النص المفهرس

صفحات 461-480

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
عليه العمرة وقد تقدم أنهم أجابوا عن ذلك بأنه خاص بالنبي مَّم لضرورة الاعتمار حينئذ فى أشهر الحج، ولا يخفى ما فيه.
واعلم أنهم بعد ما أجمعوا على جواز الاحرام بأى الأنساك الثلاثة شاء، اختلفوا فى أفضلها قال ابن قدامة : اختلفوا
فى أفضلها، فاختار إمامنا التمتع ثم الإفراد ثم القران ، وروى المروزى عن أحمد: إن ساق الهدى فالقران أفضل ، وإن
لم يسقه فالتمتع أفضل، وذهب أصحاب الرأى إلى اختيار القران، وذهب مالك إلى اختيار الافراد، وهو ظاهر مذهب
الشافعى - انتهى مختصرا. وقال ابن القيم بعد ذكر رواية المروزى عن أحمد: فمن أصحابه من جعل هذه رواية ثانية ،
ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة ، وأنه إن ساق الهدى فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل ، وهذه طريقة
شيخنا، وهى التى تلقى بأصول أحمد - انتهى. قلت: والمرجح فى فروع الحنابلة كون التمتع أفضل مطلقا، وحكى
النووى للإمام الشافعى ثلاثة أقوال ثم قال: والصحيح تفضيل الافراد ثم التمتع ثم القران وهكذا فى عامة فروع
الشافعية ، لكن أفضلية الإفراد عندهم مشروطة بأن يعتمر بعده فى هذه السنة ، وإلا فهما أفضل منه، كما صرح بذلك غير
واحد من الشافعية فى كتب فروعهم. قال النووى فى مناسكه: القران أفضل من إفراد الحج بغير أن يعتمر بعده - انتهى.
وقال الولى العراقى: ذهب القاضى حسين والمتولى من الشافعية إلى ترجيح الافراد على التمتع والقران ولو
لم يعتمر فى تلك السنة ولكن الأكثرون على أن شرط تفضيله عليهما أن يعتمر من سنته ، فلو أخر العمرة عن تلك السنة
فكل منهما أفضل منه للإتيان فيهما بالفسكين، وذكر النووى أن ما قالاه شاذ ضعيف - انتهى. والمختار عند المالكية أن
الإفراد أفضل مطلقائم القران ثم التمتع. واشتراط الاعتمار فى أفضلية الإفراد قول ضعيف، والمعتمد عندهم أن الافراد
أفضل ولو لم يعتمر بعده، وأما الحنفية فلهم قول واحد وهو أفضلية القران ثم التمتع ثم الإفراد. وقال المحب الطبرى:
، فقال مالك
قد اختلف الأئمة فى أى الوجوه الثلاثة أفضل، ومنشأ اختلافهم ما تقدم من اختلاف الروايات فى فعله :
والشافعى: الافراد أفضل، وقال أحمد وإسحاق وأهل الظاهر: التمتع أفضل، وقال أبو حنيفة: القران أفضل، وبه
قال أهل التحقيق من المحدثين والأئمة الحفاظ وهو المختار، انتهى مختصرا. وقال الولى العراقى: اختلف العلماء فى
أفضل وجوه الاحرام بحسب اختلافهم فيما فعله النبي مَثل عام حبة الوداع على أقوال أحدها: أن الأفضل الإفراد،
وهو مذهب مالك والشافعى ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وجابر وعائشة وأبى ثور، وحكاه النووى فى شرح المهذب
عنهم، وعن عمر وعثمان وعلى وابن مسعود والأوزاعى وداود. قال المالكية والشافعية: ثم الأفضل بعد الافراد
التمتع ثم القران. الثانى: أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل. قال ابن قدامة فى المغنى: ومن روى عنه
اختيار التمتع ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم
وعكرمة، وهو أحد قولى الشافعى، وحكاه الترمذى عنه وعن أحمد وإسحاق وأهل الحديث. قال الحنابلة: ثم الأفضل
٤٦١

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
بعد التمتع الافراد ثم القران، الثالث: أن القرآن أفضل، وهذا قول أبى حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن سفيان
الثورى وإسحاق بن راهويه، ثم قال: لا شك أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنا - انتهى. وهو قول الشافعى، وقال
به من أصحابنا المزنى وأبو إسحاق المروزى ، وإليه ذهب ابن حزم الظاهرى والمشهور عند الحنفية أن الأفضل بعد القرآن
التمتع ثم الإفراد، وعن أبى حنيفة أن الافراد أفضل من التمتع، الرابع: أنه إن ساق الهدى فالقرآن أفضل، وإن
لم يسقه فالتمتع أفضل، حكاه المروزى عن أحمد بن حنبل. قلت: واختاره من الحنفية القاضى ثناء الله الفانى فتى حيث
قال فى تفسيره ((المظهرى)): التحقيق أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا، وأن القران أفضل من التمتع إن ساق الهدى،
والتمتع أفضل إن لم يسق الهدى، وكل منهما أفضل من الإفراد - انتهى. الخامس: أن الأنواع الثلاثة
سواء فى الفضيلة لا فضيلة لبعضها على بعض ، حكاه القاضى عياض عن بعض العلماء. قال الحافظ فى الفتح: وهو
مقتضى تصرف ابن خزيمة فى صحيحه. السادس: أن التمتع والقران سواء فى الفضل، وهما أفضل من الافراد حكى
عن أبى يوسف - انتهى. وقد ظهر من كلام الطبرى والولى العراقى أن منشأ اختلافهم فى أفضل الوجوه الثلاثة
ومناطه هو اختلافهم فى إحرامه ◌َّي، وهكذا ذكر غير واحد من شراح الحديث ومحقق الفقهاء، وقيل بعكس ذلك
بأن ترجيحهم فى إحرامه وحجه مَّه مبنى على ما تحقق عندهم من أفضليته، لكن الصواب أنه ليس بمطرد عندهم. قال
النووى: أما حجة النبي ◌َّ فاختلفوا فيها هل كان مفردا أو متمتعا أو قارنا؟ وهى ثلاثة أقوال العلماء بحسب مذاهبهم
السابقة وكل رجحت نوعا وادعت أن حجة النبي مؤثّ كانت كذلك، والصحيح أنه تمَّ كان أولا مفردا ثم أحرم
بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنا ۔ انتھی. فهذا کما تری قد صحح کونه ڑٹے قارنا انتهاء، وصح فى بيان
المذاهب أفضلية الإفراد على غيره، وكذا اختار القاضى عياض والحافظ وغيرهما أنه تمَّ أفرد أولا ثم أدخل العمرة عليه
فصار قارنا. واختار الخطابى فى المعالم عكسه فقال بعد ذكر حديث حفصة أنها قالت «يا رسول الله ما شأن الناس
حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال (( إنى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر)) فثبت أنه كان هناك عمرة إلا أنه
أدخل عليها الحج قبل أن يقضى شيئا من عمل العمرة فصار فى حكم القارن. وقال فى الروض المربع من فقه الحنابلة:
قال أحمد: لا شك أنه مَّ كان قارنا والمتعة أحب إلى. وقد اختلفت روايات الصحابة فى حجه مر ◌ّ حجة الوداع
هل كان مفردا أو قارنا أو متمتعا، وروى كل منها فى الصحيحين وغيرهما، واختلف الناس فى ذلك وفى إحرامه مرّة
على أقوال، أحدها: أنه حج مفردا لم يعتمر معه، حكى هذا عن الإمام الشافعى وغيره. قال القسطلانى فى
المواهب: والذى ذهب إليه الشافعى فى جماعة أنه مَّ حج مفردا، وحكاه الزرقانى فى شرح المواهب عن الإمام مالك،
وحكى عن الشافعى وغيره أن نسبة القرآن والتمتع إليه مرّ على سبيل الاتساع لكونه أمربهما - انتهى، وبه جزم الخطابى
٤٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
حيث قال: اختلفت الرواية فيما كان التى تَوَُّ به محرما، والجواب عن ذلك أن كل راو أضاف إليه ما أمر به اتساعا،
ثم رجح أنه كان أفرد الحج. قال الحافظ فى الفتح: هذا هو المشهور عند الشافعية والمالكية وقد بسط الشافعى القول
فيه فى اختلاف الحديث وغيره - انتهى. ومقتضى هذا القول أنه مَّ لبي بالحج وحده واستمر عليه. الثانى: أنه
لبي بالعمرة وحدها واستمر عليها حتى فرغ منها ثم أحرم بعد ذلك بالحج فكان متمتعا وكان حجه حج تمتع ، قاله
القاضى أبو يعلى وغيره. الثالث: أنه حج متمتعا تمتعا لم يحل فيه لأجل سوق الهدى ولم يكن قارنا، حكاه ابن القيم عن
صاحب المغنى وغيره، ومقتضى هذا أنه أحرم بالعمرة وحدها واستمر عليها حتى حل يوم النحر. الرابع: أنه لبي
بالحج وحده وحج مفردا واعتمر بعده من التنعيم. قال ابن تيمية: وهذا غاط لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين
ولا الأئمة الأربعة ولا أحد من أهل الحديث - انتهى. وقال ابن القيم: الذين قالوا إنه حج مفردا ، اعتمر عقيبه من
التنعيم لا يعلم لهم عذر ألبتة إلا أنهم سمعوا أنه تمَّ أفرد الحج، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم فتوهموا أنه
فعل كذلك. الخامس: أنه لي بالحج مفردا ثم أدخل عليه العمرة وصار قارنا فكان مفردا ابتداء وقارنا انتهاء،
وبه جزم عامة محقق الشافعية وبعض المالكية. قال النووى فى شرح المهذب: والصواب الذى نعتقده أنه مؤثّ أحرم
بالحج أولا مفردا ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنا، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى
الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبى مَثّم تلك السنة للحاجة - انتهى. واختاره القاضى عياض إذ قال: أما إحرامه مَ لَّه بنفسه
فأخذ بالأفضل فأحرم مفردا للحج، تضافرت به الروايات الصحيحة، وأما رواية من روى أنه كان متمتعا فمعناه أمر به،
وأما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله لا عن ابتداء إحرامه، لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى
الوادى وقيل له قل عمرة فى حجة - انتهى. قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديما ابن المنذر ومهده
المحب الطبرى (فى القرى ص ٨٦ - ١٠٠) تمهيدا بالغا يطول ذكره، ومحصله أن كل من روى عنه الافراد حمل على ما أهل به فى
أول الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القران أراد ما استقر عليه أمره. السادس:
أنه لبى بالعمرة وحدها ثم لم يتحلل منها إلى أن أدخل عليها الحج يوم التروية فصار قارنا، حكاه الحافظ عن الطحاوى
وابنحبان، السابع : أنه أحرم إحراما مطلقا لم یعین فیه نسكا ثم عينه بعد ، رجحه الشافعی فی اختلاف الحديث ، کما قال
الحافظ فى الفتح. وقال الولى العراقى: قال القاضى وقال بعض علمائنا: إنه أحرم إحراما مطلقا منتظرا ما يؤمر به من
إفراد أو تمتع أو قران ثم أمر بالحج ثم أمر بالعمرة فى وادى العقيق بقوله ((صل فى هذا الوادى وقل عمرة فى حجة، ثم قال
القاضى فى موضع آخر بعد ذلك: لا يصح قول من قال: أحرم النبي مَّ إحراما مطلقا مبهما. لأن رواية جابر وغيره من
"صحابة فى الأحاديث الصحيحة ترده وهى مصرحة بخلافه -انتهى. الثامن: أنه لى بالحج والعمرة معا وكان قارنا من أول
٤٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
الأمر ، وحقق هذا القول ابن الهمام فى شرح الهداية، وابن القيم فى الهدى ، وأجابا عن كل ما خالفه فعليك أن ترجع
إليهما، وهذا القول هو الحق والصواب عندنا، قال ابن القيم: والصواب أنه أحرم بالحج والعمرة معا من حيث أنشأ
الاحرام ولم يحل حتى حل منهما جميعا كما دلت عليه النصوص المستفيضة التى تواترت تواترا يعلمه أهل الحديث - انتهى. وإليه
مال ابن حزم الظاهرى فى كتابه ((حجة الوداع، وتأول باقى الأحاديث إليه كما حكاه النووى والولى العراقى، ثم إنه
اختلف من قال إنه حج قارنا ، فقال الحنفية: إنه طاف له طوافين وسعى سعيين، وقال الامام أحمد ومن وافقه: إنه
طاف طوافا واحدا وسعياً واحدا، وقد بسط ابن القيم الكلام فى إثبات هذا القول أشد البسط وهذا القول هو الراجح
المعول عليه عندنا قال الولى العراقى فى شرح التقريب والسيوطى فى التنوير: قال القاضى عياض: قد أكثر الناس
الكلام على هذه الأحاديث أى المختلفة فى إحرامه وحجته مثله، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف ، ومن مطيل
مكثر ، ومن مقتصر مختصر، وأوسعهم فى ذلك نفسا أبو جعفر الطحاوى الحنفى، فإنه تكلم فى ذلك فى زيادة على ألف
ورقة وتكلم معه فى ذلك أبو جعفر الطبرى ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة، ثم المهلب والقاضى أبو عبد الله بن المرابط
والقاضى أبو الحسن بن القصار والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم وأولى ما يقال فى هذا على ما لخصناه من كلامهم
واخترناه من اختياراتهم ما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الحديث أن النبي تؤثّ أباح الناس فعل هذه الأنواع الثلاثة
لدل على جواز جميعها إذ لو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزئى فأضيف الجميع إليه وأخبر كل واحد بما أمر به
وأباحه و نسبه إلى النبي ◌ُٹے إما لأمره به أو تأويله عليه ۔ انتھی. وقد سبق بهذا الجمع الخطابی كما تقدم وزاد: وقد
يحتمل ذلك وجها آخر ، وهو أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحج، لحكى أنه أفردها، وخفى عليه قوله ((وعمرة)، فلم
يحك إلا ما سمع وهو عائشة ووعى غيره الزيادة فرواها وهو أنس حين قال: سمعت النبي ◌َّ يقول: ليك بحجة
وعمرة، ولا تنكر الزيادات فى الأخبار كما لا تتنكر فى الشهادات، وإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد نافيا لقول
صاحبه، وأما إذا كان مثبتا له ويزائدا عليه، فليس فيه تناقض ولا تدافع - انتهى. وجميع الحنفية كابن الهمام
وابن نجيم وغيرهما بين هذه الروايات بأن سبب رواية الافراد سماع من رأى تلبيته بالحج وحده ورواية التمتع سماع من
سمعه يلى بالعمرة وحدها ، ورواية القران سماع من سمعه يلي بهما ، وهذا لأنه لا مانع من إفراد ذكر نسك فى التلية
وعدم ذكر. شئ أصلا، وجمعه أخرى بنية القران - انتهى. وقال الأبى فى الاكمال: اختلفت الرواة فى صفة حجه
مَّ وطعن بعض الملحدة بذلك فى الوثوق بنقل الصحابة، قال: لأن القضية واحدة واختلفوا فى نقلها اختلافا متضادا
وذلك يؤدى إلى الخلف فى خبرهم وعدم الوثوق بنقلهم ، وقد أكثر الناس من الكلام على هذه الأحاديث وأوسعهم فى
ذلك نفسا الطحاوى، والمتحصل من جواباتهم ثلاثة الأول: أن الكذب إنما يدخل فيما طريقه النقل لا فيما طريقه النظر
٤٦٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
فأما من أهل بعمرة لحل،
والاستدلال، وإنما استدلوا بما ظهر من فعله يعنى أن التكاذب فيما طريقه النقل، ولم يقولوا: إن النبي ◌َثم قال لهم إنى
فعلت كذا ، وإنما استدلوا على نيته وقصده بما ظهر من أفعاله، وهذا موضع تأويل يجوز فيه الغلط والخطأ ، فإذا إنما
وقع فيما طريقه النظر والاستدلال لا النقل. الثانى: يصح أن يكون أمر بعض أصحابه بالافراد وبعضهم بالقرآن وبعضهم
فالتمتع، ليدل على جواز الجميع فأضاف النقلة ذلك إلى فعله كما يقال قطع الأمير اللص. والثالث: يصح أن يكون
قارنا إلا أنه فرق بين زمن إحرامه بالعمرة وبين زمانه بالحج فسمعت طائفة قوله الأول وطائفة الثانى وطائفة القولين
فروت كل واحدة بما سمعت - انتهى مختصرا (فأما من أهل بعمرة خل) لما وصل مكة وأتى بأعمالها وهى الطواف
والسعى والحلق أو التقصير وهذا مجمع عليه فى حق من لم يسق معه هديا ، أما من أحرم بعمرة وساق معه الهدى فقال
مالك والشافعى وجماعة هو كذلك ، قال النووى فى مناسكه: المتمتع هو الذى يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها
ثم ينشئى الحج من مكة سمى متمتعا لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة فإنه يحل له جميع المحظورات إذا
فرغ من العمرة سواء كان ساق هديا أو لم يسق - انتهى. وقال الأبى فى الا كمال: إن المعتمر إذا فرغ من عمرته حل
ثم ينشئ الحج من عامه وإن كان معه الهدى فكذلك عند مالك والشافعى قياسا على من ليس معه هدى - انتهى. وقال
أبو حنيفة وأحمد وجماعة : لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. قال صاحب الهداية فى المتمتع الذى ساق الهدى:
إذا دخل مكة طاف وسعى ، وهذا للعمرة على ما بينا فى متمتع لا يسوق: "هدى إلا أنه لا يتحلل حتى يحرم بالحج يوم
التروية ، لقوله عليه السلام: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة وتحللت منها. وهذا ينفى
التحلل عند سوق الهدى - انتهى. قال الحافظ فى الدراية: رواه مسلم فى حديث جابر الطويل، وفى الصحيحين عن
أفس ((لولا أن معى الهدى لأحللت)) - انتهى. وقال ابن قدامة فى المغنى (ج ٣: ص ٣٩١): أما من معه هدى
(أى المتمتع الذى ساق الهدى) فليس له أن يتحلل لكن يقيم على إحرامه ويدخل الحج على العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما
جميعا، نص عليه أحمد وهو قول أبى حنيفة ... وقال مالك والشافعى: له التحلل ونحر هديه، ويستحب نحره عند المروة .
ولنا حديث ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول اللّه ◌َيثه، فلما قدم مكة قال للناس: من كان معه هدى فإنه لا يحل من
شئى حرم عليه حتى يقضى حجه ، ومن لم يكن معه هدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ، وروت عائشة
قالت: خرجنا مع رسول اللّه تَّ فى حجة الوداع-الحديث. وفيه قوله مرَّه ((من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة
ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا)). وعن حقصة أنها قالت : يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل من
عمرتك؟ قال إنى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر. متفق عليه. والأحاديث كثيرة أى فى هذا المعنى
(وقال الحافظ: الأحاديث بذلك متظافرة) وذكر ابن قدامة روايتين أخربين لأحمد ثم قال: والرواية الأولى أولى لما
٤٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. متفق عليه.
٢٥٧٠ - (٧) وعن ابن عمر، قال: تمتع رسول اللّه وَيضى فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، بدأ
فيها من الحديث الصحيح الصريح - انتهى. وفى الروض المربع: ثم إن كان متمتعا لا هدى معه قصر من شعره وتحلل
لأنه تمت عمرته، وإن كان معه هدى لم يقصر وحل إذا حج، فيدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا
وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك فى باب قصة حجة الوداع (وأما من أهل بالحج) أى مفردا وأهدى (أو جمع الحج والعمرة)
قارنا (فلم يحلوا) بفتح الياء وضمها وكسر الحاء، يقال: حل المحرم وأحل بمعنى واحد أى لم يخرجوا من الاحرام
(حتى كان يوم النحر) أى فحلوا ، قال القارى: ففى يوم النحر برميهم جمرة العقبة والحلق حل لهم كل المحظورات إلا
مباشرة النساء فحل لهم ذلك بطواف الركن ـ انتهى. وما ذكر فى الحديث من أن من أهل بالحج مفردا إنما حل يوم
النحر، هو محمول على من أهل بالحج وأهدى، وإلا فمن كان أهل بالحج ولم يهد أمره رسول الله عزَّمِ أن يفسخه إلى
العمرة ففي رواية الأسود عن عائشة عند البخارى قالت: خرجنا مع النبي ◌ُّ ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا أى مكة
تطوفنا بالبيت فأمر النبي مَّم من لم يكن ساق الهدى أن يحل ، فحل من لم يكن ساق الهدى - الحديث. قال الحافظ:
قوله ((أن يحل، أى من الحج بعمل العمرة، وهو فسخ الحج - انتهى. وعلى هذا يحمل ما وقع فى رواية عقيل عن
الزهرى فى الصحيحين ((فقال رسول اللّه ◌َؤالقي: من أحرم بعمرة ولم يهد فظيحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى
ينحر هديه، ومن أهل بحمج (أى وأهدى) فظيتم حجه، وإنما حملنا الحديث على ذلك لأن ظاهره مخالف الأحاديث فسخ
الحج ، وعلى هذا لا يحتاج إلى تغليط الرواية وإسقاطها كما ذهب إليه ابن القيم فتأمل، وقال الشنقيطى فى «أضواء البيان»:
دعوى من ادعى أنه لم يحل بعمرة من أصحاب النبي تَوِّم فى حجة الوداع إلا من أحرم بالعمرة وحدها ، وأن من أحل
بحج أو جمع الحج والعمرة لم يحل أحد منهم حتى كان يوم النحر ، دعوى باطلة ، لأن الروايات الصحيحة التى لا مطعن
فيها عن جماعة من أصحاب النبي مَثّ متظاهرة بكل الوضوح والصراحة أن النبي مُؤثّم أمر كل من لم يكن معه هدى أن
يحل بعمرة سواءكان مفردا أو قارنا، ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة مو ما أخرجه مسلم فى صحيحه فذ کر حديث
عائشة الذى نحن فى شرحه، ثم قال: لأن الذين لم يحلوا من القارنين والمفردين فى هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجب
حملهم على أن معهم الهدى لأجل الروايات الصحيحة المصرحة بذلك وبأن من لم يكن معه هدى فسخوا حجهم فى عمرة بأمر
التى مَبِّه - انتهى (متفق عليه) وأخرجه أيضا مالك وأبو داود والبيهقى (ج ٥: ص ١٠٩، ١١٠).
٢٥٧٠ - قوله (تمتع رسول الله تؤثر فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) أى استمتع بالعمرة منضمة إلى الحج
وانتفع بها، قال القارى: قوله ((إلى الحج)، حال من («العمرة) أى تمتع بها منضمة إلى الحج (بدأ) أى ابتدأ النسك
٤٦٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج.
(فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) بان لقوله: تمتع، وظاهره أنه أدخل الحج على العمرة، وقال السندى: إن التمتع عند
الصحابة كان شاملا للقران أيضا ، وإطلاقه على ما يقابل القران اصطلاح حادث، وقد جاء أن النبى مزيّ كان قارنا ،
فالوجه أن يراد بالتمتع ههنا فى شأنه مَختم القران توفيقا بين الأحاديث، والمعنى: انتفع بالعمرة إلى أن حج مع الجمع
بينهما فى الاحرام ، ومعنى قوله: بدأ بالعمرة أنه قدم العمرة ذكرا فى التلبية فقال لبيك عمرة وحجا - انتهى. وقال القاضى
قوله: تمتع رسول اللّه ◌َبّر، إلخ هو محمول على التمتع اللغوى وهو القران آخرا، ومعناه أنه من لم أحرم أولا بالحج مفردا
ثم أحرم بالعمرة فصار قارنا فى آخر أمره. والقارن هو متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى ، لأنه ترفه باتحاد الميقات
والاحرام والفعل ، ويتعين هذا التأويل هنا للجمع بين الأحاديث فى ذلك، قلت : الحديث مشكل على من ذهب إلى أنه
مرَّيّ كان مفردا أولا وآخرا ولم يكن متمتعا ولا قارنا، فقال المهلب لدفع هذا الإشكال أن قوله «تمتع رسول الله ێے،
إلخ. معناه أمر بذلك لأنه كان ينكر على أنس قوله إنه قرن ويقول: إنه كان مفردا، وأما قوله «بدأ فأهل بالعمرة)، فمعناه
أمرهم بالتمتع وهو أن يهلوا بالعمرة أو لا ويقدموها قبل الحج، قال: ولابد من هذا التأويل لدفع التناقض عن ابن عمر
وقال ابن المنير: إن حمل قوله ((تمتع، على معنى (أمر)) من أبعد التاويلات، والاستشهاد عليه بقوله ((رجم، وإنما أمر بالرجم
من أوهن الاستشهادات، لأن الرجم وظيفة الإمام والذى يتولاه إنما يتولاء نيابة عنه، وأما أعمال الحج من إفراد وقران
وتمتع فانه وظيفة كل أحد عن نفسه، ثم أجاز تأولا آخر وهو أن الراوى عهد أن الناس لا يفعلون إلا کفعله لا سيما
مع قوله ((خذوا عنى مناسككم، فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظن أنه تمَّ تمتع فأطلق ذلك، قال الحافظ: ولا يتعين هذا
أيضا بل يحتمل أن يكون معنى قوله . تمتع، محمولا على مدلوله اللغوى وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى
ميقاتها وغيره. قال النووى: إن هذا هو المتعين. قال: وقوله ((بالعمرة إلى الحج)) أى بإدخال العمرة على الحج - انتهى.
والحديث مشكل أيضا على من قال إنه مَّه كان مفردا فى أول الأمر ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنا. قال
الحافظ: وإنما المشكل هنا قوله: فبدأ بالعمرة ثم أهل بالحج، لأن الجمع بين الأحاديث الكثيرة فى هذا الباب استقر كا
تقدم على أنه بدأ أولا بالحج ثم أدخل عليه العمرة وهذا بالعكس، وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال، أى لما
أدخل العمرة على الحج لبي بهما فقال لبيك بعمرة وحجة معا وهذا مطابق لحديث أنس المتقدم ، لكن قد أنكر ابن عمر
ذلك على أنس فيحتمل أن يحمل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنه رؤيتم جمع بينهما أى فى ابتداء الأمر ، ويعين هذا
التأويل قوله فى نفس الحديث «وتمتع الناس، إلخ. فإن الذين تمتعوا إنما بدأوا بالحج، ولكن فسخوا حجهم إلى العمرة
حتى حلوا بعد ذلك بمكة ثم حجوا من عامهم - انتهى. وقال القاضى: قوله مبدأ رسول اللّه تربية، إلخ. محمول على
التلبية فى أثناء الإحرام وليس المراد أنه أحرم فى أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج ، لأنه يفضى إلى مخالفة الأحاديث
٤٦٧
٠

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
متفق عليه .
الفصل الثانى ).
٢٥٧١ - (٨) عن زيد بن ثابت، أنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم تجرد لا هلاله واغتسل.
فوجب تأويل هذا على موافقتها ويؤيد هذا التأويل قوله «وتمتع الناس، إلخ. ومعلوم أن كثيرا منهم أو أكثرهم أحرموا
بالحج أولا مفردا وإنما فسخوه إلى العمرة آخرا فصاروا متمتعين، فقوله «تمتع الناس، يعنى فى آخر الأمر. وسيأتى
مزيد الكلام فى ذلك فى شرح حديث ابن عمر فى باب قصة حجة الوداع إن شاء اللّه تعالى (متفق عليه) وأخرجه أيضا
أبو داود والنسائى والبيهقى (ج ٥ : ص ١٧).
٢٥٧١ - قوله (تجرد) أى عن الخيط، وليس إزارا ورداء، قاله القارى (لا هلاله) أى لاحرامه، قال الراغب:
الإهلال رفع الصوت عند روية الهلال ثم استعمل لكل صوت وبه شبه إهلال الصبى، ومنه الاهلال بالحج، وقال
الحافظ: أصله رفع الصوت لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام ، ثم أطلق على نفس الاحرام اتساعا
(واغتسل) أى للاحرام، قال الشوكانى: الحديث يدل على استحباب الغسل عند الاحرام، وإلى ذلك ذهب الأكثر ،
وقال الناصر: إنه واجب ، وقال الحسن البصرى ومالك: محتمل - انتهى. قيل: والحكمة فى الاغتسال عند الاحرام هى
التنظيف وقطع الرائحة الكريهة ودفع أذاها عن الناس، وقيل: الحكمة فيه أنه لا زالة التفث الذى يكون على الإنسان حتى
يأتى قفل الحج مفردا عما كان قبله فتفل الحاج كخلوف فم الصائم. قال ابن قدامة فى المغنى (ج ٣: ص ٢٧١): من
أراد الاحرام استحب له أن يغتسل قبله فى قول أكثر أهل العلم منهم طاوس والنخعى ومالك والثورى والشافعى
وأصحاب الرأى، لما روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى النبي مؤلّم تجرد لإهلاله واغتسل. رواه الترمذى
وقال حديث حسن غريب، وثبت أن النبي يَؤّم أمر أسماء بنت عميس وهى نفساء أن تغتسل عند الاحرام، وأمر عائشة
أن تغتسل عند الإهلال بالحج وهى حائض، ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس فسن لها الاغتسال كالجمعة ، وليس ذلك
واجبا فى قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاحرام جائز بغير اغتسال، وأنه غير واجب
وحكى عن الحسن أنه قال: إذا نسى الغسل يغتسل إذا ذكر. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، قيل له عن بعض أهل
المدينة، من ترك الغسل عند الاحرام فعليه دم، لقول النبي مَوّن لأسماء وهى نفساء («اغتسلى)) فكيف الطاهر؟ فأظهر
التعجب من هذا القول، وكان ابن عمر يغتسل أحيانا ويتوضأ أحيانا ، وأى ذلك فعل أجزأه ولا يجب الاغتسال ولا
فقل الأمر به إلا لحائض أو نفساء، ولو كان واجبا لأمر به غيرهما، ولأنه لأمر مستقبل فأشبه غسل الجمعة - انتهى.
وقال الأبى فى الاكمال: فى الحج ثلاث اغتسالات للاحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة (كما روى عن ابن عمر أنه
كان يغتسل لاحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية عرفة) وأطلق مالك على جميعها الاستحباب وهى عندنا
٤٦٨

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
رواه الترمذى، والدارمى.
سنة مؤكدة وآكدها عندنا وعند الشافعى ما للاحرام لأمره مرثية به - انتهى. وقال الزرقانى: الغسل للاحرام سنة
مؤكدة عند مالك وأصحابه لا يرخص فى تركه إلا لعذر، وهو آكد اغتسالات الحج. وقال ابن خويرز منداد :
إنه آ كد من غسل الجمعة ، وأوجبه أهل الظاهر والحسن وعطاء فى أحد قوليه على مريد الاحرام طاهرا أم لا - انتهى.
وفى الشرح الكبير الدردير: السنة لمريد الاحرام ولو صبيا أو حائضا أو نفساء غسل متصل بالاحرام، فلو اغتسل غدوة
وأحرم وقت الظهر لم يجزه ولا يضر الفصل لشدر حاله وإصلاح جهازه، ولا دم فى تركه عمدا وقد أساء أى ارتكب مكروها .-
انتهى. وقال القارى فى شرح المناسك: يغتسل (أى مريد الاحرام) بسدر ونحوه أو يتوضأ، والغسل أفضل لأنه سنة مؤكدة
والوضر يقوم مقامه فى إقامة السنة المستحبة لا السنة المؤكدة، وفيه إشارة إلى أن التيمم لا يقوم مقام الغسل مطلقا - انتهى.
وذكر ابن عابدين الاختلاف فيما بينهم فى أن التيمم يجرى أملا؟ ومنشأه الاختلاف فى أن غسل الاحرام للطهارة فيقوم
مقامه، أو للنظافة فلا ، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٧٢): إن لم يجد ماء لم يسن له التيمم. وقال القاضى: يتيمم لأنه
غسل مشروع ، فناب عنه التيمم كالواجب ، ولنا أنه غسل مسنون فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة ونحوه من
الأغسال المسنونة. والفرق بين الغسل الواجب والمسنون أن الواجب يراد لا باحة الصلاة، والتيمم يقوم مقامه فى
ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة ، والتيمم لا يحصل هذا بل يزيد شعثا وتغيرا ، ولذلك افترقا فى الطهارة
الصغرى فلم يشرع تجديد التيمم ولا تكرار المسح به ـ انتهى. وفى الروض المربع من فقه الحنابلة: سن لمريده غسل
ولو حائضا ونفساء أو تيمم لعدم الماء أو لنحو مرض - انتهى. وهكذا فى شرح الإقناع (رواه الترمذى) وقال هذا
حديث حسن غريب (والدارمى) كلاهما من طريق عبد الله بن يعقوب المدنى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن
خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه ، وعبد الله بن يعقوب قال الذهبي عنه: لا أعرفه. وقال الحافظ : مجهول الحال.
قال ابن القطان فى كتابه: وإنما حسنه الترمذى ولم يصححه للاختلاف فى عبد الرحمن بن أبى الزناد، والراوى عنه عبد الله بن
يعقوب المدنى أجهدت نفسى فى معرفته فلم أجد أحدا ذكره - انتهى. كذا فى نصب الراية. وقال ابن الملقن فى شرح
المنهاج جوابا على من أنكر على الترمذى تحسين الحديث: لعله إنما حسنه لأنه عرف عبد الله بن يعقوب المدنى فى إسناده
أى عرف حاله، والحديث رواه أيضا الدار قطنى (ص ٢٥٦) والبيهقى (ج ٥: ص ٣٢) والطبرانى والعقيلى كلهم من
طريق محمد بن موسى بن مسكين أبى غزية عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه ، وأعله العقيلى بأبى
غزية وقال: عنده منا كير، ولا يتابع عليه إلا من طريق فيها ضعفانتهى. وقال البيهقى: أبو غزية ليس بالقوى، وقال الدار قطنى:
قال يحى بن صاعد (شيخ الدار قطنى والراوى عن يحيى بن خالد عن أبى غزية) هذا حديث غريب، ما سمعناه إلا منه. قال البيهقى
وروى عن غير أبى غزية، ثم روى الحديث من طريق الأسود بن عامر عن ابن أبي الزناد، قال ابن التركمانى: مدار الحديث على
٤٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
٢٥٧٣ - (٩) وعن ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالغسل. رواه أبو داود.
٢٥٧٣ - (١٠) وعن خلاد بن السائب
عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد ضعفه النسائى وغيره، فالصواب أن يعلل به لا بأبى غزية، لأن غيره تابعه عليه فأخرجه البيهقى من
حدیث الأسود بن عامر وهو ثقة عن ابن أبى الزناد ، وأخرجه الترمذى من حديث عبد الله بن يعقوب عنه أی عن ابن
أبي الزناد، وقال: حسن غريب - انتهى. قلت: ابن أبي الزناد وثقه الترمذى والعجلى ويعقوب بن شيبة، وصحح الترمذى
عدة من أحاديثه، وقال فى اللباس: ثقة حافظ . وقال الحافظ فى التقريب: صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد . فالظاهر
أن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن وللحديث عدة شواهد، منها حديث ابن عباس أخرجه الدار قطنى (ص٢٥٦) والحاكم
(ج ١ : ص ٤٤٧) والبيهقى (ج ٥: ص ٣٣) وفيه يعقوب بن عطاء وهو ضعيف ، ومنها حديث ابن عمر عند الدار قطنى
والحاكم والبزاروابن أبى شيبة والبيهقى، قال من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، ومنها حديث عائشة عند الطبرانى فى
الأوسط قالت: إن النبي مؤتم كان إذا خرج إلى مكة اغتسل حين يريد أن يحرم، ذكره الزيلعى.
٢٥٧٢ - قوله (لد رأسه بالغسل) بكسر الغين المعجمة وسكون السين المهملة ، ما يضاف إلى الماء للتنقية
والتنظيف من خطمى وأشنان وصابون وغيره. وقال الجزرى: الغسل بالكسر هو ما يغسل به من خطعى وغيره
والحديث دليل على مشروعية تليد الشعر للاحرام خلافا للحنفية، ويؤيده ما تقدم من حديث ابن عمر: سمعت رسول
اللّه مَّ بهل ملدا، ويؤيده أيضا ما روى عن حفصة أنها قالت يا رسول الله ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من
عمرتك؟ فقال: إنى لبدت رأسى وقلدت هديى - الحديث. ويؤيده أيضا ما روى عن عائشة، قالت كان رسول الله
◌َّ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمى وأشنان. أخرجه أحمد والدار قطنى ، وزاد «ودهنه بزيت غير كثير، وقد
تقدم الكلام فى ذلك وفى ضبط الغسل ومعناه فى شرح ثانى أحاديث الباب، وتقدم هناك تأويل الحنفية لأحاديث الباب.
قال القارى: ليس فى حديث ابن عمر دلالة على أنه كان قبل إحرامه، ولا عبرة بذكر المصنف هنا لا بنائه على فهمه وفقهه.
قلت: ما فهمه المصنف هو موافق لما تقدم من قول ابن عمر: سمعت رسول اللّه مَّم يهل ملبدا، وهو الذى فهمه
جمهور فقهاء المحدثين كابى داود والحاكم والبيهقى والمحب الطبرى والحافظ (رواه أبو داود) فى المناسك وكذا الحاكم.
كما قال العينى (ج ٩: ص ١٥٩) والبيهقى (ج ٥: ص ٣٦) كلهم من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وقد
سكت عنه أبو داود والمنذرى ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (ج ١: ص ٤٥٠).
٢٥٧٣ - قوله (عن خلاد) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وإهمال الدال (بن السائب) بن خلاد بن سويد
الأنصارى الخزرجى التابعى ، وقد ذكره جماعة فى الصحابة منهم ابن حبان ولم يرفع نسبه وقال: له صحبة. ثم أعاده فى
٤٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
ـ: أتانى جبرئيل فأمرنى أن آمر أصحابى أن يرفعوا أصواتهم
عن أبيه، قال: قال رسول الله
بالا هلال أو التلبية.
التابعين وشبهتهم فى ذلك الحديث الذى رواه عنه عبد الملك بن أبى بكر فقال: عن خلاد عن أبيه رفعه ، وقيل عن خلاد
ابن السائب عن النبي مُؤثّة. وقال الترمذى: والسائب بن خلاد أصح، ذكره الحافظ فى تهذيب التهذيب وقال فى
التقريب: خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الخزرجى، ثقة من الثالثة (أى من الطبقة الوسطى من التابعين) ووهم من
زعم أنه صحابى (عن أبيه) أى السائب بن خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة الخزرجى أبى سهلة المدنى ، قال فى
التقريب: له صحبة وعمل لعمر على اليمن ، وقال أبو عبيد: شهد بدرا وولى اليمن لمعاوية، توفى سنة إحدى وسبعين.
وقال ابن عبد البر: لم يرو عنه غير ابنه خلاد فيما علمت، وحديثه فى رفع الصوت بالتلبية مختلف فيه (فأمرنى) عن الله
تعالى أمر إيجاب، إذ تبليغ الشرائع واجب عليه (أن آمر أصحابى) أمر ندب عند الجمهور ووجوب عند الظاهرية
(بالإ حلال أو التلبية) إظهارالشعار الاحرام وتعليما الجاهل ما يستحب فى ذلك المقام، و ((أو)) للشك من الراوى،
والإهلال هو رفع الصوت بالتلبية كما تقدم ، فالتصريح بالرفع معه زيادة بيان ، قاله الزرقانى ، وقال أبو الطيب: المراد
بالإهلال التلبية على طريق التجريد لأن معناه رفع الصوت بالتلبية وكلمة أو للشك. وزاد مالك وأبو داود وأحمد فى
رواية ((يريد أحدهما)، يعنى أنه تمَّ إنما قال أحد هذين اللفظين لكن الراوى شك فيما قاله من ذلك فأتى بأو التى لأحد
الشيئين، ثم زاد ذلك بيانا بقوله ((يريد أحدهما)، وفى رواية للنسائى ((بالتلبية)) بدون شك، وابن ماجه ((بالإهلال)).
ولأحمد (ج ہ : ص ١٩٢) وابن ما جه والحاكم (ج ١ : ص ٤٥٠) والبيهقى (جے ہ : ص ٤٢) من حديث زيد بن
خالد الجهنى التصريح بالتلبية أيضا، وقد روى فى رفع الصوت بالتلبية أحاديث عن جماعة من الصحابة منهم أنس وهو خامس
أحاديث الباب ، ومنهم السائب بن خلاد بن سويد وهو الذى نحن فى شرح حديثه ، وزيد بن خالد الجهنى ، وقد تقدم
تخريج حديثه، وأبو هريرة عند أحمد والحاكم والبيهقى وابن عباس عند أحمد (ج ١: ص ٣٢١) وجابر عند سعيد بن
منصور فى سننه من رواية أبي الزبير عنه، وعائشة عند البيهقى (ج ٥: ص ٤٣) وأبو بكر الصديق عند الترمذى وابن ماجه
والحاكم والبيهقى، وسهل بن سعد عند الحاكم والبيهقى وأبى ذر. وروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح من طريق المطلب
ابن عبد الله قال كان أصحاب رسول الله مَّ يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم، وهذه الأحاديث حجة لما
ذهب إليه الجمهور من استحباب رفع الصوت بالتلبية. وذهب داود إلى أن رفع الصوت واجب. قال الشنقيطى:
القاعدة المقررة فى الأصول مع الظاهرية، وهى أن الأمر يقتضى الوجوب إلا لد ليل صارف عنه ، وقال الشوكانى:
وهو ظاهر قوله ((فأمرنى أن آمر أصحابى، لا سيما وأضال الحج وأقواله بيان لمجمل واجب هو قول الله تعالى: ﴿ولله على
الناس حج البيت) وقوله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني مناسككم. قال وخرج بقوله («أصحابى) النساء، فإن المرأة لا
٤٧١

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
رواه مالك، والترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، والدارمى.
يجهر بها بل تقتصر على إسماع نفسها. وقال ابن رشد: أجمع أهل العلم على أن تلبية المرأة فيما حكاه أبو عمر هو أن تسمع
نفسها بالقول، وفى الدر المختار: ولا تلبي جهرا بل تسمع نفسها دفعا للفتنة، وما قيل ((أن صوتها عورة، ضعيف - انتهى.
قال المحب الطبرى: رفع الصوت عندنا أى الشافعية بالتلية مشروع فى المساجد وغيرها ، وقال مالك: لا يرفع الصوت
بها فى مساجد الجماعات بل يسمع نفسه ومن يليه إلا فى مسجد منى والمسجد الحرام فإنه يرفع صوته فيهما ، وهو قول
قديم الشافعى، وزاد مسجد عرفة، لأن هذه المساجد. تختص بالنسك - انتهى. وقال الباجى: المحرم لا يرفع صوته
بالا هلال فى غير مسجد منى والمسجد الحرام، من مساجد الجماعات، هذا هو المشهور عن مالك، ورُوى القاضى أبو
الحسن عن ابن نافع عن مالك أنه قال: يرفع صوته فى المساجد التى بين مكة والمدينة. قال أبو الحسن: هذا وفاقا
الشافعى فى أحد قوليه وله قول ثان أنه يستحب رفع الصوت بالتلبية فى سائر المساجد ووجه قول مالك المشهور: أن
المساجد مبنية الصلاة وذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فلا يصح رفع الصوت فيها بما ليس من مقصودها، لأنه لا تعلق
لشتى منها بالحج، أما مسجد الحرام ومسجد الخيف للحج اختصاص بهما من الطواف والصلاة أيام منى ولسبب الحيج
بنيا - انتهى. وقال ابن قدامة: لا يستحب رفع الصوت فى الأمصار ولا فى مساجدها إلا مكة ومسجد الحرام، وهو
قول مالك ، وقال الشافعى يلي فى المساجد كلها. ولنا ما روى عن ابن عباس أنه سمع رجلا يلي بالمدينة فقال: إنه
لمجنون، إنما التلبية إذا برزت، ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة وجاءت الكراهة لرفع الصوت فيها عاما فوجب إبقاءما
على عمومها ، فأما مكة فتستحب التلبية فيها لأنها محل النسك، وكذا المسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى
وفى عرفات أيضا - انتهى. هذا، وقد بسط الشافعى فى الأم (ج ص ) فى رفع الصوت بها فى المساجد كلها
بدون التخصيص بمسجد مكة ومنى والراجح عندناهو ما ذهب إليه مالك وأحمد، والله أعلم (رواه مالك) إلخ. وأخرجه
أيضا أحمد (ج ٤ ص ٥٥، ٥٦) والشافعى (ج ٢: ص ١٣٣) وابن حبان وابن خزيمة والحاكم (ج ١: ص ٤٥٠)
والبيهقى (ج ٥: ص ٤٢) كلهم من رواية عبد الملك بن أبى بكر بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب عن أيه
وصححه الترمذى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقى. قال الترمذى: وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد
أبن السائب عن زيد بن خالد عن النبي ◌َّ ولا يصح، والصحيح هو خلاد بن السائب عن أبيه وهو خلاد بن السائب بن
خلاد بن سويد الأنصارى - انتهى. وذكر الحافظ فى الفتح هذا الحديث من رواية خلاد بن السائب عن أبيه وذكر
من خرجه وصححه ثم قال: ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على التابعى فى صحابه - انتهى. وقال ابن عبد البر: هذا حديث
اختلف فى إسناده اختلافا كثيرا، وأرجو أن تكون رواية مالك أصح، فروى هكذا أى عن خلاد بن السائب عن أبيه،
وروى عن خلاد عن زيدبن خالد الجهنى ، وروى عن خلاد عن أبيه عن زيد بن خالد، كذا ذكره السيوطى فى التنوير ثم
٤٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
٢٥٧٤ - (١١) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللّه مَّ: ما من مسلم يلبى إلا لبى من
عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا. رواه الترمذى،
وابن ماجه.
حكى عن المزى تفصيل الاختلاف. وقال الزرقانى بعدذكر كلام ابن عبد البر: وهذا الاختلاف لا يضر، أما فى الصحابى
فلا مانع أن خلادا سمعه من أبيه ومن زيد كما أن أباه قد يكون سمعه من زيد ثم من المصطفى، فحدث به كل منهما على
الوجهين، أو كان السائب يرسله تارة ، وأما رواية الثورى (أى عن عبد الله بن أبى لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب
عن خلاد عن زيد بن خالد عند أحمد وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والبيهقى) فمن الجائز أن يسمعه من خلاد الرجلان
(المطلب بن عبد الله وعبد الملك بن أبى بكر) ولذا لم يلتفت الترمذى ومن عطف عليه (ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)
إلى هذا الاختلاف وصححوه كما مر - انتهى. وقال الحافظ فى التلخيص بعد ذكر تصحيح الترمذى ونقل كلامه: وقال
البيهقى أيضا الأول (أى خلاد بن السائب عن أيه) هو الصحيح، وأما ابن حبان فصححهما وتبعه الحاكم، وزاد رواية
ثالثة من طريق المطلب بن عبد الله عن أبى هريرة - انتهى. قلت: قال الحاكم (ج ١: ص ٤٥٠) بعد رواية الحديث
من طريق عبد الملك عن خلاد عن أبيه ، ومن طريق المطلب بن عبد الله عن خلاد عن زيد ، ومن طريق المطلب بن
عبد الله بسماعه عن أبى هريرة ما لفظه: وهذه الأسانيد كلها صحيحة وليس يعلل واحد منها الآخر فإن السلف كان يجتمع
عندهم الأسانيد لمتن واحد كما يجتمع عندنا الآن - انتهى. وأقره الذهبي.
٢٥٧٤ - قوله (إلا لي من عن يمينه) كلمة من بفتح الميم موصولة (من حجر أو شجر أو مدر) من بيان من .
قال الطيبي: لما نسب التلبية إلى هذه الأشياء عبر عنها بما يعبر عن أولى العقل - انتهى. قلت: كذا وقع فى رواية الترمذى
بلنثة من وهكذا ذكر الجزرى فى جامع الأصول (ج ٩: ص ٢٨٣) وعزا الحديث للترمذى فقط، وعند ابن ماجه
والحاكم والبيهقى إلا لي ما عن يمينه، والمدر بفتحتين قطع الطين اليابس (حتى تنقطع) أى تنتهى (من ههنا وههنا)
إشارة إلى المشرق والمغرب والغاية محذوفة أى إلى منتهى الأرض، والمعنى حتى يلي جميع ما على يمينه وشماله من حجر
الأرض ومدرها وشجرها إلى منتهاها من المشرق إلى المغرب. قال الطبي: أى يوافقه فى التلبية جميع ما فى الأرض -
انتهى. وفائدة المسلم من تلبية الحجر والشجر والمدر معرفة فضل هذا الذكر وأن له عند اللّه شرفا ومكانة
ولا يبعد أن يكتب له ثواب ذلك كأنه فعله بنفسه زيادة عن ذكره الخاص لأنه المتسبب فيه. قال السندى:
إن قلت: أى فائدة السهم فى تلبية الأحجار وغيرها مع تلبيته، قلت: اتباعهم فى هذا الذكر دليل على فضيلته وشرفه
ومكانته عند اللّه إذ ليس اتباعهم فى هذا الذكر إلا لذلك على أنه يجوز أن يكتب له أجر هذه الأشياء لما أن هذه
الأشياء صدر عنها الذكر تبعا فصار المؤمن بالذكر كأنه دال على الخير، والله أعلم (رواه الترمذى وابن ماجه)
٤٧٣
:

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
٢٥٧٥ - (١٢) وعن ابن عمر، قال: كان رسول اللّه وَ ل يركع بذى الحليفة ركعتين، ثم إذا
كلاهما من رواية إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية (الأنصارى المازنى المدنى) عن أبى حازم عن سهل ورواه أيضا
الترمذى من طريق عبيدة بن حميد عن عمارة بن غزية عن أبى حازم عن سهل ، لكن لم يسق لفظه بل قال ((نحو حديث
إسماعيل بن عياش، ورواه من طريق عبيدة، ابن خزيمة فى صحيحه كما فى الترغيب (ج ٢: ص ٦٦) والحاكم (ج ١:
ص ٤٥١) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي والبيهقى (ج ٥: ص ٤٣).
٢٥٧٥ - قوله (كان رسول الله عزوجل يركع بذى الحليفة ركعتين) قيل: أى ركعتى الاحرام فقد روى مالك
عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا أن رسول الله يؤثّم كان يصلى بمسجد ذى الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته
أهل. قال الزرقانى: قوله «ركعتين، أى سنة الاحرام ففيه صلاتهما قبل الاحرام وأنها نافلة وبه قال الجمهور سلفا وخلفا،
واستحب الحسن البصرى الاحرام بعد صلاة فرض لأنه روى أن الركعتين كانتا الصبح، وأجيب بأن هذا لم يثبت،
وقال الباجى: هذا اللفظ إذا أطلق فى الشرع اقتضى ظاهره فى عرف الاستعمال النافلة، وهو المفهوم من قولهم: صلى فلان
ركعتين، وإن كان روى أن صلاة التى تؤثّم بذى الحليفة كانت صلاة الفجر، وقد اختار مالك أن يكون إحرامه بأثر
نافلة لأنه زيادة خير - انتهى . وقال النووى: فى الحديث استحباب صلاة الركعتين عند الاحرام ويصليهما قبل الاحرام
ويكونان نافلة هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضى وغيره عن الحسن البصرى أنه استحب كونه بعد
صلاة فرض لأنه روى أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحديث - انتهى.
وفى المحلى شرح الموطأ للشيخ سلام الله الدهلوى: فى الحديث ندب كون الاحرام بعد الصلاة ويكون نافظة عند أبى حنيفة
والشافعى والجمهور. ولو صلى المكتوبة أجزأته كما يجزئه عن تحية المسجد كذا ذكره فقهاء الفريقين . وعند مالك يحرم
الحاج والمعتمر بأثر فريضة أو نافلة كما فى الرسالة ، وبه قال أحمد غير أن ظاهر مذهبه كونه بعد الفرض أولى للاتباع.
انتهى . وقال ابن قدامة : المستحب أن يحرم عقيب الصلاة فإن حضرت مكتوبة أحرم عقبها، وإلا صلى ركعتين تطوعا
وأحرم عقيبهما. استحب ذلك عطاء وطاوس ومالك والشافعى والثورى وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر،
وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس - انتهى. وقال الدردير: ثم رابع السنن ركعتان والفرض مجزئى عنهما وفاته
الأفضل. قال الدسوقى: والفرض يجزئى أى فى أصل السنة. والحاصل أن السنة تحصل بإيقاع الاحرام عقيب صلاة
ولو فرضا لكن إن كانت نفلا أتى بسنة ومندوب ، وإن أتى بعد فرض أتى بسنة فقط. وفى فروع الحنفية ندب الركعتين
نفلا وتجزئ المكتوبة. قلت: واستدل أيضا للجمهور بما روى أبو داود والحاكم من طريق ابن إسحاق عن خصيف
ابن عبد الرحمن الجزرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج رسول الله رفع حاجا، فلما صلى فى مسجده بذی
الحليفة ركعتين أوجب فى مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، مختصر. وابن إسحاق وخصيف فيهما مقال. قلت:
٤٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
اسئوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك
وسعديك ،
ظاهر النصوص أن هاتين الركعتين كانتا لفريضة الظهر لا تحية الاحرام ولا الفجر وبه صرح ابن القيم فى الهدى حيث
قال: لم ينقل عنه ◌َّ أنه صلى للاحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقال: المحفوظ أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر، وقال
أيضا: قد قال ابن عمر: ما أهل رسول الله عزَّه إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره، وقد قال أنس: إنه صلى الظهر
ثم ركب، والحديثان فى الصحيح فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبين أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر - انتهى ملخصا.
وقال ابن تيمية فى مناسكه: يستحب أن يحرم عقيب صلاة إما فرض وإما قطوع إن كان وقت تطوع فى أحد القولين ،
وفى الآخر إن كان يصلى فرضا أحرم عقيه وإلا فليس الاحرام صلاة تخصه وهذا أرجح (أهل) أى رفع صوته
(بهؤلاء الكلمات) يعنى التلبية المشهورة، وقد تقدمت فى الفصل الأول من حديث ابن عمر (ويقول) أى يزيد عبد الله
ابن عمر أو أبوه عمر بن الخطاب ففى رواية لمسلم: كان عبد الله بن عمر يقول (أى بعد رواية التلبية المشهورة): هذه
تلبية رسول الله تَب، قال نافع: كان عبد الله (بن عمر) يزيد مع هذا: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، إلخ. وفى رواية
أخرى لمسلم (وهى رواية الباب) بعد قوله ((أهل بهؤلاء الكلمات)): وكان عبد الله بن عمر يقول كان عمر بن الخطاب هل
بإهلال رسول اللّه ◌َوَّح من هؤلاء الكلمات ويقول (أى يزيد) لبيك اللهم لبيك، لبيك، لبيك وسعديك، إلخ. وهكذا
ذكر الجزرى فى جامع الأصول (ج ٣: ص ٤٤١) ولأحمد (ج ٢: ص ١٣١) بعد ذكر التلبية المشهورة ((قال أى
عبد الله بن عمر: وسمعت عمر بن الخطاب يهل بإهلال رسول الله مرثية ويزيد فيها لبيك وسعديك، إلخ. قال الحافظ
بعد ذكر الروايتين : نعرف أن ابن عمر اقتدى فى ذلك بأبيه وأخرج ابن أبى شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت
تلبية عمر ، فذكر مثل المرفوع وزاد «لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك، ذا النعماء والفضل الحسن)) - انتهى. ورواية
المصابيح انتهت على قوله ((أهل بهؤلاء الكلمات يعنى التلبية)، وقوله (ويقول لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك، إلخ. هو ما
زاده المصنف وقد ذكره بحيث يتبادر منه أن هذه الزيادة أيضا مرفوعة، وهذا اختصار من المصنف مخل أو زيادة منه
موهمة فليتنبه لذلك (لبيك اللهم لبيك لبيك) ثلاث مرات مع الفصل بين الأولى والثانية بلفظ «اللهم، كما فى المرفوع، وفى
رواية الموطأ وأبي داود وفى رواية لمسلم أيضا ثلاث مرات فى زيادة ابن عمر لكن بدون الفصل (وسعديك) هو من
باب لبيك، فيأتى فيه ما سبق ، ومعناه أسعدنى إسعادا بعد إسعاد ، فالمصدر: فيه مضاف للفاعل وإن كان الأصل فى معناه
أسعدك بالإجابة إسعادا بعد إسعاد، على أن المصدر فيه مضاف للفعول. وقيل: المعنى مساعدة على طاعتك بعد مساعدة،
فيكون من المضاف للنصوب، قال عياض: إعرابها وتثنيتها كما فى لبيك، ومعناه مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. وقال
المازرى: وقيل معناه أسعدنا سعادة بعد سعادة وإسعادا بعد إسعاد، وكذلك قال ابن العربى إنه سؤال من الله السعد
وتأكيد فيه، وقال إبراهيم الحربى: لم يسمع سعديك مفردا (أى عن لبيك) وهو من المصادر المنصوبة بفعل مضمر
٤٧٥

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
والخير فى يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. متفق عليه، ولفظه لمسلم.
٢٥٧٦ - (١٣) وعن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن النبى عليه، أنه كان إذا فرغ من تلبيته
سأل الله رضوانه
(والخیر فی یدیك) كذا فى زيادة عمر عند مسلم وأحمد ، وفى زيادة ابنه عبد الله «يديك، أى الخير كله يد الله ومن
فضله أى بقدرته وكرمه. قال الباجى: الألف واللام لاستغراق الجنس، فكان الملي يلي ربه ويعتقد أن جميع الخير
يديه - انتهى. وهو من باب الاكتفاء وإلا فالأمر كله لله والخير والشر كله بقدره وقضائه، أو هو من إصلاح
المخاطبة أى من باب حسن الأدب فى الإضافة والنسب كما فى قوله تعالى ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين - ٢٦: ٨٠) ومن
مهنا ورد «والشر ليس إليك)) أى لا ينسب إليك أبدا (والرغباء إليك) فيه ثلاثة أوجه: فتح الراء والد وهو أشهرها
وضم الراء مع القصر وهو مشهور أيضاً ، وفتح الراء مع القصر مثل سكرى وهو غريب ، حكاه أبو على الجبائى، ونظير
الوجهين الأولين العلياء والعُليا والنعماء والنعمى، ومعنى اللفظة الطلب والمسألة أى إنه تعالى هو المطلوب المسئول منه
فيده جميع الأمور، قال شعر: معنى رغب النفس سعة الأمل وطلب الكثير (والعمل) أى أن العمل كله لله تعالى لأنه
المستحق للعبادة وحده، وفيه حذف يحتمل أن تقريره كالذى قبله أى والعمل إليك أى إليك القصد به والانتهاء به إليك
لتجازى عليه فيكون عطفا على الرغباء، ويحتمل أن تقريره والعمل لك، وقال الطبي: أى وكذلك العمل منته إليك إذ
أنك المقصود منه. قال القارى: والأظهر أن التقدير «والعمل لك)) أى لوجهك ورضاك، أو العمل بك أى بأمرك
وتوفيقك، أو المعنى أمر العمل راجع إليك فى الرد والقبول، هذا وتقدم الكلام مبسوطا فى وقت التلبية وابتداء الاحرام
وفى حكم الزيادة على التلبية المرفوعة المشهورة (متفق عليه) فيه نظر، فإن الزيادة المذكورة انفرد مسلم عن البخارى
بروايتها (ولفظه لمسلم) قد تقدم أن المصنف اختصر رواية مسلم اختصارا مخلا يتبادر منه أن الزيادة أيضا مرفوعة مع
أنها موقوفة على عبد الله وأنه اقتدى فى ذلك بأيه، والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٣١) والنسائى والبيهقى
(ج ): ص ٤٤) وغيرهم ، وأما الزيادة المذكورة فأخرجها أحمد و مالك والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه
والشافعى والبيهقى. هذا وقد خالف البغوى مهنا ما اصطلحه من ذكر أحاديث غير الشيخين فى الحسان حيث أورد
رواية مسلم فيها .
٢٥٧٦ - قوله (عن عمارة) بضم أوله والتخفيف وزيادة الهاء فى آخره (بن خزيمة) بضم الخاء المعجمة وفتح
الزاى (بن ثابت) الأنصارى الأوسى، كنيته أبو عبد الله أو أبو محمد المدنى ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين ، مات
سنة خمس ومائة وهو ابن خمس وسبعين (عن أبيه) أى خزيمة بن ثابت المعروف بذى الشهادتين ، تقدم ترجمته فى
(ج ٣: ص ١٨٧) (سأل الله رضوانه) بكسر الراء أى رضاه فى الدنيا والأخرى، وفى رواية الدار قطنى والبيهقى سأل
٤٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
والجنة، واستعفاه برحمته من النار. رواه الشافعى.
خرج ( الفصل الثالث )
٢٥٧٧ - (١٤) عن جابر، أن رسول اللّه مؤثر لما أراد الحج أذن فى الناس، فاجتمعوا، فلما أتى
رواه البخارى.
تم
البيداء
الله مغفرته ورضوانه (والجنة) أى فى العقبى (واستعفاء) أى طلب عفوه، فهو عطف على ((سأل)) وفى الدار قطنى والبيهقى
((استعاذ)) وفى الحصن ((استعتقه)) ونسبه للطبرانى (برحمته) أى بسبب رحمته تعالى لا يكسب نفسه (من النار) أى نار
العذاب. والحديث دليل على استحباب الدعاء بعد الفراغ من كل تلبية يليها المحرم فى أى حين بهذا الدعاء ونحوه بأن
يقول اللهم إنى أسألك مغفرتك ورضاك والجنة فى الآخرة ، وأن تعفو عنى وتعيذنى وتعتقنى برحمتك من النار، ويحتمل
أن المراد بالفراغ منها انتهاء وقت مشروعيتها وهو عند رمى جمرة العقبة، والأول أوضح (رواه الشافعى) فى الآم
(ج ٢، ص ١٣٤) بإسناد ضعيف، لأن فيه صالح بن محمد بن أبى زائدة وهو ضعيف، قاله الحافظ ، وقال الولى العراقى:
صالح هذا ضعفه الجمهور ، وقال أحمد: لا أرى به بأسا. وفيه أيضا إبراهيم بن أبى يحي الراوى عنه ولكنه قد تابعه
عليه عبد الله بن عبد الله الأموى، أخرجه البيهقى (ج ٥: ص ٤٦) والدارقطنى (ص ٢٦٣) وروى الشافعى
والدارقطنى والبيهقى عن القاسم بن محمد يقول كان يستحب الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلى على التى تؤَّ.
٢٥٧٧- قوله (أذن فى الناس) لقوله تعالى {وأذن فى الناس بالحج - ٢٢: ٢٧) الآية أى نادى بينهم بأنى أريد
الحج، قاله ابن الملك. قال القارى: والأظهر أنه أمر مناديا بأنه مَّ يريد الحج كما سيأتى فى حديث جابر الطويل
(فاجتمعوا) أى خلق كثير فى المدينة (فلما أتى البيداء) هى الشرف أى المكان العالى الذى قدام ذى الحليفة بقربها إلى جهة
مكة ، سميت بيداء لأنها لا بناء بها ولا أثر، وكل مفازة لا شئ فيها سمى بيداء، وهى ههنا اسم موضع مخصوص بذى
الحليفة كما ذكرنا (أحرم) أى كرر إحرامه أو أظهره. قال القارى: وهو أظهر لما ثبت أنه أحرم ابتداء فى مسجد
ذى الحليفة بعد ركعتى الاحرام - انتهى. وقد تقدم بان اختلاف الروايات فى موضع إحرامه مَهم ووجه الجمع بينها
(رواه البخارى) هذا وهم من المصنف فإن حديث جابر هذا ليس فى صحيح البخارى لا بلفظه ولا بمعناه بل هو ما انفرد
الترمذى بروايته هكذا. ولذلك اقتصر الساعاتى فى الفتح الربانى على نسبته إلى الترمذى، والظاهر أن المصنف تبع فى
ذلك الجزرى حيث قال بعد ذكر هذه الرواية فى جامع الأصول (ج ٣: ص ٤٣٦): أخرجه البخارى والترمذى،
وكذلك نسبه إليهما محمد بن محمد بن سلمان الفاسى فى جمع الفوائد (ج ١: ص ٤٦١) والحديث أخرجه مسلم مطولا
كما سيأتى.
٤٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠- كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
٢٥٧٨ - (١٥) وعن ابن عباس، قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، فيقول
رسول اللّه مَّف: ويلكم قد قد. إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون
بالبيت. رواه مسلم.
٢٥٧٨ - قوله (ويلكم قد قد) قال القاضى: روى بإسكان الدال وكسرها مع التنوين فيهما، ومعناه كفاكم هذا
الكلام فاقتصروا عليه ولا تزيدوا ، فلا تقولوا ما بعده من الاستثناء، وفيه بيان أن من رأى منكرا ولم يقدر على تغييره
باليد فإنه يغيره بالقول لأن قد قد إنكار (إلا شريكا) كذا فى جميع النسخ من المشكاة. وهو متعلق بمقول المشركين،
وقوله ((فيقول رسول اللّه مَية قد قد) جملة معترضة للتنبيه على أن رسول الله مؤفي يقول لهم ذلك بين الاستثناء وما قبله
قبل أن يتكلموا بالاستثناء. وفى صحيح مسلم «فيقولون إلا شريكا، وهكذا فى جامع الأصول (ج ٣: ص ٤٤٤)
(هو لك تملكه وما ملك) ما نافية، وقيل موصولة عطف على مفعول تملكه، والمعنى على الأول أنت تملكه رهو لا يملك
وعلى الثانى أنت تملك إياه وما فى ملكه، قال الطيبي كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه
وما ملك. فإذا انتهى كلامهم إلى ((لا شريك لك)) قال رسول الله عزَّم قد قد. أى اقتصروا عليه ولا تتجاوزوا عنه
إلى ما بعده، وقوله ((إلا شريكا) الظاهر فيه الرفع على البدلية من المحل كما فى كلمة التوحيد، فاختير فى الكلمة السفلى
اللغة السافلة كما اختير فى الكلمة العليا العالية (يقولون) أى المشركون، وهو مقول ابن عباس (هذا) أى هذا القول
وهو قولهم إلا شريكا مع ما قبله وما بعده (رواه مسلم) الحديث من أفراد مسلم، لم يخرجه البخارى ولا أحد من
أصحاب السنن، نعم أخرجه البيهقى (چ ٥: ص ٤٥) وزاد فى آخره: فيقولون ((غفرانك غفرانك)) قال فأنزل الله عز
وجل { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون - ٨: ٣٣) فقال ابن عباس : كان فيهم
أمانان، في اللّه وَُّ والاستغفار، قال فذهب فى الله مَّمه وبقى الاستغفار ( وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن
المسجد الحرام، وما كانوا أوليائه إن أولياؤه إلا المتقون -٨: ٣٤) قال: فهذا عذاب الآخرة، وذلك عذاب الدنيا.
قال البيهقى بعد روايته: أخرجه مسلم فى الصحيح من حديث النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار مختصرا دون قولهم
غفرانك إلى آخره - انتهى. وفى الباب عن أنس بن مالك، قال: كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام فكان الشيطان
يحدث الناس بالشئى يريد أن يردهم عن الإسلام حتى أدخل عليهم فى التلبية لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا
شريكا هو لك تملكه وما ملك. قال فما زال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك، أخرجه البزار. قال الهيشمى فى
مجمع الزوائد (ج ٣: ص ٢٢٣) : رجاله رجال الصحيح.
بعون الله وحسن توفيقه ثم الجزء الثامن من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح.
ويليه الجزء التاسع إن شاء الله تعالى، وأوله «باب قصة حجة الوداع))
٤٧٨

◌ََّالـ
،
◌َ الَهُ الََّالـ
الجزء الثامن
اللهُ المبحوث الإس الكعبة الأخوة والأخاء
بالجامعة السلفية تشار على النداء

حقوق الطبع محفوظة
:
الطبعة الثالثة
(بتجزئة جديدة)
سنة ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م
يطلب من
:
١ - المكتبة السلفية، مركزى دار العلوم، ريوزى تالاب، وارانسى - ٢٢١٠١٠
٢- المكتبة الرحمانیة؛ رائی پوره، مبار کور، اعظم گثم، یو، پی - ٢٧٦٤٠٤
٣ - مكتبة ترجمان، ٤١١٦، اردو بازار، دهلى - ١١٠٠٠٦
٤ - ذار المعارف، ١٣ محمد على بلذنك، بهنذى بازار، بمبنى - ٤٠٠٠٠٣
٥- مكتبة مسلم، برير شاه، سرينكر، كشمير - ١٩٠٠٠١
٦ - أبناء الجامعة السلفية، ص، ب ١٠٠٣٣، المدينة المنورة (Saudi Arabia)
٧- الدار السلفية، ص، ب ٢٠٨٥٧، الصفاة، الكويت (A. Gulf)