النص المفهرس
صفحات 21-40
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا.
وثلب أعراضكم - انتهى. وقيل المعنى: إن انتهاك دماتكم وأموالكم وأعراضكم، قيل وهذا أولى مما ذكره الحافظ، لأن
ذلك إنما يحرم إذا كان بغير حق فلابد من النصريح به، فلفظة (انتهاك، أولى، لأن موضوعها لتناول الشئى بغير حق
(حرام عليكم) قال الزرقانى: معنى الحديث إن دماء بعضكم على بعض حرام وأموال بعضكم على بعض حرام وإن كان
ظاهر اللفظ أن دم كل واحد حرام عليه نفسه، ومال كل واحد حرام عليه نفسه فليس بمراد، لأن الخطاب
الجموع والمعنى فيه مفهوم، ولا تبعد إرادة المعنى الثانى. أما الدم فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه تحريم قصرفه
فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعا، قاله الولى العراقى ( كحرمة يومكم هذا) أى متأكدة التحريم شديدته كحرمة يومكم
هذا يعنى يوم عرفة (فى شهركم هذا) أى ذى الحجة (فى بلدكم هذا) أى مكة ، وإنما شبهها فى الحرمة بهذه الأشياء لأنهم
كانوا لا يرون استباحتها وانتهاك حرمتها بحال: وقال ابن المير: قد استقر فى القواعد أن الأحكام لا تتعلق إلا
بأفعال المكلفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر تحريم أضال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض، فما معنى إذا
تشبه الشئى بنفسه؟ وأجاب بأن المراد أن هذه الأفعال فى غير هذا البلد وهذا الشهر وهذا اليوم مغلظة الحرمة ، عظيمة
عند الله، فلا يستسهل المعتدى كونه تعدى فى غير البلد الحرام والشهر الحرام، بل ينبغى له أن يخاف خوف من فعل ذلك .
فى البلد الحرام ، وإن كان فعل العدوان فى البلد الحرام أغلظ فلا ينفى كون ذلك فى غيره غليظا أيضا ، وتغارت ما بينهما
فى الغلظ لا ينفع المعتدى فى غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدى فى البلد الحرام فلا يستسهل حرمة البلد بل ينبغى أن
يعتقد أن فعله أقبح الأفعال وأن عقوبته بحسب ذلك فيراعى الحالتين - انتهى. وقال الزرقانى: وفى تقديم اليوم على
الشهر وهو على البلد الترقى ، فالشهر أقوى من اليوم وهو ظاهر فى الشهر لاشتماله على اليوم فاحترامه أقوى من احترام
جزئه، وأما زيادة حرمة البلد فلا نه محرم فی جمیع الشهور لا فى هذا الشهر وحده فحرمته لا تختص به فهو أقوى منه ۔
انتهى. قال الحافظ: وفيه مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير ليكون أوضح السامع، وإنما شبه حرمة الدم
والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد، لأن المخاطبين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء ولا يرون هناك حرمتها
ويعيون على من فعل ذلك أشد العيب، وقال فى موضع آخر: ومناط التشبيه فى قوله ((كحرمة يومكم)) وما بعده ظهوره
عند السامعين، لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتاً فى نفوسهم مقررا عندهم بخلاف الأنفس والأموال والأعراض
فكانوا فى الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم،
فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطون قبل تقرير الشرع -
انتهى. وقال الطبي: هذا من تشبيه ما لم تجربه العادة بما جرت به لأنهم عالمون بحرمة الثلاث كما فى قوله تعالى ﴿ وإذ
٢١
٦٠
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - بلب قصة حجة الوداع
ألا كل شى من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من
دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث. وكان مسترضا فى بنى سعد فقتله هذيل.
نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة - ٧: ١٧١) كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم فى الجاهلية فى غير الأشهر الحرام ويحرمونها
فيها، كأنه قيل إن دماءكم وأموالكم محرمة عليكم أبدا كحرمة الثلاث - انتهى (ألا) بالفتح والتخفيف التنبيه (كل شى
من أمر الجاهلية) يعنى الذى أحدثوه والشرائع التى شرعوها فى الحج وغيره قبل الإسلام (تحت قدمى) بتشديد الياء متى
(موضوع) أى مردود وباطل حتى صار كالشئى الموضوع تحت القدمين. قال فى اللمعات: يحتمل أن يكون قوله
((موضوع)، وقوله ((تحت قدمى، خبرين، أو الخبر هو موضوع وتحت ظرف له وهو الأظهر، والمراد بالوضع
تحت القدم إبطاله وتركه، وتقول العرب فى الأمر الذى لا يكاد يراجعه ويذكره ((جعلت ذلك تحت قدمى))
(ودماء الجاهلية موضوعة) أى متروكة لا قصاص ولا دية ولا كفارة ، أعادها للاهتمام أو لينى عليه ما بعده من
الكلام ، قاله القارى: وقال الولى العراقى: يمكن أنه عطف خاص على عام لاندراج دماتها فى أمورها، ويمكن أنه
لا يندرج لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه. وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد
قطع النزاع بإبطال ذلك، لأن منها ما هو حق ومنها ما هو باطل وما يثبت وما لا يثبت (وإن أول دم أضع)
أى أضعه وأتركه (من دمائنا) أى من دماء أهل الإسلام يعنى أبدأ فى وضع الدماء التى يستحق المسلمون ولايتها
بأهل بيتى وأقاربى. قال النووى: فيه أن الإمام وغيره من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ينبغى أن يبدأ بنفسه
وأهله فهو أقرب إلى قبول قوله وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام (دم ابن ربيعة بن الحارث) أى ابن عبد
المطلب، واسم هذا الابن إياس، قاله الجمهور والمحققون، وقيل حارثة ، وقيل تمام، وقيل آدم ، قال الدار قطنى: وهو
قصحیف. ولبعض رواه مسلم وأبى داود (دمربيعة، وهو وهم، لأن ربيعة عاش حتى توفى زمن عمر سنة ثلاث وعشرين،
وتأوله أبو عبيد بأنه نسبه إليه لأنه ولى دم ابنه، وهو حسن ظاهر، به تتفق الروايتان. وربيعة هذا هو ابن عم التي تَ}
يكنى ((أبا أروى) وكان أسن من عمه العباس بسنتين، صحابى، روى عن النبي ◌َّ أحاديث، توفى فى أول خلافة عمر،
وقيل فى أواخرها سنة ثلاث وعشرين (وكان) كذا فى جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وفى صحيح مسلم والمنتقى
لابن الجارود .كان» أى بدون واو العاطفة وهكذا ذكره المحب الطبرى (مسترضعا) على بناء المجهول، أى كان لهذا
الابن ظئر ترضعه من بنى سعد (فقتله) أى ابن ربيعة، وقوله ((فقتله)) كذا فى جميع النسخ من المشكاة أى بصيغة المذكر،
وفى صحيح مسلم ((فقتلته)) بلفظ التأنيث وهكذا عند أبى داود وابن الجارود وكذا فى المصابيح (مذيل) بهاء مضمومة
فمعجمة مفتوحة ، وكان ابن ربيعة هذا طفلا صغيرا يحبو بين البيوت فأصابه حجر فى حرب بن سعد مع قبيلة هذيل
٢٢
من عاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله،
فاتقوا الله فى النساء
فته هذيل. قال الولى العراق: ظاهره أنها تعمدت قتله وذكر الزبير بن بكار أنه كان صغيرا يحبو بين البيوت فأصابه
حجر فی حرب کانت بین یی سعدوبین لیث بن بكر، كذا ذكره عياض والنووى وغيرهما سا كتين عليه وهو مناف لقوله
(فقتلته هذيل، لأنهم غير بنى ليث إذ هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة
ابن مدركة كما بينه أبو عبيد القاسم بن سلام فى أنسابه كذا فى شرح المواهب (وربا الجاهلية) معناه الزيادة على رأس
المال، ولذلك جاء الخبر ((موضوعة)) بالناء على المعنى على ما فى نسخ مسلم، وهذا إيضاح إد المقصود مفهوم من لفظ ربا، لأن
الربا هو الزيادة فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة. قال الولى: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهلية من عطف
الخاص على العام، لأنه من إحداثاتهم وشرعهم الفاسد (موضوع) المراد بالوضع الرد والايطال أى الزائد على رأس
المال مردود كماقال تعالى { وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم - ٢: ٢٧٩) وقوله ((موضوع)) كذا فى جميع النسخ من
المشكاة، وهكذا فى سنن أبي داود والمنتقى والبيهقى ولمسلم (موضوعة)) بالتانيث، وهكذا فى المصابيح، وكذا ذكره
الحب الطبرى (وأول ربا أضع من ربانا) كذا فى جميع النسخ من المشكاة، وفى صحيح مسلم وسنن أبي داود والبيهقى
والمنتقى ((وأول ربا أضع ربانا، أى بدون لفظة ((من) وهكذا فى المصابيح وكذا ذكره الطبرى، وعلى هذا «ربانا)) خبر
المبتدأ ، وقوله (ربا عباس بن عبد المطلب) بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف أى هو ربا العباس (فإنه موضوع كله)
يحتمل عود ضمير («إنه) لربا العباس تأكيدا لوضعه، ويحتمل لجميع الربا أى ربا العباس موضوع لأن الربا موضوع
كله، قاله الولى العراقى. وإنما ابتدأ فى وضع دماء الجاهلية ورباها من أهل الإسلام بأهل بيته ليكون أمكن فى قلوب
السامعين وأسد لأبواب الطمع فى الترخيص (فاتقوا الله فى النساء) قال الطبي: هو عطف من حيث المعنى على دماتكم
وأموالكم أى فاتقوا الله فى استباحة الدماء ونهب الأموال، وفى النساء، وهو من عطى الطلب على الخبر بالتأويل كما
عطف ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون - ٣٦: ٥٩) على قوله ﴿إن أصحاب الجنة)) وقال الولى العراقى: يحتمل أن الفاء
زائدة لأن فى رواية بدونها، وأنها للسبية، لأنه لما قرر إبطال أمر الجاهلية وكان من جملتها منع النساء من حقوقهن وترك
إنصافمن أمرهم بمتابعة الشرع فى إنصافهن، فكأنه قيل: فبسبب إبطال أمر الجاهلية اتقوا الله فى النساء وأنصفوهن، فإن
تركه من أمر الجاهلية، قال: و«فى، تحتمل السبية نحو ﴿فذلكن الذى لمنى فيه - ٣٢:١٢) والظرفية مجازا نحو
﴿ولكم فى القصاص حياة - ٢: ١٧٩) أى إن النساء ظرف للنقوى المأمور بها - انتهى. قلت: وقع عند ابن الجارود
والبيهقى («اتقوا الله)) أى بدون الفاء، وفى الحديث الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد
٢٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حبة الوداع
فإنكم أخذ تموهن بأمان اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة الترولكم عليهن أن لا يوطّن فرشكم
أحدا تكرهونه،
جامت أحاديث كثيرة صحيحة فى الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير فى ذلك فليراجعها من شاء فى الترغيب
والترهيب النذرى ورياض الصالحين للنووى (فإنكم أخذتمومن بأمان اللّه) أى بعهده وهو ما عهد إليكم فيهن. قال
النووی: هكذا فی کثیر من أصولمسلم 'بأمان الله» بلا ماء، وفى بعضها «بأمانة الله» قلت: و کذا أی باها. وقع عند أبى
داود والشافعى وابن الجارود وابن ماجه والبيهقى. قال الزرقانى: أى بأن اللّه التمنكم عليهن فيجب حفظ الأمانة
وصيانتها بمراعاة حقوقها والقيام بمصالحها الدينية والدنيوية، وما وقع فى كثير من أصول مسلم يقوى أن فى قوله
. أخذتموهن، دلالة على أنها كالأسيرة المحبوسة عند زوجها، وله التصرف فيها والسلطنة عليها حسبما بينه الشرع، ويوافقه
قوله فى رواية أخرى «فإنهن عوان عندكم، جمع عانية وهى الأسيرة، لكنها ليست أسيرة خائفة كغيرها من الأسراء بل
هى أسيرة آمنة (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) فى معناه أربعة أقوال، الأول: أن المراد بكلمة الله أمره وحكمه
وإباحته المنزلة فى كتابه وهو قوله تعالى ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء - ٤: ٣﴾ قال النووى: هذا هو الصحيح،
ورجحه القرطبي فى المفهم إذ قال: فإن حكم الله كلامه المتوجه المحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخير. الثانى: المراد
كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم. الثالث: المراد كلمة النكاح التى يستحل بها
الفروج، أى الصيغ التي ينعقد بها النكاح من الايجاب والقبول لأن الله تعالى أمر بها . الرابع: أن المراد فوله تعالى
﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان - ٢: ٢٢٩) قال الخطابي: هذا أحسن. الوجوه (ولكم عليهن) أى من
الحقوق لما ذكر ية استحلال الزوج بكلمة الله وعلى منه تأكيد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كل واحد
منهما من الحقوق، وبدأ بحق الأزواج لأنهم المخاطبون (أن لا يوطئن) بهمزة أو بإيدالها بالتخفيف صيغة جمع الاناث
من الإيطاء أى من باب الافعال (فرشكم أحدا تكرهونه) أى تكرهون دخوله فى بيوتكم، وعبر بفرش لأن الداخل يطأ المنزل
الذى يدخل فيه. قال المازري: قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زناها، لأن ذلك يوجب حدها، ولأن ذلك
حرام مع من یکرهه الزوج ومن لا يكرهه . وقال الخطابى: معنى الحديث: أن لا یأذن لأحد من الرجال يدخل فيتحدث
إليهن وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب ولا يرون بذلك عيا ولا يعدونه ربية، فلما نزلت آية الحجاب
صار النساء مقصورات، ونهى عن محادثتهن والقعود إليهن، وليس المراد بوطئى الفرش هنا نفس الزنا لأنه محرم على
الوجوه كلها ، فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه، ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة
المؤلمة من الرجم دون الضرب الذى ليس بمبرح. وذكر القاضى عياض نحوه. وقال النووى بعد ذكر كلام المازرى
٢٤
مرحلة المناتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ان فعلن ذلك فاضربومن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت
فيكم مالن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأتم تسئلون عنى،
والقاضى: والمختار أن معناه: أن لا أذن لأحد تكرهونه فى دخول يوتكم والجلوس فى منازلكم ، سواء كان المأذون
له رجلا أجنبيا أو امرأة أو أحدا من محارم الزوجة، فالنهى يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا
يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة ولا محرم ولا غيره فى دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا
يكرهه، لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الاذن فى ذلك منه أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك
ونحوه ومتى حصل الشك فى الرضا ولم يترجح شتى ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الإذن، والله أعلم (فان
فلن ذلك) أى الإيطاء المذكور بدون رضا كم بلفظ صريح أو بقرائن (ضربا غير مبرح) بضم الميم وفتح الموحدة وكسر
الراء المشددة وبالحاء المهملة من البرح وهو المشقة، والضرب المبرح هو الضرب الشديد الشاق، ومعناه اضربوهن ضربا
ليس بشديد ولا شاق. وفيه إباحة ضرب الرجل امرأته التأديب (ولهن عليكم رزقهن) أى وجوبا، والمراد بالرزق النفقة
من المأكول والمشروب، وفى معناه سكنامن (بالمعروف) أى على قدر كفايتهن من غير سرف ولا تقتير أو باعتبار
-الكم فقرا وغنى، وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع (وقد تركت فيكم ما)
أى فيما بينكم وما موصولة أو موصوفة (لن تضلوا بعده) أى بعد تركى إياه فيكم أو بعد التمسك به والعمل بما فيه ، ويؤيد
الأول قوله (إن اعتصمتم به) أى فى الاعتقاد والعمل. وفى هذا التركيب إبهام وتوضيح وذلك لبيان أن هذا الشئى الذى
تركه فيهم شىء جليل عظيم فيه جميع المنافع الدينية والدنيوية، ثم لما حصل من هذا التشوق التام السامع وتوجه إلى
استماع ما يزد بعده واشتاقت نفسه إلى معرفته بينه بقوله ( كتاب الله) بالنصب بدل من مفعول تركت ، جزم به الولى.
فإن كان الرواية وإلا فيجوز رفعه بأنه خبر مبتدأ محذوف، أى هو كتاب الله ولم يذكر السنة مع أن بعض الأحكام
يستفاد منها لاندراجها تحته، فإن الكتاب هو المبين للكل بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة ، قال تعالى ﴿ونزلنا عليك
الكتاب تبيانا لكل شىء - ١٦: ٨٩) وقال تعالى ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم - ١٦: ٤٤) كذا فى شرح المواهب.
وقال القارى: إنما اقتصر على الكتاب لأنه مشتمل على العمل بالسنة لقوله تعالى ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول - ٤: ٥٩)
وقوله (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا - ٧:٥٩) فيلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة، وفيه إيماء
إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب (وأنتم تسئلون) بصيغة المجهول. وفى رواية أبى داود والدارمى وابن ماجه
وابن الجارود والبيهقى «مسئولون، (عنى) أى عن تبليغى وعدمه، قال الطبي: قوله ((وأنتم تستلون)) عطف على مقدر،
أى قد بلغت ما أرسلت به إليكم جميعا غير تارك الشىء مما مشت به وأنتم تستلون عنى يوم القيامة هل بلغت؟ ... بأى شىء
٢٥
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فما أنتم قاتلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة: يرفعها إلى
السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد ، اللهم اشهد،
تجيبون؟ ودل على هذا المحذوف الفاء فى قوله (فما أنتم قاتلون؟) أى إذا كان الأمر على هذا فأى شىء تجيون؟
(قالوا نشهد أنك قد بلغت) أى رسالات ربك (وأديت) أى الأمانة (ونصحت) أى الأمة (فقال باصبعه) أى أشار
بها (السبابة) بالجر (يرفعها إلى السماء) حال من فاعل (قال، أى رافعا إياها أو من السبابة أى مرفوعة (وينكتها إلى الناس)
بفتح التحتية وسكون النون وضم الكاف بعدها فوقية، كذا فى نسخ المشكاة والمصابيح بالتاء الفوقانية، وهكذا فى مسلم
الطبعات المصرية والهندية ، من نكت الأرض بالقضيب إذا ضرب فى الأرض بالقضيب فيؤثر فيها ، وهذا بعيد من معنى
الحديث. وقيل مجاز من الإشارة بقرينة إلى، وفى المرقاة «وينكتها إلى الناس)) أى يشير بها إليهم كالذى يضرب بها
الأرض، والنكت ضرب رأس الأنامل إلى الأرض. وفى البارع ((قال الأصمعى: ضربه فنكته بالفوقية أى ألقاه على
رأسه فوقع متكتا ، وذكره الفارابى فى باب قتل فيحتمل أن يكون الحديث من هذا، والمعنى: ينكسها - انتهى. وقال
عياض: كذا (أى بالفوقية) الرواية فى مسلم وهو بعيد المعنى. قيل: صوابه «ينكبها، بموحدة، و کذا رويناه عن شيخنا
أبي الوليد هشام بن أحمد فى مسلم ومن طريق ابن الأعرابي عن أبى داود فى سننه بموحدة ، ومن طريق أبي بكر التمار عنه
بفوقية، ومعناه يرددها ويقلبها إلى الناس مشيرالهم، وهو من نكب كنانته إذا قلبها. وقال القرطبى: روايتى فى هذه
اللفظة وتقييدى على من أعتمده من الأئمة المقتدين بضم الياء وفتح النون وكسر الكاف مشددة وضم الباء بواحدة أى
يعدلها إلى الناس، وروى ينكبها مخففة الباء والنون وضم الكاف ومعناه يقلبها. وهو قريب من الأول، وروى ينكتها بفوقية
وهى أبعدها - انتهى. وقال الجزرى فى النهاية: فى حديث حجة الوداع ((وينكبها إلى الناس)) أى يميلها إليهم ، يريد بذلك
أن يشهد الله عليهم، يقال: نكبت الإماء تكبا ونكبته تكيا إذا أماله وكبه (اللهم اشهد) أى على عبادك بأنهم قد أقروا
بأنى قد بلغت, والمعنى ((اللهم اشهد أنت إذ كفى بك شهيدا. قال الزرقانى فى شرح المواهب: فإن قيل ليس فى هذه الخطبة
ذكر شئ من المناسك فيرد ذلك على قول الفقهاء «يعلمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، أجيب بأنه مؤ ئته
اكتفى بفعله المناسك عن بيانه بالقول لأنه أوضح، واعتنى بما أهمه فى الخطبة التى قالها. والخطباء بعد ليست أفعالهم
قدوة ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها فاستحب لهم البيان بالقول ، وفيه حجة المالكية وغيرهم أن خطبة عرفة فردة إذ
ليس فيه أنه خطب خطبتين. وما روى فى بعض الطرق أنه خطب خطبتين، فضعيف كما قاله البيهقى وغيره. قلت: روى الشافعى
بسنده عن جابر قال: راح النبي ◌ُّم إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال، ثم أخذ النبى مؤلّ
فى الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. قال الشوكانى فى
٢٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ثلاث مرات. ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا.
النيل (ج ٤: ص ٢٨٧): حديث جابر هذا أخرجه أيضا البيهقى وقال: تفرد به إبراهيم بن أبى يحيى ، وفى حديث جابر
الطويل الذى أخرجه مسلم ما يدل على أنه تم خطب ثم أذن بلال، ليس فيه ذكر أخذ النبى مَؤهم فى الخطبة الثانية وهو أصح.
ويترجح بأمر معقول هو أن المؤذن قد أمر بالانصات للخطة، فكيف يؤذن ولا يستمع الخطة. قال المحب الطبرى: وذكر
الملا فى سيرته أن النبي ◌ُ ◌ّ لما فرغ من خطته أذن بلال وسكت رسول اللّه مَّة، فلما فرغ بلال من الأذان تكلم بكلمات
ثم أناخ راحلته وأقام بلال الصلاة، وهذا أولى مما ذكره الشافعى، إذ لا يفوت به سماع الخطبة من المؤذن - انتهى كلام
الشوكانى. وقال الطبرى بعد ذكر رواية الملامن سيرته ما لفظه: وهذا وإن كان قريبا مما ذهب إليه الشافعى إلا أنه ليس فيه
أن الخطبة تكون مع الأذان، ثم إن تلك الكلمات لم يقل إنها كانت خطبة ـانتهى. (ثم أذن بلال) لم يقع لفظ بلال فى مسلم
وإنما هو عند الدارمى وابن ماجه وابن الجارود والبيهقى، وزاد الدارمى ((بنداء واحد» (ثم أقام فصلى العصر) أى جمع
بين الظهر والعصر فى وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عند الحنفية وبعض أصحاب الشافعى ، وجمع
سفر عند الشافعى وأكثر أصحابه، فمن كان حاضرا أو مسافرا دون مرحلتين كأهل مكة لم يجز له الجمع عند الشافعى كما
لا يجوز له القصر. والحديث يدل على أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين، واختلف العلماء فى
ذلك على ثلاثة أقوال، الأول: أداؤهما بأذان واحد وإقامتين لحديث جابر هذا، وإليه ذهب أبو حنيفة والثورى
والشافعى وأبو ثور وأحمد فى رواية ومالك فى رواية ، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون وابن المواز من المالكية.
والقول الثانى: بإقامتين من غير أذان، وروى ذلك عن ابن عمر. قال ابن قدامة فى شرح قول الخرقى «وإن أذن فلا
بأس»: كأنه ذهب إلى أنه مخير بين أن يؤذن للاً ولى أو لا يؤذن. وكذا قال أحمد ، لأن كلا مروى عن رسول الله
مرّ، والأذان أولى، وهو قول الشافعى وأبى ثور واصحاب الرأى - انتهى. والقول الثالث: بأذانين وإقامتين وهو
الأشهر من مذهب مالك كما فى الجلاب، وهو المذكور فى المدونة ، وروى ذلك عن ابن مسعود. قال ابن قدامة:
واتباع ما جاء فى السنة أولى. واعلم أنه اشترط الحنفية للجمع بين الظهر والعصر بعرفة الجماعة فيهما والامام الأعظم
أو نائبه ، بخلاف الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فلم يشترطوا له الامام ونائبه ولا الجماعة، وإليه ذهب الثوری
والنخعى ، ولا يشترط الإمام ولا الجماعة عند مالك والشافعى وأحمد وهو الراجح عندنا (ولم يصل بينهما شيئا) أى من
السنن والنوافل، وذلك للاستعجال بالوقوف. قال الطبرى: قوله ((ثم أذن ثم أقام)، قال ابن المنذر: عرف جابر أن
وقت الأذان فى يوم عرفة عند فراغ الإمام من خطبته. وقال الشافعى: يخطب الخطبة الثانية مع استفتاح المؤذن بالأذان
ويفرغ مع فراغه، ويستدل بحديث رواه عن جابر فذكر الحديث الذى قدمناه. قال الطبرى: وهذا يغاير حديث مسلم
٢٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ثم ركب حتى أتى الموقف، جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات،
من وجهين أحدهما فى وقت الأذان والثانى فى مكان الخطبة، فإن مسلما ذكر أن الخطبة كانت ببطن الوادى قبل إتيان
الموقف، والشافعى ذكر أنها بعد إتيان عرفة وحديث مسلم أصح، ويترجح بوجه معقول، وهو أن المؤذنين قد أمروا
بالإنصات كما أمر به سائر الناس، وكيف يؤذن من قد أمر بالإنصات؟ ثم لا يبقى للخطبة معنى ، إذ يفوت المقصود منها
أكثر الناس لاشتغال سمعهم بالأذان عن استماعها، قال البيهقى: وهذا التفصيل فى ابتداء بلال بالأذان، وأخذ التي يے فى
الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان مما تفرد به ابن أبى يحيى، ثم ذكر الطبرى رواية الملامن سيرته، وقد ذكرناها
مع كلامه عليها قبل ذلك، ثم قال الطبرى: وقال مالك: إن شاء يؤذن والامام يخطب، وإن شاء يؤذن بعد الفراغ من الخطبة.
وقال مرة أخرى إذا فرغ الإمام من الخطبة ابتدأ بالأذان ثم بالإقامة ثم بالصلاة. قال ابن حزم: وهذا القول الثانى عن مالك
هو الصحيح الذى لا يجوز تعديه لصحته عن رسول اللّه مَّة، وبه نأخذ اقتداء برسول اللّه مَثّم، فلا خير فى مخالفته. قال
الطبرى: وجمعه وَوائل بالناس بعرفة دليل على جواز الجمع فى السفر القصير، إذ لم ينقل عن أحد من أهل مكة التخلف عن
الصلاة معه تَّ، فإن الجمع بعلة النسك، وفى المسئلة ثلاثة أقوال، أحدها: أنه بعلة أصل السفر، الثانى: بعلة السفر الطويل ،
الثالث: بعلة النسك. وقال فى موضع آخر: قد اختلف أصحابنا هل كان جمعه مَّ بعلة مطلق السفر أو الطويل أو بعلة
النسك؟ والظاهر أنه بعلة النسك حتى يجوز للآفاقى والمكى والمزدلفى والمعرفى، وعلى الأول لا يجوز للعرفى، وعلى الثانى
لا يجوز لغير الآفاق، ولا خلاف أنه سنة ، حتى لو صلى كل صلاة وحدها فى وقتها جاز (ثم ركب) أى القصواء كما فى
رواية ابن الجارود أى وسار (حتى أتى الموقف) أى أرض عرفات ، أو اللام للعهد والمراد موقفه الخاص ويؤيده
قوله (فجعل بطن ناقته القصواء) بالجر (إلى الصخرات) بفتحتين، قال الطبى: أى منتهيا إليها ، وتعقبه الأبى فقال: إن
كان الوقوف على الصخرات صح هذا التقدير، والأظهر أنه تجوز بالبطن عن الوجه، والتقدير: وجعل وجه ناقته،
وهذا إن كانت الصخرات فى قبلته لأنه إنما وقف مستقبل القبلة. وقال القرطبى: يعنى أنه علا على الصخرات ناحية منها
حتى كانت الصخرات تحاذى بطن ناقته. قال الولى العراقى: لا حاجة إلى هذا لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار
بطنها بحذاتها أى إلى جانبها، وليس يشترط فى محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عاليا عليها - انتهى. وقال الطبرى: ظاهر
قوله ((جعل بطن ناقته إلى الصخرات)) يدل على أنه كان واقفا على الصخرات حتى يكون بطن الناقة إليها ، ويؤيده ما رواه
ابن إسحاق فى سيرته أنه مَثّ قال ((هذا الموقف)) للجبل الذى كان واقفا عليه - انتهى. قال النووي: الصخرات هى
حجرات مفترشات فى أسفل جبل الرحمة وهو الجيل الذى بوسط أرض عرفات فهذا هو الموقف المستحب. وأما ما
اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط ، بل الصواب جواز الوقوف فى
٢٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
وجعل حبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبتِ الصفرة
قليلا ، حتى غاب القرص،
كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة فى موقف رسول اللّه وزثم عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب
الإمكان. وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثانى من يوم النحر، فمن حصل
بعرفات فى جزء من هذا الزمان صح وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحج. هذا مذهب الشافعى وجماهير العلماء، وقال
مالك: لا يصح الوقوف فى النهار منفردا بل لابد من الليل وحده ، فإن اقتصر على النهار لم يصح وقوفه، وقال أحمد :
يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا یصح الحج إلا به (وجعل حل
المشاة بين يديه) الحبل بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ثم لام هو المستطيل من الرمل، وقيل: هو التل الضخم
منه، والمشاة بضم الميم جمع ماش، وأضيف الحبل إليه لاجتماعهم هناك من الموقف، والمراد به صف المشاة ومجتمعهم
فى مشيهم تشبيها بحبل الرمل. وقيل: أراد طريقهم الذى يسلكونه فى الرمل. وقال النووى: روى حبل بالحاء المهملة
وإسكان الباء، وروى جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضى عياض: الأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة أى مجتمعهم،
وحبل الرمل ما طال منه وضخم. وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرجالة ، وتعقبه الولى العراقى بأن ما ذكره
من رواية هذه اللفظة بوجهين ، وترتب هذين المعنیین علی هذين الوجهين لم أره فی کلام القاضى لا فى الا کمال ولا فى
المشارق ولا فى كلام غيره أيضا - انتهى. وقال الطبرى: حبل المشاة بالحاء المهملة مفتوحة والباء موحدة ساكنة ثم لام
أى صفهم ومجتمعهم فى مشيهم ، فكانه عبر بجبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم وصححه شيخنا
أبو عمرو بن الصلاح فى منسكه، قال: وبه شهدت المشاهدة، وذكره بعض من صنف فى الأمكنة المتعلقة بالحجيج وهو
الظاهر - انتهى. (واستقبل القبلة) فيه أنه يستحب استقبال القبلة فى الوقوف بعرفة (فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس) قال
القارى: أى أكثرها أو كادت أن تغرب (وذهبت الصفرة قليلا) أى ذهابا قليلا (حتى غاب القرص) قال القارى: أى
جميعه - انتهى. هكذا هو فى جميع نسخ مسلم بلفظ ((حتى)) بفوقية فتحتية، ولأبى داود (والبيهقى) (حين)) بتحتية فنون،
وقيل إنه الصواب، وهو مفهوم الكلام، ولحتى وجه قاله عياض. وقال النووى: ويحتمل أن الكلام على ظاهره ويكون قوله
((حتى غاب القرص)، بيانا لقوله ((غربت الشمس وذهبت الصفرة)) لأن غروبها قد يطلق مجازا على مغيب معظم القرص،
فأزال ذلك الاحتمال بقوله حتى غاب القرص - انتهى. وقال القارى: قيل: صوابه حين غاب القرص، وفيه نظر إذ
لا يظهر معنى لقوله «ذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، وكأن القائل غفل عن قيد القلة وذهل عن الرواية التى
قطابق الدراية - انتهى. وفيه تنبيه على الاحتياط والمكث بعد الغروب حتى تذهب الصفرة لأجل الحائل من الجبال،
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
وأردف أسامة، ودفع حتى أتى المزدلفة ،
وفى وقوفه وزيع على راحلته وإطالته الوقوف عليها دليل على إباحة ذلك مطلقا خلافا لمن كرهه، ويحتمل أن يكون ذلك
مقصورا على ما هو قربة دون غيره من المباح وعلى ما خف أمره دون الأحمال الثقال والمحامل الثقيلة بالركبان المتعددة
لما فيه من إتعاب الحيوان من غير ضرورة (وأردف أسامة) أى ابن زيد، وفى مسلم وغيره ((أردف أسامة خلفه)) وكذا
هو فى المصابيح، وسقط لفظ ((خلفه)) من جميع نسخ المشكاة. قال النووى: فيه جواز الارداف إذا كانت الدابة
مطبقة، وقد تظاهرت به الأحاديث. وقالى الطبرى: فى إردافه مويتم أسامة رخصة فى ركوب اثنين على بعير واحد، وأن
ذلك لا ينقص من منصب الجليل شيئا، ويان فضل أسامة بتخصيصه بذلك دون من حضره فى ذلك الوقت ، وكذلك
فضل الفضل فى إردافه فى ثانى الحال، وفضل على باستنابته فى النحر وبإشراكه فى هديه (ودفع) أى ابتدأ السير ودفع
نفسه ونحاها أو دفع ناقته وحملها على السير، قاله الجزرى. وقال السيوطى: أى خرج من عرفات، وفى رواية ((أفاض
وعليه السكينة، وفى مسلم ،ودفع رسول اللّه مَثّم وقد شنق (بفتح الشين المعجمة والنون المخففة فقاف أى ضم وضيق)
للقصواء الزمام (يعنى ضم رأسها إليه وبالغ فى الضم، يقال شنق لها وأشنق) حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله (بفتح الميم
وسكون الواو وكسر الراء هو الموضع الذى يثنى الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب، وقال
عياض: هو بفتح الراء وهو قطعة أدم محشوة تجعل فى مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة يضع الرا كب رجليه عليها متوركا
ليستريح من وضعهما فى الركاب، أراد أنه قد بالغ فى جذب رأسها إليه ليكفها عن السير، ورحله بفتح الراء وسكون
الحاء المهملة. قال القسطلانى: وفى نسخة لمسلم ((رجله) بكسر الراء بعدها جيم. قال النووي: وفى هذا استحباب الرفق
فى السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة) ويقول يده اليمنى (أى يشير بها) أيها الناس السكينة السكينة
(بالنصب أى الزموا السكينة وهى الرفق والطمأنينة وعدم الزحمة ، فالنصب على الإغراء. قال النووي: فيه أن السكينة
فى الدفع من عرفات سنة، فإذا وجد فرجة يسرع كماثبت فى الحديث الآخر) كلما أتى حبلا من الحال (بالحاء المهملة المكسورة
جمع حبل وقد تقدم معناه) أرخى لها قليلا (أى أرخى للقصواء الزمام إرخاء قليلا أو زمانا قليلا) حتى تصعد (بفتح
التاء المثناة فوق من صعد، وروى بضمها من أصعد، يقال: صعد فى الجبل وأصعد فى الأرض لا غير أى ذهب وسار ،
ومنه قوله تعالى {إِذ تصعدون - ٣: ١٥٣) (حتى أتى المزدلفة) أصله من تلفة فأبدل من التاء دال لقرب المخرج وهى
موضع بين عرفة ومنى وكلها من الحرم، وهى المسماة بجمع - بفتح الجيم وسكون الميم وعين مهملة، وسميت جمعا لأن -
آدم وحواء عليهما السلام بعد ما أهبطا إلى الأرض كل واحد فى موضع اجتمعا به، وقيل: لأنه يجمع فيها بين صلاتين
المغرب والعشاء. وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها، وسميت بالمزدلفة لذلك أيضاً من الازدلاف وهو الاجتماع، وقيل:
٣٠
مرجاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فصلى بها المغرب والعشاء،
لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى أى يتقربون إليه بالوقوف بها. وقيل لأن آدم أزلف إلى حواء بها أى دنا وقرب منها .
والازدلاف الاقتراب والتقرب والزلفة والزلفى القربة. وقيل لاقترابهم فيها من منى، يقال «له زلفى عند فلان)) أى
قربى منه. وقال النووى: المزدلفة من التزلف والازدلاف وهو التقرب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا
إليها أى مضوا إليها وتقربوا منها ، وقيل سميت بذلك لمجتى الناس إليها فى زلف من الليل أى ساعات. قال: والمزدلفة
كلها من الحرم، وحدها ما بين مازمى عرفة ووادى محسر، وليس هذان الحدان منها. ويدخل فى المزدلفة جميع تلك
الشعاب والجبال الداخلة فى الحد المذكور. قال الشاه ولى اللّه الدهلوى: إنما دفع مَّم من عرفات بعد الغروب ردا
لتحريف الجاهلية. فإنهم كانوا لا يدفعون إلا قبل الغروب، ولأن قبل الغروب غير مضبوط وبعد الغروب أمر مضبوط،
وإنما يؤمر فى مثل ذلك اليوم بالأمر المضبوط. قال: والسرفى المبيت بمزدلفة أنه كان سنة قديمة فيهم ، ولعلهم اصطلحوا
عليها لما رأوا من أن الناس اجتماعا لم يعهد مثله فى غير هذا الموطن ، ومثل هذا مظنة أن يزاحم بعضهم بعضا ويحطم
بعضهم بعضا. وإنما براحهم بعد المغرب، وكانوا طول النهار فى تعب يأتون من كل فج عميق فلو تخشموا أن ياتوا منى
والحال هذه لتعبوا (فصلى بها المغرب والعشاء) أى جمع بينهما فى وقت العشاء. قال المحب الطبرى: وهذا الجمع سنة
بإجماع من العلماء، وإنما اختلفوا فيما لو صلى كل صلاة فى وقتها فعند أكثر العلماء يجوز. وقال الثورى وأصحاب الرأى:
إن صلى المغرب دون مزدلفة فعليه الإعادة، وجوزوا فى الظهر والعصر أن يصلى كل صلاة فى وقتها مع كراهية - انتهى.
وقال الراضى: لو انفرد بعضهم فى الجمع بعرفة أو بمزدلفة أو صلى إحدى الصلاتين مع الامام والأخرى وحده جاز.
ويجوز أن يصلى المغرب بعرفة أو فى الطريق، وقال أبو حنيفة لا يجوز ويجب الجمع بمز دلفة - انتهى. وقال النووى:
فى الحديث أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ويكون هذا التأخير بنية الجمع ثم يجمع بينها فى
المزدلفة فى وقت العشاء وهذا مجمع عليه، لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة أنه يجمع بسبب النسك، ويجوز لأهل مكة والمزدلفة
ومنی وغيرهم. والصحیحعند أصحابنا أنه جمع بسبب السفر فلا يجوزإلا لمسافر سفرا يبلغ بهمسافة القصر، والشافعى قول ضعيف
أنه يجوز الجمع فى كل سفر وإن كان قصيراً، وقال بعض أصحابنا هذا الجمع بسبب النسك كما قال أبو حنيفة. قال أصحابنا ولو جمع
بينهما فى وقت المغرب فى أرض عرفات أو فى الطريق أو فى موضع آخرأو صلى كل واحدة فى وقتها جاز جميع ذلك لكنه
خلاف الأفضل ، هذا مذهبنا وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعى وأبو يوسف وأشهب وفقها.
أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لا
يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذره أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق - انتهى.
٣١
٠
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
بأذان واحد وإقامتين ،
قلت : مذهب الحنفية على ما ذكره أصحابهم أنه يعيد مغربا أداه فى الطريق أو عرفات ما لم يطلع الفجر ، هذا قول
أبى حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف يجزئه وقد أساء. واستدل لأبى يوسف بأنه أداها فى وقتها فلا تجب إعادتها كما بعد
طلوع الفجر إلا أن التأخير من السنة فيصير مسيئا بتركه، واستدل لهما بحديث أسامة (الصلاة أمامك)) معناه وقت
الصلاة، قالوا وبه يفهم وجوب التأخير، وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة فكان عليه الاعادة ما لم يطلع
الفجر ليصير جامعا بينهما، وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فتسقط الإعادة - انتهى. وقال الجمهور: معنى قوله ((الصلاة أمامك))
أى موضع صلاة المغرب والعشاء أمامك وهو المزدلفة، وهو محمول عندهم على الأولوية (بأذان واحد وإقامتين) قال
النووى: فيه أنه يصلى صلاة المغرب والعشاء فى وقت العشاء بأذان للاً ولى وإقامتين لكل واحدة إقامة، وهذا هو الصحيح عند
أصحابنا، وبه قال أحمد وأبو ثوروابن الماجشون المالكى والطحاوى الحنفى. وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى وبؤذن ويقيم
أيضا للثانية، وهو محكى عن ابن عمروابن مسعود، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بأذان واحد وإقامة واحدة ، والشافعى
وأحمد قول أنه يصلى كل واحدة بإقامتها بلا أذان. وقال الثورى: يصليهما جميعا بإقامة واحدة وهو يحكى أيضا عن
ابن عمر - انتهى. وقال الزيدى فى شرح الاحياء بعد ذكر حديث جابر الطويل عند مسلم أن النبي ◌َ ◌ّ صلى بالمزدلفة
". المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ما نصه: وهو قول أحمد وأصح قولى الشافعى وغيرهما من العلماء، وبه قال ازفر
من أصحابنا واختاره الطحاوى ، ورجحه ابن الهمام، واستدلوا بحديث جابر هذا. وقال أبو حنيفة: بأذان واحد وإقامة
واحدة لما أخرج أبو داود من حديث أشعث بن أبى الشعثاء عن أبيه، قال: أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة
فأذن وأقام أو أمر إنسانا فأذن وأقام فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات ثم التفت إلينا فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء
ركعتين، فقيل له فى ذلك، فقال: صليت مع النبي ◌َّ هكذا. وأخرج الطبرانى عن أبى أيوب الأنصارى أن الني وزّث}
جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة ، ثم ذكر الزبيدى ما رواه مسلم من حديث ابن عمر فى
الجمع بين الصلاتين بإقامة واحدة، وما رواه أبو الشيخ من حديث ابن عباس كذلك. قال ابن الهمام: فقد علمت ما
فى هذا من التعارض فإن لم يرجح ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به مسلم وأبو داود حتى تساقطا ، كان الرجوع
إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة بتعدد الصلاة كما فى قضاء الفوائت بل أولى لأن الصلاة الثانية هنا وقتية ، فإذا أقيم
للأولى المتأخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها. وقال مالك: بأذانين وإقامتين، واحتج
بفعل ابن مسعود أخرجه أحمد والبخارى وابن أبى شيبة، ولفظ الأخير «فلما أتى جمعا أذن وأقام فصلى المغرب ثلاثا ثم
قعشى ثم أذن وأقام فصلى العشاء ركعتين، ومنهم من قال: يجمع بينهما باقامتين دون أذان واحتجوا بما رواه
البخارى عن ابن عمر أن رسول الله مثل صلى المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة بإقامة ولم يسمح بينهما ولا على أثر كل
٣٢
مرجاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ولم يسبح بينهما شيئا،
واحدة منهما، وأخرجه أبو داود وقال: ولم يناد فى الأولى. وفى رواية عنده أيضا «ولم يناد فى واحدة منهما)، وحكى
البغوى والمنذرى أن هذا قول الشافعى وإسحاق بن راهويه، وحكى غيرهما أن أصح قولى الشافعى أنه يجمع بينهما بأذان
وإقامتين ومنهم من قال: بإقامة واحدة دون أذان، ودليلهم ما رواه الشيخان والنسائى عن ابن عمر أنه صلى بجمع
المغرب والعشاء بإقامة واحدة ثم انصرف تقال هكذا صلى بنا رسول اللّه مؤثر فى هذا المكان. وأخرجه أبو داود
وزاد بعد قوله «باقامة واحدة)) ((ثلاثا واثنين)» وبه قال سفيان الثورى وقال: أيهما فعلت أجزأك. قال المحب الطبرى
بعد ذكر هذه الروايات ما لفظه: وهذه الأحاديث المختلفة فى هذا الباب توهم التضاد والتهافت ، وقد تعاق كل من قال
بقول منها بظاهر ما تضمنه ويمكن الجمع بين أكثرها فنقول قوله ((بإقامة واحدة)) أى لكل صلاة أو على صفة واحدة لكل
منهما، ويتأيد برواية من صرح بإقامتين، ثم نقول: المراد بقول من قال كل واحدة بإقامة، أى ومع إحداهما أذان، تدل
عليه رواية من صرح بأذان وإقامتين، وأما قول ابن عمر لما فرغ من المغرب ((الصلاة، قد يوهم الاكتفاء بذلك دون
إقامة، ويتأيد برواية من روى أنه صلاهما بإقامة وأحدة، فنقول: يحتمل أنه قال ((الصلاة، تنبيها لهم عليها لئلا يشتغلوا عنها
بأمر آخر، ثم أقام بعد ذلك أو أمر بالإقامة، وليس فى الحديث أنه اقتصر على قوله الصلاة ولم يقم، ونقول: العمدة
من هذه الأحاديث كلها حديث جابر دون سائر الأحاديث، لأن من روى أنه جمع بإقامة معه زيادة علم على من روى
الجمع دون أذان ولا إقامة، وزيادة الثقة مقبولة، ومن روى بإقامتين فقد أثبت ما لم يثبته من روى بإقامة فقضى به
عليه، ومن روى بأذان وإقامتين وهو حديث جابر وهو أتم الأحاديث فقد أثبت ما لم يثبته من تقدم ذكره فوجب
الأخذ به والوقوف عنده، ولو صح حديث مسند عن رسول اللّه تَّل بمثل حديث ابن مسعود الذى أخذ به مالك من
أذانين وإقامتين لوجب المصير إليه لما فيه من إثبات الزيادة، ولكن لا سبيل إلى التقدم بین یدی الله ورسوله ولا إلى
الزيادة على ما صح عنه تربية - انتهى. وقال ابن حزم: وأشد الاضطراب فى ذلك عن ابن عمر فإنه روى عنه من
عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروى عنه أيضا بإقامة واحدة، وروى عنه موقوفاً بأذان واحد وإقامة واحدة ،
وروى عنه مسندا الجمع بينهما بإقامتين، وروى عنه مسندا بأذان واحد وإقامة واحدة - انتهى. وقد ظهر مما ذكرنا من
كلام الزيدى وابن الهمام والطبرى وابن حزم أن الروايات فى هذا الباب مختلفة جدا وقد تقدم وجه التطبيق والجمع
بينها ورجحان وحدة الأذان وتعدد الإقامة فى الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة (ولم يسبح بينهما شيئا) أى لم يصل بين
المغرب والعشاء شيئا من النوافل والسنن. والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح فقيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين.
وقد ورد الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره فى حديث أسامة عند الشيخين وهذا لا ينافى الموالاة. وأما سنة المغرب
٣٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى
أتى المشعر الحرام،
وراتبة العشاء فلم يرد ذكرها فى حديث خلافا لما هو المعتمد عند الحنفية (ثم اضطجع) أى النوم تقوية البدن ورحمة
للأمة، لأن فى نهاره عبادات كثيرة يحتاج إلى النشاط فيها (حتى طلع الفجر) قال فى المواهب وشرحه: وترك عليه
السلام قيام الليل تلك الليلة ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى ما بعد الغروب،
واجتهاده عليه السلام فى الدعاء وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرا لهاوجها
لهما جمع تأخير، ورقد بقية ليلته مع كونه عليه السلام كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما
تقدم فى عرفة من التعب ، وقد قال: إن لجسدك عليك حقا. ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة
« ثلاثا وستين بدنة، وباقى المائة نحره على، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ورجع إلى منى - انتهى. قال القارى: ثم
المبيت عندنا سنة وعليه بعض المحققين من الشافعية، وقيل واجب، وهو مذهب الشافعى، وقيل ركن لا يصح الحج إلا
به كالوقوف بعرفة وعليه جماعة من الأجلة. وقال مالك: النزول واجب والمبيت سنة، وكذا الوقوف بعده
ثم المبيت بمعظم الليل، والصحيح أنه بحضور لحظة بالمزدلفة - انتهى. وقال النووى: المبيت بمز دلفة ليلة النحر بعد الدفع
من عرفات نسك، وهذا مجمع عليه، لكن اختلف العلماء هل هو واجب أم ركز أم سنة؟ والصحيح من قولى الشافعى
أنه واجب ، لو تر کہ اثم وصح حجه ولزمه دم. والثانى أنه سنة لا إثم فی تر که ولا يجب فيه دم ولكن يستحب.
وقال جماعة من أصحابنا: هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات، قاله من أصحابنا ابن بنت الشافعى وأبو بكر
محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقاله خمسة من أئمة التابعين وهم علقمة والأسود والشعبى والنخعى والحسن البصرى،
والله أعلم. والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلى بها الصبح إلا الضعفة، فالسنة لهم الدفع قبل الفجر كما سيأتى فى موضعه
وفى أقل المجزئى من هذا المبيت ثلاثة أقوال عندنا، الصحيح: ساعة فى النصف الثانى من الليل، والثانى: ساعة فى النصف
الثانى أو بعد الفجر قبل طلوع الشمس ، والثالث: معظم الليل (فصلى الفجر حين تبين له الصبح) أى ظهر له. قال
النووى: فيه أن السنة أن يالغ بتقديم صلاة الصبح فى هذا الموضع ويتأكد التبكير بها فى هذا اليوم أكثر من تأكده
فى سائر السنة للاقتداء برسول الله تربية، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فسن المبالغة بالتبكير للصبح ليتسع الوقت
للوظائف (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) زاد فى رواية أبى داود وابن ماجه وابن الجارود والبيهقى «فرقى
عليه، والمشعر بفتح الميم والعين كما فى القرآن، وقيل: بكسر الميم، موضع خاص من المزدلفة، سمى بالمشعر لأنه معلم
المادة، والحرام لأنه من الحرم أو لحرمته. قال النووي: المشعر بفتح الميم هذا هو الصحيح وبه بماء القرآن، وتظاهرت
٣٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
به روايات الحديث، ويقال أيضا بكسر الميم، والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاى وبحاء مهملة وهو جبل
معروف فى المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء فى أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير
والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة - انتهى. وقال الحب الطبرى (ص ١٢٦): فى قوله ((حتى أتى المشعر الحرام.
حجة لمن قال: المشعر الحرام هو الجبل الصغير المعروف بالمزدلفة يقال له قزح، والأفصح فى المشعر فتح الميم، وأكثر
كلام العرب بكسرها ، ولا نعرف الكسر فى القراءة إلا شاذا - انتهى. وقد روى الشيخان من حديث جابر أن النبي
عزّ وقف بالمزدلفة وقال: وقفت ههنا ومزدلفة كلها موقف. وروى أبو داود والترمذى وصححه من حديث على أن
التی مُٹے لما أصبح مجمع أتى قرح فوقف عليه، وقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف. وروى سعيد بن
منصور من حديث ابن عمر: أنه رأى ناسا يزدحمون على الجبل الذى يقف عليه الامام ، فقال: يا أيها الناس! لا تشقوا
على أنفسكم، ألا إن ما مهنا مشعر كله. وعنه قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها ، أخرجه أبو ذر، ذكر هذه الأحاديث
الطبرى (ص ٣٧٩) ثم قال : حديث ابن عمر هذا مصرح بأن المشعر الحرام هو المزدلفة، وكذلك تضمنه كثير من
كتب التفسير فى قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام -٢: ١٩٨) وحديث على وجابر
يدلان على أن قزح هو المشعر الحرام وهو المعروف فى كتب الفقه، فتعين أن يكون فى أحدهما حقيقة وفى الآخر مجازا،
دفعا للاشتراك، إذ المجاز خير منه، فترجح احتماله عند التعارض فيجوز أن يكون حقيقة فى فرح ، فيجوز إطلاقه على
الكل لتضمنه إياه، وهو أظهر الاحتمالين فى الآية، فإن قوله تعالى ((عند المشعر الحرام)» يقتضى أن يكون الوقوف فى غيره
وتكون المزدلفة كلها عنده، لما كانت كالحريم له، ولو أريد بالمشعر الحرام المزدلفة لقال: فى المشعر الحرام، ويجوز أن
يكون حقيقة فى المزدلفة كلها ، وأطلق على قزح وحده تجوزا لاشتمالها عليه، وكلاهما وجهان من وجوه المجاز، أغنى
إطلاق اسم الكل على البعض، وبالعكس، وهذا القائل يقول: حروف المعانى يقوم بعضها مقام بعض، فقامت ((عند)
مقام (فى) ومنه ((ولهم اللعنة)) أى عليهم، وفى الحديث والأثر ما يصدق كل واحد من الاحتمالين، وقزح موضع من
المزدلفة وهو موقف قريش فى الجاهلية، إذ كانت لا تقف بعرفة. وقال الجوهرى: قزح اسم جبل بالمزدلفة. قال الطبرى:
وقد بنى عليه بناء ، فمن تمکن من الرقی علیه رقی، وإلا وص عنده مستقبل القبلة ، فيدعو ویکبر ويهلل ویوحد ویکثر من
التلبية إلى الإسفار ، ولا ينبغى أن يفعل ما تطابق عليه الناس اليوم من النزول بعد الوقوف من درج فى وسطه ضيقة
يزدحم الناس على ذلك حتى يكاد يهلك بعضهم بعضا، وهو بدعة شنيعة بل يكون نزوله من حيث رفيه من الدرج الظاهرة
الواسعة. وقد ذكر ابن الصلاح فى منسكه: أن قزح جبل صغير آخر المزدلفة، ثم قال أى ابن الصلاح بعد ذلك: وقد
استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذى ذكرناه الوقوف على بناء مستحدث فى وسط المزدلفة، ولا تأدی به هذه
٣٥
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا،
السنة، هذا آخر كلامه، والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدم ذكره، ولم أر ما ذكره لغيره - انتهى كلام الطبرى.
(فاستقبل القبلة) يعنى الكعبة (فدعاه) وفى لفظ «حمد الله)) أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن الجارود والبيهقى. قال
المحب الطبرى: يستحب للحاج أن يدعو بدعاء ابن عمر المتقدم فى فصل ركعتى الطواف وبعد السعى ، يريد بذلك ما رواه
أبو ذرعن ابن عمر أنه كان إذا قدم حاجا طاف بالبيت سبوعا ثم صلى ركعتين يطيل فيهما الجلوس فيكون جلوسه أطول
من قيامه لمدحه ربه وطلبه حاجته ، يقول مرارا: اللهم اعصمنى بدينك وطاعتك وطواعية رسولك، اللهم جنبنى
حدودك، اللهم اجعلتى ممن يحبك، ويجب ملائكتك، ويحب رسلك، ويحب عبادك الصالحين. اللهم حينى إليك وإلى
ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهم يسرنى لليسرى، وجنبنى العسرى، واغفرلى فى الآخرة والأولى.
اللهم اجعلنى أوف بعهدك الذى عاهدت عليه واجعلنى من أتمة المتقين ومن ورثة جنة النعيم ، واغفرلى خطيتى يوم الدين،
وكان يقول ذلك على الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وعلى الجمرتين وفى الطواف. قال الطبرى: وفى رواية بعد قوله
((واغفرلى خطيئتى يوم الدين»: اللهم إنك قلت: ادعونى استجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتى للإسلام
فلا تنزعنى منه ولا تنزعه من حتى تتوفانى عليه وقد رضيت عنى ، اللهم لا تقدمنى لعذاب ولا تؤخرنى لستى العيش.
أخرجه سعيد بن منصور، وأخرج مالك طرفا منه، وأخرجه بكماله ابن المنذر (وكبره) أى قال: الله أكبر (وهاله)
أى قال: لا إله إلا الله (ووحده) أى قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ. فالنبي مَثّ أحق من يعمل بقوله
تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم - ٢: ١٩٨﴾ (فلم يزل واقفا) فيه أن الوقوف على قزح
من مناسك الحج وهذا لا خلاف فيه. قال الشاه ولى الله الدهلوى: وإنما شرع الوقوف بالمشعر الحرام لأنه كان أهل
الجاهلية يتفاخرون ويتراؤن فأبدل من ذلك إكثار ذكر اللّه ليكون كابها عن عادتهم ويكون التنويه بالتوحيد فى ذلك
الموطن كالمنافسة ، كأنه قيل: هل يكون ذكركم الله أكثر أو ذكر أهل الجاهلية مفاخرهم أكثر؟ (حتى أسفر جدا) أى
أضاء الفجر إضاءة تامة، فالضمير فى أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولا، وقوله ((جدا) بكسر الجيم أى إسفارا بليغا.
قال المحب الطبرى: هذا كمال السنة فى المبيت بالمزدلفة، وعليه اعتمد من أوجب ذلك. وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن
بها بعد طلوع الفجر لزمه دم إلا لعذر من ضعف أو غيره، فإن كان بها أجزأه وإن لم يكن قبله، وهو ظاهر ما نقله
البغوى عن مالك وأحمد، وفى وجوب المبيت عندنا قولان الأصح وجوبه، والمعتمد فيه أدنى جزء بعد نصف الليل إلى
طلوع الفجر هذا هو المشهور، والشافعى قول آخر «إلى طلوع الشمس، فمن كان بها فيه فلا شئ عليه وإن لم يكن قبله ،
ومن دفع قبله فعليه دم على الأصح - انتهى. وقال ابن عابدين: الوقوف عند المشعر الحرام واجب عندنا لا سنة
٣٦
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، حتى أتى بطن محسر فرك قليلا،
والبيتوتة مز دلفة سنة مؤكدة إلى الفجر لا واجبة خلافا للشافعى فيهما كما فى اللباب (فدفع) أى ذهب إلى منی (قبل أن
تطلع الشمس) هذا صريح فى أنه تمَّم ذهب إلى منى قبل طلوع الشمس، وبه أخذ الجمهور. قال النووى: قال ابن
مسعود وابن عمر وأبو حنيفة والشافعى وجماهير العلماء: لا يزال واقفا فيه يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدا كما فى
الحديث. وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار. وقال الطبرى: قال أهل العلم: وهذه سنة الإسلام أن يدفع من
المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس. قال طاوس: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن
المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثير كيما نغير ، فأخر الله هذه وقدم هذه. قال الشافعى: يعنى قدم
المزدلفة قبل أن تطلع الشمس وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس (وأردف الفضل بن عباس) أى بدل أسامة (حتى أتى
بطن محسر) بضم الميم وفتح الحامو كسر السين المشددة المهملتين، اختلفوا فى محس فقيل: هو وادبين مزدلفة ومن. قال ابن القيم:
ومحسر برزخ بين منى ومز دلفة لا من هذه ولا من هذه. وقيل: ماصب منه فى المزدلفة فهو منها وما صب منه فى متى فهو منها، وصوبه
بعضهم. وقدجاء «ومز دلفة كلها موقف إلا بطن محسر، فيكون على هذا قد أطلق بطن محسر، والمرادمنه ما خرج من مزدلفة،
وإطلاق اسم الكل على البعض جائز مجازاشائعا. وقال الطحاوى: ليس وادى محسر من منى ولا من المزدلفة، فالاستثناء فى قوله
(إلا وادي محسر) منقطع، قال الطبرى: سمى بذلك لأنه حسر فيه قيل أصحاب الفيل أى أعى، وقيل: لأنه يحسر
سالكيهم ويتعبهم ، يقال حسرت الناقة أقعبتها، وأهل مكة يسمون هذا الوادى وادى النار، يقال: إن رجلا اصطاد فيه
فنزلت نار فأحرقته (فحرك قليلا) أى حرك ناقته وأسرع السير قليلا. قال النووى: هى سنة من سنن السير فى ذلك
الموضع. قال أصحابنا: يسرع الماشى ويحرك الرا كب دابته فى وادى محسر ويكون ذلك قدر رمية بحجر - انتهى. قال
الشافعى فى الأم: وتحريكه مَّ الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع. قال الطبرى: وهكذا كل من
خرج من مضيق فى فضاء جرت العادة بتحريكه فيه ، وقيل يجوز أن يكون فعله لأنه ماوى الشياطين. وقيل لأنه كان
موقفا للنصارى فاستحب الاسراع فيه. وقال الأسنوى: وظهر لى معنى آخر فى حكمة الإسراع وهو أنه مكان نزل فيه
العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت فاستحب فيه الإسراع لما ثبت فى الصحيح أمره المار على ديار ثمود
ونحوهم بذلك. قال ابن القيم: وهذه كانت عادته مرتين فى المواضع التى نزل فيها بأس الله بأعدائه وكذلك فعل فى
سلوكه الحجر وديار ثمود، تقنع بثوبه وأسرع السير - انتهى. وقال الشاه ولى الله الدهلوى: إنما أوضع بالمحسر لأنه
محل هلاك أصحاب الفيل فمن شأن من خاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف فى ذلك الموطن ويهرب من الغضب ، ولما
٣٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة ، فرماها
كان استشعاره أمرا خفيا ضبط بفعل ظاهر مذكر له منبه للنفس عليه - انتهى. قال الزرقانى: وهذا الجواب أى ما قاله
الطبرى وابن القيم والأسنوى فى وجه التسمية بمحسر وفى حكمة الإسراع فيه مبنى على قول الأصح خلافه، وهو أن
أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم وإنما أهلكوا قرب أوله. وقال القارى: المرجح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وإنما أصابهم
العذاب قبيل الحرم قرب عرفة فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من ورائهم (ثم سلك الطريق الوسطى) وهى غير طريق ذهابه
إلى عرفات ، وذلك كان بطريق ضب ، وهذا طريق المازمين وهما جبلان. قال النووى: فيه أن سلوك هذا الطريق فى
الرجوع من عرفات سنة وهو غير الطريق الذى ذهب فيه إلى عرفات. وهذا معنى قول أصحابنا يذهب إلى عرفات فى
طریق عب ، ويرجع فى طريق المازمین ليخالف الطریق تغاولا بتغير الحال کما فعل یٹے فى دخول مكة حين دخلها من
الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد فى طريق ورجع فى طريق آخر وحول ردائه فى الاستسقاء
(التى تخرج) وفى رواية النسائى وأبى داود والدارمى وابن ماجه وابن الجارود والبيهقى ((التى تخرجك)) (على الجمرة
الكبرى) قال النووى: الجمرة الكبرى هى جمرة العقبة وهى الجمرة التى عند الشجرة (حتى أتى) عطف على سلك أى حتى
وصل (الجمرة التى عند الشجرة) أى جمرة العقبة ، هذا يدل على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فرماما) أى ضحى كما
فى رواية. اعلم أنه ذكر الغزالى فى الاحياء ما يدل على أن رمى الجمار أمر تعبدى والعقل والنفس معزولان فيه
كغالب أعمال الحجاج ، وهو الذى صرح به العارفون فى كتبهم ، وربما يفهم منه أنه غير معقول المعنى ، وليس إلا التعبد
والتشبه بإبراهيم عليه السلام فقط. قال الزيدى متعقبا على كلام الغزالى: وهو ليس على ظاهره، فإن رمى الجمار
اعتبارا لأهله فى سياقه غموض ودقة، ثم ذكره على سبيل الإجمال. من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى شرح الاحياء.
وقال الشاه ولى الله الدهلوى: والسر فى رمى الجمارما ورد فى نفس الحديث من أنه إنما جعل لإقامة ذكر الله عز وجل،
وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكروأ كملها وأجمعها لوجوه التوقيت أن يوقت بزمان وبمكان ويقام معه ما يكون
حافظا لعدده محققا لوجوده على رؤس الأشهاد حيث لا يخفى شىء، وذكر الله نوعان: نوع يقصد به الاعلان باتقياده
لدين الله، والأصل فيه اختيار مجامع الناس دون الا كثار، ومنه الرمى، ولذلك لم يؤمر بالا كثار هناك، ونوع
يقصد به الصباغ النفس بالتطلع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضا ورد فى الأخبار ما يقتضى أنه سنة منها إبراهيم عليه
السلام حين طرد الشيطان ، ففى حكاية مثل هذا الفعل تنبيه للنفس أى تنبيه - انتهى. قال النووى: فى الحديث أن السنة
للحاج إذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. وأما
حكم الرمى فالمشروع منه يوم النحر رمى جمرة العقبة لا غير بإجماع المسلمين وهو نسك بإجماعهم. ومذهبنا أنه
٣٨
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف،
واجب لیس بر کن، فإن تر کهحتی فاتته أیام الرمی عصی ولزمه دم وصح حجه، وقال مالك يفسد حجه (بسبع حصيات) .
فيه أن الرمى بسبع حصيات. قال النووى: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهن واحدة لم يكفه الست - انتهى.
وعند الحنفية إذا ترك أكثر السبع لزمه دم كما لو لم يرم أصلا ، وإن ترك أقل منه كثلاث فما دونها فعليه لكل حصاة
صدقة ولا يشترط الموالاة بين الرميات بل يسن ويكره تركها. قال النووى: ولا يجوز عند الشافعى والجمهور الرمى
بالكحل والزرنيخ والذهب والفضة وغير ذلك مما يسمى حجرا وجوزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض أى
من جنسها كالحجر والمدر والتين والمغرة، وكل ما يجوز التيمم به (يكبر مع كل حصاة منها) قال النووى: فيه أنه يسن
التكبير مع كل حصاة ، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات فيرميهن واحدة واحدة ، فإن رمى السبعة رمية واحدة
حسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة قوله «يكبر مع كل حصاة، فهذا
قصريح بأنه رمى كل حصاة وحدها مع قوله مَّم فى الحديث الآتى بعد هذا فى أحاديث الرمى («لتأخذوا عني مناسككم،
انتهى. (مثل حصى الخذف) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين. قال فى النهاية: الخذف هو رميك حصاة أو نواة
تأخذها بين سبابتيك وترمى بها. والمراد بيان مقدار الحصى التى يرمى بها فى الصغر والكبر، وفسروا حصى الخذف
بقدر حبة الباقلاء. قال النووي: فيه أن قدر الحصيات بقدر حصى الخذف وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغى أن لا يكون
أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه بشرط كونه حجرا. وقال المحب الطبرى: قال عطاء بن أبي رباح
حصى الخذف مثل طرف الإصبع. وقال الشافعى: هو أصغر من الأنملة طولا وعرضا، ومنهم من قال كقدر النواة
ومنهم من قال بقدر الباقلاء، وفيه تنبيه على استحباب الرمى بذلك - انتهى. وقوله ((مثل حصى الخذف، هكذا فىالمخ
النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند بعض رواة مسلم وكذا رواه أبو داود والبيهقى، ووقع فى أكثر نسخ
مسلم (يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف، أى بغير لفظة مثل، وكذا وقع عند ابن الجارود وكذا نقله المحب
الطبرى. قال الطبي: حصى الخذف بدل من الحصيات. وقال النووى: هكذا هو فى النسخ، وكذا نقله القاضى
عياض عن معظم النسخ. قال: وصوابه «مثل حصى الخذف، قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة
مسلم ، هذا كلام القاضى. قلت: والذى فى النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام إلا
كذلك، ویکون قوله «حصی الخذف، متعلقا بحصیات، أی رماها(پنھع حصیات حصی الخذف یکبر مع كل حصاة،
حصى الخذف متصل بحصيات، واعترض بينهما «يكبر مع كل حصاة، وهذا هو الصواب والله أعلم - انتهى كلام
النووی. قال القارى بعد نقل كلام النووى: وعندى أن اتصال حصی الخذف بقوله مع كل حصاة أقرب لفظا وأنسب
٣٩
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
وهى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر
ما غير، وأشركه فی هديه،
معنى ، ومع هذا الاعتراض ولا تخطئة على إحدى النسختين ، فإن تعلقه بحصاة أو حصيات لا ينافى وجود مثل لفظا أو
تقديرا، غايته أنه إذا كان موجودا فهو واضح معنى وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه أى
كحصى الخذف بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى. فالروايتان صحيحتان، وما سيأتى فى الحديث عن جابر رواه
الترمذى بلفظ «وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف) وروى مسلم عنه بلفظ «رمى الجمرة بمثل حصى الخذف)) يرجع
وجود المثل ويؤيد تقديره، والله تعالى أعلم بالصواب (رمى من بطن الوادي) قال القارى: بدل من قوله ((فرماها، أو
استيناف مبين وهو الأظهر. قال النووى: فيه أن السنة أن يقف للرمى فى بطن الوادى بحيث يكون منى وعرفات
والمزدلفة عن يمينه ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذى جاءت به الأحاديث الصحيحة ، وقيل يقف مستقبل الكعبة
وكيفما رمى أجزأه (ثم انصرف) أى رجع عن جمرة العقبة (إلى المنحر) بفتح الميم أى موضع النحر، قال الزرقانى:
موضع معروف بمنى وكلها منحر كما فى الحديث، قال ابن التين: منحر النبي رؤيتهم عند الجمرة الأولى التى تلى المسجد ،
فلنحر فيه فضيلة على غيره، لقوله ((هذا المنحر وكل منى منحر)) وقال عياض: فيه دليل على أن المنحر موضع معين من
منى. وحيث يذبح منها أو من الحرم أجزأه (فنحر ثلاثا وستين بدنة يده) قال القارى: الظاهر أن لفظ المشكاة جمع
بين الروايتين، فإن الرواية الصحيحة ((ثلاثا وستين بيده)) بدون لفظة بدنة، قال النووي: هكذا هو فى النسخ ثلاثا وستين
بيده، وكذا نقله القاضى عن جميع الرواة سوى ابن ماهان، فإنه رواه بدنة. قال: وكلاهما صواب ، والأول أصوب.
قلت: وكلاهما حرى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده. وقال المحب الطبرى: قوله «ثلاثا وستين بيده، فيه دليل على استحباب
ذبح المرأ نسيكته بيده، وعند ابن ماهان بدنة مكان بيده ، وكل صواب، وبيده أصوب ، لقوله ،ثم أعطى عليا فنحر ما
غير)) ويجوز أن يقال بدنة أصوب لأن قوله ((بيده)) لا يفيد أن المنحور بدن أو غيرما بخلاف قوله بدئة، وإسناد الفعل
إليه يفيد أنه فعل بنفسه من حيث الظاهر فلا حاجة إلى قوله بيده، وذكر بعض أهل المعانى أن نحر النبي ◌َّ ثلاثا
وستين بيده إشارة إلى منتهى عمره، ويكون قد أهدى من كل عام بدنة - انتهى. وقال الشاه ولى الله الدملوى: إنما
نحر بيده هذا العدد ليشكر ما أولاه الله فى كل سنة من عمره ببدنة (ثم أعطى) أى بقية البدن (عليا فنحر) أى على
(ما غير) بفتح المعجمة والموحدة وبالراء أى ما بقى من المائة (وأشركه) أى النبي مَّ عليا (فى هديه) أى فى نفس
الهدى، ويحتمل أنه أشركه فى نحره، قال النووى: ظاهره أنه شاركه فى نفس الهدى ، قال القاضى عياض: وعندى أنه
لم يكن تشريكا حقيقة بل أعطاه قدرا يذبحه ـ انتهى. وفيه جواز الاستنابة فى ذبح الهدى، وذلك جائز بالإجماع إذا