباب مشكل
على الحنفية والمالكية جدا ، وقد تمحل الحنفية للتخلص عنه بوجوه منها ما تقدم ومنها ما سيأتى آنفا. وقال الشنقيطى
(ج ٥: ص ٥٧٥): واعلم أن الهدى من الغنم يسن تقليده عند عامة أهل العلم ، وخالف مالك وأصحابه الجمهور، وقد
ثبت فى الصحيحين من حديث عائشة أنه مؤلف أهدى غنما فنلدها. وقال بعض أهل العلم: لا تقلد بالنعال لضعفها. وإنما
تقلد بنحو عرى القرب. والظاهر أن مالكا لم يبلغه حديث تقليد الغنم، ولو بلغه لعمل به بأنه صحيح متفق عليه - انتهى.
وأجاب بعض الحنفية عن حديث الباب بأنه أراد فقهاءنا من نفى تقليد الغنم التقليد بالفعل لا بالخط المفتول، فإذا صح
الحديث بتقليد الغنم ولا شك أنه من العهن وهو الصوف المصبوغ فمحل نفى تقليد الغنم هو تقليدها بالتعال وما يشبهها،
ومحل إثبات التقليد هو بالخيوط المفتولة من الصوف والوبر فإذا لا يخالف حديث الباب مذهب أبي حنيفة وفتهئا
الحنفية لم يذكروا التقليد بالخيط لانفيا ولا إثباتا، فالقول والتمسك بهذا الحديث لا يخالف المذهب - انتهى. وفيه أن
ذكر قتل القلائد من العهن لا يدل على الاكتفاء بالتقليد بالعهن فى الغنم بل كان ذلك لأن يربط به التعل فى عنق الهدى
سواء كان إبلا أو بقرا أو غنما، كما أن ذكر فتل القلائد للبدن فى الرواية الآتية لا يدل على الاقصار على ذلك فى الايل
والبقر، وقد ذكر البخارى فى «باب تقليد الغنم، بعد رواية حديث الأسود عن عائشة حديث مسروق عنها قالت: فتلت
لهدى النبي ◌َّ تعنى القلائد قبل أن يحرم. قال الحافظ: أما إردافه برواية مسروق مع أنه لا تصريح فيها بكون
القلائد للغنم فلأن لفظ الهدى أعم من أن يكون الغنم أو غيرها، فالغنم فرد من أفراد ما بهدى، وقد ثبت أنه مؤ لفة
أهدى الإبل وأهدى البقر فمن ادعى اختصاص الابل بالتقليد فعليه البيان - انتهى. علا أنه يخالف التأويل المذكور
ما تقدم عن القارى والعين وغيرهما من نقلة المذاهب أن أبا حنيفة أنكر استنان تقليد الغنم مطلقا ، ولم يثبت عنه ولا عن
غيره من فقهاء الحنفية أنهم فرقوا بين تقليد الغنم بالنعل وتقليدها بالخيوط بل أنكروه مطلقاكما تقدم. وعلى هذا فمذهب
أبى حنيفة مخالف للحديث الصحيح من غير شك، والظاهر أنه لم يبلغه الحديث، ولا ما تقدم من الآثار المذكورة فى
كلام العراقى والعنى وغيرهما ، هذا. وقد احتج الكاسانى على عدم استنان تقليد الغنم بقوله تعالى ( ولا الهدى ولا
القلائد - ٥: ٢﴾ قال الكاسانى فى البدائع (ج ٢: ص ١٦٢): والدليل على أن الغتم لا يقلد قوله تعالى ﴿ولا الهدى
ولا القلائد) عطف القلائد على الهدى، والعطف يقتضى المغايرة فى الأصل، واسم الهدى يقع على الغنم والإبل والبقر
جميعا فهذا يدل على أن الهدى نوعان ما يقلد وما لا يقلد ، ثم الإبل والبقر يقلدان بالإجماع، فتعين أن الغنم لا نقلد
٢٠١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
متفق عليه .
٢٦٥٣ - (٣) وعن جابر، قال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم
٠
ليكون عطف القلائد على الهدى عطف الشئى على غيره فيصح - انتهى. قال بعض الحنفية: ويؤيد ذلك ما قال الجصاص
فى أحكام القرآن: قد روى فى تأويل القلائد وجوه عن السلف، فقال ابن عباس: أراد الهدى المقلد، قال أبو بكر
(الرازى الجصاص) هذا يدل على أن من الهدى ما يقلد ومنه ما لا يقلد ، والذى يقلد الإبل والبقر والذى لا يقلد
النم ـ انتهى. ولا يخفى ما فى هذا الاستدلال من التكلف والتعسف فإنه يلزم على هذا التفسير أن يكون المراد
بالهدى فى الآية الغنم فقط ولم يقل به أحد مع أنهم اختلفوا فى تفسير القلائد على أقوال منها أن المراد القلائد حقيقة
سواء كانت للابل أو البقر أو للغنم. وفى النهى عن إحلال القلائد تأكيد للنهى عن إحلال الهدى، يعنى أن فيه مبالغة
عن التعرض للهدى المقلد، فإنه إذا نهى عن قلادة أن يتعرض لها فبطريق الأولى أن ينهى عن التعرض للهدى المقلد بها ،
وهذا كما فى قوله: ﴿ولا يدين زينتهن - ٢٤: ٣١) لأنه إذا نهى عن إظهار الزينة فما بالك بموضعها من الأعضاء
ومنها أن المراد بالقلائد الحيوانات المقلدة بها ويكون عطف القلائد على الهدى لزيادة التوصية بالهدى ، والمعنى: ولا
الهدايا ذوات القلائد، وعلى هذا القول إنما عطف القلائد على الهدى مبالغة فى التوصية بها لأنها من أشرف البدن المهداة
والمعنى: ولا تستحلوا الهدى خصوصا المقلدات منها. وقيل المراد أصحاب القلائد، والمعنى: لا تتعرضوا للهدايا ولا
لأصحابها . والتفسير الأول أولى. وعلى كل حال ليس فى عطف القلائد على الهدى دلالة أو أدنى إشارة إلى أن الهدى الغير
المقلد هو الغنم خاصة؛ أو إلى أن الغنم من الهدى لا تقلد (متفق عليه) قد تقدم أن اللفظ المذكور لمسلم وبهذا اللفظ رواه
أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقى. وقد تقدم أيضا أن البخارى روى مثله لكن أسقط قوله «فقددها، وكذا رواه
الدارمى ورواه أبو داود وابن الجارود بلفظ ((إن رسول الله عزَّ أهدى غنما مقلدة)) والحديث رواه أيضا أحمد
والشيخان والترمذى والنسائى بألفاظ أخرى متقاربة.
٢٦٥٣ - قوله (وعن جابر، قال: ذبح رسول اللّه مَثل) وفى الحديث الآتى (نحر، مكان ((ذبح)) والفرق بين
النحر والذبح أن النحر يكون فى اللبة (بفتح اللام وتشديد الموحدة، هى الوهدة التى بين أصل العنق والصدر) والذبح يكون
فى الحلق، فالذبح هو قطع العروق التى فى أعلى العنق تحت اللحيين، قال ابن عابدين: النحر قطع العروق فى أسفل العنق
عند الصدر والذبح قطعها فى أعلاه تحت اللحين . وفى تكملة البحر: ولا بأس بالذبح فى الحلق كله أسفله وأوسطه وأعلاه،
لأن ما بين اللبة واللحيين هو الحلق، ولأن كله مجتمع العروق فصار حكم الكل واحدا - انتهى. وفى البدائع: الذبح
هو فرى الأوداج ومحله ما بين اللبة واللحيين، والنحر فرى الأوداج ومحله آخر الحلق - انتهى. والحديث دليل
٢٠٢
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
لما ذهب إليه جمهور العلماء من أن نحر البقر جائز وإن كان الذبح مستحبا عندهم لقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحر»
بترة - ٢: ٦٧﴾ وخالف الحسن بن صالح ومجاهد فاستحبا نحرها. وقال مالك: إن ذبح الجزور من غير ضرورة أو
نحر الشاة من غير ضرورة لم تؤكل. وقال فى الدر المخار: حب النحر للابل وكره ذبحها، والحكم فى غنم وبقر عكسه
فندب ذبحها وكره نحرها لترك السنة. وقال فى البدائع: لو نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر يحل لوجود فرى الأوداج
لكنه يكره (أى فعله لا المذبوح) لأن السنة فى الابل النحر، وفى غيرها الذبح، لأن الأصل فى الذكاة إنما هو الأسهل
على الحيوان وما فيه نوع راحة له فهو أفضل، والأسهل فى الايل النحر لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواه من
خلفها، والبقر والغنم جميع حلقها لا يختلف - انتهى. وفى شرح الإقناع من فروع الشافعية يسن نحر إبل وذبح بقر
وغنم ، ويجوز بلا كراهة عكسه. قال البجيرمى: لكنه خلاف الأولى، خلافا للإمام مالك حيث قال لا يجوز ذلك.
وقال الدردير: وجب نحر إبل ووجب ذبح غيره من غنم وطير، فإن نحرت ولو سهوا لم تؤكل إن قدر، وجاز
للضرورة، أى جاز الذبح فى الايل والنحر فى غيرها للضرورة كوقوع فى مهواة أو عدم آلة ذبح أو نحر إلا البقر فيدب
فيها الذبح. قال الدسوقى: ونحرما خلاف الأولى. ومثل البقر الجاموس وبقر الوحش فيجوز كل من الذح والنحر
فيهما. ومثل البقر فى جواز الأمرين وندب الذيح ما أشبهه من حمار الوحش وغيره - انتهى. وقال ابن قدامة:
لا خلاف بين أهل العلم فى أن المستحب نحر الايل وذبح ما سواها. قال الله تعالى ﴿فصل لربك وانحر - ٢:١٠٨).
وقال الله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة - ٦٧:٢) ومعنى النحر أن يضربها بحربة أو نحوها فى الوحدة التى بين
أصل عنقها وصدرها ، فإن ذبح ما ينحر أو تحر ما يذبح بجائز، هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهرى وقتادة
ومالك والليث والثورى وأبو حنيفة والشافعى وإسحاق وأبو ثور، وحكى عن داود أن الايل لا تباح إلا بالنحر ولا
ياح غيرها إلا بالذبح، لأن الذّه تعالى قال ﴿ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ وقال تعالى ﴿فصل لربك وانحر) والأمر
يقتضى الوجوب، وحكى عن مالك أنه لا يجزئى فى الايل إلا النحر، ولنا قوله مؤثم أمرر الدم بما شئت، وعن عائشة
قالت: نحر رسول اللّه تَّ فى حجة الوداع بقرة واحدة - انتهى مختصرا. وقال ابن رشد: اتفقوا على أن الذكاة فى
بهيمة الأنعام نحر وذبح، وأن من سنة الغنم والطير الذبح، وأن من سنة الايل النحر، وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحو
واختلفوا هل يجوز النحر فى الغنم والطير والذبح فى الا بل؟ فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر فى الغنم والطير ولا الذبح
فى الايل، وذلك فى غير موضع الضرورة. وقال قوم: يجوز جمیع ذلكمن غیر کرامة،وبه قال الشافعى وأبو حنيفة والثورى
وجماعة العلماء. وقال أشهب: إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أكل، ولكنه يكره، وفرق ابن بكير بين الغيم والايل
فقال: يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر، ولم يختلفوا فى جواز ذلك فى موضع الضرورة. وسبب اختلافهم معارضة
٢٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
عن عائشة بقرة يوم النحر. رواه مسلم.
٢٦٥٤ - (٤) وعنه، قال: تحر الني صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة فى حجته.
الفعل للعموم. فأما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام (ما أنتحر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) وأما الفعل فإنه ثبت أن
رسول الله يؤمّ نحر الإبل والبقر وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا
بقرة) انتهى (عن عائشة) أى لعائشة ولسائر نسائه كما سيأتى فى الحديث الآتى (بقرة) ويحتمل أنه ذبح عن عائشة
وحدها بقرة وجعل بقرة أخرى عن الكل تميزا لها لأنها انفردت بسبب موجب وهو القران، لأنها أردفت الحج على
عمرتها، ومن لما اشتركن فى سبب غيره أشرك بينهن ويكون فى ذلك تخصيص وتفضيل، لأن الواجب فى ذلك شاة أو
سبع بدنة أو بقرة، كما فعل فى حتى صواحبها، ولعل إيثار البقر لأنه المتيسر حينئذ، وإلا فالا يل أفضل منه، وقيل إنه
لبيان الجواز (يوم النحر) أى فى حجته كما فى رواية محمد بن بكر عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عند أحمد ومسلم
(رواه مسلم) من طريق يحي بن زكريا بن أبى زائدة عن ابن جريج. والحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخارى.
ورواه أيضا أحمد والبيهقى (ج ٥: ص ٢٣٨).
٢٦٥٤ - قوله (وعنه) أى عن جابر (نحر النبي محديثة عن نسائه بقرة فى حجته) وفى الباب أيضا عن عائشة رضى
الله عنها . أن رسول الله {ولله نحر عن أزواجه بقرة فى حجة الوداع)) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى فى الكبرى وابن
ماجه كلهم من رواية يونس عن الزهرى عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، لفظ أحمد ولفظ الثلاثة ((بقرة واحدة»
وعن أبى هريرة «أن رسول الله ◌ُٹے ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن، أخرجه أبوداود والنسائى فى الکبری وابن
ماجه، والحديثان سكت عنهما أبو داود والمنذرى. وحديث جابر مع حديثى عائشة وأبى هريرة يدل على جواز الاشتراك
فى الهدى إذا كان من الايل أو البقر، وللعلماء خلاف فى ذلك. فذهب الشافعى وأحمد والجمهور إلى جواز الاشتراك
فى الهدى سواء أكان تطوعا أم واجبا، وسواء أكانوا كلهم متقربين أو بعضهم يريد القرية، وبعضهم يريد اللحم ،
واستدل لهم بما ورد من أحاديث الاشتراك المتقدمة وغيرها مما ذكره الزيلعى فى نصب الراية (ج ٣: ص ٢٠٩) والحافظ
فى الدراية (ص ٣٢٤) والمجد فى المنتقى (ج ٤: ص ٣٣٠، ٣٣١) والمحب الطبرى فى القرى (ص ٥١٨، ٥٢٧ ،
٥٢٨) وقال داود وبعض المالكية: يجوز الاشتراك فى هدى التطوع دون الواجب وهو مردود بحديث عطاء عن
جابر قال: كنا نتمتع مع النبي مَثّل فنذبح البقرة عن سبع نشترك فيها. أخرجه أحمد والنسائى وغيرهما. فهذا صريح
فى جواز الاشتراك فى دم التمتع وهو واجب لقوله عزوجل: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى - ٢:
١٩٦) وذهب مالك إلى عدم جواز الاشتراك فى الهدى مطلقا، وأحاديث الباب تخالفه، وروى عن ابن عمر
٢٠٤
مرضاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
نحو ذلك، ولكنه روى عنه أحمد ما يدل على الرجوع عنه وموافقة الجمهور، ولعل مالكا لم يبلغه ذلك. وذهب
أبو حنيفة إلى جوازه إن كانوا كلهم متقربين سواء أكان هدى تطوع أم واجب وليس فيهم من يريد اللحم. وقد تقدم
الكلام على مسئلة الاشتراك فى الهدى والاضحية فى باب الإضحية. قلت : ويدل أيضا على جواز الاشتراك فى الهدى
من البقر ما رواه مالك فى الموطأ والبخارى من طريقه فى «باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن، عن يحيى
ابن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة تقول خرجنا مع رسول اللّه موئل الخمس بقين من ذى القعدة لا
نرى إلا الحج - الحديث. وفيه: قالت فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا؟ فقالوا نحر رسول الله ژێے عن
أزواجه، والشيخين من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بلفظ ((ذبح)) قال ابن بطال: أخذ بظاهره جماعة فاجازوا
الاشتراك فى الهدى والاضحية، ولا حجة فيه، لأنه يحتمل أن يكون عن كل واحدة بقرة، وأما رواية يونس عن
الزهرى عن عمرة عن عائشة أن رسول الله مؤثم نحر عن أزواجه بقرة واحدة، فقد قال إسماعيل القاضى: تفرد يونس
بذلك، وقد خالفه غيره ـ انتهى. قال الحافظ: رواية يونس أخرجها النسائى وأبو داود وغيرهما ويونس ثقة حافظ ،
وقد تابعه معمر عند النسائى أيضا ، ولفظه أصرح من لفظ يونس قال: ما ذبح عن آل محمد فى حجة الوداع إلا بقرة.
وروى النسائى أيضا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال ذبح رسول اللّه مثل عمن اعتمر من
نسائه فى حجة الوداع بقرة بينهن. صححه الحاكم وهو شاهد قوى لرواية الزهرى، وأما ما رواه عمار الدهنى عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: ذبح عنا رسول اللّه مَّيقام يوم حججنا بقرة بقرة، أخرجه النسائى أيضا،
فهو شاذ مخالف لما تقدم، وقد رواه البخارى فى الأضاحى ومسلم أيضا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم
بلفظ «ضحى رسول اللّه تَّ من نسائه البقر، ولم يذكر ما زاده عمار الدهنى - انتهى. وتعقبه الزرقانى فقال: لا
شذوذ فيه ، فإن عمار الدهنى - بضم المهملة وإسكان الهاءونون - ثقة صدوق من رجال مسلم والأربعة ، فزيادته مقبولة ،
فإنه قد حفظ ما لم يحفظ غيره، وزيادته ليست مخالفة لغيره فإن رواية معمر ((ما ذبح إلا بقرة) المراد بها جنس بقرة
أى لا بعيرولا غم، فلا تنافى الرواية الصريحة أن عن كل واحدة بقرة، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر الجمع، وقد أمكن
فلا تأيد فيها لرواية يونس التى حكم إسماعيل القاضى بشذوذها، لأنه انفرد بقوله «واحدة» وإسماعيل من الحفاظ لا
يجهل أن يونس ثقة حافظ ، وإنما حكم بشذوذ روايته ومخالفة غيره له على القاعدة أن الشاذ ما خالف الثقة فيه الملأ.
وحديث أبى هريرة لا شاهد فيه فضلا عن قوته إذ قوله ((ذبح بقرة بينهن)) لا صراحة فيه أنه لم يذبح سواها ، وإن كان
ظاهره ذلك فتعارضه الرواية الصريحة فى التعدد . انتهى. وفى هذا التعقب نظر لأن عمارا ويونس اختلفا فى ذلك،
وعمار وإن كان ثقة صدوقا فلا يساوى يونس لأنه ثقة حافظ كما تقدم فى كلام الحافظ. وقال فى التقريب عن عمار
٢٠٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
الدهنى: إنه صدوق، فإذا تعارضا فى الوحدة والتعدد ترجح حديث يونس، وقول الزرقانى ((أن زيادته ليست مخالفة
لغيره، ليس بصحيح، فإن رواية يونس صريحة فى تحر البقرة الواحدة عن أزواجه، ورواية عمار صريحة فى التعدد ، ولا
يمكن الجمع بينهما ، ولا يصح إرادة الجنس فى رواية معمر التاء الفارقة بين الواحدة والجنس. قال العينى: الفرق بين
البقرة والبقر كتمرة وتمر، وعلى تقدير عدم التاء يحتمل التضحية بأكثر من واحدة - انتهى. واتفق من قال بالاشتراك
على أنه لا يكون فى أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب فقال: تجزئ عن عشرة ، وبه قال إسحاق
ابن راهويه وابن خزيمة من الشافعية واحتج لذلك فى صحيحه وقواه ، وبه قال ابن حزم، وبسط فى إثباته واستدل لذلك
بما تقدم من أحاديث عائشة وأبى هريرة وجابر. وأجاب الجمهور عن ذلك بوجوه قال الشوكانى: قد استدل بقول
عائشة المذكور على أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة، فإن الظاهر أنه لم يتخلف أحد من زوجاته يومئذ وهن تسع ،
ولكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا تعارض به الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة فى إجراء البقرة عن سبعة فقط
المجمع على مدلولها. وقيل إن البقرة كانت عن سبع منهن وعن الباقية لعله ذبح غير البقر، ولا يخفى ما فيه.
وأجاب ابن القيم بأن أحاديث السبعة أكثر وأصح، وحاصله أن الروايات فى ذلك مختلفة ، وحديث عائشة يدل على
الاجزاء لأكثر من سبعة، لكن أحاديث الإجزاء لسبعة فقط أكثر وأصح فتقدم. تنبيه: اختلف فى أن البقرة
المذكورة فى حديث عائشة عند مالك والشيخين إضحية كانت أو هديا، وبكلا اللفظين وردت الروايات فروى البخارى
فى الأضاحى ومسلم أيضا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ «ضحى رسول اللّه مَلَّم عن نسائه بالبقر))
وأخرجه مسلم من طريق ابن الماجشون عن عبد الرحمن بلفظ ((أهدى)) بدل («ضحى» قال الحافظ: والظاهر أن النصرف
من الرواة لأنه ثبت فى الحديث ذكر النحر كما تقدم ، فحمله بعضهم على الإضحية ، فإن رواية أبى هريرة صريحة فى أن
ذلك كان عن من اعتمر من نسائه فقويت رواية من رواه بلفظ «أهدى)، وتبين أنه هدى التمتع فليس فيه حجة على مالك
فى قوله ((لا ضحايا على أهل منى)، وتبين توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك فى الهدى والاضحية - انتهى كلام
الحافظ. وهذا كما ترى يدل على أنه مال إلى أن البقرة المذكورة كانت هديا، ونحا فى كتاب الأضاحى إلى كونها
إضحية حيث قال: قوله ((ضحى النبى مَّ عن أزواجه بالبقر» ظاهر فى أن الذبح المذكور كان على سبيل الإضحية.
وحاول ابن التين تأويله ليوافق مذهبه فقال: المراد أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية وهو ضحى يوم النحر ، قال: وإن
حمل على ظاهره فيكون تطوعا لا على أنها سنة الاضحية، كذا قال. ولا يخفى بعده، واستدل به الجمهور على أن ضحية
الرجل تجزئ عنه وعن أهل بيته، وخالف فى ذلك الحنفية، وادعى الطحاوى أنه مخصوص أو منسوخ ولم يأت لذلك
بدليل - انتهى. وهذا كما ترى رجح ههنا خلاف ما رجحه فى كتاب الحج. وذهب ابن القيم إلى أن الصواب رواية
٢٠٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
رواه مسلم.
٢٦٥٥ - (٥) وعن عائشة، قالت: فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدى، ثم قلدها
الهدى فقد قال بعد ذكر مذهب ابن حزم (أن الحاج شرع له التضحية مع الهدى)): والصحيح إن شاء الله أن هدى الحاج
له بمنزلة الاضحية للقيم، ولم ينقل أحد أن النبى مَ ثل ولا أصحابه جمعوا بين الهدى والاضحية بل كان هديهم هو
أضاحيهم فهو هدى بمنى وإضحية بغيرها ، وأما قول عائشة «ضحى عن نسائه بالبقر» فهو هدى أطلق عليه اسم الاضحية
وأنهن كن متمتعات وعليهن الهدى ، فالبقر الذى تحره عنهن هو الهدى الذى يلزمهن - انتهى. لكن تبويب البخارى فى
كتاب الأضاحى على حديث عائشة المذكور («باب الأضحية للسافر والنساء» و «باب من ذبح ضحية غيره)» يدل على أنه
حمل الحديث على الإضحية، ولذلك استدل به لمالك على أن التضحية بالبقر أفضل خلافا للجمهور إذ قالوا إن الأفضل
البدنة لقوله ورئي ((من راح فى الساعة الأولى (إلى الجمعة) فكانما قرب بدنة ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب
بقرة، إلى آخره. مع أنه ليس فى حديث عائشة تفضيل البقر ولا عموم لفظ. إنما هى قضية عين محتملة لأمور فلا حجة
فيها المالك، واستدل به أيضا على الاضحية على النساء والاضحية على المسافر وعلى الحاج بمنى وغير ذلك من المسائل ليس
هذا موضع تفصيلها. هذا وقد ترجم البخارى على حديث عائشة كما تقدم «باب ذبح الرجل عن نسائه من غير أمرهن،
قال الحافظ: أما قوله من غير أمرهن فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم لما دخل به عليها ولو كان ذبحه بعلها لم تحتج
إلى الاستفهام ، لکن ليس ذلك دافعا للاحتمال فيجوز أن یکون علها بذلك تقدم بأن یکون استأنهن فى ذلك ، لکن لما
أدخل اللحم عليها احتمل عندما أن يكون هو الذى وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير ذلك فاستفهمت عنه لذلك ، وقال
النووى: هذا محمول على أنه تَّ استأذنهن فى ذلك، فإن تضحية الانسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه ـ انتهى. وهكذا
قال الطبي كما فى المرقاة. قلت: وقد تقدم أن عائشة كانت قارنة فهى داخلة فى قولها «وضحى عن نسائه بالبقر، لأن
القارن يجب عليه دم القران فكان لابد من استيذانها كسائر النساء، والله أعلم (رواه مسلم) من طريق سعيد بن يحي
الأموى عن أبيه عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وهو أيضا من أفراد مسلم لم يخرجه البخارى.
٢٦٥٥ - قوله (فتلت قلائد بدن النبي مَثة) القلائد جمع قلادة بكسر القاف ، وهى ما تعلق بالعنق ، والبدن
بضم الباء وإسكان الدال جمع البدنة بفتح الباء والدال ، وهى ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها ،
والبهن التسمين والاكتناز وبدن إذا ضخم وبدن بالتشديد إذا أسن (يدى) بفتح الدال وتشديد الياء على الثنية ، وروى
بالافراد على الجنسية. قال الحافظ: فيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها، وفيه دليل على استحباب فتل القلائد
الهدى واستخدام الإنسان أمله فى مثل هذا (ثم قلدما) زاد فى رواية «يده)) قال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عائشة
٢٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه شى كان أحل له.
• ثم قلدها بيده)، بيانا لحفظها للأمر ومعرفتها به، ويحتمل أن تكون أرادت أنه تمَ ◌ّ تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التقليد
ومع ذلك فلم يمتنع من شئى يمتنع منه المحرم لثلا يظن أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدى. وقال الباجى: يحتمل
أن تكون أرادت بذلك تبين حفظها للأمر ومعرفتها من تناول كل شئى منه، ويدل ذلك على اهتبالها بهذا الأمر ومعرفتها
به، ويحتمل أنها أرادت أن النبي ◌َوي تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التقليد ثلا يظن أحد أنه استباح محظور الاحرام بعد
تقليد هديه وقبل أن يعلم هو بذلك فتبين من ذلك أنه لم يأت شيئًا من هذا إلا وهو عالم بتقليد هديه - انتهى (وأهداها)
أى مع أبى بكر رضى الله عنه فى السنة التاسعة، وفيه وفى الرواية الآتية دليل على استحباب بعث الهدى إلى الحرم وإن لم
يسافر معه مرسله ولا أحرم فى تلك السنة (فما حرم) بفتح الحاء وضم الراء (عليه) أى على النبي مَّةُ (شتى كان أحل له)
بصيغة المجهول من الاحلال. وسبب هذا القول من عائشة رضى الله عنها أنه بلغها فتيا ابن عباس رضى الله عنهما فى من بعث
هديا إلى مكة أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج من لبس المخيط وغيره حتى ينحر هديه بمكة فقالت ذلك ردا عليه، لأن باعث
الهدى المقيم فى بلده لا يصير بمجرد البعث محرما فلا يحرم علیه شئی، روى البخاری فی «باب إذا بعث بهديه ليذبح
(وأقام) لم يحرم عليه شىء من كتاب الأضاحى بسنده عن مسروق أنه أتى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين إن رجلا
يبعث بالهدى إلى الكعبة ويجلس فى المصر فيوصى أن تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرما حتى يحل الناس ، قال
فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب فقالت: لقد كنت أقتل قلائد هدى رسول اللّه رَّم فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم
عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس - انتهى. وفى الصحيحين ((أن زياد بن أبى سفيان كتب إلى عائشة أن
عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، فقالت عائشة: ليس كما قال ابن
عباس ((أما فتلت قلائد هدى رسول اللّه ◌َيّ يدى، ثم قلدها رسول اللّه تَّ بيديه ثم بعث بها مع أبى فلم يحرم على
رسول اللّه ◌َيّ شتى أحله الله له حتى نحر الهدى)، وروى مالك فى الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمى
عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلا متجردا بالعراق فسأل الناس عنه فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد لذلك
تجرد. قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك فقال بدعة ورب الكعبة - انتهى. قال الطحاوى: ولا
يجوز عندنا أن يكون ابن الزبير حلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك. قال الحافظ: ورواه
ابن أبى شيبة عن الثقفى عن يحيى بن سعيد أخبرنى محمد بن إبراهيم أنن ربيعة أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على
البصرة فى زمان على متجردا على منبر البصرة فذكره، فعرف بهذا اسم المبهم فى رواية مالك - انتهى. وما ذهب إليه
ابن عباس من أن الرجل إذا بعث هديا يحرم عليه ما يحرم على المحرم من محظورات الإحرام، قال الحافظ: ثبت ذلك
عز جماعة من الصحابة منهم ابن عمر، رواه ابن أبى شيبة عن ابن علية عن أيوب، وابن المنذر من طريق ابن جريج كلاهما
٢٠٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
عن نافع أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدى يمسك عما يمسك عنه المحرم إلا أنه لا يلبي. ومنهم قيس بن سعد بن عبادة .
أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيب عنه نحو ذلك. وروى ابن أبى شيبة من طريق محمد بن على بن
الحسين عن عمر وعلى أنهما قالا فى الرجل يرسل يدنته أنه يمسك عما يمسك عنه المحرم. وهذا منقطع . وقال ابن المنذر:
قال عمر وعلى وقيس بن سعد وابن عمر وابن عباس والنخعى وعطاء وابن سيرين وآخرون: من أرسل الهدى وأقام حرم
عليه ما يحرم على المحرم. وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون: لا يصير بذلك محرما يعنى لا يحرم
عليه شتى ما يحرم على المحرم. وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار (ومنهم الأئمة الأربعة) ومن حجة الأولين ما
رواه أحمد والطحاوى وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر (بن عتيك) عن جابر بن عبد الله
قال كنت جالسا عند التى مُؤثّمُ فقد قميصه من جيه حتى أخرجه من رجليه، وقال إنى أمرت يدنى التى بعثت بها أن
تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبست قميصى ونسيت فلم أكن لأخرج قميصى من رأسى - الحديث. قال الحافظ :
وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده. قلت: عبد الرحمن بن عطاء ضعفه عبد الحق فى أحكامه ووافقه ابن القطان وقال
ابن عبد البر: لا يحتج بما انفرد به فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه وقد تركه مالك وهو جاره، والحديث أخرجه
عبد الرزاق من طريق البزار فى مسنده عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ابنى جابر يحدثان عن أبيهما جابر بن عبد الله قال
بنا النبي ◌َت جالس مع أصحابه إذ شق قميصه حتى خرج فسئل فقال واعدتهم يقلدون هديى اليوم فنسيت - انتهى.
وهذا أيضا لا حجة فيه لما تقدم ، وذكره ابن القطان من جهة البزار فقال: ولجابر ثلاثة أولاد: عبد الرحمن ومحمد
وعقيل، والله أعلم من هما من الثلاثة - انتهى. وقد ظهر بما قدمنا أن المسألة كان فيها خلاف فى السلف من الصحابة
. والتابعين لكن انقرض هذا الخلاف بعد ذلك واستقر الأمر على أن بمجرد تقليد الهدى وبعثه مع أحد لا
يكون الرجل فى حكم المحرم ولا يحرم عليه شئى ما يحرم على المحرم. قال الحافظ: جاء عن الزهرى ما يدل على أن
الأمر استقر على خلاف ما قال ابن عباس ففى نسخة أبى اليمان عن شعيب عنه، وأخرجه البيهقى (ج ٥: ص ٢٣٣) من.
طريقه قال: أول من كشف العمى عن الناس وبين لهم السنة فى ذلك عائشة فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها . قال:
فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس - انتهى. قلت: وههنا مسئلة أخرى خلافية بين الأئمة
ربما تلتيس على بعض الناس بالمسئلة الأولى المتقدمة وهى أن من قلد الهدى وتوجه معه أى ساقه معه وأراد النسك هل
يكون تقليد الهدى وسوقه معه محرما أم لا؟ فقال الحنفية يصير بالقليد والتوجه معه ونية الك محرما خلافا لمالك
والشافعى. قال الحافظ: ذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرد تقليده الهدى محرما، حكاه
انى المذر عن الثورى وأحمد وإسحاق. قال: وقال أصحاب الرأى: من ساق الهدى وأم البيت ثم قلد وجب عليه الاحرام.
٢٠٩
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
متفق عليه
٢٦٥٦ - (٦) وعنها، قالت: فتلت قلائدها من عهن كان عندى، ثم بعث بها مع أبى.
وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدى محرما ولا يجب عليه شئى - انتهى. وفى الهداية: من قلد بدنة تطوعا أو نذرا أو جزاء
صيد وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم لقوله تَّةُ: من قلد بدنة فقد أحرم. ولأن سوق الهدى فى معنى التلبية فى إظهار
الإجابة لأنه لا يفعله إلا من يريد الحج أو العمرة، وإظهار الاجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول فيصير به محرما لاتصال
النية بفعل هو من خصائص الاحرام ، فإن قلدها وبعث بها ولم يسقها لم يصر محرما لما روى عن عائشة قالت: كنت أقتل
قلائد هدى رسول الله مَّ فبعث بها وأقام فى أهله حلالا - انتهى. قال ابن الهمام: أفاد أنه لابد من ثلاثة: التقليد
والتوجه معها، ونية النسك، وقوله لقوله مرَات: من قلد بدنة، إلخ. غريب مرفوعا، ووفقه ابن أبى شيبة فى مصنفه على ابن
عباس وابن عمر - انتهى مختصرا بقدر الضرورة. واستدل الزيلعى على الكنز بقول ابن عمر المذكور ثم قال: والأثر فى
مثله كالمرفوع وهو محمول على ما إذا ساقه لحديث عائشة المذكور أى جمعا بين أثر ابن عمر وحديث عائشة. قلت:
الراجح عندنا أنه لا يصير الرجل محرما بمجرد تقليد الهدى وسوقه معه حتى يلبي مع نية النسك، لأن إيجاب الإحرام
يحتاج إلى دليل ، وقد دلت النصوص على أنه لا يجب الإحرام إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته، وأما قبل الوصول
إلى الميقات فلم يقم دليل على أنه يصير محرما أو يجب عليه الاحرام بمجرد تقليد الهدى أو سوقه. أما أثر ابن عمر وابن
عباس فهو معارض لحديث عائشة المرفوع، وحمله على سوق الهدى والتوجه معه خلاف الظاهر ، ولا دليل على أن التقليد
والسوق يقوم مقام التلبية. تنبيه: قال الحافظ: ما وقع فى الأحاديث من استحباب التقليد والإشعار وغير ذلك يقتضى
أن إظهار التقرب بالهدى أفضل من إخفائه، والمقرر أن إخفاء العمل الصالح غير الفرض أفضل من إظهاره، فإما أن
يقال إن أفعال الحج مبنية على الظهور كالإحرام والطواف والوقوف فكان الإشعار والتقليد كذلك فيخص الحج من
عموم الاخفاء، وإما أن يقال: لا يلزم من التقليد والإشعار إظهار العمل الصالح، لأن الذى يهديها يمكنه أن يبعثها مع
من يقلدها ويشعرها ولا يقول إنها لفلان فتحصل سنة التقليد مع كتمان العمل - انتهى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد
ومالك وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى وأخرج الترمذى معناه.
٢٦٥٦ - قوله (فتلت قلائدما) أى قلائد بدن النبي تَّجُ (من عين) بكسر المهملة وسكون الهاء أى صوف
مصبوغ بأى لون كان، وقيل هو الأحمر خاصة ( كان عندى) صفة عهن (ثم بعث بها) أى بالبدن المقلدة (مع أبى) بفتح
الهمزة، وكسر الموحدة الخفيفة تريد بذلك أباها أبا بكر الصديق، واستفيد من ذلك وقت البعث وأنه كان فى سنة تسع عام
حج أبو بكر بالناس. قال ابن التين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة، ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبي مزّتين ،
٢١٠
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
متفق عليه .
٢٦٥٧ - (٧) وعن أبى هريرة، أن رسول اللّه وَلل رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: اركبها. فقال:
إنها بدنة. قال: اركبها. فقال: إنها بدنة. قال: اركبها ويلك.
لأنه حج فى العام الذى يليه حجة الوداع لثلايظن ظان أن ذلك كان فى أول الإسلام ثم نسخ، فأرادت إزالة هذا اللبس
وأ كملت ذلك بقولها (كما فى رواية): فلم يحرم على رسول اللّه رَّم شتى أحله الله له حتى نحر الهدى أى وانقضى أمره
ولم يحرم، وترك إحرامه بعد ذلك أحرى وأولى، لأنه إذا اتفى فى وقت الشبهة فلان ينتفى عند انتفاء الشبهة أولى،
كذا فى الفتح، وفى رواية لمسلم («فأصبح فينا حلالا يأتى ما يأتى الحلال من أهله)) والحديث يدل على ما دل عليه الحديث
السابق. قال الحافظ: وفيه رد على من كره القلائد من الأوبار واختار أن تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن
ربيعة ومالك. وقال ابن التين : لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف والله أعلم. وفى حديث عائشة
هذا والذى قبله دلالة على استحباب إرسال الهدى لمن لم يرد الحج وأنه يقلده ويشعره من بلده بخلاف من يخرج بهديه
يريد الحج أو العمرة فإنه إنما يشعره ويقلده حين يحرم من الميقات كما تقدم (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى
وابن ماجه والبيهقى (ج ٥: ص ٢٣٣).
٢٦٥٧ - قوله (رأى رجلا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث، وقال العينى: لم يدر اسمه
(يسوق بدنة) بفتحات. قال الحافظ: كذا فى معظم الأحاديث، ووقع لمسلم من طريق بكير بن الأخنس عن أنس
رضى الله عنه ((مر على النبي ◌َّ ببدنة أو هدية)) ولأبى عوانة من هذا الوجه ((أو هدى، وهو مما يوضح أنه ليس المراد
باليدنة مجرد مدلولها اللغوى. قال القسطلانى: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة وهى بالايل أشبه، وكثر استعمالها
فيما كان هديا، ولمسلم من طريق المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة «بينا رجل يسوق بدنة مقلدة)) وكذا فى
طريق همام عن أبى هريرة، والبخارى وأحمد (ج ٢: ص ٢٧٨) من طريق عكرمة عن أبى هريرة: فلقد رأيته راكبا
يساير الني مؤثّ والنعل فى عنقها (فقال: اركبها) زاد النسائى من طريق سعيد عن قتادة، والجوزقى من طريق حميد عن
ثابت كلاهما عن أنس ((وقد جهده المشى)) ولأبى يعلى من طريق الحسن عن أنس ((حافيا) لكنها ضعيفة (فقال: إنها بدنة)
قال الحافظ : تبين بما تقدم من الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الابل المهداة إلى البيت الحرام ولو كان المراد
مدلولها اللغوى لم يحصل الجواب بقوله («إنها بدنة، لأن كونها من الابل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفى على النبي
عربية كونها هديا فلذلك قال إنها بدنة، والحق أنه لم يخف ذلك على النبى مثّ لكونها كانت مقلدة ، ولهذا قال له لما
زاد فى مراجعته «ويلك» (قال: اركبها ويلك) ووقع فى رواية أحمد (ج ٢: ص ٢٥٤) وابن ماجه («اركبها ويحك»
قال الهروى: ويل كلمة تقال لمن وقع فى ملكة يستحقها، وويج لمن وقع فى ملكة لا يستحقها ، وكان الأصمعى يقول:
٢١١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
فى الثانية أو الثالثة.
((ويل، كلمة عذاب و((ويح)، كلمة رحمة. وقال سيبويه: ((ويج)، زجر لمن أشرف على ملكة. وفى الحديث «ويل
واد فى جهنم، وكل ذلك أصل معنى الكلمة، ولكن الظاهر المبادر أنه ميثم قالها له زجرا وتأديبا لأجل مراجعته له مع
عدم خفاء الحال عليه . قال القرطبي: قالها له تأديبا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم ابن عبد البر
وابن العربى وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع فى ذلك بعد هذا. قال: ولو لا أنه مرَّ اشترط على ربه ما اشترط
لهاك ذلك الرجل لا محالة . قال القرطب: ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية فى السائبة
وغيرها فزجره عن ذلك، فعلى الحالتين هى إنشاء، ورجحه عياض وغيره، قالوا والأمر ههنا وإن قلنا أنه للإرشاد
لكنه استحق الذم بتوقفه على امتثال الأمر، والذى يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادا، ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه
غرم بركوبها أو إثم، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو الشفقة عليه فتوقف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال ،
وقيل لأنه كان أشرف على هلكة من الجهد وويل كلمة تقال لمن وقع فى ملكة فالمعنى: أشرفت على الهلكة فار کب،
فعلى هذا هى إخبار ، وقيل هى كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها تجرى على لسانهم فى المخاطبة من غير قصد
لمدلولها كما قيل فى قوله عليه الصلاة والسلام تربت يداك، عقرى حلق، أفلح وأبيه، وكما تقول العرب: لا أم له، لا أب له،
قاتله الله، ما أشجعه، وأشباه ذلك، ويقويه ما وقع بدله «ويحك)) عند أحمد فإذا لا يكون إنشاء ولا إخبارا (فى الثانية)
أى فى المرة الثانية (أو الثالثة) أى أو قال ذلك فى المرة الثالثة، وهذا شك من الراوى. قال القارى: فى الثانية أو الثالثة أى فى
إحدى المرتين متعلق بـ(قال)) وفى رواية همام عن أبى هريرة عند مسلم ((قال له رسول اللّه مَوبي: ويلك اركبها، فقال:
بدنة يا رسول الله، قال: ويلك اركبها، ويلك اركبها، قال الولى العراقى: فإن قلت: فى هذه الرواية أنه عليه الصلاة والسلام
بدأه بقوله: ويلك، ثم قاله له فى المرة الثانية والثالثة، وفى الرواية الأولى أنه قال له ذلك فى الثانية أو الثالثة فكيف الجمع
بينهما؟ قلت: يحتمل أنه قال له ذلك فى الأولى لأمر دنيوى وهو ما حصل له من الجهد والمشقة بالمشى فكان محتاجا
إلى الركوب، وقال له ذلك فى الثانية أو الثالثة لأمر دينى وهو مراجعته للنبى مُؤثّم وتأخر امتثاله أمره ـ انتهى.
والحديث يدل على جواز ركوب الهدى سواء كان واجبا أو متطوعا به لكونه مَ ◌ّه لم يفصل فى قوله ولا استفصل
صاحب الهدى عن ذلك وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم فى الأقوال فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك، وأصرح
من هذا ما أخرجه أحمد (ج ١: ص ١٢١) من حديث على أنه سئل يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس به قد كان
النبي ◌َُّ يمر بالرجال يمشون فيأمرهم يركبون هديه أى هدى النبى، مُبّ. قال: ولا تبعون شيئا أفضل من سنة فيكم مز لل.
قال الحافظ: إسناده صالح - انتهى. وقد اختلفوا فى ركوب الهدى على أقوال يأتى بيانها فى شرح حديث جابر،
وفى الحديث تكرير العالم للفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتويخه وجواز
٢١٢
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
متفق عليه.
٢٦٥٨ - (٨) وعن أبى الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدى، فقال:
سمعت النبى معَّفة يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا.
مسايرة الكبار فى السفر ، وأن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها ، واستنبط البخارى من هذا
الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه حيث بوب على هذا الحديث («باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟، قال: وقد اشترط
عرلا جناح على من وليه أن یأ کل ، وقد على الواقف وغيره. قال: و کذلك من جعل بدنة أو شيئا لله فله أن ينتفع بها
كما ينتفع غيره وإن لم يشترط - انتهى. فهذا كما ترى أشار إلى إلحاق الوقف فى ذلك بالهدى. قال الحافظ: وهو موافق
الجمهور فى الأوقاف العامة ، أما الخاصة فالوقف على النفس لا يصح عند الشافعية ومن وافقهم (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى الحج وفى الوصايا وفى الأدب، ومسلم فى الحج وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢، ص ٢٤٥ ٠ ٢٥٤، ٢٧٨)
ومالك وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى وابن أبى شيبة وأبو الشيخ ابن حبان فى الأضاحى وابن الجارود فى
المنتقى، وفى الباب عن أنس أخرجه أحمد والشيخان والنسائى والترمذى وابن ماجه والبيهقى والدارمى، وأبو الشيخ
ابن حبان فى الضحايا .
٢٦٥٨ - قوله (وعن أبي الزبير) اسمه محمد بن مسلم بن تدرس الأسدى. ولاهم المكى. روى عن العبادلة الأربعة
وجابر وأبى الطفيل وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم، وروى عنه عطاء وهو من شيوخه والزهرى وابن جريج ومالك
والأعمش وهشام بن عروة وأبو عوانة وخلق كثير، وهو من رجال الستة. قال الحافظ فى التقريب: صدوق إلا أنه
يدلس، من الرابعة ، مات سنة ست وعشرين ومائة (اركبها بالمعروف) أى بوجه لا يلحقها ضرر (إذا ألجئت إليها)
أى إذا اضطررت إلى ركوبها (حتى تجد ظهرا) أى مركوبا آخر. والحديث يدل على جواز ركوب الهدى عند الضرورة
وقد اختلفوا فى هذا على أقوال، الأول: الجواز مطلقا، وهذا هو الذى جزم به الرافعى والنووى فى مناسكه، وفى الروضة
فى كتاب الضحايا، وحكاه فى شرح المهذب عن الماوردى والففال وحكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير وأحمد وإسحاق
وكذا حكاه النووى فى شرحى مسلم والمهذب عنهم وعن مالك فى رواية وعن أهل الظاهر، وحكاه الخطابى فى المعالم
عن أحمد وإسحاق وصرح عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليها ، ورواه ابن نافع عن مالك كما فى الزرقانى. الثانى
الجواز بشرط الاحتياج لذلك لا مطلقا فلا يركبها من غير حاجة نقله النووى فى شرح المهذب عن أبى حامد والبندنيجى
وغيرهما. وقال الرؤيانى: تجويزه بغير حاجة يخالف النص وهو الذى نقله الترمذى عن الشافعى وأحمد وإسحاق
حيث قال: وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي مَثّم وغيرهم فى ركوب البدنة إذا احتاج إلى ظهرها وهو
٢١٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
قول الشافعى وأحمد وإسحاق، وقال النووى فى شرح مسلم: مذهب الشافعى أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها من غير
حاجة، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة وهو رواية عن مالك - انتهى. وبه جزم فى الروض المربع من فروع الحنابلة
حيث قال: ويركب لحاجة فقط بلا ضرر، وقال فى المغنى: وله ركوبه عند الحاجة على وجه لا يضر به. قال أحمد : لا
يركبه إلا عند الضرورة وهو قول الشافعى وابن المنذر وأصحاب الرأى. الثالث: الجواز بشرط الاضطرار لذلك
فلا تركب إلا عند شدة الحاجة والاضطرار إليه، وهو المنقول عن جماعة من التابعين كالشعبى والحسن البصرى وعطاء
ابن أبى رباح. قال الولى العراقى: وهو الذى يقتضيه نص الشافعى فإنه قال: يركب الهدى إذا اضطر إليه. وإن كان
النووى استشهد به للتجويز بشرط الحاجة ، فقد علم أن الضرورة أشد من الحاجة. وكذا نقله ابن المنذر والخطابى عن
الشافعى فقالا: وقال الشافعى يركبها إذا اضطر ركوبا غير فادح ولا يركبها إلا من ضرورة. ورواه البيهقى عن عروة
ابن الزبير وهو قول أبى حنيفة وأصحابه فلذلك قيده صاحب الهداية من الحنفية بالاضطرار إلى ذلك. وهو قول الثورى
إذ قال: لا يركب إلا إذا اضطر، وبه جزم الدردير والدسوقى إذ قيداه بالاضطرار لجواز ابتداء الركوب لا الدوام.
قال الحافظ : وقال ابن العربى عن مالك: يركب للضرورة فإذا استراح نزل، ومقتضى من قيده بالضرورة أن من
انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من ضرورة أخرى. والدليل على اعتبار هذه القيود الثلاثة وهى الاضطرار
والركوب بالمعروف وانتهاء الركوب لانتهاء الضرورة ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعا بلفظ «اركبها بالمعروف
إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا، فإن مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها. وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم
النخعى قال: يركبها إذا أعي قدر ما يستريح على ظهرها. الرابع: الجواز مع الكرامة من غير حاجة، نسبه ابن عبد البر
إلى الشافعى ومالك. الخامس: المنع مطلقا، نقله ابن العربى عن أبى حنيفة وشنع عليه، ورده الحافظ والعنى فإن
مذهبه الاياحة عند الاضطرار كما تقدم. السادس: وجوب ذلك مطلقا حكاه ابن عبد البر والقاضى عياض عن
بعض أهل الظاهر تمسكا بظاهر الأمر ومخالفة ما كانوا عليه فى الجاهلية من إ كرام البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى
وإهمالها بلا ركوب. ورده ابن عبد البر بأن الذين ساقوا الهدى فى عهد النبي مَثّ كانوا كثيرا ولم يأمر أحدا منهم
بذلك ۔ انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: وفيه نظر لما تقدم من حديث على عند أحمد. وله شاهد مرسل عند سعيد بن
منصور بإسناد صحيح رواه أبو داود فى المراسيل عن عطاء كان النبى يَّ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها
ويركبها غير منهكها. قال الحافظ: ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعين طريقا إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك - انتهى. قال
الولى العراقى: من قال بالجواز مطلقا تمسك بظاهر حديث أبى هريرة، فإنه عليه الصلاة والسلام أمر بذلك، والأمر هنا
للإباحة، ولم يقيد ذلك بشئى (واستدلوا أيضا بقوله تعالى ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى - ٢٢: ٣٣) على أحد
٢١٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
التفسيرين، ولا تنتهض به الحجة لأنه محمول على كونه تدعوه للحاجة أو الضرورة إلى ذلك بدليل حديث جابر فهو
أخص فى محل النزاع) قال العراقى: ومن قيد الجواز بالحاجة أو الضرورة قال: هذه واقعة محتملة وقد دلت رواية أخرى
على أن هذا الرجل كان محتاجا الركوب أو مضطرا له، روى النسائى عن أنس أن النبى معَ ◌ّم رأى رجلا يسوق بدنة وقد
جهده المشى قال اركبها - الحديث. ثم ذكر العراقى حديث جابر الذى نحن فى شرحه ثم قال: ومن منع مطلقا فهذا
الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجهه أيضا مخالفة ما كانت الجاهلية
عليه من إعمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام بلا ركوب. ودليل الجمهور أنه مَّمٍ أهدى ولم يركب هديه ولم يأمر
الناس بركوب الهدايا. قلت: القول الراجح عندى هو أنه إن دعته ضرورة لركوب الهدى جاز وإلا فلا وذلك لأن
حديث جابر عند مسلم صريح فى أن ركوب الهدى إنما يجوز بالمعروف إذا احتاج إليه واضطر لذلك، فإن زالت
الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدى ترك ركوب الهدى، فالقيد الذى فى حديث جابر يقيد به حديث أبى هريرة وما
فى معناه الخالى عن القيد لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير العلماء لا سيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا ، ويفيد
المعنى منع الركوب مطلقا فإنه جعلها كلها لله تعالى فلا ينبغى أن يصرف منها شيئا لمنفعة نفسه لكن السمح ورد بإطلاقه
بشرط الحاجة رخصة فيقى فيما وراءه على المنع الأصلى الذى هو مقتضى المعنى، واعلم أن محل جواز ركوب الهدى
ما لم يضر به الركوب، وهذا متفق عليه بينهم، وعليه يدل قوله مَّم فى حديث جابر فاركبها بالمعروف، ومتى نقصت
بالركوب ضمن النقصان عند الشافعية والحنفية والحنابلة ، ومقتضى نقل ابن عبد البر عن مالك أنه لا يضمن. قال
الطحاوى فى اختلاف العلماء قال أصحابنا والشافعى: يركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن. وقال مالك: لا يركب
إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم، وصرح فى الهداية وغيرها من فروع الحنفية بأنه لو ركبها فانتقص بركوبه فعليه
ضمان ما نقص. وقال ابن قدامة فى الشرح الكبير: وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضربها. قال أحمد: لا يركبها إلا
عند الضرورة، وهو قول الشافعى وابن المنذر وأصحاب الرأى لأن النبي مُدّم قال: اركبها بالمعروف إذا ألجنت إليها حتى
تجد ظهرا، ولأنه تعلق بها حق المساكين فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم، وإنما جوزناه عند الضرورة للحديث ،
فإن نقصها الر کوب ضمن النقص لأنه تعلق بها حق غيره ، وفی الر کوب مع عدم الحاجة روایتان إحداهما لا يجوز لما
ذكرنا والثانية يجوز لحديث أبى هريرة وأنس-انتهى. واختلف المجيزون فى أن جواز الركوب المقيد بالحاجة أو
الضرورة هل ينتهى بانتهاء الحاجة أو يمتد إلى ما بعد ذلك، وهما قولان لمالك ، فقال الجمهور يتقيد بذلك ويتهى باتها.
الحاجة كما تقدم فى بيان القول الثالث ما قال الحافظ من أن مقتضى من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود
إلى ركوبها إلا من ضرورة أخرى. وقال عياض: قوله زائل «إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا)» فيه حجة لأحد قولى
٠
٢١٥٠
مرعاة المفانح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
رواه مسلم.
٢٦٥٩ - (٩) وعن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر بدنة
مالك أنه إد، ركب واستراح ينزل، قال إسماعيل: وهذا الذى يدل عليه المذهب. وقال ابن القاسم: لا يلزمه النزول
لأنه أبيح له الركوب فجاز له الاستصحاب. وقال الأبى: قوله حتى يجد ظهرا يرد قول ابن القاسم لأنه إذا زال العذر صار
دوام ر کوبه کابتداء، لالعذر۔انتھی۔ لکنمختارالدردیر هو قول ابن القاسم حیث قال:فإنر کب حينئذأی حین کان مضطرا
فلا يلزم النزول بعد الراحة وإنما يندب فقط. قال الدسوقى: فإن نزل بعد الراحة فلا يركبها ثانيا إلا إذا اضطر كالأول.
واختلفوا أيضا هل يحمل عليها متاعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور قياسا للحمل على الركوب ، ورواه ابن أبى شيبة
عن عطاء ولماوس، وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضا على التفصيل المنقدم من جوازه مطلقا أو بقيد الحاجة أو
الضرورة. قال الولى العراقى: قال أصحابنا: كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له إقامة غيره فى ذلك مقام نفسه بالعارية
ظه أن يعيرها لركوب غيره، وحكى ابن المنذر عن الشافعى أنه قال: له أن يحمل المعيى والمضطر على هديه ومنعوا
إجارتها لأنها بيع النافع، ونقل القاضى عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها، وأما لبنها فقال الطحاوى: قال أصحابنا
والشافعى: إن احتلب منها شيئا تصدق به فإن أكله تصدق بثمنه، وقال مالك: لا يشرب من لبنه فإن شرب لم يغرم -
انتهى ذن الشنقيطى: والظاهر أن شرب ما فضل من لبنها عن ولدها لا بأس به لأنه لا ضرر فيه عليها ولا على ولدها ،
وقال بن قدامة فى المغنى: والهدى شرب لبن الهدى لأن بقاءه فى الضرع يضر به، فإذا كان ذا ولد لم يشرب إلا ما فضل
عن ولده لما رواه سعيد بن منصور والأثرم عن على أنه أناه رجل بقرة قد أولدها فقال له: لا تشرب من لبنها إلا ما
فضل عن ولدها ، فإذا كان يوم الأضحى ضحيت بها وولدها عن سبعة. قال ابن قدامة: فإن شرب ما يضر بالأم أو ما
لا يفضل تن الولد ضمنه لأنه تعدى بأخذه ـ انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى
وان الجارود.
٥٩ ٢٠ - قوله (بعث رسول اللّه مَوائل ستة عشر بدنة) كذا وقع فى جميع نسخ المشكاة، وفى صحيح مسلم ((ست
*. ة) وهكذا فى جامع الأصول ونسخ المصابيح. قال الطبى: كلاهما صحيح، لأن البدنة تطلق على الذكر والأنثى ..
انتهى. واختلفت الروايات فى مقدار البدن التى بعث بها رسول اللّه مَيثير، ففى هذه الرواية أنها ست عشرة بدنة، وفى
أخرى عند مسلم أيضا أنها ثمانى عشرة ، ويمكن الجمع بتعدد القصة أو يصار إلى ترجيح الرواية المشتملة على الزيادة إن
كانت القصة واحدة، قاله الشوكانى. وقال النووى: يجوز أنهما قضيتان، ويجوز أن تكون قضية واحدة والمراد ثمان
نشرة، وليست فى قوله ((ست عشرة)) ففى الزيادة لأنه مفهوم عدد ولا عمل عليه، والله أعلم - انتهى. وأسند الواقدى
٢١٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
مع رجل، وأمره فيها، فقال: يا رسول الله! كيف أصنع بما أبدع على منها؟ قال: انحرها، ثم
اصبغ نعليها فى دمها، ثم اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك.
فى أول غزوة الحديبية القصة بطولها ، وفيها أنه عليه الصلاة والسلام استعمل على هديه ناجية بن جندب الأسلى وأمره
أن يتقدمه بها، وقال: كان سبعين بدئة. قال القارى: نقل الواقدى مخالف لرواية مسلم اللهم إلا أن يقال العدد المذكور فى
رواية مسلم مختص بخدمة ناجية له، والباقى لغيره من رفقاته كما يدل عليه قوله: وأمره فيها (مع رجل) أى ناجية الأسلمى
قاله القارى (وأمره) بتشديد الميم أى جعله أميرا (فيها) أى لينحرما بمكة (فقال يا رسول اللّه) وفى مسلم ((قال: مضى
ثم رجع فقال: يا رسول الله، (كيف أصنع بما أبدع) بضم الهمزة وإسكان الباء وكسر الدال وفتح العين بصيغة المبنى
الفعول (على) أى بما حبس على من الكلال (منها) أى من تلك البدن، يقال أبدعت الراحلة إذا كلت وأعيت حتى وقت
من الاعياء، واُبدع بالرجل على بناء المجهول إذا انقطعت راحلته به لکلال ، ولذا لم يقل أبدع بی لأنه لم یکن هو را کبا
لأنها كانت بدنة يسوقها بل قال أبدع على لتضمين معنى الحبس كما ذكرنا (ثم اصبغ) بضم الموحدة ويجوز فتحها وكسرها
(فعليها) وفى حديث ابن عباس عن ذويب أبى قبيصة عند مسلم أيضا («فعلها)) بالافراد، أى التى قلدتها فى عنقها (فى دمها)
ليعلم أنه هدى عطب فينبغى أن يأكله من يجوزله أكله، وحكى عن مالك أنه قال أمره بذلك ليعلم أنه هدى فلا يستباح إلا
على الوجه الذى ينبغى (ثم اجعلها على صفحتها) قال القارى: أى كل واحدة من النعلين على صفحة من صفحتى سنامها -
انتهى. وقوله ،ثم اجعلها، كذا فى جميع نسخ المشكاة، وفى صحيح مسلم («ثم اجعله)، وهكذا فى جامع الأصول، وفى
المصابيح ،ثم اجعلها، أى بضمير الثنية، وفى حديث ذويب «ثم اضرب به صفحتها)، (ولا تأكل منها أنت) التأكيد
(ولا أحد) أى ولا يأكل أحد (من أهل رفقتك) بضم الراموسكون الفاء، وفى القاموس: الرفقة مثلثة، وقال الشوكانى:
الرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان، أى رفقاؤك فأهل زائد، وقال البوصيرى: بضم الراء وكسرها وسكون
الفاء: جماعة ترافقهم فى سفرك والأهل مقحم. قال الطبي: سواء كان فقيرا أو غنيا، وإنما منعوا ذلك قطعا لأطماعهم
لثلا ينحرها أحد ويتعلل بالعطب - انتهى. قال النووى: وفى المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا، أحدهما أنهم الذين
يخالطون المهدى فى الأكل وغيره دون باقى القافلة. والثانى وهو الأصح الذى يقتضيه ظاهر نص الشافعى وكلام جمهور
أصحابنا أن المراد بالرفقة جميع القافلة، لأن السبب الذى منعت به الرفقة هو خوف تعطيهم إياه، وهذا موجود فى جميع
القافلة. فإن قيل: إذا لم تجوزوا لأهل القافلة أكله وقلتم بتركه فى البرية كان طعمة للسباع، وهذا إضاعة مال. قلنا:
ليس فيه إضاعة مال بل العادة الغالبة أن سكان البوادى وغيرهم يتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحو ذلك،
وقد تأتى قافلة فى أثر قافلة، والله أعلم - انتهى. والحديث يدل على أن من بعث معه هدى إلى الحرم ضعطب فى الطريق
٢١٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
قبل بلوغ محله أنه ينحره ثم يصبغ فعليه فى دمه ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها ليعلم من مر بها أنها هدى
ويخلى بينها وبين الناس ولا يأكل منها هو ولا أحد من أهل رفقته. والظاهر أن علة منعه ومنع رفقته هو سد الذريعة
ثلا يتوسل هو أو بعض وفقته إلى نحره بدعوى أنه عطب أو بالتسبب له فى ذلك للطمع فى أكل لحمه لأنه صار للفقراء
وهم يعدون أنفسهم من الفقراء، والظاهر عدم الفرق بين هدى التطوع والفرض لكن خصص ذلك بهدى التطوع لأن
الهدى الذى بعثه النبي تؤثر كان هدى تطوع، والظاهر أنه لا يجوز الأكل منه للأغنياء بل الفقراء. واختلف الفقهاء
فى حكم هدى التطوع إذا عطب قبل محله. قال الشنقيطى: أما هدى التطوع فالظاهر أنه إن عطب فى الطريق ألقيت
تلائده فى دمه وخلى بينه وبين الناس وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، وليس لصاحبه
الأكل منه عند مالك وأصحابه وهو ظاهر مذهب أحمد وليس عليه بدله لأنه لم يتعلق بذمته. قلت : مذهب مالك على
ما يدل عليه فروع المالكية وكلام ابن قدامة أنه يجوز أكله للرفقاء مطلقا سواء كانوا أغنياء أو فقراء فضلا عن غير الرفقة
ولا يجوز لصاحبه ولو فقيرا ولا لرسوله، ولا يجوز له الأمر لأحد أن يأكل ولا أن يفرقه على الناس بل يخلى بينه
وينهم ، وارجع للتفصيل إلى المغنى (ج ٣: ص ٥٣٧، ٥٣٨) وحملت المالكية حديث ابن عباس على سد الذريعة
كما جزم به المازرى والقرطبي والزرقانى والأبى. قال الشنقيطى: وأما مذهب الشافعى وأصحابه فهو أن هدى التطوع
باق على ملك صاحبه فله ذبحه وأ كله وبيعه وسائر التصرفات فيه ولو قلده ، لأنه لم يوجد منه إلا نية ذبحه والنية لا تزيل
ملكه عنه حتى يذبحه بمحله ، فلو عطب فى الطريق فلمهديه أن يفعل به ما شاء من بيع وأكل وإطعام لأنه لم يزل فى ملكه
ولا شئى عليه فى شتى من ذلك. قلت: وهكذا ذكر مذهب الشافعى النووى فى شرح مسلم وفى مناسكه والطبي
والقسطلانى ، وحمل الطبي حديث ابن عباس على الهدى الواجب حيث حكى القارى عنه فى شرح حديث ابن عباس تحت
قوله (ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك)) أنه قال: سواء كان فقيرا أو غنيا هذا إذا أوجبه على نفسه، وأما إذا
كان قطوعا فله أن ينحره ويأكل منه، فإن مجرد التقليد لا يخرجه عن ملكه - انتهى. قال الشنقيطى: وأما مذهب أبى
حنيفة فى هدى التطوع إذا عطب فى الطريق قبل بلوغ محله فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه ولا لغنى من الأغنياء، وإنما
بأكله الفقراء. قلت: حاصل مذهب الحنفية أكله للفقراء سواء كانوا رفقة أم لا، ولا يجوز للأغنياء مطلقا. قال
الزيلعى فى التبين: حديث ابن عباس محمول على أنه ورفقته كانوا أغنياء. قال الشنقيطى: ووجه قول من قال: إن هدى
التطوع إذا عطب فی الطریق لا يجوز مهدیه أن یأ کل منه ، هو أن الإذن له فى الأ کل جاء النص به بعد بلوغه محله ، أما
قبل بلوغه محله فلم يأت الاذن بأكله، ووجه خصوص الفقراء به لأنه حينئذ يصير صدقة لأن كونه صدقة خير من أن
يترك السباع تأكله، هكذا قالوا، والعلم عند الله تعالى - انتهى. وأما حكم الهدى الواجب إذا عطب قبل محله فقال
٢١٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
الخرقى: من ساق هديا واجبا ضعطب دون محله صنع به ما شاء وعليه مكانه، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٣٤) الواجب
من الهدى قسمان: أحدهما وجب بالنذر فى ذمته، والثانى وجب بغيره، كدم التمتع والقران والدماء الواجبة بترك
واجب أو فعل محظور ، وجميع ذلك ضربان، أحدهما أن يسوقه ينوى به الواجب الذى عليه من غير أن يعينه بالقول ،
فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى أهله، وله التصرف فيه بما شاء من بيع وهبة وأكل وغير ذلك ، وإن
عطب تلف من ماله، وإن قعيب لم يجزئه ذبحه، وعليه الهدى الذى كان واجبا ، الضرب الثانى أن يعين الواجب عليه
بالقول فيقول: هذا الواجب على، فإنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه، فإن عطب أو سرق أو ضل أو
نحو ذلك لم يجزه وعاد الوجوب إلى ذمته وهذا كله لا نعلم فيه مخالفا، وروى عن أحمد أنه يذبح المعيب وما فى ذمته
جميعا، ولا يرجع المعين إلى ملكه. ثم قال الخرقى: وإن ساقه تطوعا نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم يأكل
منه هو ولا أحد من أهل رفقته ولا بدل عليه ، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٣٧): من تطوع بهدى غير واجب لم يخل
من حالين: أحدهما أن ينوى به هديا ولا يوجب بلسانه ولا بإشعاره وتقليده، فهذا لا يلزمه إمضاؤه وله أولاده
ونماؤه والرجوع فيه متى شاء ما لم يذبحه لأنه نوى الصدقة بشئى من ماله فأشبه ما لو نوى الصدقة بدرهم. الثانى أن
يوجب بلسانه فيقول هذا هدى أو يقلده أو يشعره ينوى بذلك إهداء، فيصير واجبا معينا يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة
صاحبه ویصیر فییدیصاحبه کالوديعة يلزمهحفظه وإيصاله إلىمحله،فان تلف بغیر تفريط منه أو سرق أو ضل لم يلزمه شئى
لأنه لم يجب فى الذمة، إنما تعلق الحق بالعين فسقط بتلفها كالوديعة، وقدروى الدارقطنى بإسناده عن ابن عمر قال سمعت
رسول اللّه تَّى يقول: من أهدى تطوعا ثم ضلت فليس عليه البدل إلا أن يشاء، فإن كان نذرافعليه البدل، فأما إن أتلفه أو
تلف بتفريطه فعليه ضمانه، لأنه أتلف واجبالغيره فضمنه كالوديعة، وإن عاف عطبه أو عجز عن المشى وصحبة الرفاق نحره موضعه
وخلى بينه وبين المساكين ولم يبح له أكل شئ منه، ولا لأحد من صحابته، وإن كانوافقراء ويستحب له أن يضع فعل الهدى
المقلد فى عنقه فى دمه ثم يضرب به صفحته ليعرفه الفقراء فيعلموا أنه هدى وليس بميتة فيأخذوه - انتهى. وقال عياض: أما
ما عطب من الهدى الواجب قبل النحر فقال مالك والجمهور: يأكل منه صاحبه والأغنياء لأن صاحبه يضمنه لأنه تعلق
بذمته، واختلف مل ڈـ بیعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور ۔ انتھی. وهكذا ذکر ابن رشد، والآبی فی الا کال ، وأنا
مذهب الشافعية فقال النووی فی شرح مسلم: إن كان هدیا منذورا لزمه ذبحه، فإن ترکه حتى ملك لزمه ضمانه كا
لو فرط فی حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه غمس فعله التی قلده إياها فى دمه ليعلم من مر به أنه هدی فیأ كله ولا يجوز
الهدى ولا لسائق هذا الهدى الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقا، لأن الهدى مستحق الساكين فلا يجوز
لغيرهم ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة ولا يجوز لفقراء الرفقة - انتهى. وهذا خلاف ما ذكره الشافعى فى الأم
٢١٩
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
حيث قال (ج ٢: ص ١٨٣): إذا عطب الهدى الواجب دون الحرم صنع به صاحبه ما شاء من بيع وهبة وإمساك
وعليه بدله بكل حال، لأنه قد خرج من أن يكون هديا حين عطب قبل أن يلغ محله - انتهى. وحاصل مذهب الحنفية
على ما فى مناسكهم كالغنية وشرح اللباب وغيرهما أنه إن عطب الهدى الواجب قبل وصوله إلى محله فعليه أن يقيم غيره
بدله وصنع بالأول ما شاء من بيع وغيره، وقال الشنقيطى (ج ٥: ص ٥٨٣): اعلم أن الهدى إما واجب وإما
قطوع، والواجب إما بالنذر أو بغيره، والواجب بالنذر إما معين أو غير معين، فالظاهر الذى لا ينبغى العدول عنه: أن الهدى
الواجب بغير النذر كهدى التمتع والقران والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور، والواجب بالنذر فى ذمته كان
يقول الله على نذر أن أهدی مدیا، أن جمیع ذلك حااین: الأولى أن یکون ساقما ذکر من الهدی ینوی به الهدى الواجب
عليه من غير أن يعينه بالقول كأن يقول: هذا الهدى سقته أريد به أداء الهدى الواجب على. والحالة الثانية هى أن
يسوقه ينوى به الهدى المذكور مع تعيينه بالقول، فإن نواه ولم يعينه بالقول فالظاهر أنه لا يزال فى ضمانه ولا يزول
ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب فى الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع، لأنه لم يزل
فى ملكه، وهو مطالب بأداء الهدى الواجب عليه بشتى آخر غير الذى عطب، لأنه عطب فى ضمانه ، فهو بمنزلة من عليه
دین فحمله إلى مستحقه يقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه، فعليه قضاء الدين بغير التالف لأنه تلف فى ذمته ، وإن
تعيب الهدى المذكور قبل بلوغه محله ، فعليه بدله سليما ويفعل بالذى تعيب ما شاء لأنه لم يزل فى ملكه وضمانه ، والذى
يظهر أن له التصرف فيه، ولو لم يعطب ولم يتعيب لأن مجرد نية إهدائه عن الهدى الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدى
المذكور لازم له فى ذمته حتى يوصله إلى مستحقه، والظاهر أن له نماؤه. وأما الحالة الثانية وهى ما إذا نواه وعينه
بالقول كان يقول: هذا هو الهدى الواجب على. والظاهر أن الإشعار والتقليد كذلك، فالظاهر أنه يتعين الوجوب
فيه من غير أن تبرأ الذمة فليس له التصرف فيه ما دام سليما، وإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه وعاد
الوجوب إلى ذمته فيجب عليه هدى آخر، لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول أو التقليد والإشعار،
والظاهر أنه إن عطب فعل به ما شاء، لأن الهدى. لازم فى ذمته وهذا الذى عطب صار كأنه شئى من ماله لا حق فيه
لفقراء الحرم، لأن حقهم باق فى الذمة فله بيعه وأكله وكل ما شاء، وعلى هذا جمهور أهل العلم ، وعن مالك يأكل
ويطعم من شاء من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئا، وإن بلغ الهدى محله فذبحه وسرق فلا شئ عليه عند أحمد.
قال فى المغنى (ج ٣: ص ٥٣٥): وبهذا قال الثورى وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأى، وقال الشافعى: عليه
الاعادة لأنه لم یوصل الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم یذبحه، ولنا أنه أدی الواجب عليه فیرئی منه كما لو فرقه، ودليل
أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلا التفرقة وليست واجبة بدليل أنه لو خلى بينه وبين الفقراء أجرأه، ولذلك لما نحر النبي،
٢٢٠