النص المفهرس

صفحات 321-340

مرعاة المفاتيح ج٦
١٠ - كتاب المناسك
أ فأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك فى حجة الوداع.
حصین، فإن إسنادها ضعيف، ولعله كان فیه عن أبى الغوث حصین فزیدنی الرواية ابن أو أن أباالغوث كان مع أبيهحصین،
فسأل كما سأل أبوه وأخته والله أعلم - انتهى. وقيل الأحسن فى الجمع بين ذلك أن يقال إن البنت المذكورة فى رواية
أبي يعلى كانت مع عم لها لا مع أبيها، فإن التجوز فى رواية أبي يعلى من لفظ «معه بنت له)) أهون من التجوز فى جميع
الروايات المختلفة الواردة بلفظ «إن أبى شيخ كبير، فالابنة سألت عن أبيها، والعم سأل عن أبيه، وأيضا على ما أفاد
الحافظ لم يبق الحاجة إلى سؤاله عن أيه بعد ما سألت هى عنه (أفأحج عنه؟) أى أيجوزلى أن أنوب عنه فأحج عنه؟ لأن
ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر، والمعنى: أيصح منى أن أكون نائبة عنه فى الحج فأحج عنه (قال نعم)
وعند أحمد (ج ١: ص ٢١٢) ((فجى عن أيك)) (وذلك) أى جميع ما ذكر جرى (فى حجة الوداع) بمنى، والوداع
بفتح الواو وقيل بكسرها سميت بذلك لأنه مَ ◌ّم ودع الناس فيها ولم يحج بعد الهجرة غيرها ، وكانت فى سنة عشر من
الحجرة وفى الحديث دليل على جواز حج المرأة عن الرجل وبالعكس، وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز حج
المرأة عن الرجل ، قالوا: لأن المرأة تلبس فى الاحرام مالا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلا رجل مثله. وحديث الباب
يرد هذا القول. قال ابن بطال: لا خلاف فى جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، ولم يخالف فى جواز
حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح - انتهى. وقال ابن قدامة فى المغنى (ج ٣: ص ٢٣٣):
يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة، والمرأة عن الرجل والمرأة فى الحج فى قول عامة
أهل العلم، لا نعلم فيه مخالفا إلا الحسن بن صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل ، قال ابن
المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة، فإن النبي مؤ أمر المرأة أن تحج عن أبيها، وعليه يعتمد من
أجاز حج المرأ عن غيره. وفى الباب حديث أبى رزين (يعنى الذى يأتى فى الفصل الثانى) وأحاديث سواه - انتهى.
وفيه دليل على وجوب الحج على العاجز الذى يجد الاستطاعة بالغير ، قال الخطابي: فيه دليل على أن فرض الحج يلزم
من استفاد مالا فى حال كبره وزمانته إذا كان قادرا به على أن يأمرغيره فيحج عنه كما لو قدر على ذلك بنفسه - انتهى.
قلت: واختلف العلماء فيه قال ابن رشد: أما وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة فعند ما لك وأبى حنيفة
لا تلزم، وعند الشافعى تلزم، فيلزم على مذهبه الذى عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره إذا لم يقدر هو بدنه أن يحج
عنه غيره، وهى المسألة التى يعرفونها بالمعضوب وهو الذى لا يثبت على الراحلة - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣:
ص ٢٢٧): من وجدت فيه شرائط وجوب الحج وكان عاجزا عنه لمانع مأيوس من زواله كزمانة أو مرض لا يرجى.
زواله والشيخ الفانى متى وجد من ينوب عنه فى الحج ومالا يستنبيه به لزمه الحج، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى
٣٢١

مر عاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
وقال مالك: لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه لأنه تعالى قال: (من استطاع إليه سبيلا - ٣: ٩١) وهذا غير
مستطيع، ولنا حديث أبى رزين وحديث ابن عباس فى المرأة الخثعمية. وسئل على رضى الله عنه عن شيخ لا يجد
الاستطاعة قال يجهز عنه - انتهى. وقال الخطابي: استدل الشافعى بخير الختعمية على وجوب الحج على المعضوب
الزمن إذا وجد من يذل له طاعته من ولده وولدولده. ووجه ما استدل به من هذا الحديث أنها ذكرت وجوب فرض
الحج على أيها فى حال الزمانة ولا بد من تعلق وجوبه بأحد أمور إما بمال أو بقوة بدن أو وجود طاعة من ذى قوة ،
وقد علمنا عجزه بدنه ولم يجر المال ذكر وإنما جرى الذكر لطاعتها وبذلها نفسها عنه فدل على أن الوجوب تعلق به ،
ولمعلوم فى اللسان أن يقال: فلان مستطيع لأن ينى داره إذا كان يجد من يطيعه فى ابتنائها كما إذا وجد مالا ينفقه فى
بناءها، وكما لو قدر عليه بنفسه - انتهى. قال صاحب القرى: ولقائل أن يقول: استفسارها عن جواز الحج عنه وقع بعد
إخبارها بإدراك الفرض له ، فدل على تعلق الوجوب بأمر آخر غير الطواعية ، فإن من لم يعلم جواز حجه عن أيه لا
يعلم وجوب الحج على أبيه بطواعيته وهذا ظاهر لمن تأمله، وليس ذلك الأمر الآخر إلا المال لتعذر القسمين
الآخرين، أما الطواعية فلما ذكرناه، وأما القوة فى البدن فلا خبارها أن الفرض أدركه وهو بحالة العجز، هذا هو
الظاهر، ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره، وتكون هى قد علمت أن الاستطاعة بالمال كالاستطاعة بالبدن. وعلى
هذا يكون الحديث حجة على وجوب الحج على المعضوب بسبب الاستطاعة بالمال أو بطواعية الولد قياسا عليه ، وأما
غير الولد فيمكن إلحاقه به لوجود مطلق الاستطاعة - انتهى. وقال الحافظ: استدل بالحديث على أن الاستطاعة
تكون بالغير كما تكون بالنفس، وعكس بعض المالكية فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب قلت : فسر المالكية
الاستطاعة بإمكان الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة خلافا للأ ئمة الثلاثة فإنهم فسروها بالزاد والراحلة كما
سيأتى. قال ابن التين: الاستطاعة أن يقدر على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة، فمن كان عادته السفر
ماشيا أى وأمكن وصوله ماشيا لزمه أن يمشى وإنهم يحد راحلة ، ومن كان عادته تكفف الناس وأمكنه التوصل به لزمه
وإن لم يجد زادا، ومن كان عادته الركوب والغناء من الناس لم يلزمه الحج إلا بوجدان ذلك، وصرح الدردير أنه يجب
الحج على الأعمى القادر على المشى بقائد ولو بأجرة. وقال عياض: الاستطاعة عند مالك هى القدرة ولو على رجليه
دون مشقة فادحة. وقال الأكثر: هى الزاد والراحلة، وجاء فيه حديث وتأويله عندنا أنه أحد أنواع الاستطاعة لا
كلها. وما وقع من الاختلاف فى نقل مذهب أبي حنيفة بين ابن قدامة وابن رشد فهو مبنى على اختلاف الروايات
عنه كما سيأتى. قال القارى فى شرح اللباب فى شرائط وجوب الأداء: الأول منها سلامة البدن عن الأمراض والعلل
فقيل الصحيح أنه شرط الوجوب حسب على ما فى النهاية. وقال فى البحر: هو المذهب الصحيح. وقيل: إنه من شرط
٣٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠- كتاب
الأداء على ما صححه قاضى خان فى شرح الجامع، واختاره كثير من المشائخ، منهم ابن الهمام ، فعلى الأول لا يجب على
الأعمى والمقعد والمعضوب أى الضعيف والزمن الذى لا حراك به على ما فى القاموس، والمراد هنا الشيخ الكبير الذى
لا يثبت على الراحلة. قال ابن الهمام: ففى المشهور عن أبى حنيفة أنه لا يلزمهم الحج. قال فى البحر: وهذا عند أبى حنيفة
فى ظاهر الرواية وهو رواية عنهما. وقالا فى ظاهر روايتهما وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة أنه يجب على هؤلاء إذا
ملكوا الزاد والراحلة ومؤنة من يرفعهم ويضعهم. والخلاف المذكور فى من وجد الاستطاعة وهو معذور، أما إن
وجدها وهو صحيح ثم طرأ عليه العذر فالاتفاق على الوجوب - انتهى مختصراً واستدل بحديث الباب على وجوب
الاستنابة على العاجز عن الحج الفرض، وقال عياض: لا حجة فيه لذلك، لأن قولها «إن فريضة الله على عباده، إلخ، لا
يوجب دخول أبيها فى هذا الفرض، وإنما الظاهر من الحديث أنها أخبرت أن فرض الحج بالاستطاعة نزل وأبوها غير
مستطيع فسألت هل يباح لها أن تحج عنه ويكون له فى ذلك أجر؟ يعنى أن معنى قولها المذكور أن إلزام الله عباده بالحج
الذى وقع بشرط الاستطاعة صادف أبى بصفة من لا يستطيع فهل أحج عنه أى هل يجوز لى ذلك أوهل فيه أجر
ومنفعة؟ فقال نعم. ولا يخالفه قوله فى رواية ملحجى عنه)) لأنه أمر ندب وإرشاد ورخصة لها أن تعمل لما رأى من
حرصها على تحصيل الخير لأبيها. قال الحافظ وتعقب بأن فى بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الاجزاء فيتم
الاستدلال، وفى بعض طرق مسلم ((إن أبى عليه فريضة الله فى الحج)) ولأحمد فى رواية «والحج مكتوب عليه)
انتهى. قلت: قولها (أدركت أبى» يرد التأويل الذى ذكره عياض فإنه صريح فى إدراك الفرض له، والظاهر من
إدراك الفرض للإنسان اللزوم وصرف اللفظ عن ظاهره خلاف الأصل وادعى بعض المالكية أن هذه القصة
مختصة بالخعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير حكاه عنه ابن عبد البر وتعقب بأن
الأصل عدم الخصوصية واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين
فراد فى الحديث ((حج عنه وليس لأحد بعده، ولا حجة فيه لضعف الإسناد مع إرسالهما، وقد عارضه قوله
فى حديث الجهنية فى باب الحج والنذر عن الميت عند البخارى (((قضوا الله فالله أحق بالوفاء، وادعى آخرون
منهم أن ذلك خاص بالاين يحج عن أبيه ولا يخفى أنه جمود واستدل بحديث الباب على جواز الحج عن غيره إذا كان
لا يستطيع الحج بنفسه وأنه ليس كالصلاة والصوم وسائر الأعمال البدنية وأنه صلى الله عليه وسلم أخبر
بذلك أن الله عز وجل إنما أراد بقوله { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى - ٥٣: ٤٠) بعض الأعمال دون بعض .قال ابن
العربى: حديث الخثعمية حديث متفق على صحته فى الحج خارج عن القاعدة المستقرة فى الشريعة من أن ليس للإنسان إلا ما
سعى، رفقا من الله فى استدراك ما فرط فيه المرأبولده وماله، وتعقب بأنه يمكن أن يدخل فى عموم السعى وبأن عموم السعى
٣٢٣

-يح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
فى الآية مخصوص اتفاقا وقال الخطابي: فى هذا الحديث بان جواز حج الإنسان عن غيره حيا وميتا وأنه ليس كالصلاة
والصيام وسائر الأعمال البدنية التى لا تجرى فيها النيابة، وإلى هذا ذهب الشافعى ، وكان مالك لا يرى ذلك وقال
لا يجزئه إن فعل وهو الذى روى حديث ابن عباس، وكان يقول فى الحج عن الميت إن لم يوص به الميت أن تصدق
عنه وأعتق أحب إلى من أن يحج عنه، وكان إبراهيم النخعى وابن أبي ذئب يقولان لا يحج أحد عن أحد ،
والحديث حجة على جماعتهم - انتهى. وقال العينى: فى الحديث جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبا وبه قال
أبو حنيفة وأصحابه والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق، وقال مالك والليث والحسن بن صالح لا يحج أحد عن أحد إلا
عن ميت لم يحمج حجة الإسلام، وحاصل ما فى مذهب مالك ثلاثة أقوال، مشهورها لا يجوز، ثانيها يجوز من الولد،
ثالثها يجوز إن أوصى به. وعن النخعى وبعض السلف لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره ، وهى رواية عن مالك
وإن أوصى به قال القرطبى: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن يعنى قوله تعالى (ليس للإنسان
إلا ما سعى - ٥٣: ٤٠) فرجح ظاهر القرآن، ولا شك فى ترجيحه من جهة تواتره ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة
ظنت ظنا، قال: ولا يقال: قد أجابها النبي ◌َّ على سؤالها، ولو كان ظنها غلطا لبينه لها، لأنا نقول: إنما أجابها عن قولها
(أفأحج عنه؟ قال حجى عنه) لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأيها - انتهى. وتعقب بأن فى تقرير التى رؤلتر
لها على ذلك حجة ظاهرة ، وأما ما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد فى الحديث ((حج عن أيك، فإن لم
يزده خيرا لم يزده شراء فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها للخالف، كذا فى الفتح،
وذكر ابن حزم فى المحلى (ج ٧: ص ٥٨) حديث ابن عباس هذا من طريق عبد الرزاق ثم أجاب عنه وقد أحسن فى
الجواب فارجع إليه وأجاب بعض المالكية عن حديث الختعمية بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع
وليس فى شئ منن طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية فلا تصح النيابة فيها كالصلاة وقد نقل الطبرى
وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل فى الصلاة، قالوا: ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء وهو
لا يوجد فى العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن فيه يظهر الانقياد أو النفور بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص
المال، وهو حاصل بالنفس وبالغير وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح لأن عبادة الحج مالية بدنية معا فلا
يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازري: من غلب حكم البدن فى الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلب
حكم المال ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكية الحج عن الميت إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك فى الصلاة، وبأن حصر الابتلاء
فى المباشرة منوع لأنه يوجد فى الآمر من بذله المال فى الأجرة كذا فى الفتح. قلت: ويعتضد تغليب حكم المال بحديث
الخثعمية وغيره من الأحاديث الواردة فى الحج عن الغير حيا وميتا ، وسيأتى مزيد الكلام فى مسئلة المستطيع بغيره فى
٣٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
شرح حديث ابن عمر سادس أحاديث الفصل الثانى وللمسئلة فروع مفيدة جدا يجب معرفتها منها: أنه لافرق
عند الجمهور بين من وجد الاستطاعة وهو معذور ومن وجدها وهو صحيح ثم طرأ عليه العذر لظاهر حديث الخثعمية
خلافا لما هو المشهور عن أبى حنيفة . فإن قيل ظم لا يجوز أن يكون الحج مستقرا فى ذمته قبل العضب؟ ثم لما طرأ العضب
سألت عن أداء ما كان واجبا عليه ويدل عليه رواية أخرى عند مسلم بلفظ «إن أبى شيخ كبير عليه فريضة الله فى الحج
.وهو لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره )، فقال النبى مَّ فحجى عنه، وكذلك رواية أحمد ((والحج مكتوب عليه، قلنا
لا دلالة فى هذا الحديث على وقت الادراك بل هو مجمل والحديث الأول مبين له، وهو قولها ((أدركت أبى شيخا كبيرا»
أى فى هذه الحالة ويكون هذا السؤال وقع منها مرتين ذكرت فى إحداهما وقت الإدراك وفى الأخرى أخبرت أن عليه
الفرض ، وتريد الذى أدركه فى تلك الحال فيجمع بين الحديثين إذ لا تضاد بينهما ومنها: أنهم اختلفوا فيما إذا عوفى
المعضوب فقال الجمهور: لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن ميئوسا منه، وقال أحمد وإسحاق: لا تلزمه الإعادة كذا فى الفتح
وقال النووى فى مناسكه: ولو استناب المعضوب من يحج عنه فحمع عنه ثم زال العضب وشفى لم يجزه على الأصح بل عليه أن
يحج. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٢٨): ومتى أحج هذا (أى العاجز عن الحج لمانع مأيوس من زواله كزمانة)
عن نفسه ثم عوفى لم يجب عليه حج آخر، وهذا قول إسحاق ، وقال الشافعى وأصحاب الرأى وابن المنذر: يلزمه لأن
هذا بدل إياس فإذا برأ تبين أنه لم يكن مأيوسا منه فلزمه الأصل. ولنا أنه أتى بما أمر به فخرج عن العهدة كما لو لم
بيرأ، أو نقول أدى حجة الإسلام بأمر الشارع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه، ولأن هذا يفضى إلى إيجاب حجتين
عليه، ولم يوجب اللّه عليه إلا حجة واحدة - انتهى. وقال فى الهداية: والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت، لأن
الحج فرض العمر. قال ابن الهمام: وإنما شرط دوامه إلى الموت لأن الحج فرض العمر فحيث تعلق به خطابه لقيام
الشروط وجب عليه أن يقوم هو بنفسه فى أول أعوام الامكان، فإذا لم يفعل أثم ، وتقرر القيام بها بنفسه فى ذمته فى مدة
عمره، وإن كان غير متصف بالشروط فإذا عجز عن ذلك بعينه وهو أن يعجزعنه فى مدة عمره رخص له الاستتابة رحمة
وفضلا منه فحيث قدر عليه وقنا ما من عمره بعد ما استناب فيه لعجز لحقه ظهر انتفاء شرط الرخصة ومنها : ما قال ابن
قدامة (ج ٣: ص ٢٢٩): من يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه ليس له أن يستنيب فإن فعل لم يجزئه وإن لم يبرأ،
وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة له ذلك ويكون ذلك مراعى، فإن قدر على الحج بنفسه لزمه وإلا أجزأه ذلك لأنه
عاجز عن الحج بنفسه أشبه المأيوس من برئه، ولنا أنه يرجو القدرة على الحج بنفسه فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه إن
فعل كالفقير، وفارق المأيوس من برئه لأنه عاجز على الإطلاق آيس من القدرة على الأصل فأشبه الميت، ولأن النص إنما
ورد فى الحج عن الشيخ الكبير وهو من لا يرجى منه الحج بنفسه فلا يقاس عليه إلا من كان مثله فعلى هذا إذا استناب من يرجو
٣٢٥

جرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
القدرة على الحج بنفسه ثم صار مأيوسا من برته فعليه أن يحج عن نفسه مرة أخرى لأنه استناب فى حال لا تجوز له الاستنابة فيها
فأشبه الصحيح -انتهى. وفى الغنية (ص ١٧٢): فى شرائط النيابة فى الحج الفرض دوام العجز إن كان لعذر یرجی زواله
عادة كالحس والمرض فلو عجز فأحج عنه فرضا كان أمره موقوفا ، فإن دام عجزه حتى مات ظهر أنه وقع مجزئا عن
فرضه وإن قدر عليه وقنا ما ظهر أنه وقع نفلا له، وإن كان لعذر لا يرجى زواله عادة كالزمانة والعمى لا يشترط دوامه إلى
الموت، إلى آخر ما قال ، وارجع لمزيد التفصيل إلى رد المحتار وقال الحافظ فى الفتح: واتفق من أجاز النيابة فى الحج
على أنها لا تجزئ فى الفرض إلا عن موت أو عضب، فلا يدخل المريض لأنه يرجى برئه، ولا المجنون لأنه ترجى
إفاقته، ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير لأنه يمكن استغناء، ومنها: ما قال النووي: أما
المعضوب فلا يصح الحج عنه بغير إذنه يعنى فى الفرض لأنه قال بعد ذلك: وتجوز الاستنابة فى حج التطوع للميت
والمعضوب على الأصح - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٣٤): ولا يجوز الحج والعمرة عن حى إلا بإذنه
فرضا كان أو تطوعا لأنها عبادة تدخلها النيابة فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه، فأما الميت فتجوز عنه بغير إذن واجبا
كان أو تطوعا، لأن النبي ◌َّم أمر بالحج عن الميت وقد علم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة - انتهى.
وعند الحنفية فيه تفصيل كما فى شرح اللباب والغنية ومنها: أنه نقل ابن المنذر وغيره الاجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من
يقدر على الحج بنفسه فى الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبى حنيفة خلافا للشافعى ، وعن أحمد راوايتان كذا فى
الفتح. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٣٠): لا يجوز أن يستنيب فى الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعاً. قال ابن
المنذر: أجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئ أن يحج غيره عنه، والحج المنذور كحجة
الإسلام فى إباحة الاستنابة عند العجز والمنع منها مع القدرة لأنها حجة واجبة، فأما حج التطوع فينقسم أقساما ثلاثة أحدها
أن يكون من لم يؤدحجة الا سلام فلا يجوز أن يستنيب فى حجة التطوع. الثانى أن يكون من قد أدى حجة الإسلام وهو غاجز
عن الحج بنفسه فيصح أن يستيب فى التطوع، والثالث أن يكون قد أدى حجة الإسلام وهو قادر على الحج بنفسه فهل
له أن يستنيب فى حج التطوع؟ فيه روايتان، إحداهما: يجوز وهو قول أبى حنيفة ، والثانية: لا يجوز وهو مذهب
الشافعى، لأنه قادر على الحج بنفسه فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض - انتهى. وفى الهداية: تجوز الإنابة فى الحج النفل
حالة القدرة، لأن باب النفل أوسع ومنها: أن من حج عن غيره وقع الحج عن المستنيب خلافا لمحمد بن الحسن
فقال بقع عن المباشر والحجوج عنه أجر النفقة. قال العينى: ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه لحديث
الختعمية، وعند محمد أن الحج يقع عن الحاج وللآخر ثواب النفقة - انتهى. وقال القارى: فى الحديث دليل على أن
الحج يقع عن الآمر وهو مختار شمس الأئمة السرخسى وجمع من المحققين وهو ظاهر المذهب ومنها : أنه استدل
٣٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
الحنفية بعموم حديث الختعمية على جواز مصحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور لخصوه ؟ن حج عن نفسه،
واستدلوا بحديث ابن عباس فى شبرمة الآتى فى الفصل الثانى. قال العينى: فيه أى فى حديث الختعمية ما يدل على أنه
يجوز للرجل أن يحج عن غيره وإن لم يكن حج عن نفسه لإطلاق الحديث ولم يسألها أحججت عن نفسك أم لاوهو مذهب
أبى حنيفة ومالك وأحمد فى رواية ويحكى كذلك عن الحسن وإبراهيم وأيوب وجعفر بن محمد، وقال الأوزاعى والشافعى
(وأحمد فى روايته المشهورة عند أصحابه) وإسحاق: ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره فإن فعل وقع
إحرامه عن حجة الإسلام ، وقال أبو بكر عبد العزيز: يقع الحج باطلا ولا يصح عنه ولا عن غيره وروى ذلك عن
ابن عباس - انتهى. وأجاب الحنفية عن حديث شبرمة بأنه مضطرب معلول، وبأنه محمول على الندب بدليل إطلاقه
عليه الصلاة والسلام قوله للخثعمية حجى عن أبيك من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك، وترك الاستفصال فى
وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم الخطاب فيفيد جوازه عن الغير مطلقا ، وحديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجة
لفسه وبذلك يحصل الجمع. قلت: حديث شبرمة حديث صحيح أو حسن صالح للاحتجاج ، وكل ما ذكروه فى تعليله
مدفوع ومردود كما سترى عند شرحه، وأما ما ذكروه من حمله على الاستحباب متمسكون على ذلك بحديث الختعمية
فقد تعقبه صاحب فتح الملهم (ج ٣: ص ٣٧٢) بأن سؤال الختعمية إنما وقع بعد دفعه مَ فيه من المزدلفة إلى منى حين
كان الفضل رديفه فكيف يتصور استفسارها عن مسئلة النيابة فى تلك الحجة بعد فراغها من الوقوف بعرفة، فالظاهر أنها
حجت مع النبي ◌ُّ ثم سألت هل تحج عن أبيها أى فيما يستقبل من الزمان إذا أرادت فقال النبى مَ ◌ّ نعم حجى
عنه، ولما كان حجها عن نفسها معلوما مشهودا لم يحتج مَّ إلى استخبارها عنه حتى يقال إن ترك الاستفصال فى وقائع
الأحوال ينزل منزلة عموم الأحوال، وحينئذ ارتفع التعارض بين حديث الخثعمية وبين حديث شبرمة رأسا - انتهى.
وفى حديث الخثعمية من الفوائد: جواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة كالاستفتاء عن العلم والترافع فى
الحكم والمعاملة، و فیہ أن المرأة تكشف وجهها فى الاحرام وهو إجماع حكاه ابن عبد البر ، ویدل له قوله څے ولا
تتقب المرأة، وفيه بيان ما ركب فى الآدمى من الشهوة وجبلت طباعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة. قال
القرطبى : كان هذا النظر أى نظر الفضل إلى المرأة ونظرها إلى الفضل بمقتضى الطباع البشرية فإنها مجبولة على النظر إلى
الصورة الحسنة ففى نظر أحدهما إلى الآخر مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الشهوات ، وفيه مع
النظر إلى الأجنبيات ووجوب غض البصر خوف الفتنة فى حق الرجال والنساء جميعا لأنه لا فرق في ذلك بين الرجل
والمرأة، وكان الفضل أبيض حسن الشعر وسيما، وكذا المرأة كانت حسناء، وفى صرف وجه الفضل بل عنقه ووضع
يده عليه مبالغة فى منعه فإن المنع بالفعل أبلغ من القول، وروى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن
٣٢٧

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
متفق عليه .
٢
٢٥٣٦ - (٨) وعنه، قال: أتى رجل النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أختى نذرت أن تحج،
النبي ◌َّ قال الفضل حين غطى وجهه يوم عرفة: هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ، ولم ينقل أنه نهى
المرأة عن النظر فيحتمل أنه اجتزأ بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه لأن حكمهما واحد، أو تنبهت
لذلك ، أو كان ذلك الموضع هو محل نظره الكريم فلم يصرف نظرها. واستدل ابن حزم بهذا الحديث على أن وجه
المرأة ليس بعورة إذ قال لو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرما على كشفه بحضرة الناس ولأمرها أن تسبل عليه من
فوق ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هى أم شوهاء ـ انتهى. ولا يخفى على المتأمل المنصف ما فى
هذا الاستدلال (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج والمغازى والاستيذان، ومسلم فى الحج، وأخرجه أحمد
(ج ١: ص ٢١٩) وأبو داود والنسائي وابن ماجه ومالك والدارمى وابن الجارود (ص ١٧٧) والبيهقى (ج ٤ :
ص ٣٢٨ ، ٣٢٩ ، و ج٥ : ص ١٧٩) وابن حزم (ج ٧ ص ٥٦ ، ٥٧) والشافعی (ج ١ : ص ٢٨٧) وفى الباب
عن بريدة عند أحمد ومسلم والترمذى والحاكم، وعن عبد الله بن الزبير عند أحمد والنسائى والبيهقى، وعن سودة بنت
زمعة عند أحمد والطبرانى والبيهقى، وعن أبى رزين وسيأتى فى الفصل الثانى، وعن أنس عند البزار والطبرانى فى
الكبير والأوسط، وعن عقبة بن عامر عند الطبرانى فى الكبير والأوسط، وعن على عند أحمد، وعن الفضل بن عباس
عند أحمد والشيخين والأربعة والبيهقى وغيرهم .
٢٥٣٦ - قوله (أتى رجل النبي ◌َّم فقال إن أختى) إلخ، كذا وقع فى النذور عند البخارى من رواية آدم
عن شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ووقع فى الحج والاعتصام عنده من طريق أبي عوانة عن
أبى بشر بلفظ «إن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى ◌َّم فقالت: إن أمى نذرت أن تحج)، ورجح الحافظ فى النذور
هذه الرواية أى كون السائل امرأة، وقال فى الحج بعد ذكر رواية شعبة: فإن كان محفوظا احتمل أن يكون كل من الأخ
سأل عن أخته والبنت سألت عن أمها ، وقال الشوكانى: لا منافاة بين الروايتين لأنه يحتمل أن تكون القصة متعددة وأن
تكون متحدة، ولكن النذر وقع من الأخت والأم فسأل الأخ عن نذر أخته والبنت عن نذر الأم ـ انتهى. وسمى
الحافظ فى المقدمة (ص ٣٩١) الرجل السائل عن الأخت عقبة بن عامر إذ قال: حديث ابن عباس («قال أتى رجل فقال
إن أختى نذرت)، هو عقبة بن عامر ولم قسم أخته. وقال فى المرأة الجهنية إنها امرأة سنان بن سلمة الجهنى كما فى النسائى
ولأحمد «سنان بن عبد اللّه) وهو أصح. وفى الطبرانى أنها عمته ولم تسم أمها. وقال فى الفتح: إن ما فى النسائى لا يفسر
به المبهم فى حديث ابن عباس فى المرأة الجهنية لأن فيه أن المرأة سألت بنفسها، وفى النسائى أن زوجها سأل لها ، ويمكن
٣٢٨
١

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
وإنها ماتت. فقال النبى معَة: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض دين الله
فهو أحق بالقضاء.
الجمع بأن نسبة السؤال إليها مجازية، وإنما الذى تولى لها السؤال زوجها. قال: ولم أقف على اسمها ولا على اسم أيها ،
لكن فى حرف الغين المعجمة من الصحابيات لابن مندة عن ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراسانى عن أبيه، أن غائية أو
غايئة أتت النبي ◌ُ ◌ّ فقالت: إن أمى ماتت وعليها نذر أن تمشى إلى الكعبة. وجزم ابن طاهر فى المبهمات بأنه اسم الجهنية
المذكورة فى حديث ابن عباس لكن قال الذهبي أرسله عطاء ولا يثبت، ثم ذكر الحافظ رواية ابن عباس عن سنان بن
عبد الله الجهنى أن عمته حدثته أنها أتت النبي ◌ُّ فقالت: إن أمى توفيت وعليها مشى إلى الكعبة نذرا، الحديث، ثم
قال فإن كان محفوظا حمل على واقعتين بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة وبأن تكون عمته سألت
بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسر ((من)) فى حديث الجهنية بأنها عمة سنان واسمها غائية كما تقدم، ثم إنه قيل: إن
حديث الجهنية مضطرب لأنه قد روى أن هذه المرأة قالت: إن أمى ماتت وعليها صوم شهر ، وأجيب بأنه محمول على
أن المرأة سألت عن كل من الصوم والحج، ويؤيد ذلك ما عند مسلم عن بريدة قالت: إن أمی، وفيه «يا رسول الله إنه
كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال صومى عنها، قالت إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال حجى عنها، (وإنها ماتت)
أى ولم تف بنذرما (لو كان عليها دين) لمخلوق (أ كنت قاضيه) بالنصب أى الدين عنها (فاقض دين الله) كذا فى جميع
نسخ المشكاة ، وفى المصابيح وهكذا وقع فى نسخة العينى للبخارى وكذا ذكره الحافظ فى الفتح، ووقع فى
متن القسطلانى ومتن الفتح طبعة الهند، وفى جامع الأصول (ج ٤: ص ١٩٨): فاقض الله أى حقه أو
دينه (فهو أحق بالقضاء) أى فدين الله أحق بالأداء من غيره، وفى الحديث دليل على صحة النذر
بالحج من لم يحج، فإذا حج أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور، وعليه الحج عن السذر، وقيل يجزى عن
النذر ثم يحج عن حجة الإسلام، وقيل يجزئ عنهما، وارجع إلى القرى لقاصد أم القرى (ص ٦٢) وفيه
أيضا دليل على أن من مات وفى ذمته حق لله تعالى من حج أو كفارة أو نذر فإنه يجب قضاءه، وفيه دليل أيضا على
أن الناذر بالحج إذا مات ولم يحمج أجزأه إن يحج عنه الوارث أو غيره لعدم استفصاله مَّم للأخ هل هو وارث أولا ،
وترك الاستفصال فى مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم فى المقال كما تقرر فى الأصول، ويدل على ذلك أيضا قوله («فاقض
دين الله فهو أحق بالقضاء، وقوله فى حديث الجهنية ((اقضوا اللّه فالله أحق بالوفاء، وفيه مشروعية القياس وضرب
المثل ليكون أوضح وأوقع فى نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه ،
وفيه تشبيه المجهول حكمه بالمعلوم، فإنه دل على أن قضاء الدين المالى من الميت كان معلوما
٣٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
متفق عليه .
عندهم متقررا ولهذا حسن الإلحاق به، وفيه أنه يستحب للفتى التنبيه على وجه الدليل إذا ترتب على
ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتى وأدعى لا ذعانه، وفيه دليل على جواز الحج عن الميت وإن لم يوص لا لحاقه
وتشبيهه بالدين. وقال مالك: إنما يحج عنه إذا أوصى، وإذا أوصى حج من الثلث قال الأمير اليمانى: دل الحديث
على وجوب التحجيج عن الميت سواء أوصى أم لم يوص لأن الدين يجب قضاءه مطلقا، وكذا سائر الحقوق المالية من
كفارة ونحوها ، وإلى هذا ذهب ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعى ويجب إخراج الأجرة من رأس المال
عندهم أى مقدما على الوصايا والميراث كدين الآدمى. وقال الحافظ: فى هذا الحديث أن من مات وعليه حج وجب
على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله كما أن عليه قضاء ديونه فقد أجمعوا على أن دين الآدمى من رأس المال
فكذلك ما شبه به فى القضاء ويلتحق بالحج كل حق ثبت فى ذمته من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك. وفى قوله
(فالله أحق بالوفاء، دليل على أنه مقدم على دين الآدمى وهو أحد أقوال الشافعى، وقيل بالعكس، وقيل هما سواء - انتهى
وقال العينى: قيل إذا اجتمع حق الله وحق العباد يقدم حق العباد، فما معنى ((فهو أحق))؟ أجيب بأن معناه إذا كنت
تراعى حق الناس فلأن تراعى حق الله كان أولى ولا دخل فيه التقديم والتأخير إذ ليس معناه أحق بالتقديم - انتهى. قال
الظبى: فى الحديث إشعار بأن المسؤل عنه خلف مالا فأخبره التى مؤ لم أن حق الله مقدم على حق العباد واجب عليه
الحج عنه ، والجامع علة المالية، وتعقبه الحافظ والعينى بأنه لا يتحتم فى الجواب المذكور أن يكون خلف مالا كما زعم،
لأن قوله ((أكنت قاضيه)) أعم من أن يكون المراد ما خلفه أو برعا- انتهى. قلت: ووافق الشافعى أحمد فى التحجيج عن
الميت من رأس المال. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٤٢): متى توفى من وجب عليه الحج ولم يحج وجب أن يخرج من
جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط ، وبهذا قال الشافعى ، وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط
بالموت، فإن أوصى بها فهى من الثلث، وبهذا قال الشعبى والنخعى - انتهى. وعند الحنفية فى ذلك تفصيل كما فى شرح
الثباب والغنية (ص ١٧٣) قالوا إذا تبرع أحد بدون الوصية أجرأ إن شاء اللّه وقال النووى: تجب الاستنابة عن الميت
إذا كان قد استطاع فى حياته ولم يحج، هذا إذا كان له تركة، وإلا فلا يجب على الوارث، ويجوز للوارث والأجنبى الحج
عنه سواء أوصى به أولم يوص ـ انتهى، وأستدل بالحديث على أنه يصح ممن لم يحج أن يحج نيابة عن غيره لأنه مزّ
لم يسأله حج عن نفسه أم لا؟ ولأنه تمدفع شبهه بالدين ورد بأنه سيأتى فى حديث شبرمة ما يدل على عدم إجزاء حج
من لم يحج عن نفسه، وأما مسألة الدين فإنه لا يجوز له أن يصرف ماله إلى دين غيره وهو مطالب بدين نفسه (متفق عليه)
هذا وهم من المصنف فإن الحديث من أفراد البخارى، أخرجه فى النذور، وأخرجه بقصة الجهنية فى الحج، وفى
الاعتصام، وأما مسلم فلم يخرجه أصلا، ولعل المصنف قلد فى ذلك صاحب جامع الأصول، والله أعلم. والحديث
٣٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
٢٥٣٧ - (٩) وعنه، قال: قال رسول اللّه مَي: لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا
ومعها محرم.
أخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٤٠) والنسائى فى الحج وابن الجارود (ص ١٧٨) وابن حزم (ج ٧: ص ٦٣)
والبيهقى (ج ٥ : ص ١٧٩).
٢٥٣٧ - قوله (لا يخلون) أكد النهى مبالغة (رجل بامرأة) أى أجنبية. فيه حرمة اختلاء الأجنبى مع المرأة
وهو إجماع كما قال فى الفتح. وقد ورد فى حديث ((فإن ثالثهما الشيطان) واختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه فى هذا بأن
يكون معهما من يزيل معنى الخلوة كالنسوة الثقات مثلا فقيل إنه يقوم لضعف التهمة به لأن المعنى المناسب للنهى إنما هو
خشية أن يوقع بينهما الشيطان الفتنة ، وقال القفال: لا يجوز بل لا بد من المحرم عملا بلفظ الحديث. قال الشوكانى:
وهو ظاهر الحديث، قلت: وكذلك يحرم الخلوة بالأجنبية لوكان معهما من لا يستحيى منه لصغره كابن سنتين وثلاث
ونحو ذلك فإن وجوده كالعدم (ولا تسافرن امرأة) أى شابة أو عجوز سفرا طويلا أو قصيرا للحج أو غيره (إلا
ومعها محرم) بفتح الميم وتخفيف الراء أى من يحرم عليه نكاحها من الأقارب كاب وأخ وعم وخال ومن يجرى مجراهم
كزوج كما جاء مصرحا فى رواية للشيخين من حديث أبي سعيد «إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها، وفى أخرى (إلا ومعها
أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها، قال ابن دقيق العيد لم يتعرض هنا للزوج وهو موجود فى رواية
أخرى ولا بد من إلحاقه بالحكم بالمحرم فى جواز السفر معه (وكذا الخلوة بها) اللهم إلا أن يستعمل لفظة الحرمة فى
إحدى الروايتين فى غير معنى المحرمية استعمالا لغويا فيما يقتضى الاحترام فيدخل فيه الزوج لفظا - انتهى. قال الحافظ :
وفى آخر حديث ابن عباس هذا ما يشعر بأن الزوج يدخل فى مسمى المحرم فإنه لما استثنى المحرم فقال القائل: إن امرأتى
حاجة. فكانه فهم إدخال الزوج فى المحرم ولم يرد عليه ما فهمه بل قيل له أخرج معها ، والاستثناء من الجملتين كما هو
مذهب الشافعى لا من الجملة الأخيرة لكنه منقطع لأنه متى كان معها محرم لم يبق خلوة فتقدير الحديث لا يقعدن رجل
مع امرأة إلا ومعها محرم، والواو فى «ومعها)) للحال أى لا يخلون فى حال إلا فى هذه الحال ، ووقع فى رواية للبخارى
لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم. قال القسطلانى: أى لها وقال النووى:
يحتمل أن يريد محرما لها ، أو له. وهذا الاحتمال الثانى هو الجارى على قواعد الفقهاء فإنه لا فرق بين أن تكون معها
محرم لها كأبيها وابنها وأخيها وأمها وأختها أو يكون محرما له كاخته وبنته وأمه وعمته وخالته فيجوز القعود معها فى
هذه الأحوال. قال: وحقيقة المحرم أى عند الشافعية من النساء التى يجوز له النظر إليها والخلوة بها والمسافرة معها:
كل من حرم نكاحها على التأييد بسبب مباح لحرمتها. يخرج بالتأييد أخت الزوجة وعمتها وخالتها ونحوهن، وخرجت
٣٣١

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
مے
بسبب مباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنهما تحرمان على التأييد وليستا محرمين، لأن وطى الشبهة لا يوصف بالإباحة
لأنه ليس بفعل المكلف، وخرج بقوله لحرمتها الملاعنة، لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظا، والمحرم عام
فيشمل محرم النسب كأبيها وابنها وأخيها وابن أخيها وابن أختها وخالها وعمها، ومحرم الرضاع كاخيها من الرضاع
وابن أخيها وابن اختها منه ونحوهم، ومحرم المصاهرة كابى زوجها وابن زوجها، فيجوز لكل هؤلاء السفر بها والخلوة
بها والنظر إليها من غير حاجة لكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم هذا مذهب الشافعى والجمهور ووافق مالك على ذلك
كله إلا ابن زوجها فكره سفرها معه الفساد الناس بعد العصر الأول ولأن كثيرا من الناس لا ينزل زوجة الأب فى
النفرة عنها منزلة محارم النسب والمرأة فتنة إلا فيما جبل الله النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب. قال النووي:
وعموم هذا الحديث يرد على مالك، وقال ابن دقيق العيد: الحديث عام ، فإن عنى بالكراهة التحريم مع محرمية ابن
الزوج فهو مخالف لظاهر الحديث بعيد، وإن عنى كراهة التنزيه للعنى المذكور فهو أقرب تشوفا إلى المعنى ، وقد فعلوا
مثل ذلك فى غير هذا الموضع ، وما يقويه ههنا قوله ((لا يحل)) (فى حديث ابن عمر عند الشيخين وحديث أبى هريرة عند
مسلم وغيره) استثنى منه السفر مع المحرم فيصير التقدير، إلا مع ذي محرم» فيحل ويبقى النظر فى قولنا ويحل، هل يتناول
المكروه أم لا بناء على أن لفظة «يحل، يقتضى الاباحة المتساوية الطرفين، فإن قلنا لا يتناول المكروه فالأمر قريب
مما قاله إلا أنه تخصيص يحتاج إلى دليل شرعى عليه، وإن قلنا يتناول فهو أقرب لأن ما قاله لا يكون حينئذ
منافيا لمادل عليه اللفظ -انتهى. وفى الحديث دليل على تحريم سفر المرأة من غير محرم وهو مطلق فى قليل السفر
وكثيره وفى سفر الحج وغيره، وقد وردت أحاديث مقيدة لهذا الإطلاق إلا أنها اختلفت ألفاظها ففى لفظ ((لا
تسافر ثلاثا، وفى آخر ((فوق ثلاث)) وفى آخر ((يومين)) وفى آخر ((يوما وليلة، وفى آخر ((يوما)) وفى
آخر .ليلة)) وفى آخر «بريدا)، وهو عند أبي داود والحاكم والبيهقى، وفى آخر «ثلاثة أميال)» وهو عند الطبرانى، قال
الحافظ: وقد عمل أكثر العلماء فى هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات. وقال العينى: فى هذا الحديث أن المرأة
لا تسافر إلا مع ذي محرم ، وعموم اللفظ يتناول عموم السفر فيقتضى أن يحرم سفرها بدون ذى محرم معها سواء كان
سفرها قليلا أو كثيرا للحج أو غيره ، وإلى هذا ذهب إبراهيم النخعى والشعبي وطاوس والظاهرية، واحتج هؤلاء أيضا
بحديث أبى هريرة الآتى- انتهى. قال عياض بعد ذكر الألفاط المختلفة فى التقييد: هذا كله ليس يتنافر ولا يختلف،
وقد يكون هذا فى مواطن مختلفة ونوازل متفرقة فحدث كل من سمعها بما بلغه منها وشاهده، وإن حدث بها واحد فحدث
مرات بها على اختلاف ما سمعها - انتهى. وقال النووى: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف
المواطن. قال البيهقى: كانه تَّ سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم
٣٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
فقال لا، وسئل عن سفرها يوما فقال لا ، وكذلك البريد، فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفا عن راو واحد
فسمعه فى مواطن فروى تارة هذا وتارة هذاوكله صحيح، وليس فى كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد مَو ◌ّه
تحديد أقل ما يسمى سفرا، فالحاصل أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو
يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة فإنها تتناول جميع ما يسمى سفرا ـ انتهى. وقد يمكن
أن يجمع بينها بأن اليوم المذكور مفردا والليلة المذكورة مفردة بمعنى اليوم والليلة المجموعين فمن أطلق يوما أراد بليلته
أو ليلة أراد بيومها ، وهكذا عادة العرب يطلقون الليالى ويريدون بعددها من الأيام، ويكون ذكره يومين مدة مغيبها فى
هذا السفر فى الذهاب والاياب يعنى أشار عند جمعهما إلى مدة الذهاب والرجوع، وعند إفرادهما أشار إلى قدر ما تقضى
فيه الحاجة ، والثالث أى الوسط بين السير والرجوع لقضاء الحاجة فى المقصد فأشار مرة إلى مسافة السفر ومرة إلى مدة
الغيبة، وهكذا ذكر الثلاث فقد يكون اليوم الوسط بين الذهاب والرجوع الذى يقضى حاجتها بحيث سافرت له
ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلا لأقل الأعداد وأوائلها إذاواحد أول العدد وأقله والاثنان أول الكثير وأقله والثلاث
أول الجمع وأقله، فكانه أشار إلى أن مثل هذا فى قلة الزمن لا يحل لها السفر فيه مع غير ذى محرم فكيف بما زاد عليه ، ولهذا
قال فى الحديث الآخر «ثلاثة أيام فصاعدا، وحاصله أنه نبه بمنع الخروج أقل كل عدد على منع خروجها من البلد مطلقا
إلا بمحرم أو زوج ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها فيؤخذ بأقل ما ورد فى ذلك، وأقله الرواية التى
فيها ذكر البريد فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره ، ولا يتوقف امتناع سير المرأة على مسافة القصر خلافا للحنفية
كذا فى الفتح. وقال الشوكانى: قد ورد من حديث ابن عباس عند الطبرانى ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد ،
ولفظه: لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذى محرم. وهذا هو الظاهر أعنى الأخذ بأقل ما ورد لأن ما فوقه
منهى عنه بالأولى، والتنصيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث واليوم والليلة واليومين والليلتين لا ينافيه لأن الأقل
موجود فى ضمن الأكثر، وغاية الأمر أن النهى عن الأكثر يدل بمفهومه على أن ما دونه غير منهى عنه، والنهى عن
الأقل منطوق وهو أرجح من المفهوم وقالت الحنفية: إن المنع المقيد بالثلاث متحقق ، وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ
بالمتيقن . ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغى الأخذ بها وطرح ما سواها، فإنه مشكوك فيه، ومن
قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص ، وقد خالفوا ذلك هنا. والاختلاف إنما وقع فى الأحاديث التى وقع فيها
التقيد بخلاف حديث ابن عباس فإنه لم يختلف فيه عليه، فهو سالم من الاضطراب، فالأخذ به أولى وقيل: ليس هذا
من المطلق والمقيد الذى وردت فيه قيود متعددة ، وإنما هو من العام لأنه نكرة فى سياق النفى فيكون من العام الذى
ذكرت بعض أفراده ولا تخصيص بذلك على الراجح فى الأصول. واعلم أنهم اختلفوا فى اشتراط المحرم أو الزوج
٣٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
لوجوب الحج على المرأة. قال ابن رشد: اختلفوا هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو
محرم منها ؟ فقال مالك والشافعى: ليس من شرط الوجوب ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة. وقال
أبو حنيفة وأحمد وجماعة: وجود ذى المحرم ومطاوعته لها شرط فى الوجوب، وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج
النهى عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم ، فمن غلب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم، ومن
خصص العموم بأحاديث النهى ورأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر إلا مع ذي محرم - انتهى. وقال
ابن دقيق العيد: هذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا وكان كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه، بيانه أن
قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت - ٣: ٩١} الآية. عام فى الرجال والنساء فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر
إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله مَ لَّه (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، خاص بالنساء، عام فى كل سفر
فيدخل فيه الحج ، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية ، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث فيحتاج إلى
الترجيح من خارج ـ انتهى. قال الشوكانى: ويمكن أن يقال إن أحاديث النهى عن السفر من غير محرم لا تعارض الآية
لأنها تضمنت أن المحرم فى حق المرأة من جملة الاستطاعة على السفر التى أطلقها القرآن وليس فيها إثبات أمر غير
الاستطاعة المشروطة حتى تكون من تعارض العمومين. لا يقال: الاستطاعة المذكورة قد بينت بالزاد والراحلة كما
سيأتى، لأنا نقول: قد تضمنت أحاديث النهى زيادة على ذلك البيان باعتبار النساء غير منافية فيتعين قبولها على أن
التصريح باشتراط المحرم فى سفر الحج بخصوصه كما فى حديث ابن عباس عند البزار والدار قطنى وحديث أبى أمامة عند
الطبرانى مبطل الدعوى التعارض - انتهى. وقال النووى: أجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا
استطاعت لعموم قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت) واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا فى اشتراط
المحرم لها، فأبو حنيفة يشترطه لوجوب الحج عليها إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل ، ووافقه جماعة من
أصحاب الحديث وأصحاب الرأى وحكى ذلك عن الحسن البصرى والنخعى، وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين ومالك
والأوزاعى والشافعى فى المشهور عنه: لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها. قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج أو محرم
أو قسوة ثقات، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها لكن يجوز لها الحج
معها هذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا يلزمها بوجود نسوة أو امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل
تسير وحدها فى جملة القافلة وتكون آمنة، والمشهور من نصوص الشافعى وجماهير أصحابه هو الأول ، واختلف أصحابنا
فى خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التى ليست واجبة فقال بعضهم: يجوز لها الخروج
فيها مع نسوة ثقات كحبة الإسلام. وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم وهذا هو الصحيح للأحاديث
٣٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
الصحيحة . وقد قال القاضى: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج فى غير الحج والعمرة إلا مع ذى محرم إلا الهجرة من
دار الحرب فاتفقوا على أن تهاجر منها إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن إقامتها فى دار الكفر
حرام إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها وليس كذلك التأخر عن الحج فإنهم اختلفوا فى الحج هل هو على
الفور أم على التراخى - انتهى. وقال الخرقى: وحكم المرأة إذا كان لها محرم كحكم الرجل. قال ابن قدامة (ج ٣:
ص ٢٣٦): ظاهره أن الحج لا يجب على التى لا محرم لها، وقد نص عليه أحمد فقال أبو داود: قلت لأحمد: امرأة
موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج؟ قال لا، وقال أيضا: المحرم من السبيل. وهذا قول الحسن والنخعى وإسحاق
وابن المنذر وأصحاب الرأى، وعن أحمد أن المحرم من شرائط لزوم السعى دون الوجوب، فمتى فاتها الحج بعد كمال
الشرائط بموت أو مرض لا يرجى برؤه أخرج عنها حجة ، لأن شروط الحج المختصة به قد كملت وإنما المحرم لحفظها ،
وعنه رواية ثالثة: أن المحرم ليس بشرط فى الحج الواجب. قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل: هل يكون الرجل محرما
لأم امرأته يخرجها إلى الحج؟ فقال: أما فى فريضة الحج فأرجو لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته ، وأما
فى غيرها فلا والمذهب الأول، وعليه العمل، وقال ابن سيرين ومالك والأوزاعى والشافعى
ليس المحرم شرطا فى حجها بحال ، قال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به. وقال مالك: تخرج
مع جماعة النساء، وقال الشافعى: تخرج مع حرة مسلمة ثقة ، وقال الأوزاعى: تخرج مع قوم عدول. قال ابن المنذر:
تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد منهم شرطا لا حجة معه، واحتجوا بأن النبى مؤ لّم فسر الاستطاعة
بالزاد والراحلة وقال لعدى بن حاتم: يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها لا تخاف إلا الله.
ولأنه سفر واجب فلم يشترط له المحرم كالمسلمة إذا تخلصت من أيدى الكفار ، ولنا ما روى أبو هريرة مرفوعا: لا
يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا ومعها ذو محرم. ثم ذكر حديث ابن عباس الذى نحن فى
شرحه، ثم قال: وروى ابن عمر وأبو سعيد نحوا من حديث أبى هريرة. قال أبو عبد الله: أما أبو هريرة فيقول ((يوما
وليلة)) ويروى عن أبى هريرة ((لا تسافر سفراء أيضا، وأما حديث أبى سعيد «يقول ثلاثة أيام، قلت ما تقول أنت؟
قال لا تسافر سفرا قليلا ولا كثيرا إلا مع ذي محرم)، وروى الدار قطنى بإسناده عن ابن عباس: أن النبي ◌َّ قال
لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم. وهذا صريح فى الحكم، ولأنها أنشأت سفرا فى دار الإسلام فلم يجز بغير محرم
كحج التطوع، وحديثهم محمول على الرجل بدليل أنهم اشترطوا خروج غيرها معها ، فجعل ذلك الغير المحرم الذى بينه
النبى مَّ فى أحاديثنا أولى مما اشترطوه بالتحكم من غير دليل، ويحتمل أنه أراد أن الزاد والراحلة يوجب الحج مع كمال بقية
الشروط، ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وإمكان المسير وقضاء الدين ونفقة العيال واشترط كل واحد منهم فى محل
٣٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
النزاع شرطا من عند نفسه لا من كتاب ولا من سنة، فما ذكره النبى مرة أولى بالاشتراط، ولو قدر التعارض
فحديثنا أخص وأصح وأولى بالتقديم ، وحديث عدى يدل على وجود السفر لا على جوازه ولذلك لم يجز فى غير الحج
المفروض، ولم يذكر فيه خروج غيرها معها ، وقد اشترطواههنا خروج غيرها معها، وأما الأسيرة إذا تخلصت من
أيدى الكفار فإن سفرها سفر ضرورة لا يقاس عليه حالة الاختيار ولذلك تخرج فيه وحدها ، ولأنها تدفع ضررا
متيقنا بتحمل الضرر المتوهم فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلا - انتهى كلام ابن قدامة. وقال الطبرى فى القرى
(ص ٤٤): وافق أبا حنيفة فى اشتراط المحرم أو الزوج أصحاب الحديث، وهو قول النخعى والحسن
البصرى ، وبه قال أحمد وإسحاق وهو أحد قولى الشافعى ، قال البغوى فى شرح السنة: والقول باشتراط المحرم
أو لى لظاهر الحديث، ولم يختلفوا أنها ليس لها الخروج فى غير الفرض إلا مع محرم إلا فى كافرة أسلمت فى
دار الحرب أو أسيرة تخلصت فيلزمها الخروج بلا محرم. وقال (ص ٤٥): ووجه دلالة حديث عدى على عدم
اعتبار المحرم أنه منّ أخبر عن خروج المرأة وحدها عند أمانها على نفسها فوجب وقوعه لا محالة ،ودل
ذلك على الجواز إذ لو حرم لبينه فإنه وقت حاجة لأنه كالواقع وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، وهذا
القائل يحمل أحاديث اشتراط المحرم على حال الخوف والخطر جمعا بينهما وعملا بها وذلك أولى من إهمال بعضها
ويمكن أن يقال: الحديث دل على الوقوع لا على الجواز لا بطريق المطابقة ولا بالاستلزام لأنه ورد فى معرض الثناء
على حال الزمان بالأمن والعدل،وذکر خروجالمرأة وحدهافىمعرض الاستدلال علىذلك سواء كان جائزا أو غير جائز ،
فالجواز وعدمه مسكوت عنه ولا إشعار للفظ الخبر بهما لانفيا ولا إثباتا، إذ لو قال عقيب كلامه: وارتحالها لذلك جائزلها
لم يعد ذلك تكرارا لما فهم من الأول ولا مؤكدا للفظه، أو قال: وارتحالها محرم عليها لم يعد ذلك نقضًا له، كيف وفى
قوله لا تخاف أحدا إلا الله إشعار بالحرمة إذ لو لم يحرم عليها ذلك لما خافت اللّه تعالى، وأما قوله «و تأخير البيان عن
وقت الحاجة غير جائز، فمسلم ولم يتأخر، فإن أحاديث اشتراط المحرم إن ثبت الخطاب بها قبل هذا الحديث ، فالتحريم
ثابت عندهم ، وليس فى لفظ هذا الحديث ما يناقضه فيحمل على ما ذكر ناه وإن كان الخطاب بها متأخرا عن هذا الحديث فقد
بين مَّه ما سكت فيه عنه مما احتمل إرادته قبل موته فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة على الحالين، وهذا هو الظاهر عندى
وإن كان الصحيح من مذهب الشافعى خلافه ـ انتهى ، قال الحافظ: ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة
الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث باب حج النساء (يعنى به حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال : أذن عمر
لأزواج النبي ◌ُ فى آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف) لاتفاق عمر وعثمان
وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبى معَ ◌ّم على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن فى ذلك، ومن أبى ذلك من
٣٣٦

مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
فقال رجل : يا رسول الله ! أكتبت فى غزوة
أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهة خاصة لا من جهة توقف السفر على المحرم. وأجيب بأن أزواج النبي
وَّ كلهن أمهات المؤمنين وهم محارم لهن، لأن المحرم من لا يجوز له نكاحها على التأيد، فكذلك أمهات المؤمنين
حرامٍ على غير الني مَثّل إلى يوم القيامة ثم إنه إختلف القائلون باشتراط المحرم للمرأة أن وجود الزوج أو المحرم شرط
الوجوب أوشرط وجوب الأداء فللحنفية فيه قولان، والذى اختاره فى فتح القدير أنه مع الصحة وأمن الطريق شرط
وجوب الأداء فيجب الإيصاء إن منع المرض أو خوف الطريق أو لم يوجدزوج ولا محرم ويجب عليها التزوج عند فقد
المحرم، وعلى الأول لا يجب شتى من ذلك كما فى البحر وفى النهر، وصحح الأول فى البدائع ورجح الثانى فى النهاية تبعا
لقاضى خان، لكن جزم فى اللباب أنه لا يجب عليها التزوج مع أنه مشى على جعل المحرم أو الزوج شرط أداء، ورجح هذا فى
الجوهرة وابن أمير الحاج فى المناسك، ووجهه أنه لا يحصل غرضها بالتزوج لأن الزوج أن يمتنع من الخروج معها بعد
أن يملكها، ولا تقدر على الخلاص منه، وربما لا يوافقها فتضرر منه بخلاف المحرم، فإنه إن وافقها انفقت عليه،
وإن امتنع أمسكت نفقتها وتركت الحج وقال المرداوى من الحنابلة: المحرم من شرائط الوجوب كالاستطاعة وغيرها
وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن الامام أحمد وهو ظاهر كلام الخرقى وقدمه فى المحرر والفروع والحاويين
والرعايتين وجزم به فى المنهاج والإفادات. قال ابن منجا فى شرحه: هذا المذهب وهو من المفردات، وعنه أن المحرم
من شرائط لزوم أداء الحج (فلا يمنع الوجوب والاستقرار فى الذمة) وجزم به فى الوجيز وأطلقه الزركشى - انتهى.
وفائدة الخلاف تظهر فى وجوب الإيصاء به ثم لفظ «امرأة، فى الحديث عام يشمل الشابة والعجوز لكن خص أبو
الوليد الباجى المنع بغير العجوزالتى لا تشتهى، أماهى قتسافر كيف شاءت فى كل الأسفار بلا زوج ولا محرم وتعقب
بأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة. وقد قالوا لكل ساقطة لا قمة، ويجتمع فى الأسفار من سفها.
الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها الغلبة شهوته وقلة دينه ومروته وخيانته ونحو ذلك وأجيب بأن
الكلام إنما هى فيمن لا تشتهى أصلا ورأسا ولا نسلم أن من هى بهذه المثابة مظنة الطمع والميل إليها بوجه قال ابن دقيق
العيد: والذى قاله الباجى تخصيص العموم بالنظر إلى المعنى يعنى مراعاة الأمر الأغلب والمتعقب راعى الأمر النادر وهو
الاحتياط. قال: والمتعقب على الباجى يرى جواز سفر المرأة وحدها فى الأمن وسيرها فى جملة القافلة فقد نظر أيضا إلى
المعنى مع كونه مخالفا لظاهر الحديث يعنى فليس له أن ينكر على الباجى، وهذا الذى قاله من جواز سفرها وحدها هو
قول الشافعى، نقله الكرايسى، ولكن المشهور عن الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات ولا يشترط
أن يخرج معهن محرم أو زوج لإحداهن لانقطاع الأطماع باجتماعهن (فقال رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسم
الرجل ولا امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة (ا كتبت) بصيغة المجهول المتكلم من باب الافتعال (فى غزوة
٣٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
كذا وكذا، وخرجت امرأتى حاجة. قال: أذهب فاحجج مع امرأتك. متفق عليه.
٢٥٣٨ - (١٠) وعن عائشة، قالت: استأذنت النبى معَّى فى الجهاد. فقال: جهادكن الحج.
كذا وكذا) أى كتبت نفسى فى أسماء من عين لتلك الغزوة، وقبل كتب وأثبت اسمى فيمن يخرج إلى غزوة كذا
(وخرجت امرأتى حاجة) أى أرادت أن تخرج محرمة للحج أو قاصدة له، يعنى وليس معها أحد من المحارم ، وفى
رواية للبخارى: إنى أريد أن أخرج فى جيش كذا وكذا وامرأتى تريد الحج (اذهب فاحجج) بضم الجيم الأولى
(مع امرأتك) قال الحافظ: أخذ بظاهره بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه
قال أحمد وهو وجه الشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه كالولى فى الحج عن المريض فلو امتنع إلا بأجرة لزمها لأنه من
سبيلها فصار فى حقها كالمؤنة ، واستدل به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، وبه قال أحمد وهو
وجه الشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخى وأما ما رواه الدارقطنى من طريق إبراهيم الصائغ
عن نافع عن ابن عمر مرفوعا فى امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها فى الحج فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها،
فأجيب عنه بأنه محمول على حج التطوع عملا بالحديثين ونقل ابن المنذر الاجماع على أن للزوج المنع من الخروج فى
الأسفار كلها ، وإنما اختلفوا فيما كان واجبا - انتهى. وعند الحنفية ليس لزوجها منعها عن حجة الإسلام إذا كان معها
محرم ، وإلا له منعها، ولو خرج معها زوجها فلا نفقة له عليها بل هى لها عليه النفقة وإن لم يخرج معها فكذلك عند
أبى يوسف وقال محمد: لا نفقة لها لأنها مانعة نفسها بفعلها، وارجع إلى المغنى (ج ٣: ص ٢٤٠) قال النووي: وفى
الحديث تقديم الأهم فالأهم من الأمور المتعارضة لأنه لما تعارض سفره فى الغزو وفى الحج معها رجح الحج معها ، لأن
الغزو يقوم غيره فى مقامه بخلاف الحج معها فإنه لا يقوم غيره مقامه فى السفر معها إذا لم يكن لها محرم (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الحج وفى الجهاد وفى النكاح، ومسلم فى الحج واللفظ للبخارى فى الجهاد، وأخرجه أيضا أحمد
(ج ١ : ص ٢٢٢) والشافعى (ج ١: ص ٢٩٠، ٢٩١).
٢٥٣٨ - قوله (وعن عائشة قالت: استأذنت النبى مُوثة فى الجهاد فقال: جهاد كن الحج) أى لا جهاد عليكن
وعليكن الحج إذا استطعتن، وسماه جهادا لما فيه من مجاهدة النفس ومشقة السفر وإتعاب البدن ومفارقة الأهل والوطن.
والحديث رواه البخارى بألفاظ ، واللفظ المذكور له فى باب جهاد النساء من كتاب الجهاد والسير، وفى رواية له فى
الباب المذكور«عن عائشة أم المؤمنين عن النبي ◌َّثم سأله نساءه عن الجهاد فقال نعم الجهاد الحج، ورواه فى باب فضل
الحج المبرور من أوائل كتاب الحج وفى أول الجهاد بلفظ «عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل
أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور، ورواه بنحوه أيضا فى باب حج النساء، وزاد «فقالت عائشة: فلا أدع
٣٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
متفق عليه .
٢٥٣٩ - (١١) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسافر
الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله عزبة، ورواه النسائى بلفظ «ألا تخرج فنجاهد معك فإنى لا أرى عملا فى
القرآن أفضل من الجهاد، قال لا، ولكن أفضل الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور، ورواه ابن ماجه بلفظ «قلت:
يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال نعم، جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة، وقد ذكره المصنف فى الفصل الثالث، وفى
رواية البيهقى ((عن عائشة، قالت: استأذنه نساءه فى الجهاد فقال عربية: يكفيكن الحج، أو جهاد كن الحج، قال ابن بطال:
دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء وإنهن غير داخلات فى قوله تعالى ( انفروا خفافا وثقالا - ٩:
٤١) وهو إجماع ولكن ليس فى قوله ((جهاد كن الحج، إنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما فيه أن الحج أفضل
لهن ، وإنما لم يكن الجهاد عليهن واجبا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من السترو مجانبة الرجال والحج يمكنهن فيه مجانبة
الرجال والاستنار فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد. قال: وزعم بعض من ينقص عائشة فى قصة الجمل أن
قوله تعالى ﴿وقرن فى بيوتكن - ٣٣: ٣٣) يقتضى تحريم السفر عليهن، قال: وهذا الحديث يرد عليهم لأنه قال «لكن
أفضل الجهاد، فدل على أن لهن جهادا غير الحج، والحج أفضل منه - انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد
بقوله ((لا، فى جواب قولهن ((ألا نخرج فنجاهد معك؟) أى ليس ذلك واجبا عليكن كما وجب على الرجال، ولم يرد
بذلك تحريمه عليهن ، فقد ثبت فى حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى ، وفهمت عائشة ومن وافقها من
هذا الترغيب فى الحج إباحة تکریره هن کما أبيح الرجال تكریر الجهاد، وخص به عموم قوله فى حديث أبي واقد عند
أحمد وأبي داود وغيرهما «هذه ثم ظهور الحصر، وقوله تعالى ﴿وقرن فى يوتكن﴾ وكان عمر متوقفا فى ذلك ثم ظهر
له قوة دليلها ، فأذن لهن فى آخر خلافته ثم كان عثمان بعد يحميج بهن فى خلافته أيضا ، وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهى.
وقال البيهقى: فى حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبي واقد وجوب الحج عليهن مرة واحدة كما بين وجوبه
على الرجال مرة لا المنع من الزيادة. وفيه دليل على أن الأمر بالقرار فى البيوت ليس على سبيل الوجوب (متفق عليه)
هذا وهم من المصنف فإن الحديث من أفراد البخارى لم يخرجه مسلم فى صحيحه أصلا، ولم يعزه لمسهم أحد غير المصف
فيما أعلم ، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه كلاهما فى الحج، وأخرجه أيضا ابن خزيمة فى صحيحه والبيهقى (ج ٤:
ص ٣٢٦) وله شاهد من حديث أبى هريرة، أخرجه النساقى بإسناد صحيح بلفظ ((جهاد التكبير أبى العاجز والصغير
والضعيف والمرأة الحج والعمرة)).
٢٥٣٩ - قوله (لا تسافر) الحج أو غيره سواء كان بالسيارة أو بالطيارة أو بالقطار، وهو نفى معناء نهى.
٣٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم. متفق عليه.
قال القارى: وفى نسخة أى من المشكاة بصيغة النهى (امرأة) أى شابة أو عجوز، وقوله ((لا تسافر امرأة، كذا وقع
فى المشكاة والمصابيح، وفى الصحيحين ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر» (مسيرة يوم وليلة) مصدر
ميمى بمعنى السير كالمعيشة بمعنى العيش، واختلفت الرواية عن أبى هريرة أيضا فى ذكر المدة ففي رواية للشيخين مسيرة يوم وليلة
وهى المذكورة فى الكتاب، وفى أخرى لمسلم («مسيرة يوم)) وفى أخرى له («مسيرة ليلة، وفى أخرى له أيضا «أن تسافر ثلاثا))
وفى رواية لأبي داود«بريدا، وقد تقدم الكلام فى ذلك، وأنه ليس المراد التحديد بل المدار على ما يسمى سفرا، والاختلاف إنما
وقع لاختلاف السائل والمواطن، وليس هو من المطلق والمقيد بل من العام الذى ذكرت بعض أفراده وذا لا يخصص
على الأصح (إلا ومعها ذو محرم) فى مسلم ((إلا مع ذي محرم عليها، ولفظ البخارى ((ليس معها حرمة)، وفى أخرى لمسلم
(إلا ومعها رجل ذو حرمة منها)، وقوله ((ذو محرم)) هكذا وقع فى الروايات، قيل: والظاهر أن لفظ ((ذو) متحم فإن
المحرم المرأة هو من لا يحل له نكاحها ، وقيل: المراد «ذو رحم محرم)) أى ذو قرابة محرم تزوجها. قال فى القاموس:
ورحم محرم ، محرم تزوجها. قال صاحب تيسير العلام: المرأة مظنة الشهوة والطمع وهى لا تكاد تقى نفسها لضعفها
ونقصها ولا يغار عليها مثل محارمها الذين يرون أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم، والرجل الأجنبى حينما يخلو
بالأجنبية يكون معرضا لفتن الشيطان ووساوسه، لهذه المحاذير التى هى وسيلة فى وقوع الفاحشة وانتهاك الأعراض حرم
الشارع على المرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم. قال: واختلفوا هل المرأة مستطيعة الحج بدون المحرم إذا كانت ذات
مال أم أن وجود المحرم شرط فى الاستطاعة؟ الصحيح أنه لا يحل له خروجها بدون محرم لأى سفر فتكون معذورة
غير مستطيعة ، واختلفوا فى الكبيرة التى لا تميل إليها النفس هل تسافر بدون محرم؟ أم لا بد من المحرم؟ الصحيح
الأخير، لأن الحديث عام فى كل امرأة ولا يخلو الأمر من محذور فلكل ساقطة لا قطة. واختلفوا هل يكفي أن تكون
مع رفقة أمينة أو تسافر مع امرأة مسلمة ثقة أم لا؟ الصحيح أنه لا بد من المحرم لعموم الحديث، ولأن غيرة المحرم
ونظره مفقودان. واختلفوا فى تحديد السفر تبعا لاختلاف الأحاديث، والأحوط أن يؤخذ بأقلها لأنه لا ینافى ما
فوقه، ويكون ما فوقه قضايا عين حسب حال السائل، والله أعلم. قال: وإذا قارنت حال المسلمين اليوم بهذه النصوص
الصحيحة والآداب العالية والغيرة الكريمة والشهامة النبيلة والمحافظة على الفروج والأعراض وحفظ الأنساب وجدت
كثيرا من المسلمين قد نبذوا دينهم وراءهم ظهريا ومرقوا منه وصار التصون والحياء ضربا من الرجعية والجمود. أما
الانحلال الخلقى وخلع رداء الحياء والعفاف فهو التقدم والرقى فإنا لله وإنا إليه راجعون (متفق عليه) أخرجه البخارى
فى أبواب تقصير الصلاة ومسلم فى الحج. وأخرجه أيضا أحمد مرارا ومالك فى كتاب الجامع من الموطأ والشافعى فى .
٣٤٠