النص المفهرس
صفحات 361-380
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
رسول اللّه مَّه وعلموا أن إحرامه ◌َّم من الميقات كان تيسيرا على أصحابه ورخصة لهم، وابن عمر كان أشد
الناس اتباعا برسول الله مؤثر، وأصول أهل الظاهر تقتضى أنه لا يجوز الإحرام إلا من الميقات إلا أن يصح إجماع
على خلافه وقال أبو عمر: كره مالك أن يحرم أحد قبل الميقات، وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه أنكر
على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات، وفى تعليق البخارى
•كره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان، وكره الحسن وعطاء بن أبي رباح الاحرام من الموضع البعيد، وقال ابن
بزيزة: فى هذا ثلاثة أقوال، منهم من جوزه مطلقا ، ومنهم من كرهه مطلقا ، ومنهم من أجازه فى البعيد دون القريب.
قلت: وتقدم آنفا من قال بالكراهة من البعيد فهو قول رابع فى المسئلة، والقول الثالث رواية المالكية. قال الباجى:
فى أثر ابن عمر أنه أهل من إيلياء تقديم الإحرام قبل الميقات، وقد روى ابن المواز عن مالك جواز ذلك وكراهيته
فيما قرب من الميقات، وروى العراقيون كراهيته على الإطلاق وإذا قلنا برواية ابن المواز فالفرق بين القريب والبعيد
أن من أحرم بقرب الميقات فإنه لا يقصد إلا مخالفة التوقيت لأنه لم يستدم إحراما، وأما من أحرم على البعد منه فإن له
غرضا فى استدامة الإحرام كما قلنا أن من كان فى شعبان لم يجز له أن يتقدم صيام رمضان بصيام يوم أو يومين، ومن
استدام الصوم من أول شعبان جاز له استدامة ذلك حتى يصله برمضان-انتهى. وقال الأبى: إن أحرم قبلها يسير كره ،
وإن أحرم قبلها بكثير فظاهر المدونة الكراهة، وظاهر المختصر الجواز. ونقل اللخمى قولا بعدم كراهة القريب -
انتهى. وقال الولى العراقى فى طرح التثريب (ج ٥: ص٥): قد بينا أن معنى التوقيت بهذه المواقيت منع مجاوزتها
بلا إحرام إذا كان مريدا للنسك، أما الإحرام قبل الوصول إليها فلا مانع منه عند الجمهور. ونقل غير واحد الاجماع
عليه، بل ذهب طائفة من العلماء إلى ترجيح الاحرام من دويرة أهله على التأخير إلى الميقات وهو أحد قولى الشافعى
ورجحه من أصحابه القاضى أبو الطيب والرويانى والغزالى والرافعى، وهو مذهب أبي حنيفة، وروى عن عمر وعلى أنهما
قالا فى قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله - ١٩٢:٢ ) إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وقال ابن المنذر:
ثبت أن ابن عمر أهل من إيلياء يعنى بيت المقدس، وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو اسحاق يحرمون من بيوتهم
انتهى. لكن الأصح عند النووى من قولى الشافعى أن الإحرام من الميقات أفضل. ونقل تصحيحه عن الأكثرين
والمحققين، وبه قال أحمد وإسحاق، وحكى ابن المنذر فعله عن عوام أهل العلم بل زاد مالك عن ذلك فكره تقدم الإحرام
على الميقات. قال ابن المنذر: وروينا عن عمر أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة وكره الحسن البصرى
وعطاء بن أبي رباح ومالك الاخرام من المكان البعيد - انتهى. وعن أبى حنيفة رواية أنه إن كان يملك نفسه عن
الوقوع فى محظور فالإحرام من دويرة أهله أفضل وإلا فمن الميقات. وبه قال بعض الشافعية - انتهى. وقال العينى:
وقال الشافعى وأبو حنيفة: الإحرام من قبل هذه المواقيت أفضل لمن قوى على ذلك. وقد صح أن على بن أبى طالب
٣٦١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
وابن مسعود وعمران بن حصين وابن عباس وابن عمر: أحرموا من المواضع البعيدة ، وعند ابن أبى شيبة أن عثمان بن
العاص أحرم من المنجثانية وهى قرية من البصرة. وعن ابن سيرين أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن ومسلم بن
يسار من الدارات، وأحرم أبو مسعود من السيلحين. وقال أبو داود: يرحم الله وكيما أحرم من بيت المقدس،
وأحرم ابن سيرين مع أنس من العقيق ومعاذ من الشام ومعه كعب الحبر وقال الأمير اليمانى (ج ٢: ص ١٨٩):
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل نعم، لأن قول الصحابة : وقت
رسول اللّه مَ ◌ّ لأهل المدينة ذا الحليفة. يقتضى بالإهلال من هذه المواقيت ويقضى بنفى النقص والزيادة، فإن لم تكن
الزيادة محرمة فلا أقل من أن تكون تركها أفضل، ولولا ما قيل من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه لأدلة التوقيت ،
ولأن الزيادة على المقدرات من المشروعات كاعداد الصلاة ورمى الجمار لا تشرع كالنقص منها وإنما لم تجزم بتحريم
ذلك لما ذكرنا من الإجماع، ولأنه روى عن عدة من الصحابة تقديم الاحرام على الميقات، فأحرم ابن عمر من بيت
المقدس ، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عباس من الشام وأهل عمران بن حصين من البصرة وأهل ابن مسعود
من القادسية. وورد فى تفسير الآية أن الحج والعمرة تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك عن على وابن مسعود وإن
كان قد تؤول بأن مراد هما أن ينشألهما سفرا مفردا من بلده كما أنشأ من لعمرة الحديبية والقضاء سفرا من بلده ویدل
لهذا التأويل أن عليا لم يفعل ذلك ولا أحد من الخلفاء الراشدين ولم يحرموا بحمج ولا عمرة إلا من الميقات بل لم يفعله
مرّ فكيف يكون ذلك تمام الحج ولم يفعله مَّ ولا أحد من الخلفاء ولا جماهير الصحابة، نعم الاحرام من ينت
المقدس بخصوصه ورد فيه حديث أم سلمة سمعت رسول اللّه مَّه يقول: من أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة
غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه أحمد، وفى لفظ ((من أحرم من بيت المقدس غفر له ما تقدم من ذنبه)) ورواه أبو داود
ولفظه «من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له
الجنة، شك من الراوى، ورواه ابن ماجه بلفظ «من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب)
فيكون هذا مخصوصا بيت المقدس فيكون الإحرام منه خاصة أفضل من الإحرام من المواقيت، ويدل له إحرام ابن
عمر منه، ولم يفعل ذلك من المدينة على أن منهم من ضعف الحديث، ومنهم من تأوله بأن المراد ينشئ لهما السفر من
هنالك - انتهى كلام الأمير المانى وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٦٤): لا خلاف فى أن من أحرم قبل الميقات
يصير محزما تثبت فى حقه أحكام الإحرام ، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم،
ولكن الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله. روى نحو ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال الحسن وعطاء ومالك
. وإسحاق، وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده وعن الشافعى كالمذهبين. وكان علقمة والأسود وعبد الرحمن
ـرّ يقول: مِن
وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم. واحتجوا بما روت أم سلمة زوج النبي مَثّ أنها سمعت رسول الله
٣٦٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة . شك
عبد الله أيهما قال. رواه أبو داود. وفى لفظ رواه ابن ماجه: من أهل بعمرة من بيت المقدس غفرله. وأحرم ابن
عمر من إيلياء، وروى النسائى وأبو داود بإسناديهما عن الصبى بن معبد، قال: أمللت بالحج والعمرة معا فلما أتيت
العُذّيب لقينى سليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما جميعا فقال أحد هما ما هذا بأفقه من بعيره ، فأتيت عمر
فذكرت له ذلك، فقال: هديت لسنة نبيك مَّي، وهذا إحرام به قبل الميقات. وروى عن عمر وعلى رضى الله عنهما
فى قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله) إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أملك. ولنا أن النبى مدين وأصحابه أحرموا
من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل فإن قيل: إنما فعل هذا لتبين الجواز، قلنا: قد حصل بيان الجواز بقوله كما فى
سائر المواقيت، ثم لو كان كذلك لكان أصحاب النبي مرئي وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم ولما تواطؤا على ترك الأفضل
واختيار الأدنى، وهم أهل التقوى والفضل وأفضل الخلق ، ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم، وقد روى
ابو پعلى الموصلى فى مسنده عن أبى أيوب قال قال رسول الله ◌ُٹے : یستمتع أحدكم بحله ما استطاع فإنه لا يدرى ما
يعرض له فى إحرامه، وروى الحسن أن عمران بن حصين أحرم من مصره فبلغ ذلك عمر فغضب، وقال: يتسامع
الناس أن رجلا من أصحاب رسول اللّه مَّل أحرم من مصره. وقال: إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلم
قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه له، رواهما سعيد والأثرم. قال البخارى : كره عثمان أن يحرم من خراسان أو
كرمان، ولأنه أحرم قبل الميقات فكره كالإحرام بالحج قبل أشهره، ولأنه تغرير بالإحرام، وتعرض لفعل
محظوراته ، وفيه مشقة على النفس فكره كالوصال فى الصوم. قال عطاء: انظروا هذه المواقيت التى وقتت لكم نفذوا
برخصة الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا فى إحرامه فيكون أعظم لوزره فإن الذنب فى الاحرام أعظم من
ذلك، فأما حديث الإحرام من بيت المقدس ففيه ضعف يرويه ابن أبى فديك ومحمد بن إسحاق وفيهما مقال ، ويحتمل
اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيره ليجمع بين الصلاة فى المسجدين فى إحرام واحد ، ولذلك أحرم ابن عمر منه،
ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات، وقول عمر الصبى هديت لسنة نبيك يعنى فى القرآن فالجمع بين الحج والعمرة لا
فى الإحرام من قبل الميقات فإن سنة النبي مؤثر الاحرام من الميقات بين ذلك بفعله وقوله، وأما قول عمر وعلى فإنهما
قالا:«إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك)) ومعناه أن تنشئى لها سفرا من بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك ، قال
أحمد: كان سفيان يفسره بهذا وكذلك فسره به أحمد. ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام، فإن النبي ◌َ ◌ّ وأصحابه
ما أحرموابها من بيوتهم، وقد أمرهم الله بإتمام العمرة، فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبي مَّه وأصحابه تاركين الأمر
اللّه، ثم إن عمر وعليا ما كانا يحرمان إلا من الميقات، أفتراهما يريان أن ذلك ليس بإتمام لها ويفعلانه؟ هذا لا ينبغى
أن يتوهمه أحد ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من مصره واشتد عليه، وكره أن يتسامع الناس مخافة أن يؤخذ
٣٦٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
به، أفتراه كره إتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالأفضل ، هذا لا يجوز فيتعين حمل قولهما فى ذلك على ما حمله
عليه الأئمة ، والله أعلم - انتهى كلام ابن قدامة. قلت: القول الراجح عندنا قول من قال بكرامة تقديم الاحرام قبل
الميقات، وقد روى ذلك عن عمر وعثمان رضى الله عنهما كما تقدم، وهو الموافق لحكمة تشريع المواقيت، وما أحسن
ما ذکر الشاطبی فی الاعتصام (ج ١ ، ص ١٦٧) ومن قبله الهروی فی ذم الكلام عن الزبير بن بكار : قال حدثی ابن
عيينة قال سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال من ذى الحليفة من حيث أحرم
رسول اللّه يَّ فقال إنى أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال لا تفعل فانى أخشى عليك الفتنة، فقال فأى
فتنة فى هذه؟ إنما هى أميال أزيدها. قال وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول اللّه مؤفيه
إنى سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم - ٢٤: ٦٣) انتهى.
وأما حديث (من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك)) فهو حديث منكر أخرجه البيهقى (ج ٥: ص ٣١) من طريق
جابر بن نوح عن محمد بن عمرو عن أبى هريرة عن النبي مَّهُ فى قوله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله) قال فذكره.
قال الشيخ ناصر الدين الألبانى: هذا سند ضعيف ضعفه البيهقى بقوله: فيه نظر، ووجهه أن جابرا هذا متفق على تضعيفه،
وأورد له ابن عدى (٢/٥٠) هذا الحديث وقال: لا يعرف إلا بهذا الإسناد، ولم أر له أنكر من هذا - انتهى. وقد
خفى هذا على الشوكانى فقال فى نيل الأوطار (ج ٤: ص ١٨٠): ثبت هذا مرفوعا من حديث أبى هريرة أخرجه ابن
عدى والبيهقى - انتهى. وقد رواه البيهقى من طريق عبد الله بن سلمة المرادى عن على موقوفا، ورجاله ثقات إلا أن
المرادى هذا كان تغير حفظه، وعلى كل حال هذا الموقوف أصح من المرفوع - انتهى. وأما حديث أم سلمة فى
الاحرام من المسجد الأقصى ففى صحته نظر وإن سكت عليه أبو داود. وقد أخرجه أيضا أحمد (ج ): ص ٢٩٩)
وابن ماجه والدار قطنى والبيهقى (ج ): ص ٣٠) وابن حبان فى صحيحه بألفاظ مختلفة كلهم من طريق حكيمة عن أم
سلمة مرفوعا. قال ابن القيم فى تهذيب السنن (ج ٢: ص ٢٨٤): قال غير واحد من الحفاظ إسناده ليس بالقوى،
وأعله المنذرى بالاضطراب فقال فى مختصر السنن (ج ٢، ص ٢٨٥) وقد اختلف الرواة فى متنه وإسناده اختلافا
كثيرا وكذا أعله بالاضطراب الحافظ ابن كثير كما فى نيل الأوطار (ج ٤: ص ١٧٨) ثم إن المنذرى كانه نسى هذا
فقال فى الترغيب والترهيب ((رواه ابن ماجه بإسناد صحيح)) وأتى له الصحة وفيه ما ذكره من الاضطراب، وسياتى شئى
من الكلام عليه فى آخر الفصل الثانى، وفى الاستدلال به على جواز تقديم الإحرام على الميقات مطلقا نظر لأن دلالته
أخص من ذلك أعنى أنه إنما يدل على أن الإحرام من بيت المقدس خاصة أفضل من الإحرام من المواقيت، وأما
غيره من البلاد فالأصل الإحرام من المواقيت المعروفة وهو الأفضل كما قرره الأمير اليمانى فى سبل السلام وابن قدامة
فى المغنى وهذا على فرض صحة الحديث أما وهو لم يصح كما رأيت فبيت المقدس كغيره فى هذا الحكم لما سبق بيانه، وقد
٣٦٤
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
متفق عليه .
٢٥٤١ - (١٣) وعن جابر، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال:
روى ما يدل عليه بعمومه وهو ما روى الهيثم بن كليب وأبو يعلى الموصلى فى مسنديهما والبيهقى فى سننه من طريق واصل
ابن السائب الرقاشى عن أبى سورة عن عمه أبى أيوب الأنصارى مرفوعا ليستمتع أحدكم بحله ما
استطاع فإنه لا يدرى ما يعرض له فى إحرامه. قال البيهقى: هذا إسناد ضعيف، واصل بن السائب منكر الحديث،
قاله البخاري وغيره ، ثم رواه البيهقى من طريق الشافعى: أنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء مرفوعا نحوه. وأعله بقوله
(هذا مرسل)) قلت: ومسلم شيخ الشافعى هو ابن خالد الزنجى الفقيه، وهو صدوق كثير الأوهام كما فى التقريب، وابن
جريج مدلس وقد عنعنه واستدل أيضا لأبى حنيفة ومن وافقه بما رواه أحمد والثقفى فى مشيخته النيسابوريين
(١٨٤، ١٨٥، ٤/٣٣٥) من طريق الحسن بن هادية قال: لقيت ابن عمر فقال لى: من أنت؟ قلت: من أهل عمان
قال: من أهل عمان؟ قلت نعم. قال: أفلا أحدثك ما سمعت من رسول الله عزَّه؟ قلت بلى. فقال سمعت رسول الله ود ليل
يقول إنى لأعلم أرضا يقال لها عمان ينزح بجانبها البحر ، الحجة منها أفضل من حجتين من غيرها . قال الشيخ الألبانى:
رجاله كلهم ثقات معروفون غير ابن هادية هذا فقد ذكره ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحا ولا
تعديلا وأما ابن حبان فقد ذكره فى الثقات (ج ١: ص ١٤) وهذا منه على عادته فى توثيق المجهولين (المستورين)
وتوثيق ابن حبان هذا هو عمدة الهيشمى حين قال فى المجمع (ج ٣: ص ٢١٧) (رواه أحمد ورجاله ثقات)) وحجة الشيخ
الفاضل أحمد محمد شاكرفى قوله فى تعليقه على المسند ((إسناد صحيح، وهذا غير صحيح لما سبق، وكم له فى هذا التعليق وغيره من
مثل هذه التصحيحات المبنية على مثل هذه التوثيقات التى لا يعتمد عليها لضعف مستندها - انتهى (متفق عليه) وأخرجه.
أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٤٩،٢٣٨، ٢٥٢، ٣٣٢، ٣٣٩) وأبو داود، والنسائى والدارمى وابن الجارود (ص ١٤٨)
والدار قطنى والشافعى والبيهقى (ج ٥: ص ٢٩).
٢٥٤١ - قوله (عن جابر عن رسول اللّه ◌َله قال:) كذا وقع فى المشكاة والمصابيح، وهو يدل على أن
الحديث عند مسلم مجزوم فى رفعه إلى النبى مؤثّم والأمر ليس كذلك، فإن مسلما رواه أولا من طريق روح بن عبادة
عن ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال: سمعت ثم انتهى فقال: أراه يعنى
النبي ◌َّة. ولم يذكر مسلم لفظه، ومعنى هذا الكلام أن أبا الزبير سمع بعض الناس يسأل جابرا عن مواضع إحرام
الحجاج من جميع الجهات فقال جابر سمعت، ثم وقف عن الكلام ورفع الحديث إلى النبي مبد ئية ثم قال أراه (بضم
الهمزة) أى أظن أن النبى بزیٹے قال مهل أهل المدينة، وأما قوله «یعنی التی زیتے، فهو من كلام أبي الزبير يفسر به رجوع
الضمير إلى النبي ◌َّة فى قول جابر أراه يعنى مرفوعا إلى النبى مَّة. وقال النووى: معناه أن أبا الزبير قال سمعت
٣٦٥
من علة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
مهل أهل المدينة من ذى الحليفة ، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق،
جابرا ثم انتهى أى وقف عن رفع الحديث إلى النبي ◌َّم وقال: أراه أى أظنه رفع الحديث فقال أراه يعنى النبي مَّه
كما قال فى الرواية الأخرى أحسبه رفع إلى النبي مَّه. ثم رواه مسلم من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج أخبرنا أبو
الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال سمعت أحسبه رفع إلى النبى مَثّم فقال مهل أهل المدينة من ذى
الخليفة، إلخ. والطريقان تدلان على أن الحديث مشكوك فى رفعه. قال النووي: لم يثبت رفع الحديث لكونه لم يجزم
برفعه، وأجيب بأن قوله أراه أو أحسبه معناه أظنه، والظن فى باب الرواية يتنزل منزلة اليقين وليس ذلك قادحا فى
رفعه، وأيضا فلو لم يصرح برفعه لا يقينا ولا ظنا فهو منزل منزلة المرفوع، لأن هذا لا يقال من قبل الرأى وإنما يؤخذ
توقفا من الشارع لا سيما وقد ضمه جابر إلى المواقيت المنصوص عليها بقینا باتفاق، وقد أخرجه أحمدمن رواية ابن
لهيعة وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزى كلاهما عن أبى الزبير ولم يشكا فى رفعه (مهل أهل المدينة)
بضم الميم من الإهلال أى موضع إحرامهم اسم مكان (والطريق الآخر) أى مهل الطريق الآخر لهم، قاله القارى
(الجحفة) قال ابن الملك أى إذا جاؤا من طريق الجحفة فهى مهلهم، وقال ابن حجر: أى ومهل أهل الطريق الآخر الذى
لا يمر سالكه بذى الحليفة ولا يجاوزها يمنة أو يسرة هو الجحفة (ومهل أهل العراق من ذات عرق) بكسر العين وسكون
الراء بعدها قاف سمى الموضع بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل الصغير وهى أرض سبخة تنبت الطرفاء وقيل العرق من الأرض
السبخة تنبت الطرفاء ويسمى الآن الضريبة بفتح الضادوكسر الراء بعدها ياء ثم باء وهى الحد الفاصل بين تهامة ونجدو تبعد عن مكة
بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه أهل العراق وبلاد إيران وحاج الشرق كله
والحديث صريح فى أن ذات عرق ميقات أهل العراق بنص النبى محمد ثية وتوقيته لكن قال النووى: لا يحتج بهذا
الحديث مرفوعا لكونه لم يجزم برفعه ، وقد سبق الجواب عن ذلك ويشهد لكون ذات عرق ميقات أهل العراق
بالنص ما وقع فى حديث عائشة عند أحمد وأبي داود والنسائى والطحاوى والدار قطنى بإسناد صحيح كما قاله النووى أن
رسول اللّه تَّى وقت لأهل العراق ذات عرق، ويأتى الكلام عليه فى الفصل الثانى. ويشهد له أيضا حديث الحارث
بن عمرو السهمى عند أحمد والنسائى وأبى داود والطبرانى وحديث ابن عباس عند ابن عبد البر فى التمهيد والبزار فى
مسنده وحديث ابن عمر عند ابن راهويه فى مسنده وحديث أنس عند الطحاوى والطبرانى وحديث عبد الله بن عمرو
عند أحمد والدار قطنى وهذه الأحاديث وإن كان فى كل منها ضعف ولا تخلو عن مقال فمجموعها لا يقصر عن بلوغ
درجة الاحتجاج به ، وبها يرد على ابن خزيمة حيث قال: فى ذات عرق أخبار لا يثبت منها شئى عند أهل الحديث.
وعلى ابن المنذر حیث یقول: لم نجد فى ذاتعرق حديثا ثبت، واعلم أنه قد اتفق العلماء على أن رسول الله مُٹے نص
على المواقيت الأربعة المذكورة فى حديث ابن عباس وجابر وهى ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم . واختلفوا فى ذات عرق
٣٦٦
أ
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
هل صارت ميقاتا لأهل العراق بتوقيت النبي مَثّ ونصه أم باجتهاد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وممن قال إنه
مجتهد فيه من السلف طاوس وابن سيرين وأبو الشعثاء وجابر بن زيد حكاه البيهقى وغيره. وممن قال من السلف أنه
منصوص عليه عطاء بن أبي رباح، وحكاه ابن الصباغ عن احمد وأصحاب أبى حنيفة واختلف قول الشافعى فيه فقال فى
موضع هو منصوص عليه، وفى موضع ليس منصوصا عليه، وكذلك اختلف فيه الشافعية وأكثرهم على أنه منصوص
عليه. ويدل لذلك الأحاديث السابقة عن النبي ◌َّ التى نص فيها أن ذات عرق ميقات العراق. قال النووي:
قالوا: وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوى بعضها بعضا ويصير الحديث حسنا ويحتج به ، ويحمل تحديد
عمر باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبي مَثٍ فحدده باجتهاده فوافق النص - انتهى. واستدل من قال إنه مجتهد
فيه بما رواه البخارى فى صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: لما فتح هذان المصران (أى الكوفة والبصرة، والمراد بفتحهما
غلبة المسلمين على مكان أرضهما) أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول اللّه مؤتم حد لأهل نجد قرنا، وهو جور،
أى ميل عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرن شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق. قالوا:
فهذا الحديث الصحيح صريح فى أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر ، وقد جاءت بذلك أيضا آثار عن بعض السلف .
قال الحافظ بعد ذكرها : هذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصا ، وبه قطع الغزالى والرافعى فى شرح
المسند، يعنى مسند الشافعى والنووى فى شرح مسلم، وكذا وقع فى المدونة لمالك، وصمح الحنفية والحنابلة وجمرور
الشافعية ، والرافعى فى الشرح الصغير والنووى فى شرح المهذب أنه منصوص ، وقد وقع ذلك فی حديث جابر عند مسلم
إلا أنه مشكوك فى رفعه. وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما عن أبى
الزبير فلم يشكا فى رفعه، ووقع فى حديث عائشة وفى حديث الحارث بن عمرو السهمى كلاهما عند أحمد وأبي داود
والنسائى، وهذا يدل على أن للحديث أصلا، فلعل من قال إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار
أن كل طريق لا يخلو عن مقال، ولهذا قال ابن خزيمة : رويت فى ذات عرق أخبار لا يثبت شئ منها عند أهل الحديث
وقال ابن المنذر : لم نجد فى ذات عرق حديثا ثابتا. قال الحافظ : لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا قلت :
أظهر القولين عندى وأرجحهما أن ذات عرق وقتها النبي ◌َّ لأهل العراق ثبوت ذلك عن النبيِ مَّم فى أحاديث ، منها
ما هو صحيح الإسناد ومنها ما فى إسناده كلام ، وبعضها يقوى بعضا ، ولا يعارض ذلك حديث ابن عمر عند البخارى
الذى يدل على أن توقيت ذات عرق لأهل العراق باجتهاد من عمر، لاحتمال أن عمر لم يبلغه ذلك فاجتهد فوافق
اجتهاده توقيت التي تَّى، وهو رضى الله عنه معروف أنه وافقه الوحى فى مسائل متعددة ، فلا مانع من أن تكون هذه
منها لا شرعا ولا عقلا ولا عادة. قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت الني مَّ ذات
: ٣٦٧
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
عرق فقال ذلك برأيه فأصاب ووافق قول النبي مؤيّة، فقد كان كثير الإصابة - انتهى. وأما إعلال بعضهم حديث
ذات عرق بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقال ابن عبد البر: هى غفلة، لأن النبي ◌ُّم وقت المواقيت لأهل النواحى قبل
الفتوح لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق. انتهى. وبهذا أجاب الماوردى وآخرون فإن قلت:
ما الجمع بين حديث ابن عباس الآتى فى الفصل الثانى أن النبى يَّم وقت لأهل المشرق العقيق، وبقية الأحاديث فى
التوقيت من ذات عرق؟ قلت : فی ذلك أوجه : أحدها : ضعف حديث ابن عباس، فانه تفرد به یزید بن أبي زياد
وهو سيئى الحفظ ، وبتقدير صحته أحاديث التوقيت من ذات عرق أصح وأكثر وأرجح. الثانى: أن ذات عرق ميقات
الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق، فالإحرام من العقيق أفضل، فإن جاوزه وأحرم من ذات
عرق جاز، وبهذا صرح الشافعية ، الثالث: أن ذات عرق ميقات لبعض أهل العراق وهم أهل البصرة ، والعقيق ميقات
لبعض منهم وهم أهل المدائن، وقع ذلك فى حديث لأنس عند الطبرانى فى الكبير ، وفيه أبو ظلال هلال بن يزيد ، وثقه
ابن حبان وضعفه الجمهور. الرابع: أن ذات عرق كانت أولا فى موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة ، وعلى
هذا فذات عرق هو العقيق، واللفظان متواردان على شئ واحد ، ومقتضى هذا الجواب وجوب الإحرام من العقيق،
والجمهور على خلافه، فإنه لم يقل أحد بتعيين الاحرام من العقيق، وإنما قالوا يستحب احتياطا. قال ابن المنذر:
واختلفوا فى المكان الذى يحرم منه من أتى من العراق على ذات عرق ، فكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذلك
الشافعى ، وكان مالك وإسحاق وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأى يرون الإحرام من ذات عرق، وقال أبو بكر:
الإحرام من ذات عرق يجزئ وهو من العقيق أحوط ، أعلم أن من سلك طريقا إلى الحرم لا ميقات فيها فميقاته المحل
المحاذى لأقرب المواقيت إليه كما يدل عليه ما قدمنا نقلا عن صحيح البخارى من توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق
لمحاذاتها قرن المنازل، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. قال الحب الطبرى: فى حديث ابن عمر عند البخارى دلالة
على أن من مر على طريق لا ميقات فيه أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه نزولا على قضاء عمر وقال الولى العراقى:
سكت فى حديث ابن عباس عند الشيخين عن قاصد مكة للنسك من غير أن يمر على شئ من هذه المواقيت، وقد قال
الجمهور: يلزمه الاحرام إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، وبه قال الأئمة الأربعة، وتمسكوا فى ذلك بقول عمر رضى
الله عنه لما شكى إليه أهل العراق جور قرن عن طريقهم («انظروا حذوها من طريقكم، والإحرام من محاذاة الميقات
أقرب الأمور إلى النص ، لأن القصد البعد عن مكة بهذه المسافة ، فظزم اتباعه - انتهى. وحاصل مذهب الحنابلة فى ذلك
على ما فى ((مفيد الأنام)) للشيخ ابن جاسر النجدى: من لم يمر بميقات من المواقيت الخمسة، أحرم بحج أو عمرة وجوباً إذا
علم أنه حاذى أقرب المواقيت منه لقول عمر رضى الله عنه ((انظروا حذوها من طريقكم، رواه البخارى، وسن له أن
٣٦٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
يحتاط ليخرج من عهدة الواجب، فإن لم يعلم حذو الميقات أحرم من بعد إذ الإحرام قبل اليقات جائزٍ وتأخيره عنه
حرام ، فإن تساويا قربا منه فإنه يحرم من حذو أبعدهما من مكة من طريقه، لأنه أحوط ، وإن أم يحاذ ميقاتا كالذى يحمى
من ((سواكن)) إلى ((جدة)) من غير أن يمر "برابغ)) ولا «يلملم، لأنهما أمامه، فيصل ((جدة)) قبل محاذاتهما أحرم من مكة
بقدر مرحلتين ، فيحرم فى المثال من «جدة، لأنها على مرحلتين من مكة لأنه أقل المواقيت - انتهى. وقال ابن قدامة:
من سلك طريقا بين ميقاتين فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذى هو إلى طريقه أقرب لما روينا أن أهل
العراق قالوا لعمر: إن قرنا جور عن طريقنا، فقال انظروا حذوما من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق فإن لم يعرف
حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بعد بحيث تيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما ، لأن الاحرام قبل
الميقات جائز وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه، ولا يلزمه الاحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه، لأن
الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك ، فإن أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز ما يحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم،
وإن شك فى أقرب الميقاتين إليه فالحكم فى ذلك على ما ذكرنا فى المسئلة قبلها، وإن كانتا متساويتين فى القرب إليه أحرم
من حذو أبعدهما - انتهى. وقال الحافظ: قد نقل النووى فى شرح المهذب: من ليس له ميقات ولا يحاذى ميقاتا
يلزمه أن يحرم على مرحلتين اعتبارا بقول عمر هذا فى توفيته ذات عرق، وتعقب بأن عمر إنما حدها لأنها تحاذى قرنا
وهذه الصورة إنما هى حيث يجهل المحاذاة ، فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل، لأن ما زاد عليه مشكوك فيه ، لكن
مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد - انتهى. قلت: مذهب الشافعية أن من سلك البحر أو ظريقا ليس
فيه شتى من المواقت الخمسة، أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإذا كان عند محاذاة ذى الحليفة على ميلين منها
وعند محاذاة الجحفة على ميل كان ميقاته الجحفة، وإن استويا فى القرب إليه أحرم عند محاذاة الأبعد من مكة، فإن لم
يحاذ شيئا - كالآتى من غربى جدة فى البحر - أحرم على مرحلتين من مكة قال ابن حجر الهيتمى المكى فى ((تحفة المحتاج
بشرح المنهاج)) (من سلك طريقا) فى بر أو بحر (لا ينتهى إلى ميقات، فإن حاذى ميقاتا) أى سامته بأن كان على
يمينه أو يساره ، ولا عبرة بما أمامه أو خلفه (أحرم من محاذاته) فإن اشنبه عليه موضع المحاذاة اجتهد ويسن أن
يستظهر ليتيقن المحاذاة ، فإن لم يظهر له شئ تعين الاحتياط (أو) حاذى (ميقاتين) بأن كان إذا مر على كل تكون
المسافة منه إليه واحدة (فالأصح أن يحرم من محاذاة أبعدهما) من مكة، وإن حاذى الأقرب إليها أولا وليس له
انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب إليها، كما ليس المار على ذى الحليفة أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة، فإن استوت
مسافتهما فى القرب إلى طريقه وإلى مكة أحرم من محاذاتها ، ما لم يحاذ أحدهما قبل الآخر ، وإلا فمنه، أما إذا لم
تستو مسافتهما إليه بأن كان بين طريقه وأحدهما إذا مر عليه ميلان، والآخر إذا مر عليه ميل فهذا هو ميقاته، وإن كان
٣٦٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
أقرب إلى مكة. قال الشروانى فى حاشيته: والحاصل أن العبرة أولا بالقرب إليه ثم بالبعد من مكة ثم بالمحاذاة أولا؛
فإن انتفى جميع ذلك فن محاذاتها-انتهى. قال ابن حجر: (وإن لم يحاذ) شيئا من المواقيت (أحرم على مرحلتين من مكة)
لأنه لا ميقات دونهما. قال: والإحرام من المرحلتين هنا بدل عن أقرب ميقات إلى مكة، وأقرب ميقات إليها على مرحلتين
منها ، لا من الحرم، فاعتبرت المسافة من مكة لذلك. لا يقال: المواقيت مستغرقة لجهات مكة فكيف يتصور عدم
محاذاته لميقات؟ فينبغى أن المراد عدم المحاذاة فى ظنه دون نفس الأمر، لأنا نقول يتصور بالجائى من ((سوا كن) إلى ((جدة))
من غير أن يمر برابغ أو بيلعلم لأنهما حينئذ أمامه، فيصل جدة قبل محاذاتها؛ وهى على مرحلتين من مكة ، فتكون هى
ميقاته. قال النووي: (وإن بلغ الميقات مريدا) لنفسك (لم تجز مجاوزته) إلى جهة الحرم (بغير إحرام) قال ابن
حجر: خرج بقولنا «إلى جهة الحرم)، ما لو جاوزه يمنة أو يسرة فله أن يؤخر إحرامه لكن بشرط أن يحرم من محل
مسافته إلى مكة مثل مسافة ذلك الميقات كما قاله الماوردى. وجزم به غيره ، وبه يعلم أن الجائى من اليمن فى البحر له أن
يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة، لأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلعلم كما صرحوا به - انتهى. ومذهب الحنفية
أن من سلك طريقا ليس فيه ميقات معين برا أو بحرا اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتا منها، ومن حذو الأبعد أولى.
وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة، کجدة. قال صاحب البحر : قد قالوا من كان فى بر أو بحر لا يمر بواحد من
هذه المواقيت المذكورة، عليه أن يحرم إذا حاذى آخرها، ويعرف بالاجتهاد ، وعليه أن يجتهد فاذا لم يكن
بحيث يحاذى فعلى مرحلتين إلى مكة. ولعل مراده بالمحاذاة المحاذاة القريبة من الميقات، وإلا فآخر
المواقيت باعتبار المحاذاة ((قرن المنازل، وقال القارى فى شرح المناسك: وعين هذه المواقيت ليست بشرط
ولهذا يصح الإحرام قبلها ، بل الواجب عينها أو حذوها أى محاذاتها ومقابلتها ، فمن سلك غير ميقات أى طريقا
ليس فيه ميقات معين برا أو بحرا اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتا منها، أى من المواقيت المعروفة ومن حذو الأبد
أولى، فإن الأفضل أن يحرم من أول الميقات وهو الطرف الأبعد عن مكة حتى لا يمر بشئى مما يقال ميقاتا
غير محرم ، ولو أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز باتفاق الأربعة، وإن لم يعلم المحاذاة فإنه لا يتصور عدم
المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة ، كجدة المحروسة من طرف البحر. وقال فى حاشية قوله ((كجدة، فإنها على مرحلتين
عرفيتين من مكة وثلاث مراحل شرعية ووجهه أن المرحلتين أوسط المسافات وإلا فالاحتياط الزيادة، كذا فى شرح
نظم الكنز. وأقول: لعل وجهه أيضا أن أقرب المواقيت إلى مكة على مرحلتين عرفيتين من مكة ، فقدر بذلك - انتهى.
وقال فى غنية الناسك: ومن كان فى بر أو بحر لا يمر بواحد من المواقيت الخمس تجرى إذا لم يجد من يستخبره، وأحرم
إذا غلب على ظنه أنه حاذى آخرها ، قربت المحاذاة من الميقات أو بعدت كما فى رد المحتار عن النهر، ومن حذو
الأبعد أولى، وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين عرفيتين من مكة كجدة من طرف البحر فإنها على مرحلتين عرفيتين من
٣٧٠
مرعاة المفاتيح ج ٨
٢٠ - كتاب المناسك
ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن يللم . رواه مسلم.
٢٥٤٢ - (١٤) وعن أنس، قال: اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أربع عمر كلهن فى ذى القعدة،
مكة وثلاث مراحل شرعية (طوالع) - اتهى. وفى منسك الشيخ يحي الحطاب من المالكية ((قال مالك: ومن جح فى
البحر من أهل مصر والشام وشبهها أحرم إذا حاذى الجحفة. قال شارحه الشيخ محمد البنانى: أى ولا يؤخره إلى
البر، وعليه درج الخرشى فى شرحه حيث قال: إن من سافر فى البحر فإنه يحرم إذا حاذى الميقات ولا يؤخره إلى البر
- انتهى. فعليه إذا لم يحرم عند محاذاة الميقات ببحر وأخره إلى البر أساء وعليه دم عندهم تنبيه: قد اتضح ما ذكرنا
من كلام ابن حجر المكى وعلى القارى وغيرهما أنه لا يجب على الحاج الهنود والباكستانيين القادمين بالباخرة للحج أو
العمرة أن يحرموا فى أى محل من البحر قبل وصولهم إلى جدة، بل يجوز لهم أن يؤخروا الا حرام فى البحر ويحرموا
بعد نزولهم على ميناء جدة من جدة، لأنه لا يقع ميقات من المواقيت الخمسة فى طريق بواخر الحجاج القادمين من
الهند أو الباكستان ولا تحاذى شيئا منها بل تقطع طريقها فى البحر فى حدود الآفاق بعيدة عن يلملم التى هى جبل من
جبال نهامة وقريبة من مكة ، فلا يمكن لأية باخرة أو سفينة قادمة من الهند والباكستان أن تتجاوزها أو تتجاوز خط
محاذاتها إلى الحل الصغير ولو كانت تجرى على الساحل فإن المواقيت الخمسة والخطوط الممتدة من ميقات إلى آخر:
الموصلة بعضها ببعض المحددة لحدودها كلها فى البر، وأترب المواقيت إلى مكة على مرحلتين منها ، وجدة أيضا على
مرحلتين من مكة ، فيجب عليهم أن يحرموا منها، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا فتذكر (رواه مسلم) قد
تقدم أن مسلما رواه مشكوكا فى رفعه وكذا أخرجه أبو عوانة فى مستخرجه والشافعى وأحمد والدار قطنى والبيهقى،
وأخرجه أيضا أحمد وابن أبى شيبة وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى والدار قطنى والبيهقى من طريق الحجاج بن أرطاة عن
عطاء عن جابر ، وأحمد من طريق ابن لهيعة والحجاج، وابن ماجه من طريق إبراهيم بن يزيد المنوزى، الثلاثة عن أبى
الزبير عن جابر ، فلم يشكوا فى رفعه إلا أن الحجاج مدلس. وابن لهيعة ضعفوه لاختلاطه بعد احتراق كتبه وإبراهيم
ابن يزيد غير محتج به ، لكن لحديث جابر فى توقيت ذات عرق لأهل العراق شواهد مرفوعة جياد حسان يجب العمل
بمثلها مع تعددها وبحيثها مسندة ومرسلة من وجوه شتى.
٢٥٤٢ - قوله (أربع عمر) بضم تفتح جمع عمرة (كلهن) أى بعد الهجرة (فى ذى القعدة) بفتح القاف ويكسر
بناء على أنه من المرة أو الهيئة، سمى بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار، وإنما اعتمر النبى مع هذه العمر فى
ذى القعدة لفضيلة هذا الشهر وليان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فإنهم كانوايرون الاعتمار فى أشهر الحج من أفجر
الفجور ففعله تَوقّ مرات فى ذى القعدة وهو من أشهر الحج يكون أبلغ فى بيان جوازه وأبلغ فى إبطال ما كانت الجاهلية
٣٧١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
إلا التى كانت مع حجته، عمرة من الحديبية فى ذى القعدة، وعمرة من العام المقبل فى ذى القعدة ،
وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين
عليه (إلا التى كانت مع حجته) بفتح الحاء وكسرها والمراد أى انتهاء وإلا فهى بالنظر إلى الابتداء كانت فى ذى القعدة
واستشكل ابن التين هذا الاستثناء فقال هو كلام زائد والصواب حذفه لأنه عد التى مع حجته فكيف يستثنيها أولا ؟
وأجاب عياض بأن الرواية صواب، وكأنه قال فى ذى القعدة منها ثلاث والرابعة عمرته فى حجته ، أو المعنى كلها فى
ذى القعدة إلا التى اعتمر فى حجته، لأن التى فى حجته كانت فى ذى الحجة (عمرة) بالنصب على البدلية وبالرفع على أنه مبتدأ
موصوف بقوله (من الحديبية) بجاء مضمومة فمهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ثانية مخففة، وقيل مشددة ،
أحد حدود الحرم على تسعة أميال من مكة. والخبر قوله (فى ذى القعدة) والحديبية قيل: اسم لبئر فى طريق جدة سميت
بشجرة حدباء هناك. قال الفاسى: يقال إنها المعروفة الآن بثر شمس، وقيل: شميس بالتصغير. وقال أبو على البغدادى فى
كتاب النوادر: الحدينية مخففة الياء، موضع بين الحل والحرم. وقال أبو عمر ابن عبد البر: الحديبية آخر الحل وأول الحرم،
وقيل : بعضها فى الحل وبعضها فى الحرم، وقيل أكثرها فى الحرم، وقال البخارى: الحديبية خارج من الحرم - انتهى. ووقع فى
رواية لمسلم ((أو زمن الحديبية)) وهو شك من الراوى، والمعنى واحد، وفى رواية للبخارى ((عمرة الحديبية فى ذى القعدة
حيث صده المشركون، وكان توجهه ربية من المدينة يوم الاثنين مستهل ذى القعدة سنة ست، فخرج قاصدا إلى العمرة وأحرم
فى ذى الحليفة، ولما بلغ الحديبية صده قريش عن الوصول إلى البيت ، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة فى العام
المقبل وتحلل هو وأصحابه من العمرة بالنحرثم الحلق ورجع إلى المدينة، وعدوها من العمر مع عدم الطواف والسعى
لترتب أحكامها من نحر الهدى والحلق، أى الخروج من الإحرام، وقيل باعتبار النية المترتب عليها المثوبة. وقال
الكرمانى: عمرة المحصر عن الطواف محسوبة بعمرة وإن لم تتم مناسكها ، وعمرة الحديبية هى العمرة الأولى من الأربع
والثانية (عمرة) بالنصب والرفع كما مر (من العام المقبل فى ذى القعدة) وهى عمرة القضاء أو القضية سنة سبع (وعمرة
من الجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء وبكسر العين وتشديد الراء لغتان، والأول ذهب إليه
الأصمعى وصوبه الخطابى. قال ابن المدينى: أهل المدينة يثقلون وأهل العراق يخففون، وبالتخفيف قيدها المتقنون . وقال
الخطابى فى ((تصحيف المحدثين)) إن هذا مما ثقلوه وهو مخفف وهى موضع قريب من مكة معروف، بينها وبين الطائف
وهى إلى مكة أقرب. قال القارى: وهو على ستة أميال أو تسعة أميال وهو الأصح، وسمى هذا الموضع باسم امرأة
كانت تلقب بالجعرانة، وهى ريطة بنت سعد بن زيد بن عبد مناف، وقيل: كانت من قریش، وهى المشار إليها فى
قوله تعالى: ﴿كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا - ١٦: ٩٤) كانت تغزل من أول النهار إلى نصفه ثم تنقضه،
فضربت بها العرب مثلا فى الحمق ونقض ما أحكم من العقود وأبرم من العهود (حيث قسم غنائم حنين) بعد فتح مكة،
٣٧٢
١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
فى ذى القعدة، وعمرة مع حجته.
وحنين بالتصغير واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال (فى ذى القعدة) وهى العمرة الثالثة، وكانت فى سنة ثمان بعد فتح مكة
وغزوة هوازن وغزوة الطائف. ويوم حنين هو غزوة هوازن لما قدم رسول اللّه مية من الطائف نزل الجعرانة
فقسم بها غنائم هوازن ثم اعتمر منها فدخل مكة بهذه العمرة ليلا فقضى عمرته ثم خرج منها تحت لله إلى الجعرانة
فبات بها، فلما أصبح وزالت الشمس خرج منها فى بطن سرف حتى جامع الطريق طريق المدينة بسرف، ومن ثم خفيت هذه
العمرة على كثير من الناس (وعمرة مع حجته) أى مرونة مع حجته وهى الرابعة التى قرنها بحجة الوداع سنة عشر، وهى أيضا
باعتبار إحرامها كانت فى ذى القعدة ، وفى الباب عن ابن عباس عند أحمد (ج ١: ص ٢٤٦، ٢٧٦) والترمذى وأبي داود
وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود والمنذرى، ورجاله كلهم ثقات، وعن عائشة عند أحمد وأبي داود والنسائى ((أن رسول
اللّه ◌َثّ قد اعتمر ثلاثا سوى التى قرنها بحجة الوداع، وقد سكت عنه أبو داود والمنذرى وعن ابن عمر أنه سئل كم اعتمر
النبي ◌ُّ؟ قال: أربع، الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذه الأحاديث تدل على أنه يؤثّم اعتمر أربع عمر (الأولى)
عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة (والثانية) عمرة القضاء فى السنة السابعة (والثالثة) عمرة الجعرانة فى السنة الثامنة بعد
فتح مكة (والرابعة) كانت مع حجته سنة عشرة، وكلما كانت فى ذى القعدة إلا الرابعة فكانت فى ذى الحبة ، هذا هو
الصحيح الذى دلت عليه الأحاديث الصحيحة. وذهب إليه المحققون من المحدثين والفقهاء وقد ورد ما يخالف ذلك
فى العدد كحديث البراء التالى وحديث ابن عمر أنه سئل كم اعتمر رسول اللّه تمويل؟ فقال مرتين. أخرجه أحمد
(ج ٢: ص ٧٠) وأبو داود والنسائى، وحديث عروة عن عائشة أن رسول الله مؤثم اعتمر عمرتين عمرة فى ذى
القعدة وعمرة فى شوال ، أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
النبي ◌َّ اعتمر ثلاث عمر كل ذلك فى ذى القعدة. أخرجه أحمد (ج٢: ص ١٨٠) وفيه الحجاج بن أرطاة، وفيه كلام
وقد وثق، وحديث عائشة عند أحمد بإسناد صحيح («ما اعتمر رسول الله تربية إلا فى ذى القعدة، ولقد اعتمر ثلاث
عمر، وحديث عروة عن عائشة أنه مؤثّم اعتمر ثلاث عمر، عمرتين فى ذى القعدة وعمرة فى شوال. أخرجه سعيد
ابن منصور فى سننه والبيهقى (ج ٤: ص ٣٤٦) وقوى الحافظ إسناده وحديث أبى هريرة «قال اعتمر رسول الله مريم
ثلاث عمر كلها فى ذى القعدة، أخرجه البيهقى (ج ٤: ص ٣٤٥) وحديث جابر بمثل حديث أبى هريرة عند البزار
والطبرانى فى الأوسط. قال الهيشمى: ورجاله رجال الصحيح. وحديث عمر بن الخطاب قال: اعتمر رسول الله
ثلاثا قبل حجه فى ذى القعدة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. قال الهيشمى: ورجاله ثقات إلا أن سعيد بن المسيب
اختلف فى سماعه من عمر والجمع بين حديث أنس ومن وافقه وبين أحاديث هؤلاء الصحابة أن من قال مرتين لم يعد
العمرة التى كانت مع حجته لأنها كانت مقرونة بحجه، وكانت فى ذى الحجة كما تقدم ، وكأنه لم يعد أيضا العمرة الأولى
٣٧٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
١٠ - كتاب المناسك
وهى عمرة الحديبية لكونها لم تتم وإن كانت وقعت فى ذى القعدة، أو عدها ولم يعد عمرة الجعرانة لخفاءما عليه ، لكونها ليلا،
ومن قال ثلاثا لم يحسب العمرة التى قرنها بحجته لأن حديثه مقيد بكون ذلك فى القعدة، والتى فى حجته كانت فىذى الحجة
وقال ابن حزم: صدقت عائشة، وصدق ابن عمر، فإن رسول الله موجه لم يعتمر مذ هاجر إلى المدينة عمرة كاملة إلا اثنتين
كما قال ابن عمر - وهما عمرة القضاء وعمرة الجعرانة عام حنين - وعدت عائشة إلى هاتين العمرتين عمرة الحديبية التى
صد عنها وَّةٍ، فأحل بالحديبية ونحر الهدى. والعمرة التى قرن مع حجة الوداع لم يكل أفعالها ، فتألف قولاهما، وعلى
ذلك يحمل قول أنس ((أربع عمر)) ولا خلاف أنه تمَّم اعتمر ثلاث عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء وعمرة
الجعرانة، والصحيح أن الثلاث كانت فى القعدة. واختلفوا هل اعتمر الرابعة؟ فمن قال: إنه كان قارنا أو متمتعا فى
حجته عدها أربعا ، ومن قال إنه كان مفردا عدها ثلاثا. ويجوز على هذا نسبة الرابعة إليه ، لأنه أمر الناس بها وعملت
بحضرته. وأما ما ورد مخالفا لذلك فى الزمن كحديث ابن عمر عند الشيخين «أنه مؤ تم اعتمر أربعا إحداهن فى
وجب، فيحمل على النسيان كما صرحت بذلك عائشة فقالت ((يغفر الله لأبى عبد الرحمن نسى)) وكذلك قال غير واحد
ء
من المحدثين المحققين. وأما ما وقع فى رواية عائشة عند أبي داود وسعيد بن منصور والبيهقى أنه مؤلّم
اعتمر عمرة فى شوال، فيجمع بينه وبين ما ورد فى الأحاديث الصحيحة أن الثلاثة كانت فى ذى القعدة ،
بأن يكون ذلك وقع فى آخر شوال وأول ذى القعدة، ويؤيده ما وقع فى رواية عائشة نفسها عند أحمد
ء
وابن ماجه بإسناد صحيح ((أنه ما اعتمر رسول اللّه مؤ لّ إلا فى ذى القعدة، وأما ما رواه الدار قطنى عن عائشة
قالت: خرجت مع رسول الله مؤلفه فى عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت، الحديث. وقد قدمنا الكلام
عليه فى قصر الصلاة (ج ٢: ص ٢٦٥) فقال ابن القيم: هذا الحديث غلط فإن رسول اللّه ◌ُێ لم يعتمر فى رمضان
قط وعمره مضبوطة العدد والزمان، ويرحم الله أم المؤمنين، ما اعتمر رسول الله مز له فى رمضان قط، وقد
قالت عائشة رضى الله عنها: لم يعتمر رسول اللّه ◌َفّه إلا فى ذى القعدة. رواه ابن ماجه وغيره. ولا خلاف أن
عمره لم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر فى رجب لكانت خمسا، ولو كان قد اعتمر فى رمضان
لكانت سنا إلا أن يقال بعضهن فى رجب وبعضهن فى رمضان وبعضهن فى ذى القعدة، وهذا لم يقع، وإنما الواقع
اعتماده مَِّ فى ذى القعدة كما قال أنس وابن عباس وعائشة رضى الله عنهم - انتهى. وقال القسطلانى: قد حكم الحفاظ
بغلط هذا الحديث يعنى حديث عائشة عند الدارقطى، إذ لا خلاف أن عمره لم تزد على أربع . وقد عينها أنس وعدها ،
وليس فيها ذكر شئی منها فی غیر ذى القعدة سوی التی مع حجته،ولو كانت له عمرة فى رجب وأخرى فى رمضان لكانت
منا، ولو كانت أخرى فى شوال - كما هو فى سنن أبى داود عن عائشة، أنه عليه الصلاة والسلام اعتمر فى شوال - كانت
سبا . والحق فى ذلك أن ما أمكن فيه الجمع وجب ارتكابه دفعا للمعارضة، وما لم يمكن فيه، حكم بمقتضى الأصح والأثبت.
٠
٣٧٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
متفق عليه.
٢٥٤٣ - (١٥) وعن البراء بن عازب، قال: اعتمر رسول اللّه ولى فى ذى القعدة قبل أن يحج
مرتين. رواه البخارى.
ه( الفصل الثانى )
٢٥٤٤ - (١٦) عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه مَالى: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج.
وهذا أيضا يمكن الجمع بإرادة عمرة الجعرانة ، فإنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى حنين فى شوال ، والا.حرام
بها فى ذى القعدة، فكان مجازا للقرب، هذا إن صح وحفظ، وإلا فالمعول عليه الثابت، والله أعلم (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى الحج وفى المغازى، ومسلم فى الحج واللفظ للبخارى فى المغازى ، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والترمذى
والدارمى والبيهقى (ج ٤ : ص ٣٤٥).
٢٥٤٣ - قوله (اعتمر رسول الله مثل فى ذى القعدة قبل أن يحج مرتين) لا ينافى ما تقدم من حديث أنس
وغيره كما سبق. قال القسطلانى: هذا لا يدل على نفى غيره، لأن مفهوم العدد لا اعتبار له. وقيل: إن البراء لم يعد
الحديبية لأنها لم تتم، والتى مع حجته لكونها دخلت فى أفعال الحج، وكلهن أى الأربعة فى القعدة فى أربعة أعوام على
ما هو الحق، كما ثبت عن عائشة وابن عباس رضى الله عنهم: لم يعتمر رسول اللّه ◌َ لَّه إلا فى ذى القعدة، ولا ينافيه
كون عمرته التى مع حجته فى ذى الحجة ، لأن مبدأها كان فى ذى القعدة ، لأنهم خرجوا خمس بقين من ذى القعدة ، كما
فى الصحيح ، وكان إحرامه بها فى وادى العقيق قبل أن يدخل ذو الحجة ، وفعلها كان فى ذى الحجة ، فصح طريقا الإثبات
والنفى (رواه البخارى) من طريق يوسف بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن البراء، وروى أحمد (ج ٤: ص ٢٩٧)
من طريق زكريا عن أبى إسحاق عن البراء، قال اعتمر رسول اللّه مؤتم قبل أن يحج واعتمر قبل أن يحج، فقالت عائشة:
لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التى حج فيها. وليس فى رواية البراء هذه ما يدل نصا على عدد عمره ولا ما يدل على وقت
عمرته من أى شهر. وروى أيضا أحمد (ج٤: ص٢٩٨) والتر مذى من حديث إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء أن النبى
مَّ اعتمر فى ذى القعدة، وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح، وليس فيهما يدل على عدد عمره فى ذى القعدة هل اعتمر
فيه مرة أو مرتين أو ثلاثا، لكن الظاهر أن المراد بان عمرة الحديبية وعمرة القضاء كما وقع فى رواية أحمد أيضا (ج ٤:
ص ٢٩٨) من طريق حجين عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء، والله أعلم.
٢٥٤٤ - قوله (يا أيها الناس) خطاب عام يخرج منه غير المكلف ( كتب عليكم الحج) أى فرض بقوله تعالى
٣٧٥
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
فقام الأقرع ابن حابس ، فقال: أفى كل عام يا رسول اللّه؟ قال: لو قلتها نعم لوجبت، ولو وجبت
لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا،
﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا - ٣: ٩١﴾ (فقام الأقرع بن حابس) بن عقال بن محمد بن سفيان
ابن مجاشع التميمى المجاشعي الدارمى وفد على النبى مَّم وشهد فتح مكة وحنينا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم وقد
حسن إسلامه. قال ابن إسحاق: قدم الأفرع بن حابس على رسول اللّه مَّاللّه مع عطارد بن حاجب بن زرارة والزبرقان
ابن بدر وقيس بن عاصم وغيرهم من أشراف تميم بعد فتح مكة وقد كان الأقرع وعيينة بن حصن الفزاري شودا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف، فلما قدم وفد تميم كانا معه، فلما قدم وفد بني تميم المدينة ودخلوا
المسجد نادوا النبي ◌َّ من وراء حجرته: أن اخرج علينا يا محمد، فآذى ذلك من صياحهم النبي ◌َّ فخرج إليهم فقالوا:
يا محمد جناك نفاخرك، ونزل فيهم القرآن {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون-٤٩: ٤﴾ والأفرع
ابن حابس هو القائل لرسول اللّه يَّم ((إن مدحى زين وإن ذمی شین، فقال رسول الله عزّ : ذلكم الله سبحانه. قال
ابن دريد: اسم الأقرع فراس، ولقب الأفرع لفرع كان به فى رأسه ، والقرع اتحصاص الشعر. وكان شريفا فى الجاهلية
والاسلام، وشهد مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق وكان على مقدمته. واستعمله عبد الله بن عامر على جيش
سیره إلى خراسان فأصيب هو والجیش بالجوزجان وذلك فى زمن عثمان (أ فی کل عام ؟) أی أ کتب فی کل عام قياسا
على الصوم والزكاة فإن الأول عبادة بدنية والثانى طاعة مالية والحج مركب منهما (لو قلتها) أى فى جواب كلمة الأفرع
(نعم) أى بالوحى أو الاجتهاد، قاله القارى. وقال ابن حجر: قوله ((لو قلتها نعم)) إنه بدل من الضمير الراجع لما علم مما
قبله وهو حجة كل عام. قلت: الحديث رواه أحمد ثمان مرات وليس فى موضع منها ((لو قلتها نعم)، فلفظه فى الموضع
الأول والثانى (ج ١: ص ٢٥٥، ٢٩٠، ٢٩١) «لو قلتها لوجبت، أى بدون لفظة نعم وهكذا ذكره البغوى
فى المصابيح والمجد فى المنتقى، وكذا وقع فى رواية الدارمى والبيهقى، وفى الموضع السابع (ج ١: ص ٣٧١) والثامن
(ج ١: ص ٣٧٢) ((لو قلت نعم، أى بدون ضمير المؤنث وهكذا فى رواية النسائى والحاكم والدار قطنى،
وفى الموضع الثالث (ج ١، ص ٢٩٢) والخامس (ج ١: ص ٣٢٣) والسادس (ج ١: ص ٣٢٥) «لو قلت: كل
عام لكان، وفى الموضع الرابع (ج ١: ص ٣٠١) ((لو قلت نعم كل عام لكان كل عام، فالظاهر أن ما وقع فى نسخ
المشكاة (لو قلتها نعم، أى بالجمع بين ضمير المؤنث وقوله نعم خطأ من الناسخ، والعلم عند الله تعالى (لوجبت) أى
الحجة فى كل عام (ولو وجبت) أى بالفرض والتقدير ابتداء أو بناء على الجواب (لم تعملوا بها) أى لكمال المشقة فيها
(ولم تستطيعوا) قال القارى: أى ولم تطيقوا لها ولم تقدروا عليها فهو إما عطف تفسير والخطاب إجمالى للأمة أو
٣٧٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
والحج مرة فمن زاد فتطوع. رواه أحمد، والنسائى، والدارمى.
٢٥٤٥ - (١٧) وعن على، قال: قال رسول اللّه عَلَّى: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم
يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا،
الحاضرين والباقون على التبعية، ويؤيده أنه فى رواية «ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، أى كلكم من حيث المجموع، وإما
عطف تغاير وعدم الاستطاعة مختص بمن يكون بعيدا عن الحرم وهذه الاستطاعة أريد بها القدرة على الفعل ،
والاستطاعة فى الآية إنما هى الزاد والراحلة فلا تنافى بينهما - انتهى. قلت: وقع فى رواية أحمد (ج ١: ص ٢٩١)
ولم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بهنا، أى بواو العطف وكذا عند البيهقى، وفى أخرى لأحمد (ج ١: ص ٢٥٥)
• لم تعملوا بها أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها، أى بحرف ((أو) وهكذا عند الحاكم (ج ٢: ص ٢٩٣) (والحج) وفى بعض
النسخ الحج أى بدون الواو وهكذا وقع عند أحمد (ج ١: ص ٢٩١) والدارمى والحاكم والبيهقى، وكذا ذكره المجد
فى المنتقى والبغوى فى المصابيح والزيلمى وابن كثير (مرة) مبتدأ وخبر أى وجوب الحج مرة واحدة (فمن زاد قطوع)
كذا فى جميع النسخ وهكذا فى المصابيح والسنن البيهقى والمستدرك الحاكم (ج ٢: ص ٢٩٣) وفى المسند ((فهو تطوع))
وهكذا عند أبى داود أى من زاد على مرة فحجته أو فزيادته قطوع (رواه أحمد) فى مسنده ثمان مرات مطولا
ومختصرا (والنسائى والدارمى) وأخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه والدار قطنى (ص ٢٥٥، ٢٨٠) والحاكم (ج ١:
ص ٤٤١، ٤٧٠، وج ٢: ص ٢٩٣) وابن الجارود (ص ١٤٧) والبيهقى (ج ٤: ص ٣٢٦) والطيالسى (ص ٣٤٨)
وهو حديث صحيح. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي .
٢٥٤٥ - قوله (من ملك زادا وراحلة) أى ولو بالإجارة و((الزاد)، ما يتخذ من الطعام للسفر والجمع أزودة
وأزواد و((الراحلة)) من الايل ما كان منها صالحا لأن يرحل الذكر والأنثى، والتاء المبالغة أى لا للتأنيث، وقيل للنقل
من الوصفية إلى الاسمية والجمع رواحل، وفى معنى الراحلة ما حدث من المراكب البرية والبحرية والهوائية الجوية (تبلغه)
بتشديد اللام وتخفيفها أى توصله (إلى بيت الله) ترك ذكر نفقة العود للظهور (ولم يحج) بفتح الجيم المشددة ويجوز
ضمها و کسرها (فلا عليه) أی فلا بأس ولا مبالاة ولا تفاوت علیه (أن يموت) أی فی أن يموت أو بین أن يموت
(يهوديا أو نصرانيا) فى الكفر إن اعتقد عدم الوجوب، وفى العصيان إن اعتقد الوجوب، وقيل هذا من باب التغليظ
الشديد والمبالغة فى الوعيد لمن اعتقد وجوبه وتساهل فى الأداء وهو قادر عليه، والأظهر أن وجه تخصيص الطائفتين
بالذكر كونها من أهل الكتاب غير عاملين به فشبه بهما من ترك الحج حيث لم يعمل بكتاب الله تعالى ونبذه وراء ظهره
قاله القارى، وقال الطبي: قوله ((فلا عليه)) إلخ. أى لا يتفاوت عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، والمعنى أن وفاته فى
٣٧٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)
هذه الحالة ووفاته على اليهودية والنصرانية سواء فيما فعله من كفران نعمة الله تعالى وترك ما أمر به والانهماك فى
معصيته وهو من باب المبالغة والتشديد والايذان لعظمة شأن الحج، ونظيره قوله تعالى (ومن كفر فإن الله غنى عن
العالمين - ٣: ٩١﴾ فإنه وضع فيه ((ومن كفر)) موضع ((ومن لم يحج، تعظيما للحج وتغليظا على تاركه - انتهى. وقال الشيخ
ولى اللّه الدهلوى فى حجة الله: ترك ركن من أركان الاسلام يشبه الخروج عن الملة، وإنما شبه تارك الحج باليهودى
والنصرانى وتارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون، ومشركوا العرب يحجون ولا يصلون -
انتهى. وقال المحب الطبرى: الإجماع منعقد على أن هذا ليس على ظاهره، وأن من مات من المسلمين ولم يحج وكان قادرا
عليه لا يكون تركه الحج مخرجا له عن الإسلام، وهو محمول على المستحل لذلك فيكفربه، أو أن فعله أشبه فعل اليهودى
والنصرانى (وذلك أن الله) أى ما ذكر من شرط الزاد والراحلة والوعيد على ترك هذه العبادة لأن الله (تبارك)
تكاثر خيره وبره (وتعالى) عظمته وغناه (يقول) أى فى كتابه (ولله على الناس) أى واجب عليهم (حج البيت) بفتح
الحاء وكسرها لغتان وقراءتان سبعيتان فى مصدر حج بمعنى قصد (من استطاع) منهم (إليه) أى إلى حج البيت الحرام
لأنه المحدث عنه وإن كان يحتمل رجوع الضمير للبيت لكن الأول أولى، والناس عام مخصوص بالمستطيع قد
خصص بدل البعض وهو قوله ((من استطاع)) لأنه من المخصصات عند الأصوليين، فالحج فرض على المكلف المستطيع
إليه سبيلا ، وهو الذى يقدر على الوصول إليه بأى مركوب يناسبه وزاد يتزوده ولهذا أتى بهذا اللفظ الذى يمكن
تطبيقه على جميع المركوبات الحادثة والتى ستحدث وهذا من آيات القرآن حيث كانت أحكامه صالحة لكل زمان وكل
حال ولا يمكن الصلاح التام بدونها (سبيلا) أى طريقا وفسر مَّم استطاعة الطريق بالزاد والراحلة ، رواه عنه غير
واحد من الصحابة وسيأتى الكلام عليه فى شرح حديث ابن عمر. قال الشوكانى: اللام فى قوله «لله» هى التى يقال لها لام
الإيجاب والإلزام ثم زاد هذا المعنى تأكيدا حرف (على، فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب كما إذا
قال القائل: لفلان على كذا . فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل على الوجوب تأ كيدا لحقه وتعظيما لحرمته، وهذا
الخطاب شامل لجميع الناس ، لا يخرج منه إلا من خصصه الدليل كالصبى والعبد. وقوله ((من استطاع)» فى محل جر على
أنه بدل بعض من الناس ، وبه قال أكثر النحويين - انتهى. والحديث مع الآية صريح فى تشديد الوعيد على من ملك
زادا وراحلة ولم يحج وقد استدل بظاهره من ذهب إلى وجوب الحج على الفور وقال: لو كان على التراخى لما كان
للتوعد معنى، وأجاب عنه من ذهب إلى أن الحج على التراخى بأنه لا حجة فيه، إما على تأويل أنه محمول على المستحل
لذلك فيكفر به فظاهر ، وإما على تأويل أن فعله أشبه فعل اليهودى والنصرانى نغايته أن يدل على تأثيمه، ونحن نقول
٣٧٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
رواه الترمذى، وقال: هذا حديث غريب ، وفى إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول،
والحارث يضعف فى الحديث.
بذلك وهو أصح قولى الشافعى، والتأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة . وسيأتى الكلام عليه فى شرح حديث ابن عباس
الآتى (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه والبيهقى فى الشعب كلهم من طريق هلال
أبى هاشم الخراسانى عن أبى إسحاق الهمدانى عن الحارث عن على (وفى إسناده مقال وهلال بن عبد اللّه) الراوى
للحديث عن أبى إسحاق (مجهول) وسئل إبراهيم الحربى عنه فقال من هلال؟ وقال ابن عدى: يعرف بهذا الحديث ،
وليس الحديث بمحفوظ ، وقال العقيلى: لا يتابع عليه، وذكر الذهبي حديث على هذا فى ترجمة هلال بن عبد الله المذكور
وقال قال البخارى: منكر الحديث. وقال الترمذى: مجهول ، وقال العقيلى: لا يتابع على حديثه، وقال الحافظ فى
التقريب فى ترجمته متروك، وقد روى عن على موقوفا ولم يرو مرفوعا من طريق أحسن من هذا ، وقال المنذرى : طريق
أبى أمامة على ما فيها أصلح من هذه (والحارث يضعف فى الحديث) الحارث هذا هو ابن عبد الله الأعور الهمدانى
الحوتى الكوفى وقد تقدم ترجمته فى (ج ٣: ص ٦٧) أعلم أنه ورد فى ترهيب من قدر على الحج فلم يحج أحاديث
منها حديث على وقد عرفت حاله ومنها حديث أبي أمامة وهو ثالث أحاديث الفصل الثالث وقد أخرجه الدارمى
وسعيد بن منصور فى السنن ، وأحمد وأبو يعلى والبيهقى من طرق ، عن شريك عن ليث بن أبى سليم عن ابن سابط عن
أبى أمامة بلفظ «من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا)
لفظ البيهقى، ولفظ أحمد ((من كان ذا يسار فيمات ولم يحج)) الحديث، وليث ضعيف وشريك سيئى الحفظ وقد خالفه
سفيان الثورى فأرسله، رواه أحمد فى كتاب الايمان له، عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط ، قال : قال
رسول اللّه مَّ ((من مات ولم يحمج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ظاهرة)، فذكره
مرسلا ، وكذا ذكره ابن أبى شيبة عن أبى الأحوص عن ليث مرسلا ، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى عن شريك
مخالفة للإسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن مطر ضعيف. وقال الذهبى فى الميزان بعد أن ذكر طريق أبي يعلى
هذه فى ترجمة عمار بن مطر الرهاوى المذكور الراوى عن شريك: هذا منكر عن شريك ، ومنها حديث أبى هريرة
رفعه «من مات ولم يحج حجة الإسلام فى غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أى الميتين شاء إما
يهوديا أو نصرانيا)، رواه ابن عدى من حديث عبد الرحمن القطامى عن أبى المهزم وهما متروكان عن أبى هريرة . قال
الحافظ فى التلخيص (ص ٢٠٣) بعد ذكر هذه الروايات: وللحديث طريق صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد
ابن منصور والبيهقى (ج٤: ص ٣٣٤) عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى أهل الأمصار فينظر وا كل
٣٧٩
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
٢٥٤٦ - (١٨) وعن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه مريم: لا صرورة فى الإسلام.
من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ماهم بمسلمين، ماهم بمسلمين، لفظ سعيد، ولفظ البيهقى أن عمر قال «يمت يهوديا أو
نصرانيا يقولهاثلاث مرات، رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة وخليت سبيله، قال الحافظ. وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل
ابن سابط علم أن هذا الحديث أصلا و محمله على من استحل الترك وتبین بذلك خطأ من ادعى (یرید به ابن الجوزى
فإنه ذكره فى الموضوعات) أنه موضوع - انتهى. وقال البيهقى بعد رواية حديث أبي أمامة: وهذا وإن كان إسناده
غير قوى فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وقال الشوكانى فى النيل بعد أن ساق طرق هذه الأحاديث:
وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا وبذلك تتبين مجازفة ابن الجوزى فى عده لهذه الأحاديث من الموضوعات فإن مجموع تلك
الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنا لغيره وهو محتج به عند الجمهور ولا يقدح فى ذلك قول العقيلى والدار قطنى ((لا
يصح فى الباب شئ، لأن نفى الصحة لا يستلزم ففى الحسن - انتهى. وقد استدل بهذه الأحاديث على وجوب الحج على
الفور لأنها تصرح أنه لا يمنعه من الاثم إلا مانع يمنعه من المبادرة إلى الحج كالمرض أو الحاجة الظاهرة أو السلطان الجائر
فلو كان تراخيه لغير العذر المذكور لكان قد مات وهو آثم بالتأخير فدل على أن وجوب الحج على الفور وأنه لا يجوز
التأخير فيه إلا لعذر .
٢٥٤٦ - قوله (لا صرورة فى الإسلام) الصرورة بفتح الصاد وضم الراء المهملتين وإسكان الواو وفتح الراء
على وزن الضرورة من الصر يفتح الصناد وهو الحبس والمنع. قال اللحيانى: رجل صرورة لا يقال إلا بالهاء. وقال
ابن الجنى: رجل صرورة، امرأة ضرورة، ليست الهاء التأنيث الموصوف بما هى فيه وإنما لحقت لإعلام السامع أن هذا
الموصوف بما هى فيه قد بلغ الغاية والنهاية، فجعل تأنيث الصفة أمارة لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة -انتهى. قال فى المصباح
المنير: الصرورة بالفتح الذى لم يحج، وهذه الكلمة من النوادر التى وصف بها المذكر والمؤنث مثل ملوكة وفروقة ، ويقال
أيضا: صرورى على النسبة وصارورة ورجل صرورة لم يأت النساء. سعى الأول بذلك لصره على نفقته لأنه لم يخرجها
فى الحج، وسمى الثانى بذلك لصره على ماء ظهره وإمساكه - انتهى. قلت : قد فسر الصرورة فى الحديث بثلاثة معان ،
الأول: أنه الذى لم يحمج قط وهو نفى معناه النهى. أى لا يترك الحج فى الإسلام من استطاعه، فمن ترك الحج مع
الاستطاعة فقد منع عن نفسه الخير. وقال القارى: أى من لم يحمج بعد أن يكون عليه لا يكون فى الإسلام. قال
الطبي: فدل ظاهره على أن من يستطيع الحج ولم يحتج ليس بمسلم كامل. وقال القاضى: ظاهر الكلام يدل على أن تارك
الحج ليس بمسلم، والمراد منه أنه لا ينبغى أن يكون فى الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج فعبر عنه بهذه العبارة
التشديد والتغليظ - انتهى. وقيل: معناه لا يطلق على من لم يحج صرورة فى الاسلام، كان يطلق عليه فى الجاهلية ،
٣٨٠