النص المفهرس
صفحات 341-360
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
٢٥٤٠ - (١٢) وعن ابن عباس، قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم
المسند (ج ١: ص ٢٩١) والترمذى فى الرضاع وأبو داود وابن ماجه فى الحج، والحاكم (ج ١: ص ٤٤٢) والبيهقى
(ج ٥ : ص ٢٢٧).
٢٥٤٠ - قوله (وقت) أى حدد وعين المواضع الآتية للإحرام وجعلها ميقاتا، وإن كان مأخوذا من الوقت
وهو المقدار من الزمان إلا أن العرف يستعمله فى مطلق التحديد اتساعا. قال الحافظ: أصل التوقيت أن يجعل الشئى
وقت يختص به ، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا. وقال ابن الأثير فى النهاية: التوقيت والتاقيت أن يجعل للشئى
وقت يختص به ، وهو بيان مقدار المدة ، يقال: وقت الشئ بالتشديد يوقته ووقت بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم
اتسع فيه فأطلق على المكان فقيل الوضع ميقات. وقال ابن دقيق العيد: قيل إن التوقيت فى الأصل ذكر الوقت،
والصواب أن يقال : تعليق الحكم بالوقت ثم استعمل فى التحديد للشئى مطلقا لأن التوقيت تحديد بالوقت فيصير التحديد
من لوازم التوقيت فيطلق عليه التوقيت، وقوله ههنا (وقت، يحتمل أن يراد به التحديد أى حد هذه المواضع
للإحرام ويحتمل أن يراد بذلك تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر وقال
عياض: وقت أى حدد وجعل لهم ميقاتا، وحد الحد الذى يحرمون منه والمواقيت كلها حدود العبادات، وقد يكون
وقت بمعنى أوجب عليهم الإحرام منه، ومنه قوله تعالى ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا - ٤: ١٠٤)
ويؤيده حديث ابن عمر عند البخارى بلفظ فرضها رسول الله مر ئى قال الولى العراقى: معنى التوقيت بهذه المواقيت
أنه لا يجوز لمريد النسك أن يجاوزها غير محرم، والدليل على وجوب ذلك من أوجه (أحدها) أنه عليه الصلاة
والسلام جعلها ميقاتا للاحرام وقال خذوا عنى مناسككم ، فلزمنا الوقوف عند ذلك (ثانيها) أنه قال فى الرواية الأخرى
((يهل أهل المدينة من ذى الحليفة)) إلى آخر الحديث، فأتى به بلفظ الخبر، وهو هنا بمعنى الأمر، وإنما يستعمل
الأمر بصيغة الخبر لتأكده، والأمر المتأكد للوجوب (ثالثها) أنه قد ورد الأمر صريحا فى قوله فى رواية
البخارى وغيره (من أين تأمرنا أن نهل، وأقره النبي ويتم على ذلك وبين له مواضع الاهلال المأمور بها، وفى
قوله فى رواية مسلم من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ((أمر رسول الله مؤتم أهل المدينة أن يهلوا من ذى الحليفة)
الحديث (رابعها) أن فى صحيح البخارى من حديث ابن عمر «فرضها رسول اللّه مَثية)، وذكر الحديث. وافتراض
المواقيت صريح فيما ذكرناه، ولذلك بوب عليه البخارى ((فرض مواقيت الحج والعمرة)) وبهذا قال مالك وأبو حنيفة
والشافعى وأحمد والجمهور. وقالوا لو تركها لزمه دم. قال الشيخ تقي الدين: وإيجاب الدم من غير هذا الحديث، وكانه
٣٤١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
لأهل المدينة ذا الحليفة ،
يحتاج إلى مقدمة أخرى. ثم قال الشافعى وأبو يوسف ومحمد وآخرون: متى عاد إلى الميقات قبل التلبس بنسك سقط
عنه الدم وقال أبو حنيفة: إنما يسقط عنه الدم إذا عاد إليه ملبيا، فإن عاد غير ملب استمر لزوم الدم. وقال عبد الله بن
المبارك وأحمد بن حنبل وزفر: لا يسقط الدم بعوده إليه مطلقا. وقال مالك: إن عاد إليه قبل أن يبعدعنه وهو حلال سقط ،
وإن عاد بعد البعد والإحرام لم يسقط، وأعلم أنه حكى الأثرم عن الإمام أحمد أنه سئل فى أى سنة وقت النبى مؤ لّ
المواقيت؟ فقال عام حج انتهى، كذا ذكره الحافظ وغيره من الشراح واكتفوا بذكره فى مبدأ المواقيت. وروى
البخارى فى العلم من حديث ابن عمر ((أن رجلا قام فى المسجد فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل؟ فقال
رسول الله وَّه ديهل أهل المدينة من ذى الحليفة) الحديث. ويشكل على ذلك أنهم تصدوا جميعا للاعتذار عن مجاوزة
أبي قتادة عام الحديبية عن المواقيت بغير إحرام وذكروا لذلك توجيهات مختلفة، وإذا كان التوقيت عام حجة الوداع لم
يكن حاجة إلى الجواب والاعتذار عنه (لأهل المدينة) النبوية أى سكانها ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم
(ذا الحليفة) مفعول وقت، والحليفة بضم الحاء المهملة وفتح اللام تصغير الحلفة بفتحات نبت معروف، وذو الحليفة
موضع معروف بقرب المدينة بينه وبينها ستة أميال قاله النووى وقبله الغزالى والقاضى عياض والشافعى كما فى المعرفة ،
وكذا قال المجد فى القاموس وياقوت الحموى فى المعجم، وزادا كالقاضى أنه من مياه بنى جشم بالجيم والشين المعجمة
بين بنى خفاجة من عقيل وقال ابن حزم: هو على أربعة أميال من المدينة ، وقال السمهوديلى فى وفاء الوفاء
(ص ١١٩٤): وقد اختبرت ذلك بالمساحة فكان من عتبة باب المسجد النبوى المعروف بباب السلام إلى عتبة باب
مسجد الشجرة بذى الحليفة تسعة عشر ألف ذراع وسبعمائة ذراع واثنين و ثلاثين ذراعا ونصف ذراع بذراع اليد
(وذراع اليد على ما ذكره الحب الطبرى والنووى وغيرهما أربعة وعشرون إصبعا ، كل إصبع ست شعيرات مضمومة
بعضها إلى بعض) وذلك خمسة أميال وثلثا ميل ينقص مائة ذراع - انتهى. وقيل: ذلك دون خمسة أميال، فإن الميل عند
الحنفية أربعة آلاف ذراع بذراع الحديد المستعمل الآن وقال الحافظ : ذو الحليفة مكان معروف بنه وبين مكة ماتنا
ميل غير ميلين، قاله ابن حزم (ج ٧: ص ٧٠) وقال غيره: بينهما عشر مراحل، قال: وبها مسجد يعرف بمسجد
الشجرة خراب وبها بثر يقال لها بثر على - انتهى. وعلى هذا ليس بعلى بن أبى طالب رضى الله عنه وقال العينى: وبذى
الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول اللّه مزيفة، المسجد الكبير الذى يحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد المعرس-
انتهى. وقال صاحب تيسير العلام: ذو الحليفة تسمى الآن آبار على، وتبعد عن مكة بالمراحل (١٠) وبالفراسخ
(٨٠) وبالأميال (٢٤٠) وبالكيلوات (٤٣٠) والمرحلة هى مسيرة يوم وليلة بسير الايل المحملة بالأثقال سيرا معتادا
٣٤٢
M
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد
ويقدر بها العرب الأوائل فأخذها عنهم العلماء (ولأهل الشام) أى ومن سلك طريقهم فمر بميقاتهم ، والشام بلاد
معروفة وهى من العريش إلى بالس، وقيل إلى الفرات قاله النووى فى شرح أبى داود، قال القارى: قوله ((ولأهل الشام،
أى من طريقهم القديم لأنهم الآن يمرون على مدينة النبي الكريم - انتهى. وقال ابن حجر المكى الهيتمى: قوله مؤثيه
«ولأهل الشام الجحفة، أى إذا لم يمروا بطريق المدينة وإلا لزمهم الإحرام من الحليفة إجماعا على ما قاله النووى، قال
القارى: وهذا غريب منه وعجيب ، فإن المالكية وأبا ثور (وابن المنذر وهما من الشافعية) يقولون بأن له التأخير إلى
الجحفة ، وعندنا معشر الحنفية يجوز للدنى أيضا تأخيره إلى الجحفة، فدعوى الإجماع باطلة مع وقوع النزاع - انتهى.
قلت: وسيأتى الكلام فى هذا مفصلا ووقع فى حديث عائشة عند النسائى ((ولأهل الشام ومصر الجحفة)) قال الولى
العراق: هذه زيادة يجب الأخذ بها وعليها العمل. وروى الشافعى بسنده عن عطاء مرسلا أن رسول اللّه ◌َ فيه وقت
لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل المغرب الجحفة (الجحفة) بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية كبيرة كانت
عامرة ذات منبر وهى الآن خربة بينها وبين البحر الأحمر بالأميال (٦) وبالكيلوات (١٠) قال ابن حزم: وهى
فيما بين المغرب والشمال من مكة ، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلا. وقال صاحب التيسير: تبعد عن مكة بالمراحل
(٥) وبالفراسخ (٤٠) وبالأميال (١٢٠) وبالكيلوات (٢٠١) ويحرم منها أهل مصر والشام والمغرب ومن ورائهم من أهل
الأندلس والروم والتكرور. قيل إنها ذهبت أعلامها ولم يبق إلا رسوم خفية لا يكاد يعرفها إلا سكان بعض البوادى،
فإذا - والله تعالى أعلم - اختار الناس الاحرام احتياطا من المكان المسمى برابغ براء وموحدة وغين معجمة بوزن فاعل
لأنها قرية قبل حذائها بقليل، وقيل: لا يحرمون من الجحفة لوخمها وكثرة حماها فلا ينزلها أحد إلا حم. وسماها
رسول اللّه ◌ُع فى حديث ابن عمر عند الشيخين ((مهيمة، بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح التحتية والعين المهملة بوزن
علقمة، وقيل بكسر الهاء مع إسكان الياء على وزن اطيفة، والصحيح المشهور الأول. وسميت الجحفة لأن السيل
أجحف بها ، قال ابن الكلبى: كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بنى عبيل - بفتح المهملة وكسر الموحدة، وهم
إخوة عاد - حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم أى استأصلهم فسميت الجحفة (ولأهل نجد)
أى سا كنيها ومن سلك طريق سفرهم فمر بميقاتهم ونجد بفتح النون وإسكان الجيم وآخره دال مهملة. قال الحافظ :
هو كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع ، والمراد منها هنا التى أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق.
وقال ياقوت: نجد تسعة مواضع، ونجد المشهور فيها اختلاف كثير، والأكثر أنها اسم للأرض التى أعلاها تهامة
وأسفلها العراق والشام. وقال الخطابي: نجد ناحية المشرق ومن كان بالمدينة كان تجده بادية العراق ونواحيها وهى
مشرق أهلها ، وذكر فى المنتهى: تجد من بلاد العرب وهو خلاف الغور أعنى تهامة ، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض
٣٤٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
قرن المنازل ،
العراق فهو نجد. وقال عياض فى المشارق وأبو عمر: تجد ما بين الجرش إلى سواد الكوفة. وحده ما يلى المغرب
الحجاز وعن يسار الكعبة اليمن. ونجد كلها من عمل اليمامة. قال السمهودى: والصواب أن الذى من عمل اليمامة
موضع مخصوص من نجد لا كله. وقال فى النهاية: النجد ما ارتفع من الأرض وهو اسم خاص لما دون الحجاز
ما يلى العراق - انتهى. وهو مذكر ، قال الشاعر:
ألم تر أن الليل يقصر طوله .
بنجد ويزداد النطاف به نجدا
ولو أنه أحد ورده على البلاد لجاز له ذلك (قرن المنازل) بلفظ جمع المنزل والمركب الإضافى هو اسم المكان ويقال له
قرن أيضا بلا إضافة كما ورد فى رواية للشيخين وأحمد ومالك وغيرهم ، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون،
وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطوه. وبالغ النووى فحكى الاتفاق على تخطئته فى ذلك ، لكن حکی عیاض عن
تعليق القابسى: أن من قاله بالاسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال بالفتح أراد الطريق الذى يفترق
منه، فإنه موضع فيه طرق متفرقة. والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان. وحكى الرؤيانى عن
بعض قدماء الشافعية أن المكان الذى يقال له قرن موضعان: أحدهما فى هبوط وهو الذى يقال له قرن المنازل ، والآخر
فى صعود وهو الذى يقال له قرن الثعالب ، والمعروف الأول ، وفى أخبار مكة للفاكهى: إن قرن الثعالب جبل مشرف
على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوى إليه من التعالب ،
خظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت، وقد وقع ذكره فى حديث عائشة فى إتيان النبى مَت الطائف يدعوهم إلى
الإسلام وردهم عليه، قال فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، الحديث. ذكره ابن إسحاق فى السيرة النبوية، ووقع فى
مرسل عطاء عند الشافعى فى الأم (ج ٢: ص١١٧) ولأهل نجد قرنا، ولمن سلك نجدا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل ،
ووقع فى عبارة القاضى حسين فى سياقه لحديث ابن عباس هذا «ولأهل نجد اليمن ونجد الحجاز قرن)) وهذا لا يوجد فى شئ
من طرق حديث ابن عباس ، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين
إحداهما طريق أهل الجبال وهم يصلون إلى قرن أو يحاذونه وهو ميقاتهم كما هو ميقات أهل المشرق، والأخرى طريق
أهل تهامة، فيمرون بيللم أو يحاذونه وهو ميقاتهم لايشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم كذا فى الفتح وقال الحب
الطبرى: قرن المنازل وقرن الثعالب واحدوهو تلقاء ذات عرق على مرحلتين من مكة وهو ميقات أهل النجدين نجد الحجاز
ونجد تهامة واليمن وقال ابن حزم: قرن شرقى من مكة ومنها إلى مكة اثنان وأربعون ميلا وقال صاحب التيسير:
وقرن لها معان أحدها أعلى الجبل ويسمى هذا المحرم الآن السيل الكبير ويبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦)
وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه أهل الطائف وأهل نجد نجد اليمن ونجد الحجاز وأهل الكويت فائدة
٣٤٤
رعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
ولأهل اليمن يللم ،
قال ابن جاسر فى ((مفيد الأنام)) إذا ركب إنسان طائرة من نجد قاصدا مكة لأداء نسكه فيقاته الشرعى (( قرن)) المعروف بالسيل
وحيث أنه لا يتمكن من النزول بالطائرة فى الميقات المذكور وقصد جدة لينزل فى مطارها فإن الواجب عليه - والحالة
ما ذكر - نية الإحرام فى الطائرة إذا أتى على الميقات - قرن - المذكور أو على ما يحاذيه، فإذا نزل بجدة محرما قصد مكة
لأداء نسكه، ولا يجوزله ترك الاحرام إذا أتى على الميقات أو حاذاه بقصد الاحرام من جدة، لأن الإحرام من الميقات أو ما
يحاذيه واجب، وتجاوزه بغير إحرام محرم، وفيه دم، ومثله إذا ركب طائرة من المدينة ونحوها قاصدا مكة، والله
أعلم - انتهى (ولأهل اليمن) إذا مروا بطريق تهامة ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم. قال فى المواهب اللطيفة:
أراد به بعض أهل اليمن ممن يسكن تهامة فإن اليمن يشمل نجدا وتهامة، وقوله فيما تقدم لأهل تجد عام يشمل نجد الحجاز
ونجد اليمن. وقال الولى العراق: قال أصحابنا وغيرهم المراد بكون يدلم ميقات أهل اليمن بعض اليمن وهو تهامة، فأما
نجد فإن ميقاته قرن ، وذلك لأن اليمن يشمل نجدا وتهامة فأطلق اليمن وأريد بعضه وهو تهامة منه خاصة ، وقوله فيما
تقدم (( نجد)) تناول نجد الحجاز ونجد اليمن وكلاهما ميقات أهله قرن (يدلم) بفتح التحتائية واللام وسكون الميم بعدها
لام مفتوحة ثم ميم ، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، وقال ابن حزم: هو جنوب من مكة ، ومنه إلى
مكة ثلاثون ميلا. وفى شرح المهذب يصرف ولا يصرف. قال العينى: إن أريد الجبل فنصرف، وإن أريد البقعة
فغير منصرف البتة بخلاف قرن ، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه لأجل سكون وسطه. ويقال فيه (٠١٠،لم)
بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكى ابن سيده فيه فير مرم)، براءين بدل اللامين. قال العينى: ووزن يلملم
فعمعل کسمحمح ، وليس هو من لملمت لأن ذوات الأربعة لا يلحقها الزيادة فى أولها إلا فى الأسماء الجارية على أفعالها
نحو مدحرج، قال: فلأجل هذا حكمنا بأن الميم الأولى واللام الثانية زائدتان، ولهذا قال الجوهرى فى باب الميم
وفصل الباء: يلهم ثم قال «يلملم، لغة فى الملم وهو ميقات أهل اليمن - انتهى. وقال صاحب التيسير: وتبعد عن مكن
بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه أهل اليمن وأهل جاوه وأهل الهند
والصين - انتهى. قلت: قد جرى عمل حجاج الهند والباكستان الذين يسافرون للحج من طريق البحر أنهم إذا
وصلت باخرتهم قريبا من بعض سواحل اليمن وكانوا على يوم وليلة أو أكثر من ميناء جدة يحرمون هناك فى البحر
بناء على زعمهم أنهم يحاذون إذ ذاك جبل «يلملم، الذى هو ميقات أهل اليمن ومن سلك طريقهم فى البر إلى الحرم المكى،
والذى هو على مرحلتين من مكة أى على بعد ثمان وأربعين ميلا منها ، وعندى عملهم هذا محل نظر وبحث ، بل الصواب
عندى أنه لا يجب عليهم الإحرام فى البحر فى أى محل كانوا أى قبل وصولهم إلى جدة، بل لهم أن يؤخروا الإحرام
حتى ينزلوا فى ميناء جدة فيحرموا منها، وهذا يحتاج إلى شئ من البسط والتوضيح، فاعلم أن الأرض حول مكة فى
٣٤٥
مرعاة المفاتيح ج٦
١٠ - كتاب المناسك
جهاتها الأربع قد جعلت حرما وحدت لذلك حدود عينها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر الله تعالى، ثم قررما نبينا
◌َّةِ، فحرم مكة ما أحاط وأطاف بها من جوانبها الأربع، ومسافة تلك الحدود من الكعبة المشرفة والمسجد الحرام
ليست متساوية بل متفاوتة ، فهى تنتهى على بعد عشرة أميال فى جهة الحديبية وجدة وكذا فى جهة الطائف ، وتسعة فى
أخرى أى الجعرانة ، وسبعة فى ناحية أى فى جهة عرفات والعراق ، وكذا فى جهة اليمن ، وثلاثة فقط فى أخرى أى فى
جهة التنعيم. وقد نصبت علامات لانتهاء الحرم فى الجهات المذكورة، وإذا وصلت هذه العلامات بخطوط مستقيمة
بينها تحدث من ذلك خارطة تشبه شكلا مخمسا ويكون طول الحرم حول مكة سبعة وثلاثين ميلا وهى التى تدور بأنصاب
الحرم المبنية فى جميع جوانبه، وقد جعل الله تعالى هذه المنطقة المحاطة بالخطوط حرما يجب تكريمه واحترامه، وشرع له
أحكاما تختص به ، فمثلا لا يقتل صيده ولا يختلى خلاه ولا يعضد شجره وغير ذلك من الأحكام ، وحرمة هذه القطعة
من الأرض أست إلا لأن لها علاقة ونسبة بيت الله الحرام وهو فى الحقيقة تكريم للكعبة وإجلال للبيت. ثم إن
خارج تلك الحدود على بعد عشرات من الأميال قد وقتت خمس أماكن للقادمين إلى مكة للحج والعمرة يقال لها
المواقيت جمع الميقات، وهى خمسة: ذو الحليفة، الجحفة، قرن المنازل، يلملم، ذات عرق. قد عين النبي مؤفى هذه الأمكنة
ميقاتا للحجاج القادمين من طرفها ، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد يمر على واحد من هذه المواقيت الخمسة
المنصوصة وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزه بدون الاحرام، فإن جاوزه غير محرم فقد أساء الأدب ببيت الله
الحرام وعليه دم عند الجمهور، وإن سلك أحد طريقا لا يقع فيها أى واحد من هذه المواقيت فإنه لابد أن يمربمحاذاته فى
محل ما فعليه أن يحرم قبل أن يتجاوز محل محاذاته ، فإن لم يستطع أن يعرف محل المحاذاة فعليه أن يحرم قبل مرحلتين
من مكة المكرمة. وبعد هذا فاعلم أن فى الزمن القديم حينما كان السفر فى البحر بالسفن الشراعية كان الحجاج
القادمون من الهند والبلاد الشرقية ينزلون على واحدة من موانئى اليمن مثل الحديدة أو غيرها ثم يسافرون منها إلى
مكة المكرمة فى البر من طريق اليمن ، ولذا كان الواجب عليهم أن يحرموا منيلملم، لأن ميقات أهل اليمن ومن أتى
من طريقهم يللم ، ولكن فى زمننا هذا لا ترسى بواخر حجاج الهند والباكستان فى موانئ اليمن بل تقطع طريقها فى
البحر رأسا إلى جدة وترسى فى مينائها ، ولذا لا تقع ينعلم فى طريقهم ولا يمرون على خط محاذاتها أيضا فليس هناك وجه
معقول لايجاب الاحرام عليهم فى البحر قبل وصول باخرتهم إلى جدة ، ولكن قد جرى العمل على أن ربان باخرة
الحجاج القادمة من الهند أو البا كستان يعلن قبل الوصول إلى جدة بيوم وليلة أو أكثر بأن الباخرة ستمر قريبا من جبل
يلعلم فى الوقت الفلانى فعلى الحجاج أن يتأهبوا ويحرموا قبل ذلك، فالحجاج يحرمون فى ذاك المحل من البحر عملا بهذا
الإعلان، فإن كان معناه أن جبل يلملم يرى بالتلسكوب (المنظار) وأمثالها من الآلات من ذلك المحل الذى يعد منه
٣٤٦
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
أكثر من خمسين ميلا يقينا فلا علاقة لهذه الرؤية بمسألة المحاذاة المعتبرة. وإن كان معناه أنه يمكن أن يخط خط مستقيم
إلى جبل يلملم من ذلك المحل فهذا الإمكان متحقق من كل محل ولا يختص بمحل دون آخر، وعلى كل حال
فإن المسألة ما زالت غير واضحة لى مع أنى وافقتهم فى الإحرام فى ذاك المحل سنة ٧٥ وسنة ٨٢ من
الهجرة، فأحرمت حيثما أحرموا، وذلك لأنه لاشبهة فى جواز الإحرام قبل الميقات عند الجمهور، وبما أنه لا يقع
أى ميقات فى طريق بواخر الحجاج القادمة من الهند أو الباكستان ولا يحاذى أى واحد منها بل تقطع
طريقها فى البحر فى حدود الآفاق أى إلى غير جهة الحرم بعيدة عن يعلم الذى هو جبل من جبال تهامة وقريب من
مكة المكرمة فلا يمكن لأية باخرة أو سفينة أن تتجاوزه أو تجاوز خط محاذاته إلى جهة الحرم قبل وصولها إلى جدة
ولو كانت تجرى على الساحل ، وقد ذكرنا فيما سبق أن الحدود التى حدها رسول الله زين للحرم إذا أحطناها بالخطوط
الممتدة من حد إلى حد تحدث منه صورة مخمسة، ثم إنه قد وقتت خمس أما كن مواقيت للحج والعمرة على بعد عشرات
من الميل (بل على نحو أكثر من مأتى ميل إلى جهة المدينة) وقد مر تفصيله فيما سبق، وإذا أحطنا تلك المواقيت الخمسة
بالخطوط تظهر منها أيضا صورة مخمسة ممتدة الأطراف. وإذا اتضح لك هذا فاعلم أن المنطقة الواقعة ما بين خارج
حدود الحرم أى خارج الخطوط المحيطة بحدود الحرم إلى المواقيت يقال لها الحل الصغير لأنه يحل فيها الصيد لكن يحرم
المرور والدخول فيها بغير إحرام أن يسكن وراء الميقات، مثلا المنطقة الواقعة ما بين مكة والتنعيم فى جهة المدينة حرم
ومنها إلى ذى الحليفة حل صغير وسائر الأرض خارج حدود المواقيت الخمسة يقال لها الآفاق أو الحل الكبير،
فالذين يسكنون خارج حدود الحرم دون حدود المواقيت (أى فى الحل الصغير) يجب عليهم الاحرام قبل دخولهم
حدود الحرم إذا أرادوا الحج والعمرة، مثلا الذين يسكنون فى شمال مكة بين التعيم وذى الحليفة يجب عليهم أن
يحرموا من التنعيم قبل الدخول فى حدود الحرم، والذين يسكنون فى الآفاق خارج المواقيت يجب عليهم الاحرام من
مواقيتهم قبل أن يتجاوزوا حدود الميقات (أى قبل دخولهم فى الحل الصغير) فالذى يمر على أحد هذه المواقيت الخمسة
حكمه واضح أنه يحرم من ذلك الميقات قبل أن يتجاوزه إلى الحل الصغير أو إلى جهة الحرم. أما الذى لا يمر على
واحد من هذه المواقيت فيجب عليه الاحرام قبل تجاوزه الخط الذى يمتد من ميقات إلى آخر ويكون حدا فاصلا بين
الحل الصغير والآفاق أى الحل الكبير ، وإن هذا الخط فى الأصل هو خط محاذاة الميقات ، فالحاج ما دام خارج الخط
المذكور فهو فى الآفاق ، وإذا جاوز هذا الخط فقد دخل حدود الحل الصغير، ولا يجوز لآفاقى أن يدخل الحل الصغير
بدون الاحرام وقد ذكرنا فيما سبق أنه إن جاء أحد من طريق لا يقع أى ميقات فيه ولا يمكن له معرفة حد الحل
الصغير بالضبط أعنى خط محاذاة المبقات فعليه أن يحرم قبل مرحلتين من مكة. فإذا كانت باخرة الحجاج القادمين من
٣٤٧
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
البلاد الشرقية - الهند أو الباكستان وغيرهما - لا تمر فى البحر ياملم أو بمحاذاتها بل تقطع طريقها فى الآفاق أى فى الحل
الكبير إلى غير جهة الحرم متوجهة إلى جدة وترسى فى مينائها يجوز للحجاج المسافرين فى تلك البواخر أن يؤخروا الإحرام
إلى جدة ويحرموا منها، لأنها على مرحلتين من مكة، والمسافة بين مكة ويلملم أيضا مثله كما قال الهيتمى فى تحفة المحتاج
بشرح المنهاج (ج ٤: ص ٤٥): وخرج بقولنا ((إلى جهة الحرم)، ما لو جاوزه يمنة أو يسرة فله أن يؤخر إحرامه لكن
بشرط أن يحرم من محل مسافته إلى مكة مثل مسافة ذلك الميقات كما قاله الماوردى وجزم به غيره ، وبه يعلم أن الجائى
من اليمن فى البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة لأن مسافتها إلى مكة کمسافة يلملم كما صرحوا به،
بخلاف الجائى فيه من مصر ليس له أن يؤخر إحرامه عن محاذاة الجحفة لأن كل محل من البحر بعد الجحفة أقرب إلى
مكة منها فتنبه لذلك، هذا بالنسبة للحجاج المسافرين بالباخرة، أما الحجاج المسافرون بالطائرة فإن طائراتهم تقطع
طريقها فى أجواء البر وتمر على قرن المنازل عموما وتدخل أول الحل مارة على واحد من الميقاتين: قرن المنازل أو ذات
عرق ، ثم تصل جدة وتنزل بها ، ولذا يجب عليهم الإحرام قبل مرورهم على قرن المنازل، وبما أنه يتعذر على الساعة
التى تمر فيها الطائرة على الميقات بالضبط فالأحوط لهم أن يحرموا عند ركوبهم الطائرة، لأنهم إن جاوزوا الميقات بدون
الإحرام ووصلوا جدة غير محرمين يأثمون ويجب عليهم الدم عند الجمهور ، وسيأتى مزيد الكلام فى هذا فى شرح
حديث جابر فى المواقيت. تنبيه قال النووى: أقرب المواقيت إلى مكة قرن المنازل ميقات أهل نجد وفى ذلك نظر لأن
ابن حزم ذكر كما تقدم أن بين قرن ومكة اثنين وأربعين ميلا وأن بين للم ومكة ثلاثين ميلا فتكون بلعلم حينئذ أقرب المواقيت إلى
مكةوعلى ما ذكر صاحب التيسير يكون قرن وياعلم على حد سواء من مكة. قال الحافظ: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات
أهل المدينة، فقيل الحكمة فى ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة. وقيل رفقا بأهل الآفاق لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة
أى ممن له ميقات معين - انتهى. وقال فى حجة الله البالغة؛ لما كان الإتيان إلى مكة شعثا تفلا تاركا لغلواء نفسه مطلوبا،
وكان فى تكليف الإنسان أن يحرم من بلده حرج ظاهر، فإن منهم من يكون قطره على مسيرة شهر وشهرين وأكثر
وجب أن يخص أمكنة معلومة حول مكة يحرمون منها ولا يؤخرون الاحرام بعدها ، واختار لأهل المدينة أبعد
المواقيت لأنها مهط الوحى ومأرز الايمان ودار الهجرة وأول قرية آمنت بالله ورسوله، فأهلها أحق أن يبالغوا فى
إعلاء كلمة الله وأن يخصوا بزيادة تعظيم الله، وأيضا فهى أقرب الأقطار التى آمنت فى زمان رسول اللّه مَ فيه - انتهى.
قلت: لبيت الله الحرام من التكريم والتعظيم والتقديس والإجلال ما لا يخفى على المسلم، ومن آثار ذلك أن جعل له
حمى وحدودا لا يتجاوزها قاصده بحج أو عمرة إلا وقد أحرم وأتى فى حال خشوع وختنوع وتقديس وإجلال
عبادة لله واحتراما لهذا البيت المطهر، ومن رحمة الله بخلقه أنه لم يجعل لهم ميقاتا واحدا فى إحدى
٣٤٨
١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن،
جهاته بل جعل لكل جهة محرما وميقاتا يكون فى طريق سالكه إلى مكة سواء كان من أهل تلك
الجهة أولا وذلك لئلا تلحقهم المشقة بقصدهم ميقاتا ليس فى طريقهم حتى جعل ميقات من داره دون المواقيت
مكانه الذى هو فيه، حتى أهل مكة يحرمون بالحج من مكة فلا يلزمهم الخروج إلى الحل. وفى تقدير النبى مؤ ليه
هذه المواقيت وتحديدها معجزة من معجزاته الدالة على صدق نبوته، فقد حددها ووقتها وأهلها لم يسلموا
غير أهل المدينة إشعارا منه بأن أهل تلك الجهات سيسلمون ويحجون ويحرمون منها، وقد كان ولله الحمد والمنة
(فهن) أى المواقيت المذكورة (لهن) بضمير المؤثات، وكان مقتضى الظاهر أن يكون (((لهم) بضمير المذكرين، فأجاب
ابن مالك بأنه عدل إلى ضمير المؤثات لقصد التشاكل وكأنه يقول ناب ضمير عن ضمير بالتمرينة لطلب التشاكل،
وأجاب غيره بأنه على حذف مضاف أى هن لأهلهن أى هذه المواقيت لأهل هذه البلدان بدليل قوله الآتى ((ولمن أتى عليهن
من غير أهلهن، فصرح بالأهل ثانيا. قال النووى: الضمير فى «لهن، عائد على المواضع والأقطار المذكورة وهى المدينة
والشام واليمن ونجد أى هذه المواقيت لهذه الأقطار ، والمراد لأهلها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وفى
رواية للبخارى «هن لهم، بضمير المذكرين وهو واضح. قال الحافظ: أى المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة.
ووقع فى رواية أخرى أى للبخارى فى باب دخول مكة بغير إحرام بلفظ «هن لهن، أى المواقيت للجماعات المذكورة
أو لأهلهن على حذف المضاف، والأول أى (لهم)) بضمير المذكرين هو الأصل، ووقع فى باب مهل أهل اليمن بلفظ
(هن لأهلهن)، وقوله ((هن)) ضمير جماعة المؤنث وأصله لمن يعقل، وقد استعمل فيما لا يعقل لكن فيما دون العشرة - انتهى.
وقال القرطبي: أما جمعه من لا يعقل بالهاء والنون فى قوله ،فهن لهم)، فمستعملة عند العرب وأكثر ذلك فى العشرة فا
دونها فإذا جاوزها قالوا بهاء المؤنث لا غير كما قال الله تعالى {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا - ٣٦:٩) ثم
قال (منها أربعة حرم - ٩: ٣٦) أى من الاثنى عشر، ثم قال ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم - ٩: ٢٦) أى فى هذه
الأربعة وقد قيل فى الجميع وهو ضعيف شاذ - انتهى (ولمن أتى) أى مر (عليهن) أى على المواقيت (من غير أهلهن)
أى من غير أهل البلاد المذكورة، وهذا يقتضى أن المواقيت المذكورة مواقيت أيضا لمن أنى عليها وإن لم يكن من أهل تلك
المواقيت المعينة ، فإنه يلزمه الإحرام منها إذا أتى عليها قاصدا لاتيان مكة لأحد النسكين ، فيدخل فى ذلك ما إذا ورد
الشامى مثلا إلى ذى الحليفة فإنه يجب عليه الاحرام منها ولا يتركه حتى يصل الجحفة، فإن أخر أساء ولزمه دم ، هذا عند
الجمهور. وقالت المالكية والحنفية: يجوز له التأخير إلى ميقاته وإن كان الأفضل له أن يحرم من ميقات المدينة أى
من ذى الحليفة. قال الحافظ : الشامى إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها ولا يؤخره حتى
يأتى الجحفة التى هى ميقاته الأصلى، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور وأطلق النووى الاتفاق ونفى الخلاف فى
٣٤٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
شرحيه لمسلم والمهذب فى هذه المسئلة فلعله أراد فى مذهب الشافعى، وإلا فالمعروف عند المالكية أن الشامى مثلا إذا
جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلى وهو الجحفة جاز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية
وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية. وقال الأبى المالكى بعد ذكر قول النووى ،وهذا لا خلاف فيه))
لعله يعنى عندهم وأما عندنا فإنما ذلك لمن ليس ميقاته بين يديه كاليمنى والعراقى والنجدى يمر أحدهم
بذى الحليفة فإنه يحرم منها ولا يؤخره لأن ميقاته ليس بين يديه، وأما الشامى يمر بها فإنه يؤخر إلى
الجحفة، لأنها ميقاته وهى بين يديه، نعم الأفضل له ذو الحليفة. قلت: فلا يصح الاعتذار الذى ذكره الحافظ
والآبی مع وجود قول أبى ثور وابن المنذر من الشافعية موافقا للحنفية والمالكية وقال ابن دقيق العيد: قوله "ولمن
أتى عليهنمن غير أهلهن، عام فیمن أتى، يدخل تحته من میقاته بین یدی هذه المواقيت التى مر بها ومن ليس ميقاته بین
يديها. وقوله (ولأهل الشام الجحفة) عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أولا، فإذا قلنا بالعموم الأول دخل تحته
هذا الشامى الذى مر بذى الحليفة فيلزم أن يحرم منها، وإن عملنا بالعموم الثانى وهو أن «لأهل الشام الجحفة، دخل
تحت هذا المار أيضا بذى الحليفة، فيكون له التجاوز إليها ، فلكل واحد منهما عموم من وجه (لاجتماعهما فيمن مر وهو
من أهلها وافتراقهما فى شامى مر بميقاته لا غير فأحرم منه ولم يأت غيره، وفى شامى مثلا أتى ميقات أهل المدينة ولم يأت
غيره) فكما يحتمل أن يقال ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)، مخصوص بمن ليس ميقاته بين يديه يحتمل أن يقال ((ولأهل
الشام الجحفة، مخصوص بمن لم يمر بشئى من هذه المواقيت - انتهى. وقال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: قوله
((ولأهل الشام الجحفة، يشمل من مر من أهل الشام بذى الحليفة ومن لم يمر، وقوله (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن»
يشمل الشامى إذا مر بذى الحليفة وغيره. فههنا عمومان قد تعارضا - انتهى ملخصا ثم أجاب الحافظ عن هذا
a
التعارض فقال: ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله ((هن لهن، مفسر لقوله مثلا «وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، وأن المراد
بأهل المدينة ساكنوها ومن سلك طريق سفرهم فمر على ميقاتهم، ويؤيده «عراقى خرج من المدينة فليس له مجاوزة
ميقات أهل المدينة غير محرم، ويترجح بهذا قول الجمهور وينتفى التعارض وقال الولى العراقى بعد ذكر كلام ابن دقيق
العيد: لو سلك (أى ابن دقيق العيد) ما ذكرته أولا من أن المراد بأهل المدينة من سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم،"
لم يرد هذا الإشكال ولم يتعارض هنا دليلان، ومن المعلوم أن من ليس بين يديه ميقات لأهل بلدته التى هى محل سكنه
كاليمنى يحج من المدينة ليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم ، وذلك يدل على ما ذكرناه أنه ليس المراد بأهل
المدينة سكانها وإنما المراد بأهلها من حج منها وسلك طريق أهلها ، ولو حملناه على سكانها لوردت هذه الصورة وحصل
الاضطراب فى هذا فنفرق فى الغريب الطارئ على المدينة مثلا بين أن يكون بين يديه ميقات لأهل بلده أم لا ، فتحمل
٣٥٠
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
أهل المدينة تارة على سكانها وتارة على سكانها والواردين عليها ، ويصير هذا تفريقا بغير دليل ، وإذا حملنا أهل المدينة
على ما ذكرناه لم يحصل فى ذلك اضطراب ومشى اللفظ على مدلول واحدفى الأحوال كلها ، والله أعلم - انتهى كلام الولى
العراقى فتأمل. وقال الأمير اليمانى: إن صح ما قد روى من حديث عروة أنه مَّم وقت لأهل المدينة ومن مر
بهم ذا الخليفة تبين أن الجحفة إنما هى ميقات الشامى إذا لم يأت المدينة، ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة
جوانب الحرم فكل من مر بجانب من جوانبه لزمه تعظيم حرمته وإن كان بعض جوانبه أبعد من بعض - انتهى. ووقع فى
رواية ((هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهن، قال السندى: أى لكل مار مر عليهن من غير أهلهن الذين قررت لأجلهم، قيل
هذا يقتضى أن الشامى إذا مر بذى الحليفة فميقاته ذو الحليفة ، وعموم «ولأهل الشام الجحفة)) يقتضى أن ميقاته الجحفةفها
عمومان متعارضان ، قلت: إنه لا تعارض إذ حاصل العمومين أن الشامى المار بذى الحليفة له ميقاتان أصلى وميقات بواسطة
المرور بذى الحليفة ، وقد قرروا أن الميقات ما يحرم مجاوزته بلا إحرام لا ما لا يجوز تقديم الاحرام عليه فيجوز أن يقال:
ذلك الشامى ليس له مجاوزة شتى منهما بلا إحرام فيجب عليه أن يحرم من أولهما، ولا يجوز التأخير إلى آخرهما فإنه إذا
أحرم من أولهما لم يجاوز شيئًا منهما بلا إحرام، وإذا أخر إلى آخرهما فقد جاوز الأول منهما بلا إحرام وذلك غير
جائز له، وعلى هذا فإذا جاوزهما بلا إحرام فقد ارتكب حرامين بخلاف صاحب ميقات واحد فإنه إذا جاوزه بلا
إحرام فقد ارتكب حراما واحدا ، والحاصل أنه لا تعارض فى ثبوت ميقاتين لواحد ، نعم لو كان معنى الميقات ما
لا يجوز تقديم الاحرام عليه لحصل التعارض - انتهى. وقد علم مما ذكرنا أن مهنا ثلاثة صور أو ثلاثة مسائل:
إحداها أن يمر من ليس ميقاته بين يديه كاليمنى والعراقى والنجدى يمر أحدهم بذى الحليفة، وهذا لاخلاف فيه بين
الأئمة أنه يلزمه الاحرام من ذى الحليفة، ولا يجوز له المجاوزة عنها بغير إحرام لأنه ليس ميقاته بين يديه وعليه
حملت المالكية ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))، والثانية أن يمر من ميقاته بين يديه كالشامى مثلا بذى الحليفة،
واختلفوا فيه فقالت الشافعية والحنابلة وإسحاق: يلزمه الإحرام من ذى الحليفة ولا يجوز له التأخير إلى ميقاته
أى الجحفة لظاهر الحديث خلافا المالكية والحنفية وأبى ثور وابن المنذر من الشافعية. والثالثة أن المدنى إذا جاوز عن
ميماته إلى الجحفة فهل يجوز له ذلك أم لا؟ وبالأول قالت الحنفية كما فى كتب فروعهم ، وبالثانى قال الجمهور وهو
القول الراجح المعول عليه عندنا قلت: واستدل الحنفية بما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أهل من الفرع،
قال محمد فى موطأه: أما إحرام عبد الله بن عمر من الفرع وهو دون ذى الحليفة إلى مكة فإن أمامها وقت آخر وهو
الجحفة ، وقد رخص لأهل المدينة أن يحرموا من الجحفة لأنها وقت من المواقيت (يعنى أن الواجب أن لا يتجاوز عن
مطلق الميقات لا عن الميقات الأول) ثم روى محمد عن أبى يوسف عن إسحاق بن راشد عن محمد بن على عن النبى مؤثّم أنه
٣٥١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
لمن كان يريد الحج والعمرة ،
قال : من أحب منكم أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل - انتهى. قال القارى فى شرح النقابة: لو لم يحرم المدنى ومن بمعناه
من ذى الحليفة وأحرم من الجحفة فلاشئ عليه وكره وفاقا، وعن أبى حنيفة يلزمه دم، وبه قال الشافعى ، لكن الظاهر هو
الأول لما روى فى الحديث من قوله مَّة (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، فمن جاوز إلى الميقات الثانى صار
ميقاتا له - انتهى. وقال ابن الهمام: المدنى إذا جاوز إلى الجحفة فأحرم بها فلا بأس، والأفضل أن يحرم من ذى
الحليفة ، ومقتضى كون فائدة النوقيت المنع من التأخير أن لا يجوز التأخير عن ذى الحليفة ، ولذا روى عن أبى حنيفة
أن عليه دما لكن الظاهر عنه هو الأول لماروى من تمام الحديث من قوله مولتين ((هن لهن ولمن أتى عليهن من
غير أهاهن)، فمن جاوز إلى الميقات الثانى صار من أهله، وروى عن عائشة أنها كانت إذا أرادت أن تحج أحرمت من
ذى الحليفة، وإذا أرادت أن تعتمر أحرمت من الجحفة، ومعلوم أن لا فرق فى الميقات بين الحج والعمرة، فلو لم تكن
الجحفة ميقاتا لهما لما أحرمت بالعمرة منها، فيفعلها يعلم أن المنع من التأخير مقيد بالميقات الأخير - انتهى. وقال ابن
تحيم: قوله أى الماتن ((أن هذه المواقيت لأهلها ولمن مر بها، قد أفاد أنه لا يجوز مجاوزة الجميع إلا محرما فلا يجب على
المدنى أن يحرم من ميقاته وإن كان هو الأفضل، وإنما يجب عليه أن يحرم من آخرما عندنا - انتهى. قلت : فعل
ابن عمر رضى الله عنهما مخالف لتوقيت النبى مؤثر لأهل المدينة ذا الحليفة فلا بد من تأويله، ولذا قال ابن عبد البر:
محمله عند العلماء أنه مر بميقات لا يريد إحراما ثم بدا له فأهل منه أو جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له فى
الإحرام كما قاله الشافعى وغيره، وقد روى حديث الميقات ، ومحال أن يتعداه مع علمه به فيوجب على نفسه دما،
وهذا لا يظنه عالم ـ انتهى. وقال الباجى: يجوز أن يكون عبد الله بن عمر ترك ظاهره أى الأمر بالمواقيت لرأى
رآه أو تأويل تأوله. قال: وفى كتاب محمد: قال مالك: كان خروج عبد الله بن عمر إلى الفرع لحاجة ثم بدا له فأحرم
منها ـ انتهى. ويمكن أن يأول أن ابن عمر لم يمر فى طريقه على ذى الحليفة بل ذهب إلى الفرع من طريق آخر. قال ابن
قدامة فى المغنى (ج ٣: ص ٢٦٤): فإن مر من غير طريق ذى الحليفة فميقاته الجمعة سواء كان شامیا أو مدنيا ما
روى أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال سمعته أحسبه رفعه إلى التى مَّ يقول: مبل أهل المدينة
من ذى الحليفة ، والطريق الآخر من الجحفة. رواه مسلم، ولأنه مر على أحد المواقيت دون غيره فلم يلزمه
الإحرام قبله كسائر المواقيت، ويمكن حمل حديث عائشة فى تأخيرها إحرام العمرة إلى الححقة على هذا ، وأنها لا
تمر فى طريقها إلى ذى الحليفة لئلا يكون فعلها مخالفا لقول رسول اللّه مثل ولسائر أهل العلم - انتهى. وأما الحديث
المرفوع الذى ذكره محمد فى موطأه فهو مرسل ولا حجة فى المرسل عند الجمهور لا سيما وهو معارض لأحاديث
التوقيت الموصولة الصحيحة (لمن كان) بدل مما قبله بإعادة الحار، وفى رواية «من كان» (يريد الحج والعمرة) الواو بمعنى
٣٥٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
أو، أو المراد إرادتهما معا على جهة القران. وفيه دلالة على أنه لا يلزم الإحرام إلا من أراد دخول مكة لأحد
الفسكين ، فلو لم يرد ذلك جاز له دخولها من غير إحرام وعليه بوب البخارى قال «باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام،
ودخل ابن عمر حلالا، وإنما أمر النبي مَّه بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة ، قلت: استدل البخارى بمفهوم قوله فى
حديث الباب لم. كان، بد الحده العدة على أن الاحـ ام يختص من أراد الحده العدة، فمفهمه أن المتردد الرمكة
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
الثانى أن يدخلها غير مريد النسك وإنما يدخلها لحاجة تتكرر كالحطابين وأصحاب الفواكه فهؤلاء يجوز لهم دخولها غير
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
الحرمين فلم يلزم الإحرام كدخوله حرم المدينة، ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل
داخل فبقى على الأصل. إذا ثبت هذا فمتى أراد هذا الإحرام بعد تجاوز الميقات رجع فأحرم منه فإن أحرم
من دونه فعليه دم كالمريد للنسك - انتهى كلام ابن قدامة. وقد على مما تقدم أن الإمام الشافعى ذهب فى المشهور عنه
إلى جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم فى المحلى،
وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو البقاء ابن عقيل ، قال ابن مفلح فى الفروع
وهى ظاهرة واستدلوا على ذلك بقوله فى هذا الحديث لمن كان يريد الحج والعمرة ، واستدلوا أيضا بما روى أنه
رَاجُّ دخل يوم الفتح حلالا وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه، وبما روى مالك فى الموطأ عن نافع أن ابن عمر دخل
مكة بغير إحرام، وبأنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج والعمرة عند من أوجبها إنما تجب مرة واحدة ، فلو أوجبنا على كل
من دخلها أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة، وبأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل
داخل فيقى على الأصل واستدل لأبى حنيفة ومالك وأحمد بقوله مؤثر فى مكة أنها حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لم
تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدى إنما أحلت لى ساعة من نهار ثم عادت حراما كحرمتها بالأمس. قال الطحاوى وابن الهام
وغيرهما يعنى فى الدخول بغير إحرام لإجماع المسلمين على حل الدخول بعده للقتال وأجيب عن ذلك بأن الحديث ليس له
دخل فى الإحرام، وإنما هو فى تحريم القتال فى مكة، قال الشيخ محمد عابد السندى فى المواهب اللطيفة: وأما ما زعم
الطحاوى بأن ذلك مصداق قوله مَّ ئه فى حديث أبى شريح وغيره أنها لم تحل له إلا ساعة من نهار وأن المراد بذلك
جواز دخولها بغير إحرام لا تحريم القتل والقتال فيها لأنهم أجمعوا على أن المشركين لو غلبوا - والعياذ بالله - على مكة
حل السلين قتالهم وقتلهم فيها - انتهى. فقد دفعه الشيخ أبو الحسن السندى بأن ذلك مخالف لصريح الحديث ، فإن فى
حديث أبى شريح عند الشيخين: فإن أحد ترخص لقتال رسول الله مر فيه فقولوا («إن الله تعالى أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما
أحلت لى ساعة من نهار)) فهذا صريح فى أن الساعة إنما أبيحت له فى القتال لا فى دخول مكة بغير إحرام ، ولذلك قال
التروى: فى حديث أبى شريح دلالة على أن مكة تبقى دار الإسلام إلى يوم القيامة ، ونهى المترخص إذا قاتل فى رئاسة
دنيوية ، وفى دعواه الاجماع نظر فقد حكى القفال والماوردى وغيرهما القول بعدم حل القتال أصلا فى مكة ونقلوا فى
ذلك عن محققى الشافعية والمالكية - انتهى كلامه. وأشار الطحاوى إلى أن حديث أبى شريح فى القتال والدخول بلا
إحرام كليهما، فكان الأمران خاصة له فى ذلك اليوم، ولا يخفى ما فيه، فإن قوله فى الحديث ((فإن أحد ترخص لقتال
رسول الله رؤيته، إلخ. نص بأنه فى تحريم القتال فى مكة خاصة واستدل لهم أيضا بحديث ابن عباس مرفوعا «لا يجاوز
أحد الميقات إلا محرما، أخرجه ابن أبى شيبة والطبرانى، وفى إسناده خصيف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير ، وقد
٣٥٥
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
فمن كان دونهن فمهله
ضعفه أحمد ويحيى بن سعيدوابن خزيمة وأبو أحمد الحاكم والأزدى، ووثقه ابن معين وابن سعد. وقال الحافظ : صدوق سئى
الحفظ خاط بآخره. ورواه ابن عدى من وجهين ضعيفين وروى الشافعى عنه بإسناد صحيح أنه كان يرد من جاوز الميقات
غير محرم. وأجيب عن هذا بأنه موقوف، وهو أيضا معارض لما رواه مالك فى الموطأ أن ابن عمر جاوز الميقات غير محرم، ولا
يحتج بما روى عن ابن عباس مرفوعا لضعف طرقها واستدل لهم أيضا بأن الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة ، فإن
الله جعل البيت معظما وجعل المسجد الحرام فناء، وجعل مكة فناء للمسجد الحرام، وجعل المواقيت فناء للحرم والشرع
ورد بكيفية تعظيمه وهو الاحرام على هيئة مخصوصة فيستوى فيه الحاج والمعتمر وغيرهما ولا يجوز تركه لأحد من
يريد دخول مكة، وفيه أن هذا تعليل فى معرض النص، والأصل عدم الخصوصية وهى لا تثبت إلا بدليل فتأمل
وقد أجاب مؤلاء عن حديث الباب بوجوه منها أنه استدلال بمفهوم القيد الغالبى وهو ضعيف عند الحنفية
ومنطوق حديث ابن عباس المرفوع والموقوف أولى من المفهوم المخالف فى قوله لمن كان يريد الحج والعمرة ومنها
أن دخوله ◌َّ عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص له ولأصحابه بذلك الوقت. وقد تقدم ما فيه ومنها ما ذكره
ابن دقيق العيد فى شرح العمدة (ج ٣: ص ٦) وقد تركنا ذكره أطول كلامه، من شاء الوقوف عليه رجع إلى شرح
العمدة ومنها أن قوله ((لمن كان يريد الحج والعمرة)) يحتمل أن يقدر فيه مضاف أى لمن كان يريد مكان الحج والعمرة
كما قال القارئ: ((يريد الحج والعمرة)) أى مكان أحد النسكين وهو الحرم - انتهى. أو يكون كناية عن إرادة دخول
مكة ، والنكتة فى اختيار هذا التعبير التنبيه على أنه ليس من شأن المسلم قصد دخول مكة مع تركه فريضة الحج والعمرة.
قالوا : ويزيد لصحة هذا التأويل حديث ابن عباس المتقدم قلت: حديث الباب نص فيما ذهب إليه الشافعية وقد
اعترف بذلك صاحب فيض البارى (ج ٣: ص ٦٤) ولم يقم على إيجاب الاحرام على من أراد مجاوزة الميقات لغير
التسكين دليل، وقد كان المسلمون فى عصره ◌َّم يختلفون إلى مكة لحوائجهم ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بإحرام فلا
حاجة إلى تأويل حديث الباب بما يخالف ظاهره ، ويخالف فعل ابن عمر رضى الله عنه. قال صاحب تيسير العلام: ما
ذكر من الخلاف فى حق غير المتردد إلى الحرم لجلب الفاكهة أو الحطب وغيرهما أو له بستان فى الحل يتردد عليه أو له
وظيفة أو عمل فى مكة وأهله فى جدة أو بالعكس فهؤلاء ونحوهم لا يجب عليهم الاحرام عند عامة العلماء فيما اطلعت عليه
من كلام فقهاء المذاهب إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة من التحريم على كل داخل إلى مكة من غير إحرام، والعمل على
خلافه - انتهى (فمن كان دونهن) أى دون المواقيت يعنى من كان بين الميقات ومكة (فهله) بصيغة المفعول من الإهلال
أى موضع إحرامه. قال الحافظ: المهل بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت
لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعا. قال ابن الجوزى: وإنما
٣٥٦
١
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
من أهله وكذاك وكذاك، حتى أهل مكة يهلون منها.
يقوله بفتح الميم من لا يعرف. وقال أبو البقاء العكبرى: هو مصدر بمعنى الإهلال كالمدخل والمخرج بمعنى الادخال
والإخراج. قال البدر الدمامينى: جعله هنا مصدرا يحتاج إلى حذف أو تأويل ولا داعى إليه (من أهله) أى من محل
أهله. قال القارى: أى من بيته ولو كان قريبا من المواقيت ولا يلزمه الذهاب إليها. وفى رواية للشيخين ((ومن كان
دون ذلك فمن حيث أنشأ، قال العينى: الفاء جواب الشرط ، أى فمهله من حيث قصد الذهاب إلى مكة يعنى يهل من ذلك
الموضع. وقال الحافظ: أى فيقاته من حيث أنشأ الإحرام إذا سافر من مكانه إلى مكة ، وهذا متفق عليه إلا ما روى
عن مجاهد أنه قال ميقات هؤلاء نفس مكة. قال ابن عبد البر: إنه قول شاذ، وقال السندى: أى يهل حيث ينشئى
السفر من ((أنشأ)) إذا أحدث، يفيد أنه ليس لمن كان داخل الميقات أن يؤخر الإحرام عن أهله - انتهى. قال الحافظ:
ويؤخذ من الحديث أن من سافر غير قاصد النسك جاوز الميقات ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث تجدد له
القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله ((فمن حيث أنشأ)) قال القارى: ولم يذكر النبى مُؤثّ حكم أهل المواقيت
نفسها، والجمهور على أن حكمها حكم داخل المواقيت خلافا للطحاوى حيث جعل حكمها حكم الآفاقى (وكذاك وكذاك)
بإسقاط اللام فيهما وهى رواية أبى ذر للبخارى وعند غيره «وكذاك، أى مرة، يعنى وكذا من كان أقرب من هذا
الأقرب، وكأنه منزل منزلة قولك وهكذا أى الأقرب فالأقرب. وقال القارى: أى الأدون فالأدون إلى آخر الحل
(حتى أهل مكة) وغيرهم من هو بها (يهلون) أى يحرمون (منها) أى من مكة ، ولفظ أهل بالرفع على أن حتى ابتدائية،
وقوله ((أهل مكة)) مبتدأ وخبره ((يهلون منها)) والجملة لا محل لها من الإعراب. وذكر الكرمانى أنه روى فيه الجر
أيضا. وفى رواية ((حتى أهل مكة من مكة)) قال العينى: يجوز فى لفظ ((أهل) الجر لأن ((حتى) تكون حرفا جارا
بمنزلة إلى، ويجوز فيه الرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره ((حتى أهل مكة يهلون من مكة، كما فى قولك جاء القوم
حتى المشاة أى حتى المشاة جاءوا. قال الحافظ: قوله ((أهل مكة من مكة)) أى لايحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للاحرام
منه بل يحرمون من مكة كالآفاقى الذى بين الميقات ومكة فإنه يحرم من مكانه ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم
منه، وهذا خاص بالحج، وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل يعنى لقضية عائشة رضى الله عنها حين أرسلها
النبي ◌ُّ مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتحرم منه، وكذا قال غيره من أصحاب المذاهب الأربعة كالعينى والولى
العراقى والمحب الطبرى والقسطلانى وابن قدامة والشيخ محمد عابد السندى وغيرهم وادعوا الاجماع على ذلك قلت: حديث
ابن عباس هذا نص فى أن هذه المواقيت للحج والعمرة جميعا لا للحج فقط فيلزم أن تكون مكة ميقاتا لأهلها للحج
والعمرة كليهما لا للحج فقط خلافا للجمهور، ولهذا بوب البخارى عليه بقوله «باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، ففيه
إشعار بأن مكة عنده ميقات لأهلها للعمرة أيضا قال الأمير اليمانى: اعلم أن قوله «حتى أهل مكة من مكة) يدل على أن
٣٥٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
ميقات عمرة أهل مكة كيجهم ، وكذلك القارن منهم ميقاته مكة ، ولكن قال المحب الطبرى: إنه لا يعلم أحدا جعل مكة
ميقاتا للعمرة فى حق المكى. قال فعليه أن يخرج من الحرم إلى أدنى الحل يدل عليه أمره مؤته عائشة أن تخرج إلى التنعيم
وانتظاره مع جملة الحجيج لها ، ثم فعل من جاور بمكة من الصحابة ثم تتابع التابعين وتابعيهم إلى اليوم، وذلك إجماع
فى كل عصر. قال الأمير اليمانى: وجوابه أنه تمَّم جعلها ميقاتا لها بهذا الحديث، وأما ما روى عن ابن عباس أنه
قال «يا أهل مكة من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسر، يعنى إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة. وقال أيضا:
من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم ويجاوز الحرم. فآثار موقوفة لا تقاوم المرفوع، وأما ما ثبت من
أمره ◌َّ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتحرم بعمرة فلم يرد إلا تطبيب قلبها بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها، لأنها
أحرمت بالعمرة معه ثم حاضت فدخلت مكة ولم تطف بالبيت كما طفن كما يدل له قولها «قلت: يا رسول الله يصدر
الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد، قال انتظرى فاخرجى إلى التنعيم فأهلى منه)) الحديث. فإنه محتمل أنها إنما أرادت
أن تشابه الداخلين من الحل إلى مكة بالعمرة، ولا يدل أنها لا تصح العمرة إلا من الحل لمن صار فى مكة، ومع
الاحتمال لا يقاوم حديث الباب. قال: وعند أصحاب أحمد أن المكى إذا أحرم للعمرة من مكة كانت عمرة صحيحة.
قالوا: ويلزمه دم لما ترك من الإحرام من الميقات. قال الأمير اليمانى: ويأتيك أن إلزامه الدم لا دليل عليه وقال
الشوكانى فى السيل الجرار (ج ٢: ص ٢١٦): وقع التصريح فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما فى الصحيحين
وغيرهما بعد ذكر المواقيت لأهل كل محل أنه قال مر ◌ّيم «فهى لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن من كان يريد الحج
والعمرة، فصرح فى هذا الحديث بالعمرة يعنى ففيه تعيين ميقات للعمرة والحج كليهما لأهل هذه المواقيت ولأهل مكة
جميعا وقال أبو الحسن السندى فى حاشيته على الصحيح: قول البخارى ((باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)) كأنه نبه
بذلك على أن سوق الحديث لميقات الحج والعمرة جميعا لا لميقات الحج فقط، ولذلك قال من أراد الحج والعمرة،
فقتضاه أن ما جعل ميقاتا لأهل مكة يكون ميقاتا لهم الحج والعمرة جميعا لا للحج فقط ، وإن ذهب الجمهور إلى الثانى
وجعلوا ميقات العمرة لأهل مكة أدنى الحل بحديث إحرام عائشة بالعمرة من التنعيم، وذلك لأن عائشة ما كانت مكية
حقيقة فيجوز أن يكون ميقات مثلها التنعيم للعمرة وإن كان ميقات المكى نفس مكة، وكذا يجوز إحرامها من التنعيم
لأنها أرادت العمرة الآفاقية حيث أرادت المساواة لسائر المعتمرين فى ذلك السفر، حديث عائشة لا يعارض هذا
الحديث، فكأنه بهذه الترجمة أراد الاعتراض على الجمهور ، والله تعالى أعلم - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن كل ما
استدل به الجمهور هو قضية عائشة فى اعتمارها من التنعيم وآثار موقوفة عن ابن سيرين وعطاء وابن عباس. قالوا: قضية
عائشة مع أثر ابن عباس مخصصة لحديث الباب، وفيه أن قضية عائشة واقعة جزئية محتملة ، وحديث الباب فيه بيان
ضابطة وقانون عام فيقدم على حديث عائشة، والآثار الموقوفة لا تعارض المرفوع، والعبرة لما روى الصحابي لا لرأيه
٣٥٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
تنبيه: قال الطحاوى: ذهب قوم (أى من الذين فرقوا بين ميقات المكى للحج وميقاته للعمرة) إلى أنه لا ميقات للعمرة
لمن كان من مكة إلا التنعيم، ولا ينبغى مجاوزته كما لا ينبغى مجاوزة المواقيت التى للحج ، وخالفهم آخرون فقالوا
مواقيت العمرة الحل، وإنما أمر النبي مؤثر عائشة بالإحرام من التنعيم لأنه كان أقرب الحل من مكة وأن التنعيم
وغيره فى ذلك سواء، ويزيد ذلك ما رواه الطحاوى من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة فى حديثها، قال فكان أدنانا من
الحرم التنعيم فاعتمرت منه. قال فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل-انتهى. وقال ابن قدامة بعد ذكر اثر ابن عباس
المتقدم: إنما لزم الإحرام أى إحرام المكى للعمرة من الحل ليجمع فى النسك بين الحل والحرم فإنه لو أحرم من الحرم لما
جمع بينهما فيه لأن أفعال العمرة كلها فى الحرم بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم
والعمرة بخلاف ذلك (فبالخروج إلى الحل يتحقق فيها نوع سفر ويصح به كونه واندا على البيت الحرام) قال: ومن
أى الحل أحرم جاز، وإنما أعمر النبي ◌َّ عائشة من التنعيم لأنها أقرب الحل إلى مكة - انتهى تنبيه ثان: قال
السندى فى حاشيته على الصحيح قوله ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة، مقتضاه أنه ليس لمن
كان داخل المواقيت أن يؤخر الاحرام من أهله، وكذا ليس لأهل مكة أن يؤخروه من مكة، ويشكل عليه قول
علمائنا الحنفية حيث جوزوا لمن كان داخل المواقيت التأخير إلى آخر الحل، ولأهل مكة إلى آخر الحرم من حيث أنه
مخالف للحديث، ومن حيث أن المواقيت ليست مما يثبت بالرأى، والله تعالى أعلم - انتهى. قلت: اختلفوا فى تعيين
الإحرام بالحج لمن هو بمكة من مكة. قال الولى العراقى (ج ٢: ص ١٥، ١٦): أما من هو بمكة فيقاته نفس مكةً
لا يجوز له تركها والإحرام خارجها ولو كان فى الحرم ، هذا هو الصحيح عند أصحابنا (الشافعية) وغيرهم ، وقال بعض
أصحابنا الإحرام من الحرم كله جائز، والحديث بخلافه. وقال المالكية: لو خرج إلى الحل جاز على الأشهر ولا دم
لأنه زادوما نقص. قال أصحابنا ويجوز أن يحرم من جميع نواحى مكة بحيث لا يخرج عن نفس البلد، وفى الأفضل
قولان أصحهما من باب داره، والثانى من المسجد الحرام تحت الميزاب - انتهى. وقال المحب الطبرى (ص ٧٣) :
ظاهر قوله موقع «حتى أهل مكة يهلون منها، يدل على تعيين الإحرام بالحج من مكة حتى لوخرج وأحرم خارجا منها
كان مسيئا وعليه دم. وفى المسئلة خلاف، ثم قال حجة من قال يجوز الإهلال بالحج لأهل مكة من الحرم خارجا
عن مكة وذكر فيه ما روى عن جابر فى حديث فسخ الحج ((حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج،
وما روى عنه أيضا قال ((أمرنا رسول اللّه ميّ إذا أهللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح،
أخرجهما الشيخان. قال الطبرى: والقائل بهذا يقول إطلاق مكة جائز على جميع الحرم، ومنه الحديث ((إن الله حرم
مكة لا يختلى خلاها، وهذا هو الأظهر عندى، وعليه بوب البخارى فقال «باب الإهلال من البطحاء وغيرما للمكى،
والحاج إذا خرج إلى منى، ثم ذكر الحديثين - انتهى. وقال النووى: ميقات من بمكة من أهلها أو غيرهم نفس مكة
٣٥٩
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
على الصحيح ، وقيل مكة وسائر الحرم - انتهى. قال الحافظ: والثانى مذهب الحنفية. واختلف فى الأفضل فاتفق
المذهبان على أنه من باب المنزل ، وفى قول الشافعى من المسجد، وحجة الصحيح ما فى حديث ابن عباس (حتى أهل مكة
يهلون منها ، وقال مالك وأحمد وإسحاق: يهل من جوف مكة ولا يخرج إلى الحل إلا محرما - انتهى. وقال ابن قدامة
(ج ٣: ص ٢٦١): من أى الحرم أحرم المكى بالحج جاز لأن المقصود من الاحرام به الجمع فى النسك بين الحل
والحرم، وهذا يحصل بالاحرام من أى موضع كان جاز كما يجوز أن يحرم بالعمرة من أى موضع كان من الحل ،
ولذلك قال النبي ◌َّ لأصحابه فى حجة الوداع: إذا أرد تم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا من البطحاء. ولأن ما اعتبر فيه
الحرم استوت فيه البلدة وغيرها كالنحر تنبيه ثالث: اختلف العلماء فى تقديم الاحرام على الميقات، قال العينى فى
شرح البخارى: قال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يحرم بالحج أو العمرة قبل المواقيت، فإن أحرم أحد قبلها وهو يمر
عليها فلا إحرام له ولا حج ولا عمرة له إلا أن ينوى إذا صار فى الميقات تجديد الاحرام فذاك جائز وإحرامه حينئذ
تام. وقال فى شرح الهداية: تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز بالإجماع. وقال داود الظاهرى: إذا أحرم قبل
هذه المواقيت لا حج له ولا عمرة. قلت: وكذا نقل الاجماع فى ذلك الخطابى والنووى وغيرهما . قال الحافظ: وفيه
نظر ، فقد نقل عن إسماق وداود وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، يشير إلى ما رواه البخارى فى باب
فرض مواقيت الحج والعمرة من طريق زيد بن جبير أنه أتى عبد الله بن عمر فى منزله فسألته (فيه التفات) من أين يجوز
أن أعتمر؟ قال فرضها رسول اللّه مَّ لأهل نجد من قرن، الحديث. قال الحافظ: ويؤيده القياس
على الميقات الزمانى فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه، وفرق الجمهور بين الزمانى والمكانى
فلم يجيزوا التقدم على الزمانى وأجازوا فى المكانى. وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح
التقدم، وقال مالك يكره. قال الحافظ: وظاهر نص البخارى أى تبويبه المذكور أنه لا يجيز الإحرام
بالحج والعمرة من قبل الميقات؛ ويزيد ذلك وضوحا ما سيأتى بعد قليل حيث قال: باب ميقات أهل المدينة ولا يهلون
قبل ذى الحليفة. قال الحافظ: استنبط البخارى من إيراد الخبر أى حديث ابن عمر أن رسول اللّه مريثم قال: يهل أهل
المدينة من ذى الحليفة، إلخ. بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعين ذلك، وأيضا فظم ينقل عن أحد من حج مع التي تؤثر أنه
أحرم قبل ذى الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرا - انتهى. وقال العينى: هذه
العبارة أى عبارة الترجمة تشير إلى أن البخارى من لا يرى تقديم الاهلال قبل المواقيت، وقال العينى أيضا: اختلفوا أى
القائلون بجواز التقديم هل الأفضل التزام الحج من المواقيت أو من منزله فقال مالك وأحمد وإسحاق: إحرامه من
المواقيت أفضل. وقال الثورى وأبو حنيفة والشافعى وآخرون: الاحرام من المواقيت رخصة، واعتمدوا فى ذلك
على فعل الصحابة فإنهم أحرموا من قبل المواقيت قالوا: وهم أعرف بالسنة وهم فقهاء الصحابة، أى وشهدوا إحرام
٣٦٠