النص المفهرس

صفحات 161-180

مرعاة المفاتيح ج٩.
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
أنه قال فى عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة. وهو كاف ناقته حتى دخل
محسرا، وهو من منى قال: عليكم بحصى الخذف الذى يرمى به الجمرة، وقال: لم يزل رسول اللّه مؤ ليل
يلبي حتى رمى الجمرة. رواه مسلم .
٢٦٣٥ - (٨) وعن جابر، قال: أفاض النبى معَّف من جمع. وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة،
وأوضع فى وادى محسر،
والجملة معترضة (أنه) أى النبى مؤثّ (قال فى عشية عرفة) أى بناء على ما سمعه وهو غير رديفه (وغداة جمع) أى من
مزدلفة يعنى حال كونه رديفا له (حين دفعوا) أى انصرفوا من عرفة والمزدلفة (عليكم بالسكينة) مقول القول، وهذا
إرشاد إلى الأدب والسنة فى السير من عرفة ومن مزدلفة ويلحق به سائر مواضع الزحام (وهو) أى النبى ي پتے ( كاف
ناقته) بتشديد الفاء أى كان يكفها ويمنعها من الإسراع حين الزحام (حتى دخل محسرا) بتشديد الدين المكسورة أى
يحرك دابته فيه (وهو) أى المحسر (من منى) فيه أن وادى محسر من منى وقيل هو من المزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ
بين المزدلفة ومنى ، ومعنى قوله ((هو من منى) أى موضع قريب من منى فى آخر المزدلفة (عليكم بحصى الخذف) بخاء معجمة
مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة بوزن الضرب تقول: خذفت الحصاة ونحوها خذفا من باب ضرب ، رميتها بطرفى
الابهام والسبابة، والمراد الحصى الصغار نحو الباقلا ، وقد تقدم بيان ذلك فى شرح حديث جابر الطويل (الذى يرمى
به الجمرة) بالرفع على أنه نائب الفاعل، والمعنى يلزمكم أن ترفعوا حصى لترموا بها الجمرة ، ثم اختلفوا فى أنه يرفعها من
الطريق وهو ظاهر الحديث ، وجاء فى بعض الروايات رفعها من المزدلفة وهذا منقول عن ابن عمر وسعيد بن جبير
والمختار أنه يجوز أن يرفع من أى مكان شاء إلا الجمرات التى رمى بها ، ويجوز بها أيضا لكن الأفضل أن لا يرمى بها،
ثم اختلفوا فى أن ترفع سبع حصيات لرمى يوم النحر فقط. ونص الشافعى على استحباب ذلك، أو سبعين حصاة ،
سبعة ليوم النحر وثلاثا وستين لما بعده من الأيام وظاهر إفراد الجمرة ينظر إلى القول الأول، والله أعلم. وارجع لمزيد
التفصيل إلى المغنى (ج ٣: ص ٤٢٤) (وقال) أى الفضل (حتى رمى الجمرة) أى جمرة العقبة يوم النحر وعند ذلك قطع
التلبية. والحديث يدل على أنه يستحب لمن بلغ وادى محسر إن كان را كبا يحرك دابته ، وإن كان ماشيا أسرع فى مشيه
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١، ص ٢١٠) والنسائى والبيهقى (ج ٥: ص ١٢٧).
٢٦٣٥ - قوله (من جمع) أى من المزدلفة (وعليه السكينة) جملة حالية (وأمرهم) أى الناس (وأوضع) أى
أسرع السير بإله، فقال وضع البعير يضع وضعا وأوضعه راكبه إيضاعا إذا حمله على سرعة السير (فى وادى محسر)
أى قدر رمية حجر. قال الشوكانى: حديث جابر هذا يدل على أنه يشرع الإسراع فى وادى محسر. قال الأزرقى: وهو
١٦١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف. وقال: لعلى لا أراكم بعد عامى هذا. لم أجد هذا الحديث
فى الصحيحين إلا فى جامع الترمذى مع تقديم وتأخير.
﴿ الفصل الثانى )
٢٦٣٦ - (٩) عن محمد بن قيس بن مخرمة، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
خمس مائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعا، وإنما شرع الاسراع فيه لأن العرب كانوا يقفون فيه ويذكرون مفاخر آباتهم
فاستحب الشارع مخالفتهم ، وقيل فى حكمة الإسراع غير ذلك كما سبق (بمثل حصى الخذف) تقدم ضبطه وتفسيره
(لعلى لا أراكم بعد عامى هذا) لعل ههنا للإشفاق، وفيه تحريض على أخذ المناسك منه وحفظها وتبليغها عنه، قال المظهر:
لعل للترجى وقد تستعمل بمعنى الظن وعسى كذا فى المرقاة، وفى رواية مسلم «تأخذوا مناسككم فإنى لا أدرى لعلى
لا أحج بعد حجتی هذه». قال الزرقانى : لعلی أی أظن ويحتمل أن لعل للتحقيق کما يقع فى كلام الله تعالی کثیرا. وقال
: النووى: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته تريثّ وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من
ملازمته وقعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع (لم أجد هذا الحديث فى الصحيحين) أى فى أحاديثهما حتى يشمل جامع
الأصول الجزرى والجمع بين الصحيحين الحميدى فافهم، وهذا اعتراض على صاحب المصابيح فى إيراده فى الصحاح أى
الفصل الأول (إلا فى جامع الترمذى) استثناء منقطع أى لكن وجدته فيه (مع تقديم وتأخير) هذا أيضا متضمن.
لاعتراض آخر. قلت: قال الترمذى: حدثنا محمود بن غيلان ناوكيع وبشر بن السرى وأبو نعيم قالوا : نا سفيان بن
عينة عن أبى الزبير عن جابر أن النبي ◌َّم أوضع فى وادى محسر، وزادفيه بشر «وأفاض من جمع وعليه السكينة وأمرهم
بالسكينة، وزاد فيه أبو نعيم «وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف وقال: لعلى لا أراكم بعد عامى هذا». قال الترمذى:
حديث جابر حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه والبيهقى (ج ٥: ص ١٢٥) من طريق الثورى عن أبي الزبير عن جابر
بنحو رواية الترمذى، وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائى بلفظ ((أفاض رسول اللّه ورؤية وعليه السكينة وأمرهم أن يرموا
يمثل حصى الخذف وأوضع فى وادى محسر، وأخرج أحمد أيضا ومسلم وأبو داود (فى رواية أبى الحسن بن العبد وأبى
بكر بن داسة) والنسائى والبيهقى (ج ٥: ص ١٣٠) كلهم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: رأيت النبي
وَّى يرمى الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا مناسككم، فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه. وقد
ذكره المصنف فى باب رمی الجمار .
٢٦٣٦ - قوله (عن محمد بن قيس بن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ، ابن المطلب بن
عبد مناف بن قصى القرشى المطلبى المكى. قال الحافظ فى التقريب: يقال له روية، وقد وثقه أبو داود وغيره، وقال
١٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال فى وجوههم قبل
أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حين تكون كأنها عمائم الرجال فى وجوههم،
وإنا لا ندفع من عزفة حتى تغرب الشمس، وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، هدينا
مخالف لهدى عبدة الأوثان والشرك.
فى تهذيب التهذيب: روى عن النبي مَو ◌َُّ مرسلا وعن أبى هريرة وعائشة وعن أمه عن عائشة، روى عنه ابنه حكيم
وعبد الله بن كثير بن المطلب ومحمد بن عجلان ومحمد بن إسحاق وابن جريج وغيرهم. قال أبو داود ثقة، وذكره ابن
حبان فى الثقات وذكر العسكرى أنه أدرك النبي ◌َّةٍ وهو صغير. وقال فى الإصابة فى ترجمته: ذكره العسكرى وقال:
لحق النی {ٹے ، وذكره ابن أبى داود والاوردى فى الصحابة ، وجزم البغوى وابن مندة وغيرهما بأن حديثه مرسل یعنی
فهو من التابعين. وروى أيضا عن أبيه وعمر، وروى أيضا عن أمه وعن عائشة - انتهى. وذكره المصنف فى التابعين،
فالحديث مرسل (إن أهل الجاهلية) أى غير قريش (كانوا يدفعون) أى يرجعون (فى وجوههم) الجار متعلق بتكون
وجملة التشبيه معترضة (قبل أن تغرب) بضم الراء، ظرف ليدفعون أو بدل من حين، نقل الطبي عن القاضى شبه ما
يقع من ضوء الشمس على الوجه طرفى النهار حين ما دنت الشمس من الأفق بالعمامة لأنه يلمع فى وجهه لمعان بياض
العمامة - انتهى. وقيل المراد كأن الشمس حين غاب نصفها عمامة على رأس الجبل، لأن شكل العمامة شكل نصف الكرة
فإن قلت: قوله ((فى وجوههم)، يدل على ما ذكره الطبي. قلت: نعم إن كان متعلقا بقوله تكون الشمس وليس بمتعين بل
يحتمل أن يتعلق بعمائم الرجال ظرفا مستقرا، كذا فى اللعات، وقال القارى: قال بعض الشراح قوله ((حين تكون الشمس
كأنها عمائم الرجال فى وجوههم، أى حين تكون الشمس فى وجوههم كأنها عمائم الرجال ، وذلك بأن يقع فى الجهة
التى تحاذى وجوههم ، وإنمالم يقل ((على رؤسهم)، لأن فى مواجهة الشمس وقت الغروب إنما يقع ضوئها على ما يقابلها ولم
يتعد إلى ما فوقه من الرأس لانحطاطها، وكذا وقت الطلوع، وإنما شبهها بعمائم الرجال لأن الإنسان إذا كان بين
الشعاب والأودية لم يصبه من شعاع الشمس إلا الشئى اليسير الذى يلمع فى جنبيه لمعان بياض العمامة والظل يستر بقية
وجهه وبدنه، فالناظر إليه يجد ضوء الشمس فى وجهه مثل كور العمامة فوق الجبين، والإضافة فى ((عمائم)، لمزيد
التوضيح كما قاله الطبي أو للاحتراز عن نساء الأعراب فإن على رؤسهن ما يشبه العمائم كما قاله ابن حجر - انتهى كلام
القارى (ومن المزدلفة) أى يرجعون (وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس) فيكره النفر قبل ذلك عند بعضهم ،
والأكثرون على أن الجمع بين الليل والنهار واجب (وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس) أى عند الإسفار فيكره
المكث بها إلى طلوع الشمس اتفاقا (هدينا) أى سيرتنا وطريقتنا (والشرك) أى أهله، والجملة استينافية فيها معنى
١٦٣

ـرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
رواه
٢٦٢٧ - (١٠) وعن ابن عباس، قال: قدمنا رسول الله مؤلفى ليلة المزدلفة أغيلة بنى عبد المطلب
) كذا فى الأصل بياض هنا، وفى نسخة صحيحة كتب
التعليل وفى المصابيح ((لهدى أهل الأوثان والشرك)(رواه
فى الهامش ((رواه البيهقى) أى فى شعب الإيمان، ذكره الجزرى، ولفظ البيهقى ((خطبنا)) وساقه بنحوه، كذا فى المرقاة،
قلت: روى البيهقى فى السنن (ج ٥: ص ١٢٥) من طريق عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن
مخرمة عن المسور بن مخرمة قال خطبنا رسول اللّه مَافضل بعرفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أهل الشرك
والأوثان - الحديث. قال البيهقى: ورواه عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول
اللّه تَّ خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر ثم ذكر ما بعده بمعناه مرسلا - انتهى. والحديث أورده
الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ٣: ص ٢٥٥) من رواية المسور بن مخرمة ثم قال: رواه الطبرانى فى الكبير، ورجاله
رجال الصحيح. وقال الحافظ فى تخريج الهداية (ص ١٩٤) بعد ذكره عن المسور بن مخرمة أخرجه الحاكم وصححه
والبيهقى من طريقه ثم من طريق ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عنه ، وهو عند الشافعى ثم عند البيهفى من هذا
الوجه ليس فيه المسور، وذكره صاحب المهذب (أبو إسحاق الشيرازى) عن المسور، وخطأه ابن دقيق العيد فقال:
إنما هو محمد بن قيس بن مخرمة كذا قال ، وكأنه لم يقف على الرواية الموصولة (عند الحاكم والبيهقى) وروى ابن
أبى شيبة عن ابن أبى زائدة عن ابن جريج أخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة نحوه ، وهذا يقتضى انقطاع طريق الحاكم
انتهى كلام الحافظ وهو ملخص ما ذكره الزيلعى فى نصب الراية (ج ٣- ص ٦٧) وحديث المسور بن مخرمة لم أجده
فى المستدرك فى مظانه، وأما حديث محمد بن قيس بن مخرمة فرواه الشافعى فى الأم (ج ٢، ص ١٨٠) عن مسلم بن.
خالد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة بلفظ أن النبي تؤثر قال كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن
تغيب الشمس ، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثير كيما فغير. فأخر الله تعالى هذه وقدم هذه
معنى قدم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس - انتهى. وذكره الشيخ عبد الرحمن الساعاتى
فى بدائع المنن (ج ٢: ص ٥٧، ٥٨) بلفظ المشكاة.
٢٦٣٧ - قوله (قدمنا رسول اللّه مثل) أى أمرنا بالتقدم إلى منى أو أرسلنا قدامه (أغيلمة بنى عبد المطلب) أى
صبياتهم، وفيه تغليب الصبيان على النسوان، وهو بدل من الضمير فى قدمنا، وقال القارى: نصبه على الاختصاص أو على
إضمار أعنى أو عطف بيان من ضمير قدمنا. قال الخطابي: أغيملة تصغير غلة، وكان القياس غليمة لكنهم ردوه إلى
أنملة فقالوا أغيملة أى كأنهم صغروا أغلمة وإن لم يقولوه كما قالوا أصيبية فى تصغير الصبية. وقال القارى: هو تصغير
١٦٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
على حمرات، فجعل يلطح أنفاذنا ويقول: أبينى لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
شاذ لأن قياس غلة - بكسر الغين - غليمة، وقيل هو تصغير أغلبية جمع غلام قياسا وإن لم يستعمل، والمستعمل غلمة فى
القلة والغلبان فى الكثرة. وقال الجزرى فى جامع الأصول: أغلمة تصغير أغلبية قياسا ولم تجى، كما أن أصيبية تصغير
أصبية ولم تستعمل، إنما المستعمل صبية وغلة. وقال فى النهاية: تصغير أغلبة بسكون الغين وكسر اللام جمع غلام وهو
جائز فى القياس ولم يرد فى جمع الغلام أغلبية وإنما ورد غلمة بكسر الغين المعجمة (على حمرات) بضمتين جمع حمر جمع
تصحيح وحمر جمع حمار وهى حال من المفعول أى راكبين على حمرات وهذا يدل على أن الحج على الحمار غير مكروه فى
السفر القريب (فجعل) أى فشرع النبي ◌َّة (يلطح) بفتح الياء التحتية والطاء المهملة بعدها حاء مهملة أى يضرب (أفخاذنا)
جمع فخذ، قال الجزرى: اللطح هو الضرب الخفيف أى اللين يطن الكف أى يضرب بيده أفخاذنا ضربا خفيفا.
وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم (أبنى) بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وسكون ياء التصغير بعدها نون مكسورة ثم ياء مشددة
مفتوحة. قال السندى: قيل هو تصغير أبنى كاعمى وأعيمى وهو اسم مفرد يدل على الجمع أو جمع ابن مقصوراكما جاء
محدودا، بقى أن القياس حينئذ عند الإضافة إلى ياء المتكلم أبيناى فكأنه رد الألف إلى الواو على خلاف القياس، ثم
قلب الواو ياء وأدغم الياء فى الياء وكسر ما قبله، ويحتمل أن يكون مقصور الآخر لا مشدده فالأمر أظهر، والله تعالى
أعلم. وقال الجزرى فى النهاية: قد اختلف فى صيغته ومعناه فقيل: إنه تصغير أبنى كاعمى وأعيمى، وهو اسم مفرد
يدل على الجمع، وقيل: إن ابنا يجمع على أبنى وأبناء مقصورا وبمدودا، وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال
أبو عبيدة: هو تصغير بنى جمع ابن مضافا إلى النفس أى ياء المتكلم فهذا يوجب أن يكون اللفظ فى الحديث بني بوزن
سريجى - انتهى. وقال القارى: هو تصغير ابن مضاف إلى النفس أو بعد جمعه جمع السلامة إلا أنه خلاف القياس،
لأن همزته همزة وصل، والقاعدة أن التصغير يرد الشقى إلى أصله مثل الجمع، ومنه قوله تعالى ﴿المال والبنون)
فأصل ابن بنو فهو من الأسماء المحذوفة العجز، فالظاهر أن يقال بنى إلا أنه كان يلتبس بالمفرد فزيد فيه الهمزة - انتهى.
قال: والمراد يا أبنائى أويا بنى (لا ترموا الجمرة) أى جمرة العقبة يوم النحر (حتى تطلع الشمس) هذا يدل على أن وقت
رمى جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس وإن كان الرامى من أبيح له التقدم إلى منى وأذن له فى عدم المبيت
بمزدلفة. قال الشوكانى: والأدلة تدل على أن وقت الرمى من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له
رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز قبل ذلك ولكنه لا يجزئى فى أول ليلة النحر إجماعا - انتهى. أعلم أن العلماء
اختلفوا فى الوقت الذى يجوز فيه رمى جمرة العقبة من الضعفة وغيرهم مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس
أجزأه ذلك، فذهب الشافعى وأحمد وعطاء وأسماء بنت أبى بكر وعكرمة وخالد وطاوس والشعبى إلى أن أول الوقت
٠١٦٥

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
الذى يجزئى فيه رمى جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستدل لهم بحديث عائشة الذى ذكره
المصنف بعد هذا وهو حديث صحيح، ويعتضد هذا بما رواه الخلال من طريق سليمان بن أبى داود عن هشام بن عروة
عن أبيه قال أخبرتنى أم سلمة قالت: قدمنى رسول اللّه مَّم فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل ثم
مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى، كذا ذكره ابن القيم. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن
أول وقته من بعد طلوع الفجر ، وأول الوقت المستحب بعد طلوع الشمس وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا
إساءة ، فظين رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة
واستدل لذلك بما رواه الطحاوى بسنده عن ابن عباس أن رسول اللّه مَبي كان يأمر نساء، وثقله صبيحة جمع أن
يفيضوا مع أولى الفجر بسواد ولا يرموا الجمرة إلا مصبحين، وفى رواية أن رسول الله مزثم بعثه فى الثقل وقال: لا
ترموا الجمار حتى تصبحوا ، وذهب النخعی ومجاهد والثوری وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدئى من بعد طلوع
الشمس فلا يجوز رميها عندهم إلا بعد طلوع الشمس، واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس الذى نحن فى شرحه.
قالوا: إذا كان من رخص له منع أن يرمى قبل طلوع الشمس فمن لم يرخص له أولى ، وأجاب الحنفية عن هذا بأنه
محمول على بيان الوقت المستحب والفضيلة ، وما رواه الطحاوى فيه بيان وقت الجواز، وأما حديث عائشة الآتى فى
قصة أم سلمة فأجابوا عنه بأنه ليس فيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام على ذلك وأقرما عليه ولا أنه أمرما أن ترمى
ليلا ، ويمكن أن يراد بقوله «فرمت قبل الفجر) أى قبل صلاة الفجر، وقيل: إن حديث أم سلمة رخصة خاصة لها،
وذهب بعض أهل العلم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس وهو اختيار ابن القيم
واستدل لذلك بحديث أسماء عند الشيخين أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلى، فصلت ساعة ، ثم قالت : يا
بنى هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: يا بنى هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا
ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح فى منزلها، فقلت لها: ياهنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بنى إن
رسول الله ◌َي أذن الظعن- انتهى. فهذا الحديث صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس بل بفلس، وقد صرحت
بأنه ◌َّ أذن فى ذلك الطعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور، واستدل لذلك أيضا بحديث ابن عمر عند
الشيخين أيضا أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله عز وجل ما بدالهم ثم
يرجعون قبل أن يقف الامام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا قدموا رموا
الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص فى أولائك رسول الله مَّي - انتهى. وهذا يدل دلالة واضحة على الترخيص
الضعفة فى رمى جمرة العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس كما ترى. ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم فى ذلك. قال
١٦٦

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
الشنقيطى : إن الذى يقتضى الدليل رجحانه فى هذه المسألة أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمى جمرة العقبة إلا بعد طلوع
الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغى التوقف فى جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس لحديث أسماء وابن عمر
المتفق عليهما الصريحين فى الترخيص لهم فى ذلك، وأما رميهم أعنى الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر فهو محل نظر ،
فحديث عائشة عند أبي داود (الآتى) يقتضى جوازه وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن (يعنى الذى نحن فى شرحه)
يقتضى منعه. وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمى جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة ووقت جواز، وحملوا
حديث ابن عباس على وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز. وله وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى.
أما الذكور الأقوياء فلم يرد فى الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس لأن جميع
الأحاديث الواردة فى الترخيص فى ذلك كلها فى الضعفة وليس شتى منها فى الأقوياء الذكور ، وقد قدمنا أن قياس القوى على
الضعيف الذى رخص له من أجل ضعفه قياس مع وجود الفارق وهو مردود كما هو مقرر فى الأصول، لأن الضعف الموجود
فى الأصل المقيس عليه الذى هو علة الترخيص المذكورليس موجودا فى الفرع المقيس الذى هو الذكر القوى كما ترى - انتهى.
ثم اعلم أن وقت رمى جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم النحر فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رماها فى وقت
لها . قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقدرماها فى وقت لها وإن لم يكن ذلك مستجا
لما - انتهى. فإن فات يوم النحر ولم يرمها فقال بعض أهل العلم يرميها ليلا، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم رميها ليلا
أداء لا قضاء، وهو أحد وجهين مشهورين الشافعية، حكاهما صاحب التقريب والشيخ أبو محمد الجوينى وولده إمام
الحرمين وآخرون. وروى مالك عن نافع أن ابنة أخ لصفية بنت أبى عبيد نفست بالمزدلفة فتخلفت هى وصفية حتى أتا من
بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا ولم ير عليهما شيئا - انتهى. وهذا يدل على أن ابن
عمر يرى أن رميها فى الليل أداء لمن كان له عذر كصفية وابنة أخيها. ومن قال برميها ليلا الشافعى وأبو حنيفة ومالك
وأصحابهم. وفى الموطأ (فى آخر باب الرخصة فى رمى الجمار) قال يحيى: سئل مالك عمن نسى جمرة من الجمار فى بعض
أيام منى حتى يمسى قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار كما يصلى الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلا أو نهارا، فإن
كان ذلك بعد ما صدر وهو يمكة أو بعد ما يخرج منها فعليه الهدى واجب. وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي فى
حاشيته على تبين الحقائق شرح كنز الدقائق: ولو أخر الرمى إلى الليل رماها ولا شئ عليه لأن الليل تبع لليوم فى مثل هذا
كما فى الوقوف بعرفة فإن أخره إلى الغد رماها وعليه دم ـ انتهى. وقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم
النحر وهو لم يرم جمرة العقبة لم يرمها فى الليل ولكن يؤخر رميها حتى تزول الشمس من الغد. قال ابن قدامة (ج ٣:
ص ٤٢٩): فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس، واستدل لجواز الرمى ليلا بما رواه البخارى عن ابن
0
١٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
رواه أبو داود، والنسائى، وابن ماجه.
عباس قال كان النبي مَوهل يسئل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال اذبح
ولا حرج. وقال: رميت بعدما أمسيت فقال: لا حرج - انتهى. قالوا: قد صرح النبي محمدبن بأن من رمى
بعد ما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل، وأجاب القائلون بعدم جواز الرمى ليلا عن هذا
الاستدلال بأن مراد السائل بقوله بعد ما أمسيت يعنى به بعد زوال الشمس فى آخر النهار قبل الليل. والدليل على ذلك
.أن حديث ابن عباس المذكور فيه كان النبي مَواتهم يسئل يوم النحر بنى - الحديث. فتصريحه بقوله «يوم النحر، يدل على
أن السؤال وقع فى النهار والرمى بعد الامساء وقع فى النهار لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، قال
الحافظ فى شرح الحديث المذكور: قوله «رميت بعدما أمسيت)، أى بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال
إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمى المذكور كان بالليل - انتهى. وقال ابن قدامة: قول النبي مز ے .إرم ولا
حرج)) إنما كان فى النهار لأنه سأله فى يوم النحر ولا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس-انتهى. قالوا: فالحديث صريح فى أن
المراد بالإمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل، وإذن فلا حجة فيه للرمى ليلا. وأجاب القائلون بجواز الرمى ليلا
عن هذا بأجوبة، منها أن قول النبي مَّلـ ((لا حرج)، بعد قول السائل ((رميت بعد ما أمسيت)) يشمل لفظه ففى الحرج عن
رمى بعد ما أسى، وخصوص سيه بالنهار لا عبرة به لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ولفظ المساء
عام لجزء من النهار وجزء من الليل، وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار، وقد ثبت فى الأصول أن العبرة
بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب (رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٣٤،
٣١١٠) والطحاوى (ج ١: ص ٤١٣) وابن حبان والبيهقى (ج ٥: ص ١٣٢) كلهم من طريق الحسن بن عبد الله العرفى
عن ابن عباس، والحسن العربى ثقة ولكنه لم يسمع من ابن عباس كما قال الإمام أحمد والبخارى وابن معين بل قال
أبو حاتم لم يدركه. قال المنذرى: الحسن العربى بحلى كوفى ثقة، واحتج به مسلم ، واستشهد به البخارى غير أن حديث
ابن عباس منقطع. وقال الامام أحمد: الحسن العربى لم يسمع من ابن عباس شيئا - انتهى. لكن رواه البخارى
فى التاريخ الصغير (ص ١٣٦) وأحمد والترمذى والطحاوى من طريق مقسم عن ابن عباس بمعناه وزيادة ونقص،
ـو صححه الترمذى وغيره. وقال الحافظ فى الفتح بعد ذكر حديث الباب: هو حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائى
والطحاوى وابن حبان من طريق الحسن العربى، وهو بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون ، عن ابن عباس، وأخرجه
الترمذى والطحاوى من طرق عن الحكم عن مقسم عنه، وأخرجه أبو داود من طريق حبيب عن عطاء، وهذه الطرق
يقوى بعضها بعضا ، ومن ثم صححه الترمذى وابن حبان .
١٦٨

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفخ من عرفة والمزدلفة
٢٦٣٨ - (١١) وعن عائشة، قالت: أرسل التى مَثّ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر،
ـتّ عندها. رواه أبو داود.
ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذى يكون رسول الله
٢٦٣٩ - (١٢) وعن ابن عباس، قال: يلى المقيم أو المعتمر
٢٦٣٨ - قوله (أرسل النبي موج بأم سلمة) أى ومن معها من الضعفة والباء زائدة للتأكيد (ليلة النحر) أى من.
مزدلفة إلى منى (فرمت الجمرة قبل الفجر) أى طلوع الصبح. وفيه دليل على جواز الرمى قبل الفجر للنساء لأن الظاهر
أنه لا يخفى عليه وَع ذلك تقرره. قال الأمير المانى: وقد عارضه حديث ابن عباس المتقدم، وجمع بينهما بأنه يجوز
الرمى قبل الفجر لمن له عذر، وكان ابن عباس أى وغيره من الصبيان والغلمة لا عذر له. وقال الشوكانى: قوله ((قبل
الفجر، هذا مختص بالنساء فلا يصلح للتمسك به على جواز الرمى لغيرهن من هذا الوقت لورود الأدلة القاضية بخلاف
ذلك ، ولكنه يجوز لمن بعث معهن من الضعفة کالعبيد والصبیان أن یرمی فی وقت رمیهن كما فى حديث أسماء وحديث
ابن عباس عند أحمد أن النبى تَّ بعث به مع أهله إلى متى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر. وقد تقدم ما أجاب به
الحنفية عن حديث عائشة هذا (ثم مضت) أى ذهبت من منى (فأفاضت) أى طافت طواف الإفاضة ثم رجعت إلى منى
(وكان ذلك اليوم) أى اليوم الذى فعلت فيه ما ذكر من الرمى والطواف (اليوم) بالنصب على الخبرية (الذى يكون
رسول الله ◌َتع عندها) يعنى عند أم سلمة أى فى نوبتها من القسم، كأنه إشارة إلى سبب استعجالها فى الرمى والإفاضة ،
وقوله ((عندها) كذا فى جميع النسخ من المشكاة وهكذا فى المصابيح، وفى أبى داود ((تعنى عندها)) وهو من تفسير
أبى داود أو أحد رواته (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى. وقال الحافظ فى بلوغ المرام («إسناده على شرط
مسلم، وكذا قال النووى فى شرح المهذب. وقال الزيلعى فى نصب الراية (ج ٣: ص ٧٣) بعد أن ساق حديث أبى داود
هذا عن عائشة: ورواه البيهقى فى سننه وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه - انتهى. قلت: حديث عائشة هذا أخرجه
البيبقى فى باب من أجاز رميها بعد نصف الليل (ج ٥: ص ١٣٣) ولكن لم أجد فيه قوله إسناده صحيح لا غبار عليه.
وقال الشوكانى: رجاله رجال الصحيح.
٢٦٣٩ - قوله (يلي المقيم) أى بمكة من المعتمرين (أو المعتمر) أى من القادمين، فأو التنويع، ولا يبعد أن يراد
به المعتمر مطلقا، فأو شك من الراوى، قاله القارى. قلت: قوله «يلى المقيم أو المعتمر، كذا وقع فى جميع نسخ
المشكاة ، وهکذا ذکرہ الجزری فی جامع الأصول (ج ٣: ص٤٣٨) والمحب الطبری فی القری (ص ١٥٣) ومحمد بن
محمد بن سليمان الفاسى المغربى فى جمع الفوائد (ج ١: ص ٤٦٢) وليس فى المصابيح لفظ المقيم ولا فى السنن لأبي داود
والبيهقى والأم الشافعى ولم يذكره أيضا الزيلعى فى نصب الراية والمجد فى المنتقى. والظاهر أن المصنف فلد فى ذلك
١٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
حى يستلم الحجر.
جامع الأصول وهو من أوهام الجزرى (حتى يستلم الحجر) وفى المصابيح ((حتى يفتح الطواف)، ويروى ((حتى يستلهم
الحجر)، والبيهقى من طريق الشافعى عن مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: يلي
المعتمر حتى يفتح الطواف مستلما أو غير مستلم. قال شارح المصابيح: قوله حتى يفتح الطواف أى يلي الذى أحرم بالعمرة
من وقت إحرامه إلى أن يتدى بالطواف ثم يترك التلبية -انتهى. ورواه الدار قطنى بلفظ «لا يمسك المعتمر عن التلية حتى
يفتح الطواف، ولا ترق بين رواية أبى داود وبين رواية الشافعى والدار قطنى إلا فى التعبير دون الواقع، لأن ابتداء
الطواف من استلام الحجر الأسود، ولذلك قال الطبرى بعد تخريج الروايتين: وهذا قول أكثر أهل العلم أن المعتمر
يلبي حتى يفتح الطواف. قال ابن عباس يلي المعتمر إلى أن يفتح الطواف مستلما وغير مستلم، وبه قال الثورى والشافعى
وأحمد وإسحاق - انتهى. قال الشوكانى: قوله ((حتى يستلم الحجر، ظاهره أنه يلي فى حال دخوله المسجد وبعد رؤية
البيت وفى حال مشيه حتى يشرع فى الاستلام ويستثنى منه الأوقات التى فيها دعاء مخصوص، وقد ذهب إلى ما دل عليه
الحديث من ترك التلبية عند الشروع فى الاستلام أبو حنيفة والشافى وهو قول ابن عباس وأحمد - انتهى. وقال
الترمذى بعد رواية الحديث مرفوعا «أنه كان يمسك عن التلبية فى العمرة إذا استلم الحجر، ما لفظه: والعمل عليه عند
أكثر أهل العلم، قالوا «لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر)) وقال بعضهم إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية،
والعمل على حديث النبي تَّة، وبه يقول سفيان والشافعى وأحمد وإسحاق - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن المسألة
خلافية. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٠١): يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن وبهذا قال ابن عباس وعطاء وعمرو
ابن ميمون وطاوس والنخعى والثورى والشافعى وإسحاق وأصحاب الرأى. وقال ابن عمر وعروة والحسن : يقطعها
إذا دخل الحرم، وقال سعيد بن المسيب: يقطعها حين يرى عرش مكة. وحكى عن مالك إن أحرم من الميقات قطع
التلبية إذا وصل إلى الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حين يرى البيت، ولنا ما روى عن ابن عباس يرفع
الحديث: كان يمسك عن التلبية فى العمرة إذا استلم الحجر، قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح، وروى عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده أن النبي مَثّم اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر (أخرجه أحمد ج ٢: ص ١٨٠)
والبيهقى (ج ٥: ص ١٠٥) قلت: ما حكى عن مالك هو رواية الموطأ والمختصر، والمعروف فى مذهب المالكية أن
معتمر الجعرانة أو التنعيم يلي إلى دخول بيوت مكة. وفى المدونة قال ابن القاسم ، قال مالك: والمحرم بالعمرة من
ميقاته يقطع التلبية إذا دخل الحرم ثم لا يعود إليها ، والذى يحرم من غير ميقاته مثل الجعرانة والتعيم يقطع إذا دخل
يوت مكه. قال فقلت له: أو المسجد، قال: أو المسجد كل ذلك واسع - انتهى. وقال ابن حزم: والذى نقول به
١٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
رواه أبو داود، وقال: وروى موقوفا على ابن عباس.
فهو قول ابن مسعود أنه لا يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة. وقال الشافعى بعد ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه
لبي فى عمرة على الصفا بعد ما طاف بالبيت: وليسوا يقولون (أى أهل العراق) بهذا ولا أحد من الناس علمناه، وإنما
اختلف الناس فمنهم من يقول يقطع التلبية فى العمرة إذا دخل الحرم وهو قول ابن عمر. ومنهم من يقول إذا استلم
الركن، وهو قول ابن عباس. وبه نقول، ويقولون هم أيضا: فأما بعد الطواف بالبيت فلا يلي أحد، أورده الزاما
للعراقين فيما خالفوا فيه عبد الله بن مسعود كذا فى القرى (ص ١٥٤) (رواه أبو داود) فى باب متى يقطع المعتمر
التلبية (وقال وروى) على بناء المجهول (موقوفا على ابن عباس) قلت : الحديث رواه أبو داود مرفوعا حيث قال:
حدثنا مسدد نا هشيم عن ابن أبى ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن النبي مُؤثّم قال: يلي المعتمر حتى يستلم الحجر، ثم قال
أبو داود: رواه عبد الملك بن أبى سليمان وهمام عن عطاء عن ابن عباس موقوفا. وقد تبين بهذا أن الاقتصار المخل
إنما هو فى نقل صاحب المشكاة، فكان حقه أن يقول أولا عن ابن عباس مرفوعا. وقال المنذرى فى مختصر السنن:
وأخرجه الترمذى وقال صحيح، هذا آخر كلامه. وفى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وتكلم فيه جماعة من
الأئمة (أى من جهة حفظه) انتهى كلام المنذرى. قلت: حديث ابن عباس المرفوع عند الترمذى هو حديث فعلى بلفظ
أنه كان يمسك عن التلبية فى العمرة إذا استلم الحجر ، وحديث ابن عباس المرفوع عند أبى داود قولى بلفظ أن النبي
قال يلى المعتمر حتى يستلم الحجر فإذن هما حديثان من رواية ابن عباس قولى عند أبى داود وفعلى عند الترمذى، ولهذا
الاختلاف جعلهما المجد فى المنتقى حديثين، قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ٤٣ ص ١١٥): ولم ينصف المنذرى فى عزوه
هذا الحديث الترمذى، فإن لفظ الترمذى من فعل النبي ين ولفظ أبى داود من قوله فهما حديثان ولكنه قلد أصحاب
الأطراف إذ جعلوهما حديثا واحدا ، وهذا ما لا ينكر عليهم ، وقد بنا وجه ذلك فی حدیث «ابدؤا بما بدأ الله به))
(ج ٣: ص ٥٤) قال: وروى الواقدى فى كتاب المغازى حدثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
أن النبي ◌َّ لى يعنى فى عمرة القضية حتى استلم الركن - انتهى. قلت: مدار الروايتين المرفوعتين عند الترمذى وأبى
داود على محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى الكوفى القاضى وهو صدوق سعى الحفظ جدا. قال البيهقى بعد رواية الحديث
الفعلى المرفوع من طريق زهير والحسن بن صالح عن ابن أبى للى عن عطاء عن ابن عباس ما لفظه: رفعه خطأ وكان ابن
أبى للى هذا كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئى كثيرا، ضعفه أهل النقل مع كبر محله فى الفقه، وقد روى
عن المثنى بن الصباح عن عطاء مرفوعا، وإسناده أضعف مما ذكرنا. ثم روى من طريق الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده قال: اعتمر النبي مَثّ ثلاث عمر كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر، وقد قيل عن الحجاج
١٧١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
( الفصل الثالث )®4
٢٦٤٠ - (١٣) عن يعقوب بن عاصم بن عروة، أنه سمع الشريد يقول: أفضت مع رسول الله
رزق، فا مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا.
عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا. والحجاج بن أرطاة لا يحتج به. ثم روى البيهقى عن أبى بكرة مرفوعا أنه خرج معه من ئه
فى بعض عمره فما قطع التلبية حتى استلم الحجر. ثم قال: إسناده ضعيف - انتهى. ومن المعلوم أن الروايات الضعيفة
تكتسب قوة بالاجتماع، والضعف اليسير ينجبر بكثرة الطرق ويصير الحديث حسنا قابلا للاحتجاج ولذلك صحح الترمذى
حديث ابن عباس واحتج به الشافعى وغيره من الأئمة. قال القارى: ومناسبة الحديث لعنوان الباب استطراد لحكم
قطع التلبية للمعتمر كما ذكر فيما تقدم وقت قطع تلبية المحرم بالحج.
٢٦٤٠ - قوله (عن يعقوب بن عاصم بن عروة) أى ابن مسعود الثقفی أخو ناقع بن عاصم المکی روى عن ابن
عمر وعبد الله بن عمرو والشريد بن سويد وغيرهم، وعنه إبراهيم بن ميسرة ويعلى بن عطاء والنعمان بن سالم وآخرون.
ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الحافظ فى التقريب: إنه مقبول من الثالثة أى من الطبقة الوسطى من التابعين (أنه) أى
يعقوب (سمع الشريد) بوزن الطويل، وهو شريد بن سويد الثقفى وقيل إنه من حضرموت ولكن عداده فى ثقيف لأنهم
أخواله، روى عنه ابنه عمرو بن الشريد ويعقوب بن عاصم وغيرهما. قال ابن السكن: له صحبة حديثه فى أهل الحجاز ،
سكن الطائف، والأكثر أنه الثقفي، ويقال إنه حضرمى حالف ثقيفا وتزوج آمنة بنت أبي العاص بن أمية. وقيل كان
اسمه مالكا فسمى الشريد لأنه شرد من المغيرة بن شعبة لما قتل رفقته الثقفيين، كذا فى الإصابة. وقال الجزرى: قبل
إن الشريد اسمه مالك قبل قتيلا من قومه فلحق بمكة فحالف بنى خطيط بن جثم بن ثقيف، ثم وفد إلى النبي حَتّ فأسلم
وبايعه بيعة الرضوان وسماه رسول اللّه مَّ الشريد - انتهى. وروى مسلم وغيره من طريق عمرو بن الشريد عن أبيه
قال: استنشدفى التى تؤثّ شعر أمية بن أبي الصلت. وفى رواية: أنه أنشد النبي ◌َّ من شعر أمية بن أبي الصلت مائة قافية
فقال: كاد يسلم، يعنى أمية، والله أعلم (أفضت مع رسول الله عَّ) أى رجعت من عرفات إلى المزدلفة (فما مست
قدماه الأرض حتى أتى جمعا) أى المزدلفة، وهذا يدل على أنه مرَّة لم ينزل لحاجة فى ذهابه من عرفات إلى المزدلفة،
ويشكل عليه ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائى عن أسامة قال: دفع رسول اللّه مَّه من عرفة حتى إذا كان بالشعب.
نزل فبال، وفى رواية «فلما جاء الشعب أناخ راحلته ثم ذهب إلى الغائط ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء». وفى رواية «توضأ وضوءا
خفيفا، قلت له الصلاة، فقال الصلاة أمامك فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضاً فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى
المغرب)) الحديث. قال الطبى: قوله ((ما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعاء عبارة عن الركوب من عرفة إلى الجمع يعنى
١٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
رواه أبو داود.
٢٦٤١ - (١٤) وعن ابن شهاب، قال: أخبرنى سالم أن الحجاج
.فما يرد عليه أنه عليه الصلاة والسلام نزل فبال فتوضأ - انتهى. وحاصله أن الشريد بالغ فى بيان ركوبه مَّم فى السير من
عرفة إلى الجمع بأنه قطع تلك المسافة راكبا ولم يمش على الرجلين فى تلك المسافة، وليس معناه أنه لم ينزل عن
الناقة فلا يعارض هو حديث أسامة. وقال فى عون المعبود: حديث الشريد يدل على أن النبى مَّه لم ينزل لحاجة
بين عرفات والمزدلفة ، وحديث أسامة يعارض ذلك لكن يرجح حديث أسامة على حديث الشريد لأنه المثبت أى
والمثبت مقدم على النافى كما تقرر فى موضعه، وكان أسامة رديف النبي ◌ُ ◌ّه فهو أعلم بحاله ولم ير الشريد نزوله مثله ،
فلذا نفاه على علمه. وقال المحب الطبرى بعد ذكر حديث الشريد: وما رواه أسامة أثبت فإنه كان ردف التي ڑٹے ،
وأخبر الشريد عما علمه ولم يبلغه ذلك - انتهى. هذا وقد اعترض صاحب بذل المجهود على جواب العون فقال بعد
ذكر توجيه الطبى: وأما الجواب بترجيح رواية أسامة كما فعله صاحب العون بأن أسامة كان رديفه مد ◌ّ فبعيد، فإنه
وقع فى حديث الشريد أنه كان مع رسول اللّه مَ ◌ّم فلا سبيل لترجيح أحدهما على الآخر. قال صاحب الأوجز:
كذا أفاده الشيخ فى البذل. قلت: جواب العون وكذا المحب الطبرى مطابق للأصول ، فإن حديث
الشريد ظاهر بل صريح فى نفى النزول على الأرض، وحديث أسامة صريح فى النزول وقضاء الحاجة والوضوء
وهو أقوى سندا وأثبت ، فلا بعد فى تقديمه وترجيحه، وأما توجيه الطبي فلا يخلو عن التكلف ومخالفة
الظاهر، وكون الشريد مع رسول اللّه مَّةٍ وإفاضته معه لا يستلزم أن يعلم جميع أحواله مَّه فى مسيره إلى
المزدلفة على أنه قد قال أحمد بعد رواية الحديث عن روح، حيث قال روح: وقفت مع رسول اللّه مزثم بعرفات:
أملاه من كتابه يعنى بخلاف قوله أفضت، فإنه رواه من حفظه، ومن المعلوم أن رواية الكتاب أقوى وأثبت من رواية
الحفظ (رواه أبو داود) عن محمد بن المثنى عن روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن إبراهيم بن ميسرة عن يعقوب بن
عاصم بن عروة أنه سمع الشريد، إلخ. وكذا رواه أحمد (ج ٤: ص ٣٨٩، ٣٩٠) عن روح، وهذا إسناد رجاله
ثقات. والحديث ذكره صاحب العون على الهامش بعد حديث أسامة المذكور فى باب الدفع من عرفة وقال: لم يوجد
هذا الحديث إلا فى نسخة واحدة - انتهى. ونقل عن المزى أنه قال فى الأطراف: هذا الحديث فى رواية أبى الحسن
ابن العبد وأبي بكر بن داسة عن أبى داود ولم يذكره أبو القاسم - انتهى. ولذلك لم يذكره المنذرى فى مختصر السنن ،
وذكره الجزرى فى جامع الأصول (ج ٤: ص ٧٦) والنابلسى فى ذخائر المواريث (ج ١: ص ٢٦٨) ولم ينبها على ذلك.
٢٦٤١ - قوله (وعن ابن شهاب) أى الزهرى (أخبر نى سالم) أى ابن عبد الله بن عمر (أن الحجاج) بفتح
١٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
ابن يوسف عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله كيف نصنع فى الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم:
إن كنت تريد السنة ، فهجر بالصلاة يوم عرفة. فقال عبد الله بن عمر: صدق إنهم كانوا يجمعون
بين الظهر
الحاء، مبالغة الحاج بمعنى الآتى بالحجة (ابن يوسف) أى ابن أبى عقيل الثقفى الأمير الشهير الظالم المير. قال الحافظ فى
التقريب: وقع ذكره وكلامه فى الصحيحين وغيرهما وليس بأهل أن يروى عنه، ولى إمرة العراق عشرين سنة ومات سنة
خمس وتسعين. وقال فى تهذيب التهذيب: ولد سنة (٤٥) أو بعدها يسير ونشأ بالطائف وكان أبوه من شيعة بنى أمية
وحضر مع مروان حروبه، ونشأ ابنه مؤدب كتاب ثم لحق بعبد الملك بن مروان وحضر معه قتل مصعب بن الزبير
ثم انتدب لقتال عبد الله بن الزبير بمكة فجهزه أميرا على الجيش خضر مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق إلى أن قتل ابن الزبير
(سنة ٧٣) وقال جماعة: إنه دس على ابن عمر من سمه فى زج رمح. وقد وقع بعض ذلك فى صحيح البخارى، وولاء
عبد الملك الحرمين مدة ثم استقدمه فولاه الكوفة وجمع له العراقين (وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة) فسار بالناس سيرة
جائرة واستمر فى الولاية نحوا من عشرين سنة ، روى الترمذى فى الفتن من جامعه عن هشام بن حسان القردوسى
البصرى قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل. قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت
كل أمة بخيئها وجئنا بالحجاج غلناهم ، وكفره جماعة، منهم سعيد بن جبير والنخعى ومجاهد والشعبي وعاصم بن
أبي النجود وغيرهم وقالت له أسماء بنت أبى بكر: أنت المير الذى أخبرنا به رسول اللّه مَّه، ومات بواسط فى شوال
سنة (٩٥) وعمره خمسون سنة. وقيل: إنه لم يعش بعد قتل سعيد بن جبير إلا يسيرا، ذكر قصة موته المؤلف
فى ترجمة سعيد بن جبير فى حرف السين من إكماله (عام نزل) أى بجيش كثير (بابن الزبير) أى لقتاله، وهو عبد الله بن
الزبير ، وكان نزول الحجاج فى سنة ثلاث وسبعين. وقال القارى: قوله ((عام نزل بابن الزبير)) أى سنة قاتل فيها مع
عبد الله بن الزبير الخليفة بمكة والعراقين وغيرهما ما عدا نحو الشام حتى فر من معه وبقى صابرا مجاهدا بنفسه إلى أن
ظفروا به فقتلوه وصلبوه، ثم أمر عبد الملك الحجاج تلك السنة على الحاج وأمره أن يقتدى فى جميع أحوال نسكه
بأقوال عبد الله بن عمر وأفعاله وأن يسأله ولا يخالفه، حينئذ (سأل) أى الحجاج (عبد الله) أى ابن عمر، وهو
أبو سالم الراوى ( كيف نصنع فى الموقف يوم عرفة؟) أى فى صلاة الظهر والعصر والوقوف فى ذلك اليوم، هل تقدمهما
على الوقوف أو نوسطهما فيه أو تؤخرهما عنه؟ (فقال سالم) أى ابن عبد اللّه، ففيه تجريد أو نقل بالمعنى وإلا فحق
العبارة أن يقول ((فقلت)) (إن كنت تريد السنة) أى متابعة سنة النبي مَّة (فهجر) أمر من التهجير، أى صل بالهاجرة،
وهى شدة الحر (بالصلاة) أى الظهر والعصر، قال فى النهاية: التهجير التبكير فى كل شئى، فالمعنى صل صلاة الظهر
والعصر جمعا أول وقت الظهر (صدق) أى سالم (إنهم) بكسر الهمزة، أى إن الصحابة (كانوا يجمعون بين الظهر.
١٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزرافة
والعصر فى السنة. فقلت السالم: أفعل ذلك رسول اللّه بِّه؟ فقال سالم: وهل يتبعون ذلك إلا
سنته. رواه البخارى.
والعصر فى السنة) بضم السين المهملة وتشديد النون، أى سنة النبي نز ◌ّل، وكان ابن عمر فهم من قول
ولده سالم ((فهجر بالصلاة)) أى الظهر والعصر معا، فأجاب بذلك فطابق كلام ولده، قال الطيبي: قوله
(( فى السنة)، فى محل النصب على الحال من فاعل يجمعون أى متوغلين فى السنة، متمسكين بها، قاله تعريضا
بالحجاج، وقيل فى السنة أى لأجل السنة واتباعها، ( فقلت اسالم ) قائله ابن شهاب ( أفعل ذلك ) الهمزة
فيه للاستفهام ( هل يتبعون) كذا فى جميع نسخ المشكاة بمثناة تحتية ثم فوقية، وفى صحيح البخارى
(((تبعون)) أى بمثناة فوقية فى أوله. قال الحافظ: بتشديد المثناة من فوق وكسر الموحدة بعدها مهملة
كذا للأكثر من الاتباع، وللكتشميهنى ((تبتغون)) بسكون الموحدة وفتح المثناة بعدها غين معجمة من
الابتغاء وهو الطلب ( ذلك) كذا فى جميع نسخ المشكاة، وفى صحيح البخارى ((فى ذلك)) أى بزيادة
((فى ((قال العينى والحافظ: وفى رواية الحموى بحذف كلسبة ((فى)) وهى مقدرة ويروى ((بذلك)) أى
بالموحدة بدل ((فى)) أى فى ذلك الفعل. وقال الكرمانى: أى فى ذلك الجمع أو فى التهجير (إلا سنته)
قال الطيبي: قوله (( هل يتبعون ذلك؟)) أى فى ذلك الجمع إلا سنته أو لا يتبعون التهجير فى الجمع لشثى
إلا لسنته، فنصب ((سنة)) على نزع الخافض. وفى الحديث فتوى التلميذ بحضرة أستاذه ومعلمه عند
السلطان وغيره، وفيه تعليم الفاجر الستن لمنفعة الناس، وفيه أن التوجه إلى المسجد الذى بعرفة حين
تزول الشمس وتعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر بعرفة فى أول وقت الظهر سنة.
( رواه البخارى ) فى باب الجمع بين الصلاتين بعرفة معلقا مجزوما حيث قال: وقال الليث: حدثنى
عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرنى سالم أن الحجاج بن يوسف، إلخ. قال الحافظ: وصله الإسماعيلى
من طريق يحي بن بكير وأبى صالح جميعا عن الليث - انتهى. وأخرجه البيهقى (ج ٥: ص ١١٤)
من طريق الإسماعيلى.
١٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمی الجمار
(٦) باب رمى الجمار
(باب رمى الجمار) هكذا بوب مالك فى الموطأ والبخارى فى صحيحه وأبو داود فى سننه. قال الحافظ: أى وقت
وميها أو حكم الرمى. قال القسطلانى: واحد الجمار جمرة وهى فى الأصل النار المتقدة، والحصاة ، وواحدة جمرات
المناسك، وهى المرادة ههنا، وهى ثلاث: الجمرة الأولى والوسطى والعقبة يرمين بالجمار، قاله فى القاموس. وقال
الشهاب القرافى من المالكية: الجمار اسم للحصى لا للمكان، والجمرة اسم للحصاة، وإنما سمى الموضع جمرة باسم ما جاوره
وهو اجتماع الحصى فيه، وقال الحافظ: الجمرة اسم مجتمع الحصى، سميت بذلك لاجتماع الناس بها. يقال تجمر بنو فلان
إذا اجتمعوا ، وقيل إن العرب تسمى الحصى الصغار جمارا فسميت تسمية الشئ باسم لازمه. وقيل لأن آدم أو إبراهيم
لما عرض له إبليس خصبه، جمر بين يديه أى أسرع فسميت بذلك - انتهى. وقال ابن تجيم: الجمار هى الصغار من
الحجارة جمع جمرة، وبها سموا المواضع التى ترمى جمارا وجمرات لما بينهما من الملابسة، وقيل لتجمع ما هنالك من
الحصى ، من تجمر القوم إذا اجتمعوا - انتهى. وقال فى اللعات: الجمار الأحجار الصغار، ومنه سمى جمار الحج للحصى
التى ترمى بها. وأما موضع الجمار بمنى فيسمى جمرة لأنها ترمى بالجمار أو لأنه موضع مجتمع حصى ترمى، والجمر
يحثى بمعنى الجمع كثيرا أو من أجمر بمعنى أسرع - انتهى. هذا وقد بسط الكلام فى ذلك الشنقيطى فى أضواء البيان
(ج ٥: ص ٢٩٨) فراجعه. قال النووى فى مناسكه قال الشافعى : الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى فمن
أصاب مجتمع الحصى بالرمى أجزأه ، ومن أصاب سائل الحصى الذى ليس بمجتمعه لم يجزه، والمراد مجتمع الحصى فى
موضعه المعروف الذى كان فى زمنه مَّم فلو حول ورمى الناس فى غيره واجتمع الحصى لم يجزه ، وقال البجيرمى:
لو أزيل العلم الذى هو البناء فى وسط الجمرة فإنه يكفى الرمى إلى محله بلا شك، لأن العلم لم يكن موجودا فى زمن النبي
تَّ ، وقد رمى هو وأصحابه إلى الجمرة، إلى آخر ما قال. وفى الغنية: قال فى النخبة محل الرمى هو الموضع الذى عليه.
الشاخص وما حوله لا الشاخص ، ومثله فى البحر. قلت : اختلفوا فى مصداق الجمرة فقال الشافعية : الجمرة مجتمع
الحصى لا ما سال من الحصى ولا الشاخص ولا موضع الشاخص ، لكن هذا مخالف لما تقدم عن البجيرمى ، ويؤيده
ما فى روضة المحتاجين إذ قال: الثالث من الشرائط قصد المرمى، فلو رمى فى الهواء فوقع فى المرمى لم يعتد به، والمرمى
هو مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى ، فلو قصد الشاخص أو حائط جمرة العقبة لم يكف وإن وقع فى المرمى كما يفعله
كثير من الناس. قال المحب الطبرى: وهو الأظهر عندى. ويحتمل أنه يجزئه لأنه حصل فيه بفعله مع قصد الرمى
الواجب. والثانى أقرب كما قاله الزركشى وهو المعتمد. ولا يقال يلزم عليه أنه لو رمى إلى غير المرمى فوقع فى المرمى
يجزئ، وقد صرحوا بخلافه، لأنا نقول فرق ظاهر بين الرمى إلى غير المرمى وبين الرمى إلى الشاخص الذى فى وسط المرمى سيما
والشاخص المذكور حادث لم يكن فى زمنه مَّة. ولذا لو أزيل كفى الرمى إلى محله بلا شك - انتهى. وقال المالكية:
ة اسم للبناء وما تحته من موضع الحصباء على المعتمد، وقيل إن الجمرة اسم لاكان الذى يجتمع فيه الحصى. وقال
١٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦ باب رمی الجمار
الحنفية: ليس الشاخص محل الرمى لكن مع ذلك لما يكفى الوقوع قريب الجمرة فلو وقع على أحد جوانب الشاخص
أى أطراف الميل أجزأه للقرب، ولو وقع على قبة الشاخص ولم ينزل عنها لا يجزئه للبعد. وأما عند الحنابلة فقال
إين جاسر فى بور الظلام: المرمى هو مجتمع الحصى لا نفس الشاخص. قال الشيخ سليمان بن على فى منسكه: المرمى الذى
تترتب عليه الأحكام بقولهم "يعتبر حصول كل حصاة فى المرمى، هو الأرض المحيطة بالميل المبنى، فلوطرح الحساة فى رأس
البناء لم يعتد بها لأنها لم تحصل فى المرمى - انتهى ملخصا. قال الشيخ ابن جاسر: إذا طرح الحصاة فى رأس البناء كما يفعله
من الحجاج فتدحرجت فى المرمى المحرط بالبناء فى الجمرات الثلاث فإنها تجزئه، أما إذا بقيت على رأس البناء فإنها
لا تجزئه فيما يظهر لى والله أعلم. وقال ابن قدامة: ولا يجزئه الرمى إلا أن يقع الحصى فى المرمى، فإن وقع دونه لم يجزئه
فى قولهم جميعا، لأنه مأمور بالرمى ولم يرم، وهذا قول أصحاب الرأى، إلى آخر ما قال. أعلم أن الكلام فى رمى الجمار
على ما قال صاحب العناية وغيره فى أكثر من اثنى عشر موضعا أحدها الوقت وهو يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، والثانى
موضع الرمى وهو بطن الوادى والثالث فى محل المرمى إليه وهو ثلاث جمرات ، والرابع فى كمية الحصيات وهى سبعة
عند كل جمرة ، والخامس فى مقدار الحصاة، وهو أن يكون مثل حصى الخذف، والسادس فى كيفية الرمى بأن يكون
مثل الخاذف ويأخذ الحصى بطرف سبابته وإبهامه. والسابع فى صفة الرامى بأن يكون راكبا أو ماشيا، والثامن فى موضع
وقوع الحصيات، والتاسع فى الموضع الذى يأخذ منه الحجر، والعاشر فيما يرمى به وهو أن يكون من جنس الأرض
(عند الحنفية) والحادى عشر أن يرمى فى اليوم الأول جمرة العقبة لا غير، وفى بقية الأيام يرمى الجمار كلها . والثانى
عشر حكم الرمى. والثالث عشر حكم التكبير عند الرمى. والرابع عشر تفريق الحصيات، والخامس عشر الوقوف
بعد الرمی للدعاء وغير ذلك. وأ کثر هذه المسائل خلافية ، سیأتی بیان بعضها فى شرح أحاديث هذا الباب وفى باب
خطبة يوم النحر ورمى أيام التشريق. أما حكم الرمى بجمهور العلماء على أن رمى جمرة العقبة يوم النحر وكذا
رمى الجمار الثلاث فى أيام التشريق الثلاثة واجب يجبر بدم ، وخالف عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك الجمهور
فقال: إن رمى جمرة العقبة يوم النحر ركن لا حج لمن تركه كغيرها من الأركان. واحتج الجمهور بالقياس على الرمى
، فى أيام التشريق. واحتج ابن الماجشون بأن النبي مَّ رماها وقال: لتأخذوا عنى مناسككم، ولا يخفى ما فى هذا
الاستدلال. وقال الحافظ: قد اختلف فيه أى فى حكم الرمى ، فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية
سنة مؤكدة فيجبر وعندهم رواية أن رمى جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه، ومقابله قول بعضهم أنها إنما تشرع حفظا
للتكبير، فإن تركه وكبر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٩١):
من ترك الرمى من غير عذر فعليه دم. قال أحمد: أعجب إلى إذا ترك الأيام كلها كان عليه دم ، وفى ترك جمرة واحدة
١٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمى الجمار
( الفصل الأول )
٢٦٤٢ - (١) عن جابر، قال: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يرمى على راحلته يوم النحر،
دم أيضا ، نص عليه أحمد، وبهذا قال عطاء والشافعى وأصحاب الرأى، وحكى عن مالك أن عليه فى جمرة أو الجمرات
كلها بدنة. وقال الحسن: من فى جمرة واحدة يتصدق على مسكين. ولنا قول ابن عباس : من ترك شيئا من مناسكه
فعليه دم، وإن ترك أقل من جمرة فالظاهر عن أحمد أنه لا شئى فى حصاة ولا فى حصاتين ، وعنه: أنه يجب الرمى
بسبع، فإن ترك شيئا من ذلك تصدق بشئى أى شئى كان، وعنه: أن فى كل حصاة دما ، وهو مذهب مالك والليث ، وعنه
فى الثلاثة دم، وهو مذهب الشافعى وفى ما دون ذلك فى كل حصاة مد. وعنه: درهم، وعنه: نصف درهم - انتهى.
وسيأتى مزيد الكلام على هذا فى شرح حديث عبد الله بن مسعود من هذا الباب.
٢٦٤٢ - قوله (رأيت النبي رؤيته يرمى على راحلته يوم النحر) هذا يدل على أن رمى جمرة العقبة يوم النحر
راكبا أفضل من رميها راجلا وماشيا، وحكى النووى فى شرح مسلم عن الشافعى وموافقيه أنه يستحب لمن وصل راكبا
أن يرمى راكبا ولو رمى ماشيا جاز، ومن وصلها ماشيًا فيرميها ماشيا. قال: وهذا فى يوم النحر، وأما اليومان الأولان
من أيام التشريق فالسنة أن يرمى فيهما الجمرات الثلاثة ماشيا، وفى اليوم الثالث يرمى راكبا. وكذا قال فى مناسكه. وقال
ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٢٨): ويرميها راكا أو راجلا كيف ما شاء، لأن النبي ◌َّةٍ رماها على راحلته، رواه جابر
وابن عمر وأم أبي الأحوص وغيرهم. قال جابر رأيت النبي مريضتم يرمى على راحلته يوم النحر ، الحديث. رواه
مسلم. وقال نافع: كان ابن عمر يرمى جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتى سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ذاهبا
وراجعا. رواه أحمد فى المسند، وفى هذا بيان للفرق بين هذه الجمرة وغيرها، ولأن رمى هذه الجمرة مما يستحب
البداية به فى هذا اليوم عند قدومه ، ولا يسن عندها وقوف، ولو سن له المشى إليها لشغله النزول عن البداية بها والتعجيل
إليها بخلاف سائرها - انتهى. وقال الدسوقى من المالكية: يندب أن يرمى جمرة العقبة حين وصوله على الحالة التى
وصلها من ركوب أو مشى فلا يصبر حتى ينزل أو يركب، لأن فيه عدم الاستعجال برميها - انتهى. وقال الباجى:
قد قال مالك فى المبسوط: الشأن يوم النحر أن يرمى جمرة العقبة راكبا كما يأتى الاس على دولهم، وأما فى غير يوم النحر
فكان يقول يرمى ماشيا، والأصل فى ذلك أنه يرمى جمرة العقبة متصلا بوروده، وأما فى سائر الأيام فإن المئى إليها
تواضع ويحتاج إلى الدعاء عند الجمرتين. فلو ركب الناس لضاق بهم المكان - انتهى. وقال العينى: قال أصحابنا
الحنفية: كل رمى بعده رمى كالجمرتين الأولين فى الأيام الثلاثة يرمى ماشيا. وإن لم يكن بعده رمى كرمى جمرة العقبة
يوم النحر والجمرة الأخيرة فى الأيام الثلاثة فيرمى راكبا، هذا هو الفضيلة، وأما الجواز نثابت كيفما كان - انتهى.
وقال ابن عابدين: والضابط عندنا أن كل رمی يقف بعده فإنه یرمیهماشیا وهو كل رمى بعده رمى كما مر، وما لا فلا، ثم
١٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦-باب رمی الجمار
ويقول: لتأخذوا مناسككم فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه. رواه مسلم.
هذا التفصيل قول أبى يوسف وله حكاية مشهورة ذكرها الطحطاوى وغيره، وهو مختار كثير من المشائخ كصاحب الهداية
والكافى والبدائع وغيرهم. وأما قولهما فذكر فى البحر أن الأفضل الركوب فى الكل على ما فى الخانية، والمشى فى الكل
على ما فى الظهيرية، وقال: فتحصل أن فى المسألة ثلاثة أقوال. ورجح الشيخ كمال الدين بن الحمام ما فى الظهيرية بأن
أدائها ماشيا أقرب إلى التواضع والخشوع وخصوصا فى هذا الزمان، فإن عامة المسلمين مشاة فى جميع الرمى فلا يؤمن
من الأذى بالركوب بينهم بالزحمة ، ورميه عليه الصلاة والسلام راكبا إنما هو ليظهر فعله ليقتدى به كطوافه راكبا-
انتهى. وفى المرقاة: وروى البيهقى وابن عبد البر أنه عليه الصلاة والسلام رمى أيام التشريق ماشيا. زاد البيهقى: فإن
صح هذا كان أولى بالاتباع، وقال غيره قد صححه الترمذى وغيره. وزاد ابن عبد البر: وفعله جماعة من الخلفاء بعده
وعليه العمل. وحسبك ما رواه القاسم بن محمد من فعل الناس، ولا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام وقف بعرفة
راكبا ورمى الجمار ماشيا، وذلك محفوظ من حديث جابر - انتهى. ويستثنى منه رمى جمرة العقبة فى أول أيام النحر
كما لا يخفى (ويقول) عطف على ((يرمى)، فيكون من قبيل «علفتها تبنا وماء باردا، أو الجملة حالية (لتأخذوا مناسككم)
قال النووى: هذه اللام لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم، وهكذا وقع فى رواية غير مسلم ، وتقديره: هذه الأمور
التى أتيت بها فى حجتى من الأقوال والأفعال والهيئات هى أمور الحج وصفته، وهى مناسككم فخذوها عنى واقلوها
واحفظوها واعملوا بها وعلوها الناس. وهذا الحديث أصل عظيم فى مناسك الحج وهو نحو قوله مزوي فى الصلاة ((صلوا كما
رأيتمونى أصلى، - انتهى. قال الطيبي: ويجوز أن تكون اللام للتعليل والمعلل محذوف أى يقول: إنما فعلت تأخذوا
عنی مناسككم ـ انتهى. ويؤيد الأول ما ورد عند النسائى والبيهقى بلفظ «خذوا عنى مناسککم، وقال القرطي : روايتنا
لهذا الحديث بلام الجر المفتوحة والنون التى هى مع الألف ضمير أى يقول لنا «خذوا مناسككم)، فيكون قوله ((لنا» صفة
لاقول ، قال : هو الأفصح، وقد روی «لتأخذوا مناسککم، بکسر اللام للا مر ، وبالتاء المثناة من فوق، وهی لغة قرأ بها
رسول اللّه مَّه فى قوله تعالى ﴿فبذلك فتفر حوا - ١٠: ٥٨) انتهى. قال السندى فى حاشية النسائى («خذوا عنى
مناسككم، أى تعلوها من واحفظوها، وهذا لا يدل على وجوب المناسك، وإنما يدل على وجوب أخذها وتعلمها،
فمن استدل به على وجوب شتى من المناسك فاستدلاله فى محل النظر فليتأمل - انتهى. وكذا قال فى حاشية مسلم.
وعلل ذلك بقوله: إذ وجوب تعلم الشئى لا يدل على وجوب ذلك الشئى إذ جميع المندوبات والسنن يجب أخذها وقعلها
ولو على وجه التكفاية، وهى غير واجبة عملا فافهم، والله تعالى أعلم (فانى لا أدرى) مفعوله محذوف، أى لا أعلم
ماذا يكون (لعلى لا أحج بعد حجتى) بفتح الحاء، وهى يحتمل أن يكون مصدرا، وأن يكون بمعنى السنة (هذه) أى التى
أنا فيها (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى (ج ٥: ص ٣٠٪) قال المزى: هذا الحديث فى
١٧٩
٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦ - باب رمى الجمار
٢٦٤٣ - (٢) وعنه، قال: رأيت رسول اللّه مَيل رمى الجمرة بمثل حصى الحذف. رواه مسلم.
٢٦٤٤ - (٣) وعنه، قال: رمى رسول اللّه ◌َيفضّ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا
زالت الشمس.
رواية أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن داسة ، ولم يذكره أبو القاسم أى اللؤلؤى، ولذا لم يذكره المنذرى فى
مختصر السنن .
٢٦٤٣ - قوله (مثل حصى الخذف) تقدم ضبطه ومعناه فى شرح حديث جابر الطويل ، وهو دليل على استجاب
كون الحصى فى هذا المقدار ، قال القارى: وهو قدر حبة الباقلى أو النواة أو الأنملة فيكره أصغر من ذلك وأكبر منه
وذلك للنهى عن الثانى فى الخبر الصحيح ((بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو فى الدين، ـ انتهى. وقال فى رد المحتار:
إنها مقدار الباقلاء، قال فى النهر: وهذا بيان المندوب، وأما الجواز فيكون ولو بالأ كبر مع الكراهة - انتهى. قال
الشيخ ولى الله الدهلوى: وإنما رمى يمثل حصى الخذف لأن دونها غير محسوس، وفوقها ربما يؤذى فى مثل هذا الموضع،
والحديث رواه الدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ١٢٧) من طريق سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبى مَثّ أمرهم أن
يرموا بمثل حصى الخذف. قال الزرقانى: أمرم مَّ مع رميه بمثلها لأنهم كلهم لم يروا رميه لكثرتهم ـ انتهى
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا الترمذى والنسائى والبيهقى (ج ٥: ص ١٢٧).
٢٦٤٤ - قوله (رمى رسول اللّه ◌َفي الجمرة) أى جمرة العقبة (يوم النحر) أى يوم العيد (ضحى) قال العراقى:
الرواية فيه بالتوين على أنه مصروف وهو مذهب النحاة من أهل البصرة سواء قصد التعريف أو التنكير. وقال
الجوهرى: تقول: لقيته ضحى وضحى، إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه (يعنى أنه منون عند التنكير وغير منون
عند التعريف) وقال: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى وهى حين تشرق الشمس مقصورة تؤنث وتذکر
فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على ◌ُعَل مثل صرد ونغر، وهو ظرف غير متمكن
مثل سحر ، قال: ثم بعده الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، ومنه قول عمر رضى الله عنه: يا
عباد الله أضحوا لصلاة الضحى، يعنى لا تصلوها إلا إلى ارتفاع الضحى - انتهى. وقد تحصل من هذا أن الضحوة وقت
طلوع الشمس، والضحى وقت شروقها ، والضحاء وقت ارتفاعها. قال القارى: قوله ضحى أى وقت الضحوة من
بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال (وأما بعد ذلك) أى بعد يوم النحر وهو أيام التشريق (فإذا زالت الشمس) أى
فيرمى بعد الزوال، قال العنى (ج ١٠: ص ٨٦): يستفاد منه أن الرمى فى أيام التشريق محله بعد زوال الشمس وهو
كذلك ، وقد اتفق عليه الأئمة، وخالف أبو حنيفة فى اليوم الثالث منها فقال: يجوز الرمى فيه قبل الزوال استحسانا
١٨٠