النص المفهرس

صفحات 101-120

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
متفق عليه.
٢٥٩٧ - (١٣) وعن أبى هريرة، قال: بعثنى أبو بكر فى الحجة التى أمره النبى معَّ عليها قبل حجة
الوداع، يوم النحر فى رهط ، أمره أن يؤذن فى الناس: ألا
وكذلك الأفعال المشروعة فى الحج تشرع للحائض وغيرها . وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض ، وهذا
مجمع عليه. وأما السعى فكالطواف إذ لا يصح إلا بعد الطواف. قال الشوكانى: الحديث ظاهر فى نهى الحائض عن
الطوافى حتى ينقطع دمها وتغتسل والنهى يقتضى الفساد المرادف للبطلان فيكون طواف الحائض باطلا ، وهو قول
الجمهور - انتهى. وقد تقدم الكلام فى اشتراط الطهارة للطواف فى شرح حديث عروة عن عائشة ثالث أحاديث هذا
الباب (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقى.
٢٥٩٧ - قوله (بعثنى) أى أرسلنى (أبو بكر) الصديق، قال الطحاوى فى مشكل الآثار: هذا مشكل لأن الأخبار
فى هذه القصة تدل على أن النبي مؤثر كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عيا فأمره أن يؤذن فكيف يبعث أبو بكر أبا
هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه فى ذلك إلى على؟ ثم أجاب بما حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس
فى تلك الحجة بلا خلاف ، وكان على هو المأمور بالتأذين بذلك، وكان عليا لم يطق التأذين بذلك وحده ، واحتاج
إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرز بن أبى هريرة
عن أبيه قال: كنت مع على حين بعثه النبي ◌َّى ببراءة إلى أهل مكة فكنت أنادى معه بذلك حتى يصحل صوتى وكان
هو ينادى قبلى حتى يعى، وأخرجه أحمد أيضا وغيره من طريق محرز بن أبى هريرة ، فالحاصل أن مباشرة أبى هريرة
لذلك كانت بأمر أبى بكر وكان ينادى بما يلقيه إليه على مما أمر بتبليغه، كذا فى الفتح (فى الحجة التى أمره النبي مزبلة) بتشديد
الميم أى جعله أميرا على قافلة الحج فى السنة التاسعة من الهجرة (عليها) متعلق بأمره أى على الحجة (قبل حجة الوداع) أى
بسنة. قال ابن القيم: يستبط منه أنها كانت سنة تسع لأن حجة الوداع كانت سنة عشر اتفاقا ، وذكر ابن إسحاق أن
حروج أبى بكر كان فى ذى القعدة. وذكر الواقدى أنه خرج فى تلك الحجة مع أبى بكر ثلاث مائة من الصحابة ، وبعث
معه رسول الله مَّ عشرين بدنة. قال الحافظ: وقد وقفت ممن سمى من كان مع أبى بكر فى تلك الحجة على أسماء جماعة
منهم سعد بن أبى وقاص وجابر بن عبد الله فيما أخرجه الطبرى (يوم النحر) ظرف بعث (فى رهط) أى فى جملة رهط
أو مع رهط، والرهط - بسكون الهاء ويحرك- عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة،
ولا واحد له من لفظه (أمره) بالتخفيف (أن يؤذن) بالتشديد، والمراد بالتأذين الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى:
﴿وأذان من الله ورسوله - ٣:٩ ) أى إعلام. قال الطبى: والضمير راجع إلى الرهط، والافراد باعتبار اللفظ،
ويجوز أن يكون لأبى هريرة على الالتفات. قال القارى: أو على التجريد أو التقدير ((أمر أحد الرمط أن ينادى)) (ألا)
١٠١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. متفق عليه.
الفصل الثانى )
٢٥٩٨ - (١٤) عن المهاجر المكى،
التنبيه (لا يحج) بضم الجيم، نهى أو نفى معناه نهى، ويفتح، ويكسر على أنه نهى ويزيده رواية ((لا يحججن)، قاله
القارى. وفى رواية ((أن لا يحج)) قال الحافظ: كذا للأكثر، والكشميهنى ((ألا لا يحج)) بأداة الاستفتاح قبل حرف
النهى، وللبخارى فى التفسير ((أن لا يحجن)، وهو يعين ذلك للنهى (بعد العام) أى بعد هذه السنة. وقال الحافظ: أى
بعد الزمان الذى وقع فيه الإعلام بذلك (مشرك) أى كافر. قال الحافظ: هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فلا يقربوا
المسجد الحرام بعد عامهم هذا - ٩: ٢٨) والآية صريحة فى منعهم دخول المسجد الحرام ولو لم يقصدوا الحج ولكن
لما كان الحج هو المقصود الأعظم صرح لهم بالمنع منه فيكون ما وراءه أولى بالمنع ، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم
كله. قال النووى: فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لوجاء فى رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول بل
يخرج إليه من يقضى الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم - انتهى. وقال العينى:
وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك بقوله مؤتة: أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب. قاله فى
مرض موته مَّه (ولا يطوف بالبيت عريان) أى مطلقا فى جميع الأيام غير مقيد بعام دون عام لقوله تعالى: ﴿يا بنى
آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد - ٧: ٣١) وصح عن ابن عباس أنه نزل ردا لما كانوا يفعلونه من الطواف بالبيت مع
العرى، يعنى زعما منهم أنهم لا يعبدون ربهم فى ثياب أذنبوا فيها. قال الحافظ: ذكر ابن إسحاق فى سبب هذا الحديث
أن قريشا ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا فى ثياب
أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانا، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها ، بياء الإسلام فهدم ذلك كله.
وفى الحديث حجة لاشتراط ستر العورة فى الطواف كما يشترط فى الصلاة والمخالف فى ذلك الحنفية، قالوا ستر
العورة فى الطواف ليس بشرط فمن طاف عريانا أعاد ما دام بمكة ، فإن خرج لزمه دم. قلت: قد اختلف هل ستر
العورة شرط لصحة الطواف أولا؟ فذهب الجمهور إلى أنه شرط، وذهبت الحنفية إلى أنه ليس بشرط ، فمن طاف
عريانا أعاد ما دام بمكة ، فإن خرج لزمه دم ، فهم ينكرون الاشتراط دون الوجوب، قالوا: وهو مدلول الحديث .
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى أوائل الصلاة، وفى الحج، وفى تفسير سورة براءة، ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا
النسائى والبيهقى.
٢٥٩٨ - قوله (عن المهاجر المكى) هو مهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث القرشى المخزومى. قال
١٠٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
قال: سئل جابر عن الرجل يرى البيت يرفع يديه؟ فقال: قد حججنا مع النبى مَّنَ فلم نكن نفعله.
الحافظ فى تهذيب التهذيب: روى عن جابر وابن عمه عبد الله بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث والزهرى وهو من
أقرانه، وعنه أبو قزعة سويد بن حجير الباهلى ويحيى بن أبى كثير، ذكره ابن حبان فى الثقات. قلت : قال أبو حاتم
فى العلل: لا أعلم أحدا روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور - انتهى. وقال فى
التقريب: إنه مقبول. قلت: ذكره البخارى فى تاريخه (ج ٤: ص ٣٨٠) وابن أبي حاتم فى الجرح والتعديل (ج ١/٤/
٢٢٠) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا (عن الرجل يرى البيت) أى الرجل الذى يرى البيت (يرفع يديه) أى هو مشروع أم لا؟
وهذا لفظ أبى داود، وفى رواية الترمذى ((أيرفع الرجل يديه إذا رأى البيت ؟» (فلم نكن نفعله) أى رفع اليدين عند رويته
فى الدعاء، وهذا لفظ النسائى . وعند أبى داود (فظلم يكن يفعله)، والترمذى ((أفكنا نفعله، والهمزة للإنكار ، والحديث يدل
على عدم رفع اليد فى الدعاء عند رؤية البيت ، وقد ورد ما يدل على استحباب ذلك فروى الشافعى عن ابن جريج أن النبي
ورفع كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه
من حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا. وهذا مرسل معضل فيما بين ابن جريج والنبي مَ، وفى إسناده سعيد
ابن سالم القداح وفیه مقال. وروى البيهقى عن مكحول ، قال : كان النبي ◌ُٹے إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه و کبر
وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما، إلخ. وهذا مرسل.
وروى البيهقى أيضا من طريق الشافعى عن سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: حدثت عن مقسم مولى عبد الله بن
الحارث عن ابن عباس عن النبي ◌َّم أنه قال ترفع الأيدى فى الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة - الحديث
قال البيهقى: هو منقطع، لم يسمعه ابن جريج من مقسم ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن
ابن عباس وعن نافع عن ابن عمر مرة موقوفا عليهما ومرة مرفوعا إلى الني مَ ◌ّه. وابن أبى ليلى هذا غير قوى فى الحديث
وقد اختلف العلماء فى ذلك كما اختلفت الروايات . فذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم الرفع. قال فى اللباب وشرحه للقارى:
ولا يرفع يديه عند رؤية البيت ولو حال دعائه لعدم ذكره فى المشاهير من كتب الأصحاب كالقدورى والهداية والكافى
والبدائع ، بل قال السروجى: المذهب تركه. وكلام الطحاوى فى شرح معانى الآثار صريح أنه يكبره الرفع عند أبى
حنيفة وأبى يوسف ومحمد ، وقيل يرفع. ونقل عن جابر رضى الله عنه أن ذلك من فعل اليهود، وسماه البصروى مستحبا
إلخ. وقال فى غنية الناسك: استحب المحتقون من أهل المذهب للقادم رفع اليدين عند رؤية البيت الدعاء، منهم
الكرمانى والبصروى وابن الهمام وعلى القارى وهو مذهب الشافعى وأحمد - انتهى. واحتج لمن ذهب إلى كرامة
الرفع وعدم مشروعيته بحديث جابر ، وهو حديث حسن وقال سفيان الثورى وابن المبارك وأحمد وإسحاق: يرفع
١٠٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
يديه. قال ابن المنذر: وبه أقول. قال النووى: وهو مذهبنا. وقال الشافعى بعد أن أورد حديث ابن جريج: ليس
فى رفع اليدين عند رؤية البيت شئى فلا أكرهه ولا أستحبه. قال البيهقى: وكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه. قال
ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٦٩): ويستحب رفع اليدين عند رؤية البيت ، روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس ، وبه قال
الثورى وابن المبارك والشافعى وإسحاق بن راهويه، وكان مالك لا يرى رفع اليدين لما روى عن المهاجر المكى ، قال
سئل جابر بن عبد الله فذكر حديث الباب ثم قال: ولنا ما روى أبو بكر بن المنذر عن النبي مُؤمِ أنه قال : لا ترفع
الأيدى إلا فى سبع مواطن: افتاح الصلاة واستقبال البيت - الحديث. قال ابن قدامة: وهذا من قول النبي مزيّ وذاك
من قول جابر ، وخبره عن ظنه وفعله ، وقد خالفه ابن عمر وابن عباس، ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت، وقد أمر
برفع اليدين عند الدعاء - انتهى. وقال النووى فى شرح المهذب: قال أصحابنا رواية المثبت للرفع أولى، لأن معه زيادة
علم ، وقال البيهقى رواية غير جابر فى إثبات الرفع مع إرسالها أشهر عند أهل العلم من حديث مهاجر وله شواهد، وإن كانت
مرسلة. والقول فى مثل هذا قول من رأى وأثبت. وقال الخطابى فى المعالم: قد اختلف الناس فى هذا فكان من يرفع
يديه إذا رأى البيت سفيان الثورى وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وضعف هؤلاء حديث جابر لأن
مها جرا راويه عندهم مجهول، وذهبوا إلى حديث ابن عباس عن النبي مَّم قال: ترفع الأيدى فى سبعة مواطن، إلخ.
وروى عن ابن عمر أنه كان يرفع اليدين عند رؤية البيت، وعن ابن عباس مثل ذلك - انتهى. قلت: قد تقدم أن
مهاجرا المكى وثقه ابن حبان، وقال الحافظ: إنه مقبول ، فحديث جابر على الأقل حسن. وأما حديث ابن عباس
فى رفع الأيدى فى سبعة مواطن فى سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ. قال الشوكانى: ليس فى
الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت ، وهو حكم شرعى لا يثبت إلا بالدليل، وأما الدعاء عند روية
البيت فقد رويت فيه أخبار وآثار، منها ما أخرجه ابن المغلس أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: اللهم أنت السلام
ومنك السلام فجينا ربنا بالسلام. ورواه سعيد بن منصور فى السنن عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد ولم يذكر عمر،
ورواه الحاكم عن عمر أيضا. وكذلك رواه البيهقى عنه - انتهى. تنبيه: قال الطبرى: وأول موضع يقع فيه بصره
على البيت رأس الردم لمن يأتى من أعلى مكة ، وقد كان ذلك فأما اليوم فقد سد بالأبنية. وقال ابن جاسر: والدعاء المذكور
يقوله إذا عاين البيت لا عند وصوله للمحل الذى كان يرى منه البيت قبل ارتفاع الابنية وهو المسمى أولا برأس الردم والآن
يسمى بالمدعى. قال شيخ الإسلام: ولم يكن قديما بمكة بناء يعلو على البيت ولا كان فوق الصفا والمروة والمشعر الحرام
بناء ولا كان يمّى بناء ولا بعرفات مسجد ولا عند الجمرات مسجد، بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين، ومنها ما
أحدث بعد الدولة الأموية، فكان البيت يرى قبل دخول المسجد، فمن رأى البيت قبل دخول المسجد فعل ذلك أى الرفع
١٠٤

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
رواه الترمذى، وأبو داود.
٢٥٩٩ - (١٥) وعن أبى هريرة، قال: أقبل رسول اللّه مَّبي فدخل مكة، فأقبل إلى الحجر فاستلمه،
ثم طاف بالبيت ، ثم أتى الصفا فعلاه حتى ينظر إلى البيت، فرفع يديه جعل يذكر الله ما شاء
ويدعو . رواه أبو داود.
٢٦٠٠ - (١٦) وعن ابن عباس، أن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال: الطواف حول البيت
والدعاء، وقد استحب ذلك من استحبه عند رؤيته البيت، ولو كان بعد دخول المسجد - انتهى (رواه الترمذى وأبو داود)
وأخرجه أيضا النسائى والبيهقى (ج ٥ : ص ٧٣) وهو حديث حسن كما عرفت.
٢٥٩٩ - قوله (أقبل رسول اللّه مؤثر) أى توجه من المدينة (فدخل مكة) قال القارى: أى للحج أو العمرة،
والظاهر أن المراد يوم فتح مكة كما يدل عليه حديث أبى هريرة الطويل عند مسلم فى باب فتح مكة (فأقبل إلى الحجر)
أى توجه إلى الحجر الأسود، أو إلى بمعنى على (فاستلمه) أى بالس والتقبيل (ثم طاف بالبيت) أى سبعة أشواط
(ثم أتى الصفا) أى بعد ركعتى الطواف (فعلاه) أى صعده (حتى ينظر إلى البيت) وفى أبى داود ((حيث ينظر إلى البيت))
وفى حديث جابر الطويل المتقدم ((فرقى عليه حتى رأى البيت، وأنه فعل فى المروة مثل ذلك)) قال القارى: وهذا كان فى
الصفا باعتبار ذلك الزمن ، وأما الآن فالبيت يرى من باب الصفا قبل رقيه لما حدث من ارتفاع الأرض ثمه حتى اندفن
كثير من درج الصفا. وقيل بوجوب الرقى مطلقا .. وأما الرقى الآن فى المروة فلا يمكن كما أن رؤية البيت منها لا
تمكن لكن بصدر العقد المشرف عليها دكة فيستحب رقيها عملا بالوارد ما أمكن (فرفع يديه) أى للدعاء على الصفا لا
لرؤية البيت لما سبق ، وأما ما يفعله العوام من رفع اليدين مع التكبير على هيأة رفعهما فى الصلاة فلا أصل له (فجعل يذكر.
الله ما شاء) أى من التكبير والتهليل والتحميد والتوحيد (ويدعو) أى بما شاء. قال القارى: وفيه إشارة إلى المختار عند محمد
أن لا تعيين فى دعوات المناسك لأنه يورث خشوع الناسك. وقال ابن الهمام: لأن توقيتها يذهب بالرقة لأنه يصير كمن
يكرر محفوظه وإن تبرك بالمأثور فحسن - انتهى. وقوله (يذكر الله ما شاء ويدعو)) كذا فى جميع النسخ، وفى أبى داود
«يذكر الله ما شاء أن يذكره ويدعوه، وفى الحديث الابتداء بالطواف فى أول دخول مكة سواء كان محرما بحج أو بعمرة
أو غير محرم، وكان النبي ◌َّ دخلها فى هذا اليوم، وهو يوم الفتح غير محرم بإجماع المسلمين وكان على رأسه المغفر.
والأحاديث متظاهرة على ذلك، والإجماع منعقد عليه، قاله النووى. وفيه أيضا رفع اليدين للدعاء على الصفا عند رؤية
البيت (رواه أبو داود) قال المنذرى: وأخرجه مسلم بنحوه فى الحديث الطويل فى الفتح يعنى فتح مكة .
٢٦٠٠ - قوله (الطواف حول البيت) أى الدوران حول الكعبة. وقوله ((حول البيت، احتراز من الطواف
١٠٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
مثل الصلاة ، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير.
بين الصفا والمروة (مثل الصلاة) بالرفع على الخبرية، وجوز النصب أى نحوها ، وفى رواية ((الطواف بالبيت صلاة)
أى مثلها فى عدة من الأحكام كستر العورة والطهارة ، وقيل أى مثلها فى الثواب أو فى التعليق بالبيت (إلا أنكم تتكلمون
فيه) أى يجوز لكم الكلام فى الطواف بخلاف الصلاة. وقال القارى: أى تعتادون الكلام فيه. قال الطبي: يجوز أن
يكون الاستثناء متصلا أى الطواف كالصلاة فى الشرائط التى هى الطهارة وغيرها إلا فى التكلم، ويجوز كونه منقطعا أى
الطواف مثل الصلاة لكن رخص لكم فى التكلم فيه. وقال القارى: الاستثناء إما متصل أى مثلها فى كل معتبر فيها وجودا
وعدما إلا التكلم يعنى وما فى معناه من المنافيات من الأكل والشرب وسائر الأفعال الكثيرة، وإما منقطع أى لكن
رخص لكم فى الكلام. وفى العدول عن قوله ((إلا الكلام، نكتة لطيفة لا تخفى، ويعلم من فعله عليه الصلاة والسلام
عدم شرطية الاستقبال، وليس لأصل الطواف وقت مشروط وبقى بقية شروط الصلاة من الطهارة الحكمية والحقيقية وستر
العورة ، فهى معتبرة عند الشافعى كالصلاة وواجبات عندنا. لأنه لا يلزم من مثل الشئى أن يكون مشاركا له فى كل شئى على
الحقيقة مع أن الحديث من الآحاد ، وهو ظنى لا يثبت به الفرضية - انتهى. وقال المناوى: استدل به الخطابى على
اشتراط الطهارة له. وقول ابن سيد الناس: المشبه لا يعطى قوة المشبه به من كل وجه وقد نبه على الفرق بينهما بحل الكلام فيه، رده
المحقق أبو زرعة، لأن التحقيق أنه صلاة حقيقة إذ الأصل فى الإطلاق الحقيقة وهى حقيقة شرعية ، ويكون لفظ الصلاة
مشتركا اشتراكا لفظيا بين المعهودة والطواف، ولا يرد إباحة الكلام فيه، لأن كل ما يشترط فى الصلاة يشترط فيه
إلا ما يستثنى، والمشى مستثنى، إذ لا يصدق اسم الطواف شرعا إلا به. وقال المحب الطبرى: فى قوله مَ ◌ّم («الطواف
بالبيت صلاة، دليل على أن الطواف يشترط فيه الطهارة والستارة، وأن حكمه حكم الصلاة إلا فيما وردت فيه الرخصة من
الكلام بشرط أن يكون بخير، ووجهه أنه جعله صلاة أو مثل الصلاة ، ومقتضى ذلك إبطاله بالكلام مطلقا ، فلما رخص
فى كلام خاص وجب أن يقتصر عليه، فلا يلحق به ما عداه تقليلا لمخالفة الدليل وما ورد فى إباحة الكلام مطلقا ، فيحمل
على هذا المقيد (فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير) أى من ذكر الله وإفادة على واستفادته على وجه لا يشوش على الطائفين
وقال الطبرى: من الخير المشار إليه فى الحديث أن يسلم الرجل على أخيه ويسأله عن حاله وأهله ويأمر الرجل الرجل
بالمعروف وينهاه عن المنكر وأشباه ذلك من تعليم جاهل أو إجابة مسألة، وهو مع ذلك كله مقبل على الله تعالى فى طوافه ،
خاشع بقلبه، ذاكر بلسانه، متواضع فى مسألته، يطلب فضل مولاه ويعتذر إليه، فمن كان بهذا الوصف رجوت أن
يكون من قال رسول الله مَّى: إن الله تبارك وتعالى يباهى بالطائفين. وقال أيضا: واعلم أن التحدث فى الطواف على
غير النحو المتقدم خطأ كبير وغفلة عظيمة، ومن لابس ذلك فقد لابس ما يمقت عليه ، خصوصا إن صدر من ينسب
١٠٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
٣ -باب دخول مكة والطواف
رواه الترمذى، والنسائى، والدارمى، وذكر الترمذى جماعة وقفوه على ابن عباس.
إلى العلم والدين فإنه إذا أنكر على من دونه احتج به فصار فتنة لكل مفتون، ومن آثر محادثة المخلوق فى أمر الدنيا
والإقبال عليه والإصغاء لحديثه على ذكر خالقه والإقبال عليه وعلى ما هو متلبس به من عبادته فهو غبين الرأى ، لأن
طوافه بجسده وقلبه لاه ساه قد غلب عليه الخوض فيما لا يعنيه حتى استرسل فى عبادته كذلك، فهو إلى الخسران أقرب
منه إلى الربح، ومثل هذا خليق بأن يشكوه البيت إلى الله عز وجل وإلى جبريل، ولعل الملائكة تتأذى به، وكثير من
الطائفين يتبرمون منه، فعلى الطائف أن يبذل جهده فى مجانبة ذلك - انتهى والحديث رواه أحمد من طريق حسن
ابن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبى مُؤثّل أن النبى مَّ قال: إنما الطواف صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام، ورواه
النسائى من هذا الطريق موقوفا، ثم رواه من طريق حنظلة بن أبى سفيان عن طاوس ، قال: قال عبد الله بن عمر:
أقلوا الكلام فى الطواف فإنما أنتم فى الصلاة. وقوله ((فأقلوا الكلام، أى فلا تكثروا فيه الكلام ، وإن كان جائزا،
لأن معائلته للصلاة تقتضى أن لا يتكلم فيه أصلا كما لا يتكلم فى الصلاة، فحين أباح اللّه تعالى فيه الكلام رحمة
منه تعالى على العبد فعليه أن يشكر الله عز وجل ولا يكثر فيه الكلام ولا يتكلم إلا بخير أو لضرورة (رواه الترمذى
والنسائى والدارمى) واللفظ الترمذى، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ٤٥٩) والدار قطنى وابن خزيمة وابن حبان
والبيهقى وغيرهم ، وفى قول المصنف ((والنسائى، نظر، فإن الحديث عنده من طريق طاوس موقوف ولم يسم الصحابى
كما تقدم (وذكر الترمذى جماعة وقفوه على ابن عباس) قلت: قال الترمذى بعد رواية الحديث من طريق جرير عن
عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس مرفوعاً ما لفظه «وقد روى عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن
عباس موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن السائب) - انتهى. قال الحافظ فى التلخيص : الحديث رواه
الترمذى والحاكم والدار قطنى من حديث ابن عباس ، وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان. وقال الترمذى:
روى مرفوعا وموقوفا ، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء ومداره على عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن
عباس. واختلف فى رفعه ووقفه ورجح الموقوف النسائى والبيهقى وابن الصلاح والمنذرى والنووى، وزاد أن رواية
الرفع ضعيفة ، وفى إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق ، وإذا روى عنه الحديث مرفوعا قارة وموقوفا
أخرى فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووى من يعتمد ذلك ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان
الرافع ثقة فيجئى على طريقته أن المرفوع صحيح، فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلط ولا تقبل إلا رواية من
رواه عنه قبل اختلاطه، أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثورى عنه، والثورى من سمع قبل اختلاطه
باتفاق، وإن كان الثورى قد اختلف عليه فى وقفه ورفعه، فعلى طريقتهم تقدم رواية الرفع أيضا، والحق أنه
١٠٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
٢٦٠١ - (١٧) وعنه، قال: قال رسول اللّه مَّ: نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضا
من اللبن، فسودته خطايا بنى آدم.
من رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه وقد بسط الحافظ الكلام ههنا، من شاء الوقوف فليرجع إلى
التلخيص (ص ٤٧) .
٢٦٠١ - قوله (وهو أشد بياضا من اللبن) جملة حالية (فسودته خطايا بنى آدم) أى صارت ذنوب بنى آدم
الذين يمسحون الحجر سببا لسواده، واللفظ المذكور للترمذى، ولأحمد «الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضا
من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك، وفى رواية الطبرانى ((الحجر الأسود من حجارة الجنة وما فى الأرض من الجنة
غيره، وكان أبيض كالمها (مقصورا جمع مهاة وهى البلورة) ولو لا ما مسه من رجس الجاهلية ما مسه ذو عامة إلا
برى، والحديث محمول على ظاهره إذ لا مانع نقلا ولا عقلا ، فالركن الأسود حجر من حجارة الجنة حقیقة ، وليس
فيه غرابة وبعد واستحالة، والحديث صحيح كما قال الترمذى وغيره، وله شواهد كما ستعرف، وأوله بعض الشراح بإرادة
المبالغة فى تعظيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة واليمن
والبركة يشارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها. قال القاضى البيضاوى: لعل هذا الحديث جار مجرى التمثيل والمبالغة
فى تعظيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة وما فيه من اليمن
ر البركة شارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها ، وأن خطايا بنى آدم تكاد تؤثر فى الجماد فيجعل المبيض منها مسودا فكيف
بقلوبهم (يعنى ففيه تخويف وتنبيه ، فإن الرجل إذا علم أن الذنب يسود الحجر جاف أن يسود بدنه بشؤم ذنوبه ويذهب
نور الايمان) أو لأنه من حيث أنه مكفر للخطايا محاء للذنوب لما روى عن ابن عمر مرفوعا (كما سيأتى) ((إن مسحهما
كفارة للخطايا، كأنه من الجنة ومن كثرة تحمله أوزار بنى آدم صار كأنه كان ذا ياض شديد فسودته الخطايا ،
وقيل: فى هذا الحديث امتحان إيمان الرجل ، فإن كان كامل الايمان يقبل هذا ولا يتردد وإن كان ضعيف
الايمان يتردد والكافر ينكر، وقال التوربشتى: هذا الحديث محتمل أن يراد منه ما دل عليه الظاهر ومحتمل ان
بأول على ما يستقيم عليه المعنى من باب الاتساع، ولسنا نرى بحمد الله تعالى خلاف الظواهر فى السنن.
إلا إذا عارضه من السنن الثوابت ما يحوج إلى التأويل أو وجدنا اللفظ فى كلامهم بين الأمر فى المجاز والاستعارة
فسلكنا به ذلك المسلك، وإذ قد عرفنا من أصل الدين بالنصوص الثابتة أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر مباينة
لما خلق فى هذه الدار الفانية فى حكم الزوال والفناء وإحاطة الآفات بها ، فإن ذلك خلق خلقا محكما غير قابل لشئى من
ذلك، وقد وجدنا الحجر أصابه الكسر حتى صار فلقا ، وذلك من أقوى أسباب الزوال لم نستبعد فيه مذهب التأويل
١٠٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣- باب دخول مکد والطواف
وذلك بأن نقول: جعل الحجر لما وضع فيه من الأنس والهيبة واليمن والكرامة كالشى الذى نزل من الجنة وأراد به
مشاركته جواهر الجنة فى بعض أوصافها فصار كأنه نزل من الجنة، ومثله قوله مو ين «العجوة من الجنة، وقد علمنا أنه
أراد بذلك مشاركتها ثمار الجنة فى بعض ما جعل فيها من الشفاء والبركة بدعائه موته بذلك فيها ولم يرد ثمار الجنة نفسها
للاستحالة التى شاهدنا فيها كاستحالة غيرها من الأطعمة ولخلوها من النعوت والصفات الواردة فى ثمار الجنة ، وتأويل
قوله «نزل من الجنة، أى الصفات الموهوبة لها كأنها من الجنة. قال اللّه تعالى: {وأنزلنا الحديد - ٥٧: ٢٥﴾ وقال:
﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج - ٣٩: ٦) حمل الانزال على معنى القضاء والقسمة، ومنهم من ذهب فيه إلى
معنى الخلق، ومنهم من قال إنه أقام إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها. وأما قوله مؤفي ((وهو أشد بياضا من
اللبن) فمعناه أن الحجر كان من الصفاء والنورانية على هذا النعت فودته خطايا بنى آدم، ومعنى هذا القول- والله أعلم -
أن كون بنى آدم خطائين مقتحمين على موارد الملكات ، اقتضى أن يكون الحجر على الشاكلة التى هو عليها من السواد
الثلا يتسارع إليهم المقت والعقوبة من اللّه تعالى، فإن كل من شاهد آية خارقة للعادة ثم بخس بحقها استحق الطرد من الله
فأضيف التسويد إلى الخطايا لأنها كانت السبب فى ذلك. ومن الدليل على هذا التأويل قوله مَثّم فى حديث عبد الله بن
عمر الآتى ((إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما)) الحديث. فالذى طمس نورهما هو اقه
سبحانه وتعالى حكمة بالغة منه فى الشئ الذى ذكرناه. ثم لمعنى آخر وهو كونه أتم فائدة فى حال المكلفين ، لأنه إذا
عظموه حق تعظيمه من غير مشاهدة آية باهرة صح إيمانهم بالغيب، وذلك من أعلى مقامات أهل الإيمان فيكون من
أجدى الأشياء فى محر الخطايا وتمحيص الذنوب، وذلك إحدى المعنيين فى إضافة التسويد إلى الخطايا لاقتضاءما ذلك من
طريق الحكمة. وقال بعض الفضولية: إنه لو كان هذا الذى رووه من تسويد خطايا بنى آدم الحجر واقعا لتناقلته الأمم
فى عجائب الأخبار ، ولقد أجبت عن ذلك فى كتاب المناسك وأعطيت القول حقه فى موضعين منه ، ولم أرد ترديد
القول مهنا إيثاراً للاختصار - انتهى. قلت: لا ملجثى للتأويل الذى ذكره القاضى والتور بشتى بل يحمل الحديث على
ظاهره، إذ لا مانع من ذلك عقلا ولاسمعا لاسيما وقد جاء هذا الحديث عند الطبرانى بلفظ يبعد التأويل كما تقدم، قال الشيخ
عبد الحق الدهلوى: ولعمرى ما فى الحديث ما يخالف الدليل القاطع الحاكم باستحالته حتى يجب تأويله وصرفه عن
ظاهره، أما النزول من الجنة فلا استحالة فيه فإن الجنة فيها جواهر، فيمكن أن الله أنزل منها شيئا إلى الأرض حتى
يحمل الايزال على معنى القضاء والقسمة أو معنى الخلق أو إقامة إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها كما فى قوله تعالى:
﴿ وأنزلنا الحديد) (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) وأما قولهم إنا قد عرفنا بالنصوص الثابتة أن الجنة وما احتوت
عليه من الجواهر مباينة لما خلق فى هذه الدار الفانية فى الخواص (إلى آخر ما قالوا) فنقول: يمكن أن يكون فقدان
خواص الجنة لنزوله إلى هذه الدار وسراية أحوالها وأحكامها إليه، ويستأنس له بما يأتى من حديث عبد اغه بن عمر
١٠٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
١٠ - كتاب المناسك
٣- باب دخول مكة والطواف
رواه أحمد، والترمذى، وقال: هذا حديث حسن .
((إن الركن والمقام ياقوتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب))
وكما قالوا فى الجواب عن أقوال الزائغين فى كون ما بين قبر النبي تَّه ومنبره روضة من رياض الجنة، على تقدير
كونه محمولا على الحقيقة أنه لو كان من الجنة لما نجوع ونظماً فيها. وكما فى عكس هذه الصورة من صعود بعض الأنبياء
فى السماء من عدم انحلال قواهم وفساد مزاجهم وتغير أحوالهم كما فى الدنيا، فليكن ههنا كذلك، واللّه على كل شئى قدير.
ومثل هذا الكلام فى قوله ((أشد بياضا فسودته خطايا بنى آدم)) بأن يكون فى ابتداء نزوله أبيض، ثم جعل لذنوب بنى آدم
ومس أيديهم خاصية وسبية فى تسويده. وأما قول بعض الزائغين بأنه لوكان هذا الذى رووه من تسويد خطايا بنى آدم
الحجر واقعا لتناقلته الأمم فى عجائب الأخبار فساقط من درجة الاعتبار، ولا استبعاد فيه، نعم لو قيل: المراد هو
الظاهر ولكن يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى مناسب لم يستبعد. ثم ذكر الشيخ الدهلوى ما قيل فى تأويل الحديث مما
سبق فى كلام القاضى والتوربشتى، ثم قال: وهذا كله تأويلات وتمحلات من النفس ناشئة من ضيق دائرة الايمان
ومن شرح الله صدره للايمان ووسع دائرة المعرفة لصدقه ويقول: آمنا به، والله على كل شئ قدير، غايته أن يقال:
إن المراد هو الظاهر، ويحتمل - والله أعلم - أن يكون المراد ما ذكرنا من المعانى المتناسبة فافهم، وبالله التوفيق. تنبيه:
قال المحب الطبرى: قد اعترض بعض الملحدة فقال: كيف يسود الحجر خطايا أهل الشرك ولا يبيضه توحيد أهل
الإيمان؟ والجواب عنه من ثلاثة أوجه الأول: ما تضمنه حديث ابن عباس (عند الأزرقى) أن الله عز وجل إنما
طمس نوره ليستر زينته عن الظلمة ، وكأنه لما تغيرت صفته التى كانت كالزينة له بالسواد كان ذلك السواد له كالحجاب
المانع من الرؤية، وإن رؤى جرمه، إذ يجوز أن يطلق عليه أنه غير مرئى كما يطلق على المرأة المستترة بثوب أنها غير
مرئية. قال الحافظ بعد ذكر هذا الجواب مختصرا: أخرجه (أى حديث ابن عباس الذى أشار إليه الطبرى) الحميدى فى
فضائل مكة بإسناد ضعيف - انتهى. الثانى: أجاب به ابن حبيب فقال: لوشاء الله لكان ذلك وما علمت أيها المعترض
أن الله تعالى أجرى العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ والبياض ينصبغ ولا يصبغ. والثالث: أن يقال بقاؤه
أسود - والله أعلم - إنما كان للاعتبار، وليعلم أن الخطايا إذا أثرت فى الحجر فتأثيرها فى القلوب أعظم - انتهى
(رواه أحمد) (ج ١: ص ٣٠٧، ٣٢٩) (والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح) قال الحافظ فى الفتح بعد نقل
تصحيح الترمذى: وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق لكنه اختلط ، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه لكن له طريق
أخرى فى صحيح ابن خزيمة فيقوى بها. وقد رواه النسائى من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مختصرا ولفظه (الحجر
الأسود من الجنة)، وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضا - انتهى كلام
n

مرجاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
٢٦٠٢ - (١٨) وعنه، قال: قال رسول اللّه مدير فى الحجر: والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان
ينصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق. رواه الترمذى،
الحافظ. قلت: حديث ابن عباس رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مطولا كالترمذى كما تقدم فهو صحيح.
وحديث أنس أخرجه الحاكم (ج ١: ص ٤٥٦) من طريق داود بن الزبرقان عن أيوب السختيانى عن قتادة عن أنس
مرفوعا «الركن والمقام باقوتنان من يواقيت الجنة، وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: داود بن الزبرقان قال أبو داود
متروك. ورواه أحمد من طريق شعبة وقنادة عن أنس موقوفا عليه بلفظ ((الحجر الأسود من الجنة، ورواه البزار
والبيهقى (ج ٥: ص ٧٥) والطبرانى فى الأوسط مرفوعا، وفيه عمر بن إبراهيم العبدى وثقه ابن معين وغيره، وفيه
ضعف، قاله الهيشمى (ج ٣: ص ٢٤٢).
٢٦٠٢ - قوله (قال رسول اللّه مَ ◌ّه فى الحجر) أى فى شأن الحجر الأسود ووصفه (ليبعثته اللّه) أى ليظهرنه
حال كونه (له عينان ينصر بهما) فيعرف من استلمه (ولسان ينطق به) قال اتور بشتى: البعث نشر الموتى، ولما كان
الحجر من جملة الموات أعلم في اللّه ◌َبيت أن الله قد قدر أن يهب له حياة يوم القيامة يستعد به للنطق، ويجعل له آلة يتميز
بها بين المشهود له وغيره، وآلة يشهد به، شبه حاله بالأموات الذين كانوا رفاتا فبعثوا لاستواء كل واحد منهما فى
انعدام الحياة أولا ثم فى حصوله ثانيا (يشهد على من استلمه بحق) أى متلبسا بحق وهو دين الإسلام، واستلامه بحق هو
طاعة الله واتباع سنة نبيه لا تعظيم الحجر نفسه، والشهادة عليه هى الشهادة على أدائه حق الله المتعلق به، وليست ((على))
للضرر، قاله السندى. وقال العراقى ((على) هذا بمعنى اللام، وقال التوربشتى: المستلم بحق هو المؤمن بالله وبرسله؛
لوقوع فعله ذلك مطابقا للأمر. قلت: قوله «يشهد على من استلمه بحق، كذا وقع عند الترمذى وابن ماجه وأحمد
(ج ١: ص ٣٠٧) والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ٧٥) ولأحمد (ج ١: ص ٢٤٧، ٢٦٦، ٢٩١) وابن جبان
والحاكم (ج ١: ص ٤٥٧) والدارمى والبيهقى فى رواية «يشهد لمن استلمه) أى باللام. قال العراقى: والباء فى «بحق،
يحتمل تعلقها يشهد أو باستلمه. وقال الشيخ الدهلوى فى الملمات: كلمة ((على، باعتبار تضمين معنى الرفيب والحفيظ، وقوله
(بحق)) متعلق باستلمه أى استلمه إيمانا واحتسابا، ويجوز أن يتعاق يشهد، وهذا الحديث أيضا محمول على ظاهره، فإن الله
تعالى قادر على إيجاد البصر والنطق فى الجمادات فإن الأجسام متشابهة فى الحقيقة يقبل كل منها ما يقبل الآخر من الأعراض،
ويأوله الذين فى قلوبهم زيغ التفلسف- والله العاصم - ويقولون: إن ذلك كناية عن تحقيق ثواب المستلم وأن سعيه لا
يضيع، والعجب من البيضاوى أنه قال: إن الأغلب على الظن أن المراد هذا وإن لم يمتنع حمله على الظاهر، ولا
عجب فإنه مجبول على التفلسف فى تفسير القرآن وشرح الأحاديث تجارز اللّه عنه - انتهى كلام الشيخ (رواه الترمذى)
١
١

ـرعاة المفاتيح ج. ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
وابن ماجه ، والدارمى.
٢٦٠٣ - (١٩) وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الركن والمقام
فى أواخر الحج وقال: هذا حديث حسن (وابن ماجه والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد وابن خزيمة فى صحيحه وابن
حبان كما فى موارد الظمآن، والحاكم والبيهقى، قال الحافظ فى الفتح: وفى صحيح ابن خزيمة عن ابن عباس مرفوعا . إن
لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق، وصححه أيضا ابن حبان والحاكم - انتهى. والطبرانى فى
الكبير عن ابن عباس مرفوعا «بعث الله الحجر الأسود والركن اليمانى يوم القيامة ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان
لمن استلمهما بالوفاء، قال الهيشمى: رواه الطبرانى فى الكبير من طريق بكر بن محمد القرشى عن الحارث بن غسان وكلاهما
لم أعرفه - انتهى. وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أحمد (ج ٢، ص ٢١١) والطبرانى فى الأوسط
مرفوعا، قال ((يأتى الركن يوم القيامة أعظم من أبى قيس، له لسان وشفتان)) قال الهيشى: وزاد الطبرانى ((يشهد لمن
استلمه بالحق ، وهو يمين الله عز وجل يصافح بها خلقه)) وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وقال: يخطئى، وفيه
كلام وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم فى المستدرك (ج ١: ص ٤٥٧) من طريق عبد الله بن المؤمل مطولا
كرواية الطبرانى، وصححه الحاكم. وقال الذهبي: عبد الله بن المؤمل واه. قال الشيخ أحمد شاكر: هذا غلو من الحافظ
الذهبي - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن حديث ابن عباس الذى نحن فى شرحه وإن اقتصر الترمذى على تحسينه
فهو صحيح.
٢٦٠٣ - قوله (وعن ابن عمر) كذا فى جميع نسخ المشكاة الموجودة عندنا، وهكذا وقع فى المصابيح وهو خطأ
والصواب ((عبد الله بن عمرو)) فالحديث من مرويات عبد الله بن عمرو بن العاص كما وقع عند الترمذى وغيره من
أخرجه، وهكذا ذكره الجزرى فى جامع الأصول (ج ١٠: ص ١٧٦) (إن الركن والمقام) المراد بالركن هنا الحجر
الأسود كما فى رواية أحمد (ج ٢، ص ٢١٤) وبالمقام مقام إبراهيم عليه السلام، وهو الحجر الذى كان إبراهيم
عليه السلام يقوم عليه عند بناء البيت فقال ابن كثير فى تفسيره (ج ١: ص ١٧٥) فى تفسير قوله تعالى: ﴿واتخذوا من
مقام إبراهيم مصلى - ٢: ١٢٥ ) بعد ذكر روايات صلاته مرّة ركعتى الطواف خلف المقام: فهذا كله يدل على أن
المراد بالمقام إنما هو الحجر الذى كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل
عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار. وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف
حول الكعبة وهو واقف عليه (وكار الحجر يرتفع بارتفاع الجدار عند البناء، وكلا احتاج إلى أى قدر من الارتفاع
كان يرتفع بإذن الله تعالى) وكلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التى تليها، وهكذا حتى تم جدران الكعبة، وكانت
١١٢
٠

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب.
آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفا تعرفه العرب فى جاهليتها ، ولهذا قال أبو طالب فى قصيدته المعروفة اللامية:
على قدميه حافيا غير ناعل
وموطئى إبراهيم فى الصخر رطبة
إلى آخر ما ذكر، وذكره الحافظ فى الجزء الثامن عشر من الفتح نقلا عن ابن الجوزى ، وقد أدرك المسلمون ذلك فيه
أيضا كما روى عبد الله بن وهب فى موطأه عن أنس والطبرى فى تفسيره عن قنادة. تنبيه: قد وضع الملك فيصل بن
عبد العزيز حفظه الله بعد عصر يوم السبت ثامن عشر رجب سنة ١٣٨٧هـ المقام بداخل زجاج محاط بشباك صغير على
هيأة منارة صغيرة طلبا التوسعة على الطائفين ، وذلك بعد ما أزيلت الأعمدة والشباك الكبير وسقفهما الذى على المقام ،
جزاه الله أحسن الجزاء، وصار المقام بعمله هذا بحيث يشاهد كل أحد فيه أثر قدمى إبراهيم عليه السلام غائصا، فلله
الحد. تنبيه آخر: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر رضى الله عنه إلى المكان الذى هو فيه
الآن ، أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد أيضا، وأخرج البيهقى عن عائشة مثله
بسندقوى، ولفظه ((إن المقام كان فى زمن النبي ◌َّ} وفى زمن أبى بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر، وأخرج ابن
مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن النبى رَؤي هو الذى حوله، والأول أصح، ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء
بعدهم فصار إجماعا ، وكان عمر رأى أن إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه فى مكان يرتفع به
الحسرج وتهيأ له ذلك، لأنه الذى كان أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن، كذا فى
الفتح. وارجع التفصيل إلى تفسير ابن كثير، وإلى القرى (ص ٣٠٨) لمحب الدين الطبرى. تنبيه ثالث: قال ابن
جاسر: إذا حصل على الطائفين زحام من جهة مقام إبراهيم فإنه يسوغ تأخيره بقدر إزالة الضرر، لأن المقام ليس هو
البقعة التى هو بها الآن، وإنما هو نفس الحجر، والله أعلم (ياقوتتان من ياقوت الجنة) قال القارى: المراد به الجنس
فالمعنى أنهما من يواقيت الجنة. قلت: وقع عند ابن حبان والبيهقى فى رواية والحاكم ((من يواقيت الجنة، (طمس الله
تور هما) أى أذهبه. قال القارى: أى بمساس المشركين لهما، ولعل الحكمة فى طمسها ليكون الايمان غيبيا لا
عينيا، وقال الشاه ولى الله الدهلوى: يحتمل أن يكونا من الجنة فى الأصل فلما جعلا فى الأرض اقتضت الحكمة
أن يراعى فيهما حكم نشأة الأرض فطمس نورهما (ولو لم يطمس) على بناء الفاعل، ويجوز أن يكون على بناء المفعول
(لأضاء) كذا فى طبعات الهند بصيغة الافراد، أى لأضاء كل واحد، أو هو لازم أى لاستنار بهما (ما بين المشرق
والمغرب) وفى النسخ المصرية «لأضاءا، أى بالتثنية، وهكذا وقع فى المصابيح، وفى رواية الحاكم، ولأحمد والترمذى
وابن حبان والبيهقى («لأضاءتا، بصيغة التثنية للمؤنث أى لأنارتاه، فأضاء متعد. قال التور بشتى: لما كان الياقوت من
١١٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
رواه الترمذى.
٢٦٠٤ - (٢٠) وعن عبيد بن عمير، أن ابن عمر كان يزاحم على الركنين زحاما ما رأيت
أشرف الأحجار ثم كان بعد ما بين ياقوت هذه الدار الفانية وياقوت الجنة أكثر ما بين الياقوت وغيره من الأحجار
أعلمنا النبي ◌َّ أنها من ياقوت الجنة لتعلم أن المناسبة الواقعة بينهما وبين الأجزاء الأرضية فى الشرف والكرامة
والخاصية المجعولة لهما كما بين ياقوت الجنة وسائر الأحجار، وذلك مما لا يدرك بالقياس. وقال الشيخ الدهلوى: قوله
((ياقوتنان من ياقوت الجنة) هذا أيضا يؤلونه بأن المراد بيان شرفهما وكرامتهما لأن الياقوت من أشرف الأحجار
ولابد أن يكون ياقوت الجنة أشرف وأجود من ياقوت الدنيا ، فكانه قال كأنهما ياقوتان من الجنة - انتهى. قال
القارى: والحديث لا ينافى ما صح أيضا «ولو لا ما مسهما من خطايا بنى آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب فإنهما لما
مستهما تلك الخطايا طمس الله نورهما)) (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا أحمد (ج٢: ص ٣١٣، ٣١٤) وابن حبان
فى صحيحه وفى الثقات والحاكم (ج ١: ص ٢٥٦) والبيهقى (ج ٥: ص ٧٥) والدولابي فى الكنى كلهم من طريق رجاء
ابن صبيح أبي يحي عن مسافع بن شيبة الحجي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر هذا
الحديث مرفوعا: أخرجه أحمد والترمذى ، وفى إسناده رجاء أبو يحي وهو ضعيف، قال الترمذى : حديث غريب،
ویروی عن عبد الله بن عمرو موقوفا. وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: وقفه أشبه، والذی رفعه ليس بقوى - انتهى.
وقال الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على المسند: إسناد هذا الحديث صحيح، وبسط الكلام فى الرد على الترمذى وفى تصحيح
هذا الحديث، وفى الباب عن أنس أخرجه الحاكم مختصرا وقد تقدم.
٢٦٠٤ - قوله (وعن عبيد بن عمير) بالتصغير فيهما، وهو عبيد بن عمير بن قتادة الليثى ثم الجندعى أبو عاصم المكى
قاص أهل مكة ، ذكر البخارى أنه رأى النبي ◌ُّ، وذكره مسلم فيمن ولد على عهد رسول الله ژٹے، وهو معدود فى كبار
التابعين، سمع عمر بن الخطاب وابن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص وعائشة أم المؤمنين وأبا ذر وغيرهم، وروى عنه
ابنه عبد الله وعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار وغيرهم، وهو مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر. وقال ابن حبان فى الثقات:
مات سنة (٦٨) ولأبيه عمير بن قنادة صحبة ورواية (أن ابن عمر كان يزاحم) أى يغالب الناس (على الركنين) أى الحجر
الأسود والركن اليمانى (زحاما) قال الطبي: أى زحاما عظيما، وهو يحتمل أن يكون فى جميع الأشواط أو الشوطين
الأول والآخر فإنهما آكد أحوالها. وقد قال الشافعى فى الأم: ولا أحب الزحام فى الاستلام إلا فى بدء الطواف
وآخره لكن أريد به ما لا يتأذى به أحد أى ازدحاما لا يحصل فيه أذى لأحد لقوله مَّم لعمر: إنك رجل قوى لا
تزاحم على الحجر فتؤذى الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر. رواه الشافعى وأحمد (ما رأيت
١١٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
أحدا من أصحاب رسول اللّه وَلّى يزاحم عليه، قال: إن أفعل فإني سمعت رسول اللّه ◌َ إلى يقول:
إن مسحهما كفارة للخطايا. وسمعته يقول: من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه، كان كعتق
رقبة. وسمعته يقول: لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط
أحدا من أصحاب رسول الله مَّ يزاحم عليه) أى على ما ذكر أو على كل واحد، وقد جاء أنه ربما دمى أنفه من شدة
تزاحمه، وكانهم تركوه لما يترتب عليه من الأذى، فالاقتداء بفعلهم سيما هذا الزمان أولى، قاله القارى. قلت: روى
الشافعى فى مسنده وأبو ذر عن القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الحجر حتى يدمى أنفه أوفره. وروى سعيد
ابن منصور نحوه ، وروى أبو الوليد الأزرقى عن نافع، أن ابن عمر كان لا يدعهما حتى يستلمهما ، ولقد زاحم على الركن
مرة فى شدة الزحام حتى رعف فخرج فغسل عنه فعاد فزاحم فلم يصل إليه حتى رعف الثانية فخرج يغسل عنه ثم رجع فما تركه
حتى استلم. وروى عن نافع أيضا قال: لقد رأيت ابن عمر يزاحم مرة حتى انبهر فتحى فجلس فى ناحية حتى استراح وعادفلم يدعه
حتى استلمه. وقوله ((انبهر) هو من البهر بضم الباء، وهو ما يعترى الإنسان عند السعى الشديد والمزاحمة من النهيج وتابع
النفس . وروى سعيد بن منصور من غير طريق القاسم أنه قيل لابن عمر فى ذلك فقال: هوت الافتدة إليه فأريد أن يكون فؤادى
معهم. وروى الفا كهى والبيهقى من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال لا يؤذى (قال) أى ابن عمر استدلالا
لفعله ، وقال الطبى: أى اعتذارا (إن أفعل) أى هذا الزحام فلا ألام، فإن شرطية والجزاء مقدر، ودليل الجواب قوله:
فانى سمعت رسول اللّه مَّة، إلخ. قاله القارى. وقال الشيخ الدهلوى فى اللعات: أى إن أزاحم فلا تنكروا على ، فإنى
سمعت رسول الله توزيع فى فضل استلامهما، فإنى لا أطيق الصبر عنه، وفيه الحرص على الفضائل وارتكاب التعب والمشقة فى
تحصيلها ( كفارة للخطايا) وعند أحمد وابن حبان والبيهقى «يحط الخطايا) أى يسقطها، وهو كناية عن غفران الذنوب
(وسمعته) أى رسول اللّه مَي أيضا (أسبوعا) أى سبع مرات، ومنه قيل أسبوعا الأيام السبعة، ويقال له سبوع بلا
ألف على لغة قليلة ، قال فى المجمع: طاف أسبوعا أى سبع مرات، والأسبوع الأيام السبعة، وسبوع بلا ألف لغية -
انتهى. وقال القارى: أى سبعة أشواط كما فى رواية (فأحصاه) قال السيوطى: أى لم يأت فيه بزيادة أو نقص. وقيل
أى حافظ على واجباته وسننه وآدابه. وقال القارى بأن يكمله ويراعى ما يعتبر فى الطواف من الشروط والآداب
(كان كعتق رقبة) ولفظ أحمد «من طاف أسبوعا يحصيه وصلى ركعتين كان له كعدل رقبة)) والمعنى أن من طاف
وصلى ركعتين بعد الطواف بالشروط المعتبرة كان له مثل إعتاق رقبة فى الثواب (لا يضع) أى الطائف (قدما ولا
يرفع أخرى) قال القارى: الظاهر لا يرفعها فكانه عد أخرى باختلاف وصف الوضع والرفع، والتقدير: لا يضع
قدما مرة ولا يرفع قدما مرة أخرى - انتهى. وعند أحمد «ما رفع رجل قدما ولا وضعها)) (يعنى فى الطواف) (إلا حط
١١٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣- باب دخول مكة والطواف
الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة. رواه الترمذى.
٢٦٠٥ - (٢١) وعن عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول اللّه مَّ ي، يقول ما بين الركنين:
(ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار). رواه أبو داود.
الله عنه بها) أى إلا وضع اللّه ومحا عن الطائف بكل قدم أو بكل مرة من الوضع والرفع (خطيئة وكتب له بها حسنة)
زاد ابن حبان (ورفع له بها درجة)، وأحمد (.إلا کتب له عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات)
(رواه الترمذى) وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٣) وابن خزيمة فى صحيحه والحاكم
(ج ١: ص ٤٨٩) وصححه ووافقه الذهبي، ورواه أحمد أيضا (ج ٢: ص ١١) والنسائى وابن حبان والبيهقى وابن
ماجه مختصرا أى بعضه ، رووه كلهم من طريق عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن ابن عمر، وعطاء
صدوق لكنه اختلط ، وجرير (عند الترمذى والحاكم) وهشيم (عند أحمد) من سمع منه بعد اختلاطه لكن له طريق
أخرى أيضا فيتقوى بها، فقد رواه أحمد (ج ٢: ص ١١) وابن حبان كما فى موارد الظمآن من طريق سفيان الثورى
والنسائى من طريق حماد بن زيد كلاهما عن عطاء بن السائب، وقد سمعا منه قبل الاختلاط .
٢٦٠٥ - قوله (وعن عبد الله بن السائب) المخزومى المكى، له ولأبيه صحة، وكان قارئ أهل مكة، تقدم
ترجمته (ما بين الركنين) أى الحجر الأسود والركن اليمانى كما فى رواية لأحمد. والحاكم («فيما بين ركن بنى جمح والركن
الأسود، وهكذا وقع فى رواية أخرى لأحمد، وركن بنى جمح هو اليمانى ونسب إليهم لأن يوتهم كانت إلى جهته
وبنو جمع بطن من قريش، وكان بالمسجد باب يسمى باب بنى جمح لذلك (ربنا) منصوب بحذف حرف النداء (آتنا)
من الإيناء أى أعطنا (فى الدنيا حسنة) أى العلم والعمل أو العفو والعافية والرزق الحسن أو حياة طيبة أو القناعة أو
ذرية صالحة أو المرأة الصالحة الحسناء (وفى الآخرة حسنة) أى المغفرة والجنة والدرجات العالية أو مرافقة الأنبياء أو
الرضا أو الرؤية واللقاء، وقيل الحور العين . وقيل فى تفسير الحسنتين المذكورتين فى الآية غير ذلك. قال القرطبى:
والذى عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة. قال وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضى هذاكله،
فإن حسنة نكرة فى سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع - انتهى.
(وقنا) أى احفظنا واكفنا، وأصله ((إوقنا)) حذفت الواو كما حذفت فى «بق، لأنها بين ياء وكسرة مثل يعد ، هذا قول
البصريين (عذاب النار) أى شدائد جهنم من حرها وزمهريرها وسمومها وغير ذلك ، وقيل المراد بعذاب النار المرأة
السليطة، والظاهر أن المراد جميع أنواع العقاب وأصناف العتاب. والحديث يدل على مشروعية الدعاء بالآية المذكورة
فى الطواف بين الركنين اليمانيين (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ٤١١) وابن حبان والحاكم
١١٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
٢٦٠٦ - (٢٢) وعن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتنى بنت أبى تجراة، قالت: دخلت مع نسوة
من قريش دار آل أبى حسين، ننظر إلى رسول اللّه وَفي، وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته
یسعی، وإن مئزره
(ج ١: ص ٤٥٥) وابن الجارود والبيهقى، ونسبه المنذرى للنسائى أيضا. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى وقال
الحاكم: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي.
٢٦٠٦ - قوله (وعن صفية بنت شيبة) الحجبى، وهى صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، اختلف
فى رؤيتها النبي ◌َّ فقال الحافظ فى التقريب: لها رؤية وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة. وفى البخارى التصريح
بسماعها من النبي ◌َُّ، وأنكر الدارقطنى إدراكها. وقال فى تهذيبه: لها رؤية، وقال الدار قطنى لا تصح لها رؤية،
وذكرها ابن حبان فى ثقات التابعين. قلت: ذكر المزى فى الأطراف أن البخارى قال فى صحيحه : قال أبان بن صالح عن
الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة، سمعت النبي ◌َّته، ففى هذا رد على ابن حبان، وقد أوضحت حال هذا الحديث
فيما كتبته على الأطراف - انتهى كلام الحافظ (أخبرتنى بنت أبى تجراة) براء ثم ألف غير مهموزة ثم ماء ، ضبطه
الحافظ فى الفتح بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم ماء، وجاء عند البيهقى والدار قطنى بلفظ «تجرأة))
براء ثم ألف مهموزة ووقع عند أحمد (ج ٦: ص ٤٢١، ٤٢٢) «تجزئة) بزاى ثم همزة ثم ماء وهكذا وقع فى نصب
الراية والأم، والظاهر أنه تصحيف من الناسخ وصوابه تجراة أى براء مهملة ثم ألف غير مهموزة ثم هاء. وبنو تجراة
قوم من كندة قدموا مكة. وابنة أبى تجراة هذه هى حبيبة بنت أبى تجراة إحدى فساء بنى عبد الدار، قال الحافظ فى
تعجيل المنفعة: حبيبة بنت أبى تجراة العبدرية ويقال ((حية)) بتحتانيتين وزن الأول، ويقال بالتصغير، لهم صحبة، روى
عنها عطاء. وصفية بنت شيبة فى إسناد حديثها اضطراب، وقال فى تهذيب التهذيب: اسم هذه المرأة الصحابة حبيبة
بنت أبى تجراة وقيل تملك، وهى أم ولد شية، وقال فى الإصابة: حبيبة بنت أبى تجراة العبدرية ثم الشيبية. قال وقال
أبو عمر : قيل اسمها حبيبة بفتح أوله، وقيل بالتصغير، وقال غيره تجراة ضبطها الدار قطنى بفتح المثناة من فوق، ثم قال
أبو عمر: اختلف فى صحابتها بهذا الحديث على صفية بنت شية، وقد ذكرت لك فى التمهيد. قال الحافظ: وقد تقدم من
وجه آخر عن صفية عن برة ، وقيل عن تملك ، وقيل عن أم ولد لشيبة، وقيل عن صفية بلا واسطة ، وقد أستوعب أبو
فعيم بيان طرقه ، ومنها من طريق جبرة بنت محمد بن سباع عن حبيبة بنت أبى تجراة كذلك. وأخرجه النسائى من
طريق بديل بن ميسرة عن مغيرة بن حكيم عن صفية بنت شية عن امرأة ، وفى رواية ابن ماجه والبيهقى عن أم ولد لشبيبة.
وقد تقدم سند حديث تملك فى المثناة - انتهى (نظر إلى رسول اللّه تَّم وهو يسعى بين الصفا والمروة) أى لنتشرف
برؤيته ولنستفيد من علمه وبركته (فرأيته يسعى) أى يسرع (وإن) بكسر الهمزة والواو للحال (متزره) بكسر الميم
١١٧

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
ليدور من شدة السعى، وسمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى.
وسکون الهمزة ویبدل أی إزاره (لیدور) أی حول رجلیه (من شدة السعی) قال المظهر : یعنی مئزره يدور حول
رجلیه ويلتف برجله من شدة عدوه، وفى رواية لأحمد «حتی اری ر کبتيه من شدة السعى يدور به إزاره، والحديث
يدل على أنه مرَّةٍ كان ماشيا فى الطواف بين الصفا والمروة، وجاء ذلك صريحا فى حديث حسن. ولا ينافيه ما ورد
أنه عليه الصلاة والسلام سعى راكبا فى حجة الوداع، لإمكان الجمع بأن مشيه كان فى سعى عمرة من عمره ، قاله القارى.
وقال المحب الطبرى بعد ذكر الأحاديث التى تدل على أنه مَ فت سعى راكبا: فى هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على ركوبه
مرشّ فى السعى، والأحاديث المتقدمة فى الفصل قبله وحديث جابر الطويل يدل على مشيه، فيحتمل أن يكون مَّة
مشى فى طوافه على ما دل عليه بعض الأحاديث، ثم خرج إلى السعى ماشيا فسعى بعضه ماشيا ورأته بنت أبى تجراة إذ
ذاك، ثم لما كثر عليه ركب ناقته، ويؤيد ذلك قول ابن عباس («وكان منَّ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه
ر کب، والمشی والسعى أفضل، فإن سياقه دال على أن الر کوب کان فى أثناء السعی حین کثر الناس عليه فيه. وذهب ابن
حزم إلى أنه مية كان راكبا فى جميع طوافه بين الصفا والمروة عملا بحديث جابر «أن النبي ◌َ ◌ّ طاف فى حجة الوداع
على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم وليسألوه، فإن الناس غشوه، أخرجه مسلم. قال
الطبرى: وظاهر حديث ابن عباس يرد هذا التأويل، وحديث بنت أبى تجراة يصرح برده ، والمختار فيه ما تقدم
ذكره جمعا بين الأحاديث كلها، وأما ركوبه فى الطواف بالبيت فكان فى طواف الإفاضة - انتهى مختصرا (اسعو
فإن الله كتب عليكم السعى) قال الطبي: أى فرض. فدل على أن السعى فرض ومن لم يسع بطل حجه عند الشافعى
ومالك وأحمد - انتهى. قال القارى: وقال أبو حنيفة: السعى واجب لأنن الحديث ظنى وكذا المشى فيه مع القدرة
وبترك الواجب يجب دم - انتهى. وقد تقدم ذكر اختلاف الأئمة فى حكم السعى فى شرح حديث ابن معمر رقم (٢٥٨٩)
فى الفصل الأول من هذا الباب، والحديث قد استدل به من ذهب إلى أن السعى بين الصفا والمروة فى الحج والعمرة
ركن من أركانهما لا يصح واحد منهما بدونه ولا يجبر بدم، وهم الجمهور مالك والشافعى وأصحابهما ، وأحمد فى رواية
وهو حديث صحيح كما قال صاحب التنقيح وأقره ابن الهمام، أو حسن كما قال النووى. واستدل لهم أيضا بقوله
تعالى ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله - ٢: ١٥٨) قالوا: تصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله
يدل على أن السعى بينهما أمر حتم لابد منه، لأن شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، وقد أشار البخارى فى
صحيحه إلى ذلك حيث قال: باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله. قال الحافظ: أى وجوب
السعى بينهما مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله، قاله ابن المنير فى الحاشية، واستدل لهم أيضا بأن النبي محمد ئ طاف
١١٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
فى حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعا. وقد دل على أن ذلك لابد منه دليلان، الأول: هو ما تقرر فى الأصول من
أن فعل النبي ◌َّة إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب الله يكون ذلك الفعل لازما وسعيه بين الصفا والمروة فعل بين به
المراد من قوله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله) والدليل على أنه فعله بيانا للآية هو قوله مؤلفى: نبدأ بما بدأ الله
به يعنى الصفا، لأن الله بدأ بها فى قوله {إن الصفا والمروة) الآية. وفى رواية عند النسائى ((ابد ؤا بما بدأ الله به))
بصيغة الأمر. الدليل الثاني: أنه تمَّ قال «لتأخذوا عنى مناسككم، وفى رواية «خذوا عنى مناسككم؛ وقد طاف بين
الصفا والمروة سبعا فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، والله تعالى
يقول ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيهم عذاب أليم - ٢٤: ٦٣﴾ فاجتماع هذه الأمور الثلاثة
يدل على اللزوم وهى كونه سعى بين الصفا والمروة سبعا، وأن ذلك بيان منه لآية من كتاب الله، وأنه قال: لتأخذوا
عنى مناسككم. وكون ذلك السعى بيانا آية ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية أمر لا شك فيه، ويدل عليه
أمران أحدهما سبب نزول الآية لأنه ثبت فى الصحيحين أنها نزلت فى سؤالهم عن السعى بين الصفا والمروة، وإذا كانت
نازلة جوابا عن سؤالهم عن حكم السعى بين الصفا والمروة فسعى النبي مَّم بعد نزولها بيان لها، والأمر الثانى: هو ماتقدم
من قوله مَّم: نبدأ بما بدأ الله به يعنى الصفا. ومن أدلة الجمهور على أن السعى فرض لابد منه: ما رواه
الشيخان عن عروة عن عائشة فى سبب نزول قوله تعالى ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا
جناح عليه أن يطوف بهما) وفيه «قالت عائشة: وقد سن رسول اللّه مَّم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف
بينهما، الحديث. وهذا صريح فى أن النبي ◌َّل سن الطواف بين الصفا والمروة أى فرضه بالسنة. وقد أجابت عائشة
عما يقال أن رفع الجناح فى قوله ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ينافى كونه فرضا لأن ذلك نزل فى قوم تحرجوا من
السعى بين الصفا والمروة، وظنوا أن ذلك لا يجوز لهم، فنزلت الآية مبينة أن ما ظنوه من الحرج فى ذلك منفى.
وقد تقرر فى الأصول أن النص الوارد فى جواب سؤال لا مفهوم مخالفة له. وقال الحافظ فى الفتح: قول عائشة رضى
الله عنها ((سن رسول اللّه ◌َؤثّم الطواف بين الصفا والمروة)) أى فرضه بالسنة، وليس مرادها نفى فرضيته، ويؤيده قولها
لم يتم الله حج أحدكم ولا عمرته ما لم يطف بينهما - انتهى. وأما ما جاء فى بعض قراءات الصحابة («فلا جناح عليه أن لا
يطوف بهما، كما ذكره الطبرى وابن المنذر وغيرهما عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم فقد أجيب
عنه من وجهين، الأول: أن هذه القراءة لم تثبت قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتبها فى المصاحف العثمانية، وما
ذكره الصحابى على أنه قرآن ولم يثبت كونه قرآنا ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شئ ، وهو مذهب
مالك وَالشافعى، ووجهه أنه لما لم يذكره إلا لكونه قرآنا فبطل كونه قرآنا بطل من أصله ، فلا يحتج به على شئ. وقال
بعض أهل العلم: إذا بطل كونه قرآنا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد التى ليست بقرآن، فعلى القول الأول
١١٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
رواه فى شرح السنة، وروى أحمد مع اختلاف.
فلا إشكال، وعلى الثانى فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر المجمع عليه إن
لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفى والإثبات لا يمكن الجمع بينهما لأنهما نقيضان. الوجه الثانى: هو ما ذكره الحافظ
فى الفتح عن الطبرى والطحاوى من أن قراءة ((أن لا يطوف بهما) محمولة على القراءة المشهورة ولا زائدة - انتهى. ولا
يخلو من تكلف كماترى. ومن أدلة الجمهور على لزوم السعى ما جاء فى بعض روايات حديث أبى موسى فى إهلاله عند
الشيخين وفيه («طف بالبيت وبين الصفا والمروة)) فهذا أمر صريح منه مَ ل بذلك، وصيغة الأمر تقتضى الوجوب ما لم
يقم دليل صارف عن ذلك ، وقد دل على اقتضائها الوجوب الشرع واللغة كما بين فى موضعه. ومن أدلتهم على أن
السعى بين الصفا والمروة لابد منه ما قدمنا ما رواه الترمذى عن ابن عمر، أنه مَّم قال: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه
طواف واحد وسعى واحد منهما حتى يحل منهما جميعا . قال المجد فى المنتقى بعدذكره: وفيهدليل على وجوب السعى ووقوف
التحلل عليه، ومن أدلتهم على ذلك ما جاء فى بعض الروايات الثابتة فى الصحيح من أنه تَّم قال لعائشة رضى الله
عنها : يجزئى عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك، وهذا اللفظ فى صحيح مسلم. قالوا: ويفهم من قوله
هذا أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها. هذا تلخيص ما ذكره الشنقيطى فى هذه المسألة فى
أضواء البيان. تنبيه: قال القارى: أعلم أن سياق الحديث يفيد أن المراد بالسعى المكتوب الجرى الكائن فى بطن
الوادى لكنه غير مراد بلا خلاف نعلمه فيحمل على أن المراد بالسعى الطواف بينهما، واتفق أنه عليه الصلاة والسلام
قال لهم عند الشروع فى الجرى الشديد المسنون لما وصل إلى محله شرعا أعنى بطن الوادى ، ولا يسن جرى شديد فى غير
هذا المحل بخلاف الرمل فى الطواف، إنما هو مشى فيه شدة وتصلب - انتهى (رواه) أى البغوى (فى شرح السنة)
أى بإسناده (وروى) وفى بعض النسخ "رواه)) (أحمد مع اختلاف) فى لفظه (ج ٦: ص ٤٢١، ٤٢٢) وأخرجه
أيضا الشافعى وإسحاق بن راهويه والحاكم فى المستدرك فى الفضائل وسكت عنه ، ومن طريق أحمد الطبرانى فى معجمه،
ومن طريق الشافعى رواه الدارقطنى ثم البيهقى فى ستنيهما وابن أبي شيبة فى مصنفه والطحاوى وغيرهم. قال الحافظ فى
الإصابة : حبيبة بنت أبى تجراة العبدرية ثم الشيبة روى حديثها الشافعى عن عبد الله بن المؤمل، وابن سعد عن معاذ بن
هانئی ، ومحمد بن سنجر عن أبي نعيم، وابن أبى خيثمة عن شريح بن النعمان كلهم عن ابن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن بن
محصن عن عطاء بن أبي رباح حدثنى صفية بنت شية عن امرأة يقال لها حبيبة بنت أبى تجراة، قالت: دخلنا دار أبى حسين فى
نسوة من قريش .. فذكر الحديث ثم قال: وأخرجه الطحاوى من طريق معاذ، وقد وقع لنا بعلو فى المعرفة لابن مندة من طويقه.
وقد تقدم أنه اختلف فى المرأة التى روت عنها صفية بنت شية ، فقيل عن صفية عن برة ، وقيل عن تملك ، وقيل عن أم
١٢٠