النص المفهرس

صفحات 421-440

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
(١) باب الإحرام والتلبية
وحديث أبى هريرة هذا ذكره المنذرى فى الترغيب (ج ٢: ص ٦٠) وقال: رواه أبو يعلى من رواية محمد بن إسحاق ،
وبقية رواته ثقات، ونسبه الحافظ أيضا فى المطالب العالية (ج ١: ص ٣٢٦) لأبى يعلى وسكت عليه. وقال البوصيرى:
رواه أبو يعلى بسند ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق .
(باب الإحرام والتلبية) قال القارى: حقيقة الإحرام الدخول فى الحرمة والمراد الدخول فى حرمات مخصوصة أى
التزامها، والتزامها شرط الحج شرعا، غير أنه لا يتحقق ثبوته إلا بالنية والتلبية أو ما يقوم مقامها، فعطف التلبية على الاحرام من
باب عطف الخاص على العام، أو مبنى على القواعد الشافعية من أن الإحرام هوالنية فقط، أو المراد بالتلبية غير المقرونة
بالنية من بيان ألفاظها وأحوالها وفضائلها - انتهى. وقال فى غنية الناسك (ص ٣٢، ٣٣): الإحرام لغة الدخول فى
حرمة لا تنتهك من الذمة وغيرها ، وشرعا الدخول فى حرمات مخصوصة أى التزامها غير أن التزامها لا يتحقق شرعا
إلا بالنية مع الذكر أو الخصوصية - فتح - قال فى النهر: فهما شرطان فى تحققه لا جزآن لماهيته كما توهمه فى البحر ،
حيث عرفه بنية النسك من الحج أو العمرة مع الذكر أو الخصوصية - انتهى. والمراد بالذكر التلبية ونحوها، وبالخصوصية
ما يقوم مقامها من تقليد البدنة مع السوق، فلونوى ولم يلب أو لبي ولم ينولا يصير محرما ، وهل يصير محرما بالنية والتلبية
أو بأحدهما بشرط الآخر؟ المعتمد ما ذكره الحسام الشهيد أنه بالنية لكن عند التلبية كما يصير شارعا فى الصلاة بالنية لكن
بشرط التكبير لا بالتكبير ، وعن أبى يوسف أنه يصير بالنية وحدها ، وهو أحد قولى الشافعى قياسا على الصوم بجامع
أنهما عبادة كف عن المحظورات ، وقياسه على الصلاة أولى لأنه التزام أفعال لا مجرد كف، بل التزام الكف شرط
فكان بالصلاة أشبه، فلابد من ذكر يفتح به أو بما يقوم مقامه ما هو من خصوصياته - فتح - انتهى. وقال
ابن جاسر النجدى فى مفيد الأنام: الإحرام أول الأركان، وهو فى اللغة الدخول فى التحريم ، يقال: أشتى إذا دخل
فى الشتاء، وأربع إذا دخل فى الربيع، وأتجد إذا دخل نجدا، وأنهم إذا دخل تهامة، وأصبح وأمسى إذا دخل فى الصباح
والمساء، وفى الشرع نية الدخول فى النسك وإن لم يتجرد من ثيابه المحظورة على المحرم لا نيته ليحج أو يعتمر سمى الدخول
فى النسك إحراما لأن المحرم بإحرامه حرم على نفسه أشياء كانت مباحة له من النكاح والطيب والصيد، وأشياء من
اللباس ونحوها، ومنه فى الصلاة (تحريمها التكبير)) - انتهى. وقال ابن قاسم الحنبلى: الإحرام لغة: الدخول
فى التحريم ، لأنه يحرم على نفسه بنيته ما كان مباحا له قبل الاحرام من النكاح والطيب والتقليم والحلق وأشياء من
اللباس ونحو ذلك. وشرعا: نية الدخول فى النسك مع التلبية أو سوق الهدى، لا نية أن يحج أو يعتمر ، فإن ذلك لا
يسمى إحراما، وكذا التجرد وترك سائر المحظورات لكونه محرما بدونها. وقال الشيخ (يعنى ابن تيمية) لا يكون
الرجل محرما بمجرد ما فى قلبه من قصد الحج ونيته ، فإن القصد ما زال فى القلب منذ خرج من بلده ، بل لا بد من قول
٤٢١

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
أو عمل يصير به محرما، هذا هو الصحيح من القولين - انتهى. وفى تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيتمى المكى:
الإحرام يطلق على نية الدخول فى النسك ، وبهذا الاعتبار أى المعنى يعد ركنا ، وعلى نفس الدخول فيه بالنية لاقتضاءه
دخول الحرم، كما نجد إذا دخل نجدا، وتحريم الأنواع الآتية. وهذا هو الذى يفسده الجماع وتبطله الردة، وهو أى
المعنى الثانى المراد هنا. قال الشروانى في حاشيته: قوله «يطلق على نية الدخول)) إلخ. أى يطلق شرعا على الفعل المصدرى فيراد
به نية الدخول فى النسك، إذ معنى ((أحرم به)) نوى الدخول فى ذلك، ويطلق على الأثر الحاصل بالمصدر فيراد به نفس
الدخول فى النسك، أى الحالة الحاصلة المترتبة على النية. قال: وقد يقال: المراد به (أى بالنسك) هنا حالة حرم عليه
بها ما كان حلالا - انتهى. وقال ابن دقيق العيد: الإحرام الدخول فى أحد التسكين والتشاغل بأعمالهما، وقد كان
شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدا ، ويبحث فيه كثيرا ، وإذا قيل إنه النية
اعترض عليه بأن النية شرط فى الحج الذى الإحرام ركنه وشرط الشئى غيره ، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست
بركن والإحرام ركن هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية فى الابتداء - انتهى. وفى
الشرح الكبير الدردير: وركن الحج والعمرة ثلاثة: الأول الإحرام وهو نية أحد النسكين مع قول أو فعل متعلقين به
كالتلبية والتجرد من المخيط والراجح أنه النية فقط. قال الدسوقى: قوله ((الراجح النية)) أى نية الدخول فى حرمات
الحج أو العمرة ، وأما التلبية والتجرد فكل منهما واجب على حدته يجبر بالدم - انتهى. وقال ابن العربى فى عارضة
الأحوذي: ينعقد الحج بمجرد النية عندنا وإن لم ينطق به، وقال الشافعى وأبو حنيفة: لا ينعقد إلا بالنية والتلبية أو سوق
الهدى. وقال أبو عبد الله الزبيرى من أصحاب الشافعى: لا ينعقد إلا بالنية والتلبية خاصة - انتهى. وفى الهداية: ولا
يصير شارعا فى الاحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية خلافا للشافعى لأنه عقد على الأداء فلابد من ذكر، كما فى تحريمة
الصلاة، ويصير شارعا بذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية فارسية كانت أو عربية ، هذا هو المشهور عن أصحابنا ، والفرق
بينه وبين الصلاة على قولهما أن باب الحج أوسع من باب الصلاة حتى يقام غير الذكر مقام الذكر كتقليد البدن ، فكذا
غير التلبية وغير العربية. قال ابن الهمام : قوله «خلافا للشافعی، فی أحد قوليه، وروى عن أبى يوسف كقوله قياسا على
الصوم، إلى آخر ما قال. وقال ابن رشد: اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل تجزئ النية فيه
من غير التلبية؟ فقال مالك والشافعى : تجزئ النية من غير التلبية، وقال أبو حنيفة: التلبية فى الحج كالتكبيرة فى الاحرام
بالصلاة، إلا أنه يجزئى عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية كما فى افتاح الصلاة عنده - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣:
ص ٢٨١): يستحب للإنسان النطق بما أحرم به ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشتى واقتصر على مجرد النية كفاه فى قول
إمامنا ومالك والشافى. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى تنضاف إليها التلبية أو سوق الهدى لما روى من
حديث خلاد بن السائب (الآتى فى الفصل الثانى) ولأنها عبادة ذات تحريم وتحليل فكان لها نطق واجب كالصلاة ....
٤٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
ولنا أنها عبادة ليس فى آخرما نطق واجب فلم يكن فى أولها كالصيام. والحديث المراد به الاستحباب فإن منطوقه
رفع الصوت، ولا خلاف فى أنه غير واجب فما هو من ضرورته أولى، ولو وجب النطق لم يلزم كونه شرطا ، فإن
كثيرا من واجبات الحج غير مشترطة فيه، والصلاة فى آخرها نطق واجب بخلاف الحج والعمرة. قال والتلبية فى الا حرام
مسنوقة لأن التى تُّ فعلها وأمر برفع الصوت بها، وأقل أحوال ذلك الاستحباب. ثم ذكر حديث العج والتج
وحديث سهل بن سعد الآتى فى الفصل الثانى ، ثم قال: وليست واجبة ، وبهذا قال الحسن بن حى والشافعى ، وعن
أصحاب مالك أنها واجبة يجب بتركها دم، وعن الثورى وأبى حنيفة: أنها من شرط الاحرام لا يصح إلا بها كالتكبير
للصلاة ، لأن ابن عباس قال فى قوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ قال ابن عباس: الاهلال ، وعن عطاء وطاوس
وعكرمة: هو التلبية ، ولأن النسك عبادة ذات إحرام وإحلال فكان فيها ذكر واجب كالصلاة ، ولنا أنها ذكر فلم
تجب فى الحج كسائر الأذكار، وفارق الصلاة، فإن النطق يجب فى آخرها فوجب فى أولها، والحج بخلافه ـ انتهى.
وقال فى حدائق الأزهار: وإنما ينعقد (أى الاحرام) بالنية مقارنة لتلبية أو تقليد. قال الشوكانى: أقول: الإحرام
هو مصير الشخص من الحالة التى كان يحل له فيها ما يحرم عليه بعدها إلى الحالة التى يحرم عليه فيها ما كان يحل له فيها .
ولو لم يكن إلا مجرد الكف عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولا لكل عاقل كالصوم فإنه ليس إلا الكف
عن تناول المفطرات. فمن قال إنه لا يعقل معنى الإحرام وإنه ليس هناك إلا مجرد النية وإن النية لا تنوى وإلا لزم
التسلسل فقد أخطأ خطأ بينا ومعلوم أن الشريعة المطهرة بعضها أوامر وبعضها نواه والتعبدفى النواهى ليس إلا بالكف فيلزمه
أن يطرد هذا التشكيك الركيك فى شطر الشريعة. وأما إيجاب النية فقد عرفناك غير مرة أن كل عمل يحتاج إلى النية
والعمل يشمل الفعل والترك والقول والفعل وعرفناك أن ظاهر الأدلة يقتضى أن النية شرط فى جميع ما تقدم من العبادات لدلالة
أدلتها على أن عدمها يؤثر فى العدم، وهذا هو معنى الشرط عند أهل الأصول. وأما كون النية تقارن التلبية فقد ثبت
عن رسول الله مَويه فى دواوين الإسلام من غير وجه أنه أهل ملبيا. وقد قدمنا لك أن أفعاله وأقواله فى الحج محمولة
على الوجوب لأنها بيان لمجمل القرآن وامتثال لأمره مروّعٍ لأمته أن يأخذوا عنه مناسكهم. فمن ادعى فى شتى منها أنه
غير واجب فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل. وأماكونها تقارن التقليد فلا ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم فى عام
الحديبية ((أنه لما كان بذى الحليفة قلد الهدى وأشعره وأحرم بالعمرة)). وقال فى غنية الناسك بعد ذكر
صفة التلبية وحكمها وذكر كيفية الإحرام: والحاصل أن التلبية فرض وسنة ومستحب ومؤكد ومندوب، فالفرض
مرة واحدة عند الإحرام، والزيادة على المرة سنة، وعند تغير الحالات مستحب مؤكد، والا كثار منها من غير تغير
مندوب - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: فى التلبية مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة الأول أنها سنة من
السفن لا يجب بتر کها شئ ، وهو قول الشافعى وأحمد ، ثانيها واجبة، ويجب بتر کها دم، حكاه الماوردى عن ابن
٤٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
أبى هريرة من الشافعية وقال: إنه وجد للشافعى نصا يدل عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابى عن
مالك وأبى حنيفة. قلت: وهو مختار أصحاب الفروع من المالكية. قال الدسوقى: والحاصل أن التلبية فى ذاتها
واجبة وعدم الفصل بينها وبين الاحرام بكثير واجب أيضا ومقارنتها للإحرام سنة وتجديدها مستحب - انتهى. قال
الحافظ : وحكى ابن العربى أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم ، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب، ثالثها واجبة لكن
يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق، وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه فى الجواهر له. وحكى
صاحب الهداية من الحنفية مثله لكن زاد القول الذى يقوم مقام التلبية من الذكر كما فى مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين
وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأى: إن كبر أو خلل أو سبح ينوى بذلك الاحرام فهو محرم ، رابعها أنها ركن فى
الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه ابن عبد البر عن الثورى وأبى حنيفة وابن حبيب والزبيرى من الشافعية وأهل الظاهر
قالوا: هى نظير تكبيرة الإحرام للصلاة، ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الاحرام، وهو
قول عطاء أخرجه سعید بن منصور باسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوس
وعكرمة، وحکی النووى عن داود أنه لابد من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنا - انتهى . وقال
ابن رشد: كان مالكا لا يرى التلبية من أركان الحج، ويرى على تاركها دما ، وكان غيره يراها من أركانه، وحجة من
رآها واجبة أن أفعاله مَّ إذا أتت بيانالواجب أنها محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك لقوله عزرائيل:
خذواعنى مناسككم - انتهى. وقال القارى فى شرح النقابة: فرض الحج الاحرام بإجماع الأمة وهو عندنا شرط الأداء لا
ر کن کما قال الشافعی ومالك، لأنه يدوم إلى الحلق ولا ینتقل إلى غيره، وجامع كل ر کن فى الجملة ولو كان رکنا لما كان
كذلك - انتهى. وقد علم ما ذكرنا من كلام أصحاب الفروع وغيرهم أن ههنا عدة مسائل: الأولى أن الاحرام
فرض للحج والعمرة وهى مما أجمعوا عليه. والثانية هل هو شرط أو ركن؟ وهى خلافية، فذهبت الحنفية إلى أنه شرط
وقالت المالكية والشافعية والحنابلة إنه ركن. والثالثة أنه لا يد من النية وهى إجماعية. والرابعة هل التلبية فرض
للإحرام؟ وقد اختلفوا فيه فعند الحنفية شرط ، وعند المالكية واجب، وعند الشافعية والحنابلة سنة. وفى تركها أو
ترك اقصالها بالاحرام مدى عند القائلين بالوجوب وبالشرطية إذا انعقد الإحرام بدونها من قول أو فعل متعلق به .
والخامسة هل لا بد من التلبية خاصة أو يجزئ كل ذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية أو ما يقوم مقامه مما هو من
خصوصيات الحج والعمرة من تقليد البدنة مع السوق، وهى أيضا خلافية ، كما يدل عليه كلام صاحب الهداية وغيره.
والسادسة أنه إذا نوى بقلبه ما يحرم به من حج أو عمرة أو قران أو نسك من غير تعيين وعزم من قلبه على ذلك فهل
يتلفظ بالنية مع ذلك ويقول نويت الحج أو العمرة لله؟ فقالت الحنفية التلفظ بالنية مع ذلك حسن ليجتمع القلب
٤٢٤
٠٠ ...

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
واللسان ، قال ابن الهمام وغيره من محققى الحنفية: إن التلفظ بالنية مع ذلك إنما يحسن لمن لا يجتمع عزيمة
قلبه أما من اجتمعت عزيمته فلا يحسن له فى جميع العبادات ، بل هو بدعة - انتهى. وفى ((تحفة المحتاج)) من فروع الشافعية:
المحرم أى مريد الإحرام ينوى بقلبه وجوبا، لخبر «إنما الأعمال بالنيات، ولسانه ندبا للاتباع، وعقبهما يلي ندبا
فيقول (نويت الحج وأحرمت به لله تعالى، لبيك اللهم، إلخ. قال الشروانى: قوله ((ينوى بقلبه)) إلخ، أى دخوله فى حج
أو عمرة أو كليهما، وقوله ((ولسانه ندبا للاتباع)، إن أراد بالاتباع تسمية منويه فى تلبيته فمحتمل لكنه لا يستلزم المدعى
لأن المتبادر أن مراده التلفظ بنحو نويت الحج وأحرمت به، وإن أراد الاتباع فى هذا أيضا فقد ذكر المحقق ابن
الحمام فى شرحه على الهداية أنه لم يعلم أن أحدا من الرواة لنسكه مَّة روى أنه سمعه مزّم يقول نويت العمرة ولا
الحج - انتهى. وفى شرح مختصر خليل لبهرام: ومما يستحب عند الإحرام ترك التلفظ بما يحرم به، وروى عن
مالك كرامة التلفظ بذلك - انتهى. قلت: قد تواترت الروايات المصرحة بأنه مؤ لم أحرم من ذى الحليفة وسمى
وعين ما أحرم به من إفراد أو قران أو تمتع، واتفقت على تعيين النسك فى التلبية الأولى التى تكون عند عقد الاحرام
وإن اختلفت فى نوعه، وصرحت أيضا بأنه مَّ لبى عند ذلك كما ورد فى الروايات، وقال: خذوا عني مناسككم ، فعلينا
أن نأخذ عنه من مناسكنا الإحرام والتلبية والتسمية، وهذا القدر هو الذى قام عليه الدليل، أما كون الاحرام شرطا أو
وكنا وكون التلبية مسنونة أو مستحبة أو واجبة يصح الحج بدونها وتجبر بدم، وكذا كون الذكر الدال على تعظيم الله
سوى التلبية مجزئا والتلفظ بالنية بأن يقول نويت العمرة، أو نويت الحج، أو نويت العمرة والحج، أو اللهم إنى أريد
العمرة أو الحج، أو اللهم إنى أهل أو أحرم بكذا، فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله فى اتباعه مز ◌ّ ، فعلى
كل من وصل إلى ميقاته من يريد الحج أو العمرة أن يحرم وينوى بقلبه الدخول فى النسك الذى يريده ويعزم عليه بقلبه
لقول النبي مَّة "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، ويشرع له التلفظ بما نوى كما نقل، فإن كانت نية العمرة
قال: لبيك عمرة، أو اللهم ليك عمرة، وإن كانت نية الحج قال: لبيك حجا، أو اللهم لبيك حجا. لأن النبي مَّ فعل ذلك، ولا
يشرع له التلفظ بما نوى إلا فى الإحرام خاصة لوروده عن النبى مَّه، وأما الصلاة والطواف والصيام وغير ذلك من
العبادات فلا ينبغى له أن يتلفظ بشتى منها بالنية، لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعا لينه الرسول مؤلفاته
وأوضحه للأمة بفعله أو قوله ولسبق إليه السلف الصالح، هذا. والتابية مصدر لى أى قال «لبيك، قال العينى:
هى مصدر من أبي يلبي، وأصله لبب على وزن فعّلى لا فعلل فقلبت الباء الثالثة ياء استثقالا لثلاث باءات ثم قلبت ألفا
لتحركها وانفتاح ما قبلها، وما قال صاحب التلويح من أن قولهم: لى مشتق من لفظ لبيك كما قالوا: حمدل وحوقل ،
ليس بصحيح، ثم بسط فى الرد والتعقب عليه، قال: ومعنى التلبية الإجابة، فإذا قال الرجل لمن دعاه ((لبيك)) فمعناه
أجبت لك فيما قلت.
٤٢٥
١

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
( الفصل الأول )!
٢٥٦٤ - (١) عن عائشة، قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حرامه قبل أن يحرم،
٢٥٦٤ - قوله (كنت أطيب) أى أعطر (رسول اللّه مزيجٍ) قال الحافظ: استدل بقولها «كنت أطيب) على أن
((كان)) لا تقتضى التكرار لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرة واحدة، وقد صرحت فى رواية عروة عنها بأن ذلك كان فى
حجة الوداع كما سيأتى فى كتاب اللباس (أى عند البخارى) كذا استدل به النووى فى شرح مسلم ، وتعقب بأن المدعى
تكراره إنما هو التطيب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرر التطيب لأجل الاجرام مع كون الاجرام مرة واحدة، ولا
يخفى ما فيه. وقال النووى فى موضع آخر: المختار أنها لا تقتضى تكرارا ولا استمرارا، وكذا قال الفخر فى المحصول
وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه. قال: ولهذا استفدنا من قولهم ((كان حاتم يقرى الضيف، أن ذلك كان يتكرر منه.
وقال جماعة من المحققين: إنها تقتضى التكرار ظهورا، وقد تقع قرينة تدل على عدمه، لكن إستفاد من سياقه لذلك
المبالغة فى إثبات ذلك ، والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطيب لو تكرر منه فعل الاحرام لما اطلعت عليه من استحبابه
لذلك، على أن هذه اللفظة لم تنفق الرواة عنها عليها، فرواها مالك عند الشيخين ، وتابعه منصور عند مسلم، ويحيى بن
سعيد عند النسائى كلهم عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك بلفظ «كنت)، ورواه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن
القاسم عند البخارى بلفظ ((طبيبت رسول الله مزيه) وكذا سائر الطرق ليس فيها صيغة ((كان)) انتهى بزيادة يسيرة،
وتعقب العينى كلام الحافظ أن «سائر الطرق ليس فيها صيغة كان، وبسط الروايات التى وردت بصيغة كان، وقال بعد
ذكر استدلال النووى، وما اعترض به عليه: قال الإمام فخر الدين: إن ((كان)) لا تقتضى التكرار ولا الاستمرار
(أى عرفا ولا لغة) وجزم ابن الحاجب بانها تقتضيه. وقال بعض المحققين: تقتضى التكرار ولكن قد تقع
قرينة تدل على عدمه. قلت (قائه العينى) ((كان)) تقتضى الاستمرار بخلاف «صار، ولهذا لا يجوز أن يقال فى موضع
•كان الله)) ((صار) - انتهى. وذكر الشيخ تقى الدين فى شرح العمدة أنها تدل عليه عرفا لا لغة، والله تعالى أعلم
(لا حرامه) أى عند إرادته فعل الإحرام لأجل دخوله فيه (قبل أن يحرم) أى يدخل فيه، وفى رواية للنسائى («عند
إحرامه حين أراد أن يحرم، ولمسلم نحوه، واستدل به على استحباب التطيب عند إرادة الاحرام وأنه لا بأس
باستدامته بعد الإحرام، ولا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم ابتداؤه فى الإحرام. قال الولى العراقى فى «طرح
التشريب» (ج ٥: ص ٧٥): وهذا مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأبى يوسف وأحمد بن حنبل، وحكاه ابن المنذر عن سعد بن
أبى وقاص و ابن الزپر و ابن عباس وإسحاق وأبی ثوروأصحاب الرائى، وحكاه الخطابى عن أكثر الصحابة وحكاه ابن
عبد البر عن أبى سعيد الخدرى وعبد الله بن جعفر وعائشة وأم حبيبة وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشعبى والنخعى
٤٢٦

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
وخارجة بن زيد و محمد بن الحنفية. قال: واختلف فى ذلك عن الحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير ، وقال به الثوری
والأوزاعى وداود ، وحكاه النووى عن جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، وعد منهم غير من قدمنا
معاوية. وحكاه ابن قدامة عن ابن جريج. قال ابن المنذر: وبه أقول. وذهب مالك إلى منع أن يتطيب قبل
الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء ولا فدية عليه. وحكى الشيخ أبو الظاهر قولا بوجوب
الفدية وعلله بأن بقاء الطيب كاستعماله . وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيب قبل الاحرام بما تبقى عينه بعده، وحكى
ابن المنذر عن عطاء كراهة الطيب قبل الإحرام، وحكاه النووى عن الزهرى. قال القاضي عياض: وحكى أيضا عن
جماعة من الصحابة والتابعين. وقال ابن عبد البر: ومن كره الطيب للحرم قبل الإحرام عمر بن الخطاب وعثمان بن
عفان وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص وعطاء وسالم بن عبد الله على اختلاف عنه، والزهرى وسعيد بن جير
والحسن ، وابن سیرین علی اختلاف عھم ، وهو اختیار أبى جعفر الطحاوى إلا أن مالکا کان أخفهم فى ذلك قولا ،
ذكر ابن عبد الحكم عنه. قال: وترك الطيب عند الإحرام أحب إلينا - انتهى. وقال الشنقيطى فى أضواء البيان
(ج ٥: ص ٤٤٨): اعلم أن العلماء اختلفوا فى التطيب عند إرادة الاحرام قبله بحيث يبقى أثر الطيب وريحه أو عينه بعد
التلبس بالاحرام هل يجوز ذلك؟ لأنه وقت الطيب غير محرم ، والدوام على الطيب ليس كابتدائه كالنكاح عند من يمنعه
فى حال الاحرام مع إباحة الدوام على نكاح معقود قبل الاحرام، أو لا يجوز ذلك؟ لأن وجود ريح الطيب أو عينه أو
أثره فى المحرم بعد إحرامه كابتدائه للتطيب، ولأنه متلبس حال الاحرام بالطيب، مع أن الطيب منهى عنه فى الاحرام
فقال جماهير من أهل العلم: إن الطيب عند إرادة الاحرام مستحب. قال النووى فى شرح المهذب: قد ذكرنا أن
مذهبنا استحبابه، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، منهم سعد بن أبى وقاص وابن عباس
وابن الزبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة وأبو حنيفة والثورى وأبو يوسف وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وداود
وغيرهم ، إلخ. وقال النووى فى شرح مسلم: وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين منهم سعد
ابن أبى وقاص وابن عباس إلى آخره كما فى شرح المهذب. وقال ابن قدامة فى المغنى: يستحب لمن أراد الاحرام أن
يتطيب فى بدنه خاصة ، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية أو أثره كالعود والبخور وماء الورد، هذا قول ابن
عباس وابن الزبير وسعد بن أبى وقاص وعائشة وأم حبيبة ومعاوية. وروى عن محمد بن الحنفية وأبى سعيد
الخدرى وعروة والقاسم والشعبي وابن جريج، إلخ. وقال جماعة آخرون من أهل العلم: لا يجوز التطيب عند إرادة
الاحرام ، فإن فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وربحه. وهذا هو مذهب مالك. قال النووى فى شرح مسلم :
وقال آخرون بمنعه منهم: الزهرى ومالك ومحمد بن الحسن، وحكى أيضا عن جماعة من الصحابة والتابعين، إلخ.
وقال ابن قدامة فى المغنى: وكان عطاء يكره ذلك وهو قول مالك، وروى ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر رضى الله
٤٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
عنهم، إلخ - انتهى. قلت: هكذا أطلق ((مذاهب الأئمة الأربعة)) عامة شراح الحديث كالحافظ والنووى والعينى، ونقلة
المذاهب كابن رشد وابن قدامة وابن عبد البر وابن المنذر وغيرهم، لكن فى فروعهم تفاصيل فى هذه المسئلة ، ففى مفيد
الأنام لابن جاسر النجدى «ويسن لمريد الاحرام أن يتطيب ولو امرأة غير محدة لحرمة الطيب عليها، فى بدنه سواء
. كان الطيب مما تبقى عينه كالمسك أو أثره كالعود والبخور وماء الورد لقول عائشة: كنت أطيب رسول اللّه مز ◌ّ}
لإحرامه قبل أن يحرم - الحديث. قال شيخ الإسلام (يعنى ابن تيمية): وكذلك إن شاء المحرم أن يتطيب فى بدنه
فهو حسن ولا يؤمر المحرم قبل الاحرام بذلك، فإن النبي مَ ◌ّم فعله ولم يأمر به الناس - انتهى. ويكره لمريد الاحرام
قطيبه ثوبه الذى يريد الاحرام فيه، فإن طيه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فليس له لبسه والطيب فيه لأن
الاحرام يمنع الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة، فإن لبسه بعد نزعه وأثر الطيب باق لم يغسله حتى يذهب ، فدى
لاستعماله الطيب ، أو نقل الطيب من موضع بدنه إلى موضع آخر، أو تعمد مسه بيده فعلق الطيب بها ، أو نحى الطيب
عن موضعه ثم رده إليه بعد إحرامه فدى، لأنه ابتداء للطيب ، فإن ذاب الطيب بالشمس أو بالعرق فسال إلى موضع
آخر من بدن المحرم فلا شئ عليه لحديث عائشة قالت: كنا نخرج مع رسول اللّه مَّ إلى مكة فتضمد جباهنا بالسك
عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجها فيراها النبي ◌َّ فلا ينهاها. رواه أبو داود - انتهى. وهكذا ذكر
فى ((الروض المربع)) من فروع الحنابلة، ومذهب الشافعية فى الطيب عند الاحرام كمذهب الحنابلة، ففى «روضة المحتاجين)):
يسن أن يتطيب فى بدنه للاحرام قبله ولو بما له جرم ، ولا بأس باستدامته بعده. لكن لو نزع ثوبه المطيب وإن كان
لا يسن قطيبه ثم لبسه ورائحة الطيب موجودة فيه لزمه الفدية فى الأصح كما لو ابتدأ لبس الثوب المطيب أو أخذ الطيب
من بدنه ثم رده إليه، ولا عبرة بانتقال الطيب بإسالة العرق، ولو تعطر ثوبه من بدنه لم يضر جزما - انتهى. وفى
الدر المختار: وطيب بدنه إن كان عنده لا ثوبه بما تبقى عينه، هو الأصح. قال ابن عابدين: قوله «طیب بدنه» أى
استحبابا عند الاحرام واو بما تبقى عينه كالمسك والغالية هو المشهور. قال: والفرق بين الثوب والبدن أنه اعتبر فى
البدن تابعا، والمتصل بالثوب منفصل عنه. وأيضا المقصود من استنانه وهو حصول الارتفاق حالة المنع منه حاصل بما
فى البدن فأغنى عن تجويزه فى الثوب - انتهى. وفى البحر الرائق: يسن له استعمال الطيب فى بدنه قبيل الاحرام بما تبقى
عينه بعده أولا تبقى وكرهه محمد بما تبقى، وقيدنا بالبدن إذ لا يجوز التطيب فى الثوب بما تبقى عينه على قول الكل على
إحدى الروايتين عنهما. قالوا: وبه نأخذ. والفرق لهما بينهما أنه اعتبر فى البدن تابعا على الأصح، وما بالثوب منفصل
عنه فلم يعتبر تابعا - انتهى. واختار الطحاوى قول محمد ورجحه فى شرح الآثار، لكنه لم يذكر الفرق بين الثوب والبدن
فى قول الشيخين وكذا لم يفرق بينهما محمد فى موطأه. وكذا لا ذكر للفرق بينهما فى عامة كتب الحنفية، نعم فرق
بينهما ابن الهمام ، وقال بعد ذكر الفرق الذى تقدم عن ابن نجيم فى البحر: وقد قيل يجوز فى الثوب أيضا على قولهما .
٤٢٨
مـ
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
وقال فى ((غنية الناسك)): أما الثوب فلا يجوز أن يطيب بما تبقى عينه بعد الاحرام إجماعا. وقيل يجوز فى الثوب أيضا
عندهما كما فى الفتح والبحر ، والأولى أن لا يطيب ثوبه كما فى اللباب - انتهى. وقال الباجى: إن مالكا لا يجيز لأحد
من الأمة استعمال الطيب عند الاحرام إذا كان طيب تبقى له رائحة بعد الاحرام، ولا يدهن بدهن فيه ربح تبقى ، وإن
قطيب لاحرامه فلا فدية عليه ، لأن الفدية بإتلاف الطيب فى وقت منوع من إتلافه وهذا أتلفه قبل ذلك، وإنما تبقى منه
بعد الاحرام الرائحة ، وليس ذلك بإتلاف فتجب الفدية ، ورأيت لبعض الفقهاء أن من تطيب قبل الاحرام بما تبقى
رائحته فهو بمنزلة من قطيب بعد الاحرام، لأن استدامته كابتداء التطيب، فإن أراد بذلك أنه منوع فى الحالتين فهو
صحيح، وإن أراد به وجوب الفدية فليس بصحيح لأنها إنما تجب بإتلاف الطيب أو لمسه - انتهى. وفى الشرح الكبير
للدردير : وحرم عليهما قطيب بكورس إلا طيبا يسيرا باقيا فى ثوبه أو بدنه مما قطيب به قبل احرام فلا فدية عليه وإن
كره . قال الدسوقى: أى بشرط أن يكون الباقى أثره أو ريحه مع ذهاب جرمه. هذا مقتضى كلام سند، والذى يظهر من
كلام الباجى وغيره أنها لا تسقط الفدية إلا فى بقاء ريحه دون الأثر ، فقد اتفق الجميع على أنه إذا كان الباقى شيئا من
جرمه فالفدية واجبة . وإن كان الباقى رائحته فلا فدية. والخلاف فيما إذا كان الباقى أثره أى لونه دون جرمه ، فقيل
بعدم وجوبها وقيل بوجوبها - انتهى. قال الشنقيطى: أظهر قولى أهل العلم عندى أنه إن طيب ثوبه قبل الإحرام فله
الدوام على لبسه كتطيب بدنه، وأنه إن نزع عنه ذلك الثوب المطيب بعد إحرامه فليس له أن يعيد لبسه، فإن لبسه
صار كالذى ابتدأ الطيب فى الاحرام فتلزمه الفدية ، وكذلك إن نقل الطيب الذى تلبس به قبل الاحرام من موضع من
بدنه إلى موضع آخر بعد الإحرام فهو ابتداء تطيب فى ذلك الموضع الذى نقله إليه، وكذلك إن تعمد مسه بيده أو
تجاه من موضعه ثم رده إليه لأن كل تلك الصور فيها ابتداء تلبس جديد بعد الإحرام بالطيب وهو لا يجوز. أما إن
كان قد عرق فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر فلا شئ عليه فى ذلك لأنه ليس من فعله ، ولحديث عائشة عند
أبى داود الذی ذكرناه قریبا . وقال بعض علماء المالكية: ولا فرق فى ذلك بین أن یکون الطيب فی بدنه أو ثوبه ، إلا
أنه إذا نزع ثوبه لا يعود إلى لبسه ، فإن عاد فهل عليه فى العود فدية؟ يحتمل أن نقول: لا فدية ، لأن ما فيه قد ثبت
له حكم العفو كما لو لم ينزعه، وقال أصحاب الشافعى: تجب عليه الفدية لأنه لبس جديد وقع بثوب مطيب - انتهى من
المطاب. قلت: واحتج الجمهور القائلون باستحباب الطيب عند الإحرام بحديث عائشة الذى نحن فى شرحه، وقد
وقع فى رواية عنها عند مسلم ، قالت: طيبت رسول اللّه مؤ يدى بذريرة فى حجة الوداع للحل والاحرام. قال
الجزرى: الذريرة نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وقال النووى: هى فتات قصب طيب يجاء به من الهند. وفى
لفظ عند مسلم أيضا عن عروة قال: سألت عائشة رضى الله عنها بأى شئى طبيت رسول اللّه وَثم عند إحرامه؟ قالت:
٤٢٩

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
بأطيب الطيب. وفى رواية ((بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم، ثم يحرم)، وفى رواية عنها ((كان رسول اللّه مزفيه إذا
أراد أن يحرم، يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الدهن فى رأسه ولحيته)، وفى لفظ عنها «قالت: كنت أطيب
رسول اللّه ◌َّه قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك، كل هذه الألفاظ فى صحيح مسلم.
قالوا: فهذا الحديث الصحيح دليل صريح فى مشروعية الطيب قبل الإحرام وإن كان أثره باقيا بعد الإحرام، بل ولو
بقى عينه وريحه، لأن رويتها وببص الطيب فى مفارقه مَ ◌ّم وهو محرم صريح فى ذلك. قالوا وقد وردت آثار بذلك
تدل على عدم خصوصية ذلك برسول الله بُٹے ، فقد روى عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يفعل ذلك ، وروى عن
ابن عباس أنه أحرم وعلى رأسه مثل الرب من الغالية. وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير وهو محرم وعلى رأسه
ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال واحتج الذين منعوا ذلك بحديث يعلى بن أمية التميمى الآتى
فى باب ما يجتنبه المحرم، فقد صرح فيه النبي ويتم بغسل الطيب الذى تضمخ به يعلى قبل الإحرام وأمر بإنقائه، فهو
دليل واضح على أن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه لا يجوز له الدوام على ذلك بل يجب غسله وإنقاؤه. وقد اعتضد
حديث أبي يعلى هذا بعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة ، منهم عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص . قال
المالكية ومن وافقهم: قد تبين بهذه الآثار المروية عن هؤلاء الصحابة أن حديث يعلى غير منسوخ. قالوا: وإنكار عمر
ذلك فى خلافته على صحابيين معاوية والبراء بن عازب، وعلى تابعى كبير كثير بن الصلت بمحضر الجمع الكثير من الناس
صحابة وغيرهم مع عدم إنكار أحد عليه من أقوى الأدلة على تأويل حديث عائشة. قلت : قد أجاب الجمهور عن حديث
يعلى بوجهين : أحدهما أن قصته كانت بالجعرانة وهى فى سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت حديث عائشة الذى نحن فى
شرحه فى حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، والثانى أن المأمور بغسله فى قصة يعلى
إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب. فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهى عن
تزعفر الرجل مطلقا محرما وغير محرم. وفى حديث ابن عمر ((ولا يلبس أى المحرم من الثياب شيئا مسه زعفران))
وقد جاء مصرحا فى الحديث فى مسند أحمد (ج ٤: ص ٢٢٤) والطحاوى (ص ٣٦٤) «قال له أخلع عنك هذه الجبة
واغسل عنك هذا الزعفران، وأجاب المالكية عن حديث عائشة الذى احتج به الجمهور بوجوه منها أنهم حملوه على
أنه تطيب، ثم اغتسل بعده ، فذهب الطيب قبل الاحرام، قالوا: ويؤيد هذا قولها فى الرواية الأخرى طبيت رسول الله
وَّ عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرما ، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده لا سيما
وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ولا يبقى مع ذلك طيب. ويكون قولها : ثم أصبح ينضح طيبا،
أى قبل غسله، وقد وقع فى رواية للشيخين أن ذلك الطيب كان ذريرة وهى مما يذهبه الغسل. وقولها كانى أنظر إلى
وينص الطيب فى مفارق رسول اللّه مَّه وهو محرم، المراد به أثره لا جرمه، قاله القاضى عياض. وقال ابن العربى:
٤٣٠
1

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
ليس فى شئى من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت. وأجيب عن ذلك بأن دعوى أن التطيب للنساء لا
للاحرام، يرده صريح الحديث فى قولها «طيته لا.حرامه)) وادعاء أن اللام للتوقيت خلاف الظاهر، وادعاء أن الطيب
زال بالغسل قبل الإحرام، ترده الروايات الصريحة عن عائشة أنها كانت تنظر إلى وبيص الطيب فى مفرقه مؤثّم وهو
محرم، لأن الويص فى اللغة البريق واللعان، وهو رصف وجودى، والوصف الوجودى لا يوصف به المعدوم وإنما
يوصف به الموجود، فدل على أن الطيب الموصوف بالوبیص موجود بعينه، وهو يرد قول ابن العربی ((أنه لم يرد فى شتى
من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت)، ويزيده ما رواه أبو داود فى سننه. قال النووى : بإسناد حسن ، من
طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة رضى الله عنها قالت: كنا تخرج مع النبى مَّه إلى مكة فتضمد جباهنا بالسك المطيب
عند الإحرام، فإذا عرفت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ◌َّ فلا ينهانا. والسك - بضم السين وتشديد الكاف -
نوع من الطيب يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل ، فهذا حجة فى جواز بقاء عين الطيب فى المحرم بعد الإحرام إن
كان استعماله للطيب قبل الإحرام. قال الحافظ: يرد دعوى أنه لم يبق للطيب أثر بعد الغسل، قوله فى رواية أخرى
للحديث المذكور: ثم أصبح محرما ينضح طيا، فهو ظاهر فى أن نضح الطيب وهو ظهور رائحته كان فى حال إحرامه
ودعوى بعض المالكية أن فيه تقديما وتأخيرا، والتقدير: طاف على نسائه ينضح طيبا، ثم أصبح محرما ، خلاف
الظاهر. ويرده قوله فى رواية عند مسلم: كان إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ، ثم أراه فى رأسه ولحيته
بعد ذلك، وللنسائى وابن حبان: رأيت الطيب فى مفرقه بعد ثلاث وهو محرم وقال بعض المالكية: إن الويص كان
بقايا الدهن المطيب الذى تطيب به فزال وبقى أثره من غير رائحة، ويرده قول عائشة «ينضح طيا، وقال بعضهم:
بق أثره لا عينه. قال ابن العربى: ليس فى شئى من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت - انتهى. ثم ذكر الحافظ حديث
عائشة بنت طلحة عن عائشة وقال: فهذا صريح فى بقاء عين الطيب ولا يقال إن ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا
على أن الرجال والنساء سواء فى تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. وقال بعضهم: كان ذلك طيبا لا رائحة له
تمسكا برواية الأوزاعى عن الزهرى عن عروة عن عائشة .بطيب لا يشبه طبيكم، قال بعض رواته: يعنى لا بقاء له .
أخرجه النسائى. ويرد هذا التأويل ما فى الذى قبله، ولمسلم من رواية منصور بن زاذان عن عبد الرحمن بن القاسم:
بطيب فيه مسك. وله من طريق الحسن بن عبيد اللّه عن إبراهيم: كانى أنظر إلى وبيص المسك. وللشيخين من طريق
عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه ((بأطيب ما أجد)). والطحاوى والدار قطنى من طريق نافع عن ابن عمر عن عائشة ((بالغالية
الجيدة، وهذا يدل على أن قولها «بطيب لا يشبه وطبيكم)) أى أطيب منه، لا كما فهمه القائل يعنى ليس له بقاءانتهى. ومنها أن
ذلك التطيب خاص بهم وأجيب عن ذلك بأن حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة المتقدم نص فى عدم خصوص ذلك به
٤٣١

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
عَلَّم، ويعضده الآثار المروية عن بعض الصحابة كما تقدم عن ابن عباس وابن الزبير. وأما إنكار عمر وعثمان على بعض الصحابة
فهومما لا يعارض به الصحيح المرفوع إلى النبي مَِّ، لأن سنته أولى بالاتباع من قول كل صحابى مع أنهم خالفهم بعض الصحابة.
وقدثبت فى صحيح مسلم أن عائشة أنكرت ذلك على ابن عمر رضى الله عنهم. قال الحافظ: ادعى بعض المالكية أن ذلك
من خصائصه ◌َّم قاله المهلب وأبو الحسن القصار وأبو الفرج من المالكية، قال بعضهم: لأن الطيب من دواعى النكاح فنهى
الناس عنه وكان هو أملك الناس لاربه ففعله. ورجحه ابن العربى بكثرة ما ثبت له من الخصائص فى النكاح، وقد ثبت عنه أنه
قال حبب إلى النساء والطيب. أخرجه النسائى من حديث أنس، وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس. وقال المهلب: إنما
خص بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحى. وتعقب بأنه فرع ثبوت الخصوصية، وكيف بها ويردها حديث عائشة
بنت طلحة المتقدم، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة قالت: طبيت أبى بالمسك لاحرامه حين أحرم.
وقولها طيبت رسول اللّه تَّ يدى هاتين، أخرجه الشيخان. ومنها أن الدوام على الطيب بعد الاحرام كابتداء
الطيب فى الاحرام بجامع الاستمتاع بريح الطيب فى حال الاحرام فى كل منهما. وأجيب عن ذلك بأنه منتقض
بالنكاح فإن ابتداء عقده فى حال الاحرام ممنوع عند الجمهور خلافا لأبى حنيفة مع الإجماع على جواز الدوام على نكاح
وقع عقده قبل الاحرام، ثم أحرم بعد عقده الزوجان وهو دليل على أنه ما كل دوام كالابتداء، وقد تقرر فى الأصول
أن المانع بالنسبة إلى الابتداء والدوام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول هو المانع للدوام والابتداء معا كالحدث ، فإنه
مانع من ابتداء الصلاة ، مانع من الدوام عليها إذا طرأ فى أثناءها . والثانى هو المانع للدوام فقط دون الابتداء كالطلاق
فإنه مانع من الدوام على العقد الأول والاستمتاع بالزوجية بموجبه ، وليس مانعا من ابتداء عقد جديد والاستمتاع بها
بموجبه. والثالث هو المانع من الابتداء فقط دون الدوام كالنكاح بالنسبة إلى الاحرام، فإن الاحرام مانع من ابتداء
العقد ، وليس مانعا من الدوام على عقد كان قبله. قالوا : ومن هذا الطيب فإن الاحرام مانع من ابتدائه ، وليس
مانعا من الدوام عليه. ومنها أن حديث عائشة المذكور يقتضى إباحة الطيب لمن أراد الاحرام، وحديث
يعلى بن أمية يقتضى منع ذلك والمقرر فى الأصول أن الدال على المنع مقدم على الدال على الاياحة والجواز، لأن ترك
مباح أهون من ارتكاب حرام. وأجيب عنه بأن محل ذلك فيما إذا جهل المتقدم منهما ، أما إذا علم المتقدم فإنه يجب
الأخذ بالمتأخر، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث ، وقصة يعلى وقعت بالجعرانة عام ثمان بلا خلاف ، وحديث
عائشة فى حجة الوداع عام عشر ، ومن المقرر فى الأصول أن النصين إذا تعارضا وعلى المتأخر منهما فهو ناسخ للأول
كما هو معلوم فى محله. ومنها أن حديث يعلى من قول النبى مَثّ بلفظه الصريح فى الأمر بإزالة الطيب وإلقائه من البدن
وظاهره العموم لأن خطاب الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع فى التكليف ، والعموم القولى لا يعارضه فعل
٤٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
ولحله قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك،
التي تَّة لأنه مخصص له كما تقرر فى الأصول. وأجيب عنه بما قدمنا آنفا من الأدلة على أن ذلك الفعل الذى هو
التطيب قبل الاحرام ليس خاصا به كما دل عليه حديث عائشة المذكور. وقولها فى الصحيح ((طيبته بيدى هاتين)) صريح
فى أنها شار كته فى ملابسة ذلك الطيب. ومنها قياس الطيب على اللبس، وتعقب بأن استدامة اللبس لبس واستدامة الطيب
ليس بطيب ، ويظهر ذلك بما لو حلف، كذا فى الفتح، هذا. وقد اتضح بما ذكرنا من أدلة الفريقين ومناقشتها
أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه الجمهور. قال الشنقيطى: أظهر قولى أهل العلم عندى فى هذه المسألة أن
الطيب جائز عند إرادة الاحرام ولو بقيت ريحه بعد الاحرام لحديث عائشة المتفق عليه، ولا جماع أهل العلم على أنه
آخر الأمرين، والأخذ بآخر الأمرين أولى كما هو معلوم، وقد علمت الأدلة على أنه ليس من خصائصه مَ له وحديث
عائشة بعد حديث يعلى بسنتين، أى فيتعين الأخذ بحديث عائشة (ولحله) أى لأجل خروجه من إحرامه بعد أن يرمى
ويحلق (قبل أن يطوف بالبيت) أى طواف الإفاضة. وفى اللباس عند البخارى: قبل أن يفيض. والنسائى ((وحين
يريد أن يزور البيت، ولمسلم نحوه. والنسائى فى رواية أخرى (ولحله بعد ما يرمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت»
قال القارى: قوله ((قبل أن يطوف بالبيت، متعلق ب«حله)) وفيه دليل على أن الطيب يحل بالتحلل الأول خلافا لمن ألحقه
بالجماع (بطيب) متعلق بأطيب (فيه مسك) قد تقدم فى رواية أنه ذريرة، ولا تنافى إذ لا مانع أنهم كانوا يخلطون الذريرة
بالمسك. قال الحافظ: واستدل به على حل الطيب وغيره من محرمات الاحرام بعد رمى الجمرة ، ويستمر امتناع
الجماع ومتعلقاته الى الطواف بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين ، فمن قال: إن الحلق نسك كما هو قول الجمهور وهو
الصحيح عند الشافعية، يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه. ويؤخذ ذلك من كونه تن فى
حجته رمى ثم حلق ثم طاف فلو لا أن الطيب بعد الرمى والحلق لما اقتصرت على الطواف فى قولها «قبل أن يطوف
بالبيت» - انتهى. والحاصل أن إضافة الحل إلى ما قبل الطواف يؤمى إلى أن الحل الأصغر أى التحلل الأول هو بعد
الرمى والحلق وغيرهما ما سوى الطواف. وأعلم أن مهنا ثلاثة مسائل خلافية، الأولى: أن الحلاق هل هو نسك أو
إطلاق من محظور أى استباحة محظور، فذهب الجمهور إلى الأول، واختلف فيه قول الشافعى، والصحيح عند الشافعية
أن الحلق نسك كما تقدم فى كلام الحافظ. ولا شك أن الذى تدل نصوص الشرع على رجحانه أن الحلاق نسك على
من أتم نسكه، وعلى من فاته الحج، وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض. قال ابن قدامة: والحلق والتقصير
فسك فى الحج والعمرة فى ظاهر مذهب أحمد وقول الخرقى، وهو قول مالك وأبى حنيفة والشافعى ، وعن أحمد أنه ليس
بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرما عليه بالاحرام فأطلق فيه عند الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات
الاحرام الثانية: أن التحلل الأول مل يحصل بالرمى والحلق معا أو بالرمى فقط، فمن قال: إن الحلق نسك ، قال:
٤٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
إن التحلل الأول لا يكون إلا بعد الرمى والحلق معا، ومن قال: إن الحلق غير نسك، قال: يحصل التحلل الأول بمجرد
انتهائه من رمى جمرة العقبة يوم النحر، قال مالك: إذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل القمل، وحلق الشعر ، وإلقاء
التفث ولبس الثياب. قال الزرقانى: ولم يبق عليه من محرمات الاحرام سوى النساء والصيد ، وكره الطيب حتى يطوف
للإفاضة - انتهى. قال الباجى: وذلك أن موانع الاحرام على ضربين: رفث وإلقاء تفث ، فالرفث هو الجماع، وما فى
معناه مما يدعو إليه، وأما إلقاء التفث فهو كحلق الشعر وخلع ثياب الإحرام ، فأما إلقاء النفث فهو مباح بأول التحللين
وهو رمى الجمرة، وأما الرفث فإنه لا يستباح إلا بآخر التحللين وهو طواف الإفاضة - انتهى. قال الدردير: حل
برميها أى جمرة العقبة، وكذا بخروج وقت أدائها غير جماع ومقدماته وغير صيد ، فحرمتهما باقية ، وكره الطيب
وهذا هو التحلل الأصغر. ومذهب الحنفية فى المشهور عندهم أن الرمى غير محلل، ولا يحصل التحلل عندهم إلا بالحلق
أو التقصير، قال الشنقيطى (ج ٥: ص ٢٨٨): مذهب مالك أنه بمجرد رمى جمرة العقبة يوم النحر يحل له كل شئى
إلا النساء والصيد والطيب، والطيب مكروه عنده بعد رميها لاحرام. وإن طاف طواف الإفاضة وكان قد سعى حل
له كل شئى. ومذهب أبى حنيفة أنه إذا حلق أو قصر حل التحلل الأول ويحل به كل شئ عنده إلا النساء، وإن طاف
طواف الإفاضة حل له النساء، وهم يقولون: إن حل النساء بعد الطواف إنما هو بالحاق السابق لا بالطواف لأن الحلق هو
المحلل دون الطواف غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف فإذا طاف عمل الحلق عمله ، كالطلاق الرجعى أخر عمله إلى
القضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد، فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت. والدليل على ذلك أنه لو لم يحلق حتى طاف
بالبيت لم يحل له شئ حتى يحلق ، وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق إلا أن الحلق عندهم بعد رمى جمرة العقبة
وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر ، ومذهب الشافعى أنه على القول بأن الحلق نسك يحصل التحلل الأول باثنين من
ثلاثة هى رمى جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث
منها تحلل التحلل الثانى ، وبالأول يحل عنده كل شئ إلا النساء، وبالثانى تحل النساء، وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك،
فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين، هما رمى جمرة العقبة وطواف الإفاضة ، ويحصل التحلل الثانى بفعل الثانى.
ومذهب الإمام أحمد هو أنه إن رمى جمرة العقبة ثم حلق، تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده كل شئ إلا النساء.
فإن طاف طواف الإفاضة حلت له النساء - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٩٢): قول الخرقى ((قصر من
شعره ثم قد حل، يدل على أنه لا يحل إلا بعد التقصير، وهذا ينبنى على أن التقصير نسك وهو المشهور، فلا يحل إلا
به، وفيه رواية أخرى أنه إطلاق من محظور. وقال أيضا (ج ٣: ص ٤٣٩): ظاهر كلام الخرقى أن الحل إنما يحصل
بالرمى والحلق معا وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول الشافعى وأصحاب السرأى لقول النبي توفير: إذا
١
٤٣٤

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
وميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ إلا النساء، وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما ، ولأنهما نسكان
يتعقبهما الحل، فكان حاصلا بهما. وعن أحمد إذا رمى الجمرة فقد حل ، ولم يذكر الحلق، وهذا يدل على أن الحل
بدون الحلق، وهذا قول عطاء ومالك وأبى ثور، وهو الصحيح إن شاء اللّه تعالى لقوله فى حديث أم سلمة: إذا رميتم
الجمرة فقد حل لكم كل شئى إلا النساء، وكذلك قال ابن عباس. قال بعض أصحابنا : هذا مبنى على الخلاف فى الحلق هل
هو نسك أو لا؟ فإن قلنا: نسك، حصل الحل به وإلا فلا. وفى الروض المربع: يحصل التحلل الأول باثنين من حلق
ورمى وطواف ، والتحلل الثانى بما بقى مع سعى - انتهى. وبه جزم النووى فى مناسك فقال: أى اثنين منها أتى بها
حصل التحلل الأول، ويحصل التحلل الثانى بالعمل الباقى من الثلاثة. هذا على المذهب الصحيح المختار أن الحلق نسك
وقال الولى العراقى فى طرح التشريب (ج ٥: ص ٨٠): قال جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة: للحج
تحللان ، ثم اختلفوا فى أمرين (أحدهما) فيما يحصل به التحلل الأول، فقال الشافعية: إن قلنا إن الحلق نسك وهو
الصحيح المشهور حصل التحلل الأول بفعل أمرين من ثلاثة أمور وهى رمى جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة مع
سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل اثنين منها أى اثنين كانا حصل التحلل الأول. وإن قلنا إن الحلق
ليس نسكا حصل التحلل الأول بواحد من الرمى والطواف، فأيهما فعله أولا حل التحلل الأول، وعند أصحابنا يجوز
تقديم بعض هذه الأمور على بعض ، وترتيبها بتقديم الرمى ثم الحلق ثم الطواف مستحب فقط. قالوا: ولو لم يرم
جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فات البرمى ولزمه دم، ويصير كأنه رمى بالنسبة لحصول التحلل به. والأصح
عند الرافعى والنووى أنه يتوقف تحلله على الاتیان بيدله، لکن نص الشافعی على خلافه، وحکی الراضى وجها شاذا
أنه يحصل التحلل الأول بالرمى وحده أو الطواف وحده، ولو قلنا الحلق نسك. وقال الحنابلة: يحصل التحلل
الأول بالرمى والحلق وقال المالكية للحج تحللان يحصل أحدهما برمى جمرة العقبة والآخر بطواف الإفاضة ، ولو
قدم طواف الإفاضة على جمرة العقبة قال مالك وابن القاسم: يجزئه وعليه هدى. وعن مالك أيضا لا يجزئه ، وهو
كمن لم يفض ، وقال أصبغ: أحب إلى أن يعيد الإفاضة وهو فى يوم النحر آكد وقال الحنفية: إن التحلل الأول
بالحلق خاصة دون الرمى والطواف فليسا من أسباب التحلل، وفرقوا بأن التحلل هو الجناية فى غير أوانها ، وذلك مختص
بالحلق. وأما ذبح الهدى فليس مما يتوقف عليه التحلل، إلا أن الحنفية والحنابلة قالوا: إن المتمتع إذا كان معه هدى
لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر ... (الأمر الثانى) فيما يحل بالتحلل الأول - وهى المسألة الثالثة - وقد
اتفق هؤلاء على أنه يحل به ما عدا الجماع ومقدماته وعقد النكاح والصيد والطيب، وأجمعوا على أنه لا يحل الجماع.
واختلفوا فى بقية هذه الأمور فقال الشافعية: يحل الصيد والطيب، واختلفوا فى عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج،
٤٣٥

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
وفيه قولان الشافعى، أصمهما التحريم، كذا صحه النووى ، ونقله عن الأكثرين. وذكر الرافعى أن القائلين به أكثر
عددا، وقولهم أوفق لظاهر النص فى المختصر، لكنه صحح فى الشرح الصغير الحل. واقتضى كلامه فى المحرر
التفصيل بين المسألتين، فصرح باياحة عقد النكاح بالأول وجعل المباشرة داخلة فيما يحل بالثانى، وكلام الحنابلة موافق
المرجح عندنا. وعبارة الشيخ مجد الدين ابن تيمية فى المحرر: ثم قد حل من كل شئى إلا النساء، وعنه: يحل إلا من
الوطء فى الفرج، وكذا مذهب الحنفية. قال صاحب الهداية: وقد حل له كل شئى إلا النساء، ثم قال: ولا يحل
الجماع فيما دون الفرج عندنا خلافا للشافعى، فنصب الخلاف معه على أحد قوليه. وأما عقد النكاح فهو جائز عندهم
فى الاحرام وقال المالكية: يستمر تحريم النساء والصيد والطيب إلا أنهم أوجبوا فى الصيد الجزاء ولم يوجبوا فى
الطيب الفدية كما تقدم. قال ابن حزم الظاهرى: وهذا عجب، فإن احتجوا بالأثر الوارد فى تطيب التى مؤلّم قبل أن
يطوف بالبيت قلنا: لا يخلو هذا الأثر من أن يكون صحيحا ففرض عليكم ألا تخالفوه، وقد خالفتموه ، أو غير صحيح
فلا تراعوه، وأوجبوا الفدية على من تطيب كما أوجبتموها على من قصيد. وقال ابن عبد البر: راعى مالك الاختلاف
فى هذه المسألة ظم ير الفدية على من قطيب بعد رمى جمرة العقبة وقبل الإفاضة. وقال أبو العباس القرطى: اعتذر بعض
أصحابنا عن هذا الحديث بادعاء خصوصية النبى تحديث بذلك. قلنا: الأصل التشريع وعدم التخصيص، والقول
بالتخصيص يحتاج إلى دليل ، وليس ثم دليل على ذلك. وقال ابن العربى: هذا مسألة مشكلة قديما، اختلف السلف
فيها على أربعة أقوال، الأول: أن من رمى الجمرة حل له كل شئى إلا النساء والطيب. الثانى: زاد مالك ((والصيد)»
لقوله تعالى ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم - ٥: ٩٥) وهذا حرام بعد. الثالث: قال عطاء إلا النساء والصيد لأن الطيب
حل بفعله عَّ فبقى النساء والصيد على تحريمه. الرابع: النساء خاصة، وهو قول الشافعى وهو حديث عائشة وهو
الصحيح. وبه قال ابن عباس وطاوس وعلقمة - انتهى. قلت: وفيه قول خامس كما قال ابن المنذر وهو أن المحرم
إذا رمى الجمرة يكون فى ثوبه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. قال ابن قدامة: روى عن عروة أنه قال:
لا يلبس القميص، ولا العمامة ولا يتطيب. وروى فى ذلك عن النبي ◌َبّ حديثا وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم
فيما أبيح للحاج بعد رمى جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد الله،
وطاوس، والنخعى، وعبد الله بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى:
يحل له كل شئ إلا النساء، وروينا ذلك عن ابن عباس، وقال عمر بن الخطاب وابن عمر: يحل له كل شئ إلا النساء
والطيب. وقال مالك: يحل له كل شئى إلا النساء والطيب والصيد - انتهى. قال الباجى: مذهب مالك المنع من ذلك
ومن دواعى النكاح. قال: ومن رمى جمرة العقبة حل له كل شئى إلا النساء والطيب والصيد، فإذا أفاض حل له كل
شهى، فمن قطيب قبل أن يفيض فلا فدية عليه، لأنه وجد منه أحد التحللين، ووجه آخر أنه محل اختلف فى استباحة
١
٤٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
استعمال الطيب فيه فلم يجب له فدية ، أصل ذلك التطيب للاحرام - انتهى. وقال الأبى: القول بسقوط الفدية هو له فى
المدونة. وعنه رواية أخرى بشوتها، ولا يتحقق لزومها إلا إذا كان المنع على وجه التحريم - انتهى. وذكر ابن
قدامة فى المغنى (ج ٣: ص ٤٣٨) اختلاف العلماء فى هذه المسئلة نحو ما تقدم عن ابن المنذر، وقال: إن المحرم إذا رمى
جمرة العقبة ثم حلق حل له كل ما كان محظورا بالاحرام إلا النساء، هذا الصحيح من مذهب أحمد أص عليه فى رواية جماعة
فيقى ما كان محرما عليه من النساء من الوطء والقبلة والس بشهوة وعقد النكاح، ويحل له ما سواه ، وعن أحمد أنه يحل
له كل شئ إلا الوطء فى الفرج لأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك بخلاف غيره - انتهى. وفى الروض المربع من
فروع الحنابلة: ثم إذا رمى وحلق أو قصر فقد حل له كل شئى كان محظورا بالاحرام إلا النساء وطنا ومباشرة
وقبلة ولمسا بشهوة وعقد نكاح - انتهى. وبه جزم النووى فى المناسك إذ قال: ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات
بالاحرام إلا الاستمتاع بالنساء فإنه يستمر تحريمه حتى يتحلل التحللين، وكذا يستمر تحريم المباشرة بغير الجماع على
الأصح، زاد ابن حجر: أى وتحريم عقد النكاح كما فى المنهاج وغيره ـ انتهى. وقال العينى (ج ١٠: ص ٩٣)
بعد ذكر اختلاف العلماء عن ابن المنذر: قلت مذهب عروة وجماعة من السلف أنه لا يحل الحاج اللباس والطيب يوم
النحر وإن رمى جمرة العقبة وحلق وذبح حتى تحل له النساء، ولا تحل له النساء حتى يطوف طواف الزيارة. وقال
علقمة وسالم وطاوس وخارجة بن زيد وإبراهيم النخعى وأبو يوسف ومحمد والشافعى وأحمد فى الصحيح وأبو ثور
وإسحاق: إذا رمى المحرم جمرة العقبة ثم حلق حل له كل شئى كان محظورا بالاحرام إلا النساء، واختلفوا فى حكم
الطيب فقال أبو حنيفة أصحابه والشافعى وأصحابه وأحمد فى رواية: حكم الطيب حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس.
وقال مالك وأحمد فى رواية: حكم الطيب حكم الجماع فلا يحل له حتى يحل الجماع - انتهى . قلت: قد تقدم فى بيان
المسئلة الثانية أن المحلل عند الحنفية الحلق ، ولذا قال القارى فى شرح اللباب: حكمه أى حكم الحلق التحلل فياح به جميع
ما حظر بالاحرام من الطيب والصيد ولبس المخيط وغير ذلك إلا الجماع ودواعيه كالتقبيل واللمس على ما ذكره
الكرمانى ، لكن فى منسك الفارسى والطرابلسى: لا يحل الجماع فيما دون الفرج بخلاف الس والقبلة - انتهى. ولعل
مرادهما أنهما مكروهان بخلاف الجماع فيما دون الفرج فإنه حينئذ حرام فلا تنافى ، فإنه أى الجماع وتوابعه
يتوقف حله على طواف الإفاضة - انتهى. قال الشنقيطى: لم أر لمالك بالنسبة إلى الصيد مستندا من النقل إلا
أمرين: أحدهما أثر مروى عن مكحول عن عمر رضى الله عنه أنه قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئى إلا النساء والطيب
والصيد. ذكر هذا الأثر صاحب المهذب. وقال النووى فى شرحه: وأما الأثر المذكور عن عمر رضى الله عنه فهو
مرسل، لأن مكحولا لم يدرك عمر ، فحديثه عنه منقطع. والثانى التمسك بظاهر قوله تعالى ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم
حرم - ٥: ٩٥) لأن حرمة الجماع المنفق عليها بعد رمى جمرة العقبة دليل على بقاء إحرامه فى الجملة فيشمله عموم
٤٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية لما حرم عليه الوطء. وأما حجته أعنى مالكا بالنسبة
إلى النساء والطيب فهى ما روى فى موطأه عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب خطب
الناس بعرفة وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال: إذا جثتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا
النساء والطيب، لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت. قال الباجى: لم يذكر عمر تحريم الصيد لأن المقيم
بها مقيم بالحرم، والصيد ممنوع فيه للحلال فلا يستبيحه لطواف الإفاضة ولا غيره، وإنما تكلم على ما يستباح بطواف
الإفاضة ويمنع منه الاحرام خاصة دون حرمة الحرم. ولا خلاف على المذهب أن الصيد منوع فى ذلك الوقت فى
الحل ، فلو أصابه فى الحل قبل طواف الإفاضة لكان عليه جزاؤه، وقد قال به ابن القاسم - انتهى. ومما يستدل
به لمالك على منع الطيب ما رواه الحاكم فى المستدرك (ج ١: ص ٤٦١) من طريق يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد.
عن عبد الله بن الزبير، قال: من سنة الحج أن يصلى الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى ثم
يغدو إلى عرفة - الحديث. وفيه: فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شئى حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور
البيت. ثم قال: هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولم يتعقبه عليه الذهبي. ولا يخفى أن هذه الآثار
لا تصلح لمعارضة أحاديث حل الطيب المرفوعة الصحيحة ، وعلى فرض أن أثر ابن الزبير مرفوع ، فهو أيضا لا يعتد به
بجنب الأحاديث الدالة على حل الطيب ولا سيما وهى مثبتة لحله. قال الشنقيطى: وأما حجة من قال: إنه إن رمى
جمرة العقبة وحاق حل له كل شىء إلا النساء، كأحمد والشافعى ومن وافقهما فمنها حديث عائشة المتفق عليه يعنى الحديث
الذى نحن فى شرحه، وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظا متعددة متقاربة معناها واحد، ومنها ما رواه أحمد (ج ١:
ص ٢٣٤، ٣٤٤، ٣٦٩) والنسائي وابن ماجه والطحاوى والبيهقى من طريق الحسن العرنى عن ابن عباس ، قال: إذا
وميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئى إلا النساء. قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله
يضمخ رأسه بالمسك، أنطيبُ ذلك أم لا؟ قال فى البدر المنير: إسناده حسن كما قاله المنذرى، إلا أن يحي بن معين
وغيره قالوا: إن الحسن العرفى لم يسمع من ابن عباس. ومنها ما رواه أحمد وأبو داود والدار قطنى والبيهقى
وسعيد بن منصور والطحاوى من طريق الحجاج بن أرطاة عن الزهرى عن عمرة عن عائشة ، قالت: قال رسول الله
عَّ: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شىء إلا النساء. قال أبو داود ويحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة:
إن الحجاج لم ير الزهرى ولم يسمع منه شيئا. ورواه الطحاوى والبيهقى أيضا من طريق الحجاج بن أرطاة عن أبى بكر
ابن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة. قال المنذرى: قد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الحجاج بن أرطاة
لا يحتج بحديثه ـ اتهى. وقد ذكر المصنف حديث ابن عباس المتقدم وحديث عائشة هذا فى باب خطبة يوم النحر
٤٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الإحرام والتلبية
ورمى أيام التشريق، ويأتى بقية الكلام عليهما هناك إن شاء الله. ومنها ما رواه أبو داود والحاكم (ج ١: ص ٤٨٩،
٤٩٠) والبيهقى من حديث أم سلمة: أن رسول اللّه مَ اللّه قال يوم النحر: إن هذا يوم رخص لكم إذا رميتم أن تحلوا
يعنى من كل ما حرمتم منه إلا النساء. وفى إسناده محمد بن إسحاق، ولكنه صرح بالتحديث ، قال الحافظ :
واعتذر بعض المالكية عن الأحاديث الدالة على حل الطيب بعد رمى جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة بأن عمل أهل
المدينة على خلافها، وتعقب بما رواه النسائى من طريق أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن
عبد الملك لما حج جمع ناسا من أهل العلم منهم القاسم بن محمد وخارجة بن زيد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر.
وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فسألهم عن التطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره به ، فهؤلاء
فقهاء أهل المدينة من ا. بعين قد اتفقوا على ذلك فكيف يدعى مع ذلك العمل على خلافه؟ قال الشنقيطى: وأما ما
ذكرنا عن الشافعى من أنه يحل له كل شىء إلا النساء باثنين من ثلاثة: هى الرمى والحلق والطواف وتحل النساء بالثالث
منها ، بناء على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك يحل له كل شىء إلا النساء بواحد من اثنين: هما الرمى والطواف
وتحل له النساء بالثانى منهما لم نعلم له نصا يدل عليه هكذا، والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل فى التحلل ، وقد دل
النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمى والحلق فجعل هو الطواف كواحد منهما قال : والتحقيق أن
الطيب يحل له بالتحلل الأول لحديث عائشة المتفق عليه الذى هو صريح فى ذلك، وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفك ،
وأن الجماع لا يحل إلا بالتحلل الأخير، وأما حلية الصيد بالتحلل الأول فهى محل نظر، لأن الأحاديث التى فيها
التصريح بأنه يحل له كل شئى إلا النساء، قد علمت ما فيها من الكلام ، وحديث عائشة المتفق عليه، لم يتعرض لحل الصيد،
وظاهر قوله ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول لأن حرمة الجماع تدل على أنه متلبس
بالاحرام فى الجملة وإن كان قد حل له بعض ما كان حراما عليه - انتهى كلام الشنقيطى. تنبيه : عقد الترمذى لحديث
عائشة هذا «باب ما جاء فى الطيب عند الإحلال قبل الزيارة)) وقال بعد روايته: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم
من أصحاب النبي ◌َّةٍ وغيرهم يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر وذبح وحلق أو قصر فقد حل له كل
شئ إلا النساء، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق (وهو قول الحنفية) وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال : حل
له كل شئى إلا النساء والطيب (أخرجه محمد فى الموطأ بلفظ «من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هديا إن كان معه،
حل له ما حرم عليه فى الحج إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت،) وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب
النبي ◌َّ وغيرهم (وبه قال ابن عمر رضى الله عنه وهو قول مالك) وهو قول أهل الكوفة (ليس المراد بأهل الكوفة
الامام أبا حنيفة لأن مذهبه فى هذا الباب هو ما ذهب إليه الشافعى وأحمد وإسحاق. قال محمد فى الموطأ بعد رواية
أثر عمر المذكور: هذا قول عمر وابن عمر، وقد روت عائشة خلاف ذلك. قالت: طبيت رسول اللّه مَّ بيدى هاتين
٤٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
١ - باب الاحرام والتلبية
كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارق رسول الله مطلع وهو محرم.
بعد ما حلق قبل أن يزور البيت. فأخذنا بقولها، وعليه أبو حنيفة والعامة من فقهائنا - انتهى.) والعبارات المذكورة
بين القوسين كلها لشيخنا فى شرح كلام الترمذى، وكلام شيخنا فى شرح هذا المقام وكذا كلام الترمذى كلاهما واضح
بين حق وصواب ليس فيه أدنى خفاء وغموض لكن مع وضوحه لم يفهمه البنورى بل أخطأ خطأ فاحشا فاعترض على
شیخنا ، ولیس ذلك إلا لسوء فهمه وسقمه:
وکم من عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم
أو لعداءه الكامن فى قلبه مع أصحاب الحديث عامة ومع شيخنا خاصة حيث اعترض عليه ولم يدر ما يخرج من فيه وما
يسود به القرطاس قال البنورى فى «معارف السنن)) (ج٦: ص ٥٢٦): وما ذكره الترمذى من عدم الجواز قول أهل
الكوفة فليس هو مذهب أهل الكوفة من الإمام أبى حنيفة وأصحابه، بل هو مذهب محمد بن الحسن الشيبانى من
أصحابه كما صرح به فى الموطأ بعد رواية أثر عمر الفاروق: فقال وبهذا نأخذ ... قال: وأما أبو حنيفة فإنه كان لا يرى
به بأسا - انتهى. هكذا عبارة الامام محمد فى موطئه وما ذكره الشيخ المباركفورى فى تحفته معزوا إلى الموطأ فقد غلط
وأخطأ فى نقل عبارته، ولا أدرى ماذا حدث له، والله أعلم - انتهى كلام البنورى. قلت: لم يخطأ شيخنا فى نقل
العبارة عن الموطأ كما لا يخفى على من طالع موطأه (ص ٢٢٧) باب ما يحرم على الحاج بعدرمى جمرة العقبة يوم النحر
فكل ما كتبه شيخنا فى شرح الترمذى فى هذا الباب هو حق وصواب . نعم كلام البنورى يدل على أنه لم يفهم كلام الترمذى
أصلا حيث نقل كلام الإمام محمد عن موطأه من باب من قطيب قبل أن يحرم (ص ١٩٧، ١٩٨) مع أنه لا
علاقة لهبما ذكره الترمذى فى الباب المذكور من أثر عمر ، واختلاف أهل العلم فى مسئلة التطيب بعد الرمى والحلق قبل
طواف الزيارة (كأنى أنظر) أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه
(إلى وبيص الطيب) أى بريقه ولمعانه، وفى رواية لمسلم «وبيص المسك)) والوبيص بفتح الواو وكسر الموحدة
بعدها ياء تحتانية ثم صاد مهملة البريق، من وبص الشئى بيص وبيصا أى برق. وقال الاسماعيلى: الوبيص زيادة على
البريق وأن المراد به الثلاث وأنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط (فى مفارق رسول اللّه مَ له) بفتح الميم جمع
مفرق بفتح الميم وكسر الراء ويجوز فتحها وهو المكان الذى يفرق فيه الشعر فى وسط الرأس. قيل: ذكرته بصيغة الجمع
نظرا إلى أن كل جزء منه كان مفرقا. قال القارى: المفرق وسط الرأس الذى يفرق فيه شعر الرأس ، وإنما ذكر على لفظ
الجمع تعميما لسائر جوانب الرأس التى يفرق فيها كأنهم سمواكل موضع منه مفرقا وفى رواية للشيخين ((مفرق)) على
: لفظ الواحد وهكذا ذكره البغوى فى مصابيح السنة. وفى رواية البخارى فى اللباس, كنت أطيب النبى مؤثّ بأطيب ما.
يحد حتى أجد و بیص الطيب فى رأسه ولحيته، (وهو محرم) زاد النسائى وابن حبان وابن ماجه «بعد ثلاث». وفيه دليل
١
٤٤