النص المفهرس
صفحات 81-100
مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف ثم أحل كما حلوا. رواه مسلم. (٣) باب دخول مكة والطواف ج ( الفصل الأول ): ٢٥٨٥ - (١) عن نافع، قال: إن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طوى، حتى يصبح ويغتسل ويصلى، الطريق (ثم أجل) أى بالفسخ كما حلوا، استدل بهذا الحديث على وجوب فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يكن معه هدى ، وقد سبق الكلام فى ذلك فى شرح حديث جابر الطويل (رواه مسلم) وفى معناه ما روى عن البراء بن عازب عند أحمد وابن ماجه وأبي يعلى، وقد ذكرنا لفظه فى بحث فسخ الحج، وهو من الأحاديث فى الفسخ التى صححها أحمد وابن القيم وقال الهيشمى فى مجمع الزوائد بعد عزوه لأبى يعلى: رجاله رجال الصحيح. (باب دخول مكة) أى آداب دخولها (والطواف) عطف على المضاف. ٢٥٨٥ - قوله (عن نافع) أى مولى ابن عمر (كان لا يقدم مكة) بفتح الدال أى لا يجيئها (إلا بات) أى نزل فى الليل عند قدومه (بذى طوی) بتثليث الطاء مع الصرف وعدمه، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة. قال النووي: هو موضع معروف بقرب مكة يقال بفتح الطاء وضمها. وكبرها، والفتح أفصح وأشهر ويصرف ولا يصرف. وقال الحافظ: ويعرف اليوم ببئر الزاهر؛ وهو مقصور فون وقد لا ينون. وقال الطبرى: ذو طوى بضم الطاء المهملة وفتح الواو المخففة والقصر موضع عند باب مكة يسمى بذلك بيتر مطوية فيه، هكذا ضبطه بعضهم وضبطه الأصيلى بكسر الطاء. وقال الأصمعى: هى بفتح الطاء. قال المنذرى: وهو الصواب، فأما الموضع الذى بالشام فيكسر طاؤه ويضم ويصرف ولا يصرف، وقد قرئى بهما، وأما التى بطريق الطائف فممدود (حتى يصبح) فكان ينزل بذى طوى ويبيت فيه للاستراحة وللاغتسال والنظافة (ويغتسل) أی به . قال. النووى: فى الحديث الاغتسال لدخول مكة وأنه يكون بذى طوى لمن كانت فى طريقه (بأن يأتى من طريق المدينة) ويكون بقدر بعدها لمن لم يكن فى طريقه (قال الطبرى: ولو قيل: يسن له التعريج إليها والاغتسال بها اقتداء وتبركالم يعد. قال الأذرعى: وبه جزم الزعفرانى) قال أصحابنا: وهذا الغسل سنة فإن عجز عنه تيمم. وقال الحافظ: قال ابن المنذر. الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس فى تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم يجزئى منه الوضوء، وفى الموطأ أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، وظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون ٨١ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف فیدخل مكة نهارا، وإذا نفر منها، مر بذی طوی وبات بها حتى رأسه. وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمم. وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة ، وإنما ذكروه للطواف، والغسل لدخول مكة هو فى الحقيقة للطواف - انتهى. وقال ابن قدامة: يستحب الاغتسال لدخول مكة ، لأن ابن عمر كان يغتسل ثم يدخل مكة نهارا، ويذكر أن النبي ◌ََّثّ كان يفعله، ولأن مكة مجمع أهل النسك فإذا قصدها استحب له الاغتسال كالخارج إلى الجمعة، والمرأة كالرجل وإن كان حائضا أو نفساء لأن الغسل يراد للتنظيف وهذا يحصل مع الحيض فاستحب لها ذلك، وهذا مذهب الشافعى - انتهى. قلت: وهو مذهب أبي حنيفة أيضا ، فهذا الغسل عند الأئمة الثلاثة الشافعى وأحمد وأبى حنيفة لدخول مكة كما هو مصرح فى كتب فروعهم ومناسكهم كما هو ظاهر أثر ابن عمر أنه كان يغتسل لإ حرامه قبل أن يحرم ولدخول مكة، ولم يحتج إلى غسل للطواف لأنه ليس بين الدخول والطواف كبير فصل ، فيجتمع فى غسله هذا أمران دخول مكة وطواف بيت الله، ويؤيد ذلك ما قاله العينى: أن الغسل لدخول مكة ليس لكونه محرما وإنما لحرمة مكة حتى يستحب لمن كان حلالا أيضا، وقد اغتسل لها مَّ عام الفتح وكان حلالا أفاد ذلك الا مام الشافعى فى الأمـانتهى. وأما عند المالكية فالغسل المذكور فى الحديث وفى الأثر للطواف لا للدخول، قال الباجى: أضاف الغسل أى فى أثر ابن عمر إلى دخول مكة وإن كان مقصوده الطواف لأنه يفعل عند دخول مكة ليتصل الدخول بالطواف، والغسل فى الحقيقة للطواف دون الدخول، ولذلك لا تغتسل الحائض ولا النفساء لدخول مكة لتعذر الطواف عليهما -انتهى. وفى الشرح الكبير للدردير: وندب الغسل لدخول غير حائض ونفساء مكة بطوى، لأن الغسل فى الحقيقة للطواف فلا پۉمر به إلا من یصح منه الطواف، وقوله «بطوی، حقه أنیقول: وبطوی. لأنهمندوب ثان - انتهی (فیدخل مكة نهارا) فيه استحباب دخول مكة نهارا. قال النووي: وهذا هو الصحيح الذى عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم أن دخولها نهارا أفضل من الليل. وقال بعض أصحابنا وجماعة من السلف: الليل والنهار فى ذلك سواء ولا فضيلة لأحدهما على الآخر، وقد ثبت أن النبى تَّ دخلها محرما بعمرة الجعرانة ليلا، ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز - انتهى. وقال الحافظ: وأما الدخول ليلا فلم يقع منه مَثّه إلا فى عمرة الجعرانة فإنه مَّ أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلا فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث محرش الكعي ، وترجم علیه الفسائی (دخول مكة ليلا، وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعى قال: كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارا ويخرجوا منها ليلا، وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوا مكة ليلا، وإن شئتم فادخلوها نهارا، إنكم لستم فى ذلك كالنبي ٤، إن رسول اللّه مَّ كان إماما فأحب أن يدخلها نهارا ليراه الناس - انتهى. قال الحافظ: وقضية هذا أن من كان إماما يقتدى به استحب له أن يدخلها نهارا (وإذا نفر) أى خرج (منها) أى من مكة (مر بذى طوی وبات بها حتى ٨٢ ٨٠٠٠ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف يصبح، ويذكر أن النبى مَّي كان يفعل ذلك. متفق عليه. ٢٥٨٦ - (٢) وعن عائشة، قالت: إن النبي ◌َّيِّ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها. يصبح) انتظارا لأصحابه واهتماما لجمع أسبابه (ويذكر) عطف على ((لا يقدم)) أى وكان ابن عمر يذكر (كان يفعل ذلك) أى كلا من المبيت بذى طوى والاغتسال وصلاة الصبح به ودخول مكة نهارا (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٥٧،١٦،١٤) وأبو داود والنسائى والبيهقى (ج ٥: ص ٧١، ٧٢). ٢٥٨٦ - قوله (إن النبي مَثّة) أى عام حجة الوداع لأنها كانت معه حينئذ (لما جاء إلى مكة) أى وصل إلى قربها (دخلها من أعلاها) وكذا دخل فى فتح مكة منها وأعلى مكة هو الجانب الشرقى (وخرج من أسفلها) أى لما أراد الخروج منها وفى حديث ابن عمر عند البخارى ((أن رسول الله مَّثم دخل مكة من كداء من الشية العلياء التى بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى، فالمراد بأعلاها «ثنية كدا) بفتح الكاف والمد والتنوين أى صرفه وعدمه نظرا إلى أنه علم المكان أو البقعة، وقال أبو عبيد: لا تصرف ، أى للعلمية والتأنيث، وهى الثنية العليا التى ينحدر منها إلى المقبرة المسماة عند العامة بالمعلاة، وتسمى بالحجون عند الخاصة. وقال الحافظ: هذه الثنية هى التى ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة، وهى التى يقال لها الحجون بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدى على ما ذكره الأزرقى ، ثم سهل فى عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع، ثم سهلت كلها فى زمن سلطان مصر الملك المؤيد فى حدود العشرين وثمان مائة. وكل عقبة فى جبل أو طريق عال تسمى ثنية. قال ابن جاسر: ثم سهلت فى زمن الشريف الحسين بن على فى حدود الثلاثين وثلاثمائة وألف ، ثم سهلت فى زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، ثم سهلت تسهيلا كاملا بعده - انتهى. والمراد بأسفلها ثنية كدى كهدى وقرئ بضم الكاف والقصر والتنوين وتركه. قال الحافظ: وهى عند باب شبكة بقرب شعب الشافعيين من ناحية قعيقعان ، وكان بناء هذا الباب عليها فى القرن السابع - انتهى. قال ابن جاسر: لا وجود الآن لهذا الباب، وقد أزيل لاتساع البلد، قال: وهذه الثنية تعرف الآن بريع الرسام، وقد سهلت ، وهى الآن فى الشارع العام الموصل إلى جرول. تنبيه : حكى الحميدى عن أبى العباس العذرى أن بمكة موضعا ثالثا يقال له («كدى)) كسمى، أى بالضم والتصغير يخرج منه إلى جهة اليمن. قال المحب الطبرى: حققه العذرى عن أهل المعرفة بمكة، قال: وقد بنى عليها باب مكة الذى يدخل منه أهل اليمن، واختلف فى المعنى الذى لأجله خالف مرَّة بين طريقيه، فقيل: فعله تفاؤلا بتغير الحال إلى أكمل منه كما فعل فى العيد وليشهد له الطريقان أو ليتبرك به أهلهما، وقيل: ليرى السعة فى ذلك. وقيل: لأن نداء أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان من جهة العلو. وقيل ليظهر شوكة المسلمين فى كلنا الطريقين. وقيل: ليغيظ المنافقين بظهور الدين ٨٣ صبعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف وعز الإسلام. وقال الحافظ: قيل الحكمة فى ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل لأن إبراهيم لمادخل مكة دخل منها، وقيل لأنه مثنى خرج منها مختفيا فى الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرا عاليا، وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلا للبيت، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمر على ذلك . والسبب فى ذلك قول أبى سفيان بن حرب العباس: لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كدا. فقلت: ما هذا ؟ قال: شئ طلع بقلي ، وإن الله لا يطلع الخيل هناك أبدا. قال العباس فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل. والبيهقى من حديث ابن عمر قال قال النبي مؤتم لأبى بكر كيف قال حسان ؟ فأنشده : ثير النقع مطلعها كدا. عدمت بنیتی إن لم تروها فتبسم وقال ادخلوها من حيث قال حسان-انتهى، والحديث يدل على استحباب دخول مكة من أعلاها أى الثنية العليا والخروج من أسفلها، وبه قال جمهور العلماء، وهل يسن الدخول من الثنية العليا لكل داخل سواء كانت تلقاء طريقه أم لم تكن فى طريقه؟ فذهب أبو بكر الصيدلانى وجماعة من الشافعية ، واعتمده الرافعى إلى أنه إنما يستحب الدخول منها لمن كانت فى طريقه، وأما من لم تكن فى طريقه فقالوا: لا يستحب له العدول إليها ، وذهب النووى إلى أن الدخول منها فسك مستحب لكل أحد، وصوبه وصححه وهو ما مشى عليه فى المجموع وزوائد الروضة ، واعتمده المتأخرون منهم . قال النووى فى شرح المهذب: واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذى عليه المحققون من أصحابنا أن الدخول من الثنية العليا مستحب لكل محرم داخل مكة سواء كانت فى صوب طريقه أم لم تكن، ويعتدل إليها من لم تكن فى طريقه. وقال الصيدلانى والقاضى حسين والفورانى وإمام الحرمين والبغوى والتولى: إنما يستحب الدخول منها لمن كانت فى طريقه، وأما من لم تكن فى طريقه فقالوا لا يستحب له العدول إليها، قالوا: وإنما دخل النبي ◌َّ اتفاقا لكونها كانت فى طريقه ، هذا كلام الصيدلانى وموافقيه، واختاره إمام الحرمين ونقله الرافعى عن جمهور الأصحاب ، وقال الشيخ أبو محمد الجوينى: ليست العليا على طريق المدينة بل عدل إليها التى تؤثّ متعمدا لها، قال: فيستحب الدخول منها لكل أحد. قال: ووافق إمام الحرمين الجمهور فى الحكم ووافق أبا محمد فى أن موضع الثنية كما ذكره. وهذا الذى قاله أبو محمد من كون الثنية ليست على نهج الطريق بل عدل إليها هو الصواب الذى يقضى به الحس والعيان ، فالصحيح استحباب الدخول من الثنية العليا لكل محرم قصد مكة سواء كانت فى طريقه أم لا، وهو ظاهر نص الشافعى فى المختصر ومقتضى إطلاقه فإنه قال: ويدخل المحرم من ثنية كداء ونقله صاحب البيان عن عامة الأصحاب - انتهى. وقال ابن جاسر : لم أر من تعرض لهذا البحث من أصحابنا الحنابلة ، وظاهر كلامهم يقتضى سنية ذلك لا طلاقهم سنية الدخول من أعلاها من ثنية كداء، ولكن ينبغى تقييد هذا الإطلاق بما إذا كانت ثنية كداء إزاء طريقه، أما إذا لم تكن فى طريقه فلا يستحب له ٨٤ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف متفق عليه . ٢٥٨٧ - (٣) وعن عروة بن الزبير، قال: قد حج النبى عليه، فأخبرتنى عائشة أن أول شئى بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، العدول إليها كما قاله أبو بكر الصيدلانى واعتمده الرافعى، وقال فى المدونة: أحب الحاج أن يدخل مكة من كداء لمن أتى من طريق المدينة - انتهى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والترمذى والنسائى والبيهقى. ٢٥٨٧ - قوله (وعن عروة بن الزبير، قال: قدحج النبي ◌ُ ◌ّ فأخبرتنى عائشة) إلخ. للحديث سبب ذكره مسلم فى صحيحه فقد روى بسنده عن محمد بن عبد الرحمن (هو أبو الأسود النوفلى المدنى المعروف يتيم عروة) أن رجلا من أهل العراق قال له: سل لى عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا ؟ فإن قال لك: لا يحل ، فقل له: إن رجلا يقول ذلك. قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج، قلت: فإن رجلا كان يقول ذلك. قال بئسما قال. فتصدانى الرجل ، فسألنى فحدثته، فقال فقل له: فإن رجلا كان يخبر أن رسول الله قد فعل ذلك وما شأن أسماء والزبير قد فعلا ذلك؟ قال فجئته فذكرت له ذلك فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدرى (أى لا أعرف اسمه) قال فما باله لا يأتينى بنفسه يسألنى، أظنه عراقيا (يعنى وهم يتعنتون فى المسائل) قلت: لا أدرى. قال فإنه قد كذب، قد حج رسول اللّه مَّ فأخبرتنى عائشة أن أول شئى بدأ به (رسول اللّه مَثية) حين قدم مكة أنه توضأ ، فذكر الحديث. قال الحافظ: قوله ((فإن رجلا كان يخبر، عنى به ابن عباس، فإنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدى وأهل بالحج إذا طاف يحل من حجه وأن من أراد أن يستمر على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبي مَّ لمن لم يسق الهدى من أصحابه أن يجعلوها عمرة ، قال الحافظ: هذا مذهب لابن عباس خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل منهم إسحاق بن راهويه، وجواب الجمهور عن مأخذه أن الني مُ أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم فيجعلوه عمرة، ثم اختلفوا فذهب الأكثر إلى أن ذلك كان خاصا بهم ، وذهب طائفة إلى أن ذلك جائز لمن بعدهم، واتفقوا كلهم أن من أهل بالحج مفردا لا يضره الطواف بالبيت، وبذلك احتج عروة فى حديث الباب أن النبي مَ ◌ّم بدأ بالطواف ولم يحل من حجه ولا صار عمرة، و کذا أبو بكر وعمر (أن أول شئى بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ) قال القارى: أى جدد الوضوء لما تقدم أنه كان يغتسل فلا دلالة فيه على كون الطهارة شرطا لصحة الطواف لأن مشروعيتها مجمع عليها ، وإنما الخلاف فى صحة الطواف بدونها ، فعندنا أنها واجبة، والجمهور على أنها شرط - انتهى. وترجم البخارى لهذا الحديث ((باب الطواف على وضوء، قال الحافظ: أورد فيه حديث عائشة ((أن أول شئى بدأ به النبى مُؤثّ حين قدم أنه توضأ ثم طاف، الحديث. وليس فيه دلالة على الاشتراط إلا إذا انضم إليه ٨٥ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف قوله مزيفة ((خذوا عنى مناسككم» وباشتراط الوضوء للطواف قال الجمهور وخالف فيه بعض الكوفيين، ومن الحجة عليهم قوله وَّ لعائشة لما حاضت «غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى)) وقال فى شرح حديث عائشة هذا: هو ظاهر فى نهى الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل، لأن النهى فى العبادات يقتضى الفساد ، وذلك يقتضى بطلان الطواف لو فعلته، وفى معنى الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور. وذهب جمع من الكوفين إلى عدم الاشتراط . قال ابن أبى شيبة: حدثنا غندر حدثنا شعبة: سألت الحكم وحمادا ومنصورا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة فلم يروا به بأسا، وروى عن عطاء إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدا ثم حاضت أجزأ عنها ففى هذا تعقب على النووى حيث قال فى شرح المهذب: انفرد أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط فى الطواف: واختلف أصحابه فى وجوبها وجيرانه بالدم إن فعله - انتهى. قال الحافظ: ولم ينفردوا بذلك كما ترى فلعله أراد انفرادهم عن الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد رواية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وعند المالكية قول يوافق هذا - انتهى. قلت: والذى جزم به الدردير والدسوقى من المالكية هو اشتراط الطهارة حيث قال الدردير: للطواف مطلقا وكنا أوواجا أو مندوبا شروط أولها كونه أشواطا سبعا، وثانيها كونه متلبسا بالطهارتين أى طهارة الحدث والخبث - انتهى. وقال الباجى فى شرح قول ابن عمر: المرأة الحائض تهل بحجها أو عمرتها إذا أرادت ولكن لا تطوف بالبيت، لأن الطواف بالبيت ينافيه ولذلك يفسده الحيض والنفاس وبمنع صحته وتمامه لأن من شرطه الطهارة - انتهى. وقال ابن قدامة: ويكون طاهرا فى ثياب طاهرة يعنى فى الطواف لأن الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف فى المشهور عن أحمد وهو قول مالك والشافعى ، وعن أحمد أن الطهارة ليست بشرط فتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة، فإن خرج إلى بلده جبره بدم، وكذلك يخرج فى الطهارة من النجس والستارة ، وعنه فيمن طاف الزيارة وهو ناس للطهارة لا شئى عليه - انتهى. وبسط الكلام فى ذلك الولى العراقى فى طرح التثريب (ج٥: ص ١٢١،١٢٠) وكذا الساعاتى فى شرح المسند (ج ١٢: ص ١٤) وقال النووى فى شرح مسلم تحت حديث عائشة الذى أشار إليه الحافظ: فيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض ، وهذا مجمع عليه، لكن اختلفوا فى علته على حسب اختلافهم فى اشتراط الطهارة للطواف فقال مالك والشافعى وأحمد هى شرط ، وقال أبو حنيفة: ليست بشرط وبه قال داود ، فن شرط الطهارة قال العلة فى بطلان الطواف عدم الطهارة ، ومن لم يشترطها قال العلة فيه كونها منوعة من اللبث فى المسجد - انتھی. قال الولى العراقی بعد ذكره: فيه نظر فإن أبا حنيفة يصحح الطواف کما هو معروف عنه وکما حكاه هو عنه فى شرح المهذب، ولا يلزم من ارتكاب المحرم فى البث فى المسجد بطلان الطواف ـ انتهى. وقال ابن الهمام فى شرح الهداية: والحاصل أن حرمة الطواف من وجهين دخولها المسجد وترك واجب الطواف ، فإن الطهارة واجبة فى ٨٦ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، الطواف فلا يحل لها أن قطوف حتى تطهر فإن طافت كانت عاصية مستحقة لعقاب الله تعالى ولزمها الاعادة (ثم طاف بالبيت) أى طواف القدوم، قاله الطبي. وقال القارى: أى طواف العمرة لكونه قارنا أو متمتعا ولا يخفى ما فيه. وقال فى اللباب: ثم إن كان المحرم مفردا بالحج وقع طوافه هذا للقدوم، وإن كان مفردا بالعمرة أو متمتعا أو قارنا وقع عن طواف العمرة نواه له أو لغيره، وعلى القارن أن يطوف طوافا آخر للقدوم - انتهى. قال القارى: أى استحباباً بعد فراغه عن سعى العمرة - انتهى. وأول وقته حين دخوله مكة وآخره قبل وقوفه بعرفة فإذا وقف فقد فات وقته ويسن هذا الطواف للآفاقى لأنه القادم ويسمى أيضا طواف التحية لأنه بمنزلة تحية المسجد شرع تعظيما للبيت ويسمى طواف اللقاء وطواف أول عهد بالبيت وطواف الورود. والحديث يدل على مشروعية طواف القدوم ولا اختلاف فيه. قال الحافظ: فى هذا الحديث استحباب الابتداء بالطواف للقادم لأنه تحية المسجد الحرام. واستثنى بعض الشافعية ومن وافقه المرأة الجميلة أو الشريفة التى لا تبرز فيستحب لها تأخير الطواف إلى الليل إن دخات نهارا ، وكذا من خاف فوت مكتوبة أو جماعة مكتوبة أو مؤكدة أو فائدة، فإن ذلك كله يقدم على الطواف، وذهب الجمهور إلى أنمن ترك طواف القدوم لا شئ عليه، وعن مالك وأبى ثور من الشافعية عليه دم، وهل يتداركه من تعمد تأخيره بغير عذر؟ وجهان كتحية المسجد. وقال النووى: جميع العلماء يقولون إن طواف القدوم سنة ليس بواجب إلا بعض أصحابنا ومن وافقه فيقولون واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة ليس بواجب ولا دم فى تركه - انتهى. وقال الشوكانى: قد اختلف فى وجوب طواف القدوم فذهب مالك وأبو ثور وبعض أصحاب الشافعى إلى أنه فرض أى واجب لقوله تعالى: ﴿ وليطوفوا بالبيت العتيق - ٢٢: ٢٩) ولفعله معَّه وقوله («خذوا عنى مناسككم، فذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أنه سنة، قالوا لأنه ليس فيه إلا فعله عمَ ◌ّم وهو لا يدل على الوجوب. وأما الاستدلال على الوجوب بالآية فقال شارح البحر: إنها لا تدل على طواف القدوم لأنها فى طواف الزيارة أى الإفاضة إجماعاً، قال الشوكانى: والحق الوجوب لأن فعله مَّ مبين لمجمل واجب هو قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت - ٣: ٩٧) وقوله ◌َّ: خذوا عنى مناسككم. وقوله: حجوا كما رأيتمونى أحج. وهذا الدليل يستلزم وجوب كل فعل فعله النبي تزوّه فى حجه إلا ما خصه دليل، فمن ادعى عدم وجوب شئى من أفعاله فى الحج فعليه الدليل على ذلك، وهذه كلية فعليك ، بملاحظتها فى جميع الأبحاث التى ستمر بك (ثم لم تكن) بالتأنيث (عمرة) بالرفع وكان تامة ، أى لم يوجد بعد الطواف عمرة، وقد ينصب أى لم يكن الطواف عمرة، كذا فى اللعات. وقال الحافظ: معنى قوله «ثم لم تكن عمرة، أى لم تكن الفعلة عمرة هذا إن كان بالنصب على أنه خبر كان ، ويحتمل أن تكون كان تامة والمعنى: ثم لم تحصل عمرة، وهى على هذا بالرفع ، وقد وقع فى رواية مسلم بدل عمرة «غيره)) بغين معجمة وياء ساكنة وآخره هاء، قال عياض: وهو ٨٧ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣- باب دخول مكة والطواف ثم حج أبو بكر فكان أول شئى بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر، ثم عثمان مثل ذلك. متفق عليه. ٢٥٨٨ - (٤) وعن ابن عمر، قال: كان رسول اللّه ◌َفّ إذا طاف فى الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة. قصحيف، وقال النووى: لهاوجه أى لم يكن غير الحج، وكذا وجه القرطبي - انتهى. وقال التور بشتى: قوله ((ثم لم تكن عمرة)، أى لم يحل عن إحرامه ذلك ولم يجعلها عمرة، والمراد من قوله «ثم لم يكن غيره) أى لم يكن هناك تحلل بالطواف من الإحرام بل أقام على إحرامه حتى نحر هديه (ثم حج أبو بكر) أى بعده مَّه (فكان أول شتى) بالرفع (ثم عمر ثم عثمان مثل ذلك) قال القارى: بالنصب أى فعلا مثل ذلك، وفى نسخة بالرفع أى فعلهما مثل ذلك وقوله ،ثم عمر ثم عثمان مثل ذلك، كذا فى جميع النسخ، وهكذا فى المصابيح، ولفظ الصحيحين «ثم عمر مثل ذلك ثم حج عثمان فرأيته أول شئى بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة، وفى مسلم ((لم يكن غيره)، قال الداودى: ما ذكر من حج عثمان هو من كلام عروة وما قبله من كلام عائشة. وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله «ثم لم تكن عمرة)، ومن قوله ، ثم حج أبو بكر، إلخ. من كلام عروة - انتهى. قال الحافظ: فعلى هذا يكون بعض هذا منقطعا لأن عروة لم يدرك أبا بكر ولا عمر، نعم أدرك عثمان، وعلى قول الداودى يكون الجميع متصلا وهو الأظهر - انتهى (متفق عليه) قد عرفت مما قدمنا أن مسلما رواه مطولا والبخارى مختصرا دون قصة الرجل أى حذف صورة السؤال وجوابه، واقتصر على المرفوع منه كما فى المشكاة ، والحديث أخرجه البيهقى مطولا من طريق مسلم . ٢٥٨٨ - قوله (إذا طاف فى الحج أو العمرة) كذا عند البخارى بحرف ((أو)) وعند مسلم ((فى الحج والعمرة) أى بالواو ، والظاهر أن أو التنويع (أول ما يقدم) ظرف (سعى) جواب الشرط. قال القارى: ولا يبعد أن يكون ظرف طاف. قلت : ويقوبه رواية مسلم بلفظ: كان إذا طاف فى الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت. والمراد بالسعى الرمل كما فى الروايات الأخرى (ثلاثة أطواف) أى أشواط ونصبه على أنه مفعول فيه (ثم سجد سجدتين) أى صلى ركعتين للطواف (ثم يطوف) أى يسعى، والتعبير بالمضارع فيه وفى ((يقدم)) لحكاية الحال الماضية، وفى رواية لابن عمر عند الشيخين («كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعاء وفيها وفى رواية الباب دليل على أن الرمل إنما يشرع فى طواف القدوم لأنه الطواف الأول ، وهو الذى عليه الجمهور. قال أصحاب الشافعى: ولا يستحب الرمل إلا فى طواف واحد فى حج أو عمرة، أما إذا طاف فى غير حج أو عمرة فلا ـرمل. قال النووي: بلا خلاف. ولا يشرع أيضا فى كل طوافات الحج بل إنما يشرع فى واحد منها، وفيه قولان ٨٨ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف مشهوران الشافعى أصمهما طواف يعقبه سعى ويتصور ذلك فى طواف القدوم وفى طواف الإفاضة، ولا يتصور فى طواف الوداع، والقول الثانى: أنه لا يشرع إلا فى طواف القدوم، وسواء أراد السعى بعده أم لا، ويشرع فى طواف العمرة إذ ليس فيها إلا طواف واحد، وفيها أيضا دليل على أن السنة أن يرمل فى الثلاثة الأول من أول طواف يطوفه القادم إلى مكة سواء كان عمرة أو طواف قدوم فى حج ويمشى على عادته فى الأشواط الأربعة الباقية ولا يرمل فيها وإن ترك الرمل فى الأشواط الأول لم يقضه فى الأشواط الأخيرة على الصواب ولا يلزم بتركه دم على الأظهر لعدم الدليل خلافا لمن أوجب فيه الدم. قال الحافظ فى الفتح: لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه فى الثلاث لم يقضه فى الأربع لأن هيأتها السكينة فلا تغير ، ويختص بالرجال فلا رمل على النساء ويختص بطواف يعقبه سعى على المشهور ، ولا فرق فى استحبابه بين ماش وراكب ولا دم بتركه عند الجمهور، واختلف فى ذلك المالكية. قال الشوكانى: وقد روى عن مالك أن عليه دما ولا دليل على ذلك. ثم قال: ويؤيده أنهم اقتصروا عند مراآة المشركين على الإسراع إذا مروا من جهة الركنين الشاميين ، لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية يعنى ناحية الحجر، فإذا مروا بين الركنين اليمانيين مشوا على ميأتهم كما هو مبين فى حديث ابن عباس (عند الشيخين) ولما رملوا فى حجة الوداع أسرعوا فى جميع كل طوفة فكانت سنة مستقلة. وقال الطبرى: قد ثبت أن الشارع سعى ولا مشرك يومئذ بمكة يعنى فى حجة الوداع فعلم أنه من مناسك الحج إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل بل لهيأة مخصوصة فكان كرفع الصوت بالتلبية فمن لي خافضا صوته لم يكن تاركا لتلبية بل لصفتها ولا شئ عليه - انتهى. قال النووي: ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة وأمكنه إذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد ويرمل، لأن فضيلة الرمل هيأة للعبادة فى نفسها والقرب من الكعبة هيأة فى موضع العبادة لا فى ققها ، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى. تنبيه: إن قيل: ما الحكمة فى الرمل بعد زوال علته التى شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها بحيث يدور معها المعلل بها وجودا وعدما. فالجواب أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته لا ينافى أن لبقائه علة أخرى، وهى أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف كما قال الله تعالى: ﴿واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون فى الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره - ٨: ٢٦) الآية. وقال تعالى عن نبيه شعيب: (واذكروا إذا كنتم قليلا فكثركم - ٧: ٨٦ ) وصيغة الأمر فى قوله ((اذكروا)) فى الآيتين تدل على تحتيم ذكر النعمة بذلك ، وإذاً فلا مانع من كون الحكمة فى بقاء حكم الرمل هى تذكر نعمة الله بالقوة بعد الضعف والكثرة بعد القلة، وقد أشار إلى هذا الحافظ فى الفتح كما سيأتى. وما يزيده أن رسول اللّه مَ فّم رمل فى حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة فلم يمكن بعد ذلك تركه لزوالها. قال الحافظ : إن عمر كان هم بترك الرمل فى الطواف لأنه عرف سببه وقد انقضى فهم أن يتركه لفقد سبه، ثم رجع عن ذلك الاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى. وأيضا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك فيتذكر نعمة الله على ٨٩ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف متفق عليه. ٢٥٨٩ - (٥) وعنه، قال: رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم إعزاز الإسلام وأهله - انتهى. وقال الشاه ولى الله الدهلوى: إن مشروعية الرمل والاضطباع فى الطواف لمعان، منها ما ذكره ابن عباس من إضافة قلوب المشركين وإظهار صولة المسلمین، وكان أهل مكة یقولون وهتهم حی ثرب ، فهو فعل من أفعال الجهاد ، وهذا السبب قد انقضى ومضى، ومنها تصوير الرغبة فى طاعة الله وأنه لم يزده السفر الشاسع والتعب العظيم إلا شوقا ورغبة كما قال الشاعر: إذا اشتکت من كلال السير واعدها روح الوصال فتحي عند ميعاد وكان عمر رضى الله عنه أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سبيهما، ثم تفطن إجمالا أن لهما سببا آخر غير منقض فلم يتركهما - انتهى. وفى الحديث دليل لما أجمع عليه العلماء من مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان، والصحيح عند الحنفية أنهما واجبتان، والأصح عند الشافعية أنهما سنة. واستدل للوجوب بصيغة الأمر فى قوله تعالى: ﴿اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى - ٢: ١٢٥) على قراءة ابن كثير وأبى عمرر وعاصم وحمزة والكسائى. قيل: والنبي مَيّ لما طاف قرأ هذه الآية الكريمة وصلى ركعتين خلف المقام ممثلا بذلك الأمر، وقد قال تَّ («خذوا عنى مناسككم، والأمر فى قوله «واتخذواء على القراءة المذكورة يقتضى الوجوب. وأجيب عن ذلك الاستدلال بأن الأمر فى الآية إنما هو باتخاذه المصلى لا بالصلاة ، وقد قال الحسن البصرى وغيره أن قوله ((مصلى، أى قبلة، ولا يخفى ما فى هذا الجواب من التعسف، واستدل لعدم الوجوب بحديث ضمام بن ثعلبة لما قال الذي تَّ بعد أن أخبره بالصلوات الخمس: هل على غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، ففى هذا الحديث التصريح بأنه لا يجب شئى من الصلاة غير الخمس المكتوبة. وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأن الأمر بصلاة ركعتى الطواف وارد بعد قوله عَّ : لا إلا أن تطوع، قال النووى: وفى قوله ،ثم يطوف بين الصفا والمروة)) دليل على وجوب الترتيب بين الطواف والسعى ، وأنه يشترط تقدم الطواف على السعى، فلو قدم السعى لم يصح السعى، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وفيه خلاف ضعيف لبعض السلف (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى. ٢٥٨٩ - قوله (رمل رسول اللّه ربيع) الرمل بفتح الراء والميم فى الاسم والفعل الماضى: سرعة المشى مع تقارب فى الخطو، والخبب هو الإسراع فى المشى مع هز المتكبين دون وثب هكذا فسره أكثر المفسرين. وقال بعضهم: الخبب هو وثب فى المشى مع هز المنكبين ، والهرولة ما بين المشى والعدو ، والسعى يقع على الجميع، فلهذا يقال سعى خفيف وسعى شديد فيحمل السعى المذكور فى الحديث المتقدم على الرمل والخبب جمعا بينهما ، هكذا ذكره الطبرى وقال و مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف من الحجر إلى الحجر ثلاثا، ومشى أربعا، وكان يسعى ببطن المسيل الشنقيطى: الرمل مصدر رمل بفتح الميم يرمل بضمها وملا بفتح الميم ورملانا إذا أسرع فى مشيته وهز منكبيه وهو فى ذلك لا ينزو أى لا يثب وهو الخبب ولذا جاء فى بعض روايات الحديث رمل، وفى بعضها خب، والمعنى واحد (من الحجر) أى الأسود (إلى الحجر) هذا نص فى استيعاب الرمل جميع الطوفة يعنى فى مشروعية الرمل فى جميع المطاف من الحجر إلى الحجر ، وحديث ابن عباس المروى فى بيان سبب الرمل نص فى عدم الاستيعاب وأن يمشو ما بين الركنين اليمانيين، والجواب عن هذا الاختلاف أن حديث ابن عباس الذى فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان فى عمرة القضاء فى ذى القعدة سنة سبع، وما فى الروايات الأخرى من الرمل من الحجر إلى الحجر فى حجة الوداع سنة عشرفهو ناسخ لحديث ابن عباس وقيل : إن الرمل سنة فعذرهم النبى مَثّ فى عمرة القضاء فى استيعاب الرمل بجميع الطوفة لضعفهم بالحمى، قال الباجى: إن جابرا عاين ما روى عام حجة الوداع وابن عباس إنما روى عن غيره فإنه لم يشاهد عام القضية لصغره مع أنه يحتمل أن يكون النبى مَّة ترك رمل ما بين الركنين وإن كان مشروعا لحاجته إلى الإبقاء على أصحابه، فلما ارتفعت هذه العلة لزم استدامة الرمل المشروع - انتهى. وقال ابن قدامة: الرمل سنة فى الأشواط الثلاثة بكمالها يرمل من الحجر إلى أن يعود إليه ، لا يمشى فى شتى منها، روى ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود وابن الزبير، وبه قال عروة والنخعى ومالك والثورى والشافعى وأصحاب الرأى. وقال طاوس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله: يمشى ما بين الركنين لرواية ابن عباس. ولنا ما روى ابن عمر أنه تمَّ رمل من الحجر إلى الحجر، وحديث جابر عند مسلم ((قال رأيت رسول اللّه ◌َّ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف)). وهذا يقدم على حديث ابن عباس لوجوه، الأول: أنه مثبت. والثانى: أن رواية ابن عباس إخبار عن عمرة القضية، وهذا إخبار عن حجة الوداع فيكون متأخرا ويجب العمل به. والثالث: أن ابن عباس كان فى تلك الحال صغيرا. والرابع: أن جلة الصحابة عملوا بما ذكرنا، ولو علموا من النبي ◌َّ ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيره، ويحتمل أن ما رواه ابن عباس يختص بالذين كانوا فى عمرة القضية لضعفهم والابقاء عليهم، وما رويناه سنة فى سائر الناس - انتهى. ويظهر من كلام ابن حزم فى المحلى أنه مال إلى أن الرمل من الحجر الأسود إلى الر کن الیمانی واجب وفيما بينهما جائز (وكان يسعى) أى يسرع ويشتد عدوا، قاله القارئ. واعلم أن السعى فى كلامهم يطلق على معنين، الأول: المشى بين الصفا والمروة وهو المذكور فى كلامهم إذا أطلقوا السعى بين الصفا والمروة. والثانى: شدة المشى بين الميلين الأخضرين وهو المراد فى هذا الحديث، وهو مندوب وسنة عند الجمهور منهم الحنفية وهو المرجح عند المالكية (يبطن المسيل) أى المكان الذى يجتمع فيه السيل. قال الحافظ: المراد يبطن المسيل الوادى لأنه موضع السيل. وقال القارى: بطن المسيل ٩١ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف إذا طاف بين الصفا والمروة . اسم موضع بين الصفا والمروة، وجعل علامته بالأميال الخضر - انتهى. والميلان الأخضران هما العلمان ، أحدهما بركن المسجد والآخر بالموضع المعروف بدار العباس ، وقد أزيلت الدار للتوسعة ، وهما بعد العمارة الجديدة بحدارى المسعى. قال النووى: السعى ببطن المسيل مجمع على استحبابه وهو أنه إذا سعى بين الصفا والمروة استحب أن يكون سعيه شديدا فى بطن المسيل وهو قدر معروف. وقال ابن قدامة: إن الرمل فى بطن الوادى سنة مستحبة لأن النبي مر ثية سعى وسعى أصحابه فروت صفية بنت شيبة عن أم ولد شيبة قالت رأيت رسول الله من فضله يسعى بين الصفا والمروة ويقول: لا يقطع الأبطح إلا شدا، وليس ذلك بواجب، ولا شئ على تاركه، فإن ابن عمر قال: إن أسع بين الصفا والمروة فقد رأيت رسول الله مَّم يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول اللّه ◌َ يّ يمشى وأنا شيخ كبير، رواهما ابن ماجه وروى هذا أبو داود، ولأن ترك الرمل فى الطواف بالبيت لا شئى فيه فبين الصفا والمروة أولى - انتهى. وكذلك عند الحنفية والمالكية كما صرح به فى فروعهم. تنبيه: قيل فى وجه مشروعية السعى الشديد والجرى فى بطن الوادى: ما رواه البخارى عن ابن عباس، ومحصله: أن هاجر لما تركها إبراهيم عند البيت عند دوجة فوق زمزم فى أعلى المسجد عطشت وعطش ابنها حين نقد ما فى السقاء من الماء وانقطع درها واشتد جوعهما حتى نظرت إلى ابنها يتشحط ويتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا وهو أقرب جبل يليها، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادى رفعت طرف درعها ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أنت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبيِ مَّم: فلذلك سعى الناس بينهما. فجعل ذلك نسكا إظهارا لشرفهما وتفخيما لأمرهما. قال الشاه ولى الله الدهاوى: السرفى السعى بين الصفا والمروة على ما ورد فى الحديث أن هاجر أم إسماعيل عليه السلام لما اشتدبها الحال سعت بينهما سعى الإنسان المجهود فكشف اللّه عنهما الجهد بإبداء زمزم وإلهام الرغبة فى الناس أن يعمروا تلك البقعة ، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم ، وتذكر تلك الآية الخارقة لتبهت بهيميتهم وتدلهم على الله، ولا شئى فى هذا مثل أن يعضد عقد القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم فيه تذلل عند أول دخولهم مكة، وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال فى مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال - انتهى. وروى أحمد عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالمناسك عرض الشيطان له عند السعى فسابقه فسبقه إبراهيم. وقيل: إنما سعى نبينا عَّة إظهارا للجلد والقوة للمشركين الناظرين إليه فى الوادى، وهذا كان فى عمرة القضاء، ثم بقى بعده كالرمل فى الطواف إذ لم يبق فى حجة الوداع مشرك بمكة (إذا طاف بين الصفا والمروة) أی سعی بينهما، واختلف ٩٢ مرجاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف رواه مسلم . ٢٥٩٠ - (٦) وعن جابر، قال: إن رسول اللّه مؤ لما قدم مكة، أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه ، أهل العلم فى حكم السعی علی ثلاثة أقوال ، أحدها : أنه ر کن لا یصح الحج إلا به ، وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعى ومالك فى المشهور، وأحمد فى أصح الروايتين عنه، وإسحاق وأبو ثور، والقول الثانى: أنه واجب يجبر بدم ، وبه قال الثورى وأبو حنيفة ومالك فى العتبية كما حكاه ابن العربى، والثالث: أنه ليس بركن ولا واجب بل هو سنة ومستحب ، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية، قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر الأقوال الثلاثة المذكورة: واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة ، وعند الحنفية تفصيل فيما إذا ترك بعض السعى كما هو عندهم فى الطواف بالبيت. وقال ابن قدامة: اختلفت الرواية فى السعى، فروى عن أحمد أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعى لما روى عن عائشة، قالت: طاف رسول اللّه ميه وطاف المسلمون يعنى بين الصفا والمروة فكانت سنة، ولعمرى ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة، رواه مسلم، ثم ذكر حديث صفية بنت شيبة الآتى من رواية ابن ماجه وفيه «سمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى، وسيأتي الكلام عليه، وروى عن أحمد أنه سنة لا يجب بتركه دم ، روى ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين ، لقول الله تعالى ﴿فلا جناح أن يطوف بهما - ٢: ١٥٨ ) ونفى الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه، فإن هذا رتبة المباح وإنما تثبت سنيته بقوله ((من شعائر الله)) وروى أن فى مصحف أبى وابن مسعود «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن رتبة الخبر لأنهما يرويانه عن النبي مَّةِ. وقال القاضى: هو واجب وليس بركن، إذا تركه وجب عليه دم ، وهو مذهب الحسن وأبى حنيفة والثورى ، وهو أولى، لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لا على كونه لا يتم الحج إلا به، وقول عائشة فى ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة ، وحديث صفية بنت شية عن ابنة أبى تجراة ، قال ابن المنذر: يرويه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا فى حديثه، ثم هو يدل على أنه مكتوب وهو الواجب. وأما الآية فإنها نزلت لما تحرج ناس من السعى فى الإسلام لما كانوا يطوفون بينهما فى الجاهلية لأجل صنعين كانا على الصفا والمروة، كذلك قالت عائشة - انتهى. وسيأتى مزيد الكلام فى مسألة السعى فى شرح حديث صفية بنت شيبة عن بنت ابى تجراة (رواه مسلم) قال صاحب تنقيح الرواة: أخرجه أيضا أحمد والبخارى ثلاثتهم فى حديثين ، فالحديث متفق عليه ، أخرجه البيهقى كذلك. ٢٥٩٠ - قوله (لما قدم مكة أتى الحجر) أى الأسود وهو فى ركن الكعبة القريب باب البيت من جانب الشرق وارتفاعه من الأرض ذراعان وثلثا ذراع (فاستلمه) أى لمسه وقبله (ثم مشى على يمينه) أى يمين نفسه مما يلى الباب، .: ٩٣ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف فرمل ثلاثا، ومشى أربعا. رواه مسلم. ٢٥٩١ - (٧) وعن الزبير بن عربى، قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر. فقال: رأيت رسول اللّه مع يستلمه وقيل على يمين الحجر ، والمعنى يدور حول الكعبة على يساره. وفيه دليل على أنه يستحب أن يكون ابتداء الطواف من الحجر الأسود بعد استلامه، وحكى فى البحر عن الشافعى أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود فرض. وفيه أيضا دليل على مشروعية مشى الطائف بعد استلام الحجر على يمينه جاعلا للبيت عن يساره ، وقد ذهب إلى أن هذه الكيفية شرط لصحة الطواف الأكثر، قالوا: فلو عكس لم يجزه. قال الشوكانى: ولا يخفاك أن الحكم على بعض أفعاله ،ٹے فى الحج بالوجوب لأنها بيان مجمل واجب، وعلى بعضها بعدمه تحكم محض لفقد دليل يدل على الفرق بينهما (فرمل ثلاثا) أى فى ثلاث مرات من الأشواط (ومشى أربعا) أى بالسكون والهيئة. قال النووى: فى هذا الحديث أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم ويقدمه على كل شئ وأن يستلم الحجر الأسود فى أول طوافه، وأن يرمل فى ثلاث طوفات من السبع ويمشى فى الأربع الأخيرة (رواه .سلم) وأخرجه أيضا النسائى والترمذى والبيهقى. ٢٥٩١ - قوله (وعن الزبير بن عربى) بفتح الراء بعدها موحدة ثم ياء مشددة، النمرى أبو سلمة البصرى تابعى ثقة قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: روى عن ابن عمر، وعنه ابنه إسماعيل وحماد بن زيد وسعيد بن زيد ومعمر، قال الأثرم عن أحمد: أراء لا بأس به. وقال ابن معین ثقة وقال النسائى: ليس به بأس. أخرج البخاری والترمذى والنسائى له حديثا واحدا فى استلام الحجر، وذكره ابن حبان فى الثقات -انتهى. تنبيه: قال الحافظ فى الفتح: قال أبو على الجيانى: وقع عند الأصيلى عن أبى أحمد الجرجانى، الزبير بن عدى بدال مهملة بعدها ياء مشددة وهو وهم وصوابه (عربي) براء مهملة بعدها موحدة ثم ياء مشددة كذلك رواه سائر الرواة عن الفربرى - انتهى. وكأن البخارى استشعر هذا التصحيف فأشار إلى التحذير منه فحکی الفربری أنه وجد فی کتاب أبى جعفر يعنى محمد بن أبى حاتم وراق البخارى قال : قال أبو عبد الله يعنى البخارى: الزبير بن عربى هذا بصرى والزبير بن عدى كوفى - انتهى. هكذا وقع عند أبى ذر عن شيوخه عن الفربرى ، وعند الترمذى من غير رواية الكروخى عقب هذا الحديث «الزبير هذا هو ابن عربى، وأما الزبير بن عدى فهو كوفى، ويؤيده أن فى رواية أبى داود الطيالسى الزبير بن العربى بزيادة ألف ولام، وذلك مما يرفع الاشكال (سأل رجل) قال الحافظ: هو الزبير الراوى كذلك وقع عند أبي داود الطيالسى عن حماد حدثنا الزبير سألت ابن عمر (عن استلام الحجر) أى هو سنة؟ (يستلمه) أى بالس ووضع اليد عليه، قاله القارى. وقال فى اللعات: الاستلام يتناول الس والتقبيل بعده فذكر التقبيل بعد الاستلام فى حكم ذكر الخاص بعد العام، أو يراد هنا الس بقرينة ذكر ٩٤ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف ويقبله. رواه البخارى. ٢٥٩٣ - (٨) وعن ابن عمر، قال: لم أر النبى مَيتم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. التقبيل بعده - انتهى. والمراد أن يستلمه بيمينه فإن عجز فيساره أى يمسحه بها (ويقبله) قال الشوكانى: فيه دليل على أنه يستحب الجمع بين استلام الحجر وتقبله، والاستلام المسح باليد والنقبيل لها ، كما فى حديث نافع، قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال ما تركته منذ رأيت رسول اللّه مؤثّ يفعله. قال الحافظ: يستفاد منه استحباب الجمع بين الاستلام والتقبيل بخلاف الركن اليمانى فيستلمه فقط. والاستلام المسح باليد، والنقبيل يكون بالفم فقط. وروى الشافعى من وجه آخر عن ابن عمر قال: استقبل النبي مَثّ الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلا يبكى الحديث. واختص الحجر الأسود بذلك لاجتماع الفضيلتين له كما تقدم. وقال الطبرى بعد ذكر رواية الشافعى: والعمل على هذا عند أهل العلم فى كيفية التقبيل من غير تصويت كما يفعله كثير من الناس. وقال الحافظ : المستحب فى التقبيل أن لا يرفع به صوته، وروى الفا كهى عن سعيد بن جبير قال: إذا قبلت الركن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النساء - انتهى. قلت: أباح التقبيل بالصوت غير واحد من المالكية خلافا للجمهور (رواه البخارى) وأخرجه أيضا النسائى وأبو داود الطيالسى والبيهقى وعزاه الحافظ فى تهذيبه للترمذى أيضا كما تقدم ، وليس هو فى رواية الكروخى الترمذى. ٢٥٩٢ - قوله (لم أر النبي مَوائل يستلم من البيت) أى من أركانه أو من أجزائه (إلا الركنين اليمانيين) أى دون الركنين الشاميين ، واليمانى بتخفيف الياء على المشهور لأن الألف عوض عن ياء النسب فلو شددت لكان جمعا بين العوض والمعوض، وجوز سيبويه التشديد وقال: إن الألف زائدة، كذا فى الفتح، وقال الشيخ الدهلوى: الأشهر فى اليمانيين تخفيف الياء وقد يشدد، والأصل فى النسبة يمنى، وقد جاء يمان بمعنى النسبة. والمراد بالركنين اليمانيين الركن الأسود والركن اليمانى الذى يليه من نحو دور الجمحيين، وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب كما فى الأبوين والقمرين والعمرين وأمثالها، والركنان الآخران أحدهما شامى وثانيهما عراقى، ويقال لهما الشاميان تغليا. وإنما اقتصر علىـ على استلام اليمانيين لما ثبت فى الصحيحين من قول ابن عمر: أنهما على قواعد إبراهيم دون الشاميين ولهذا كان ابن الزبير بعد عمارته الكعبة على قواعد إبراهيم يستلم الأر كان كلها كما روى ذلك عنه الأزرقى فى كتاب مكة ، فعلى هذا يكون الركن الأول من الأركان الأربعة فضلتان: كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم. والثانى الثانية فقط. وليس للآخرين أعنى الشاميين شتى منهما فلذلك يقبل الأول ويستلم الثانى فقط ، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان على رأى الجمهور، وروى ابن المنذر وغيره استلام الأركان جميعا عن جابر وأنس والحسن والحسين من الصحابة وعن ٩٥ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف متفق عليه . ٢٥٩٣ - (٩) وعن ابن عباس، قال: طاف النبي صلى اللّه عليه وسلم فى حجة الوداع على بعير، سويد بن غفلة من التابعين ، وقد أخرج البخارى ومسلم ((أن عبيد بن جريج قال لابن عمر: رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها، فذكر منها «ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، وفيه دليل على أن الذين رآه عيد ابن جريج من الصحابة والتابعين كانوا لا يقتصرون فى الاستلام على الركنين اليمانيين . وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبين بالسنة ومسند التعميم القياس، كذا فى النيل والفتح. وقال القاضى أبو الطيب: أجمع أئمة الأمصار والفقهاء على أن الركنين الشاميين لا يستلمان ، قال: وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين، وانقرض الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان. وفى رواية لابن عمر عند مسلم أن رسول اللّه عزثم كان لا يستلم إلا الحجر والركن. اليمانى. قال النووى: يحتج به الجمهور فى أنه يقتصر بالاستلام فى الحجر الأسود عليه دون الركن الذى هو فيه خلافا للقاضى أبى الطيب من الشافعية (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقى، والترمذى معناه من رواية ابن عباس . ٢٥٩٣ - قوله (طاف النبى معَّم فى حجة الوداع على بعير) كان هذا فى طواف الإفاضة يوم النحر أو فى طواف الوداع، وأما طوافه ماشيا فكان فى طواف القدوم كما يفيده حديث جابر الطويل. قال الشيخ الدهلوى: إنما طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبا لكثرة ازدحام الناس وسؤالهم عنه صلى الله عليه وسلم الأحكام، وكانت ناقته محفوظة من الروث والبول فيه، وأما الطواف راكبا لغيره صلى الله عليه وسلم فجائز أيضا، والأفضل المشى اتھی. وقال الحافظ : حمل البخاری سبب طوافه ،ُٹے را کبا على أنه کان عن شکوی (حیث أدخل حديث ابن عباس فى باب المريض يطوف راكبا) وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود (وأحمد) من حديث ابن عباس أيضا بلفظ «قدم النی ژګے مکه وهو يشتکی فطاف على راحلته، ووقع فى حديث جابر عند مسلم أن النبي ◌ُٹے طاف راكبا ليراه الناس وليسألوه، فيحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبا لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضى الجواز إلا أن المشى أولى والركوب مكروه تنزيها، قال: والذى يترجح المنع، لأن طوافه مثل وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، فإذا حوط امتنع داخله، إذ لا يؤمن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله ، فإنه كان لا يحرم التلويث كما فى السعى، قال: وأما طواف الني تريثّم راكبا فالحاجة إلى أخذ المناسك عنه، ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها، واحتمل أيضا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له ، فلا يقاس غيره عليه، وأبعد من استدل به على طهارة بول البعير وبعره - انتهى. وسيأتى الكلام فى هذا فى شرح حديث أم سلمة ٩٦ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف يستلم الركن فى الفصل الثالث. قال ابن قدامة فى المغنى (ج ٣: ص ٣٩٧): لا نعلم بين أهل العلم خلافا فى صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، فإن ابن عباس روى أنه مَّيّ طاف فى حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وعن أم سلمة قالت: شكوت - الحديث، متفق عليهما، وقال جابر: طاف النبي ◌َّ على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس غشوه. والمحمول كالرا كب فيما ذكرناه. قال: فأما الطواف راكبا أو محمولا لغير عذر ففهوم كلام الخرقى أنه لا يجزئ وهو إحدى الروايات عن أحمد لأن النبي مؤثّم قال الطواف بالبيت صلاة. والثانية: يجزئه ويجبره بدم وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة ، فإن رجع جبره بدم، لأنه ترك صفة واجبة فى ركن الحج. والثالثة: يجزئه ولا شئ عليه ، اختارها أبو بكر ، وهى مذهب الشافعى وابن المنذر، لأن النبي ◌َّ طاف را كا. قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبيِ مَّةُ، ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقا فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل. ولا خلاف فى أن الطواف راجلا أفضل لأن أصحاب النبيِ مَّن طافوا مشيا، والنبي ◌َّم فى غير حجة الوداع طاف مشيا، وفى قول أم سلمة: شكوت إلى النبيِ مَّ أنى أشتكى فقال ((طوفى من وراء الناس وأنت راكبة) دليل على أن الطواف إنما يكون مشيا، وإنما طاف النبي ◌َّة راكبا لعذر، فإن ابن عباس روى أن رسول اللّه مؤثّم كثر عليه الناس يتمولون: هذا محمد هذا محمد ، حتى خرج العوائق من البيوت، وكان رسول اللّه مَ ثّل لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب. رواه مسلم. وكذلك فى حديث جابر ((فإن الناس غشوه) وروى عن ابن عباس ((أن رسول الله موفّ طاف راكبا لشكاة به)) وبهذا يعتذر من منع الطواف راكبا عن طواف النبي ◌َّة، والحديث الأول (يعنى حديث ابن عباس الأول) أثبت قال: فعلى هذا يكون كثرة الناس وشدة الزحام عذرا، ويحتمل أن يكون النبي مؤثر قصد تعليم مناسكهم فلم يتمكن منه إلا بالركوب والله أعلم - انتهى. وقال النووى فى شرح المهذب: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه أو ما كان من يحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى بفعله ، فإن طاف بلا عذر جاز بلا كراهة لكنه خالف الأولى، كذا قاله جمهور أصحابنا، وكذا نقله الراضى عن الأصحاب. وقال إمام الحرمين: فى القلب من إدخال البهيمة التى لا يؤمن تلويثها المسجد شئ، فإن أمكن الاستيثاق فذلك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه ، هذا كلام الراضى. وجزم جماعة من أصحابنا بكرامة الطواف راكبا من غير عذر، والمرأة والرجل فى الركوب سواء فيما ذكر ناه. قال الماوردى: وحكم طواف المحمول على أكتاف الرجال كالرا كب فيما ذكرناه. قال: وإذا كان معذورا فطوافه محمولا أولى منه راكبا صيانة السجد من الدابة، قال: وركوب الإبل أيسر حالا من ركوب البغال والخير (يستلم الركن. ٩٧ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف بمحجن. متفق عليه. ٢٥٩٤ - (١٠) وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشئى فى يده، وكبر. رواه البخارى. ٢٥٩٥ - (١١) وعن أبى الطفيل، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحجن) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نون مو عصا مخنية الرأس، والحجر. الاعوجاح، وبذلك سمى الحجون، والمعنى أنه يؤمثى بعصاه إلى الركن حتى يصيبهم، قال ابن التين: هذا يدل على قربه من البيت لكن من طاف راكبا يستحب له أن يبعد إن عاف أن يؤذى أحدا، فيحمل فعله مَئى على الأمن من ذلك - انتهى. ويحتمل أن يكون فى حال استلامه قريبا حيث أمن ذلك وأن يكون فى حال إشارته بعيدا حيث خاف ذلك. وزاد مسلم من حديث أبى الطفيل كما سيأتى «ويقبل المحجن، وله من حديث ابن عمر أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده ورفع ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرا إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم. قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس. أحسبه قال كثيرا. وبهذا قال الجمهور أن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه يده استلمه بشتى فى يده وقبل ذلك الشئى، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك فى رواية ((لا يقبل يده)، وكذا قال القاسم بن محمد بن أبى بكر، وفى رواية عند المالكية يضع يده على فيه من غير تقبيل، كذا فى الفتح (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه . ٢٥٩٢ - قوله (طاف بالبيت على بعير) قال الطبرى بعد ذكر الأحاديث التى تدل على إباحة الطواف على الراحلة: هذه الأحاديث تدل على جواز الركوب فى الطواف، وخصه مالك بالضرورة استدلالا بحديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود ((أن النبي ◌َّثم قدم مكة وهو يشتكى وطاف على راحلته، وبقوله فى حديث جابر «ليراه الناس وليشرف عليهم، واختاره الشافعى مطلقا مع كراهية ، وعند مالك وأبى حنيفة إن قرب أعاد وإن بعد فعليه دم (كلما أتى على الركن) أى الحجر الأسود (أشار إليه بشئ) المراد بالشئ المحجن الذى تقدم فى الرواية الماضية. قال القارى: وفيه إشارة إلى أن الركن المانى لا يشار إليه عند العجز عن الاستلام كما هو الصحيح من مدهبنا (فى يده) كذا فى المشكاة ، وهكذا نقله الطبرى فى القرى والمجد فى المنتقى، وفى البخارى ((عنده، بدل «فى يده)، (وكبر) أى قال: الله أكبر، وفيه استحباب التكبير عند الركن الأسود فى كل طوفة (رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٦٤) والترمذى والدارمى وغيرهم. ٢٥٩٥ - قوله (وعن أبى الطفيل) هو عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الكنانى الليثى أبو الطفيل ، ٩٨ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن. رواه مسلم. ٢٥٩٦ - (١٢) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبى معَّ لا نذكر إلا الحج، فلما كنا بسرف ويقال اسمه عمرو ، والأول أصح وهو بكنيته أشهر، وقال المصنف: غلبت عليه كنيته. ولد عام أحد، أدرك من حياة النبي ◌ُُّ ثمان سنين، وكان يسكن الكوفة ثم انتقل إلى مكة، روى عن النبى مؤثّم وعن أبى بكر وعمر وعلى وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وكان من أصحاب على المحبين له وشهد مع مشاهده كلها ، وكان ثقة مأمونا يعترف بفضل أبى بكر وعمر وغيرهما إلا أنه كان يقدم عليا، وقال ابن سعد: كان أبو الطفيل ثقة فى الحديث متشيعا ، وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح. وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره (يطوف بالبيت) أى راكبا (ويقبل المحجن) أى بدل الحجر الماشى، قال الأمير اليمانى فى السيل: الحديث دال على أنه يجزئى عن استلامه باليد استلامه بآلة ويقبل الآلة كالمحجز والعصا وكذلك إذا استلمه يده قبل يده، فقد روى الشافعى أنه قال ابن جريج لعطاء: هل رأيت أحدا من أصحاب رسول اللّه ◌َّ إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ قال: نعم؛ رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة إذا استلموا قلوا أیدیھم، فإن لم یمکن استلامہ لآجل الزحمة قام حیاله ورفع یدیہ و کبر لما روی أن التی ◌ُٹے قال : يا عمر إنك رجل قوى لا تزاحم على الحجر فتؤذى الضعفاء، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر، رواه أحمد والأزرقى، وإذا أشار بيده فلا يقبلها لأنه لا يقبل إلا الحجر أو ما مس الحجر - انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أیضا أحمد (ج٥ : ص ٤٥٤) وأبو داود وابن ماجه . ٢٥٩٦ - قوله (لا نذكر) قال القارى: أى فى تلبيتنا أو فى محاورتنا، وقال بعضهم أى لا نقصد (إلا الحج) فإنه الأصل المطلوب، وأما العمرة فإنها أمر مندوب، فلا يلزم من عدم ذكرها فى اللفظ عدم وجودها فى النية. وقال أيضا: هذا الحديث بظاهره ينافى قولها السابق ((ولم أهلل إلا بعمرة، إلا أن يقال: قولها «لا نذكر إلا الحج، أى ما كان قصدنا الأصلى من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه من القران والتمتع والافراد، فمنا من أفرد ومنا من قرن ومنا من تمتح وإنى قصدت التمتع فاعتمرت، ثم لما حصل لى عذر الحيض واستمر إلى يوم عرفة ووقت وقوف الحج أمرنى أن أرفضها وأفعل جميع أفعال الحج إلا الطواف، وكذلك السعى إذ لا يصح إلا بعد الطواف ـ انتهى. وقال السندى: أرادت (عائشة رضی اللهعنها) بهذا أن المقصود الأصلى من الخروج ما کان إلا الحج، وما وقع الخروج إلا لأجله، ومن اعتمر فعمرته كانت تابعة للحج فلا يخالف ما سبق أنها كانت معتمرة وكان فى الصحابة رجال معتمرون، ويحتمل أنها حكاية عن غالب من كان معه تَّ من الصحابة فى ذلك السفر -انتهى. وتقدم شئ من الكلام فى هذا فى شرح حديث عائشة فى باب الإحرام والتلبية (بسرف) بفتح المهملة وكسر الراء بعدها فاء موضع قريب من مكة بينهما نحو من عشرة أميال ، وهو منوع من الصرف ٩٩ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٣ - باب دخول مكة والطواف طمئت، فدخل النبي مَوٍِّ وأنا أبكى، فقال: لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شى كتبه الله على بنات آدم، فافعلى ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى. وقد يصرف ، قاله الحافظ. وقال النووى: هو ما بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال منها ، قيل ستة ، وقيل سبعة ، وقيل تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثنى عشر ميلا - انتهى. وفيه قبر ميمونة زوج النبي مَ له، وقد اتفق التزوج والبناء بها وموتها فى هذا الموضع (طمئت) قال النووى: هو بفتح الطاء وكسر الميم أى حضت ، يقال حاضت المرأة وتحيضت وطمئت وعركت - بفتح الراء - ونفست وضحكت وأعصرت وأكبرت، كله بمعنى واحد، والاسم منه الحيض والطمث والعراك والضحك والإكبار والإعصار، وهى حائض وحائضة فى لغة غريبة حكاها الفراء، وطامث وعارك ومكبر ومعصر - انتهى (وأنا أبكى) أى ظنا منى أن الحيض يمنع الحج (لعلك نفست) بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، والفاء مكسورة فيهما، أى حضت، وأما النفاس الذى هو الولادة فيقال فيه نفست - بالضم - لا غير، ذكره النووى (فإن ذلك) بكسر الكاف أى نفاسك بمعنى حيضك (كنبه اللّه) أى قدره الله (على بنات آدم) قال القارى: فيه تسلية لها، إذ البلية إذا عمت طابت - انتهى. وقال النووى: هذا تسلية لها وتخفيف لهمها، ومعناه أنك لست مختصة به، بل كل بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط. واستدل البخارى فى صحيحه فى كتاب الحيض بعموم هذا اللفظ على أن الحيض كان فى جميع بنات آدم ، وأنكر به على من قال إن الحيض أول ما أرسل ووقع فى بنى إسرائيل. قال الحافظ: وكأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: كان الرجال والنساء فى بنى إسرائيل يصلون جميعا فكانت المرأة تتشوف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وعنده عن عائشة نحوه ، قال الداودى ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بنى إسرائيل من بنات آدم فعلى هذا فقوله ((بنات آدم) عام أريد به الخصوص. قلت (قاتله الحافظ): ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذى أرسل على نساء بنى إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده ، وقد روى الطبرى وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى فى قصة إبراهيم (وامرأته قائمة فضحكت - ١١: ٧١) أى حاضت ، والقصة متقدمة على بنى إسرائيل بلاريب، وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنبة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها - انتهى (غير أن لا تطوف بالبيت) قال الطبى: استثناء من المفعول به ولا زائدة (حتى تطهرى) أى بانقطاع الدم والاغتسال، وهو بفتح التاء والطاء المهملة وتشديد الهاء أيضا، وهو على حذف إحدى التائين وأصله تتطهرى والمراد بالطهارة الغسل كما وقع فى رواية لمسلم حتى تغتسلى، وفى الحديث دليل على أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف وركعتيه، فيصح الوقوف بعرفات وغيره ، ١٠٠