النص المفهرس

صفحات 381-400

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٢٢٨٦ - (٤) وعن أبى موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الذى يذكر ربه،
والذى لا يذكر، مثل الحي والميت. متفق عليه .
الوابل الصيب: أهمر بالشىء وفيه أولح به ولزمه وجعله دأبه وكذا استهتر فيه وبه أى الذين أولعوا بذكر الله
وفيه تفسير آخر أن امتروا فى ذكر الله أى كبروا وهلك أقرانهم وهم فى ذكر الله يقال اهتر الرجل فهو مهتر
اذا سقط فى كلامه من الكبر. والهتر السقط من الكلام كأنه بقى فى ذكر الله تعالى حتى خرف وأنكر عقله والمتر
الباطل أيضاً ورجل مستهتر اذا كان كثير الأباطيل، وحقيقة اللفظ أن الاستهتار الاستكثار من الشىء والولوع
به حقا كان أو باطلا ، وغلب استعماله على المبطل حتى اذا قيل فلان مستهتر لايفهم منه إلا الباطل. وانما اذا
قيد بشى" تقيد به نحو هو مستهتر، وقد اهتر فى ذكر الله أى أو لح به وأغرى به. ويقال استهتر فيه وبه ـ انتهى
والحديث رواه الطبرانى فى الكبير عن أبى الدرداء وفيه ضعف .
٢٢٨٦ - قوله ( مثل الذى يذكر ربه والذى لا يذكر) زاد أبو ذر بعد هذه ربه (مثل الحي والميت)
بفتح الميم والمثلثة فى مثل فى الموضعين، وهو لف ونشر مرتب شبه الذاكر بالحى الذى ظاهره متزين بنور الحياة
وأشراقها فيه، وبالتصرف التام فيما يريده وباطنه بنور العلم والفهم والادراك كذلك الذاكر مزين ظاهره بنور
العلم والطاعة، وباطنه بنور العلم والمعرفة فقلبه مستقر فى حظيرة القدس، وسره فى مخدع الوصل . وغير
الذاكر عاطل ظاهره وباطل باطنه. وقيل: موقع التشبيه بالحمى والميت لما فى الحى من النفع لمن يواليه والضرر
لمن يعاديه وليس ذلك فى الميت، وفى هذا التمثيل منقبة للذاكر جليلة وفضيلة له نبيلة وإنه بما يقع منه من ذكر الله
عز وجل فى حياة ذاتية وروحية لما يغشاه من الأنوار ويصل اليه من الأجور كما أن التارك للذكر، وأن كان فى
حياة ذاتية فليس لها اعتبار بل هو شبيه بالأموات الذين لا يفيض عليهم بشىء ما يفيض على الاحياء المشغولين
بطاعة الله عزوجل ومثل ما فى هذا الحديث قوله تعالى ﴿أو من كان ميتا فأحييناه - الأنعام: ١٢٣) والمعنى
قشبيه الكافر بالميت وقشبيه الهداية إلى الاسلام بالحياة (متفق عليه) واللفظ للبخارى أخرجه فى كتاب الدعوات
ورواه مسلم فى كتاب الصلاة (فى باب استحباب صلاة النافلة فى بيته) بلفظ: مثل البيت الذى يذكر الله فيه
والبيت الذى لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت، وكذا أخرجه الاسماعيلى وابن حبان فى صحيحه وأبو عوانة فلعل
البخارى رواه بالمعنى ، فان الذى يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا المسكن وإن اطلاق الحي والميت
فى وصف البيت إنما يراد به مساكن البيت فهو من باب ذكر المحل وارادة الحال. وقيل: معنى قوله ((مثل
الحى والميت، وفى رواية مسلم أى مثل قلبهما أو مثل مكانهما ولذا ورد لا تجعلوا بيوتكم قبورا أى عالية
عن الذكر.
:
٣٨١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٢٢٨٧ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: أنا عند
ظن عبدى بى،
٢٢٨٧ - قوله (أنا عند ظن عبدى) المؤمن (بى) قال الطيبي: أخذا عن التوربشتى الظن لما كان
واسطة بين الشك واليقين استعمل تارة بمعنى اليقين، وذلك إن ظهرت إماراته وتارة بمعنى الشك اذا ضعفت
علاماته، وعلى المعنى الأول قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم - البقرة: ٤٦﴾ أى يوقنون وعلى
المعنى الثانى قوله تعالى: ﴿وظنوا أنهم الينا لا يرجعون - القصص: ٣٩﴾ أى توهموا، والظن فى الحديث يجوز
إجراءه على ظاهره، ويكون المعنى أنا أعامله على حسب ظنه بى وأفعل به ما يتوقعه منى من خير أو شر. والمراد
الحث على تغليب الرجاء على الخوف وحسن الظن بالله كقوله عليه الصلاة والسلام لا يموتن أحدكم الا وهو يحسن
الظن بالله، ويجوز أن يراد بالظن اليقين والمعنى أنا عند يقينه بى وعلمه بأن مصيره إلى وحسابه علىّ وإن ما قضيت
به له أو عليه من خير أو شر لا مرد له لا معطى لما منعت ولا مانع لما أعطيت - انتهى. وقال القرطبي فى المفهم
قيل معنى ظن عبدى بى ظن الاجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن المجازاة
عند فعل العبادة بشروطها تمسكا بصادق وعده قال، ويؤيده فى الحديث الآخر أدعوا الله وأنتم قنون بالإجابة
قال ولذلك ينبغى الرأ أن يجتهد فى القيام بما عليه موقنا بأن الله يقبله ويغفر له لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف
الميعاد ، فان اعتقد أو ظن إن الله لا يقبلها وإنها لا تنفعه فهذا هو الياس من رحمة الله وهو من الكبائر، ومن
مات على ذلك وكل إلى ما ظن كما فى بعض طرق الحديث المذكور فليظن بى عبدى ما شاء. قال وأما ظن المغفرة
مع الإصرار على المعصية فذلك محض الجهل والعزة وهو يجر الى مذهب المرجئة - انتهى. قلت: تغليب الرجاء
وترجيحه على الخوف قيده بعض أهل التحقيق بالمحتضر. قال الحافظ: ويؤيد ذلك حديث لا يموتن أحدكم الا
وهو يحسن الظن بالله وهو عند مسلم من حديث جابر، وأما قبل ذلك فأقول ثالثها الاعتدال. وقال الشوكانى
فى تحفة الذاكرين فى شرح هذا الحديث : فعلى العبد أن يكون حسن الظن بربه فى جميع حالاته ويستعين على تحصيل
ذلك باستحضار ما ورد من الأدلة الدالة على سعة رحمة الله سبحانه وتعالى فى الكتاب والسنة. وقال ابن عباد :
حسن الظن يطلب من العبد فى أمر دنياه وفى أمر آخرته. أما أمر دنياه فأن يكون واثقا بالله تعالى فى إيصال
المنافع والمرافق اليه من غير كد أو بسعى خفيف مأذون فيه ومأجور عليه، وبحيث لا يفوته ذلك شيئا من
فرض ولا نقل فيوجب له ذلك سكونا وراحة فى قلبه وبدنه فلا يستفزه طلب ولا يزعجه سبب. وأما أمر آخرته
فان يكون قوى الرجاء فى قبول أعماله الصالحة وتوفية أجوره عليها فى دار الجزء فيوجب له ذلك المبادرة
لامتثال الأمر والتكثير من أعمال البر بوجد أن حلاوة ونشاط ومن مواطن حسن الظن بالله تعالى التى لا ينبغى
٣٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب إليه
وأنا معه
للعبد أن يفارقه فيها أوقات الشدائد والمحن، وحلول المصائب فى الأهل والمال والبدن لثلا يقع بعدم ذلك فى
الجزع والسخط . وقيل: الظن تغليب أحد المجوزين بسبب يقتضى التغليب فلو خلا عن السبب المغلب لم يكن
ظنا بل غرة وتمنيا، والمعنى المشهور أنا له كما يظن بى فان ظن إنى أصنع به خيرا صنعت به خيرا، وإن ظن إنى
أصنع به شرا صنعت به شرا. ويشكل على هذا نصوص كثيرة كقوله تعالى: ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى
ويقولون سيغفر لنا - الأعراف: ١٦٩) وقوله تعالى: ﴿وبدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون - الزمر: ٤٧)
وفى الحديث «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواه وبمنى على الله الأمانى)
وقد ورد فى الأمن من مكر الله وقد جاءت نصوص كثيرة فى مدح الخشية من الله عزوجل والخوف منه، وجاء
عن أكابر الصحابة وخيار التابعين آثار كثيرة فى شدة خوفهم ، فمنهم من تمنى إن أمه لم تقلده وإنه كان شجرة
تعضد، والقاعدة فى هذا إن المحمود أن يكون العبد بين الخوف والرجاء ولا يبلغ به الخوف أن ييأس من رحمة
الله عزوجل ولا يبلغ به الرجاء أن يأمن من مكره، وعلامة ذلك أن يكون دائبا فى عمل الخير واجتناب الشر فان
من أيس من رحمة الله فلا يبعد أن يدع ذلك قائلا أنا معذب فى الآخرة لامحالة لكثرة ذنوبى فلما ذا امنع نفسى
هواها فاعذبها فى الدنيا بترك شهواتها ؟ ومن أمن مكر الله تعالى قال إنه ناج لا محالة فلا يضره أن يتبع نفسه
هواها ولم يخلق الله شيسأ إلا للبشر ويقرأ ﴿قل من حرم زينة اللّه التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق -
الأعراف: ٣٢) وينسى إن قليله يدعو إلى كثيره والاسترسال إلى الحلال الكثير يعسر عليه الاجتناب من
الحرام فيغلب فيجترى على مالم يكن له أن يجترى عليه ويقول إنا مؤمن وكل مؤمن حبيب الله ومن شأن المحبوب
أن لا يمنع محبه ما تهواء نفسه ولا يكلفه ما يشق علبه وأشباه ذلك. وقد أجيب بأن الحديث خاص بحال لاحتضار
فالمؤمن المحسن يبدوله من مبشرات تضطره إلى ظن الخير، وإن كان قبل ذلك من أشد الخائفين وغيره يبدوله من
المنذرات ما يضطره الى ظن سوء مصيره، وان كان قبل ذلك آمنا من مكر الله وهذا كما حمل حديث اذا أحب عبدى
لقاءى أحببت لقاءه، وفيه إن لفظ الحديث عام فالتخصيص بلا دليل لا يجوز، وقد يقال أن المراد بالعبد المؤمن
الصالح كما تشعر الاضافة فى قوله عبدى فهو الذى يكون الله عزوجل عند ظنه به اذ لا يظن به إلا الخير والحق
وهو أهل أن لا يخيب رجاء، كما جاء فى من لو أقسم على الله لأبره والله أعلم كذا فى شرح الأدب المفرد
(وأنا معه) أى عونا ونصرا وتائيدا وتوفيقا وتحصيلا لمرامه وهو كقوله تعالى: ﴿إننى معكما أسمع وأرى -
طه: ٤٦) وهى معية خصوصية أى معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة فهى أخص من المعية التى
فى قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم - الحديد: ٤) وقوله: ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم.
المجادلة: ٧) فان معناها المعية بالعلم والاحاطة. قال الشوكانى: هذه معية عامة وتلك معية خاصة حاصلة
٣٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب إليه
اذا ذكرنى. فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإن ذكرنى فى ملاً . ذكرته
للذاكر على الخصوص بعد دخوله مع أهل المعية العامة ، وذلك يقتضى مزيد العناية ووفور الاكرام له والتفضل
عليه ومن هذه المعية الخاصة ما ورد فى الكتاب العزيز من كونه مع الصابرين وكونه مع الذين اتقوا فلا منافاة
بين إثبات المعية الخاصة وإثبات المعية العامة (إذا ذكرنى) بلسانه أو قلبه أو بهما (فان ذكرنى) تفريع يفيد أنه
تعالى مع الذاكر سواء ذكره فى نفسه أو مع غيره ( فى نفسه) أى سرا وخفية وهو يحتمل أن يكون ذكرا قلبيا
أو لسانيا إخفائيا ، أى ذكرا شفاهيا على جهة السردون الجهر ، قال الشوكانى: ويدل على هذا الاحتمال الثانى
قوله وان ذكرنى فى ملاً ذكرته فى ملاً خير منه فإنه يدل على أن العبد قد جهر بذكره سبحانه وتعالى بين ذلك
الملا الذى هو فيهم فيقابله الاسرار بالذكر باللسان لا مجرد الذكر القلبي فإنه لا يقابل الذكر الجهرى بل يقابل
مطلق الذكر اللسانى أعم من يكون سرا أو جهراً (ذكرته فى نفسى ) أى فى ذاتى من غير إطلاع أحد من مخلوقاتى
أو المراد فى غيى أى اذا ذكرنى خاليا أثبته وجازيته عما عمل بما لا يطلع عليه أحد وفيه جواز إطلاق النفس على
الله تعالى باعتبار معنى الذات خلافا لمن منع وحمله على المشاكلة كما فى قوله تعالى: ﴿ تعلم ما فى نفسى ولا أعلم
مافى نفسك - المائدة: ١١٦﴾ لكن يرد عليه قوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه - آل عمران: ٢٨) وقوله
صلى الله عليه وسلم لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. قال الحافظ: أى إن ذكرنى بالتنزيه والتقديس
سرا ذكرته بالثواب والرحمة سرا. وقال التوربشتى: الذكر من الله تعالى هو حسن قبوله والمجازاة له بالحسنى،
فالمراد من قوله هذا إن العبد إذا ذكره فى السر آتاه الله ثواب ذلك سرا على منوال عمله أى ويتولى بنفسه إثابته
لا يكله إلى غيره، فان قيل قد عرفنا فائدة الذكر الخفى من العبد وذلك أنه يكون من الآفات الداخلة على الأعمال
يمعزل، ومن الاخلاص بمكان فما فائدة ذكر الله تعالى عبده فى الغيب؟ قلنا الاصطفاء والاستئثار فان الله تعالى
إنما يدع علم الشىء بمكان من الغيب إستئثاراً به وإصطفاء له وفيه أيضا صيانة سر العبد عن اطلاع الملأ الأعلى
عليه وتوقى عمله عن إحاطة علم الخلق بكنه ثوابه، وفيه أيضاً تنبيه على كون العبد من اللّه بمكان تكّه الغيرة عن
الأغيار (وإن ذكرنى فى ملاء) بفتح الميم واللام مهموز أى مع جماعة من المؤمنين أو فى حضرتهم. قال الجزرى
الملاً أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى أقوالهم. وفيه دليل على جواز الذكر بالجهر. واختلفوا
فى ذلك فمنهم من منعه مطلقا، ومنهم من جوزه مطلقا ، ومنهم من فصل كصاحب الفتاوى الخيرية ، فقال إن كان
الجهر مفرطا منع عنه وإلا جاز، نعم السر أفضل من الجهر لكنه أمر آخر وهذا هو المعتمد عند محقق الحنفية
( ذكرته ) قال الشوكانى: معناه إن الله يجعل ثواب ذلك الذكر بمرأى ومسمع من ملائكته أو يذكره عندهم بما
يعظم به شأنه ويرتفع به مكانه ولا مانع من أن يجمع بين الأمرين. وقيل: المراد منه مجازاة العبد بأحسن ما
٣٨٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
فى ملاء خير منهم. متفق عليه .
٢٢٨٨ - (٦) وعن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ﴿من جا.
بالحسنة فله عشر أمثالها)،
جاء به وأفضل ما يقرب به إلى ربه ( فى ملأ خير منهم ) أى من ملا الذاكرين وهم الملاُ الأعلى ولا يلزم منه
تفضيل الملائكة على بنى آدم كما ذهب اليه المعتزلة لاحتمال أن يكون المراد بالملا الذين هم خير من ملا الذاكرين
الأنبياء والشهداء فلم ينحصر ذلك فى الملائكة وأيضاً فإن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملاء معا فالجانب الذى فيه
رب العزة خير من الجانب الذى ليس هو فيه بلا إرتياب فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع، وهذا
قاله الحافظ مبتكرا لكن قال انه سبقه إلى معناه الكمال بن الزملكانى فى الجزء الذى جمعه فى الرفيق الأعلى. وقال
الطبي: الملا الموصوف بأنه خير منهم هم الملائكة المقربون وأرواح المرسلين فلا دلالة على كون الملائكة أفضل
من البشر. قال فى اللعات: والاحسن أن يقال الخيرية من جهة النزاهة والتقدس والعلو، وهى لا تنافى أفضلية
البشر من جهة كثرة الثواب على الطاعة مع وجود الموانع والعوارض الجسمانية. وقال ابن الملك: اختلف
هل البشر خير من الملائكة أم لا، رجح كلا مر جحون. قيل: والمختار إن خواص البشر كالأنبياء خير من
خواص الملائكة كجبريل. وأما عوام البشر فليسوا بخير من الملائكة أصلا فقوله فى ملاً خير منهم أى خير
منهم حالا فان حال الملائكة خير من حال الإنس فى الجد والطاعة قال اللّه تعالى: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم -
التحريم: ٦) وأحوال المؤمنين مختلفة بين طاعة ومعصية وجد وفترة - انتهى. قلت: قد بسط الحافظ الكلام
فى ذكر الاختلاف فى ذلك مع سرد أدلة قول أهل السنة وقول المعتزلة من شاء الوقوف على ذلك رجع إلى الفتح
( متفق عليه ) أخرجه البخارى فى التوحيد، ومسلم فى الذكر والدعاء. وتمام الحديث وإن تقرب إلى شبرا
تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا وان أتانى يمشي أتيته هرولة. وقد أخرجه أيضاً أحمد (ج٢
ص ٢٥١) والترمذى فى الزهد والنسائى فى الكبرى وابن ماجه فى ثواب التسبيح، ورى البزار عن ابن عباس.
قال المنذرى: باسناد صحيح مرفوعا قال قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم اذا ذكرتنى خاليا ذكرتك عاليا واذا
ذكرتنى فى ملا ذكرتك فى ملاً خير من الذين تذكرنى فيهم.
٢٢٨٨ - قوله (من جاء بالحسنة ) أى جاء بها يوم القيامة غير مبطلة ولذا لم يقل من فعل الحسنة،
والمراد بفرد من أفرادها أى فرد كان والمعنى من جاء يوم القيامة متلبسا بها متصفا بأنه قد عملها فى الدنيا
(فله عشر أمثالها ) أى ثواب عشر حسنات أمثالها حذف المميز الموصوف وأقيم الصفة مقامه فلا يعترض بأن
٣٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
وأزيد. ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر. ومن تقرب من شبرا، تقربت منه ذراعا.
ومن تقرب من ذراعا، تقربت منه باعا. ومن أتانى يمشى أتيته هرولة .
الأمثال جمع مثل وهو مذكر فكان قياسه عشرة بالتاء على القاعدة، والجواب إن المعدود محذوف وهو موصوف
أمثالها، والحسنات مؤنث فناسب تذكير العدد يعنى أنه روعى فى ذلك الموصوف المحذوف والتقدير فله عشر حسنات
أمثالها، ثم حذف الموصوف وأقيم صفته مقامه وترك العدد على حاله ومثله مررت بثلاثة نسابات الحقت فى عدد
المؤنث مراعاة الموصوف المحذوف اذا الأصل بثلاثة رجال نسابات. والحاصل إن له عشر مثوبات كل منها مثل تلك
الحسنة فى الكيفية وهذا أقل المضاعفة بمقتضى الواعد ولذا قال ( وأزيد ) بصيغة المتكلم أى لمن أريد الزيادة
من أهل السعادة على عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والى أضعاف كثيرة. قال النووى: معناه إن التضعيف بعشر
أمثالها لا بد منه بفضل الله ورحمته ووعده الذى لا يخلف والزيادة بعد بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعف الى
أضعاف كثيرة يحصل لبعض الناس دون بعض على حسب مشيئته سبحانه وتعالى (ومن جاء بالسيئة) أى غير
مكفرة (لجزاء سيئة مثلها ) أى عدلا ( أو أغفر) فضلا. قال الطيبي: اختص ذكر الجزاء بالثانية لأن ما يقابل
العمل الصالح كله أفضال وإكرام من الله، وما يقابل السيئة فهو عدل وقصاص فلا يكون مقصوداً بالذات
كالثواب، خص بالجزاء. وأما إعادة السيئة نكرة فلتنصيص معنى الوحدة المبهمة فى السيئة المعرفة المطلقة
وتقريرها. وأما معنى الواو فى ((وازيد)) فلمطلق الجمع إن أريد بالزيادة الرؤية كقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا
الحسنى وزيادة - يونس: ٢٦) وإن أريد بها الأضعاف فالواو بمعنى ((أو)) التنويعية كما هى فى قوله أو أغفر
قال القارى: والأظهر ما قاله ابن حجر من أن العشر والزيادة يمكن إجتماعهما بخلاف جزاء مثل السيئة ومغفرتها
فانه لا يمكن إجتماعهما فوجب ذكرا والدال على أن الواقع أحدهما فقط (ومن تقرب) أى طلب القربة (منى )
أى بالطاعة ( شبرا) أى مقدارا قليلا: قال الطيبي: شبرا وذراعا وباعا فى الشرط والجزء منصوب على الظرفية
أى من تقرب إلى مقدار شبر (ومن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا) قال الباجى: الباع طول ذارعى الانسان
وعضديه وعرض صدره ، وذلك قدر أربعة أذرع. وقيل: هو قدر مد اليدين وما بينهما من البدن (ومن أتانى)
حال كونه (يمشي أتيته هرولة) هى الاسراع فى المشى دون العدو . وقال الطيبي: هى حال أى مهرولا أو مفعول
مطلق لأن الهرولة نوع من الاتيان فهو كرجعت القهقرى لكن الحمل على الحال أولى لأن قرينة يمشى حال لا محالة
قال النووى: هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره ( أى لأنه يقتضى قطع المسافات وتدانى
الأجسام وذلك فى حقه تعالى محال ) ومعناه من تقرب إلى بطاعتى تقربت اليه برحمتى والتوفيق والاعانة وإن
٣٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٧.
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
ومن لفينى بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة. رواه مسلم.
٢٢٨٩ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال:
من عادی لی ولیا
زاد زدت ، فان أتانى يمشى وأسرع فى طاعتى أتيته هرولة أى صيبت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه الى
المشى الكثير فى الوصول الى المقصود، والمراد إن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه - انتهى. وكذا فسره
الأعمش والراغب والجزرى وابن بطال وابن التين والتور بشتى والطبي والحافظ والعينى وغيرهم من أهل العلم
قلت لا حاجة الى هذا التأويل والتفسير والصواب أن يحمل هذا الحديث كأمثاله على ظاهره فنومن به على
ما يليق بعظمة الله تعالى كالمجىء والنزول ونحوهما وربنا ليس كمثله شىء وهو السميع البصير والله أعلم (ومن
لقينى بقراب الأرض) بضم القاف على المشهور وبكسر أى بمثلها وقدرها. ماخوذ من القرب. وقال الجزرى
فى النهاية: أى بما يقارب ملأ ها وهو مصدر قارب يقارب ( خطيئة) تمييز ( لا يشرك بى) حال من فاعل لقينى
العائد إلى من (شيئا) مفعول مطلق أو مفعول به ( لقيته بمثلها مغفرة) أى إن أردت ذلك له لقوله تعالى:
ثر ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - النساء: ٤٨) ونكته حذفه فى الحديث استغناء بعلمه منها ومبالغة فى سعة
باب الرحمة . قال الطيبي: المقصود من الحديث دفع اليأس بكثرة الذنوب فلا ينبغى أن يغتر فى الاستكثار من
الخطايا. قال ابن الملك: فإنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولا يعلم إنه من أيهم - انتهى. وهذا المقصود من
آخر الحديث. وأما أوله ففيه الترغيب والتحثيث على المجاهدة فى الطاعة والعبادة دفعا للتكاسل والقصور.
واعلم أنه قلما يوجد فى الأحاديث حديث أرجى من هذا الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم رتب قوله لقيته بمثلها
مغفرة على عدم الاشراك بالله فقط، ولم يذكر الأعمال الصالحة لكن لا يجوز لأحد أن يفتر ويقول اذا كان كذلك
فاكثر الخطيئة حتى يكثر الله المغفرة. وإنما قال تعالى ذلك كيلا ييأس المذنبون من رحمته ولا شك إن لله
مغفرة وعقوبة ومغفرته أكثر ولكن لا يعلم إنه من المغفورين أو من المعاقبين فاذن ينبغى للؤمن أن يكون بين
الخوف والرجاء كذا فى المرقاة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ١٤٨ - ١٥٣ - ١٥٥ - ١٦٩
١٨٠) وابن ماجه.
٢٢٨٩ - قوله (من عادى) أى آذى ففي رواية لأحمد فى الزهد من حديث عائشة من آذى لى وليا (لى)
هو فى الأصل صفة لقوله وليا لكنه لما تقدم صار حالا (وليا) الولى الحب والناصر والحافظ وكل من يتولى.
أمر أحد. قال الحافظ والعينى: المراد بولى الله العالم باللّه المواظب على طاعته المخلص فى عبادته. وقال القسطلانى
٣٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب إليه
فقد آذنته بالحرب وما تقرب الى عبدى بشىء أحب إلى مما افترضت عليه،
فعيل بمعنى مفعول وهو من يتولى الله تعالى أمره قال تعالى وهو يتولى الصالحين ولا يكلمه الى نفسه لحظة بل يتولى
الحق رعايته أو هو فعيل مبالغة من الفاعل وهو الذى يتولى عبادة الله وطاعته فعباداته تجرى على التوالى من غير أن
يتخللها عصيان، وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولى وليا بحسب قيامه بحقوق الله على الاستقضاء والاستبقاء ودوام
حفظ الله إياه فى السراء والضراء، ومن شرط الولى أن يكون محفوظا كما أن من شرط النبى أن يكون معصوما .
قال القشيرى: والمراد بكون الولى محفوظا أن يحفظه الله تعالى عن تماديه فى الزلل والخطأ إن وقع فيهما بأن يلهمه
التوبة فيتوب منهما وإلا فهما لا يقدحان فى ولايته - انتهى. وقد استشكل وجود أحد يعادى الولى لأن المعاداة
من باب المفاعلة التى تقع من الجانبين، ومن شأن الولى الحلم والاجتناب عن المعاداة والصفح عمن يجهل عليه.
وأجيب بأن المعاداة لم تنحصر فى الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلا، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب
كالرافضى فى بغضه لأبى بكر والمبتدع فى بغضه للسنى فتقع المعاداة من الجانبين. أما من جانب الولى فلله تعالى
وفى اللّه، وأما من جانب الآخر فظاهر وكذا الفاسق المتجاهر يبغضه الولى فى اللّه ويبغضه الآخر لافكاره عليه
وملازمته لنهيه عن شهواته. وقيل لا يحتاج الى هذا التكلف فإذا قلنا إن فاعل يأتى بمعنى فعل كما فى قوله تعالى:
﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم- آل عمران: ١٣٣) بمعنى أسرعوا حصل الجواب ويؤيد هذا قوله من آذى لی ولیا
كما تقدم (فقد آذنته) بمد الهمزة وفتح المعجمة بعدها نون أى أعلته من الابذان وهو الأعلام (بالحرب)
أى بمحاربتى إياه ووقع فى حديث عائشة من عادى لى وليا فقد استحل محاربتى وفى حديث معاذ عند ابن ماجه
وأبى نعيم كما فى الفتح فقد بارز اللّه بالمحاربة، وفى حديث أبى أمامة عند الطبرانى والبيهقى. وحديث
أنس عند أبي يعلى والبزار فقد باوزنى. وقد استشكل وقوع المحاربة وهى مفاعلة من الجانبين والمخلوق
فى أسر الخالق. والجواب إنه من المخاطبة بما يفهم فان غاية الحرب الهلاك والله لا يغلبه غالب، فكان المعنى
حقد تعرض لاهلاكى اباه فأطلق الحرب وأراد لازمه أى أعمل به ما يعمله العدو المحارب. قال الفاكفانى:
هذا تهديد شديد لأن من حاربه اللّه أهلكه وهو من المجاز البليغ لأن من كره من أحب الله خالف الله ومن
خالف الله عانده ومن عانده أهلكه، واذا ثبت هذا فى جانب المعاداة ثبت فى جانب الموالاة فن والى
أولياء الله أكرمه الله (وما تقرب إلى عبدى) أى المؤمن (بشئ) أى من الطاعة (أحب الى) بفتح أحب صفة
لقوله بشىء فهو مفتوح فى موضع جر وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هو أحب (مما افترضت عليه) سواء
كان عينا أو كفاية ظاهراً أو باطنا ويستفاد منه إن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله وأن قرب العبد الى
ربه باداء الفرائض أتم وأكمل ما يحصل بأداء النوافل لأن انعزل العبد عن اختياره فى امتثال الأمر أشد فى أداء
الفرائض فان النوافل يهديها العبد الى الرب بالاختيار والتبرع، ويحصل فى الأول فناء الذات ، وفى الثانى فناء الصفات
٣٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عزوجل والتقرب اليه
وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحببته ، فإذا أحببته فكنت سمعه الذى يسمع به، وبصره
الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها،
قال الطوفى: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل فى الأمرين ، وإن اشترك مع الفرائض
فى تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل فلهذا كانت أحب إلى الله تعالى وأشد تقريبا وأيضا الفرض
كالأصل والأس والنفل كالفرع والبناء وفى الاتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر وإحترام
الآمر وتعظيمه بالانقياد اليه وإظهار عظمة الربوبية وذل العبودية فكان التقرب بذلك أعظم العمل (وما يزال)
بلفظ المضارع وفى رواية ومازال (عبدى) أى القائم بالفرائض (يتقرب) أى يطلب زيادة القرب (الى بالنوافل)
أى التطوع من جميع أصناف العبادات يعنى مع محافظته على الفرائض (حتى أحببته) أى حبا كاملا لجمعه بين
الفرائض والنوافل . قال الحافظ: ظاهره إن محبة الله للعبد تقع بملازمة العبد التقرب بالنوافل، وقد استشكل
بما تقدم أولا إن الفرائض أحب العبادات المتقرب بها إلى الله فكيف لا تنتج المحبة، والجواب إن المراد من
النوافل ما كانت عاوية للفرائض مشتملة عليها ومكملة لها. ويؤيده إن فى رواية أبى أمامة («ابن آدم انك
أن تدرك ما عندى إلا بأداء ما افترضت عليك » وقال الفاكهانى: معنى الحديث إنه إذا أدى الفرائض ودام على
اتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما افضى به ذلك إلى محبة الله تعالى. وقال ابن هبيرة : يؤخذ قولهمن قوله ما
تقرب إلى آخره إن النافلة لا تقدم على الفريضة لأن النافلة أنما سميت نافلة لأنها تأتى زائدة على الفرائض فمالم تؤد
الفريضة لا تحصل النافلة، ومن أدى الفرض ثم زاد عليه النفل وأدام ذلك تحققت منه ارادة التقريب وقد تبين
بذلك أن المراد من التقرب بالنوافل ان تقع من أدى الفرائض لا من أخل بها (فإذا أحببته) لتقربه إلى بما ذكر
(فكنت) كذا فى أكثر النسخ الحاضرة من المشكاة «حتى أحیتهفاذاأحببته فكنت )، وفى المصابيح , حتى أحبه(أىبضم
أو له) فإذا أحببته كنت)) وهكذا وقع فى البخارى منرواية الشکمیهنی ولأبى ذر«حتى أحببته فكنت)» و کذا وقع
فى نسخة القارى من المشکاة (سمعه الذی یسمح به وبصره الذی یبصر به) بضم الياء وفى رواية، من حديث
عائشة عينه التى يبصر بها وفى أخرى عينيه اللتين يبصربهما بالتثنية وكذا قال فى الأذن واليد والرجل (ويده التى
يبطش) بفتح الياء وكسر الطاء أى يأخذ (بها ورجله التى يمشى بها) زاد فى حديث عائشة وفوأده الذى يعقل به
ولسانه الذى يتكلم به ونحوه فى حديث أبى أمامة وقد استشكل كيف يكون البارى جل وعلى سمع العبد
وبصره الخ وأجيب بأوجه أحدها أنه ورد على سبيل التمثيل والمعنى كنت سمعه وبصره فى ايثاره أمرى
فهو يحب طاعتى ويؤ ثر خدمتى كما يحب هذه الجوارح ثانيها أن المعنى ان كليته مشغولة بى فلا يصغى بسمعه الا
إلى ما يرضينى ولا يبصر ببصره إلا ما أمرته به ولا يبطش بيده إلا فى ما يحل له ولا يسعى برجله الا فى طاعتى
٣٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ -باب ذكر الله عز وجل التقرب اليه
ثالثها أن المعنى أجعل له مقاصده كأنه ينالها ويراها بسمعه وبصره الخ رابعها كنت له فى النصرة كسمعه
وبصره ويده ورجله فى المعاونة على عدوه خامسها قال الفاكهانى: وسبقه إلى معناه ابن هبيرة هو فيما يظهر لى
أنه على حذف مضاف، والتقدير كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع الا ما يحل استماعه وحافظ بصره
كذلك الخ. سادسها يحتمل معنى آخر أدق من هذا الذى قبله، وهو أن يكون سمعه بمعنى مسموعه، لأن
المصدر قد جاء بمعنى المفعول مثل فلان أملى بمعنى ما مولى، والمعنى أنه لا يسمع الا ذكرى ولا يلتذ إلا بتلاوة
كتابى ولا يأنس الا بمناجاتى ولا ينظر الا فى عجائب ملكونى ولا يمديده الا فيما فيه رضاى ورجله كذلك.
وقال الطوفى: اتفق العلماء ممن يعتد بقوله إن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وعنايته حتى كأنه
سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التى يستعين بها، ولهذا وقع فى رواية في يسمع وبى يبصر وبى يبطش
وبى يمشى. وقال الخطابى: هذه أمثال والمعنى توفيق الله لعبده فى الأعمال التى يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير
المحبة له فيها، بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه عن مواقعة ما يكره اللّه من الاصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر
إلى ما نهى الله عنه ببصره ومن البطش فيما لا يحل له بيده، ومن السعى إلى الباطل برجله ، وإلى هذا تحى الداودى
حيث قال: هذا كله من المجاز يعنى أنه يحفظه كما يحفظ العبد جوارحه لثلا يقع فى مهلكة ومثله قال الكلاباذى وعبر
بقوله أحفظه فلا يتصرف إلا فى محابى لأنه إذا أحبه كره له أن يتصرف فيما يكرهه منه. وقال التوربشتى؛
معناه اجعل سلطان حى غالبا عليه حتى يسلب عنه الاهتمام بشئى غير ما يقربه إلى فيصير منخلما عن الشهوات ذاهلاعن
الحظوظ واللذات، حيثما تقلب وأينما توجه لقى الله تعالى بمرأى منه ومسمع لاتطور حول حاله الغفلة، ولا يحول
دون شهوده الحجبة. ولا يعترى ذكره النسيان، ولا يخطر بباله الأحداث والأعيان يأخذ بمجامع قلبه. حب
اللّه فلا يرى إلا ما يحبه ولا يسمع إلا ما يحبه ولا يفعل الا ما يحبه ويكون الله سبحانه فى ذلك له يداً ومؤيداً
وعونا وكيلا يحمى سمعه وبصره ويده ورجله عما لا يرضاه، وحقيقة هذا القول ارتهان كلية العبد بمراضى الله
وحسن رعاية الله له، وذلك على سبيل الانساع وهو شائع فى كلام العرب اذا أرادوا اختصاص الشىء بنوع من
الخصوصية والاهتمام به والعناية والاستغراق فيه والوله اليه. سابعها قاله الخطابى أيضا: قد يكون عبر بذلك.
عن سرعة إجابة الدعاء والنجح فى الطلب وذلك إن مساعى الانسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.
وقال بعضهم: وهو منتزع مما تقدم لا يتحرك له جارحة الا فى الله. ولله فهى كلها تعمل بالحق للحق، وأسند
البيهقى فى الزهد عن أبى عثمان الجيزى أحد أئمة الطريق قال معناه كنت أسرع الى قضاء حوائجه من سمعه فى
الاستماع وعينه فى النظرويده فى اللس ورجله فى المشى. قيل: وزعم الاتحادية أنه على حقيقته وان الحق عين العبد
٩٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عزوجل والتقرب اليه
وإن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذه، وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن نفس.
المؤمن.
واحتجوا بمجئ جبرئيل فى صورة دحية قالوا: فهو روحانى خلع صورته وظهر بمظهر البشر قالوا: فالله أقدر على
أن يظهر فى صورة الوجود الكلى أو بعضه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وحله بعض أهل الزيغ على
ما يدعونه من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى يصفى من الكدورات أنه يصير فى معنى الحق تعالى
الله عن ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه المحب لنفسه وأن هذه
الاسباب والرسوم قصير عدما صرفا فى شهوده وإن لم تعدم فى الخارج وعلى الأوجه كلها فلا متمسك فيه
للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة لقوله فى بقية الحديث، ولئن سألنى ولئن استعاذنى فانه كالصريح فى الرد
عليهم كذا فى الفتح. (وإن سألنى لأعطيته) أى ما سأل وهو بفتح اللام وضم الهمزة ونون التأكيد الثقيلة
(وأتن استعاذنى) بنون الوقاية، وفى بعض النسخ بالموحدة وهو أظهر معنى، والأول أشهر رواية قاله فى اللعات
وقال الحافظ : ضبطناه بوجهين الأشهر، بالنون بعد الذال المعجمة، والثانى بالموحدة. (لأعيذنه) أى مما يخاف
وقد استشكل بأن جماعة من العباد والصلحاء دعوا وبالغوا ولم يجابوا، والجواب إن الاجابة تتنوع فتارة يقع
المطلوب بعينه على الفوز، وتارة يقع لكن يتأخر لحكمة فيه، وتارة قد يقع الاجابة ولكن بغير عين المطلوب
حيث لا يكون فى المطلوب مصلحة ناجزة وفى الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها . وقد تمسك بهذا الحديث
بعض الجهلة من أهل التجلى والرياضة فقالوا : القلب إذا كان محفوظا مع اللّه كانت خواطره معصومة من الخطأ،
وتعقب ذلك أهل التحقيق من أهل الطريق فقالوا: لا يلتفت الى شئ من ذلك إلا اذا وافق الكتاب والسنة ،
والعصمة انما هى الانبياء ومن عداهم فقد يخطئ فقد كان عمر رضى الله عنه رأس الملهمين، ومع ذلك فكان ربما
رأى الرأى فيخبره بعض الصحابة بخلافه فيرجع اليه ويترك رأيه، فمن ظن أنه يكتفى بما يقع فى خاطره عما جاء
به الرسول عليه الصلاة والسلام فقد ارتكب أعظم الخطأ. وفى الحديث إن من أتى بما وجب عليه وتقرب بالنوافل
لم يرد دعاءه لوجود هذا الوعد الصادق المؤكد بالقسم وقد تقدم الجواب عما يتخلف من ذلك (وما ترددت عن
شئ انا فاعله ترددى عن نفس المؤمن) وفى حديث عائشة ترددى عن موته ووقع فى الحلية فى ترجمة وهب بن
منبه إنى لأجد فی کتب الأنبياء ان الله تعالی یقول ما ترددت عن شىء قط ترددی عن قبض روح المؤمن
فان قيل التردد هو التحير بين أمرين لا يدرى أيهما أصلح وهو محال على الله تعالى. أجيب بأن المراد من
لفظا التردد فى هذا الحديث إزالة كرامة الموت، العبد المؤمن بلطائف يحدثها الله له ويظهرما حتى تذهب الكرامة
التى فى نفسه بما يتحقق عنده من البشرى برضوا، الله وكرامته، وهذه الحالة يتقدمها أحوال كثيرة من مرض
٣٩١

مرعاة المفاتيح ج ٧
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٩ - كتاب الدعرات
وهرم وفاقة وزمانة وشدة بلاء يهون على العبد مفارقة الدنيا، ويقطع عنها علاقته حتى إذا أيس عنها تحقق رجاء.
بها عند الله فاشتاق الى دار الكرامة فاخذه المؤمن عما تشبث به من حب الحياة شيئاً فشيئاً بالاسباب التى أشرنا
اليها يضاهى، ويشبه فعل المتردد من حيث الصنعة فشبه ، بفعل المتردد وأدخل فى أفراده مبالغة وعبر عنه بالتردد
ولما كان النبى ◌َّم هو المخبر عن اللّه وعن صفاته وأفعاله بأمور غير معهودة لايكاد السامع يعرفها على ما هى عليه إذن له
أن يعبر عنها بألفاظ مستعملة فى أمور معهودة تعريفا للامة، وتوقيفا لهم بالمجاز على الحقيقة، وتقريبا لما ينأى عن الافهام،
وتقريرا لمايضيق عن الافصاح به نطاق البيان وذلك بعد أن عرفهم ما يجوز على الله وما لا يجوز قاله التوربشتى.
وقال الخطابى: التردد فى حق الله غير جائز والبذاء عليه فى الأمور غير سائغ ولكن له تأويلان. أحدهما: إن
العبد قد يشرف على الهلاك فى أيام عمره من داء يصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه. منها: ويدفع عنه مكروهها
فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمراً ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه، ولا بدله من لقائه اذا بلغ الكتاب
أجله لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء لنفسه. والثانى: أن يكون معناه ما رددت رسلى فى شىء أنا
فاعله كترديدى إياهم فى نفس المؤمن ، كما روى فى قصة موسى عليه السلام، وما كان من لطمة عين ملك الموت
وتردده إليه مرة بعد أخرى. قال: وحقيقة المعنى على الوجهين عطف الله على العبد ولطفه به وشفقته عليه وعبر
ابن الجوزى عن الثانى، بأن التردد الملائكة الذين يقبضون الروح، وأضاف الحق ذلك لنفسه لأن ترددهم عن
أمره قال: وهذا التردد ينشأ عن إظهار كرامة المؤمن على ربه، فان قيل: اذا أمر الملك بالقبض كيف يقع منه
التردد، فالجواب من وجوه. منها: إن معنى التردد اللطف به كأن الملك يؤخر القبض فإنه إذا نظر الى قدر
المؤمن وعظم المنفعة به لأهل الدنيا احترمه فلم يبسط يده اليه فإذا ذكر أمر ربه لم يجد بدا من امتثاله. ومنها :
إن الملك يتردد فيما لم يحد له فيه الوقت كان يقال لا تقبض روحه الا اذا رضى. وقيل معنى الحديث ما أخرت
وما توقفت توقف المتردد فى أمر أنا فاعله إلا فى قبض نفس عبدى المؤمن أتوقف فيه وأريد ما أعددت له من
النعيم والكرامات حتى يسهل عليه ويميل قلبه اليه شوقا إلى أن ينخرط فى سلك المقربين ويتبوأ فى أعلى عليين قاله
القاضى. وقيل هذا خطاب لنا بما نعقل والمقصود تفهيمنا تحقيق المحبة للولى والدلالة على شرفه ورفعة منزلته
حتى لو تأتى أنه تعالى لا يذيقه الموت الذى حتمه على عباده لفعل ، ولهذا المعنى ورد لفظ التردد كما إن العبد إذا
كان له أمر لا بدله أن يفعله بحبيبه لكنه يؤلمه، فان نظر الى ألمه أنكف عن الفعل وإن نظر الى أنه لا بد له منه أن
يفعله لمنفعته أقدم عليه فيعبر عن هذه الحالة فى قلبه بالتردد نخاطب الله الخلق بذلك على حسب ما يعرفون، ودلهم
به على شرف الولى عنده ورفعة درجته. وقيل المراد أنه يقبض روح المؤمن بالتأنى والتدريج بخلاف سائر
٣٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
يكره الموت وأنا أکره مساءته، ولا بد له منه. رواه البخاری ..
الأمور فإنها تحصل بمجرد قوله كن سريعا دفعة ذكره الكرمانى. وقيل الصواب فيه أن يؤمن به على ما يليق
بعظمة الله تعالى وشأنه ولا يتوهم ولا يقال كيف فلا حاجة الى التأويلات التى ذكروها والله أعلم (يكره الموت)
قال القارى: استئناف جوابا عما يقال ما سبب التردد، والمراد أنه يكره شدة الموت بمقتضى طبعه البشرى
(وأنا أكره مساءته) بفتح الميم والمهملة بعدها همزة ففوقية مصدر ساء الأمر فلانا أى أحزنه. قال ابن الملك:
أى إيذاء، بما يلحقه من صعوبة الموت وكربه. وقال ابن حجر: أى أكره ما يسوء، لأنى أرحم به من والديه لكن
لابد له منه لينتقل من دار الهموم الى دار النعيم والمسرات، فعلته به إيثارا لتلك النعمة العظمى والمسرات الكبرى كما
أن الأب الشفوق يكلف الابن بما يكلفه من العلم وغيره وإن شق عليه نظرا لكاله الذى يترتب على ذلك - انتهى.
قال القارى: وهو خلاصة كلام الطيب وحاصل كلامهم إن اضافة المساءة من باب اضافة المصدر الى مفعوله،
والظاهر أنها مضافة الى فاعله والمعنى أكره مساءته لكراهة الموت فانه لا ينبغى أن يكره الموت بل يحبه فان من
أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه - انتهى: وقال الجنيد: الكراهة هنا لما يلق المؤمن
من الموت وصعوبته وكربه وليس المعنى إنى أكره له الموت لأن الموت يورده إلى رحمة الله ومغفرته - أنتهى. وعبر
بعضهم عن هذا بأن الموت حتم مقضى وهو مفارقة الروح للجسد ولا تحصل غالبا إلا بألم عظيم جدا، فلما كان الموت
بهذا الوصف والله يكره أذى المؤمن أطلق على ذلك الكراهة، ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة الى طول الحياة
لأنها تؤدى إلى أرذل العمر وتنكس الخلق والرد الى أسفل سافلين كذا فى الفتح. (ولا بدله منه) كذا وقعت
هذه الزيادة فى بعض نسخ المشكاة موافقا لما فى المصابيح وسقطت من بعضها كنسخة القارى التى أخذها فى شرحه
وكنسخة أشعة العات للشيخ الدهلوى وليست أيضا فى البخارى. قال القارى: وفى نسخة صحيحتى من المشكاة
ولا بدله منه وكذا فى أصل مبرك وهو كذا فى شرح المصابيح لابن الملك. وقال ابن حجر: كما فى رواية.
وقال الحافظ : زاد محمد بن مخلد (يعنى عند الذهبي) عن ابن كرامة (شيخ البخارى) فى آخر الحديث ولا بد له
منه. ووقعت هذه الزيادة أيضاً فى حديث وهب بن منبه المقطوع عند أحمد فى الزهد، وأبى نعيم فى الخلية . قال
القارى: والمعنى ولا بد للؤمن من الموت فلا معنى للكرامة أو ولهذا لا أدفع عنه الموت (رواه البخارى) فى
باب التواضع من كتاب الرقاق. قال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن
بلال، حدثنا شريك بن عبد الله بن تمر عن عطاء عن أبى هريرة. قال الذهبي: فى ترجمة خالد بن مخلد من الميزان
(ج ١ ض ٣٠٠، ٣٠١) قال أحمد : له مناكير. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن سعد:
منكر الحديث مفرط فى التشيع. وقال أبوداود: صدوق لكنه يتشيع ، وذكره ابن عدى ثم ساق له عشرة أحاديث
٣٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٢٢٩٠ - (٨) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله ملائكة يطوفون فى الطرق
يلتمسون أهل الذكر،
استنكرها . قال الذهى: ومما انفرد ما رواه البخارى فى صحيحه عن ابن كرامة عنه وذكر حديث أبى هريرة
من عادى لي وليا الخ. وساقه من طريق محمد بن مخلد عن محمد بن عثمان بن كرامة شيخ البخارى فيه ثم قال:
فهذا غريب جدا ولولا هيبة الجامع الصحيح لعدته فى منكرات خالد بن مخلد وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد
به شريك وليس بالحافظ ولم يرو هذا المتن الا بهذا الاسناد ولا أخرجه من عدا البخارى ولا أظنه فى مسند
أحمد - انتهى. قلت شريك هذا قد وثقه ابن سعد وأبو داود. وقال النسائى وابن معين : لا بأس به واحتج به
الجماعة الا أن فى روايته عن أنس فى حديث الإسراء مواضع شاذة. وأما خالد بن مخلد فقد وثقه العجلى وصالح
ابن محمد جزرة وعثمان بن أبى شيبة وابن حبان . وقال ابن عدى: هو من المكثرين لا بأس به. وقال الأزدى: فى
حديثه بعض المناكير وهو عندنا فى عداد أهل الصدق ولا يلتفت الى قول أبى حاتم لا يحتج به لأنه جرح مبهم.
وأما التشيع والمنا كير. فقال الحافظ فى مقدمة الفتح فى ذكر خالد: هذا قلت: أما التشيع فقد قدمناً إنه إذا كان ثبت
الأخذ والأداء لا يضره لا سيما ولم يكن داعية الى رأيه، وأما المناكير فقد تتبعها ابن عدى من حديثه وأوردها
فى كامله وليس فيها شىء مما أخرجه البخارى بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث
أبى هريرة من عادى لى وليا - الحديث. وقال فى الفتح (ج ٢٦ ص ١٤٥) بعد ذكر كلام الذهبى المتقدم ، قلت :
ليس هذا الحديث فى مسند أحمد جزما، واطلاق أنه لم يرو هذا المتن الا بهذا الاسناد مردود، ومع ذلك
فشريك شيخ شيخ خالد فيه مقال أيضا، ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلا منها عن عائشة
أخرجه أحمد فى الزهد ، وابن أبى الدنيا وأبو نعيم فى الخلية ، والبيهقى فى الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون
عن عروة عنها، وذكر ابن حبان وابن عدى أنه تفرد به. وقد قال البخارى: أنه منكر الحديث ، ومنها عن على
عند الاسماعيلى فى مسند على وعن ابن عباس أخرجه الطبرانى وسندهما ضعيف . وعن أنس أخرجه أبو يعلى
والبزار والطبرانى وفى سنده ضعف أيضا. وعن حذيفة أخرجه الطبرانى مختصرا وسنده حسن غريب، وعن
معاذ بن جبل أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم فى الحلية مختصرا وسنده ضعيف أيضا ، وعن وهب بن منبه مقطوعا
أخرجه أحمد فى الزهد وأبو نعيم فى الحلية - انتهى . هذا وقد بسط الكلام فى تخريج هذا الحديث وشرحه ابن
رجب الحنبلى فى شرح الأربعين النووية (ص ٢٥٩، ٢٦٠) فارجع اليه إن شئت.
٢٢٩٠ - قوله (إن لله ملائكة) أى من المقربين غير الحفظة المرتبين مع الخلائق بل هم سيارة سياحة فى
الأرض لاوظيفة لهم، وإنما مقصودهم حلق الذكر (يطوفون) أى يدورون(فى الطرق) أى طرق المسلمين (يلتمسول
أهل الذكر) أى يطلبون مجالستهم. وقيل: أى يطلبون من يذكر الله من بنى آدم ليزوروهم ويدعوا لهم ويستمعوا الى
٣٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٩ - كتاب الدعوات.
فإذا وجديا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم باجتحتهم إلى السماء
الدنيا. قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم. ما يقول عبادى؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك
ويحمدونك ، ويمجدونك .
دكرهم، وفى الرواية الآتية يبتغون مجالس الذكر ، وفى حديث جابر بن عبد الله عند أبى يعلى والبزار إن لله سرايا
من الملائكة تقف وتحل بمجالس الذكر. (تنادوا ) بفتح الدال أى نادى بعض تلك الملائكة بعضا قائلين (هلوا)
أى تعالوا مسرعين (الى حاجتكم) أى الى ما تطلبون من استماع الذكر وزيارة الذاكر، فانا قد وجدنا جماعة من
أهل الذكر. وفى رواية أحمد والترمذى الى بغيتكم بكسر الباء وضمها مع سكون الغين وفتح الياء مخففة، وبفتح الباء
وكسر الغين مع تشديد الياء المفتوحة أى الى مطلوبكم ومرغوبكم وقوله ((هدموا)) ورد على لغة أهل تجد أنها تثنى
وتجمع وتؤنث ولغة أهل الحجاز بناء لفظها على الفتح وبقاءه بحاله مع المثنى والجمع والمؤنث ومنه قوله تعالى:
﴿قل حلم شهداءكم - الأنعام ١٥٠﴾ (قال ) أى النبي صلى الله عليه وسلم (فيحفونهم) بفتح التحتية وضم الحاء
وتشديد الفاء من الحف وهو الاشتمال حول شىء أى يطوفون بهم ويدورون حولهم من جوانبهم (باجنحتهم)
قال المظهرى: الباء للتعدية أى يديرون أجنحتهم حول الذاكرين. وقال الطيبي: الظاهر إنها للاستعانة كما فى قولك
كتبت بالقلم أى يطيفونهم ويهدقون بهم بأجنحتهم لأن حفهم الذى ينتهى الى السماء أنما يستقيم بواسطة الأجنحة
(إلى السماء الدنيا) وفى رواية، الى سماء الدنيا. قال الطبى: أى يقف بعضهم فوق بعض الى السماء الدنيا. (فيسألهم
ربهم وهو أعلم بهم) أى بالذاكرين من الملائكة. قال الطبى: وهو أعلم حال والأحسن أن تكون معترضة أو
تتميما صيانة عن التوهم يعنى لتوهم أن تكون الحال منتقلة، والحال أنها مؤكدة. وفائدة السؤال مع العلم بالمسؤل
إظهار شرف بنى آدم وصلاحهم والتعريض بالملائكة بقولهم فى بنى آدم (أتجعل فيها من يفسد فيها - البقرة: ٣٠)
الخ (ما يقول عبادى) الإضافة للتشريف (يقولون) أى الملائكة (يسبحونك) أى عبادك يسبحونك
(ويحمدونك) بالتكيف (ويمجدونك) بتشديد الجيم أى يذكرونك بالعظمة أو ينسبونك إلى المجد وهو الكرم.
قال الجزرى: التمجيد التعظيم والمجيد الشريف العظيم، وفى رواية مسلم الآتية ذكر التهليل بدل التمجيد، وفى
حديث أنس عند البزار يعظمون آلائك ويتلون كتابك ويصلون على نيك محمد صلى الله عليه وسلم ، ويسألونك
لآخرتهم ودنياهم. قال الحافظ: ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وإنها التى تشتمل على ذكر
الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما، وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى وعلى الدعاء بخيرى
الدنيا والآخرة وفى دخول قراءة الحديث النبوى ومدارسة العلم الشرعى ومذاكرته، والاجتماع على صلاة النافلة
٣٩٥
٨٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٩ - كتاب الدعوات
قال: فيقول: هل رأونى؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك. قال: فيقول كيف لو رأونى؟ قال:
فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً. قال: فيقول:
فما يسألون؟ قالوا: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوما. قال: فيقولون: لا والله يا رب!
ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوما؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا،
وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول فهل
وأوها؟ قال: يقولون: لا والله يارب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوما؟ قال: يقولون:
لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، أو أشد لها مخافة. قال: فيقول: فأشهدكم أنى قد غفرت لهم. قال:
يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم،
فى هذه المجالس نظر. والأشبه إختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما، والتلاوة حسب وإن كانت
قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى - انتهى. قلت، وقال
العينى: قوله ((أهل الذكر)) أى فى قوله ((يلتمسون أهل الذكر)» يتناول الصلاة وقراءة القرآن وتلاوة الحديث
وتدريس العلوم ومناظرة العلماء - انتهى. فاختلف الحافظ والعينى فى أن المراد بمجالس الذكر وأهل الذكر
الخصوص أو العموم ، فاختار الحافظ الخصوص نظرا الى ظاهر الفاظ الطرق المذكورة، واختار العينى العموم
نظرا الى أن ما فى هذه الطرق من الفساظ الذكر تمثيلات. قال شيخنا فى شرح الترمذى: والظاهر هو الخصوص
كما قال الحافظ: والله تعالى أعلم. (قال) أى النبى صلى الله عليه وسلم (فيقول) أى الله ( كيف لو رأونى)
أى لو رأونى كيف يكون حالهم فى الذكر (وأشد لك تمجيدا) أى تعظيما، وزاد فى رواية تحميدا ، وفى أخرى
وأشد لك ذكرا (وأكثر لك تسبيحاً) فيه إيماء إلى أن تحمل مشقة الخدمة على قدر المعرفة والمحبة (فا يسألون)
أى منى، وفى رواية فما يسألونى وفى أخرى فما يسألوننى (وهل رأوها) أى الجنة (كانوا أشد عليها حرصاً وأشد
لها طلبا وأعظم فيها رغبة) لأن الخبر ليس كالمعاينة (فيم) أى من شىء حذفت ألف ((ما)) وأبقيت الفتحة
على الميم، فانه يجب حذف ألف ((ما) الاستفهامية إذا جرت، وأبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها نحو (فيم أنت
من ذكراها - النازعات: ٤٣﴾ فناظرة بم يرجع المرسلون ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون - الصف: ٢﴾ وعلة
حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر (فأشهدكم) من الإشهاد أى أجملكم شاهدين (إنى قد غفرت لهم) أى
بذكرهم فـ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات - هود: ١٢٤﴾ (فيهم فلان) كتابة عن اسمه ونسبه (ليس منهم) أى
٣٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم. رواه البخارى.
وفى رواية مسلم، قال: إن لله ملائكة سيارة
من الذاكرين . قال القارى: حال من المستتر فى الخبر. وقيل: من فلان على مذهب سيبويه. (إنما جاء ) أى اليهم
(لحاجة) أى دنيوية له لجلس معهم يريد الملك بهذا إنه لا يستحق المغفرة (هم الجلساء) جمع جليس (لا يشقى)
بفتح الياء أى يصير شقياً (جليسهم) أى مجالسهم. قال الطيبي: أى هم جلساء لا يخيب جليسهم عن كرامتهم
فيشقى - انتهى. وفى الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك وإن جليسهم يندرج معهم
فى جميع ما يتفضل الله تعالى عليهم إكراماً لهم، ولو لم يشاركهم فى أصل الذكر وفيه محبة الملائكة لبنى آدم
واعتناءهم بهم، وفيه إن السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول لإظهار العناية بالمسئول
عنه والتنويه بقدره والاعلان بشرف منزلته. وقيل: إن فى خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الاشارة
إلى قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك - البقرة: ٣٠) فكانه
قيل لهم : أنظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان
وكيف عالجوا ذلك وضاهوكم فى التسبيح والتقديس. وقيل: إنه يوخذ من هذا الحديث إن الذكر الحاصل من بنى
آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة لحصول ذكر الآدميين مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف
وصدوره فى عالم الغيب بخلاف الملائكة فى ذلك كله كذا فى الفتح. (رواه البخارى) فى أواخر الدعوات من
طريق جرير عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وكذا خرجه ابن حبان من هذا الطريق ومن طريق الفضيل
ابن عياض عن الأعمش: قال الحافظ: لم أره من حديث الأعمش إلا بالمنعنة لكن اعتمد البخارى على وصله
لكون شعبة رواه عن الأعمش (عند أحمد) فان شعبة كان لا يحدث عن شيوخه المنسوبين التدليس إلا بما تحقق
إنهم سمعوه ـ انتهى. والحديث أخرجه أحمد (ج٢ ص ٢٥٢) ومسلم والطيالسى من طريق وهيب عن سهيل بن
أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة، وقد ذكر المصنف لفظ مسلم بعد ذلك وأخرجه أحمد أيضاً (ج٢ ص ٢٥١)
والترمذى نحو رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش ، فقال عن أبى صالح عن أبى هريرة أو عن
أبى سعيد الخدرى بالشك، وهذا الشك من الأعمش كما صرح فى رواية أحمد، والظاهر إن الأعش استيقن بعد
ما شك أو شك بعد ما استيقن ولا أثر لهذا الشك على صحة الحديث كما هو بديهى.
(وفى رواية مسلم قال إن لله ملائكة سيارة) بتشديد الياء من السير أى سياحون فى الأرض، قال فى اللسان:
والسيارة القافلة والسيارة القوم يسيرون أنث على معنى الرفقة والجماعة، وفى رواية أحمد (ج ٢ ص ٢٥١)
والترمذى إن لله ملائكة سياحين فى الأرض ، بفتح السين المهملة وتشديد الياء التحتية من قولهم ساح فى الأرض
٣٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والنقرب اليه
فضلا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا
بأجحتهم، حتى بملاوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال:
فيسألهم اله، وهو أعلم من أين جثتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك فى الأرض يسبحونك،
ويكبرونك، ويهللونك، وبحمدونك ، ويسألونك. قال: وماذا يسألونى؟ قالوا: يسألونك جنتك.
قال: وهل رأوا جنى؟ قالوا: لا أى رب!
إذا ذهب فيها وسار، وأصله من سيح الماء الجارى (فضلا) زاد فى رواية أحمد والترمذى وابن حبان عن كتاب
الناس وقوله ((فضلا)) صفة بعد صفة الملائكة وهو بضمتين وسكون الثانى تخفيفا جمع فاضل كنزل ونازل أى
زيادة عن الملائكة الحفظة وغيرهم المرتبين مع الخلائق لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر . قال النووي: ضبطوا فضلا
على أوجه . أحدها: وهو أرجحها وأشهرها فى بلادنا فضلا بضم الفاء والضاد ، والثانية بضم الفاء وإسكان الضاد
ورجحها بعضهم وادعى أنها أكثر وأصوب، والثالثة: بفتح الفاء وإسكان الضاد، والرابعة: فضل بضم الفاً
والضاد، ورفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف، والخامسة: فضلاء بالمد جمع فاضل، قال العلماء: معناه على
جميع الروايات أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق فهؤلاء السيارة لا وظيفة
لهم، وإنما مقصودهم حلق الذكر - انتهى. وقوله ((عن كتاب الناس)) بضم الكاف وتشديد التاء المثناة
جمع كاتب ، والمراد بهم الكرام الكاتبون وغيرهم المرتبون مع الناس (يبتغون) أى يطلبون. قال النووى:
ضبطوه على وجهين، أحدهما يتبعون بالعين المهملة من التقبع وهو البحث عن الشىء والتفتيش، والثانى يقفون
بالغين المعجمة من الابتغاء وهو الطلب وكلاهما صحيح (قعدوا معهم) أى مع الذاكرين (وحف بعضهم) أى بعض
الملائكة (بعضا) أى بعضا آخر منهم (بأجنحتهم) أى باستعانتها (حتى يملأوا) أى الملائكة (ما بينهم) أى مابين
الذاكرين (فإذا تفرقوا) أى أهل الذكر (عرجوا) أى الملائكة من عرج يعرج اذا صعد إلى فوق (وصعدوا)
بكسر العين (إلى السماء) أى السابعة (وهو أعلم) أى بهم كما فى بعض النسخ من المشكاة وكما وقع فى صحيح مسلم
(من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عبادك) قوله ((من عند عبادك) كذا فى جميع الفسخ من المشكاة، وكذا وقع
فى المصابيح والترغيب النذرى، والذى فى صحيح مسلم من عند عباد لك، وهكذا نقله الجزرى والحافظ ، وفيه غاية
تشريف لبنى آدم حال كونهم (فى الأرض) وفى رواية أحمد والترمذى فيقول الله أى شىء تركتم عبادي يصنعون
(ما ذا يسألونى) بتشديد النون وتخفف، ويروى أيضا ما ذا يسألوننى، وفى رواية أحمد والترمذى فأى شىء
٣٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
قال: وكيف لو رأوا جنتى؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: وما يستجيرونى؟ قالوا: من نارك. قال: وهل
رأوا نارى؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا نارى؟ قالوا: يستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرت
لهم، فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا. قال: يقولون: رب! فيهم فلان عبد خطاء، إنما
مر فجلس معهم. قال: فيقول: وله غفرت، ثم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
يطلبون (وكيف لورأوا جنتى) قال الطيبي: جواب ((لو)) ما دل عليه كيف لأنه سؤال عن الحال أى لو رأوا
جنتى ما يكون حالهم فى الذكر (ويستجيرونك) عطف على ويسألونك ، والجملة من السؤال، والجواب فيما بينهما
معترضة أى يستعيذونك . قال الجزرى: الاستجارة طلب الجوار والإجارة الحماية والدفاع والمنعة عن الإنسان
(ومما) كذا فى جميع النسخ من المشكاة، وهكذا فى نسخ مسلم من طبعمات الهند وجامع الأصول (ج .
ص ٢٣٨) ووقع فى النسخ المصرية من صحيح مسلم و((مم)، أى بحذف الألف وإبقاء الفتحة على الميم، وكذا
نقله المنذرى فى الترغيب والحافظ فى الفتح وهذا هو الصواب، والظاهر إن الأول خطأ من النساخ (يستجيرونى)
بالوجهين ويروى أيضا يستجيرون (من نارك) أى يطلبون الأمان منها (يستغفرونك) أى أيضا وفى بعض
النسخ ويستغفرونك بالعطف موافقا لما فى صحيح مسلم (قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا) قال القارى: لعل
العدول عن الواو إلى الفاء لترتب الإعطاء على المغفرة. قلت: قوله ((فأعطيتهم، بالفاء كذا وقع فى جميع النسخ
من المشكاة والذى فى صحيح مسلم وأعطيتهم أى بالواو، وهكذا فى المصابيح والترغيب وجامع الأصول والفتح
والظاهر إن ما وقع فى المشكاة خطأ من الناسخ (وأجرتهم) من أجاره يجيره إذا آمنه من الخوف (يقولون رب)
أى يا رب! (عبد خطاء) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة والمد أى كثير الخطأ والذنب، أو ملازم
الخطايا غير تارك لها وهو من أبنية المبالغة. قال القارى: بدل من فلان (إنما مر) أى لحاجة (جلس معهم) قال
الطيبي فى التركيب: تقديم وتأخير أى إنما فلان مرّ أى ما فعل فلان إلا المرور والجلوس عقبه يعتى ما ذكر الله
تعالى (فيقول وله غفرت) أى أيضا. قال الطيبي: الواو للعطف وهو يقتضى معطوفا عليه أى قد غفرت لهم
وله ثم اتبع غفرت تأكيدا وتقريرا (م القوم) قال الطيبي: تعريف الخبر يدل على الكمال أى هم القوم كل القوم
الكاملون فيما هم فيه من السعادة فيكون قوله (لا يشق بهم) أى بسبيم وبركتهم (جليسهم) استئنافا لبيان المقتضى
لكونهم أهل الكمال وفى هذه العبارة مبالغة فى نفى الشقاء عن جليس الذاكرين . فلو قيل يسعد بهم جليسهم لكان
٣٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
٢٢٩١ - (٩) وعن حنظلة بن الربيع الأسيدى، قال: لقينى أبو بكر فقال: كيف أنت با حنظلة؟
قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟
ذلك فى غاية الفضل، لكن التصريح بنفى الشقاء أبلغ فى حصول المقصود، وفى الحديث فضيلة الجلوس مع أهل
الذكر وإن لم يشاركهم وفضل مجالسة الصالحين ويركتهم.
٢٢٩١ - قوله (وعن حنظلة بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية (الأسيدى) قال
النووى: ضبطوه بوجهين أصحهما وأشهرهما ضم الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة، والثانى كذلك إلا أنه
باسكان الياء ولم يذكر القاضى (عياض) إلا هذا الثانى وهو منسوب إلى بنى أسيد بطن من بنى تميم - أنتهى. وقال
الفتنى فى المغنى: الأسيدى بمضمومة ومفتوحة وشذة تحتية مكسورة وسكونها والشدة عند المحدثين للأصل
وتسكينها عند أهل اللغة الخفة منسوب إلى أسيد بن عمرو بن تميم بن مر، ومنه حنظلة بن الربيع - انتهى. وقال
ابن عبد البر: بنوأسيد بن عمرو بن تميم من أشراف بنى تميم وهو أسيد بكسرالياء وتشديدها - أنتهى . وحنظلة هذا
هو حنظلة بن الربيع بن صيفى بفتح الصاد المهملة بعدها تحتية ساكنة التميمى المعروف بحنظلة الكاتب لأنه كتب
النبي ◌َّ الوحى، ففى مسلم والترمذى من طريق أبي عثمان النهدى عن حنظلة ((وكان من كتاب النبى حزّةٍ))
وهو ابن أخى أكثم بن صيفى حكيم العرب، وليس هو حنظلة بن أبى عامر غسيل الملائكة أرسله التي تؤدي إلى
أهل الطائف وشهد القادسية ونزل الكوفة وتخلف عن على فى قتال أهل البصرة يوم الجمل ، ونزل قرقيسياء حتى
مات فى خلافة معاوية ولاعقب له (لقينى أبو بكر) وفى الترمذى أنه مر بأبى بكر وهو (أى حنظلة) يبكى
(كيف أنت يا حنظلة) سؤال عن الحال أى كيف استقامتك على ما تسمع من النبى تزثم أ هى موجودة أم لا؟
قاله القارى . وقال الطيبي: أى أ تستقيم على الطريق أم لا (نافق حنظلة) أى صار منافقا وأراد نفاق الحال لانفاق
الايمان. قال الطيبي: فيه تجريد لأن أصل الكلام نافقت لتجرد من نفسه شخصا آخر مثله فهو يخير عنه لما رأى
من نفسه ما لا يرضى لمخالفة السر العلنى والحضور الغيبة. وقال الجزرى: النفاق ضد الإخلاص وأراد به فى هذا
الحديث إنبى فى الظاهر إذا كنت عند النبي ◌َّمَ أخلصت وإذا انفردت عنه رغبت فى الدنيا وتركت ما كنت
عليه فكأنه نوع من الظاهر والباطن وما كان يرضى أن يسامح به نفسه ، وكذلك كان الصحابة رضى الله عنهم
أجمعين يؤاخذون أنفسهم بأقل الأشياء. وقال النووى: معناه إنه عاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف
فى مجلس التي تَثل ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والاقبال على الآخرة فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد
ومعاش الدنيا، وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر نخاف أن يكون ذلك نفاقا فأعلمهم النبي ◌َّ إنه
ليس بتفاق وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك. (قال سبحان الله) تعجب أو تبرئة وتنزيه (ما تقول) قال الطيبي.
٤٠٠