النص المفهرس
صفحات 341-360
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
الفصل الأول )
٢٢٤٥ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل نبي دعوة مستجابة،
فتعجل كل نبى دعوته، وإنى أختبأت دعونى شفاعة لأمتى إلى يوم القيامة، فهى نائلة إن شاء الله
من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا .
٢٢٤٥ - قوله (لكل فى دعوة مستجابة) قال النووى: معناه إن كل نى له دعوة متيقنة الاجابة، وهو
على يقين من إجابتها. وأما باقى دعواتهم فهم على طمع من إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب ، وذكر القاضى
عياض أنه يحتمل أن يكون المراد لكل نبي دعوة لأمته كما فى الروايتين الأخير تين يعنى من روايات مسلم بلفظ:
لكل نبي دعوة دعابها فى أمته، وبلفظ: لكل فى دعوة دعاها لأمته. والمراد إن لكل منهم دعوة عامة مستجابة فى
حق الأمة إما باهلاكهم وإما بنجاتهم. وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب . وقيل
معناه أن لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه كقول نوح {رب لا تذر على الأرض - نوح: ٢٦) وقول
زکریا ﴿فھب لی من لدنك ولیا یر ٹی۔۔ مریم :٥﴾ وقول سلیمان ( رب اغفرلی وهب لی ملكا لا ینبغى لأحد من
بعدى - ص: ٣٥) حكاه ابن التين (فتعجل كل نى دعوته) أى استعجل فى دعوته المقطوع باجابتها (وإنى
اختبأت دعوتى ) أى ادخرت دعوتى المقطوع بالاجابة وجعلتها خبيثة من الاختباء وهو الستر . ووقع فى رواية
للشيخين، وإنى أريد أن اختبى، وفى حديث أنس عند البخارى جعلت دعوتى. قال الحافظ: وكأنه يرفض أراد
أن يؤخرها ثم عزم ففعل ورجا وقوع ذلك فأعلمه الله به نجزم به (شفاعة لأمتى) أى أمة الاجابة يعنى لأجل
أن أصرفها لهم خاصة بعد العامة وفى جهة الشفاعة أو حال كونها شفاعة (إلى يوم القيامة) أى مؤخرة إلى ذلك
اليوم وفى نسخة يوم القيامة على أنه ظرف للشفاعة قاله القارى. قلت: وفى صحيح مسلم يوم القيامة أى بدون إلى
وكذا وقع فى المصابيح، وهكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ١١ ص ١٢٢) فالظاهر إن ما وقع فى
أكثر سخ المشكاة بذكر إلى غلط من النساخ (فهى) أى الشفاعة (قائلة) أى واصلة حاصلة ( إن شاء الله)
قاله ◌َّ على جهة التبرك والامتثال لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله - الكهف
٢٣﴾ (من مات) فى محل نصب على أنه مفعول به لنائلة (لا يشرك بالله) حال من فاعل مات (شيئاً) أى من
الأشياء أو من الاش اك وهى أقسام. عدم دخول قوم النار. وتخفيف لبثهم فيها. وتعجيل دخولهم الجنة. ورفع
درجات فيها. قال ابن بطال: فى هذا الحديث بيان فضل نينا وي على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه
وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك، كما وقع لغيره ممن تقدم. وقال ابن الجوزى:
٣٤١
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
رواه مسلم وللبخارى أقصر منه.
٢٢٤٦ - (٢) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنى اتخذت عندك عهداً
لن تخلفیه ،
هذا من حسن تصرفه وَيثة لأنه جعل الدعوة فيما يقبغى ومن كثرة كرمه لأنه آثر أمته على نفسه ومن صحة نظره،
لأنه جعلها الذنبين من أمته لكونهم أحوج اليها من الطائعين. وقال النووى: فيه كمال شفقة النبى مرّ على أمته
ورأفته بهم وإعتناءه بالنظر فى مصالحهم المهمة فأخردعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم. وأما قوله ((فهى نائلة))
الخ ففيه دليل لمذهب أهل الحق أهل السنة إن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لا يخلد فى النار ولو مات مصراً
على الكبائر، يعنى ففيه رد على من أنكر ذلك، ويرى أن الشفاعة لرفع الدرجات وغيره، ولا شفاعة لأهل
الكبائر بل هم مخلدون فى النار (رواه مسلم) فى أواخر الايمان (والبخارى أقصر منه) فقد رواه فى أول
الدعوات بلفظ: لكل نبي دعوة يدعوبها، وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة، وفى باب المشيئة
والارادة من كتاب التوحيد بلفظ: لكل فى دعوة فأريد إن شاء الله ان أختبئى دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة.
وأخرجه مسلم مطولا كما فى المشكاة ومقتصراً أيضا كما عند البخارى. وأخرجه أحمد فى مواضع منها فى ( ج٢ ص
٢٧٥) ومنها فى صحيفة همام بن منبه (ج٢ ص٣١٣) ومالك فى أواخر الصلاة والترمذى فى الدعوات وابن ماجه
فى ذكر الشفاعة والخطيب فى تاريخ بغداد (ج٣ ص ٤٢٤، ج١١ ص١٤١) وفى الباب عن أنس عند الشيخين
وجابر عند مسلم ، و ابن عباس ضمن حديث مطول عند أبى يعلى واحمد ( ج ١ ص ٢٨١ - ٢٩٥) وعبدالله بن
عمرو بن العاص ضمن حديث أيضا عند أحمد (ج ٢ ص ٢٢٢) وعبادة بن الصامت عند أحمد والطبرانى
وعبد الرحمن بن أبى عقيل الثقفى عند الحاكم، والطبرانى والبزار، وأبي سعيد عند أحمد والبزار وأبي يعلى
والطیرانی وأبى ذر عند البزار ، وأبى موسى عند أحمد والطبرانى وابن عمر عند الطبرانى.
٢٢٤٦ - قوله (اللهم إنى اتخذت) وقع فى رواية لمسلم فى أول الحديث، اللهم إنما محمد بشر يغضب
كما يغضب البشر، وإنى قد اتخذت عند الله الخ. وأخرج مسلم من حديث عائشة بيان سبب هذا الحديث قالت:
دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماہ بشی لا أدرى ما هو، فاغضباہ فسبهما ولعنهما ذا خرجا
قلت له: فقال أوما علمت ما شارطت عليه ربى. قلت: اللهم إنما أنا بشر فأى المسلمين لعنته أوسببته فاجعله له
زكاة وأجراً، وقوله ((إتخذت)) كذا فى جميع النسخ بلفظ الماضى، وفى المصابيح أتخذ أى بصيغة المضارع كما فى
صحيح مسلم، وهكذا نقله الجزرى (ج١١ ص ٣٣٠) نعم وقع فى روايات أخرى لمسلم اتخذت أى بصيغة الماضى
(عندك عهداً) أى أخذت منك وعداً أو أماناً (لن تخلفنيه) من الاخلاف لأن الكريم لا يخلف وعده قيل
٣٤٢
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
فانما أنا بشر، فأى المؤمنين آذيته: شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها اليك
يوم القيامة.
أصل الكلام انى طلبت منك حاجة اسعفنى بها ولا تخيبنى فيها ، فوضع العهد موضع الحاجة مبالغة فى كونها مقضية
ووضع لن تخلفنيه موضع لا تخيبنى. وقيل وضع العهد موضع الوعد مبالغة وإشعاراً بأنه وعد لا يتطرق اليه
الخلف كالعهد ولذلك استعمل فيه الخلف لا النقض لزيادة التأكيد. وقيل أراد بالعهد الأمان، والمعنى أسألك
أمانا لن تجعله خلاف ما أترقبه وأرتجيه بأن تجعل ما يدرمنى ما يناسب ضعف البشرية إلى مؤمن من أذية أتحوبها
نحوه أودعوة أدعوبها عليه قربة تقربه بها اليك ، فانما أنا بشرأتكلم فى الرضا والغضب فلا آمن أن أدعوعلى مسلم
فيستضر به، وهذه الرأفة التى أكرم الله بها وجهه حتى حظى به المسىء فما ظنك بالمحسن، وإنما وضع الاتخاذ
·وضع السؤال تحقيقا للرجاء بأنه حاصل إذ كان موعودا باجابة الدعاء، ولهذا قال لن تخلفنيه أحل العهد المسؤل
محل الشىء الموعود. ثم أشار إلى أن وعد الله لا يتأتى فيه الخلف فان الألوهية تنافيه (فانما أنا بشر) تمهيد
لمعذرته فيما يندر عنه صلوات الله وسلامه عليه، يعنى فيصدر منى ما يصدر من البشر، فأغضب نادراً فى بعض
الأحيان بحكم البشرية (فأى المومنين) وفى رواية فأى رجل من المسلمين وهو بيان وتفصيل لما كان يلتمسهل ={ }
بقوله اتخذت عندك عهداً (آذيته) أى بأى نوع من أنواع الأذى (شتمته الخ) بيان لقوله آذيته وتفصيل له ، ولذا
لم يعطف . ومن ثم أفرد الضمير فى فاجعلها رداً إلى الأذية. (لعنته جلدته) أى ضربته. قال الطيبي: ذكر هذه
الأمور أى أنواع الايذاء الثلاثة على سبيل التعداد من غير عاطف كقولك واحد اثنان ثلاثة، وقابلها بما يقابلها
من أنواع التعطف والألطاف متناسقة أى بإثبات العاطف ليجمعها بازاء كل واحد من تلك الأمور على سبيل
الاستقلال، وليس من باب اللف والنشر - انتهى. قلت: وقع فى الروايات الأخرى ذكر هذه الأمور بلفظ:
((أو)، ففى رواية لمسلم فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة، وفى أخرى له فايما رجل
من المسلين سببته أولمنته أو جلدته فاجعلها زكاة ورحمة، وفى حديث عائشة فأى المسلمين لعنته أو سببته فاجعله زكاة
وأجراً (فاجعلها) أى تلك الأذية التى صدرت بمقتضى ضعف البشرية. وقيل: أى الكلمات المفهمة شتما أو نحو
لعنة ( له) أى لمن آذيته من المؤمنين (صلاة) أى رحمة ورأفة تخصه بها واكراما وتلطفا وتعطفا توصله به الى
المقامات العلية (وزكاة) أى طهارة له من الذنوب ونماء وبركة فى الأعمال والأموال (وقربة تقربه) أى تجعل
ذلك المؤمن مقربا (بها) أى بتلك القربة أو بكل واحدة من الصلاة واختيها (اليك يوم القيامة) أى ولا تعاقبه
بها فى العقي. ووقع فى حديث أنس عند مسلم تقييد المدعو عليه بأن يكون ليس لذلك بأهل ، ولفظه إنما أنا بشر
أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فايما أحد دعوت عليه من أمتى بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها
٣٤٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
له طهورا وزكاة وقربة تقربه بها منه يوم القيامة، وفيه قصة لأم سليم . قال النووى: فى الحديث بيان ما كان
عليه وَّةٍ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة فى كل ما ينفعهم. ورواية أنس تبين
المراد بباقى الروايات المطلقة وإنما يكون دعاءه عليه رحمة وكفارة وزكاة، ونحو ذلك إذا لم يكن أهلا للدعاء
عليه والسب واللعن ونحوه وما كان مسلما والافقد دعا وى على الكفاروالمنافقين ولم يكن ذلك رحمة لهم. قلت:
وهذا هو الجواب عما استشكل بأنه لعن جماعة كثيرة منها المصور والعشار ومن ادعى إلى غير أبيه والمحلل
والسارق وشارب الخمر وآكل الربا وغيرهم. فيلزم أن يكون لهم رحمة وطهوراً، فالمراد فى الحديث من لم يكن
أهلا لذلك ومن لهنه فى حال غضبه على مقتضى ضعف البشرية ، فن فعل منهيا عنه فلا يدخل فى ذلك. فان قيل
كيف يدعو مَّ بدعوة على من ليس لها بأهل أو يسبه أو يلعنه أو نحو ذلك أجيب بأن المراد بقوله ليس لها
بأهل عندك فى باطن أمره لا على ما يظهرمما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائى عليه، يعنى إن المراد ليس بأهل لذلك
عند الله وفى باطن الأمر ولكنه فى الظاهر مستوجب له فيظهر له صلى الله عليه وسلم استحقاقه لذلك بامارة شرعية
ويكون فى باطن الأمر ليس اهلالذلك فكأنه يقول من كان باطن أمره عندك إنه ممن ترضى عنه فاجعل دعوتى التى
اقتضاها ما ظهر لى من مقتضى حاله حينئذ طهوراً وزكاة، وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه لأنه يز فتم كان متعبدا
ومأمورا بالحكم بالظواهر وحساب الناس فى البواطن على اللّه فإنه هو المتولى السرائر. فإن قيل فما معنى قوله
(( وأغضب كما يغضب البشر، فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب لا أنها على مقتضى الشرع
فيعود السؤال. فالجواب إنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن دعوته عليه أوسبه أو جلده كان مما خير فيه
بين أمرين عقوبة للجانى أحدهما هذا فعله والثانى تركه والزجر له بأمر آخر سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى
حمله وبعثه على أحد الأمرين الخير فيهما وهو سبه أولمنه أوجلده ونحو ذلك وليس ذلك خارجا من حكم الشرع.
ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد اليه فلا يكون فى ذلك كاللعنة الواقعة رغبة الى الله وطلبا
للاستجابة. وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال فقال: يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود
ولامنوى، لكن جرى على عادة العرب فى دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعنب لا على نية وقوع
ذلك كقولهم ((عقرى حلق، و((تربت يمينك)، وفى قصة أم سليم المذكورة فى حديث أنس عند مسلم الذى أشرنا
اليه ((لا كبرت سنك)، وفى حديث معاوية عند مسلم أيضا ((لا أشبع اللّه بطنه)، ونحو ذلك لا يقصدون بشئ من ذلك
حقيقة الدعاء تخاف مزيفة أن يصادف شى ءمن ذلك الاجابة وأشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهدربه ورغب اليه وسأله
أن يجعل ذلك القول رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً. وإنما كان يقع هذا منه فى النادر والشاذ من الأزمان
ولم يكن مَع فاحشاً ولامتفحشا ولالعانا ولا منتقما لنفسه. قال الحافظ: وهذا الاحتمال أى الذى أشار عياض إلى
٣٤٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
متفق عليه .
٢٢٤٧ - (٣) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا دما أحدكم فلا يقل: اللهم
اغفرلى إن شئت ،
ترجيحه حسن إلا أنه يرد عليه قوله جلدته فان هذا الجواب لا يتمشى فيه إذ لا يقع الجلد عن غير قصد ، وقـد
ساق الجمع مساقا واحدا الا أن حل على الجلدة الواحدة فيتجه. ويحتمل أن يقال إنه كان لا يقول ولا يفعل
مرَّ فى حال غضبه إلا الحق لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه وترك الاغضاء والصفح، ويؤيده
حديث عائشة ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله وهو فى الصحيح. قال الحافظ: فعلى هذا فمعنى قوله
ليس لها بأهل أى من جهة تعين التعجيل قال. وفى الحديث كمال شفقته ويقع على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته
حيث قصد مقابلة ما وقع منه بالجبر والتكريم، وهذا كله فى حق المعين فى زمنه واضح. وأما ما وقع منه
بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه مع فما أظنه يشمله والله أعلم ـ انتهى. (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الدعوات، ومسلم فى الأدب واللفظ المذكور لمسلم، وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٢ ص٢٤٣)
وأبو يعلى وقد جاء هذا الحديث من طرق مختلفة اللفظ باتفاق المعنى، فقد ورد عن عائشة وحاير وأنس عند مسلم
وعن أبى سعيد عند أبي يعلى وسمرة بن جندب عند الطبرانى وأبى الطفيل عامر بن وائلة عند الطبر انى أيضا وأنس
وعائشة أيضاً عند أحمد بغير السياق الذى فى صحيح مسلم
٢٢٤٧ - قوله (اذا دعا أحدكم) أى طلب من الله وسأله شيئا (فلا يقل اللهم اغفرلى ان شئت الخ)
قال فى المفاتيح: نهى عن قول إن شئت فى الدعاء لأن هذا شك فى قبول الدعاء، ولأن لفظ أن شئت اذا قلته
لأحد معناه أنى جعلت الخيرة اليك يعنى لم يكن قبل قولك ان شئت مختارا، بل أو لم تقل ان شئت كان يلزم عليه
قبول الدعاء شاء أو لم يشأ فإذا قلت إن شئت جعلته مخيرا وهذا لا يجوز فى حق الله سبحانه وتعالى فانه لا حكم
لأحد عليه وليس لأحد أن يكرهه بل هو فعال لما يريد. فكيف يجوز أن يقال له إن شئت بل يعزم السائل
مسألته وليسأل من غير شك وتردد بل ليكن متيقنا فى قبول الدعاء، فان الله كريم لا بخل عنده وقدير لا يعجز عن
شىء - أنتهى. وقال الباجى: معنى الحديث لا يشترط مشيئة باللفظ، فإن ذلك أمر معلوم متيقن أنه لا يغفر إلا
أن يشاء ولا يصح غير هذا، فلا معنى لاشتراط المشيئة لأنها إنما تشترط فيمن يصح منه أن يفعل دون أن يشاء
بالاكراه وغيره مما تنزه الله سبحانه عنه. وقد بين ذلك صلى الله عليه وسلم فى آخر الحديث بقوله «فانه لامكره
له)) - انتهى. مع أنه يتضمن إيهام الاستغناء الغير اللائق بمقام الدعاء والسؤال فاللائق بالمقام تركه، والنهى
للتحريم أو التنزيه فيه خلاف. قال الحافظ قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول اللهم أعطى إن شئت
وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، لأنه كلام مستحيل لا وجه له، لأنه لا يفعل إلا ما شاءه، وظاهره إنه
٣٤٥
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
إرحمنى إن شئت، أرزقنى إن شئت، وليعزم مسئلته إنه يفعل ما يشاء، ولا مكره له.
حمل النهى على التحريم وهو الظاهر . وحمل النووى النهى فى ذلك على كراهة التنزيه وهو أولى يؤيده حديث
الاستخارة. قال وقال الداودى: لا يقل إن شئت كالمستثنى ولكن دعاء البائس الفقير. قلت: وكأنه
أشار بقوله كالمشتثنى إلى أنه اذا قالها على سبيل التبرك لا للاستثناء لا يكره وهو جيد - انتهى. (إرحمنى إن
شنت أرزقنى إن شئت) أى ونحو ذلك فالمذكور كله أمثلة (وليعزم) بكسر الزاء (مسئلته) أى يطلب جازما
من غير شك وتردد، والمراد بالمسئلة الدعاء. وقد وقع فى رواية لأحمد ومسلم الدعاء، يقال عزم الأمر
وعليه عقد ضميره على فعله وصمم عليه وعزم الرجل جدّ فى الأمر. قال الجزرى: عزمت على الأمر اذا عقدت
قلبك عليه وجددت فى فعله ، والعزم الجد والقطع ، على فعل الشىء ونفى التردد عنه، والمعنى لا تكن فى دعائك
مترددا بل أجزم المسئلة - انتهى . وقال غيره: عزم المسئلة الشدة فى طلبها، والجزم بها من غير ضعف فى الطلب
ولا تعليق على مشيئة ونحوها ، يعنى هو أن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى. وقيل هو
حسن الظن بالله تعالى فى الاجابة. وقال الداودى: ليعزم المسئلة أى يجتهد ويلح ولا يقل إن شئت كالمستثنى
ولكن دعاء البائس الفقير. قلت: وأخرج الطبرانى فى الدعاء قال الحافظ: بسند رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة
بقية عن عائشة مرفوعا إن الله يحب الملحين فى الدعاء قال ابن بطال: فى الحديث أنه ينبغى للداعى أن يجتهد فى
الدعاء ويكون على رجاء الاجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريما: وقال ابن عيينة: لا يمنعن أحدا الدعاء
ما يعلم فى نفسه يعنى من التقصير فان الله تعالى قد أجاب دعاء شر خلقه وهو ابليس حين قال (رب
أنظرنى إلى يوم يبعثون - الأعراف: ١٤﴾ (إنه يفعل ما يشاء) استئناف فيه معنى التعليل، وفى رواية لمسلم فان
الله صانع ما شاء (ولا مكره ) بكسر الراء وفى حديث أنس عند الشيخين لا مستكره من الاستكراه، وهما بمعنى
وقوله ((ولا مكره)) كذا وقع فى أكثر النسخ بذكر العاطف، وفى بعضها لا مكره أى بحذفه، وهكذا فى البخارى
وكذا فى المصابيح وجامع الأصول ( له ) أى قه على الفعل أو لا يقدر أحد أن يكرهه على فعل أمر أراد تركه
ولا حكم لأحد عليه بل يفعل ما يشاء فلا معنى لقوله ((ان شئت)) لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة فلا حاجة
إلى التقييد به مع أنه موهم لعدم الاعتناء بوقوع ذلك الفعل أو لاستعظامه على الفاعل على المتعارف بين الناس .
وقال الحافظ : المراد أن الذى يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما اذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشىء فيخفف
الأمر عليه ويعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشىء إلا برضاه. وأما الله سبحانه فهو منزه عن ذلك فليس
التعليق فائدة. وقيل : المعنى أى سبب المنع إن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه والأول أولى -
انتهى. وقد تقدم إن الدعاء شروطا وآدابا كثيرة، وقد ذكر فى هذا الحديث ما هو من أهم آدابه وأفرده بالذكر
٣٤٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
رواه البخاری.
٢٢٤٨ - (٤) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم
اغفرلى إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شىء أعطاه. رواه مسلم.
٢٢٤٩ - (٥) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يستجاب للعبد مالم يدع باثم أو
قطيعة رحم ،
اهتماما بشأنه (رواه البخارى) فى باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد إلا أنه ليس فيه قوله أذا دعا أحدكم
بل أول الحديث لا يقل أحدكم ((اللهم اغفرلى الخ)) وأخرجه فى الدعوات مختصرا بلفظ: لا يقولن أحدكم اللهم
اغفرلى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت ليعزم المسئلة فانه لا مكره له، وأخرج مسلم نحوه وكذا أحمد ومالك
والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن أبى شيبة، وفى الباب عن أنس عند أحمد والشيخين والنسائى
وأبى سعيد عند ابن أبى شيبة والبخارى فى الأدب المفرد.
٢٢٤٨ - قوله (اذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفرلى إن شئت) أى مثلا (ولكن ليعزم) أى ليجزم
بالمسئلة (وليعظم) بالتشديد (الرغبة) أى الميل فيه بالالجاح. قال الحافظ: معنى قوله ((ليعظم الرغبة)) أى
يبالغ فى ذلك بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، ويحتمل أن يراد به الأمر بطلب الشىء العظيم الكثير ويؤيده ما فى آخر
هذه الرواية، فإن الله لا يتعاظمه شىء - انتهى. (فإن الله لا يتعاظمه شىء أعطاه) الضمير المنصوب فى ((أعطاه))
يرجع إلى شىء يعنى لا يعظم عليه إعطاء شىء بل جميع الموجودات فى أمره يسير وهو على كل شىء قدير، يقال
تعاظم زيدا هذا الأمر أى كبر وعظم عليه وعسر عليه (رواه مسلم) وأخرجه أيضا البخارى فى الأدب المفرد
وابن حبان وأبو عوانة .
٢٢٤٩ - قوله ( يستجاب ) بصيغة المجهول من الاستجابة بمعنى الاجابة. قال الشاعر: فلم يستجبه عند
ذاك مجيب ( للعبد) أى بعد شروط الاجابة وقوله ((يستجاب، كذا وقع فى جميع النسخ الحاضرة من المشكاة
وكذا فى المصابيح، ولمسلم لا يزال يستجاب، وهكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول والحافظ والقسطلانى فى
شرحيهما (ما) ظرف ليستجاب بمعنى المدة أى مدة كونه ( لم يدع باثم ) أى بمعصية مثل أن يقول اللهم قدرنى
على قتل فلان وهو مسلم ليس مستوجبا للقتل ، أو اللهم ارزقنى الخمر أو الفلانة وهى محرمة عليه ويريد زناها.
( أو قطيعة رحم) أى بالقطع بينه وبين أقاربه مثل أن يقول اللهم بعد بينى وبين أبى وأمى أوأخى وما أشبه ذلك
فهو تخصيص بعد تعميم. قال الجزرى: القطيعة الهجر والصّد والرحم الأقارب والأهلون، والمراد أن
٣٤٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
مالم يستعجل. قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت. فلم أر
يستجاب لى،
لايصل أهله ويبرهم ويحسن إليهم ( ما لم يستعجل) وفى رواية مالم يعجل بفتح التحتية، والجيم بينهما عين
ساكنة من سمع يعنى يقبل دعاءه بشرط أن لا يستعجل. قال الطيبي: الظاهر ذكر العاطف فى قوله ((مالم يستعجل،
لكنه ترك تنبيها على استقلال كل من القيدين أى يستجاب مالم يدع باثم يستجاب مالم يستعجل ( قال ) أى التى
صلى الله عليه وسلم ( يقول ) أى الدعى (قد دعوت وقد دعوت) أى مرة بعد أخرى يعنى مرات كثيرة فتكرار
(((دعوت)) للاستمرار أى دعوت مرارا كثيرة (فلم أر يستجاب لى) قال القارى: أى لم أر آثار استجابة دعاءى
وهو إما استبطاء أو إظهار يأس وكلاهما مذموم ، أما الأول فلان الاجابة لها وقت معين كما ورد إن بين د.
موسى وهارون على فرعون وبين الاجابة أربعين سنة. وأما القنوط فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون
مع أن الإجابة على أنواع: منها تحصيل عين المطلوب فى الوقت المطلوب ومنها وجوده فى وقت آخر لحكمة
أقتضت تأخيره ومنها دفع شر بدله أو إعطاء خير آخر خير من مطلوبه ومنها إدعاره ليوم يكون أحوج
إلى نوابه - انتهى. قلت: المراد بالاستجابة فى الحديث وفى قوله تعالى: ﴿أدعونى استجب لكم - غافر: ٦٠﴾
وقوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان - البقرة: ١٨٦ ) ما هو أعم من تحصيل المطلوب بعينه، أو ما يقوم
مقامه ويزيد عليه ، فكل داع يستجاب له بشروط الاجابة لكن تنوع الاجابة فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة
بعوضه. وقد ورد فى ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذى والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رفعه ما على
الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها، ولأحمد من حديث أبى هريرة إما
أن يعجلها له وإما أن يدخرها له، وسيأتى حديث أبى سعيد فى الفصل الثالث ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها
إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له فى الآخرة ،
وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها وإلى ذلك أشار القارى، وأشار اليه أيضا ابن الجوزى بقوله اعلم أن
دعاء المؤمن لا يرد غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الاجابة أو يعوض بما هو أولى له عاجلا أو آجلا، فينبغى
للؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فانه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض، وفى رواية للشيخين وغيرهما
يستجاب لأحدكم ( أى يجاب دعاء كل واحد منكم اذا سم الجنس المضاف يفيد العموم على الأصح) ما لم يعجل
بقول ( بيان لقوله يعجل) دعوت فلم يستجب لى (بضم المثناة التحتية وفتح الجيم) قال الباجى: قوله ((يستجاب
لأحدكم، الخ يحتمل معنين: أحدهما أن يكون بمعنى الاخبار عن وجوب وقوع الاجابة. والثانى: الإخبار عن
٣٤٨
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. رواه مسلم.
٢٢٥٠ - (٦) وعن أبى الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوة المرء المسلم لأخيه،
جواز وقوعها فإذا كانت بمعنى الاخبار عن الوجوب فالاجابة تكون لأحد الثلاثة أشياء إما أن يعجل ما سأل
فيه وإما أن يكفر عنه به، وإما أن يدخر له فإذا قال دعوت فلم يستجب لى بطل وجوب أحد هذه الثلاثة الأشياء
وعرى الدعاء من جميعها. واذا كان بمعنى جواز الاجابة فالاجابة تكون حينئذ بفعل ما دعا به خاصة، ويمنع من ذلك
قول الداعى قد دعوت فلم يستجب لى لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط - انتهى. (فيستحسر)
أى ينقطح ويمل ويفتر وهو بمهملات استفعال من حسر اذا أعي وقعب وانقطع عن الشىء. وقال الجزرى:
الاستحمار الاستنكاف عن السؤال وأصله من حسر الطرف اذا كل وضعف نظره يعنى أن الداعى اذا تأخرت
إجابته تضجر ومل فترك الدعاء واستكف - انتهى. (عند ذلك) أى عند رويته عدم الاستجابة فى الحال
(ويدع) بفتح الدال المهملة (الدعاء) أى يتركه مطلقا أو ذلك الدعاء. قال المظهرى: من كان له ملالة من الدعاء
لا يقبل دعاءه، لأن الدعاء عبادة حصلت الاجابة أو لم تحصل فلا ينبغى الؤمن أن يمل من العبادة وتأخير الاجابة إما
لأنه لم يأت وقتها فان لكل شىء وقنا مقدارا فى الأزل فما لم يأت وقته لا يكون ذلك الشىء، وإما لأنه لم يقدر
فى الأزل قبول دعاءه فى الدنيا واذا لم يقبل دعاءه يعطيه الله فى الآخرة من الثواب عوضه، وإما أن يؤخر
قبول دعاءه ليلح ويبالغ فى الدعاء فان الله تعالى يحب الالحاح فى الدعاء مع ما فى ذلك من الانقياد والاستسلام
وإظهار الافتقار، ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ومن بكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له فلا ينبغى أن
يترك الدعاء. وقال ابن بطال: المعنى إنه يسأم فيترك الدعاء كالمانّ بدعاء، أو إنه أتى من الدعاء ما يستحق به
الاجابة فيصير كالمبخل الرب الكريم الذى لا تعجزه الاجابة ولا ينقصه العطاء. وفى هذا الحديث أدب من
آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب ويديم الدعاء ولا يستبعلى الاجابة ولا ييأس منها، لما فى ذلك من الانقياد
والاستسلام واظهار الافتقار حتى قال بعض السلف لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أحرم الاجابة وكأنه
أشار إلى حديث ابن عمر الآتى فى الفصل الثانى من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة - الحديث.
(رواه مسلم) وأخرج أيضاً مالك والبخارى والترمذى وأبو داود وابن ماجه نحوه مختصراً ومطولا بألفاظ،
وفى الباب عن أنس عند أحمد وأبي يعلى والبزار والطبرانى، وفيه أبو هلال الرأسى وهو ثقة، وفيه خلاف وبقية
وجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح، وعن عبادة الصامت أخرجه الطبرانى فى الأوسط، وفيه مسلمة بن على
وهو ضعيف كذا فى مجمع الزوائد .
٢٢٥٠ - قوله (دعرة المرء المسلم) أى الشخص الشامل الرجل والمرأة (لأخيه) فى الدين أى المسلم
٣٤٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك مؤكل، كما دعا لأخيه بخير. قال الملك الموكل به: آمين، ولك
يمثل . رواه مسلم .
٢٢٥١ - (٧) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدعوا على أنفسكم، ولا
تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم،
معـ
(بظهر الغيب) أى فى غيبة المدعو له وفى السر. قال القارى: الظهر مقحم التأكيد أى فى غيبة المدعو له عنه وإن
كان حاضراً معه بأن دعا له بقلبه حينئذ أو بلسانه ولم يسمعه. (مستجابة) يعنى إذا دعا مسلم لمسلم بخير فى غيبة
أى بحيث لا يشعر ولوكان حاضراً فى المجلس يستجاب دعاءه، لأن هذا الدعاء أبلغ فى الاخلاص لله تعالى، وليس للريا.
ولا لطمع عوض وما كان كذلك يكون مقبولا . قال الطيبي: موضع بظهر الغيب نصب على الحال من المضاف
اليه، لأن الدعوة مصدر أضيف إلى فاعله، ويجوز أن يكون ظرفا الصدر وقوله ((مستجابة)) خبرلها (عند رأسه)
أى الداعى (ملك) جملة مستأنفة مبينة لسبب استجابة دعا الشخص بالغيب. وتخلف الاجابة لعائق من عدم أكل
الحلال أو عدم صدق نية مثلا (موكل) أى بتأمين دعاءه أو بالدعاء له عند دعاء، لأخيه (كما دعا لأخيه بخير)
أى أو دفع شر (آمين) أى استجب له يارب دعاءه لأخيه فقوله (ولك) فيه التفات أو استحباب الله دعاءك فى
حق أخيك ولك أيها الداعى (بمثل) بكسر الميم واسكان المثلثة وتنوين اللام يقال هو مثله ومثيله بزيادة الياء أى
عديله سواء يعنى ولك مثل ما دعوت به لأخيك. قال الطيبي: الباء زائدة فى المبتدأ كما فى بحسبك درهم - انتهى.
قال النووى : فى هذا الحديث فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب ولودعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة
ولودعا لجميع المسلمين، فالظاهر حصولها أيضا وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك
الدعوة لأنها تستجباب ويحصل له مثلها (رواه مسلم) فى الدعوات، وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٥ ص١٩٥)
وأبوداود فى أواخر الصلاة وابن ماجه فى الحج ، والبخارى فى الأدب المفرد وابن أبي شيبة وأبو عوانة وابن
حبان، وفى الباب عن أنس أخرجه البزار، وعن أم كرز أخرجه أبو بكر فى الغيلانيات وعن أبى هريرة أخرجه
الخرائطى فى مكارم الأخلاق .
٢٢٥١ - قوله (لا تدعوا) أى دعاء سوء (على أنفسكم) أى بالهلاك والويل ونحو ذلك عند التضجر فى
مصيبة المرض أو الموت مثلا (ولا تدعوا على أولادكم) أى بالعمى واللعن ونحو ذلك وقد كثرت وغلبت هذه
البلية فى النساء فانهن يدعون على أولادهن عند الضجر والملال (ولا تدعوا على أموالكم) قال القارى: أى من
العبيد والاماء بالموت وغيره . قلت : زاد فى رواية أبى داود ولا تدعوا على خدمكم قبل قوله ((ولا تدعوا على
٣٥٠
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم، رواه مسلم. وذكر حديث ابن عباس: إنق
دعوة المظلوم. فى كتاب الزكاة .
﴿ الفصل الثانى )
٢٢٥٢ - (٨) عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء هو العبادة.
أموالكم، فالظاهر إن المراد بالأموال فى رواية مسلم ما هو الأعم من العبيد والإماء (لا توافقوا) نهى للداعى
أى وعلة للنهى أى لاتدعوا على من ذكر لئلا توافقوا (من اللّه ساعة) أى ساعة إجابة (يسئل) أى اللّه (فيها
عطاء) بالنصب على أنه مفعول ثان. قال القارى: وفى نسخة يعنى من المشكاة بالرفع على أنه نائب الفاعل ليسئل -
انتهى. وفى رواية أبى داود لا توافقوا من اللّه ساعة نيل فيها عطاء. قال المظهر: العطاء ما يعطى من خير أو
شر وا كثر استعمال العطاء يكون فى الخير والمعنى ههنا يسئل فيها مسئلة (فيستجيب) بالرفع عطفا على يسئل أو التقدير
فهو يستجيب (لكم) يعنى لا تدعوا دعاء سوء على ما ذكر مخافة أن يصادف دعوتكم ساعة إجابة فيستجاب دعاءكم
السوء ثم تندموا على ما دعوتم ولا ينفعكم الندامة يعنى لا تدعوا الا بخير. وقيل «فيستجيب)) منصوب لأنه جواب
((لا توافقوا، قال الطيبي: جواب النهى من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك على مذهب أى مذهب الكسائى
ويحتمل أن يكون مرفوعا أى فهو يستجيب (رواه مسلم) فى أثناء حديث جابر الطويل فى آخر صحيحه، وأخرجه
أيضا أبو داود فى أواخر الصلاة ، وفى الباب عن أم سلمة بلفظ: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فان الملائكة
يؤمنون على ما تقولون، وقد تقدم فى باب ما يقال عند من حضره الموت ( ج ١ ص ٤٤٩).
(وذكر حديث ابن عباس إنق) أى إحذر (دعوة المظلوم) أى لا تظلم أحداً بأن تأخذ منه شيئا ظلما أو
تمنع أحداً حقه تعديا أو تتكلم فى عرضه إفتراء حتى لا يدعو عليك، وتمام الحديث فانه ليس بينها وبين الله
حجاب. (فى كتاب الزكاة) فى أوله لكونه فى ضمن حديث طويل هناك فاسقطه التكرار ونبه عليه لا لكون
الحديث أنسب بذلك الكتاب حتى يرد السؤال والجواب .
٢٢٥٣ - قوله (الدعاء هو العبادة) هذه الصفة المقتضية للحصر من جهة تعريف المسند اليه ومن جهة
تعريف المسند ومن جهة ضمير الفصل تقتضى أن الدعاء هو أعلى أنواع العبادة وأرفعها وأشرفها، وإلى هذا أشار
بقوله الدعاء مخ العبادة. قال الطبى: معنى الحديث أن تحمل العبادة على المعنى اللغوى إذا الدعاء هو اظهار غاية
التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شرعت العبادات إلا للخضوع للبارى واظهار الافتقار اليه وينصر هذا
٣٥١
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
ثم قرأ: (وقال ربكم أدعونى استجب لكم)
التأويل ما بعد الآية المتلوة ( إن الذين يستكبرون عن عبادفى سيدخلون جهنم - غافر: ٦﴾ داخرين حيث
عبر عن عدم الافتقار والتذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتى موضع دعائى وجعل جزاء ذلك الاستكبار
الصغار والهوان . وقيل: لا وجه لحمل العبادة على المعنى اللغوى ولا فائدة فيه والأقرب أن يقال أن العبادة
سواء كانت دعاء أم غيره لا يخلو أن يقصد بها استدعاء رضوان الله تعالى واستدفاع سخطه أو يقصد بها غرض
دنيوى محض كالتوسعة فى الرزق ليتنعم والشفاء من المرض ليتخلص من الألم وعلى كل فذلك القصد يصح أن
يسمى دعاء، لأنه دعاء قلبي وإذا اعتبرنا العبادات الشرعية سوى الدعاء وجدنا الشارع، قد شرع الدعاء فى كل منهما
بما يوافق ذلك القصد فصار الدعاء عبارة عن الأمرين ، السؤال باللسان والقصد بالجنان، لأن الدعاء باللسان إنما
هو ترجمة لذلك القصد فاذا صح هذا فاننا إذا أفرزنا الدعاء من العبادة وهو القصد القلبى وترجمته اللسانية لم يبق
من العبادة إلا صورتها. ولا شك أن القصد القلبى مع الترجمة عنه أكرم على الله تعالى وأشرف من صورة العبادة
مجردة عن ذلك، ولهذا صح إن الدعاء مخ العبادة، وهو معنى قوله إن الدعاء هو العبادة على وزان قوله الحج عرفة
وقد يتوسع فى هذا فيقال إن صورة العبادة كالصوم دعاء بالحال ، وبهذا يصح ان العبادات كلها دعاء. وقال
ميرك: أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر فى أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة ومعناه
إن الدعاء معظم العبادة كما قال صلى الله عليه وسلم الحج عرفة أى معظم أركان الحج الوقوف بعرفة . قال القارى
فى شرح الحصن بعد نقل كلام ميرك: والأظهر أن الحصر حقيقى لا ادعائى فان إظهار العبد العجز، والاحتياج
عن نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته سواء استجاب له أولم يستجب كريم غنى لا بخل له
ولافقر ولا احتياج له الى شئى حتى يدخر لنفسه ويمنعه من عباده هو عين العبادة بل مخها - انتهى . (ثم قرأ وقال
ربكم ادعونى استجب لكم) ذكر الآية بعد الحديث على وجه البيان لأن فى الآية الأمر بالدعاء والقيام بحكم الأمر
هو العبادة . قال القارى: قيل استدل بالآية على أن الدعاء عبادة لأنه مأمور به والماءور به عبادة. وقال القاضى
البيضاوى : لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التى تسحق أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل
بوجهه إلى الله تعالى معرض عمن سواه لا يرجو ولا يخاف إلا منه استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر
مأمور به إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب،
وما كان كذلك كان أتم العبادات وأكملها، ويقرب منه قوله مخ العبادة أى خالصها . وقيل الاستدلال بالآية
بتمامها وذلك لأن أول الكلام مسوق للدعاء، فالمناسب به أن يقول (إن الذين يستكبرون عن دعائى﴾ فاطلاق
العبادة فى موضع الدعاء ويدل على أن الدعاء عبادة. قال الحافظ: هذه الآية ظاهرة فى ترجيح الدعاء على
٣٥٢
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩٠ - كتاب الدعوات
رواه أحمد، والترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه.
٢٢٥٣ - (٩) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء مخ العبادة.
رواه الترمذى.
٢٢٥٤ - (١٠) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس شىء أكرم
التفويض وأجاب عنها من ذهب إلى أن الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء بأن آخرها دل على أن المراد
بالدعاء (أى فى الآية) العبادة لقوله: (إن الذين يستكبرون عن عبادقى) واستدلوا بحديث النعمان يعنى الذى
نحن فى شرحه. وأجاب الجمهور أى الذين قالوا بترجيح الدعاء على التفويض بأن الدعاء من أعظم العبادة فهو
كالحديث الآخر الحج عرفة أى معظم الحج وركنه الأكبر، ويؤيده حديث الدعاء مخ العبادة، وقد تواردت
الآثار عن النبي ◌َّاللّه بالترغيب فى الدعاء والحث عليه. وقال الشيخ تقي الدين السبكى: الأولى حمل الدعاء فى الآية
على ظاهره ، وأما قوله بعد ذلك عن عبادنى فوجه الربط إن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عن العبادة
استكبر عن الدعاء وعلى هذا فالوعيد إنما هو فى حق من ترك الدعاء استكباراً، ومن فعل ذلك كفراً، وأما من تركه
لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وان كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار أرجح من الترك
لكثرة الأدلة الواردة فى الحث عليه - انتهى. قلت: الأمر فى الآية للاستحباب والوعيد ليس على ترك الدعاء
مطلقا بل على تركه استكباراً (رواه أحمد) (ج ٤ ص ٢٦٧، ٢٧٦،٢٧١) (والترمذى) فى تفسير سورتى
البقرة والمؤمن وفى الدعوات. وقال: هذا حديث حسن صحيح. (وأبو دواد) فى أواخر الصلاة وسكت عنه.
وفقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره (والنسائى) فى الكبرى (وابن ماجه) فى الدعاء وأخرجه أيضاً البخارى
فى الأدب المفرد وابن أبى شيبة فى مصنفه وابن حبان فى صحيحه، والحاكم ( ج١ ص ٤٩١) والطبرانى فى كتاب
الدعاء. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي وأخرجه أبو يعلى من حديث البراء كما فى الكنز.
٢٢٥٣ - قوله (الدعاء مخ العبادة) المخ بالضم فتى العظيم والدماغ وشحمة العين وخالص كل شىء،
والمعنى إن الدعاء لب العبادة وخالصها، وذلك لأن الداعى إنما يدعو الله عند إنقطاع أمله ما سواه، وذلك
حقيقة التوحيد والاخلاص ولاعبادة فوقهما. قال ابن العربى: وبالمخ تكون القوة للاعضاء فكذا الدعاء فخ العبادة
به تتقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة (رواه الترمذى) فى الدعوات . وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه
إلا من حديث ابن لهيعة - انتهى. وابن لهيعة فيه مقال مشهور، وأخرج البخارى فى الأدب المفرد عن أبى هريرة
مرفوعا أشرف العبادة الدعاء.
٢٢٥٤ - قوله (ليس شئ أكرم) بالنصب على أنه خبر ليس أى أكثر كرامة أى شرفا يعنى أعلى قدراً
٣٥٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
على اللّه من الدعاء . رواه الترمذى، وابن ماجه. وقال الترمذى : هذا حديث حسن غريب .
٢٢٥٥ - (١١) وعن سلمان الفارسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يرد القضاء
وأرفع درجة. وقيل: أى أفضل وأشرف (على الله) أى عند اللّه (من الدعاء) أى من حسن السؤال والطلب
لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته والمعنى ليس شئى من أنواع العبادات القولية
أكرم عند الله من الدعاء لأن شرف كل شئ يعتبر فى بابه فلا يرد أن الصلاة أفضل العبادات البدنية ، ولا يتوم
أنه مناف لقوله تعالى: ﴿ إن أكرمكم عند الله اتقاكم - الحجرات: ١٣) وقيل: الأظهر أن الدعاء أفضل من جميع
الأذكار والطاعات وقيل: المراد بقوله أكرم أسرع قبولا وأنفع تأثيراً. وقيل يمكن أن يراد بالدعاء الدعاء إلى
اللّه تعالى فيكون المعنى أكرم الأعمال هو الهداية إلى الله تعالى التى هى وظيفة الرسل والعلماء النائبين عنهم،
وهذا معنى صحيح ولا يظهر فيه اشكال فتأمل (رواه الترمذى وابن ماجه) فى الدعوات وأخرجه أيضا أحمد،
والبخارى فى الأدب المفرد وفى التاريخ وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٤٩٠) (وقال الترمذى هذا حديث حسن
غريب) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي. قال الشوكانى: وانما لم يصححه الترمذى لأن
فى إسناده عمران بن داور القطان ضعفه النسائى وأبو داود ومشاه أحمد. وقال ابن القطان: رواته كلهم ثقات
إلا عمران، وفيه خلاف - انتهى . قلت : عمران هذا قال البخارى فيه: إنه صدوق بهم، ووثقه عفان والعجلى.
وقال الساجى والحاكم: صدوق، وذكره ابن حبان فى الثقات . وقال أحمد: أرجوأن يكون صالح الحديث وضعفه
أبو داود والنسائى. وقال ابن معين: ليس بالقوى. وقوله هذا حديث حسن غريب كذا وقع فى النسخ المطبوعة
فى الهند من المشكاة وفى النسخة التى على هامش المرقاة ، وهكذا نقله الشوكانى فى تحفة الذاكرين وليس فى نسخ
الترمذى الموجودة عندنا لفظ حسن، وكذا لم يقع فى متن المرقاة ولم يذكره البغوى أيضاً والحديث لا ينزل عن
درجة الحسن .
٢٢٥٥- قوله (لا يرد القضاء) بالنصب على المفعولية (إلا الدعاء) قال القارى أخذاً عن النور بشتى: القضاء
هو الأمر المقدر. وتأويل الحديث إنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه، فإذا وفق
الدعاء دفعهالله عنه فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقی عنه یو ضحه، قوله ژێے فى « الرقى » هو من قدر
اللّه، وقد أمربالتداوى والدعاء مع أن المقدور كائن لخفاءه على الناس وجوداً وعدماً. ولما بلغ عمر الشام وقيل له
إن بها طاعونا رجع . فقال أبو عبيدة: أنفر من القضاء يا أمير المؤمنين؟ فقال لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم ! نفرمن
قضاء الله الى قضاء الله أو أراد برد القضاء إن كان المراد حقيقته تهوينة وتيسير الأمر حتى كأنه لم ينزل يؤيده قوله فى
الحديث الآتى أن الدعاء ينفع ما نزل ومما لم ينزل- انتهى. وقيل هذا كله تكلف وحقيقة المعنى إن المراد بالقضاء
٣٥٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
إلا الدعاء ، ولا يزيد فى العمر إلا البر. رواه الترمذى .
القضاء الذى علق رده بالدعاء وجعل الدعاء سبا لرده، فإن القضاء لا ينافى السبب والمسبب، فمن جملة القضاء أن يكون
شئى سببا لحصول شئى أو يكون سببا لرده فالدعاء ورد البلا به من قدر الله تعالى فقد يقضى بشئى على عبده قضاء
مقيداً بأن لا يدعوه ، فان دعاءه إندفع عنه فالدعاء كالترس والبلاء كالسهم (ولا يزيد فى العمر) بضم الميم وتسكن
(إلا البر) بكسر البا وهو الاحسان والطاعة. والظاهر انه يزاد حقيقة قال تعالى: ﴿ وما يعمر من معمر ولا
ينقص من عمره الا فى كتاب - فاطر: ١١) وقال: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب - الرعد:
٣٩) والمعنى أنه لو لم يكن بارا لقصر عمره من القدر الذى كان اذا بر، والتفاوت أنما يظهر فى التقدير المعلق
لا فيما يعلم الله تعالى إن الأمر يصير اليه فإن ذلك لا يقبل التغيير، ولا يخفى ما بين الحصرين المستفادين من الجملتين
من التناقض فيجب حمل القدر أى المقدر فى الجملة الأولى على غير العمر فليتأمل ذكر فى الكشاف أنه
لا يطول عمر الانسان ولا يقصر إلا فى كتاب، وصورته أن يكتب فى اللوح أن لم يحج من فلان أويغز فعمره
أربعون سنة وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز
به الأربعين فقد نقص من عمره الذى هو الغاية وهو السنون، وذكر نحوه فى معالم التنزيل وقيل معناه إذا بر
لا يضيع عمره فكأنه زاد وقيل قدر أعمال البر سببا لطول العمر كما قدر الدعاء سببا لرد البلاء، فالبر على
أو الدين وبقية الأرحام يزيد فى العمر، إما بمعنى أنه يبارك له فى عمره فييسرله فى الزمن القليل من الأعمال الصالحة
ما لا يتيسر لغيره من العمل الكثير فالزيادة مجازية لأنه يستحيل فى الآجال الزيادة الحقيقية. قال الطيبي: اعلم
أن الله تعالى اذا علم ان زيدا يموت سنة خمس مائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها فاستحال أن تكون الآجال
التى عليها علم الله تزيد أو تنقص فتعين تأويل الزيادة انها بالنسبة الى ملك الموت أو غيره من وكل بقبض الأرواح
وأمره بالقبض بعد آجال محدودة فانه تعالى بعدأن يأمره بذلك أو يثبت فى اللوح المحفوظ ينقص منه أويزيد على ما
سبق علمه فى كل شئى وهو بمعنى قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب-) وعلى ما
ذكر يحمل قوله عزوجل: ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده - الأنعام: ٢﴾ فالاشارة بالأجل الأول إلى ما
فى اللوح المحفوظ، وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثانى إلى ما فى قوله تعالى: ﴿وعنده أم الكتاب-﴾
وقوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون - الأعراف: ٣٤). والحاصل أن
القضاء المعلق يتغير. وأما القضاء المبرم فلا يبدل ولا يغير - انتهى. (رواه الترمذى) فى القدر. وقال: حديث
حسن غريب. قال الشوكانى: وصححه ابن حبان ولم يصححه الترمذى لأن فى اسناده أبا مودود البصرى
واسمه فضة بكسر أوله وتشديد المعجمة. قال أبو حاتم : ضعيف. قلت: فضة أبو مودود بصرى مشهور بكنيته.
٣٥٥
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٥٦ - (١٢) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الدعاء ينفع٠)
نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء. رواه الترمذى.
٢٢٥٧ - (١٣) ورواه أحمد عن معاذ بن جبل، وقال
قال الحافظ فى التقريب: فيه لين. قال الشوكانى: وأخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير والضياء فى المختارة، ومثله
حديث ثوبان الذى أخرجه ابن أبى شيبة والطبرانى فى الكبير والحاكم فى المستدرك (ج١ ص ٤٩٣) وابن حبان
فى صحيحه لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد فى العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه - انتهى.
قلت: حديث ثوبان أخرجه أيضا ابن ماجه فى السّنة والفتن. قال فى الزوائد: سألت شيخنا أبا الفضل القرافى
عن هذا الحديث فقال: حسن. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي .
٢٢٥٦ - قوله (إن الدعاء ينفع ما نزل) أى من بلاء نزل بالرفع إن كان معلقا وبالصبر ان كان محكما
فيسهل عليه تحمل ما نزل به فيصبره أو يرضيه به حتى لا يكون فىنزوله متمنيا خلاف ما كان بل يتلذذ بالبلاء كما
يتلذذ أهل الدنيا بالنعما" (وما لم ينزل) أى بأن يصرفه عنه ويدفعه منه أو يمده قبل النزول بتأييد من عنده يخف
معه أعباء ذلك أذ أنزل به (فعليكم) أى اذا كان هذا شأن الدعاء فالزموا (عباد الله) أى يا عباد الله (بالدعاء)
لأنه من لوازم العبودية التى هى القيام بحق الربوبية (رواه الترمذى) فى الدعوات، وكذا الحاكم (ج١ ص٤٩٣)
كلاهما من رواية عبد الرحمن بن أبى بكر القرشى عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال الترمذى : هذا
حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبى بكر القرشى وهو ضعيف فى الحديث قد تكلم فيه بعض
أهل الحديث من قبل حفظه - انتهى. والحديث قال الحافظ فى الفتح. فى سنده: لين. وسكت عنه الحاكم.
وقال الذهبي فى مختصره : قلت عبد الرحمن واه، وقال النذرى فى الترغيب: هوذاهب الحديث.
٢٢٥٧ - قوله (ودواه أحمد) (ج ٥ ص ٢٣٤) (عن معاذ بن جبل) وكذا الطبرانى كلاهما من
طريق اسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين المكى عن شهر بن حوشب عن معاذ بلفظ :
لن ينفع حذر من قدرولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم بالدعاء عباد الله. قال الهيشمى فى مجمع الزوائد
(ج١٠ ص ١٤٦) شهر بن حوشب لم يسمع من معاذو رواية اسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ضعيفة - انتهى.
قلت: ورواه أيضاً البزار عن معاذ بن جبل، وفيه ابراهيم بن خيثم وهو متروك، ورواه البزار أيضاً والطبر انى
فى الأوسط والحاكم (ج ١ ص ٤٩٢) عن عائشة . قال الحاكم: صحيح الاسناد . وتعقبه الذهبي بأن زكريا
ابن منظور أحد رجاله مجمع على ضعفه. وقال الهيشمى (ج ٧، ص ٢٠٩، ج ١٠ ص١٤٦) زكريا بن منظور وثقه
٣٥٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
وقال الترمذى : هذا حديث غريب .
٢٢٥٨ - (١٤) وعن جابر، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ما من أحد يدعو بدعاء
إلا آتاه الله ما سأل، أوكف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بانم أو قطيعة رحم. رواه الترمذى.
٢٢٥٩ - (١٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله من فضله،
فإن الله يحب أن يسئل، وأفضل العبادة انتظار الفرج.
أحمد بن صالح المصرى وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات (وقال الترمذى هذا) أى حديث ابن عمر (غريب)
ومع غرابته فهو ضعيف كما تقدم .
٢٢٥٨ - قوله (إلا آتاه الله ما سأل) أى إن جرى فى الأزل تقدير أعطاه ما سأل (أوكف عنه من
السوء مثله) أى دفع عنه من البلاء عوضاً مما منع قدر مسئوله أن لم يجر التقدير. قال الطيبي فان قلت كيف مثل
جلب النفع بدفع الضرر وما وجه التشبيه. قلت: الوجه ما هو السائل مفتقر اليه وما هو ليس مستغنى عنه .
وقال ابن حجر: أى يدفع الله عنه سوأ تكون الراحة فى دفعه بقدر الراحة التى تحصل له لو أعطى ذلك المسئول
فالمثلية باعتبار الراحة فى دفع ذلك. وجاب هذا (ما لم يدع بائم) أى بمعصية (أو قطيعة رحم) تخصيص بعد
تعميم (رواه الترمذى) لم يحكم الترمذى عليه بشتى من الصحة أو الضعف وفى سنده ابن لهيعة وفى الباب عن
عبادة بن الصامت. أخرجه الترمذى وصححه هو والحافظ فى الفتح، ونسبه المنذرى والحافظ للحاكم أيضاً، وعن
أبى سعيد أخرجه أحمد ، وسيأتى فى الفصل الثالث وعن أبى هريرة أخرجه أحمد. قال المنذرى : باسناد لا بأس
به والترمذى والحاكم وقال صحيح الإسناد.
٢٢٥٩ - قوله (وعن ابن مسعود) كذا فى جميع النسخ الحاضرة عندنا، وهكذا وقع فى الترغيب
النذرى و الجامع الصغير وكنز العمال. قال القارى: وفى نسخة يعنى من المشكاة أبى مسعود بالياء بدل النون -
انتهى. وهكذا وقع فى جامع الأصول للجزرى (ج ٥ ص ١٩) وهو غلط من الناسخ والصواب ابن مسعود
فإن الحديث من مسند عبد الله بن مسعود كما وقع مصرحاً بذلك فى جامع الترمذى وهكذا ذكره الحافظ فى الفتح
(سلوا الله من فضله) أى بعض فضله فان فضله واسع وليس هناك مانع (فان الله يحب أن يسئل) أى من فضله.
وقال الطيبي: أى لا يمنعكم شىء من السؤال فان الله يحب أن يسئل من فضله لأن خزائنه ملائى لا تغيضها نفقة
سحاء الليل والنهار فلما حث على السؤال هذا الحث البليغ وعلم أن بعضهم يمتنع من الدعاء لاستبطاء الاجابة قال
(وأفضل العبادة انتظار الفرج) أى اذا سألتم وابطئت عنكم الإجابة فلا تضجروا، لأن انتظار الفرج من أفضل
٣٥٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
رواه الترمذى. وقال: هذا حديث غريب.
٢٢٦٠ - (١٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب
عليه. رواه الترمذى.
العبادة، والفرج بفتحتين بالفارسية كشايس، يقال فرج الله الغم عنه أى كشفه واذهبه. قال القارى: انتظار
الفرج أى ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بالصبر وترك الشكاية إلى غيره تعالى، وكونه أفضل العبادة لأن الصير فى
البلاء إنقياد للقضاء (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا ابن مردوية وابن أبى الدنيا كلهم من طريق حماد بن واقد عن
اسرائيل عن أبى اسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله (وقال هذا حديث غريب) ليست هذه الجملة فى نسخ الترمذى
الموجودة عندنا بل فيها بعد تمام الحديث ((هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وحماد بن واقد ليس بالحافظ،
وروى أبو نعيم (الفضل بن دكين) هذا الحديث عن اسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النبي مزفيه ،
وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح)) انتهى كلام الترمذى. قلت: حماد بن واقد العيشى أبو عمرو الصفار
البصرى. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمته: قال ابن معين: ضعيف، وقال البخارى : منكر الحديث. وقال
أبو زرعة: لين الحديث . له عند الترمذى حديث واحد وهو فى انتظار الفرج وأعله - انتهى مختصراً. وإنما رجح
الترمذى حديث أبي نعيم لأن أبا نعيم وهو الفضل بن دكين ثقة ثبت. وأما حماد بن واقد فضعيف كما عرفت
آنفا والرجل المبهم فى طريق أبى نعيم يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا، وعلى الثانى يكون هذا
الطريق مرسلا ، وفى الباب عن أنس بلفظ: إن أفضل العبادة إنتظار الفرج أخرجه البزار . قال الهيثمى فى مجمع
الزوائد (ج ١٠ ص ١٤٧) وفيه من لم أعرفه .
٢٢٦٠ - قوله (من لم يسأل الله يغضب عليه) لأن ترك السؤال تكبر واستغناء وهذا لا يجوز للعبد
ولنعم ما قيل:
الله يغضب إن تركت سواله
وترى ابن آدم حين يسئل يغضب.
وقال الطبى: وذلك لأن الله يحب أن يسئل من فضله فمن لم يسأل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه - انتهى.
قال الحافظ: ويؤيده حديث ابن مسعود رفعه سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسئل أخرجه الترمذى، وفى
الحديث دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات وأعظم المفروضات لأن تجنب ما يغضب الله منه لا
خلاف فى وجوبه (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا أحمد والبخارى فى الأدب المفرد وابن ماجه والبزار والحاكم
(ج ١ ص ٤٩١) وابن أبي شيبة كلهم من رواية أبى صالح الخوزى بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاى
عن أبى هريرة، وهذا الخوزى مختلف فيه ضعفه ابن معين وقواه أبو زرعه، وظن الحافظ ابن كثير أنه
٣٥٨
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٦١ - (١٧) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فتح له منكم باب
الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل اللّه شيء ، يعنى أحب إليه - من أن يسأل العافية.
رواه الترمذى .
أبو صالح السمان نجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه وليس كما قال ، فقد جزم شيخه المزى فى الاطراف بأن أبا صالح
هو الخوزى وقع فى رواية البزار والحاكم عن أبى صالح الخوزى سمعت أبا هريرة كذا فى الفتح (ج ٢٦
ص ٢٠،١٩).
٢٢٦١ - قوله (من الفتح) بصيغة المفعول (له منكم باب الدعاء) أى بأن وفق لأن يدعو الله كثيرا مع
وجود شرائطه وحصول آدابه (فتحت له أبواب الرحمة) يعنى أنه يجاب لمسئوله تارة ويدفع عنه مثله من السوء
أخرى كما فى رواية ابن أبى شيبة فتحت له أبواب الاجابة، وفى رواية الحاكم فتحت له أبواب الجنة ورواية
الكتاب أعم وأشمل (وما سئل) بصيغة المجهول (الله) بالرفع نائب الفاعل (شيئا) وفى رواية الحاكم ولا يسأل
الله عبد شيئًا (يعنى أحب إليه) كذا فى جميع النسخ الحاضرة، وهكذا فى المصابيح وجامع الترمذى وهكذا نقله
المذرى فى الترغيب أى بزيادة لفظة يعنى قبل أحب ولا توجد هذه اللفظة فى جامع الأصول والحصن والكنز
وتحفة الذاكرين وليست أيضا فى رواية الحاكم. قال الطيبي: أحب إليه تقييد المطلق بيعنى وفى الحقيقة صفة شيئا-
انتهى. قلت قوله يعنى من كلام بعض الرواة وذكر ذلك لأنه لم يحفظ ولم يستحضر لفظ الحديث بعد قوله شيا
فرواه بالمعنى فما بعد يعنى نقل ورواية بالمعنى و ((شيئا)، مفعول مطلق وأحب إليه صفته وإن فى قوله
(من أن يسئل العافية) مصدرية، والمعنى ما سئل الله سؤالا أحب إليه من سؤال العافية، ويجوز أن يكون
(شيئا)) مفعولا به أى ما سئل الله مسؤولا أحب إليه من العافية وزيد أن يسئل اهتماماً بشأن المسئول
وللإيذان بأن الأحب إليه سؤال العافية لا ذاتها. قال الطيبي إنما كانت العافية أحب لأنها لفظة جامعة
لخير الدارين من الصحة فى الدنيا والسلامة فيها. وفى الآخرة. لأن العافية أن يسلم من الاسقام والبلايا وهى
الصحة ضد المرض - انتهى. وقيل: المراد بالعافية السلامة عن جميع الآفات الظاهرة والباطنة فى الدنيا والآخرة
(رواه الترمذى) وكذا الحاكم (ج١ ص ٤٩٨) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر القرشى المليكى عن
موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال الترمذى: حديث غريب، والمليكى ضعيف فى الحديث . وقال الحاكم:
حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبى بأن المليكى ضعيف. وقال المنذرى: هو ذاهب الحديث. وقال الحافظ فى
سنده: أين . وقد صححه مع ذلك الحاكم.
٣٥٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٦٣ - (١٨) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يستجيب
الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء فى الرخاء. رواء الترمذى. وقال: هذا حديث غريب.
٢٢٦٣ - (١٩) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة،
واعلموا أن الله لا يستجيب دعا.
٢٢٦٢ - قوله (من سره) أى أعجبه وأوقعه فى الفرح والسرور (أن يستجيب الله له عند الشدائد)
جمع الشديدة وهى الحادثة الشاقة . وقال الجزرى: الشديدة كل ما يمر بالانسان من مصائب الدنيا، وفى الترمذى
زيادة، والكرب بضم الكاف وفتح الراء جمع الكربة، وهى الغم الذى يأخذ بالنفس لشدته (فليكثر) أمر من
الإكثار (الدعاء فى الرخاء) بفتح الراء والخاء المعجمة ممدود أى فى حالة الصحة والفراغ والعافية. قال الجزرى:
الرخاء السعة فى العيش وطيبه وهو ضد الشدة - انتهى . والمعنى فليلازم الدعاء فى حال الصحة والرفاهية والسلامة
من المحن ، فان من شيمة المؤمن الحازم أن يريش السهم قبل أن يرمى و يلتجئ إلى الله قبل مس الاضطرار إليه
بخلاف الكافر والفاجر كما قال الله تعالى ﴿ وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم اذاخوله نعمة منه نسى
ما كان يدعو اليه من قبل - الزمر: ٨) الآية. وقال ﴿ وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو
قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه - يونس: ١٢) (رواه الترمذى) وكذا الحاكم (ج ١
ص ٥٤٤) وقال حديث صحيح الاسناد ووافقه الذهبي. قال المنذرى فى الترغيب: ورواه الحاكم من حديث
أبي هريرة ومن حديث سلمان وقال فى كل منهما صحيح الاستاد .
٢٢٦٣ - قوله (وأنتم موقنون بالإجابة) المراد مازومه أى أدعو الله والحال إنكم ملتبسون بالصفات
التى هى سبب فى الاجابة . قال التور بشتى: أى كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون فيها الاجابة وذلك إتيان
المعروف وإجتناب المنكر وغير ذلك من مراعاة أركان الدعاء وآدابه حتى تكون الاجابة على قلوبكم أغلب من
الردأ، والمراد أدعوه معتقدين لوقوع الاجابة لأن الداعى اذا لم يكن متحققا فى الرجاء لم يكن رجاءه صادقاً وإذا
لم يكن الرجاء صادقا لم يكن الدعاء خالصا والداعى مخلصا فان الرجاء هو الباعث على الطلب ولا يتحقق الفرع إلا بتحقق
الأصل. وقيل: لا بد من اجتماع المعنيين اذكل منهما مطلوب لرجاء الاجابة، وقال المظهر: المعنى ليكن الداعى
ربه على يقين بأن الله تعالى يجيبه لأن رد الدعاء إما لعجز فى إجابته أو لعدم كرم فى المدعو أو لعدم علم المدعو بدعاء
الداعى وهذه الاشياء منتفية عن الله تعالى فإن الله جل جلاله عالم كريم قادر لا مانع له من الاجابة، فإذا علم
الداعى إنه لا مانع الله فى إجابة الدعاء فليكن موقنا بالاجابة. فإن قيل قد قلتم إن الداعى ليكن موقنا بالاجابة
واليقين إنما يكون اذا لم يكن الخلاف فى ذلك الأمر، ونحن قد نرى بعض الدعاء يستجاب وبعضها لا يستجاب
٣٦٠