النص المفهرس

صفحات 241-260

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - ڪتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
٢٥٠٢ - (٢٢) وعن أنس، قال: قال رسول اللّه ◌ُع: من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت
الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أجره من النار.
رواه الترمذى
محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إنى أجد وحشة، قال: إذا أخذت مضجعك فقل فذكر
مثله، وهذا منقطع، محمد لم يسمع من الوليد، وروى أيضا النساقى وابن السنى وابن عبد البر فى التمهيد من طريق محمد بن
يحي بن حبان: أن خالد بن الوليد، الحديث. وهذا أيضا مرسل، وروى ابن السنى (ص ٢٣٦، ٢٣٧) من طريق سفيان
عن محمد بن المنكدر قال جاء رجل إلى النبي مؤثّم فشكا إليه أهاويل يراها فى النوم فقال إذا أويت إلى فراشك فقل فذكر
مثله، وهذا أيضا مرسل وقال مالك فى الموطأ بلغنى أن خالد بن الوليد قال لرسول اللّه تَ ضّع: إنى أروع فى منامى، فقال
له رسول اللّه ◌َيّ قل، فذكر مثله وروى الطبرانى فى الأوسط عن أبى أمامة قال: حدث خالد بن الوليد رسول
الله ◌َفّ عن أهاويل يراها بالليل حالت بينه وبين صلاة الليل فقال رسول اللّه مَ ◌ٍّ يا خالد ألا أعلمك كلمات
تقولهن الحديث. وهذه الطرق يشد بعضها بعضاوتدل بمجموعها على أن للحديث أصلا قويا والله أعلم. وأما اختلاف
الروايات فى أن القصة للوليد بن الوليد أو لأخيه خالد أو لرجل مبهم فيدفع بأن القصة وقعت لهما جميعا .
٢٥٠٢ - قوله (من سأل الله الجنة) أى دخولها بصدق وإيقان وحسن نية بأن قال: اللهم إنى أسألك الجنة أو
قال اللهم أدخلنى الجنة (ثلاث مرات) أى كرره فى مجالس أو فى مجلس بطريق الالحاح على ما ثبت أنه من آداب الدعاء
(قالت الجنة) بيان الحال أو بلسان القال لقدرته تعالى على إنطاق الجمادات وهو الظاهر، وقيل المراد أهل الجنة من
الحور والولدان أو خزتها (اللهم أدخله الجنة) أى دخولا أولا أو لحوقا آخريا (ومن استجار) أى استحفظ (من النار)
بأن قال اللهم أجرنى من النار (قالت النار اللهم أجره) أى احفظه أو أنقذه (من النار) أى من دخوله أو خلوده فيها
قال الطبي : وفى وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريد ونوع من الالتفات ثم قال وقول الجنة والنار يجوز أن
يكون حقيقة ولا بعد فيه كما فى قوله تعالى ﴿ وتقول هل من مزيد- ٣٠:٥٠)﴾ ويجوز أن يكون استعارة شبه لاستحقاق
العبد بوعد الله ووعيده بالجنة والنار فى تحققهما وثبوتهما بنطق الناطق كأن الجنة مشتاقة إليه سائلة داعية دخوله والنار
نافرة منه داعية له بالبعد منها ، فأطلق القول وأراد التحقق والثبوت ويجوز أن يقدر مضاف أى قال خزنتهما فالقول
إذا حقيقى، قال القارى: لكن الإسناد مجازى. قال ابن حجر: الحمل على لسان الحال وتقدير المضاف مخالف
للقواعد المقررة أن كل ما ورد فى الكتاب والسنة ولم يحل العقل حمله على ظاهره لم يصرف عنه إلا بدليل، ونطق
الجمادات بالعرف واقع كتسبيح الحصى فى يده مَ الله وحنين الجذع وغيره - انتهى. قلت: حمل القول على الحقيقة
هو الظاهر الراجح ولا وجه العدول عنه. وفى الحديث حث على كثرة سؤال الجنة والتعوذ من النار (رواه الترمذى)
٢٤١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
والنسائى .
( الفصل الثالث )﴾﴾
ل
٢٥٠٣ - (٢٣) عن القعقاع، أن كعب الأحبار قال: لولا كلمات أقولهن لجعلتنى يهود حماراً،
فى أواخر صفة الجنة (والنسائى) فى الاستعاذة وفى اليوم والليلة وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ١١٧، ١٤١،
١٥٥، ٢٦٢) وابن ماجه فى آخر سنته وابن حبان فى كتاب الأدعية من صحيحه والحاكم (ج:١ ص ٥٣٥،٥٣٤)
والبغوى (ج ٥: ص ١٦٥) والحديث رجال إسناده ثقات وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
٢٥٠٣ - قوله (عن القعقاع) بقافين وعينين مهملتين أولا هما ساكنة، ابن حكيم الكتافى المدنى تابعى ثقة وثقه
يحيى بن سعيد وأحمد وابن معين، وذكره ابن حبان فى الثقات (أن كعب الأحبار) تقدم (ص ٣٥٤: ج ١) (لو لا
كلمات أقولهن) أى أدعو بهن (لجمالتى يهود) يمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل أى من السحر (حمارا) أى بليدا أو
ذليلا والمعنى أنهم محمرة وقد أغضبهم إسلامى فلولا استعاذتى بالكلمات الآتية تمكنوا من وغلبوا على وجعلونى بليدا
وأذلونی کاحمار فإنه مثل فى الذلة . قال الباحی : يحتمل أن یرید - والله أعلم-للدتى وأضانی عن رشدى حتى أكون
كالحمار الذى لا يفقه شيئا وبه يضرب المثل فى البلادة - انتهى. وقال الطبى: لعله أراد أن اليهود محرته ولولا استعاذقى
بهذه الكلمات لتمكنوا من أن يقلبوا حقيقتى لبعضهم إياى من حيث أتى أسلمت أو تمكنوا من إذلالى وتوهينى كالحمار فإنه
مثل فى الذلة قال القارى: وفيه أن قلب الحقائق ليس إلا لله كما قال تعالى: ( كونوا قردة خاسئين - ٢: ٦٥) وقال:
﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى - ٢٠: ٦٦﴾ فهذا يدل على غاية سحرهم الذى أجمع عليه كيد السحرة فى زمان فرعون
الطامعين على مال فرعون وجاهه فلو كان فى قدرتهم شئى أزيد من هذا لفعلوه فى حق موسى عليه الصلاة والسلام فإذا
لم يقدروا فى حقه فكيف يجوز أن يقدرو على سيد الخلق أن يقلبوا حقيقته. ولذا قال البيضاوى: والمراد بالسحر ما
يستعان فى تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان وذلك لا يستب إلا لمن يناسبه فى الشرارة وخبث
النفس فإن التناسب شرط فى التضام والتعاون وبهذا تميز الساحر عن النبي والولى، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب
الحيل بمعونة الآلات والأدوية فتسميته سحرا على التجوز - انتهى. فإذا كان ليس للشيطان أن يجعل نفسه حمارا حقيقة
فضلا عن غيره فكيف التوسل إلى قربه أن يقلب الحقيقة. وأما قول صاحب المدارك: والسحر حقيقة عند أهل السنة
- كثرهم الله تعالى - وتخبيل وتمويه عند المعتزلة - خذلهم الله - فمعناه أن السحر ثابت وحق لا أنه خيال فاسد كرؤية
الأحول شيئا واحدا شيئين وكتخيل الاشياء عند خلل الدماغ وحصول الأفكار الفاسدة لما يدل عليه الكتاب والسنة
من قوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر-١٠٢:٢ ) وقوله: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرأ وزوجه-١٠٢:٢)
أى على السحر الذى يكون سببا فى التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف، و قوله عز وجل: ﴿ومن
٢٤٢
١
١
:

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
فقيل له ما هن؟ قال: أعوذ بوجه اللّه العظيم الذى ليس شئى أعظم منه، وبكلمات الله التامات التى
لا يجاوز هن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق
وذراً وبرأً.
شر النفاثات فى العقد - ١١٣: ٤) كما هو مشهور فى سحر اليهود له عليه الصلاة والسلام وبهذا يتبين قول البغوى:
والصحيح أن السحر عبارة عن التمويه والتخيل، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة وعليه أكثر الأمم ، حكى عن
الشافعى أنه قال إن السحر يخبل ويمرض وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به، وقيل إنه يؤثر فى قلب
الأعيان فيجعل الآدمى على صورة حمار ويجعل الحمار على صورة الكلب والأصح أنه تخيل ، قال تعالى: ﴿ يخيل إليه
من سحرهم أنها تسعى - ٢٠: ٦٦) لكنه يؤثر فى الأبدان بالأمراض والموت والجنون - انتهى. وما يدل على بطلان
قلب الحقائق بعد إجماع أهل السنة والمعتزلة على خلافه أنه لم يقع مثل هذا أبداً فى الكون. ويدل على بطلانه النقل
والعقل ، ومما يذكر من بعض الحكايات لإثبات ذلك فهى مجرد حكاية فاسدة مما يستمرها الناس ويحكونها فى بيوت
القهوة وتجوز فى عقول النساء وبعض الرجال من سخف عقله وسخف قلبه، انتهى كلام القارى بحذف واختصار يسير
وارجع لمزيد الكلام فى ذلك إلى تفسير سورة الفلق لابن القيم (فقيل له) أى لكعب (ما هن؟) أى تلك الكلمات
(أعوذ بوجه اللّه) قال الباجى: قال القاضى أبو بكر: هو صفة من صفات البارى أمر مَّه أن يتعوذ بها. وقال
أبو الحسن المحاربى معناه: أعوذ بالله - انتهى. وقال الحافظ تحت ترجمة البخارى فى صحيحه «باب قول الله
عز وجل: ﴿ كل شئى هالك إلا وجهه-٢٨: ٨٨ ) قال ابن بطال: فيه دلالة على أن الله تعالى وجها وهو من صفة ذاته
وليس بجارحة ولا كالوجوه التى نشاهدها من المخلوقين كما نقول: إنه عالم ولا نقول إنه كالعلماء إلى آخر ما بسطه (العظيم
الذى ليس شئ أعظم منه) أى ولا مساويا لعظمته ولا قريبا منها بل ولا عظمة لغيره لأن الكل عبيده ثم يحتمل أن يكون
الموصول صفة للضاف أو المضاف إليه والمؤدى واحد قاله القارى (وبكلمات الله التامات التى لا يجاوز من) أى لا
يتعدا هن (بر) بفتح الموحدة وتشديد الراء أى تقى (ولا فاجر) أى مائل عن الحق وإعادة لا لزيادة التأكيد أى لا ينتهى
على أحد إلى ما يزيد عليها. قال الطيبي: قوله ((لا يجاوز هن)) إلخ يشعر بأن المراد بالكلمات على الله الذى ينفد البحر
قبل نفاده وأراد بقوله «بر ولافاجر» الاستيعاب كما فى قوله تعالى: {لا رطب ولا يابس إلا فی کتاب مین-٦: ٥٩﴾
فإن تكرير حرف التاكيد للاستيعاب أو المراد بالكلمات القرآن لأن أحدا من البر والفاجر لا يخرج عن وعده ووعيده
بالثواب والعقاب (وباسماء الله الحسنى) مؤنث الأحسن، وفى الموطأ بعده («كلها)) قال الباجى: يشير إلى قوله تعالى:
﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها - ٧: ١٨٠ ﴾ (ما علمت منها) أى من الأسماء الحسنى (وما لم أعلم) أى منها (من شر
ما خلق) أى أنشأ وقدر (وذرأ) بالهمز أى بث ونشر (وبرأ) أى أوجد الخلق مبرأ عن التفاوت نخلق كل عضو على
٢٤٣

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٨ - باب الاستعاذة
رواه مالك .
٢٥٠٤ - (٢٤) وعن مسلم بن أبى بكرة قال: كان أبى يقول فى دبر الصلوة: اللهم إنى أعوذ بك
من الكفر، والفقر، وعذاب القبر، فكنت أقولهن، فقال: أى بنى عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك.
قال: إن رسول اللّه مؤلّى كان يقولهن فى دبر الصلاة. رواه النسائي والترمذى
ما ينبغى ووضعه فى موضعه. قال تعالى: ﴿ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت - ٣:٦٧) قال الزرقانى: قيل هما بمعنى
خلق فذكرها لإ فادة اتحاد معناها، وقيل البرأ والذرأ يكون طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل والخلق لا يلزم فيه ذلك
(رواه مالك) فى باب ما يؤمر به من التعوذ من كتاب الجامع ولم أجده عند غيره.
٢٥٠٤ - قوله (وعن مسلم بن أبى بكرة) بن الحارث الثقفى البصرى صدوق من أوساط التابعين وثقه ابن حبان
والعجلى، مات فى حدود سنة تسعين (كان أبى) أى أبو بكرة واسمه نفيع بن الحارث تقدم ترجمته (يقول فى دبر الصلاة)
أى المكتوبة أو جنس الصلاة وهو يحتمل أن يكون آخرها وعقبها قبل السلام أو بعده وهو الأظهر قاله القارى.
قلت: وقع عند النسائى وأحمد فى رواية بلفظ «فى دبر كل صلاة، أى مكتوبة أو أعم من أن تكون فريضة أو نافلة
والظاهر هو الأول وعليه حمله النسائى حيث ترجم لهذا الحديث باب التعوذ فى دبر الصلاة وذكره أثناء أبواب ما يقول
بعد تسليم الإمام (اللهم إنى أعوذ بك من الكفر) أى من أنواعه (والفقر) أى الفقر الذى لا يصحبه خير ولا ورع،
ولذا ورد (« كاد الفقر أن يكون كفرا، رواه أبو نعيم فى الحلية والبيهقى فى الشعب عن أنس مرفوعا وهو حديث ضعيف
فیه یزید الرقاشی وهو ضعيف متروك، قال الصغانى : وصح من قول أبى سعيد ومعناه أى قارب أن يوقع فى الكفر
لأنه يحمل على عدم الرضاء بالقضاء وتسخط الرزق وذلك يجر إلى الكفر والعياذ بالله، وقال القارى: أى من فتنة
الفقر أو فقر القلب المؤدى إلى كفرأن النعمة وفى اقترانه بالكفر إشارة إلى ما ورد كاد الفقر أن يكون كفرا حيث لم يكن
راضيا بما قسم الله له وشاكرا لما أنعم عليه والترمذى والحاكم ((أعوذ بك من الهم والكسل، بدل قوله ((أعوذ بك من
الكفر والفقر، (أى بنى) بضم الموحدة وفتح الياء المشددة والتصغير للشفقة (عمن أخذت هذا) أى هذا الدعاء وفيه إيماء
إلى أن الأليق للسالك أن يدعو بالدعوات الماثورة (قلت عنك) أى أخذته، وفيه تنبيه على أفضلية الإجازة فى الأذكار
والدعوات (قال) أى تنبيها له على تحصيل السند إلى رسول اللّه مَفى، وزاد فى رواية لأحمد والنسائى. فالزمهن، أى
حافظ على قراءة هذه الكلمات (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولهن فى دبر الصلاة) فى القاموس الدبر بالضم
وبضمتين فقيض القبل ومن كل شئ عقبه ومؤخره (رواه النسائي) فى الصلاة وفى الاستعاذة (والترمذى) فى
الدعوات وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ٥٣٣) وابن أبي شيبة وابن السنى (ص ٣٩) وقال الترمذى هذا حديث
٢٤٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
إلا أنه، لم يذكر «فى دبر الصلاة)، وروى أحمد لفظ الحديث، وعنده «فى دبر كل صلوة))
٢٥٠٥ - (٢٥) وعن أبى سعيد، قال: سمعت رسول اللّه مؤثم يقول: أعوذ بالله من الكفر والدين،
فقال رجل: يا رسول الله! أتعدل الكفر بالدين؟ قال: نعم. وفى رواية ((اللهم إنى أعوذ بك من
الكفر والفقر، قال رجل: ويعدلان؟ قال: نعم. رواه النسائى.
(٩) باب جامع الدعاء
ة ( الفصل الأول )
حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي (إلا أنه) أى الترمذى (لم يذكر «فى دبر الصلاة) وروى
أحمد لفظ الحديث وعنده «فى دبر كل صلاة) قلت روى الإمام أحمد هذا الحديث ثلاث مرات الأولى (ج ٥ ص ٣٦)
بدون ذكر دبر الصلاة وبدون القصة، والثانية (ج ٥: ص ٣٩) بدون القصة مع ذكر دبر كل صلاة ، والثالثة (ج ٥:
ص ٤٤) مع ذكر القصة ودبر كل صلاة .
٢٥٠٥ - قوله (أتعدل الكفر) أى تساويه وتقارنه (بالدين؟ قال: نعم) قال السندى: أراد الرجل أن قرانهم)
فى الذكر يقتضى قوة المناسبة بينهما فى المضرة بحيث أن كلا منهما يساوى الآخر فهل الدين بلغ هذا المبلغ حتى استحق
أن يجعل عديلا للكفر ويذكر قرينا معه فى الذكر فأجاب بأنه كذلك كيف وهو يمنع دخول الجنة كالكفر نعم هو
دائمى ومنع الدين إلى غاية الأداء والله تعالى أعلم (وفى رواية ((اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر، قال) وفى النسائى
((فقال)) وهكذا فى بعض النسخ للشكاة (رجل: ويعد لان ؟) بصيغة المجهول أو المعلوم أى يعدل أحدهما بالآخر أى
يستويان (قال نعم) أى نعم المديون يساوى الكافر المنافق لأن الرجل إذا غلب عليه الدبن حدث فكذب ووعد فأخلف
وتلك من صفات المنافقين وعلامات النفاق، والفقير أيضا إذ لم يصبر كاد يفضى فقره إلى كفره فهو أسوأ حالا من
المديون (رواه النسائي) الرواية الأولى فى باب الاستعاذة من الدين، والثانية فى باب الاستعاذة من شر الكفر ، وكذا
أخرج الروايتين ابن حبان كما فى موارد الظمآن (ص ٦٠٤، ٦٠٥) وأخرج الحاكم الرواية الأولى فقط (ج ١:
ص ٥٣٢) وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قلت فى سنده عندهم دراج أبو السمح رواه عن أبى الهيثم عن
أبى سعيد وثقه ابن معين وضعفه الدار قطنى وقال أبو داود حديثه مستقيم إلا عن أبى الهيثم. وقال أحمد: أحاديث دراج
عن أبى الهثم عن أبى سعيد فيها ضعف ، وقال فى التقريب: صدوق، فى حديثه عن أبى الهيثم ضعف.
(بأب جامع الدعاء) هو من إضافة الصفة إلى الموصوف أى الدعاء الجامع لمعان كثيرة فى ألفاظ قليلة.
٢٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
٢٥٠٦ - (١) عن أبى موسى الأشعرى، عن النبى معرفتهم، أنه كان يدعو بهذا الدعاء («اللهم اغفر لى
خطيئتي، وجهلى، وإسرافى فى أمرى، وما أنت أعلم به منى، اللهم اغفرلى جدى، وهزلى، وخطائى،
٢٥٠٦ - قوله (أنه كان يدعو بهذا الدعاء) قال الحافظ: لم أر فى شئ من طرقه محل الدعاء بذلك، وقد وقع
معظم آخره فى حديث ابن عباس أنه مَّ كان يقوله فى صلاة الليل ، ووقع أيضا فى حديث على عند مسلم أنه كان
يقوله فى آخر الصلاة، واختلفت الرواية هل كان يقوله قبل السلام أو بعده؟ ففى رواية لمسلم ،ثم يكون من آخر ما
يقول بين التشهد والسلام: اللهم اغفرلى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به
منى، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، وفى رواية له (ولأحمد وأبي داود والترمذى) (وإذا سلم قال اللهم
اغفرلى ما قدمت)) إلى آخره. ويجمع بينهما بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام لأن مخرج الطريقين واحد، وأورده
ابن حبان فى صحيحه بلفظ ((كان إذا فرغ من الصلاة وسلم)) وهذا ظاهر فى أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك
قبل السلام وبعده وقد وقع فى حديث ابن عباس نحو ذلك كما بينته عند شرحه - انتهى (اللهم اغفرلى خطيبتى) أى سيتى
أو ذنبى. قال الحافظ الخطيئة الذنب يقال خطئى يخطأ، ويجوز تسهيل الهمزة فيقال خطية بتشديد الياء (وجهلى) أى
ما صدر منى من أجل جهلى، والجهل ضد العلم، وقال القارى ((وجهلى، أى فيما يجب على علمه وعمله، وقيل أى ما لم
أعلمه (وإسرافى) الإسراف الإفراط فى كل شئ، ومجاوزة الحدفيه أى تجاوزى عن حدى (فى أمرى) أى فى أموری
كلها . قال الكرمانى: يحتمل أن يتعلق بالإسراف فقط ، ويحتمل أن يتعلق بجميع ما ذكر على سبيل التنازع بين العوامل
(وما أنت أعلم به منى) أى تعلمه ولا أعلمه من المعاصي والسيئات والنقصيرات فى الطاعة، وقيل أى ما علمته وما لم أعلمه
وهو تعميم بعد تخصيص وتتميم لما يستغفر منه (اللهم اغفرلى جدى) بكسر الجيم وهو الاجتهاد فى الأمر والتحقيق وضد
الهزل (وهزلى) بفتح الهاء وسكون الزاى وهو المزاح أى ما وقع منى فى الحالين أو هو التكلم بالسخرية والبطلان
والهذيان (وخطائى) قال فى الصحاح: الخطأ نقيض الصواب وقد يمد، والخطأ الذنب. وقال فى القاموس: الخط.
والخطأ والخطاء ضد الصواب والخطيئة الذنب أو ما تعمد منه كالخطء بالكسر والخطأ ما لم يتعمد - انتهى. وقوله
خطاقى كذا فى جميع نسخ المشكاة والمصابح بلفظ ضد العمد وهكذا وقع عند مسلم ووقع عند أكثر رواه البخارى
«خطا ياى) قال الحافظ وقع فى رواية الكشميهنى ((خطئى، وكذا أخرجه البخارى فى الأدب المفرد بالسند الذى فى
الصحيح وهو مناسب لذكر العمد، ولكن جمهور الرواة على الأول والخطايا جمع خطيئة وعطف العمد عليها من عطف
الخاص على العام فإن الخطيئة أعم من أن تكون عن خطأ أو عمد أو هو من عطف أحد العامين على الآخر يعنى أنه اعتبر
المغايرة بينهما باختلاف الوصفين. وقال العينى عطف العمد على الخطايا إما عطف الخاص على العام باعتبار أن الخطيئة
٢٤٦

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
وعمدى، وكل ذلك عندى، اللهم اغفرلى ما قدمت ، وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما
أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شى قدير. متفق عليه.
٢٥٠٧ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: كان رسول اللّه ◌ُو ◌َّل يقول: اللهم أصلح لى دينى الذى هو
عصمة أمری، وأصلح لی دنیای التى
أعم من التعمد، أو عطف أحد المتقابلين على الآخر بأن يحمل الخطيئة على ما وقع على سبيل الخطأ (وعمدى) أى
وقعمدى فى ذفى (وكل ذلك) أى جميع ما ذكر من الذنوب والعيوب (عندى) أى موجود أو ممكن وهو كالتذيل للسابق
أى أنا متصف بجميع هذه الأشياء فاغفرما لى قاله تواضعا وهذا واستكانة وشكرا لما أعلم أنه قد غفر له أو عد ترك
الأولى وفوات الكمال ذنبا وقيل أراد ما كان عن غفلة وسهو، وقيل أراد ما كان قبل النبوة ، وقيل هو محض مجرد تعاليم
للأمة وعلى كل حال فهو موئيل مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فدعا بهذا وغيره تواضعا لأن الدعاء عبادة، قاله
النووى وغيره (اللهم اغفرلى ما قدمت) أى من الذنوب والأعمال السيئة أو من التقصير فى العمل قبل هذا الوقت
(وما أخرت) أى وما يقع منى بعد ذلك على الفرض والتقدير ، وغبر عنه بالماضى لأن المتوقع كالمتحقق ، أو معناه
ما تركت من العمل، أوقات سأفعل أو سوف أترك، وقيل يحتمل أن يكون المراد ما قدم الفاضل وأخر الأفضل، وهذا
القدر من هذا الدعاء يدخل فيه جميع ما اشتمل عليه لأن جميع ما ذكر فيه لا يخلو عن أحد الأمرين فهما شاملان لجميع
ماسبق كقوله (وما أسررت) أى أخفيت (وما أعلنت) أى أظهرت والمقصود استيفاء المغفرة لأنواع الذنوب كلها ، وقيل
المراد ما حدثت به نفسى وما تحرك به لسانى (أنت المقدم) لمن تشاء من خلقك بتوفيقك إلى رحمتك (وأنت المؤخر)
لمن تشاء عن ذلك، وقيل: أى أنت المقدم بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة أو أنت المقدم لى بالبعث فى الآخرة وأنت
المؤخر بخذلان بعضهم عن التوفيق فتؤخره عنك أو أنت المؤخر لى بالبعث فى الدنيا أو أنت الرافع والخافض أو المعز والمذل
(وأنت على كل شئى قدير) جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها وعلى كل شئى متعاق بقدير وهو فعيل بمعنى فاعل أى كامل القدرة ،
وفى الحديث الإحاطة بمغفرة جميع الذنوب متقدمها ومتأخرها وسرها وعلنها وما كان منها على جهة الإشراف وبما علم
به الداعى وما لم يعلم به (متفق عليه) أخرجاه فى الدعوات وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٣٩١، ٤١٧) والبخارى فى
الأدب المفرد (ج ٢: ص ١٣٩، ١٤٠، ١٤١) والبيهقى والبغوى وغيرهم .
٢٥٠٧ - قوله (اللهم أصلح لى) أى عن الخطأ (دينى الذى هو عصمة أمرى) بكسر العين أى يعصمنى من النار
وغضب الجبار وقيل: أى ما يعتصم به فإن العصمة فى النفس والمال والعرض إنما يحصل بالدين. والعصمة على ما فى
الصحاح المنع والحفظ ، فقيل هو مصدر ههنا بمعنى الفاعل أى الذى هو حافظ لأمرى أى لجميع أمورى لأنه مفرد
مضاف. قال المناوى: فإن من فسد دينه فسدت جميع أموره وخاب وخسر فى الدنيا والآخرة (وأصلح لى دنياى التى
٢٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
فيها معاشى، وأصلح لى آخرتى التى فيها معادى ، واجعل الحياة زيادة لى فى كل خير ، واجعل
الموت راحة لى من كل شر. رواه مسلم.
٢٥٠٨ - (٢) وعن عبد الله بن مسعود، عن النبى علم أنه كان يقول: اللهم إنى أسالك الهدى،
والتقى ، والعفاف ، والغنى ،
فيها معاشى) أى باعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه وكونه حلالا معينا على الطاعة. وقيل معناه احفظ من الفساد ما
أحتاج إليه فى الدنيا (وأصلح لى آخرتق) أى بالتوفيق للعبادة والاخلاص فى الطاعة وحسن الخاتمة (التى فيها معادى)
مصدر عاد إذا رجع أى وفقنى للطاعة التى هى إصلاح معادى قاله القارى. وقال الجزرى: أى ما أعود إليه يوم القيامة
وهو إما مصدر أو ظرف انتھی أی مکان عودی أو زمان إعادتى (واجعل الحياة زيادة لی فی کل خير) أی اجعل حياتى
سبب زيادة الخيرات من العبادة والطاعة والاخلاص وقيل أى اجعل عمرى مصروفا فيما تحب وترضى و جنبی عما
تكره (واجعل الموت راحة لى من كل شر) أى من الفتن والمحن والابتلاء بالمعصية والغفلة. وقال زين العرب: أى أن يكون
على شهادة واعتقاد حسن وتوبة حتى يكون موقى سبب خلاصى عن مشقة الدنيا والتخليص من غمومها وهمومها
وحصول الراحة فى العقي. وقيل فيه إشارة إلى قوله تعَالى ((إذا أردت بقوم فتنة فتوفى غير مفتون)) وهذا هو النقصان
الذى يقابل الزيادة فى القرينة السابقة. قال الشوكانى فى تحفة الذا كرين (ص ٢٨٤): هذا الحديث من جوامع الكلم
لشموله لصلاح الدين والدنيا ، ووصف إصلاح الدين بأنه عصمة أمره لأن صلاح الدين هو رأس مال العبد وغاية ما
يطلبه، ووصف إصلاح الدنيا بأنها مكان معاشه الذى لا بد منه فى حياته وسأله إصلاح آخرته التى هى المرجع وحولها
يدندن العباد وقد استلزم ذلك سؤال اصلاح الدين لأنه إذا أصلح الله دين الرجل فقد أصلح له آخرته التى هى دار
معاده ، وسأله أن يجعل الحياة زيادة له فى كل خير لأن من زاده الله خيرا فى حياته كانت حياته صلاحا وفلاحا وسأله
أن يجعل له الموت راحة له من كل شر لأنه إذا كان الموت دافعا للشرور قاطعا لها ففيه الخير الكثير للعبد ولكنه ينبغى
له أن يقول. اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لى، وتوفى إذا كانت الوفاة خيرا لى، كما علمنا رسول اللّه مريم فإنه
يشمل كل أمر، ومعلوم أن من لم يكن فى حياته إلا الوقوع فى الشرور فالموت خير له من الحياة وراحة له من مخنها -انتهى
(رواه مسلم) فى الدعاء ولم يخرجه البخارى فى صحيحه فهو من أفراد مسلم نعم أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (ج ٢:
ص ١٢٢) وأبو عوانة فى الدعوات والطبرانى فى الصغير (ص ١٢٨).
٢٥٠٨ - قوله (اللهم إنى أسألك الهدى والتقى) بالضم والقصر أى الهداية والتقوى (والعفاف) بالفتح الكف
عن المعاصى ونما لا ينبغى (والغنى) بالكسر والقصر اليسار والمراد غنى القلب لا غنى اليد. قال النووى: العفاف
والعفة هو التنزه عما لا يباح والكف عنه والغنى ههنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما فى أيديهم. وقال فى
٢٤٨
١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
رواه مسلم.
٢٥٠٩ - (٤) وعن على، قال: قال رسول اللّه ◌َبَّى: قل: اللهم اهدنى، وسددنى، واذكر بالهدى
هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهم. رواه مسلم.
المعتصر: ليس المراد بالغنى غنى المال بل غنى النفس القاطع عن المال الذى يقطع المرأ عن الطاعات ويشغل القلب عن الله
تعالى فالغنى المحمود هو الغنى الذى يتفرغ به القلب عن الدنيا وعن الاهتمام بها فقد صح عنه مزّم أنه قال ما أحب أن
لى أحدا ذهبا تأتى على ليلة وعندى منه دينار إلا دينارا أرصده لدين أو أقول به فى عباد الله هكذا وهكذا. قال الطيبي:
أطلق الهدى والتقى ليتناول كل ما ينبغى أن يهتدى إليه من أمر المعاش والمعادومكارم الأخلاق وكل ما يجب أن يتقى منه من
الشرك والمعاصى ورذائل الأخلاق وطلب العفاف والغنى تخصيص بعد تعميم (رواه مسلم) فى الدعاء وأخرجه أيضا أحمد
(ج ١: ص ٣٨٩، ٤١١، ٤١٦، ٤٢٧) والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢، ص ١٢٨) والترمذى وابن ماجه فى الدعاء
والبغوى (ج ٥: ص ١٧٤).
٢٥٠٩ - قوله (اللهم اهدنى) أى إلى مصالح أمرى أو ثبتنى على الهداية إلى الصراط المستقيم أو دلنى على
الكمالات الزائدة (وسددنى) أمر من التسديد أى اجعانى على السداد بفتح السين المهملة وهو الاستقامة وإصابة القصد
فى الأمر والعدل فيه أى وفقنى واجعلنى مصيا فى جميع أمورى مستقيما. قال الطبي فيه معنى قوله تعالى: ﴿فاستقم كما
أمرت ١١: ١١٢ ) و(اهدنا الصراط المستقيم﴾ أى اهدفى هداية لا أميل بها إلى طرفى الافراط والتفريط (واذكر)
عطف على قل أى اقصد وتذكر يا على (بالهدى) بالضم والقصر معناه الرشاد ويذكر ويونث (مدايتك الطريق) أى
المستقيم (وبالسداد) بفتح السين (سداد السهم) وفى رواية أحمد وأبي داود تسد يدك السهم. قال النووي: سداد
السهم تقويمه. وأصل السداد الاستقامة والقصد فى الأمور. قال الطبي: أمره بأن يسأل الهدى والسداد وأن يكون
فى ذكره مخطرا بباله أن المطلوب هداية كهداية من ركب متن الطريق وأخذ فى المنهج المستقيم، وسداد يشبه بسداد
السهم نحو الغرض. وقال الخطابى فى المعالم (ج ٦: ص ١١٦) قوله ((واذكر بالهدى هداية الطريق، معناه أن سالك
الطريق والفلاة إنما يؤم سمت الطريق ولا يكاد يفارق الجادة ولا يعدل عنها يمنة ويسرة خوفا من الضلال وبذلك
يصيب الهداية وينال السلامة، يقول إذا سألت الهدى فاخطر بقلبك هداية الطريق وسل الله الهدى والاستقامة كما
تمتحراه فى هداية الطريق إذا سلكتها، وقوله ((واذكر بالسداد تسديدك السهم، معناه أن الرامى إذا رمى غرضا سدد بالسهم
نحو الغرض ولم يعدل عنه يمينا ولا شمالا ليصيب الرمية فلا يطيش سهمه ولا يخفق سعيه يقول فاخطر المعنى بقلبك حين
قسأل الله السداد ليكون ما تنويه من ذلك على شاكلة ما تستعمله فى الرمى (رواه مسلم) فى الدعاء وأخرجه أيضا أحمد
(ج ١: ص ٨٨، ١٣٤، ١٣٨، ١٥٤) وأبو داود فى الخاتم والنسائى فى الزينة .
٢٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
٢٥١٠- (٥) وعن أبى مالك الأشجعى، عن أبيه، قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبى وَه
الصلاة ، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم اغفرلى، وارحمنى، واهدنى، وعاقی ، وارزقنى
رواه مسلم.
٢٥١١ - (٦) وعن أنس قال كان أكثر دعاء النبي ◌َّى: اللهم آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة
حسنة ، وقنا عذاب النار.
٢٥١٠ - قوله (وعن أبى مالك الأشجعى) اسمه سعد بن طارق بن أشيم، تقدم ترجمته وترجمة أبيه فى (ج ٢:
ص ٢٢٣) (كان الرجل إذا أسلم علمه النبى معَّم الصلاة) أى جنس مسائل الصلاة من شروطها وأركانها أو الصلاة
تحضره فإنه فرض عينه (ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات) لكونها جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة (اللهم اغفرلى)
أى بمحوذنوبي (وارحمنى) أى بسترعيوبى (واهدنى) أى إلى سبيل السلامة أو ثبتنى على مج الاستقامة (وعافى) أى من
البلايا والخطايا (وارزقنى) أى رزقا حلالا (رواه مسلم) فى الدعاء وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ٤٧٢) وروى مسلم
وأحمد أيضا (ج ٣: ص ٤٧٢ وج ٦: ص ٣٩٤) وابن ماجه فى الدعاء من طريق يزيد بن هارون عن أبى مالك الأشجعى
عن أبيه أنه سمع النبى مَّ وأتاه رجل فقال يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربى؟ قال: قل اللهم اغفرلي وارحمنى
وعافى وارزقنى ، ويجمع أصابعه إلا الابهام فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك.
٢٥١١ - قوله (كان أكثر دعاء النبى معَي) أى لكونه دعاء جامعا ولكونه من القرآن مقتبسا وجعل الله
داعيه ممدوحا (اللهم آتنا فى الدنيا) أى قبل الموت، وهذا لفظ البخارى فى الدعوات ورواه فى تفسير البقرة بلفظ «كان
النبى ◌َّ يقول: اللهم ربنا آتنا فى الدنيا. وأخرجه مسلم وغيره بلفظ ((كان أكثر دعوة يدعو بها يقول اللهم آتنا فى
الدنيا، إلى آخره. قال وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة (أى واحدة) دعا بها (أى بهذه الدعوة أى اللهم آتنا فى
الدنيا حسنة إلى آخره) وإذا أراد أن يدعوبدعاء (أى كثير طويل) دعا بها فيه (أى بهذه الدعوة فى ضمن دعواته الكثيرة)
والبغوى قال ((كان رسول اللّه مَّه يكثر أن يقول)) (حسنة) أى كل ما يسمى نعمة ومنحة عظيمة وحالة مرضية
(وفى الآخرة) أى بعد الموت (حسنة) أى مرتبة مستحسنة (وقنا عذاب النار) أى احفظنا منه وما يقرب إليه، قال الطبيبى:
قوله ((وقنا عذاب النار)) تنسيم أى إن صدر منا ما يوجبه من التقصير والعصيان فاعف عنا وقنا عذاب النار. قيل:
المراد بالحسنة كل ما يعطاه العبد فى الدنيا بما يلائم طبعه من العيشة الطبية والغنى والعافية والمرأة الحسنة وغير ذلك مما
تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من المباح الحلال وكذلك كل ما يعطاء فى الآخرة يكون حسنة بلا واسطة أو بواسطة،
٢٥٠

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
متفق عليه.
وأما ما يذكر عن على أن الحسنة فى الدنيا المرأة الصالحة وفى الآخرة الحور العين، وعذاب النار المرأة السوء،
وعن الحسن البصرى أنها العلم النافع والعبادة والرزق الطيب، وفى الآخرة الجنة ، وعن قتادة أنها العافية فى الدنيا
والآخرة. وعن السدى ومقاتل أن حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع والعمل الصالح وحسنة الآخرة المغفرة والثواب.
وعن عطية حسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة ، وعن غيره أن حسنة الدنيا الصحة والكفاف والعفاف فى
الدنيا والثواب والرحمة فى الآخرة ونحو ذلك فمثال لا غير قال القاضى عياض: إنما كان يكثر الدعاء بهذه الآية لجمعها
معانى الدعاء كلها من أمر الدنيا والآخرة، قال: والحسنة عندهم ههنا النعمة فسأل نعيم الدنيا والآخرة والوقاية من
العذاب وقال ابن كثير فى تفسيره: جمعت هذه الدعوة كل خير فى الدنيا وصرفت كل شر فإن الحسنة فى الدنيا تشمل كل
مطلوب دنيوى من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة وولد بارورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هين وثناء
جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين ولا منافاة بينها فإنها كلها مندرجة فى الحسنة فى الدنيا، وأما الحسنة
فى الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر فى العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من
أمور الآخرة الصالحة ، وأما النجاة من النار والوقاية من عذابه فهو يقتضى تيسير أسبابه فى الدنيا من اجتناب المحارم
والآثام وترك الشبهات والحرام. قال الحافظ: أو العفو محضا ومراده بقوله وتوابعه ما يلتحق به فى الذكر لا ما يتبعه
حقيقة - انتهى. وقال القرطبي: والذى عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة. قال وهذا
هو الصحيح فإن اللفظ يقتضى هذا كله فإن ((حسنة)) نكرة فى سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل
وحسنة الآخرة الجنة بإجماع - انتهى. وقال القارى: لعله ريم كان يكثر هذا الدعاء لأنه من الجوامع التى تحوز
جميع الخيرات الدنيوية والأخروية، وبيانه أنه مؤلفينم كرر الحسنة ونكرها وقد تقرر فى علم المعانى أن النكرة إذا أعيدت
كانت غير الأولى فالمطلوب فى الأولى الحسنات الدنيوية من الاستقامة والتوفيق والوسائل إلى اكتساب الطاعات
والميراث بحيث تكون مقبولة عند الله، وفى الثانية ما يترتب عليها من الثواب والرضوان فى العقبى، وفى تفسير الآية
أقوال كثيرة كلها ترجع إلى المعنى الأعم ـ انتهى. وقال الشوكانى: الظاهر أن المراد أنه يكون ما يعطاء فى الدنيا
حسنة فيكون كل خصلة من خصال الدنيا حسنة وكل خصلة من خصال الآخرة حسنة أو يقال: المراد حسن المعاش
وحسن المعاد وحسن الحياة وحسن المات فإن ذلك يستلزم أن يكون كل أمور دنياه وآخرته حسنة (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى تفسير البقرة وفى الدعوات، ومسلم فى الدعاء واللفظ للبخارى فى الدعوات ، وأخرجه أيضا أحمد
) والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ١٣٠، ١٣٤) وأبو داود فى أواخر الصلاة والنسائى
ص
(ج
فى اليوم والليلة والبغوى (ج ٥: ص ١٨٢،١٨١).
٢٥١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩- كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
الفصل الثانى )
٢٥١٢ - (٧) عن ابن عباس، قال: كان النبى مَّ يدعو، يقول: رب أعنى ولا تعن على،
وانصرفى ولا تنصر على، وامكر لى ولا تمكر على، واهدنى، ويسر الهدى لى، وانصرنى على من بغى
على، رب اجعلنى لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مطواعا، لك مخبتا،
٢٥١٢ - قوله (يقول) بدل أو حال (رب أعنى) من الإعانة ((أى على أعدائى فى الدين والدنيا من النفس
والشيطان والجن والانس (ولا تعن على) أى أحدا منهم (وانصرنى ولا تنصر على) أحدا من خلقك، أى لا تسلطهم
على (وامكرلى ولا تمكر على) بضم الكاف فيها أى أعنى على أعدائى بإيقاع المكر منك عليهم لا على. قال الطيبي:
المكر الخداع وهو من الله إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقد يكون مكر الله باستدراجه بطول العمر
وحسن الصحة وبظاهر النعمة، وقديكون باستدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة وهى مردودة بما وقع فيها من الرياء
والسمعة. والحاصل ألحق مكرك بأعدائى لا بى. وقال ابن الملك: المكر الحيلة والفكر فى دفع عدو بحيث لا يشعر به
العدو، فالمعنى ((اللهم اهدفى إلى طريق دفع أعدائى عنى ولا تهد عدوى إلى طريق دفعه إياى عن نفسه (واهدنى) أى
دلنى على الخيرات والمبرات (ويسر الهدى لى) أى وسهل اتباع الهداية أو طرق الدلالة لى حتى لا أستثقل الطاعة ولا أشتغل
عن الطاعة (وانصرنى على من بنى على) أى ظلنى وتعدى على (رب اجعلنى لك شاكرا) أى لا لغيرك (لك ذا كرا)
أى لا لمن سواك (لك راهبا) أى خائفا منك خاصة فى السراء والضراء، فتقديم الجار والمجرور للاهتمام والاختصاص
أو لتحقيق مقام الإخلاص، وهذا لفظ أبى داود ولأحمد والترمذى وابن ماجه وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة
والبغوى («لك ذكارا، لك شكارا، لك رهابا)) أى على وزن فعال بصيغة المبالغة فى المواضع الثلاثة أى كثير الذكرلك فى
الأوقات والآناء، كثير الشكر على النعماء والآلاء، كثير الخوف والرهبة من المعصية ومن الغضب والسخط، أو جامعا الشكر
القلب وشكر العمل وشكر اللمان، وشكر القلب أن تعلم أن كل نعمة عليك فهى من الله وأن تلذ بكونها من الله وشكر
العمل أن تجعل النعمة فى محلها كما أمر الله وشكر اللسان التلفظ بحمده بعد هذا العلم والعمل (الك مطواعا) بكسر الميم
مفعال البالغة أى كثير الطوع وهو الانقياد والطاعة يعنى كثير الطاعة لأمرك والانقياد إلى قبول أوامرك ونواميك ،
وفى رواية ابن ماجه وابن أبى شيبة (مطيعا، من الإطاعة أى منقادا (لك مخبتًا) من الاخبات وهو الخشوع والتواضع
والخضوع أى اجعلنى لك خاشعا خاضعا متواضعا، قال فى القاموس: أخبت خشع. وقيل: من الخبت بفتح فسكون
وهو المطمئن من الأرض، يقال أخبت الرجل قصد الخبت أو نزله نحو أسهل، ثم استعمل الخبت استعمال اللين
والتواضع، قال الله تعالى ﴿ وأخبتوا إلى ربهم - ١١: ٢٣ ) أى اطمأنوا وسكنت نفوسهم إلى أمره فالمخبت هو
٢٥٢

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
إليك أواها منييا، رب تقبل توبتى ، واغسل حوبتى، وأجب دعوتى، وثبت حجتى، وسدد لسانى،
واهد قلبى، واسلل سخيمة صدرى. رواه الترمذى وأبو داود وابن ماجه.
المتواضع الذى اطمأن قلبه إلى ذكر ربه وأقيم اللام مقام (إلى) لتفيد الاختصاص قال تعالى (وبشر المخبتين الذين إذا
ذكر الله وجلت قلوبهم الآية - ٢٢: ٣٥) وفى رواية البغوى («إليك مخبتاء (إليك) والبغوى ((لك، مكان («إليك،
(أواها) بتشديد الواو أى كثير التأوه من الذنوب وهو التضرع، وقيل: كثير الدعاء، وقيل: كثير البكاء، وقال القارى:
أى متضرعا فعال البالغة من أوه تاويها وتأوه تأوها إذا قال أوه أى قائلا كثيرا لفظ أوه وهو صوت الحزين أى اجعاتى
حزينا ومتفجعا على التفريط أو هو قول النادم من معصيته المقصر فى طاعته، وقيل: الأواه البكاء (منيا) من الإنابة أى
راجعا إليك فى أمورى كلها ، وقيل التوبة رجوع من المعصية إلى الطاعة والإنابة من الغفلة إلى الذكر والفكرة والأوبة
من الغيبة إلى الحضور والمشاهدة. قال الطيبي: وإنما اكتفى فى قوله ((أواها منييا)) بصلة واحدة لكون الإنابة لازمة
التأوه ورديفا له فكأنه شئ واحد ومنه قوله تعالى ﴿إن إبراهيم لحليم أواه منيب - ١١: ٧٥) (رب تقبل توبتى)
يجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها فإنها لا تتخلف عن حيز القبول قال تعالى (وهو الذى يقبل التوبة عن
عباده - ٤٢: ٢٥﴾ (واغسل حوبتى) بفتح الحاءوتضم أى امح ذني وازل خطيئتي وإنمى. قيل: هى مصدر حبت بكذا
أى أثمت ، تحوب حوبة وجوبا وحباية والحوب بالضم ، والحساب الاثم سمى بذلك لكونه مزجورا عنه إذ الحوب فى
الأصل لزجر الإبل وذكر المصدر دون الاثم وهو الحوب لأن الاستبراء من فعل الذنب أبلغ منه من نفس الذنب
كذا قيل ، ويمكن أن يكون مراعاة للسجع، ثم ذكر الغسل ليفيد إزالته بالكلية بحيث لا يبقى منه أثر، والتنزه والتفصى
عنه كالتنزه عن القذر الذى يستنكف عن مجاورته (وأجب دعوتى) أى دعائى (وثبت حجتى) أى على أعدائك فى الدنيا
والعقبى أو ثبت قولى وتصديقى فى الدنيا وعند جواب الملكين فى القبر وقيل: أى قو إيمانى بك وثبتنى على الصواب عند
السؤال (وسدد لسانى) أى صوبه وقومه حتى لا ينطق إلا بالصدق ولا يتكلم إلا بالحق (واهد قلبي) أى إلى الصراط
المستقيم وقيل أى إلى معرفة ربى، وقيل: أى إلى درك الحقائق الشرعية (واسلل) بضم اللام الأولى أى أخرج وأنزع
من سل السيف إذا أخرجه من الغمد (سخيمة صدرى) بضم المهملة وكسر المعجمة أى غشه وغله وحقده. قيل:
السخيمة الضغينة من السخمة وهو السواد ومنه سخام القدر وإنما أضاف السخيمة إلى المصدر إضافة الشئى إلى محله
والمعنى أخرج من صدرى وانزع عنه ما ينشأ منه ويسكن فيه ويستولى عليه من مساوى الأخلاق وفى رواية ابن حبان
والبغوى («قلبي، بدل ((صدرى)) (رواه الترمذى) فى الدعوات (وأبو داود) فى أواخر الصلاة (وابن ماجه) فى الدعاء
وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٢٧) والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ١١٨، ١١٩) والنسائى فى اليوم
والليلة ، وابن حبان فى صحيحه والحا کم (ج ١ : ص ٥٢٠) وابن أبي شيبة والبغوى (ج ٥: ص ١٧٥، ١٧٦) وقال
٢٥٣

مرعاة المفاتيح ج٨
٩٠ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
٢٥١٢ - (٨) وعن أبى بكر، قال: قام رسول اللّه مَّل على المنبر ثم بكى، فقال: سلوا الله العفو
والعافية ، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية.
الترمذى: هذا حديث حسن صحيح وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذرى كلام الترمذى وأقره ، وقال الحاكم: حديث
صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٥١٣ - قوله (ثم بكى) وفى رواية ابن حبان «لفتقته العبرة ثلاث مرات)) قيل إنما بكى لأنه علم وقوع أمته فى
الفتن وغابة الشهوة والحرص على جمع المال وتحصيل الجاه فأمرهم بطلب العفو والعافية ليعصمهم من الفتن (سلوا الله العفو)
الذنب وترك العقاب عليه وأصله المحو والطمس (والعافية)
أى عن الذنوب ، قال فى النهاية العفو معناه التجاوز عن
زاد فى رواية لأحمد والحاكم والبغوى واليقين فى الأولى والآخرة. قيل العافية هى السلامة فى الدين من الفتنة وفى البدن
من الأسقام والمحبة، قال فى الصحاح: عافاه الله وأعفاه بمعنى واحد والاسم العافية، وهى دفاع اللّه تعالى عن العبد، وتوضع
موضع المصدر فيقال عافاه عافية فقوله دفاع الله عن العبد يفيد أن العافية تشمل جميع ما يدفعه اللّه عن العبد من البلايا
كائنة ما كانت. وقال فى النهاية العافية أن تسلم من الأسقام والبلايا وهذا يفيد العموم كما أفاده كلام صاحب الصحاح، وقال
فى القاموس: والعافية دفاع اللّه عن العبد، عافاه الله من المكروه معافاة وعافية وهب له العافية من العلل كا عفاه-انتهى.
وهكذا كلام سائر أئمة اللغة، وبهذا علم أن العافية هى دفاع اللّه عن العبد، وهذا الدفاع المضاف إلى الاسم الشريف
يشمل كل نوع من أنواع البلايا والمحن فكل ما دفعه اللّه عن العبد منها فهو عافية، ولهذا قال النبى مَّه (فإن أحدا
لم يعط بعد اليقين) أى الايمان، وفى رواية لأحمد وابن حبان «بعد كلمة الإخلاص (خيرا من العافية) قال الطيبي: وهى
السلامة من الآفات فيندرج فيها العفو - انتهى. يعنى ولعموم معنى العافية الشاملة للعفو اكتفى بذكرها عنه والتنصيص
عليه سابقا للايماء إلى أنه أهم أنواعها قال الشوكانى: أمر النبي ◌َّ أن يسأل الإنسان ربه أن يرزقه العفو الذى هو
العمدة فى الفوز بدار المعاد وبأن يرزقه العافية التى هى العمدة فى صلاح أمور الدنيا والسلامة من شرورها ومحنها فكان
هذا الدعاء من الكلم الجوامع والفوائد النوافع فعلى العبد أن يستكثر من الدعاء بالعافية وقد أغنى عن التطويل فى ذكر
فوائدها ومناضها ما ذكره رسول اللّه مَّ فى هذا الحديث فإنها إذا كانت بحيث أنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرا منها
فقد فاقت كل الخصال وارتفعت درجتها كل خير وقد ورد فى حديث العباس عند أحمد والبخارى فى الأدب المفرد
والترمذى والطيرانى ما يدل على أن العافية تشمل أمور الدنيا والآخرة وهو الظاهر من كلام أهل اللغة لأن قولهم دفاع
الله عن العبد غير مقيد بدفاعه عنه لأمور الدنيا فقط بل يعم كل دفاع يتعلق بالدنيا والآخرة، قال: وفى أمره مَ ◌ّه
العباس بالدعاء بالعافية بعد تكرير العباس سؤاله بأن يعلمه شيئا يسأل الله به دليل جلى بأن الدعاء بالعافية لا يساويه شئى
٢٥٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
رواه الترمذى وابن ماجه. وقال الترمذى : هذا حديث حسن غريب إسنادا.
٢٥١٤ - (٩) وعن أنس أن رجلا جاء إلى النبي عليهم فقال: يا رسول الله! أى الدعاء أفضل؟
قال : سل ربك العافية والمعافاة فى الدنيا والآخرة ، ثم أتاه فى اليوم الثانى فقال: يا رسول الله!
أى الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك ، ثم أناه فى اليوم الثالث فقال له مثل ذلك. قال : فإذا
أعطيت العافية والمعافاة فى الدنيا والآخرة
من الأدعية، وقد كان رسول اللّه مَولم ينزل عمه العباس منزلة أبيه ويرى له من الحق ما يراه الواد لوالده ففى تخصيصه
بهذا الدعاء وقصره على مجرد الدعاء بالعافية تحريك لهم الراغبين على ملازمته وأن يجعلوه من أعظم ما يتوسلون به إلى
ربهم ويستدفعون به فى كل ما يهمهم ثم كلمه تَفي بقوله «سل الله العافية فى الدنيا والآخرة)) فكأن الدعاء من هذه الحيثية
قد صار عدة لدفع كل ضر وجلب كل خير (رواه الترمذى وابن ماجه) فى الدعاء وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٣،
٤، ٧،٥، ٨، ٩، ١٠) والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ١٨٦) والنسائي وابن حبان والحاكم (ج ١: ص ٥٢٩)
والبغوى (ج ): ص ١٧٨) وأبو بكر المروزى فى مسند أبى بكر الصديق (وقال الترمذى هذا حديث حسن غريب إسنادا)
تميز عن الثانى فإن الغرابة قد تكون فى المتن وأخرى فى الإسناد كما هو مقرر فى موضعه، وأما الحسن فلا يكون إلا
باعتبار إسناده، فليس فيه إبهام ليحتاج إلى رفعه بالتمييز قاله القارى. قلت: الذى فى الترمذى هذا حديث حسن غريب
من هذا الوجه عن أبى بكر - انتهى. وهذا واضح، وكأن ما فى المشكاة نقل بالمعنى. وقال البغوى بعد روايته: هذا
حديث غريب. والحديث رواه النسائى من طرق وعن جماعة من الصحابة. قال المنذرى وأحد أسانيده صحيح. وقال
الحاكم حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٥١٤ - قوله (سل ربك العافية والمعافاة) يعنى أن الدعاء بالعافية أفضل من غيره من الأدعية لاشتماله على جلب
كل نفع ودفع كل ضر، وقد تقدم كلام صاحب الصحاح وصاحب القاموس فى بيان معنى العافية والمعافاة ، وقال
الجزرى فى النهاية: العافية أن تسلم من الأسقام والبلايا وهى الصحة وضد المرض والمعافاة هى أن يعافيك الله من الناس
ويعانيهم منك أى يغنيك عنهم ويغنيهم عنك ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم. وقيل هى مفاعلة من العفو وهو أن
يعفوعن الناس ويعفواهم عنه - انتهى. وقال فى اللعات: أراد بالعافية السلامة عن جميع الآفات الظاهرة والباطنة
ويدخل فيه الايمان ولذلك سمى هذا الدعاء أفضل ، والمعافاة مفاعلة من العافية فالمعنى أن يعافيك الله عن الناس،
يصرف عنك أذاهم وأذاك عنهم، وقيل مفاعلة من العفويعنى عفوك عنهم وعفوهم عنك والمآل واحد (فقال له مثل ذلك)
٢٥٥

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
فقد أفلحت. رواه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب إسنادا.
٢٥١٥ - (١٠) وعن عبد الله بن يزيد الخطمى، عن رسول اللّه ◌َفى أنه كان يقول فى دعائه:
اللهم ارزقنى حبك وحب من ينفعنى حبه عندك، اللهم ما رزقتنى مما أحب فاجعله قوة لى فيما تحب،
اللهم ما زويت عنى
أى مثل ذلك الفول فنصبه على المصدرية (فقد أفلحت) أى فزت مرادك وظفرت بمقصودك بين له بذلك عظم ذلك الدعاء وعموم
بركته لمصالح الدنيا والآخرة ، وفى الحديث التصريح بأن الدعاء بالعافية أفضل الدعاء ولا سيما بعد تكريره السائل فى
ثلاثة أيام حين أن يأتيه للسؤال عن أفضل الدعاء فأفاد هذا أن الدعاء بالعافية أفضل من غيره من الأدعية ، ثم فى قوله
«فإذا أعطيت العافية، إلخ. دليل ظاهر واضح بأن الدعاء بالعافية يشمل أمور الدنيا والآخرة لأنه قال هذه المقالة بعد
أن قال له سل ربك العافية ثلاث مرات فكان ذلك كالبيان لعموم بركة هذه الدعوة بالعافية لمصالح الدنيا والآخرة ثم
رتب على ذلك الفلاح الذى هو المقصد الأسنى والمطلب الأكبر (رواه الترمذى وابن ماجه) فى الدعاء وأخرجه أيضا
أحمد (ج ص ) والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ٩٣) وابن أبى الدنيا كلهم من طريق سلة بن
وردان عن أنس وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه إنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان - انتهى.
قلت: سلمة هذا ضعيف، والظاهر أن الترمذى حسنه لشواهده.
٢٥١٥ - قوله (وعن عبد الله بن يزيد) بمثناتين تحتيتين من الزيادة ، ابن زيد بن حصين الأنصارى الأوسی
(الخطمى) بفتح المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى خطة بن جشم بن مالك بن الأوس، كان من أفاضل أصحاب
النبى ◌َُّ ، قال ابن الأثير يكنى أبا موسى وهو كوفى وله بها دار، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة وشهد ما
بعدها ، واستعمله عبد الله بن الزبير على الكوفة، وكان الشعبى كاتبه لما كان أميرا على الكوفة وشهد مع على بن أبى طالب
الجمل وصفين والنهروان. قال الدار قطنى: له ولأبيه صحبة، شهد بيعة الرضوان وهو صغير، وشهد أبوه أحدا وما
بعدها وهلك قبل فتح مكة (اللهم ارزقنى حبك) أى لأنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون
الله أحب إليه مما سواه، فقوله ((حبك)) فيه إضافة المصدر إلى مفعوله (وحب من ينفعنى حبه عندك) كالملائكة والأنبياء
والأصفياء والأتقياء، والظرف متعلق ينفعنى، (اللهم ما رزقتنى بما أحب) أى الذى أعطيتنى من الأشياء التى أحبها من
صحة البدن وقوته وأمتعة الدنيا من المال والجاه والأولاد والفراغ وسائر النعم (فاجعله قوة) أى عدة (لى فيما تحب)
بأن أصرفه فيما تحبه وترضاه من الطاعة والعبادة (اللهم ما زويت غنى) فى الترمذى ((اللهم وما زويت)، بزيادة الواو
وهكذا نقله فى جامع الأصول والجامع الصغير وجمع الفوائد والحصن ، أى ما صرفت ونحيت من الزى بمعنى القبض
٢٥٦
١
أ

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
مما أحب فاجعله فراغا لى فيما تحب. رواه الترمذى.
٢٥١٦ - (١١) وعن ابن عمر، قال: قلما كان رسول اللّهمح اللَّه يقوم من مجلس حتى يدعو
بهؤلاء الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك،
والجمع، يقال: زوى فلان المال عن وارثهزيا ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: اللهم ازولنا الأرض وهون علينا
السفر أى الطوهاكما فى رواية أخرى أى وما قبضته ونحيته وصرفته عنى بأن منعتنى ولم تعطنى (ما أحب) أى مما
أشتهيه من المال والجاه والأولاد وامثال ذلك (فاجعله فراغا لى) أى سبب فراغ خاطرى (فيما تحب) أى من الذكر
والفكر والطاعة والعبادة ، قال القاضى: يعنى ما صرفت عنى من محابى فتحه عن قلبى واجعله سببا الفراغى لطاعتك ولا
تشغل به قلبي فيشغل عن عبادتك. وقال الطبي: أى اجعل ما نحيته عنى من محابى عونا على شغلى بمحابك وذلك أن
الفراغ خلاف الشغل فإذا زوى عنه الدنيا ليتفرغ لمحاب ربه كان ذلك الفراغ عونا له على الاشتغال بطاعة الله.
ذكره القارى (رواه الترمذى) فى الدعوات وقال: هذا حديث حسن غريب، قال ابن القطان: ولم يصححه لأن رواته
ثقات إلا سفيان بن و کیح فتهم بالكذب وترك الرازیان حديثه بعد ما کتباه. وقيل لأبى زرعة أکانیکذب ؟ قال :
نعم. كذا فى فيض القدير (ج ٢: ص ١٠٢) قلت: سفيان هذا من شيوخ الترمذى، قال الحافظ عنه كان صدوقا إلا
أنه ابتلى بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنضح فلم يقبل فسقط حديثه.
٢٥١٦ - قوله (قلما كان رسول اللّه مَّ) أى ما كان رسول اللّه مؤلّ، اتصلت مهنا حرف ما الكافة الزائدة
بقل فكفته عن عمل الرفع كما فى قول الشاعر :
يورث المجد داعيا أو مجيبا
قلما يبرح اللبيب إلى ما
قال شيخنا : قد تتصل ما بقل فيقال: قلما جئت وتكون ما كافة عن عمل الرفع فلا اقتضاء للفاعل وتستعمل قلا لمعنين ..
أحدهما النفى الصرف والثانى إثبات الشئى القليل (يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه) وبعض نسخ
الترمذى بهذه الكلمات، وفى رواية ابن السنى «كان ابن عمر إذا جلس مجلسا لم يقم حتى يدعو لجلسائه بهذه الكلمات.
وزعم أن رسول اللّه ◌َلَّه كان يدعو بهن لجلساته (اللهم اقسم لنا) أى اجعل لنا قسما ونصيبا (من خشيتك) أى من
خوفك، والخشية الخوف أو خوف مقترن بالتعظيم (ما تحول به) من حال يحول حيلولة، أى مقدارا تحجب أنت
بسببه (بيننا وبين معاصيك) فإنه لا أمنع لها من خشية الله تعالى. وقيل لأن القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت
الأعضاء جميعها من ارتكاب المعاصى وبقدر قلة الخوف يكون الهجوم على المعاصى فإذا قل الخوف جدا واستولت
الغفلة كان ذلك من علامة الشقاء، ومن ثم قالوا المعاصى بريد الكفر كما أن القبلة بريد الجماع والغناء بريد الزنا.
والنظر بريد العشق والمرض بريد الموت والعاصى من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالعقل والبدن والدنيا
٢٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا
وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ،
والآخرة ما لا يحصيه إلا الله وقوله «ما تحول به، كذا وقع فى أكثر نسخ المشكاة، وهكذا فى المصابيح وشرح السنة
وابن السى وعدة الحصن، ووقع فى بعض نسخ المشكاة ما يحول بالتحتية أى بالتذكير على أن الضمير لما وترك به
وهكذا وقع فى الترمذى أى اجعل لنا من خوفك قسما ونصيبا يحجب ويمنع هو بيننا وبينها واختلفت نسخ الحصن فى
ذلك (ومن طاعتك) بإعطاء القدرة عليها والتوفيق لها (ما تبلغنا) بتشديد اللام المكسورة أى توصلنا أنت (به جنتك)
أى مع شمولنا برحمتك وليست الطاعة وحدها مبلغنة (ومن اليقين) أى بك وبأنه لا راد لقضائك وبأنه لا يصيبنا إلا
ما كتبت لنا وبأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وما أصابنالم يكن ليخطتنا وبأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب
منفعة ومثوبة (ما تهون به) من التهوين أى تسهل به أنت بذلك اليقين (مصيبات الدنيا) وفى رواية الحاكم وابن السنى
«مصائب الدنيا، أى من المرض والغم والجراحة وتلف المال والأولاد فإن من علم يقينا أن ما يصيبه من المصيبات فى
الدنيا يعطيه الله عوضه فى الآخرة الثواب ويكفر السيئات ويرفع الدرجات لا يغتم بما أصابه ولا يحزن بما نانه بل
يفرح بذلك غاية حرصه على تحصيل الثواب (ومتعنا) أى التمتيع أى اجعلنا متمتعين منتفعين (بأسماعنا وأبصارنا
وقوتنا) أى أن نستعملها فى طاعتك، وقال ابن الملك: التمتيع بالسمع والبصر إبقاءهما صحيحين إلى الموت (ما أحييتبا)
أى مدة حياتنا، قال الطبي: وإنما خص السمع والبصر بالتمتيع من الحواس لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة الله
وتوحيده إنما تحصل من طريقهما لأن البراهين إنما تكون مأخوذة من الآيات المنزلة وذلك بطريق السمع أو من الآيات
المنصوبة فى الآفاق والأنفس وذلك بطريق البصر فسأل التمتيع بهما حذرا من الانخراط فى سلك الذين ختم الله على
قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، ولما حصلت المعرفة بالأولين يترتب عليها العبادة فسأل القوة ليتمكن بها من
عبادة ربه - انتهى. والمراد بالقوة قوة سائر الأعضاء والحواس أو جميعها فيكون تعميما بعد تخصيص (واجعله)
أى كل واحد منها أو أى المذكور من الأسماع والأبصار والقوة، فالضمير راجع لما سبق من الأسماع والأبصار والقوة
وإفراده وتذكيره على تاويلها بالمذكور أى اجعل ما متعتنا به (الوارث) أى الباقى (منا) أى بأن يبقى إلى الموت. قال
البغوى: قوله «واجعله الوارث منا، أى أبقه معى حتى أموت. قيل: أراد بالسمع وعى ما يسمع والعمل به، وبالبصر
الاعتبار بما يرى، وقيل: يجوز أن يكون أراد بقاء السمع والبصر بعد الكبر وانحلال القوى فيكون السمع والبصر
وارفى سائر القوى والباقيين بعدها ورد الهاء إلى الإمتاع فلذلك وحده فقال «واجعله الوارث منا، ـ انتهى. وقال فى
اللغات: الضمير فى قوله اجعله للصدر المحذوف الذى هو الجعل أى اجمل الجعل وهو المفعول المطلق وعلى هذا الوارث
مفعول أول ومنا فى محل المفعول الثانى أى اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة منا، والكلالة قرابة ليست من جهة
٢٥٨
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا فى ديننا ، ولا تجعل الدنيا
أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا. رواه الترمذى وقال: هذا حديث
حسن غريب .
الولادة وهذا الوجه قد ذكره بعض النحاة فى قولهم: أن المفعول قد يضمر ولكن لا يتبادر إلى الفهم من اللفظ ولا
ينساق الذهن إليه كما لا يخفى. وقيل: إن الضمير فيه التمتع الذى هو مدلول متعنا والمعنى اجعل تمتعنا بها باقيا مأثورا
فيمن بعدنا لأن وارث المرأ لا يكون إلا الذى يبقى بعده وهو المفعول الأول والوارث مفعول ثان و«منا، صلته، وهذا
المعنى يشبه سوال خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام (واجعل لى لسان صدق فى الآخرين ٢٦: ٨٤)
وقيل: معنى ورائته دوامه إلى يوم الحاجة إليه يعنى يوم القيامة والأول أوجه لأن الوارث إنما يكون باقيا فى
الدنيا. وقيل: إن الضمير للأسماع والأبصار والقوة بتأويل المذكور ومثل هذا شائع فى العبارات لا كثير تكلف
فيها ، وإنما التكلف فيما قيل إن الضمير راجع إلى أحد المذكورات، ويدل ذلك على وجود الحكم فى الباقى لأن كل
شيئين تقاربا فى معنسيهما فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر والمعنى بورائتها لزومها إلى موته لأن الوارث يلزم
إلى موته - انتهى (واجعل ثأرنا) بالهمزة بعد المثلثة المفتوحة أى إدراك ثأرنا (على من ظلمنا) أى مقصورا عليه
ولا تجعلنا ممن تعدى فى طلب ثأره فأخذ به غير الجانى كما كان معهودا فى الجاهلية فيرجع ظالمين بعد أن كنا مظلومين،
وأصل الثأر الحقد والغضب ثم غلب استعماله فى طلب الدم من القاتل يقال ثأرت القتيل وبالقتيل أى قتلت قاتله
(وانصرنا على من عادانا) أى ظفرنا عليه وانتقم منه (ولا تجعل مصيتنا فى ديننا) أى لا قصبنا بما ينقص ديننا من
اعتقاد السوء وأكل الحرام والفترة فى العبادة وغيرها (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) ((الهم، القصد والحزن أى لا تجعل
طلب المال والجاه أكبر قصدنا أو حزننا أو لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا بل اجعل أكبر قصدنا أو
حزننا مصروفا فی عمل الآخرة ، وفيه أن قليلا من الهم فيما لا بد منه فى أمر المعاش مرخص فيه بل مستحب بل واجب
(ولا مبلغ علمنا) أى غاية علمنا أى لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا تفكر إلا فى أمور الدنيا بل اجعلنا متفكرين فى أحوال
الآخرة متفحصين عن العلوم التى تتعلق باللّه تعالى وبالدار الآخرة والمبلغ بفتح الميم واللام بينهما موحدة ساكنة الغاية
التى يبلغه الماشى والمحاسب فيقف عنده (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) أى لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظلمة أو
لا تجعل الظالمين علينا حاكمين فإن الظالم لا يرحم الرعية. وقيل: المراد ملائكة العذاب فى القبر وفى النار ولا مانع من
إرادة معنى الجمع هذا وقد أطال الشوكانى فى شرح هذا الدعاء وأطاب فى بيان فوائده فى تحفة الذا کرین (ص ٣٠٠،
(٣٠١) فارجع إليه (رواه الترمذى) فى الدعوات وأخرجه أيضا النسائى وابن السنى (ص ١٤٣) والحاكم (ج ١:
ص ٥٢٨) والبغوى (ج ٥: ص ١٧١) (وقال هذا حديث حسن غريب) وقال الحاكم: صحيح على شرط البخارى
٢٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
٢٥١٧ - (١٢) وعن أبى هريرة، قال: كان رسول اللّه عَّل يقول: اللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى
ما ينفعنى، وزدنى علما. الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار. رواه الترمذى
وابن ماجه، وقال الترمذى: هذا حديث غريب إسنادا.
وأقره الذهبي، وفى إسناده عبد الله بن زحر وقد ضعفوه بما يقتضى أن لا يكون حديثه صحيحا ، بل غاية رتبة هذا
الحديث أن يكون حسنا كما قال الترمذى فقد قال أبو زرعة: أنه صدوق، وقال النسائى لا بأس به. قال فى المنار:
فالحديث لأجله حسن لا صحيح.
٠
٢٥١٧ - قوله (اللهم انفعنى بما علمتنى) أى فى الأزمنة السابقة يعنى بالعمل بمقتضاه خالصا لوجهك (وعلمنى)
أى فيما بعد (ما ينفعنى) أبى علىما ينفعنى، فيه أنه لا يطلب من العلم إلا النافع والنافع ما يتعاو بأمر الدين والدنيا فيما يعود فيها على
فقع الدين وإلا فما عدا هذا العلم فإنه ممن قال الله فيه: ﴿ ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم - ٢: ١٠٢) أى بأمر الدين فإنه
ففى العلم عن على السحر لعدم تفعه فى الآخرة بل لأنه ضار فيها وقد ينفعهم فى الدنيا لكنه لم يعد نفعا (وزدنى ١٥]) مضافا
إلى ما علمتنيه. وقال السندى: أى نافعا بقرينة السياق أو هو مبنى على تنزيل غير النافع بمنزلة الجهل. قال الظبي:
طلب أولا النفع بما رزق من العلم وهو العمل بمقتضاه ثم توخى علما زائدا عليه ليترقى منه إلى عمل زائد على ذلك، وفيه
إشارة إلى أن من عمل بما على ورثه اللّه على لا يعلم، ثم قال ((رب زدنى علماء يشير إلى طلب الزيادة فى السير والسلوك
إلى أن يوصله إلى مخدع الوصال فظهر من هذا أن العلم وسيلة إلى العمل وهما متلازمان. ومن ثم قيل ما أمر الله
ورسوله بطلب الزيادة فى شئ إلا فى العلم بقوله تعالى: ﴿وقل رب زدنى (١٥) - ٢٠: ١١٤) وهذا من جامع الدعاء
الذى لا مطمع وراءه (الحمد لله على كل حال) من أحوال السراء والضراء فيحمده تعالى لكونه لم ينزل به أشد من هذا.
البلاء الذى نزل به وكم يترتب على الضراء من عواقب حميدة ومواهب كريمة يستحق الحمد عليها: ﴿عسى أن تكرهوا
شيئا وهو خير لكم - ٢: ٢١٦﴾ قال فى الحكم: من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذاك لقصور نظره. وقال الغزالى:
لا شدة إلا وفى جنبها نعم لله فليلزم الحمد والشكر على تلك النعم المقترنة بها. وقوله ((الحمد لله، إلخ كذا وقع فى الترمذى
بغير عطف ووقع عند ابن ماجه، والحمد لله أى بزيادة الواو، قال السندى قوله ((والحمد لله على كل حال)) أى زيادة العلم
وقبل أن يزداد و ظاهر العطف يقتضى أن الجملة إنشائية فلذلك عطفت على إنشائية (وأعوذ بالله من حال أهل النار) من الكفر
والفسوق فى الدنيا والعذاب والعقاب فى العقبى (رواه الترمذى) فى الدعوات (وابن ماجه) فى السنة والدعاء وأخرجه أيضا البغوى
(ج ٥: ص١٢٣) وابن أبى شيبة كما فى الحصن والبزار كما فى تفسير الحافظ ابن كثير (وقال التر مذى: هذا حديث غريب إسنادا)
فى سنده عندهم موسى بن عبيدة الربذى عن محمد بن ثابت عن أبى هريرة وموسى ضعفه النسائى وغيره ومحمد بن ثابت
لم يروه عنه غير موسی. قال الذهي «مجهل» ذكره المناوى، وقال الحافظ فی التقریب: محمد بن ثابت عن أبي هريرة مجهول
٢٦٠