النص المفهرس
صفحات 381-400
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه أبو داود .
يدل عليه ما روى البيهقى (ج ٥: ص ١٦٥) والطبرانى فى الكبير عن ابن مسعود، قال: لا يقولن أحدكم إنى صرورة
فإن المسلم ليس بصرورة، وما روى الدار قطنى (ص ٢٨٦) والبيهقى (ج ٥: ص ١٦٤، ١٦٥) عن ابن عباس أن
النبيِ مَُّ نهى أن يقال للمسلم صرورة. الثانى: أنه الذى قد انقطع عن النكاح وتبتل على مثل رهبانية النصارى فنهى عن
ذلك، قال الزرقانى. ويسمى من لم يتزوج صرورة أيضا لأنه صر الماء فى ظهره وتبتل على مذهب الرهبانية - انتهى.
وقال القارى: وقيل المراد بالصرورة التبتل وترك النكاح أى ليس فى الاسلام بل هو فى الرهبانية، وأصل الكلمة من
الصر وهو الحبس. الثالث: أن المراد من قتل فى الحرم قتل، ولا يقبل قوله: إنى صرورة ما حججت ولا عرفت
حرمة الحرم كان الرجل فى الجاهلية إذا أحدث حدثا فلجأ إلى الكعبة لم يهج ، فكان إذا لقيه ولى الدم فى الحرم ، قيل هو
صرورة فلا تهجه، قال الخطابى فى المعالم (ج ٢: ص ٢٧٨): الصرورة تفسر تفسيرين: أحدهما أن الصرورة هو الرجل
الذى قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى، ومنه قول النابغة:
عبد الإله صرورة متلبد
لو أنها عرضت لأشمط راهب
والوجه الآخر أن الصرورة هوالرجل الذى لم يحج، فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج
فلا يحج حتى لا يكون صرورة فى الاسلام - انتهى. قال ابن الأثير (ج ١: ص ٢٨١): حديث ((لا صرورة فى
الإسلام، قال أبو عبيد: هو فى الحديث التبتل وترك النكاح، أى ليس ينبغى لأحد أن يقول: لا أتزوج لأنه ليس من
أخلاق المؤمنين وهو فعل النصارى. والصرورة أيضا: الذى لم يحج قط، وأصله من الصر الحبس والمنع ، وقيل:
أراد من قتل فى الحرم قتل ، إلى آخر ما ذكرنا فى بيان المعنى الثالث، والظاهر أن أبا داود والحاكم والبيهقى رجحوا
أن الصرورة فى الحديث هو الذى لم يحج فأخرجوا الحديث فى أبواب الحج (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد
(ج ١: ص ٣١٢) والحاكم (ج ١: ص ٤٤٨) والبيهقى (ج ٥: ص ١٦٤) كلهم من طريق ابن جريج عن عمر بن
عطاء عن عكرمة عن ابن عباس وقد سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي،
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على هذا الحديث فى شرح المسند (ج ٤: ص ٣٠٣): إسناده صحيح عمر بن عطاء
(راوى الحديث عن عكرمة) هو عمر بن عطاء بن أبى الخوار بضم الخاء وتخفيف الواو وآخره راء، ثقة وثقه ابن معين
وأبو زرعة وغيرهما، وأعل بعضهم هذا الحديث وضعفه بأن عمر بن عطاء فيه هو عمر بن عطاء بن ورازبفتح الواو وتشديد
الراء وآخره زاى وهو ضعيف لقول الإمام أحمد: كل شئ روى ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة فهو ابن وراز،
وكل شئ روی ابن جريج عن عمر بن عطاء عن ابن عباس فهو ابن أبى الخوار ، کان کبیراً، قيل له: أ یروی ابن
أبى الخوار عن عكرمة؟ قال لا. وكذا جاء نحو هذا عن ابن معين. قال: عمر بن عطاء الذی یروى عنه ابن جريج
٣٨١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
٢٥٤٧ - (١٩) وعنه، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: من أراد الحج فليعجل.
يحدث عن عكرمة ليس هو بشئى، وهو ابن وراز، وهم يضعفونه، كل شئى عن عكرمة فهو ابن وراز، وعمر بن عطاء بن أبى الخوار
ثقة. وأما ابن حبان فقد جمعهما رجلا واحدا فوهم، ذكره فى الثقات باسم «عمر بن عطاء بن وراز بن أبى الخوار، وأما
أن ابن أبى الخوار كبير يروى عن ابن عباس، فلا يمنع أن يروىء عكرمة الذى من طقته ، وقد بین أبو داود أن
هذا الراوى هو ابن أبى الخوار، فروى الحديث من طريق أبى خالد الأحمر سليمان بن حيان عن ابن جريج عن عمر بن
عطاء يعنى ابن أبى الخوار عن عكرمة. وأخطأ المنذرى خطأ شديدا فقال «فى إسناده عمر بن عطاء وهو ابن أبى الخواروقد
ضعفه غير واحد من الأئمة)). وقد تبع فى هذا الخطأ أبا داود فقد قال الآجرى: سألت أبا داود عن عمر بن عطاء
الذى روى عنه ابن جريج. فقال: هذا عمر بن عطاء بن أبى الخوار بلغنى عن يحى أنه ضعفه. قال الحافظ : كذا
قال ، والمحفوظ عن يحى أنه وثقه وضعف الذى بعده. يعنى ابن وراز. انظر ترجمتيهما فى التهذيب (ج ٧ : ص ٤٨٣،
٤٨٤) والحديث رواه الحاكم أيضا، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وفى الباب عن ابن أخى
جبير بن مطعم قال: قال رسول اللّه مَّم: لا صرورة فى الإسلام. ذكره الحافظ فى المطالب العالية (ج ١: ص ٣١٢)
وعزاه لأبى بكر وأحمد بن منيع .
٢٥٤٧ - قوله (من أراد الحج) أى قدر على أدائه، لأن الإرادة مبدأ الفعل والفعل مسبوق بالقدرة ، فأطلق أحد
سبي الفعل على الآخر ، والعلاقة الملابسة لأن معنى قوله (فليعجل) فظيغتنم الفرصة إذا وجد الاستطاعة من القوة والزاد
والراحلة ، والمراد قبل عروض مانع، وقوله (فليعجل)، بتشديد الجيم من التعجيل كذا فى جميع النسخ، وكذا وقع فى
المصابيح ، والذى فى السنن لأبى داود والدارمى فليتعجل أى من التعجل، وهكذا ذكره ابن كثير فى التفسير والسيوطى
فى الجامع الصغير والمجد فى المنتقى والجزرى فى جامع الأصول (ج٣: ص ٣٨٣) وكذا وقع عند أحمد (ج ١، ص ٢٢٥)
والحاكم (ج ١: ص ٤٤٨) والبيهقى (ج ٤: ص ٣٣٩، ٣٤٠) وفى بعض نسخ الدارمى ((فليستعجل» أى من
الاستعجال. قال الطيبي: التفعيل بمعنى الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستثخار -
انتهى. وزاد فى رواية أحمد (ج ١: ص ٢١٤، ٣٢٣) وابن ماجه والطحاوى والبيهقى (ج ٤: ص ٣٤٠) «فإنه قد
يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة، (أى التى تمنعه عن أداء النسك) ومعنى ((يمرض المريض) أى من قدر له
المرض مرض فيمنعه ذلك عن الحج ، قال الحفنى: أى قد يطرأ المرض على الصحيح الذى يؤل أمره إلى كونه مريضا
ففيه مجاز الأول، وقال الزمخشرى: هذا من قبيل المجاز باعتبار الأول إذ المريض لا يمرض بل الصحيح، فسمى
المشارف المرض والضلال مريضا وضالة، كما سمى المشارف للوت ميتا، ومنه ( لا يلدوا إلا فاجرا كفارا - ٧١:
٣٨٢
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
٢٨) أى صائرا إلى الفجور والكفر - انتهى. والقصد الحث على الاهتمام بتعجيل الحج قبل العوارض والموانع،
وفيه دليل على أن الحج واجب على الفور، وقد اختلف العلماء هل الحج واجب على الفور أم على التراخى؟ هممن
قال إنه واجب على الفور الإمام أحمد وأبو يوسف وجمهور أصحاب أبي حنيفة والمزنى من أصحاب الشافعى. قال
النووى: ولا نص فى ذلك لأبى حنيفة ، وكان الكرخى يقول: هو مذهب أبى حنيفة. وقال صاحب تبين الحقائق فى
الفقه الحنفى: إن القول بأنه على الفور قول أبى يوسف ، وعن أبى حنيفة ما يدل عليه، فإن ابن شجاع روى عنه أن
الرجل إذا وجد ما يحج به وقد قصد التزوج قال يحمج ولا يتزوج، لأن الحج فريضة أوجبها الله على عبده ، وهذا
يدل على أنه على الفور د انتهى. وقال القارى: الأصح عندنا أن الحج واجب على الفور ، وهو قول أبی یوسف، وعن
أبى حنيفة ما يدل عليه، فذكر رواية ابن شجاع عنه، وأما مذهب مالك فعنه فى المسئلة قولان مشهوران كلاهما شهره
بعض علماء المالكية أحدهما على الفور ، والثانى أنه على التراخى، ومحل الخلاف المذكور ما لم يحس الفوات بسبب من
أسباب الفوات ، فإن خشيه وجب عندهم فورا اتفاقا، وممن قال إن وجوبه على التراخى: الشافعى وأصحابه. قال
النووى: وبه قال الأوزاعى والثورى ومحمد بن الحسن ونقله الماوردى عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس،
قال القارى: وقال محمد: وهو رواية عن أبى حنيفة، وقول الشافعى إنه على التراخى إلا أن يظن فواته لو أخره ، لأن
الحج وقته العمر نظرا إلى ظاهر الحال فى بقاء الإنسان ، فكان كالصلاة فى وقتها ، يجوز تأخيره إلى آخر العمر كما يجوز
تأخيرها إلى آخر وقتها ، إلا أن جواز تأخيره مشروط عند محمد بأن لا يفوت، يعنى لو مات ولم يحج أثم . ولأبى يوسف
«إن الحج فى وقت معين من السنة والموت فيها ليس بنادر فيضيق عليه للاحتياط لا لانقطاع التوسع بالكلية، فلو حج
فى العام الثانى كان مؤديا باتفاقهما ، ولو مات قبل العام الثانى كان آ ثما باتفاقهما، وثمرة الخلاف بينهما إنما تظهر فى حق تفسيق
المؤخر، ورد شهادته عند من يقول بالفور، وعدم ذلك عند من يقول بالتراخى كذا حققه الشمنى - انتهى. واحتج
من قال إنه على التراخى بأدلة منها أنهم قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، وقيل سنة تسع، ولا خلاف أن
آية ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله) الآية، نزلت عام ست من الهجرة فى شأن ما وقع من الحديبية من إحصار المشركين
رسول الله مؤتم وأصحابه وهم محرمون بعمرة، وذلك فى ذى القعدة من سنة ست، وإذا كان الحج فرض عام ست
وكان النبي ◌َّه لم يحج إلا عام عشر فذلك دليل على أنه على التراخى، إذ لو كان على الفور لما أخره عن أول وقت
للحج بعد نزول الآية، قالوا: ولا سيما أنه عام ثمان من الهجرة فتح مكة فى رمضان ، واعتمر عمرة الجعرانة فى ذى القعدة
من عام ثمان، ثم رجع إلى المدينة ولم يحج. قالوا: واستخلف عتاب بن أسيد فأقام الناس الحج سنة ثمان بأمر رسول
الله ◌َّ وكان رسول الله تَبِّ مقيما بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصد ولم يحجوا، قالوا ثم غزاغزوة تبوك فى عام تسع،
وانصرف عنها قبل الحج فبعث أبابكر رضى الله عنه فأقام الناس الحج سنة تسع ورسول الله مرثية هو وأزواجه وعامة أصحابه
٣٨٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
قادرون على الحج، غير مشتغلين بقتال ولا غيره ولم يحجوا، ثم حج ◌َ ◌ّ هو وأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر حية
الوداع، قالوا: فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر دليل على أن الحج ليس وجوبه على الفور بل على التراخى، قال المحب
الطبرى: وما يتكلف من عذر فى حقه مَّةٍ وإن كان خلاف الأصل والظاهر فهو معدوم فى حقهم ، ولو وجب عليهم
على الفور لبينه لهم مرَّةُ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، والعذر بصد المشركين قد زال بالفتح سنة
ثمان ، وما قيل من أن التأخير كان لأن لا يرى منكرا من حج المشركين وطواف العراة فذلك دليل على الجواز، إذ
لو لم يجز التأخير لما كان هذا عذرا فى إسقاط واجب تعين ، ثم ينتقض بمن تخلف من الصحابة وليسوا بأفضل من بعثه ،
ومنها ما جاء فى حديث أنس فى قصة ضمام بن ثعلبة السعدى أخرجه مسلم فى أول كتاب الإيمان ، وروى البخارى
أصله، وفيه «وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال صدق)) وقدوم ضمام بن ثعلبة على النبي
مؤلّ كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب وآخرون، وقد صرح فى هذا الحديث بوجوب الحج فتأخير. مَّه
الحج إلى عام عشر دليل على أنه على التراخى لا على الفور، ومنها أنه إن أخر الحج من سنة إلى أخرى أو إلى سنين ثم
فعله فإنه يسمى مؤديا لحج لا قاضيا له بإجماع المسلمين، قالوا: ولو حرم التأخير لكان قضاء لا أداء، ومنها ما هو
مقرر فى أصول الشافعية وهو أن المختار عندهم أن الأمر المجرد عن القرائن لا يقتضى الفور، وإنما المقصود منه الامثال
المجرد فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على مطلق الأمر، ومنها أنهم قاسوا الحج على الصلاة الفائتة ، قالوا
فهى على التراخى ويقاس الحج عليها بجامع أن كلا منهما واجب ليس له وقت معين، ومنها أنهم قاسوه على قضاء
رمضان فى كونها على التراخى بجامع أن كليهما واجب ليس له وقت معين ، قالوا: ولكن ثبتت آثار أن قضاء رمضان
غاية زمنه مدة السنة ، واحتج من ذهب إلى أنه على الفور بأدلة أيضا، منها آيات من كتاب الله تعالى يفهم منها ذلك
وهى على قسمين ، قسم منها فيه الدلالة على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامره جل وعلا، والثناء على من فعل ذلك .
كقوله تعالى (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للتقين - ١٢٧:٣) وقوله
تعالى {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض - ٥٧: ٢١ ) الآية، فقوله مسارعوا،
و((سابقوا)) فيه الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى مغفرته وجنته جل وعلا وذلك بالمبادرة والمسابقة إلى امتثال أوامره، ولا
شك أن المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور لا التراخى. وكقوله ﴿فاستبقوا الخيرات - ٢: ١٤٣ - ٥٣:٥) الآية.
ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال، وصيغ الأمر فى قوله ((سارعوا)، وقوله ((سابقوا)، وقوله («فاستبقوا، تدل على
الوجوب ، لأن الصحيح المقرر فى الأصول أن صيغة ((إفعل، إذا تجردت عن القرائن اقتضت الوجوب، وذلك يدل على
أن قوله ((سابقوا)) وقوله (سارعوا)) يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورا. ومن الآيات التى فيها الثناء
٣٨٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم قوله تعالى ﴿إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات - ٢١: ٩٠) الآية. وقوله تعالى
﴿أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون - ٢٣: ٦٣) والقسم الثانى من الآيات يدل على توبيخ من لم يبادر
وتخويفه من أن يدركه الموت قبل أن يمتثل لأنه قد يكون اقترب أجله وهو لا يدرى، فقد أمر الله تعالى خلقه أن ينظروا
فى غرائب صنعه وعجائبه كخلقه السموات والأرض ونحو ذلك فى آيات من كتابه كقوله ﴿ قل انظروا ماذا فى
السموات والأرض - ١٠: ١٠١) الآية. وقوله تعالى ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها - ٦:٥٠)
الآية. ثم ذكر فى آية أخرى ما يدل على أن ذلك النظر مع لزومه يجب معه النظر فى اقتراب الأجل، فقد يقرب أجله
ويضيع عليه أجر الامتثال بمعاجلة الموت، وذلك فى قوله تعالى ﴿ أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض وما
خلق الله من شئى وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم - ٧: ١٨٤ ) إذا المعنى: أو لم ينظروا فى أنه عسى أن يكون قد
اقترب أجلهم، فيضيع عليهم الأجر بعدم المبادرة قبل الموت. وفى الآية دليل واضح على أن الإنسان يجب عليه أن
يبادر إلى امتثال الأمر، خشية أن يعاجله الموت قبل ذلك، ومنها أحاديث جاءت دالة على وجوب الحج على الفور
كحديث ابن عباس (الذى نحن فى شرحه) وهو حديث حسن وسيأتى تخريجه، وكحديث ابن عباس مرفوعا: تعجلوا
إلى الحج يعنى الفريضة، فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له، أخرجه أحمد (ج ١: ص ٣١٤) بسند ضعيف، ووجه
الدلالة من هذين الحديثين على وجوب الحج على الفور ظاهر. وكحديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصارى
قال: سمعت رسول اللّه مَّ يقول: من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل. قال عكرمة: سألت ابن عباس
وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة والحاكم والبيهقى. وسيأتى فى باب
الإحصار وفوت الحج. ومحل الشاهد من هذا الحديث قوله مَّة ((وعليه الحج من قابل)) لأنه لو كان على التراخى لم
يعين العام القابل، وهو دليل على أن الوجوب على الفور، ومن الأحاديث الدالة على ذلك أيضا ما تقدم من حديث على
وأبي أمامة وأبى هريرة وعمر بن الخطاب، وقد سبق بيان وجه الدلالة من هذه الأحاديث فى شرح حديث على ، ومنها
أن الله أمر به وأن جماعة من أهل الأصول قالوا: إن الشرع واللغة والعقل كلها دال على اقتضاء الأمر انفور أما
الشرع فقد قدمنا الآيات القرآنية الدالة على المبادرة فورا لامتثال أوامر الله كقوله (سارعوا إلى مغفرة من
ربكم) الآية. وكقوله (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) الآية، وأما اللغة فإن أهل اللسان العربي مطبقون على
أن السيد لو قال لعبده: اسقنى ماء فلم يفعل فأدبه، فليس للعبد أن يقول له: صيغة افعل فى قولك ((اسقنى ماء، تدل على
التراخى، وكنت سأمثل بعد زمن متراخ عن الأمر، بل يقولون: إن الصيغة ألزمتك فورا، ولكنك عصيت أمر
سيدك بالتوانى والتراخى، وأما العقل فإنا لو قلنا: إن وجوب الحج على التراخى فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن
٣٨٥
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
یکون ذلك التراخی له غاية معينة ينتهى عندها وإما لا، والقسم الأول مموع، لأن الحج لم یعین له زمن يتحتم فيه دون
غيره من الأزمنة ، بل العمر كله تستوى أجزاؤه بالنسبة إليه، إن قلنا: إنه ليس على الفور، والحاصل أنه ليس لأحد
تعيين غاية له لم يعينها الشرع. والقسم الثانى الذى هو أن تراخيه ليس له غاية يقتضى عدم وجوبه ، لأن ما جاز
تركه جوازا لم تعين له غاية ينتهى إليها فإن تركه جائز إلى غير غاية ، وهذا يقتضى عدم وجوبه ، والمفروض وجوبه.
فإن قيل: غايته الوقت الذى يغلب على الظن بقاؤه إليه. فالجواب أن البقاء إلى زمن متأخر ليس لأحد أن يظنه، لأن
الموت يأتى بغتة. فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت بجراءة، وقد قد منا قوله تعالى فى ذلك ﴿ وأن عسى أن يكون
قد اقترب أجلهم) ولا ينتهى إلى حالة يتيقن الموت فيها إلا عند عجزه عن العبادات، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج، والإنسان
طويل الأمل يهرم ويشب أمله. وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه، فهذه جملة أدلة القائلين بأن وجوب
الحج على الفور، ومنعوا أدلة المخالفين، قالوا: إن قولكم إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة ،
فإن قدومه سنة خمس، وقد ذكر له النبي ◌ُّ وجوب الحج، وأن قوله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله) الآية.
نزلت عام ست فى عمرة الحديبية، فدلت على أن الحج مفروض عام ست وأنه تؤثر أخره بعد فرضه إلى عام عشر ، كل
ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع ، قالوا: والصحيح أن قدوم ضمام بن ثعلبة السعدى كان سنة تسع. وقال
الحافظ فى الإصابة فى ترجمة ضمام بن ثعلبة المذكور ما نصه: وزعم الواقدى أن قدومه كان سنة خمس ، وفيه نظر.
وذكر ابن هشام عن أبى عبيد أن قدومه كان سنة تسع ، وهذا عندى أرجح، إلخ. وانظر ترجيح الحافظ لكون قدومه
عام تسع. وذكر ابن كثير قدوم ضمام المذكور فى حوادث سنة تسع مع أنه ذكر قول من قال: إن قدومه كان قبل
عام خمس، هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة ضمام، وأما وجه ردهم للاحتجاج بآية (وأتموا الحج والعمرة لله)
فهو أنها لم يذكر فيها إلا وجوب الإتمام بعد الشروع ، فلا دليل فيها على ابتداء الوجوب، وقد أجمع أهل العلم على من
أحرم بحج أو عمرة وجب عليه الاتمام ، ووجوب الاتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب. قال ابن القيم فى
زاد المعاد ما نصه: وأما قوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله) فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فريضة
الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضى وجوب الابتداء. فإن قيل
فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود ، وفيه قدم
وفد نجران على رسول الله تَوثي وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع ، وفيها نزل صدر
سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة ، ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا فى نفوسهم على
ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام
٣٨٦
١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
بعد عامهم هذا - ٩: ٢٨) فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزل هذه الآيات، والمناداة بها إنما كان عام تسع،
وبعث الصديق رضى الله عنه بذلك فى مكة فى موسم الحج، وأردفه بعلى رضى الله عنه، وهذا الذى ذكرناه قد قاله غير
واحد من السلف والله أعلم - انتهى من زاد المعاد. فتحصل أن آية: (وأتموا الحج والعمرة لله) لم تدل على
وجوب الحج ابتداء، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هو ظاهر اللفظ ، ولو كان يتعين كونه يدل على
ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم فى وجوب العمرة ، والخلاف فى وجوبها معروف وسيأتى إن شاء الله
إيضاحه، بل الذى أجمعوا عليه هو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هو ظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة كانت
عام تسع كما رجحه الحافظ وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها وبالآية الكريمة، وأن الحج إنما فرض عام تسع كما
أوضحه ابن القيم فى كلامه المذكور آنفا ، لأن آية { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) هى الآية التى
فرض بها الحج، وهى من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النبي مَ هم على
أداء الجزية ، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدم قريبا، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد
من العلماء، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وبه تعلم أنه لا حجة فى تأخير النبي ود ليله الحج عام فتح مكة، لأنه انصرف من
مكة والحج قريب ولم يحج، لأنه لم يفرض، فإن قيل: سلمنا تسليما جدليا أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة مع تمكنه
منه، وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضا فى ذلك الوقت وقد اعترفم بأن الحج فرض عام تسع، وهو مَ ة لم يحج
عام تسع، بل أخر حجه إلى عام عشر ، وهذا يكفينا فى الدلالة على أن وجوبه على التراخى، إذ لو كان على الفور لما
أخره بعد فرضه إلى عام عشر فالجواب والله تعالى أعلم: أن عام تسع لم يتمكن فيه النبي وأصحابه من منع المثر كين
من الطواف بالبيت وهم عراة، وقد بين اللّه تعالى فى كتابه أن منعهم من قربان المسجد الحرام إنما هو بعد ذلك العام
الذى هو عام تسع ، وذلك فى قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم
هذا﴾ وعامهم هذا هو عام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع، ولذا أرسل عليا رضى الله عنه بعد أبى بكر
ينادى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا عريان، فلو بادر ترية إلى الحج عام تسع لأدى ذلك إلى رويته المشركين
يطوفون بالبيت وهم عراة، وهو لا يمكنه أن يحضر ذلك، ولا سيما فى حجة الوداع التى يريد أن يبين للناس فيها مناسك
حجهم ، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه ،
وأجابوا عن قولهم «إنه لو أخره من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين، ثم فعله بعد ذلك فإنه يسمى مؤديا لا قاضيا
بالإجماع، ولو حرم التأخير لكان قضاء)، بأن القضاء لا يكون إلا فى العبادة الموقتة بوقت معين، ثم خرج ذلك الوقت المعين
لها كما هو مقرر فى الأصول، والحج لم يوقت بزمن معين، والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافى وجوب المبادرة خوفا
من طرو العوائق أو نزول الموت قبل الأداء كما تقدم إيضاحه، وأجابوا عن قولهم ((إن من تمكن
٣٨٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
من أداء الحج ثم أخره ثم فعله لا ترد شهادته فيما بين فعله وتأخيره، ولو كان التأخير
حراما لردت شهادته لارتكابه ما لا يجوز)) بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته ، بل لا ترد إلا بما يؤدى إلى
الفسق وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف. وقول من قال ((إنه لم يرتكب حراما) وشبهة الأدلة التى أقاموها
على ذلك، وأجاب القائلون بالتراخى عن الاحتجاج بأن الأمر يقتضى الفور من وجهين: أحدهما أن أكثر الشافعية
قالوا: إن الأمر المطلق المجرد عن القرائن لا يقتضى الفور بل هو على التراخى، هذا هو المعروف فى كتب الشافعية فى
الأصول، ونقله القاضى أبو الطيب فى تعليقه فى هذه المسئلة عن أكثر الشافعية ، والثانى أنه يقتضى الفور، وهنا قرينة
ودليل يصرفه إلى التراخى، وهو ما تقدم من فعل رسول الله مؤالقلم وأكثر أصحابه أنهم أخروا الحج إلى عام عشر،
وأما حديث (من أراد الحج فليتعجل)) لجوابه من وجهين: أحدهما أنه حجة لنا لأنه فوض فعله إلى إرادته واختياره،
ولو كان على الفور لم يفوض تعجيله إلى اختياره. والثانى أنه ندب جمعا بين الروايتين. قال المحب الطبرى: الأمر فى
حديث ابن عباس ((تعجلوا الحج)، وفى حديث أبى هريرة ((حجوا قبل أن لا تحجوا، أخرجه الدار قطنى، محمول على الندب،
ويؤيد ذلك قوله ((من أراد الحج فليتعجل، فقوله ((فليتعجل) محمول على الندب لا محالة، ولا يجوز حمله على الوجوب،
لأن الخطاب لا يخلو إما أن يكون لمن وجب عليه الحج أو لمن لم يجب عليه، فإن كان الثانى فظاهر ما ذكرناه، وإن كان
الأول وهو الأظهر بدليل الحديث الآخر يعنى الفريضة كان فيه دلالة على أن الخطاب الأول ما اقتضى الفورية ، وإلا
لزم التكرار لا لفائدة مع قبحه من حيث ربطه بالإرادة، فإن من قال لعبده: أفعل كذا الساعة. على وجه الإلزام،
ثم قال: إن أردت أن تفعل كذا فافعله الساعة. عد هذا مناقضا الأول ، وكل من قال إنه على التراخى حمل هذا على
الاستحباب ولا يلزم على ذلك تناقض ، فإن من قال لعبده: افعل کذا فی جمیع النهار. ثم قال : إن أردت فعل هذا
الواجب عليك على وجه الأولوية فافعله الساعة. كان هذا الكلام جاريا على نهج الاستقامة، ولا يعد مناقضا للأول،
فكان حمل الكلام الفصيح عليه أولى انتهى. قالوا: وأما الجواب عن حديث «فليمت إن شاء يهوديا)) فمن أوجه:
أحدها أنه ضعيف، والثانى أن الذم لمن أخره إلى الموت، ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذى نقول
بجوازه هو التأخير بحيث يفعل قبل الموت. الثالث أنه محمول على من تركه معتقدا عدم وجوبه مع الاستطاعة، فهذا
كافر ، ويؤيد هذا التأويل أنه قال ((فليمت إن ماء يهوديا أو نصرانيا)) وظاهره أنه يموت كافرا ولا يكون ذلك إلا إذا
اعتقد عدم وجوبه مع الاستدامة ، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكن من الحج فلم يحج ومات لا يحكم بكفره بل
هو خاص، فوجب تأويل الحديث لوصح، هكذا ذكر الشنقيطى فى أضواء البيان أدلة الفريقين وأجوبتهم، والراجح
عندنا هوما ذهب إليه أحمد ومن وافقه لقوة أدلتهم، قال الشنقيطى: أظهر القولين عندى وأليقهما بعظمة خالق السموات
والأرض هو أن وجوب أوامره جل وعلا، كالحج على الفور لا على التراخى لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر
بالمبادرة، والخوف من مباغتة الموت كقوله: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم) الآية، وما قدمنا معها من الآيات ،
٣٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه أبو داود، والدارمى.
٢٥٤٨ - (٢٠) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول اللّه مُله: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما
ينفيان الفقر والذنوب،
وكقوله: ﴿أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئى، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم)
ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن أوامر الله تجب على الفور ، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه
عَّه لم يحمج حجة الإسلام إلا سنة عشر، والعلم عند الله تعالى (رواه أبو داود والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١:
ص ٢٢٥) والحاكم (ج ١: ص ٤٤٨) والبيهقى (ج ٤: ص ٣٤٠،٣٣٩) والدولاي فى الكنى (ج ٢، ص ١٢) كلهم من
طريق أبى معاوية عن الحسن بن عمرو الفقيمى عن مهران أبى صفوان عن ابن عباس ، وهذا إسناد جيد قد سكت عنه
أبو داود وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرج أيضا أحمد (ج ١: ص ٢١٤،
٣٥٥،٣٢٣) وابن ماجه والطحاوى والبيهقى (ج ٤: ص ٣٤٠) من طريق أبي إسرائيل الملائى عن فضيل بن عمرو عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس أو عن الفضل بن عباس أو عن أحدهما عن صاحبه بلفظ «من أراد أن يحج فليتعجل فإنه قد
يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة، وفى رواية لأحمد (ج ١: ص ٣١٤) عن ابن عباس («تعجلوا إلى الحج
يعنى الفريضة، فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له)، وهذا إسناد ضعيف لضعف أبى إسرائيل الملائى، وهو إسماعيل
الكوفى، وللتردد بين ابن عباس وأخيه الفضل ، فإن سعيد بن جبير سمع عبد الله بن عباس ، ولكنه لم يدرك الفضل.
٢٥٤٨ - قوله (تابعوا بين الحج والعمرة) أى أوقعوا المتابعة بينهما بأن تجعلوا كلا منهما تابعا للآخر.
قال السندى: أى اجعلوا أحدهما تابعا للآخر واقعا على عقبه، أى إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجوا فإنهما
متابعان. وقال الحفنى: أى ائتوا بهما متتابعين من غير طول فصل جدا ، وليس المراد بالمتابعة تعاقبهما من غير فاصل،
بل المراد كون الثانى بعد الأول بدون فاصل كبير بحيث ينسب للأول عرفا ، وقال المحب الطبرى : يجوز أن يراد به
التابع المشار إليه فى قوله تعالى: (فصيام شهرين متابعين-٤: ٩٤ - ٥٨: ٥) فيأتى بكل واحد من النسكين عقب الآخر.
بحيث لا يتخلل بينهما زمان يصح إيقاع الثانى فيه يعنى يأتى بكل منهما عقب الآخربلا فصل ، وهو الظاهر من لفظ المتابعة،
ويحتمل أن يراد به اتباع أحدهما الآخر ولو تخلل بينهما زمان بحيث يظهر مع ذلك الاهتمام بهما ، ويطلق عليه عرفا أنه
ردفه وتبعه وهذا الإحتمال أظهر إذ القصد الاهتمام بهما وعدم الاعمال وذلك يحصل بما ذكرناه وسواء تقدمت العمرة
أو تأخرت لأن اللفظ يصدق على الحالين - انتهى (فانهما) أى الحج والاعتمار (ينفيان) أى كل منهما (الفقر) أى
يزيلانه وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد والفقر الباطن بحصول غنى القلب (والذنوب) أى يمحوانها ، وفى
٣٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة. رواه
الترمذى، والنسائى.
٢٥٤٩ - (٢١) ورواه أحمد، وابن ماجه عن عمر إلى قوله ((خبث الحديد)).
حديث عامر بن ربيعة عند أحمد (ج ٣: ص ٤٤٦) ((فإن متابعة بينهما تنفى الفقر والذنوب، وفى أخرى له (ج ٣:
ص ٤٤٧) والطبرانى فى الكبير «فإن متابعة بينهما تزيد فى العمر والرزق وتنفيان الفقر والذنوب، وحديث عامر يدل على
أن الله تعالى أعلم نبيه بأنه يترتب على تتابعهما ذلك لأمر عليه الشارع فذلك خصوصية للتابع لا تحصل بدونه، قيل المراد
بالذنوب الصغائر ولكن يأباه قوله (كما ينفى الكير) بكسر الكاف وهو ما ينفخ فيه الحداد من الزق لاشتعال النار
للتصفية، وأما الموضع الذى يوقد فيه الفحم من حانوت الحداد فهو الكور، بضم الكاف ، وقيل بالعكس ، وقيل لا فرق
بينهما (خبث الحديد والذهب والفضة) أى وسنها، والخبث: بفتحتين الومخ والردى الخبيث، مثل متابعتهما فى إزالة الذنوب
بإزالة النار الخبث، لأن الإنسان مركوز فى جبلته القوة الشهوية والغضبية محتاج لرياضة تزيلها والحج بمامع لأنواع
الرياضات من إنفاق المال وجهد النفس بالجوع والظمأ والسهر واقتحام المهالك ومفارقة الوطن ومهاجرة الإخوان
والخلان وغير ذلك. والحديث قد استدل به على وجوب العمرة فإن ظاهره التسوية بين أصل الحج والعمرة، وفيه
أن هذا استدلال بمجرد الاقتران، ومجرد اقتران العمرة بالحج لا يكون دليلا على وجوبها لما تقرر فى الأصول من
ضعف دلالة الاقتران لا سيما وقد عارضها ما ورد من الأدلة القاضية بعدم الوجوب وأما الأمر بالمتابعة فهو مصروف
عن معناه الحقيقى بما سلف، وسيأتى الكلام فى هذه المسألة فى شرح حديث أبى رزين العقيلى (وليس الحجة المبرورة)
قيل المراد بها الحج المقبول المقابل بالبر وهو الثواب ومن علامات القبول أن يرجع خيرا مما كان ولا يعاود المعاصى .
وقيل: هى التى لا يخالطها شئ من الإثم، مأخوذ من البر وهو الطاعة، ورجحه النووى. وقيل: هى التى لا رياء فيها
وقيل: هى التى لا يعقبها معصية، وهما داخلان فيما قبلهما وقال القرطبي: الأقوال فى تفسير الحج المبرور متقاربة المعنى
وحاصلها أنه الحج الذى وفيت أحكامه فوقع موافقا لما طلب من المكاف على الوجه الأكمل (ثواب إلا الجنة) بالرفع
والنصب أى لا يقتصر لصاحبها من الجزاء على تكفير ذنوبه بل لا بد أن يدخل الجنة مع السابقين، وقوله . إلا الجنة))
هو الترمذى فقط، وفى السنن النسائى ((دون الجنة، وكذا وقع فى المسند وصحيح ابن حبان كما فى الموارد (رواه الترمذى)
وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب (والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٣٨٧) وابن خزيمة وابن حبان
فی صحیهما .
٢٥٤٩ - قوله (ورواه أحمد) (ج ١: ص٢٥، وج ٣: ص ٤٤٧) (وابن ماجه عن عمر) إلخ، وأخرجه أيضا
٣٩٠
١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
٢٥٥٠ - (٢٢) وعن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي مؤيّ فقال: يا رسول الله! ما يوجب
الحج؟ قال: الزاد والراحلة.
ابن أبى خيثمة فى تاريخه وابن الجوزى فى مثير الغرام الساكن، وهو حديث ضعيف، لأن مداره على عاصم بن عبيد الله
وهو ضعيف لكن المتن صحيح من حديث عبد الله بن مسعود، وفى الباب عن عامر بن ربيعة ، أخرجه أحمد والطبرانى
فى الكبير، وفيه أيضا عاصم بن عبيد الله، وعن ابن عمر عند الطبرانى فى الكبير، والدار قطنى فى الأفراد، ورمز
السيوطى لضعفه، وقال الهيثمى بعد عزوه الطبرانى: وفيه حجاج بن نصير، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه النسائى
وغيره ، وعن جابر عند البزار ، وعن ابن عباس عند الطبرانى فى الأوسط ، ذكرهما الهيثمى مع الكلام فيهما .
٢٥٥٠ - قوله (ما يوجب الحج؟) أى ما شرط وجوب الحج؟ (قال: الزاد والراحلة) يعنى أن الحج واجب
على من وجدهما ذهابا وإيابا. واقتصر من بين سائر الشروط عليه لأنه الأصل والأهم المقدم قاله القارى، أعلم أن
الحج إنما يجب بخمس شروط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية ، والاستطاعة، ولا خلاف فى ذلك بين أهل
العلم ، فأما الكافر فإنه غير مخاطب بفروع الدين خطابا يلزمه أداء ولا يوجب قضاء، وأما الصبي والمجنون فليسا بمكلفين
بدليل قوله مَّ: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يشب وعن المعتوه حتى يعقل. رواه أبو داود
والترمذى وابنماجه، وقال الترمذى: حديث حسن. وأما العبد فلا يجب عليه لأنه عبادة تطول مدتها وتتعلق بقطع مسافة
وتش ترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة فتضيع حقوق سيده المتعلقة به فلم يجب عليه كالجهاد، ولما روى ابن عباس مرفوعا
أيما صي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما بعد حج ثم عنق فعليه حجة الإسلام أخرجه ابن خزيمة والإسماعيلى
فى مسند الأعمش والحاكم والبيهقى وابن حزم وصححه، والخطيب فى التاريخ، رواه بعضهم موقوفا على ابن عباس ولا يضر
ذلك، فإن رواية المرفوع قوية ، فالحديث لا يقل عن درجة الاحتجاج، ووجه الدلالة منه على أن الحرية شرط فى
وجوب الحج أنه لو حج وهو مملوك ثم أعتق بعد ذلك لزمته حجة الإسلام ، فلو كان واجبا عليه فى حال كونه ملوكا
أجزأه عن حجة الإسلام كما هو ظاهر وأما غير المستطيع فإنه لا يجب عليه لقوله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا
وسعها - ٢: ٢٨٦ ) وقال سبحانه وتعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فخص المستطيع
بالوجوب فيدل على نفيه عن غيره قال ابن قدامة: وهذه الشروط الخمسة تنقسم أقساما ثلاثة ، منها ما هو شرط
للوجوب والصحة وهو الإسلام والعقل، فلم يجب على كافر ولا مجنون ولا تصح منهما، لأنهما ليسا من أهل
العبادات، ومنها ما هو شرط للوجوب والاجزاء وهو البلوغ والحرية وليس بشرط للصحة فلو حج الصبى والعبد
صح حجهما ولم يجزئهما عن حجة الإسلام، ومنها ما هو شرط للوجوب فقط وهو الاستطاعة ، فلو تجشم غير
المستطيع المشقة وسار بغير زاد وراحلة لحج كان حجه صحيحا مجزئًا، كما لو تكلف القيام فى الصلاة والصيام من يسقط
٣٩١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
عنه أجزأه قال: واختلفت الرواية أى عن أحمد فى شرطين وهما تخلية الطريق وهو أن لا يكون فى الطريق مانع من
عدو ونحوه وإمكان المسير، وهو أن تكمل فيه هذه الشرائط والوقت متسع يمكنه الخروج إليه، فروى أنهما من
شرائط الوجوب فلا يجب الحج بدونهما، لأن الله تعالى إنما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع، ولأن
هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطا كالزاد والراحلة، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعى ، وروى أنهما ليسا من
شرائط الوجوب وإنما يشترطان للزوم السعى فلو كملت هذه الشروط الخمسة ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حج
عنه بعد موته، وإن أعسر قبل وجودهما يقى فى ذمته وهذا ظاهر كلام الخرقى فإنه لم يذكرهما، وذلك لأن النبي ◌َّ}
لما سئل ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة، قال الترمذى: هذاحديث حسن - انتهى. وقال الشنقيطى بعد ذكر
. الشرائط الخمسة: أما العقل فكونه شرطا فى وجوب کل تكلیف واضح لأن غير العاقل لا یصح تكليفه بحال ، وأما
اشتراط البلوغ فواضح، لأن الصبي مرفوع عنه القلم حتى يحتلم ، فالبلوغ والعقل كلاهما شرط وجوب، وأما الاسلام
فالظاهر أنه على القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فهو شرط صحة لا شرط وجوب، وعلى أنهم غير مخاطين
بها فهو شرط وجوب ، والأصح خطاب الكفار بفروع الشريعة كما أوضحنا أدلته فى غير هذا الموضع فيكون الاسلام
شرط صحة فى حقهم، ومعلوم أنه على أنه شرط وجوب فهو شرط صحة أيضا ، لأن بعض شرط الوجوب يكون شرطا
فى الصحة أيضا ، كالوقت للصلاة، فإنه شرط لوجوبها وصحتها أيضا، وقد يكون شرط الوجوب ليس شرطا فى الصحة
كالبلوغ والحرية ، فإن الصبي لا يجب عليه الحج، مع أنه يصح منه لو فعله، وكذلك العبد إلا أنه لا يجزئ عن حجة
الإسلام إلا إذا كان بعد البلوغ وبعد الحرية، وأما الحرية فهى شرط وجوب فلا يجب الحج على العبد ، واستدل
العلماء على عدم وجوب الحج على العبد بأمرين: الأول إجماع أهل العلم على ذلك ولكنه إذا حج صح حجه ولم يجزئه
عن حجة الإسلام فإن عنق بعد ذلك فعليه حجة الإسلام ، قال النووى فى شرح المهذب: أجمعت الأمة على أن العبد
لا يلزمه الحج لأن منافعه مستحقة لسيده ، فليس هو مستطیعا ويصح منه الحج بإذن سیده وبغیر إذنه بلا خلاف عندنا.
قال القاضى أبو الطيب: وبه قال الفقهاء كافة ، وقال داود: لا یصح بغير إذنه. الأمر الثانى: حديث ابن عباس عن
النبي ◌ُّ أنه قال: أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عنق فعليه حجة الإسلام، ثم ذكر
تخريجه عن التلخيص للحافظ وبسط الكلام فى تقويته ثم قال: وأما الاستطاعة فقد نص تعالى على اشتراطها فى قوله
﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ومعنى الاستطاعة فى اللغة العربية معروف، وتفسير الاستطاعة
فى الآية اختلف فيه العلماء فالاستطاعة فى مشهور مذهب مالك الذى به الفتوى هى إمكان الوصول بلا مشقة عظيمة
زائدة على مشقة السفر العادية مع الأمن على النفس والمال ولا يشترط عندهم الزاد والراحلة ، بل يجب الحج عندهم
على القادر على المشى إن كانت له صنعة يحصل منها قوته فى الطريق: كالجمال والخراز والنجار ومن أشبههم.
٣٩٢
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
واشترط بعض المالكية فى الصنعة المذكورة أن لا تكون مرزية به. واعلم أن المالكية اختلفوا فى الفقير الذى عادته
سؤال الناس فى بلده وعادة الناس إعطاؤه ، وذلك السؤال هو الذى منه عيشته إذا علم أنه إن خرج حاجا وسأل أعطاه
الناس ما يعيش به كما كانوا يعطونه فى بلده، هل سؤاله الناس وإعطائهم إياه يكون بسببه مستطيعا لقدرته على الزاد بذلك فيجب
عليه الحج بذلك أو لا يجب عليه بذلك؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجب عليه به الحج ولا يعد استطاعة، وذهب أكثر
المالكية إلى أن الفقير الذى عادته السؤال فى بلده وعادة الناس إعطاؤه إذا كانت عادتهم إعطاؤه فى سفر الحج كما كانوا يعطونه
فى بلده أنه يعد بذلك مستطيعا، وأن تحصيله زاده بذلك السؤال يعد استطاعة، قال الشنقيطى: والذى يظهر لى
وجحانه بالدليل من هذين القولين فى هذه المسألة هو القول الأول، وهو أن الحج لا يجب على من يعيش فى طريقه
يتكفف الناس، وأن سؤال الناس لا يعد استطاعة. ومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله - جل وعلا ﴿ولا على
الذين لا يجدون ما ينفقون حرج - ٩: ٩٢) الآية. وقد قدمنا مرارا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب
فقد صرح تعالى فى هذه الآية برفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا شك أن الذى يتكفف الناس لشدة فقره
داخل فى عموم ((الذين لا يجدون ما ينفقون)) وقد صرح تعالى بنفى الحرج عنهم، فيلزم من ذلك نفى الحرج عنه فى
وجوب الحج وهو واضح، ولكن كثيرا من متأخرى علماء المالكية خصصوا هذه الآية بمن ليس عادته السؤال فى
بلده قالوا : فلم تتناول محل النزاع . قال الشنقيطى: ظاهر الآية العموم فى جميع الذين لا يجدون ما ينفقون، فتخصيصها
بمن ليس عادته السؤال بدون دليل من كتاب أو سنة لا يصح ولا يعول عليه، وقد تقرر فى الأصول أنه لا يمكن
تخصيص العام إلا بدليل يجب الرجوع إليه سواء كان من المخصصات المتصلة أو المنفصلة، وما يؤيد هذا فى الجملة ما
رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس. قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون ، فإذا
قدموا المدينة سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى - ٢: ١٩٧﴾ قال الحافظ فى الفتح
فى الكلام على هذا الحديث: قال المهلب: فى هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من
ثم يسأل الناس إلحافا، فإن قوله ﴿فإن خير الزاد التقوى) أى تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم
فى ذلك - انتهى. قال الشنقيطى: وفيه دليل ظاهر على حرمة خروج الإنسان حاجا بلا زاد ليسأل الناس ، وظاهرها
العموم فى كل حاج يسأل الناس فقيرا كان أو غنيا كانت عادته السؤال فى بلده أولا، وحمل النصوص على ظواهرها يجب إلا
بدليل يجب الرجوع إليه، وما يؤيد هذا أن الذين مدحهم الله فى كتابه بتركهم سؤال الناس كانوا من أفقر الفقراء كما هو
معلوم، وقد صرح تعالى بأنهم فقراء وأشار لشدة فقرهم وذلك فى قوله تعالى ﴿ للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا
يستطيعون ضربا فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم (أى بظهور آثار الفقر والحاجة عليهم) ٧
يسألون الناس إلحافا - ٢: ٢٧٣) الآية. فصرح بأنهم فقراء، وأثنى عليهم بالتعفف وعدم السؤال. قال: فالآية الكريمة
٣٩٣
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
تدل بمنطوقها على الثناء على الفقير الصابر المتعفف عن مسألة الناس وتدل بمفهومها على ذم سؤال الناس، والأحاديث
الواردة فى ذم السؤال مطلقا كثيرة جدا ، وبذلك كله تعلم أن سؤال الناس ليس استطاعة على ركن من أركان الإسلام
وأن قول بعض المالكية (أنه لا يعد استطاعة)) هو الصواب، وهو قول جمهور أهل العلم، وممن ذهب إليه الشافعى
وأحمد وأبو حنيفة ، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصرى ومجاهد وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق ، و به قال بعض
أصحاب مالك. قال البغوى: وهو قول العلماء - انتهى. والاستطاعة عند أبى حنيفة الزاد والراحلة ، فلو كان يقدر على
المشى وعادته سؤال الناس لم يجب عليه الحج عنده، وحاصل مذهب الحنفية أن مقدار ما يتعلق به وجوب الحج ملك
مال يبلغه إلى مكة ذاهبا وراجعا، راكبا فى جميع النفر لا ماشيا بنفقة متوسطة، فاضلا عن مسكنه وخادمه وفرسه
وسلاحه وآلات حرفته وثيابه وأثاثه ونفقة من عليه نفقته وكسوته وقضاء دیونه ولو مؤجلة إلی حین عوده ، ولا يشترط
نفقة لما بعد إيابه لا سنة ولا شهرا ولا يوما. والاستطاعة فى مذهب الشافعى الزاد والراحلة بشرط أن يجدهما بثمن المثل ،
فإن لم يجدهما إلا بأكثر من ثمن المثل سقط عنه وجوب الحج، ويشترط عند الشافعية فى الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه
فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم مدة ذهابه ورجوعه وفاضلا عن مسكن وخادم يحتاج إليهما وعن
قضاء دين يكون عليه حالا كان أو مؤجلا. ويشترط عندهم أيضا أن يكون صحيحا لا مريضا، ولا ينبغى أن يختلف فى
أن المرض القوى الذى يشق معه السفر مشقة فاضحة مسقط لوجوب الحج. ويشترط عندهم أيضا أن يكون الطريق آمنا
من غير خفارة ، والخفارة مثلثة الخاء: هى المال الذى يؤخذ على الحاج ، ويشترط عندهم أيضا أن يكون عليه من الوقت
ما يتمكن فيه من السير والأداء، فإن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة وكان قادرا على المشى على رجليه ولم
يحد راحلة أو وجدها بأكثر من ثمن المثل أو أجرة المثل لم يجب عليه الحج عندهم، ولا يعد قدرته على المشى استطاعة
عندهم لحديث الزاد والراحلة فى تفسير الاستطاعة، وإن لم يجد ما يصرفه فى الزاد والماء ولكنه كسوب ذو صنعة
يكتسب بصنعته ما يكفيه ففى ذلك عندهم تفصيل ، وهو أنه إن كان لا يكتسب فى اليوم إلا كفاية يوم واحد لم يجب عليه
الحج، لأنه ينقطع عن الكسب، فى أيام الحج، وإن كان يكتسب فى اليوم كفاية أيام لزمه الحج. قال إمام الحرمين:
وفيه احتمال يعنى أنه يحتمل عدم وجوب الحج بذلك مطلقا ، فإن القدرة على الكسب يوم العيد لا تجعل كملك الصاع
فى وجوب الفطرة. والاستطاعة عند أحمد هى الزاد والراحلة. قال ابن قدامة فى المغنى: والاستطاعة المشترطة ملك
الزاد والراحلة وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والشافعى وإسحاق. قال الترمذى: والعمل عليه عند أهل العلم.
وقال عكرمة: هى الصحة. قال ابن قدامة: ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذى بينه وبين البيت مسافة القصر،
فأما القريب الذى يمكنه المشى إلى مكة وبينه وبينها مسافة دون القصر فلا يعتبر وجود الراحلة فى حقه لأنها مسافة
قريبة يمكنه المشى إليها فلزمه، وإن كان من لا يمكنه المشى ( كشيخ كبير) اعتبر وجود الحمولة فى حقه لأنه عاجز
٣٩٤
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
عن المشى فهو كالبعيد، وأما الزاد فلابد منه، قربت المسافة أو بعدت مع الحاجة إليه. فإن لم يجد زادا ولا قدر على
كسبه لم يلزمه الحج. والزاد الذى تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه فى ذهابه ورجوعه من ما كول ومشروب
وكسوة، إلى أن قال: وأما الراحلة فيشترط أن يجد راحلة تصلح لمثله إما بشراء أو كراء لذهابه ورجوعه. وإن كان
ممن لا يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره اعتبرت القدرة على من يخدمه لأنه من سبيله ، ويعتبر أن يكون هذا فاضلا
عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤنتهم فى مضيه ورجوعه، لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين وهم أحوج وحقهم
آكد، وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ أنه قال: كفى بالمرء إنما أن يضيع من يقوت رواه أبو داود، ويعتبر
أن يكون فاضلا عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لابد منه، وأن يكون فاضلا عن قضاء دينه ، لأن قضاء
الدين من حواتجه الأصلية ويتعلق به حقوق الآدميين فهو آكد، وسواء كان الدين لآدمى معين أو من حقوق الله
تعالى - كزكاة فى ذمته أو كفارات ونحوها - وهل يعتبر فى الاستطاعة أن يكون له إذا رجع من حجه ما يقوم بكفايته
وكفاية عياله على الدوام أو لا يعتبر ذلك؟ بل يكنى لوجوب الحج أن يكون عنده من النفقة ما يقوم بكفايته وكفاية
عياله مدة ذهابه للحج ورجوعه فقط وفانا للحنفية والمالكية والشافعية. وهما روايتان عند الحنابلة، والمقدم عندهم
اعتبارا هى الرواية الأولى يعنى أن يكون فاضلا عن مؤنته ومؤنة عياله على الدوام حتى بعد رجوعه من عقار أو بضاعة
يتجر فيها أو صناعة ونحوها وقال ابن جاسر فى مفيد الأنام: والرواية الثانية أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى،
لأن القول بأن الإنسان لا يكون مستطيعا للحج إلا إذا كان عنده من النفقة بعد رجوعه من الحج ما يكفيه ويكفى عياله
على الدوام أى دوام حياته يقضى بأن لا يكون غالب الأغنياء مستطيعين للحج لأنه قل من يثق من الأغنياء أن عنده من
المال ما يكفيه ويكفى عياله على الدوام، هذا ما ظهر لى، والله أعلم. قال ابن قدامة: ومن له عقار يحتاج إليه لسكناه أو
سكنى عياله أو يحتاج إلى أجرته لنفقة نفسه أو عياله، أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها فلم يكفهم، أو سائمة يحتاجون
إليها لم يلزمه الحج، وإن كان من ذلك شئ فاضل عن حاجته وأمكنه بعه وشراء ما يكفيه ويفضل قدر ما يحج به لزمه ،
وإن كانت له كتب يحتاج إليها لم يلزمه بيعها فى الحج ، وإن كانت مما لا يحتاج إليها أو كان له بكتاب نسختان يستغنى
بأحدهما باع ما لا يحتاج إليه، فإن كان له دين على ملتقى باذل له يكفيه للحج لزمنه لأنه قادر، وإن كان على معسر أو
تعذر استيفاؤه عليه لم يلزمه - انتهى. وإذا علمت أقوال أهل العلم فى معنى الاستطاعة المذكورة فى قوله تعالى ﴿من
استطاع إليه سبيلا) وعرفت مذاهبهم فى ذلك فاعلم أن الأكثرين الذين فسروا الاستطاعة بالزاد والراحلة
احتجوا لذلك بما ورد عن النبي موت} من تفسير الاستطاعة فى الآية بالزاد والراحلة، وقد روى عنه ذلك غير واحد من
الصحابة ، منهم ابن عمر رضى الله عنه، أخرج حديثه الترمذى وغيره وهو الذى نحن فى شرحه ، وهو حديث ضعيف كما
ستعرف، ومنهم ابن عباس رواه عنه ابن ما جه والدارتطنی ، وهو حديث صالح للاحتجاج، ومنهم أفس روى حديثه
٣٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
الحاكم والدار قطنى، وهو حديث صحيح، صحه الحاكم، وأقره الذهبي. ومنهم عائشة، رواه الدار قطنى والبيهقى فى
السنن والعقيلى فى الضعفاء وأعله بعتاب بن أعين. ومنهم على بن أبى طالب وجابر وابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن
العاص، أخرج أحاديثهم الدار قطنى أيضا، وكلها ضعيفة ورواه سعيد بن منصور فى سننه والبيهقى عن الحسن مرسلا
وسنده صحيح، ومن شاء الوقوف على تفصيل الكلام فى هذه الأحاديث رجع إلى «أضواء البيان، للشنقيطى فإنه قد بسط
((الكلام فيها أخذا عن ((نصب الراية)) وغيره. ثم قال: قال غير واحد: إن هذا الحديث لا يثبت مسندا وأنه ليس له طريق
صحيحة إلا الطريق التى أرسلها الحسن. قال الشنقيطى: والذى يظهر لى - والله أعلم - أن حديث الزاد والراحلة المذكور
ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم فى المستدرك عن أنس قال : كلتاهما صحيحة
الإسناد، وأقر تصحيحهما الحافظ الذهبي ولم يتعقبه بشئى، والدعوى على سعيد بن أبى عروبة وحماد بن سلمة فى
روايتهما الحديث عن قتادة عن أنس عن النبي ◌َّ أنها غلط، وأن الصحيح عن قتادة عن الحسن مرسلا دعوى لا
مستند لها ، بل هى تغليط وتوهيم للعدول المشهورين من غير استناد إلى دليل، والصحيح عند المحققين من الأصوليين
والمحدثين أن الحديث إذا جاء من طريق صحيحة وجاء من طرق أخرى غير صحيحة فلا تكون الطرق علة فى
الصحيحة إذا كان رواتها لم يخالفوا جميع الحفاظ ، بل انفراد الثقة العدل بما لم يخالف فيه غيره مقبول عند المحققين ،
فرواية سعيد بن أبى عروبة وحماد بن سلمة الحديث المذكورعن قتادة عن أنس مرفوعا لم يخالفوا فيها غيرهم بل حفظوا ما لم
يحفظه غيرهم ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فادعاء الغلط عليهما بلا دليل غلط ، وقول النووى فى شرح المهذب:
وروى الحاكم حديث أنس وقال: هو صحيح، ولكن الحاكم متساهل، والله أعلم - يجاب عنه بأنا لو سلمنا
أن الحاكم متساهل فى التصحيح، لا يلزم من ذلك أنه لا يقبل له تصحيح مطلقا، ورب تصحيح للحاكم مطابق
للواقع فى نفس الأمر، وتصحيحه لحديث أنس المذكور لم يتساهل فيه ، ولذا لم يبد النووى وجها لتساهله فيه، ولم يتكلم
فى أحد من رواته بل هو تصحيح مطابق فإن قيل: متابعة حماد بن سلمة لسعيد بن أبى عروبة المذكورة راويها عن
حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحرانى وهو متروك لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد من العلماء بالرجال، وقال
فيه ابن حجر فى التقريب: متروك فقد تساهل الحاكم فى قوله: إن هذه الطريق على شرط مسلم مع أن فى إسنادها
أبا قتادة المذكور. فالجواب أن أبا قنادة المذكور وإن ضعفه الأكثرون فقد وثقه الامام أحمد وأثنى عليه وناهيك.
بتوثيق الامام أحمد وثنائه، وذكر ابن حجر والذهبى أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح
ذكر أن أبا قتادة المذكور كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدا وأثنى عليه، وقال: إنه يتحرى الصدق. قال: ولقد رأيته.
يشبه أصحاب الحديث. وقال أحمد فى موضع آخر: ما به بأس، رجل صالح، يشبه أهل النسك، ربما أخطأ. وفى
٣٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
إحدى الروايتين عن ابن معين أنه قال: أبو قتادة الحرانى ثقة، ذكرها عنه ابن حجر والذهبى. وقول من قال: لعله
كبر فاختلط ، تخمين وظن لا يثبت به اختلاطه ، ومعلوم أن المقرر فى الأصول وعلوم الحديث: أن الصحيح أن
التعدیل یقبل محملا ، والتجريح لا يقبل إلا مفصلا ، مع أن رواية سعید بن أبى عروبة عن أنس ليس فى أحد من رواتها
كلام، ومما يؤيد ذلك موافقة الحافظ النقادة الذهبي للحاكم على تصحيح متابعة حماد، مع أن حديث أنس الصحيح
المذكور معتضد بمرسل الحسن، ولا سيما على قول من يقول: إن مراسيله صواح إذا روتها عنه الثقات كابن المدينى وغيره،
ويؤيد ذلك أن مشهور مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد الاحتجاج بالمراسيل ويؤيده أيضا الأحاديث المتعددة
التى ذكرنا ، وإن كانت ضعافا لأنها تقوى غيرها ولا سيما حديث ابن عباس ، فإنا قد ذكرنا سنده وبينا أنه لا يقل عن
درجة الاحتجاج. وقال الشوكانى فى نيل الأوطار: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوى بعضها بعضا فتصاح للاحتجاج ومما يؤيد
الحديث المذكور أن أكثر أهل العلم على العمل به كما قدمنا عن أبى عيسى الترمذى أنه قال فى حديث «الزاد والراحلة):
والعمل عليه عند أهل العلم، وقد بينا أنه قول الأكثرين منهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد ، فالحاصل
أن حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج. ثم قال الشنقيطى: الذى يظهر لى
- والله أعلم - أن حديث الزاد والراحلة وإن كان صالحا للاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على المشى على رجليه بدون
مشقة فادحة لا يلزمه الحج إن كان عاجزا عن تحصيل الراحلة، بل يلزمه الحج لأنه لا يستطيع إليه سبيلا كما أن صاحب الصنعة
التى يحصل منه قوته فى سفر الحج يجب عليه الحج، لأن قدرته على تحصيل الزاد فى طريقه كتحصيله بالفعل فإن قيل:
كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشى على رجليه دون الراحلة مع اعترافكم بقبول تفسير النبي محدودة («السبيل، بالزاد
والراحلة؟ وذلك يدل على أن المشى على الرجلين ليس من السبيل المذكور فى الآية فالجواب من وجهين الأول
أن الظاهر المتبادر أنه مَّ فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة، لأن الغالب أن أكثر الحجاج آفاقيون ، قادمون من
بلاد بعيدة، والغالب عجز الإنسان عن المشى على رجليه فى المسافات الطويلة وعدم إمكان سفره بلا زاد، ففسر مرئية
الآية بالأغلب، والقاعدة المقررة فى الأصول ؛ أن النص إذا كان جاريا على الأمر الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة ،
ولأجل هذا منع جماهير العلماء تزويج الرجل ربيته التى لم تكن فى حجره قائلين: إن قوله تعالى ( اللاتى فى حجوركم -
٤ : ٢٧) جرى على العادة ، فلا مفهوم مخالفة له، فيجب الحج على القادر على المشى على رجليه، إما لعدم طول المسافة
وإما لقوة ذلك الشخص على المشى، وكذلك يجب على ذى الصنعة التى يحصل منها قوته فى سفره، لأنه فى حكم واجد
الزاد فى المعنى، والعلم عند الله تعالى، الوجه الثانى: أن الله جل وعلا سوى فى كتابه بين الحاج الراكب والحاج
الماشى على رجليه، وقدم الماشى على الراكب، وذلك فى قوله تعالى: ﴿وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل
٣٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
ضامر يأتين من كل فج عميق - ٢٢: ٢٨) انتهى. وقال ابن تيمية فى شرح العمدة بعد سرده لما ورد فى ذلك: فهذه
الأحاديث مسندة من طرق حسان ومرسلة موقوفة تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة مع على النبي مزيفة أن
كثيرا من الناس يقدرون على المشى، وأيضا فإن الله قال فى الحج: ﴿من استطاع إليه سبيلا) إما أن يعنى القدرة
المعتبرة فى جميع العبادات وهو مطلق المكنة أو قدرا زائدا على ذلك ، فإن كان المعتبر هو الأول لم يحتج إلى هذا التقيد
كما لم يحتج إليه فى آية الصوم والصلاة، فعلم أن المعتبر قدر زائد فى ذلك وليس هو إلا المال، وأيضا فإن الحج عبادة
مفتقرة إلى مسافة فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة كالجهاد ، ودليل الأصل قوله: ﴿ولا على الذين لا يجدون ما
ينفقون حرج) إلى قوله ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم -٩: ٩٢) الآية -انتهى. قلت: الراجح عندنا أن
العاجز عن تحصيل الراحلة أو ما يقوم مقامها القادر على المشى على رجليه لا يلزمه الحج لتفسير النبى من استطاعة
السبيل المذكورة فى الآية بالزاد والراحلة، وهو يدل على اعتبار الراحلة للزوم الحج، وأما حمل ذلك على أنه مَفّم فسر
الآية بأغلب حالات الاستطاعة فلا دليل عليه، والاستشهاد لذلك بقوله تعالى: (وربائبكم اللاتى فى حجوركم) فيه نظر
لأن ههنا قرينة تدل على أن الخطاب فى هذه الآية خرج مخرج الغالب، وهى ما ورد فى رواية للبخارى فى قصة عرض
أم حبيبة أختها عزة بنت أبى سفيان على النبي ◌َّ قوله: إنى لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لى أى بنت أبى سلمة، لجعل
المناط فى التحريم مجرد تزوجه أم سلمة وحكم بالتحريم بذلك. وأما قوله تعالى: ﴿ وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا
وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) فلا دليل فيه على وجوب الحج على القادر على المشى العاجز عن
الراحلة ، وأكثر ما فيه أنه استدل به بعض العلماء على أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا ، لأنه قدمهم
فى الذكر، خلافا لما ذهب إليه الأكثرون من أن الحج راكبا أفضل اقتداء برسول الله به، فإنه حج راكبا مع كمال قوته
وقدرته على المشى. وقال ابن قدامة: ومن تكلف الحج ممن لا يلزمه فإن أمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره مثل أن
يمشى ويكتسب بصناعة كالخرز، أو معاونة من ينفق عليه، أو يكترى لزاده ولا يسأل الناس استحب له الحج لقول الله تعالى:
﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) فقدم ذكر الرجال، ولأن فى ذلك مبالغة فى طاعة الله عزوجل وخروجا من الخلاف
وإن كان يسأل الناس كره له الحج لأنه يضيق على الناس ويحصل كلا عليهم فى التزام ما لا يلزمه - انتهى. قلت:
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم. وقال مالك: ليستا أى الزاد والراحلة من شرط وجوبه،
فإذا قدر راجلا وله صنعة أو من عادته السؤال فهو مستطيع كما ذكرنا فى بيان مذهبه وما عليه الجمهور هو مقتضى
القواعد الشرعية. قال ابن تيمية: كل عبادة اعتبر فيها المال فالمعتبر ملكه لا القدرة على ماكه كتحصيله بصنعة أو قبول
هبة أو مسألة أو أخذ من صدقة أو بيت مال - انتهى. وهذا كله يتعلق بالمستطيع بنفسه، وأما ما يسمونه المستطيع
بغيره فقد تقدم الكلام فيه فى شرح حديث الختعمية وهونوعان: الأول منهما هو من لا يقدر على الحج بنفسه لكونه زمنا ،
٣٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
أو هرما ونحو ذلك، ولكنه له مال يدفعه إلى من يحج عنه، فهل يلزمه الحج نظرا إلى أنه مستطيع بغيره فيدخل فى
عموم قوله (من استطاع إليه سبيلا) أو لا يجب عليه الحج لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه فلا يدخل فى عموم الآية،
وبالقول الأول قال الشافعى وأصحابه، فيلزمه عندهم أجرة أجير يحج عنه بشرط أن يجد ذلك بأجرة المثل. قال النووى:
وبه قال جمهور العلماء منهم على بن أبى طالب والحسن البصرى والثورى وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المنذر وداود،
وقال مالك: لا يجب عليه ذلك، ولا يجب إلا أن يقدر على الحج بنفسه، واحتج لذلك بقوله تعالى: (ليس للإنسان
إلا ما سعى - ٥٣: ٤٠) وبقوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا) وهذا لا يستطيع بنفسه فيصدق عليه اسم
غير المستطيع ، وبأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذلك مع العجز كالصلاة، واحتج الأكثرون*
القائلون بوجوب الحج عليه بأحاديث رواها الجماعة، منها حديث ابن عباس فى قصة استفتاء الخثعمية
وقد تقدم فى الفصل الأول ، ومنها حديث أبى رزين العقيلى الآتى، ومنها حديث على فى قصة الخعمية أيضا
عند أحمد (ج: ص ) والترمذى والبيهقى (ج ٤: ص ٣٢٩) ومنها حديث عبد الله بن الزبير عند
أحمد (ج ٤ ص ٥) والنسائى، ومنها حديث ابن عباس أيضا عند النسائى كلاهما بنحو قصة الختعمية.
والنوع الثانى من نوعى المستطيع بغيره هو من لا يقدر على الحج بنفسه وليس له مال يدفعه إلى من يحج عنه، ولكن
له ولد يطيعه إذا أمره بالحج والولد مستطيع فهل يجب الحج على الوالد ويازمه أمر الولد بالحج عنه لأنه مستطيع بغيره؟
فيه خلاف بين أهل العلم. قال النووى فى شرح المهذب: فرع فى مذاهبهم فى المعضوب إذا لم يحد مالا يحج به غيره
فوجد من يطيعه، قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الحج عليه، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا يجب عليه، وقد علمت
أن مالكا احتج فى مسئلة العاجز الذى له مال بقوله تعالى ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وبأنه عاجز بنفسه فهو غير
مستطيع إلى الحج سبيلا ، وبأن سعيد بن منصور وغيره رووا عن ابن عمر بإسناد صحيح: أنه لا يحج أحد عن أحد ،
ونحوه عن الليث ومالك، وأن الذين خالفوه احتجوا بالأحاديث التى أشرنا إليها وفيها ألفاظ ظاهر ها الوجوب، كتشبيه
بدين الأدمى، وكقول السائل: يجزئى عنه أن أحج عنه، والاجزاء دليل المطالبة، وفى بعض رواياتها أن السائل يقول:
إن عليه فريضة الحج، ويستأذن النبي مؤثر فى الحج عنه وهو مَّه لم يبين له أن الحج سقط عنه بزمانته وعجزه عن
الثبوت على الراحلة، وبقوله للولد ((أنت أكبر ولده، وأمره بالحج عنه، وأما الذين فرقوا بين وجود المعضوب مالا
أوجبوا عليه الحج وبين وجوده ولدا يطيعه فلم يوجبوه عليه، فلأن المال ملكه فعليه أن يستأجر به، والولد مكلف
آخر ليس لموما بفرض على مشخص آخر، ولأنه وإن كان له ولد فليس بمستطيح بيدن ولا براد وراحة، ولو وحد
إنسانا غير الولد يطيعه فى الحج عنه، فهل يكون حكمه حكم الولد؟ فيه خلاف معروف، وأظهر الأقوال أنه كالولد،
٣٩٩
. مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
تنبيه: إذا مات الشخص ولم يحمج وكان الحج قد وجب عليه لاستطاعته بنفسه أو بغيره عند من يقول بذلك
وكان قد ترك مالا فهل يجب أن يحمج ويعتمر عنه من ماله؟ فى ذلك خلاف بين أهل العلم ، فقال بعضهم: يجب أن
يحج ويعتمرعنه من تركته سواء مات مفرطا أو غير مفرط ، لكون الموت أعجله عن الحج فورا ، وبهذا قال الشافعى
وأحمد. قال ابن قدامة: وبهذا قال الحسن وطاوس والشافعى. وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن
أوصى بذلك فهو فى الثلث ، وبهذا قال الشعبى والنخعى. لأنه عبادة بدنية فتسقط بالموت كالصلاة ، واحتجوا أيضا
بأن ظاهر القرآن كقوله { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ مقدم على ظاهر الأحاديث بل على صريحها لأنه أصح
منها ، وأجاب الأولون بأن الأحاديث مخصصة بعموم القرآن، وبأن المعضوب وجب عليه الحج بسعيه
بتقديم المال وأجرة من يحج عنه ، فهذا من سعيه، وأجابوا عن قياسه على الصلاة بأنها لا تدخلها النيابة بخلاف الحج
والذين قالوا : يجب أن يحج عنه منرأس ماله ، استدلوا بأحاديث جاءت فى ذلك تقتضى أن من مات وقد وجب
عليه الحج قبل موته أنه يحج عنه، منها حديث ابن عباس عند البخارى المتقدم فى الفصل الأول، ومنها حديث ابن
عباس عند البخارى أيضاً: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي تؤثّ فقالت: إن أمى نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج
عنها؟ قال: نعم حجى عنها، أرأيت لوكان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء. والحج فى
هذين الحديثين وإن كان منذورا فإيجاب الله له على عباده فى كتابه أقوى من إيجابه بالنذر مع أن النبي مَّ أمر بقضاتها
وشبهها بدين الآدمى ، قال المجد فى المنتقى بعد أن أشار لحديث البخارى الأول: وهو يدل على صحة الحج عن الميت من
الوارث وغيره حيث لم يستفصله أ وارث هو أولا؟ وشبهه بالدين - انتهى. وقد تقرر فى الأصول أن عدم الاستفصال
من النبى مَّ أى طلب التفصيل فى أحوال الواقعة ينزل منزلة العموم القولى، وخالف فى هذا الأصل أبو حنيفة كما هو
مقرر فى الأصول، ومنها ما رواه النسائى فى سننه بسند صالح للاحتجاج عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول
الله! إن أبى مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال أرأيت لو كان على أيك دين أكنت قاضيه؟ قال نعم، قال: فدين الله
أحق، ومنها ما رواه النسائى أيضا بسند صحيح أن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهنى أن تسأل رسول
الله ◌َّ أن أمها ماتت ولم تحج أفيجرى عن أمها أن تحج عنها؟ قال نعم ، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن.
پجزئی عنها ؟ فلتحج عن أمها، ومنها ما رواه الدارقطنى عن ابن عباس قال : أتى النبي ◌ُٹے رجل فقال : إن أبی مات
وعليه حجة الإسلام ، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه أقضيته عنه؟ قال: نعم، قال فاحجج عن أيك،
ومنها حديث بريدة الأسلى عند أحمد ومسلم وغيرهما أن امرأة أتت النبي مَع فقالت إن أمى قد ماتت ولم تحج
فيجزئها أن أحج عنها قال نعم -الحديث، ومنها حديث أنس بن مالك عند البزار والطبرانى بنحو حديث ابن عباس
٤
.
١