النص المفهرس

صفحات 141-160

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
فقال: يا ملائكتى! ما جزاء أجير وفى عمله؟ قالوا: ربنا جزاءه أن يوفى أجره. قال: ملائكتي!
عيدى وإمانى قضوا فريضتى عليهم، ثم خرجوا يعجون إلى الدعاء، وعزتى وجلالى وكرمى وعلوى
وارتفاع مكانى لأجيبتهم. فيقول: إرجموا قد غفرت لكم، وبدات سيئاتكم حسنات. قال: فيرجعون
مغفورا لهم. رواه البيهقى فى شعب الإيمان.
المفاخرة، والسبب فيها اختصاص الانسان بهذه العبادات التى هى الصوم . وقيام الليل وإحياءه بالذكر وغيره
من العبادات، وهى غبطة الملائكة، ثم الأظهر إن هذه المباهاة مع الملائكة الذین طعنوا فی بنی آدم فیکون یانا
لاظهار قدرته وإحاطة علمه قاله القارى (يا ملائكتي) اضافة تشريف (وفى ) بالتشديد وتخفف (ربنا)
بالنصب على النداء (جزاءه أن يونى) بصيغة المجهول مشددا ومخففا (أجره) أى أجر عمله بالنصب، وقيل بالرفع.
(قال ملائکتی) بحذف حرف النداء (عبيدى وإمائى) بكسر الهمزة جمع أمة، بمعنى الجارية ( قضوا) أى أدوا
(فريضتى) أى المختصة المخصوصة بى، وهى الصوم الشاق (عليهم ثم خرجوا) من بيوتهم إلى مصلى عيدهم
(يعجون) يضم العين وتكسر وبالجيم المشددة من عَجّ يَعُّجَ تَجًا وعجميجا، صاح ورفع صوته (إلى الدعاء)
أى يرفعون أصواتهم بالذكر والثناء متوجهين أو منتهين إلى الدعاء بالمغفرة لذنوبهم. وقيل: أى يرفعون أصواتهم
وأيديهم إلى الدعاء (وعزتى) ذاتا (وجلالى) صفة (وكرمى) فعلا (وعلوى) فى الجميع (وارتفاع مكانى) أى
مكانتى ومرتبتى من قدرتى وإرادتى عن شوائب النقصان ، وحوادث الزمان والمكان فهو تسبيح بعد تحميد
ونقديس بعد تمجيد قاله القارى، وقال الطبي: إرتفاع المكان كناية عن عظمة شأنه وعلى سلطانه وإلا فالله تعالى
منزه عن المكان وما ينسب اليه من العلو والسفل - انتهى. قلت: قد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى
مستو على عرشه وعرشه فوق السماوات السبع، والاستواء هو الارتفاع والعاو فالله تعالى عال على عرشه بائن
من خلقه وعلمه وقدرته فى كل مكان ، وكيفية استواءه مجهولة ، ليس كمثله شىء وارجع إلى كتاب العلو للذهبى
وكتاب الأسماء والصفات للبيهقى وإلى ما كتب فى مسئلة الاستواء على العرش شيخ الاسلام تقى الدين بن تيمية
(لأجيبنهم) أى لأقبلن دعوتهم (فيقول) أى الله تعالى حينئذ (إرجعوا) أى من مصلاكم إلى مساكنكم
(قد غفرت لكم) أى التقصيرات (وبدلت سياتكم حسنات) بأن يكتب بدل كل سيئة حسنة فى صحائف الأعمال
فضلامن الله الملك المتعال، وهو يحتمل أن يعم الصائمين، ويحمثل أن يكون الغفران العاصين والتبديل الطبيعين التائبين،
وهو أظهر لقوله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سياتهم حسنات - الفرقان: ٧٠)
(قال) أى النبى مرَّة (فيرجعون) أى جميعهم حال كونهم (منفورا لهم رواه البيهقى فى شعب الإيمان) وأخرجه
١٤١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
(٩) باب الاعتكاف
ابن حبان فى الضعفاء مطولا، وفيه أصرم بن حوشب قاضى همدان. قال يحيى: كذاب خبيث . وقال البخارى
ومسلم والنسائى. متروك الحديث. وقال الدار قطنى: منكر الحديث. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على
الثقات. وقال الحاكم والنقاش: يروى الموضوعات، وأخرجه ابن شاهين فى الترغيب، والعقيلى فى الضعفاء من طريق
عباد بن عبد الصمد عن أنس وعباد هذا . قال الذهبي: إنه واه. وقال البخارى: منكر الحديث. وقال أبو حاتم :
عباد ضعيف جدا . وقال العقيلى: يروى عن أنس نسخة عامتها مناكير. وقال الذهبي: بعد الاشارة الى هذا
الحديث من رواية العقيلى، هذا حديث طويل يشبة وضع القصاص، وأخرجه أيضا الديلى من طريق أبان عن
أنس. قال السيوطى: وأبان متروك وله شاهد من حديث ابن عباس ذكره المنذرى فى الترغيب. وقال رواه
أبو الشيخ بن حبان فى كتاب الثواب والبيهقى. قال المنذرى: وليس فى اسناده من أجمع على ضعفه.
(باب الاعتكاف) موفى اللغة، لزوم الشىء وحبس النفس عليه، والاقامة والاقبال عليه، والبث والمكث
مطلقا، أى فى أى موضع كان، وفى الشرع عبارة عن المكث فى المسجد، ولزومه على وجه مخصوص ، وهو افتعال
من عكف على الأمر أى لزمه مواظبا عليه وعكفه على الأمر أى حبسه عليه وألزمه به. قال الراغب : العكوف
الاقبال على الشىء وملازمته على سبيل التعظيم له، وفى الشرع هو الاحتباس فى المسجد على سبيل القربة، ويقال
عكفته على كذا أى حبسته عليه . وقال الجوهرى: عكفه أى حبسه يعكفه بضم عينها وكبيرها عكلما وعكف على
الشىء يعكف عكوفا أى أقبل عليه مواظبا يستعمل لازما فمصدره عكوف، ومتعديا فمصدره عكف. وقال ابن قدامة:
الاعتكاف فى اللغة، لزوم الشىء وحبس النفس عليه برا كان أو غيره ومنه قوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التى أنتم
لها عا كفون - الأنباء: ٥٢) وقال: يعكفون على أصنام لهم. قال الخليل: عکف یعکف ریعکف وهو فى
الشرع الاقامة فى المسجد على صفة بأتى ذكرها. وقال القسطلانى: هو لغة البث والحبس والملازمة على الشىء
خيرا كان أو شرا. قال تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد - البقرة: ١٨٧) وقال فأتوا على
قوم يعكفون على أصنام لهم، وشرعا اللبث فى المسجد من شخص مخصوص بنيته - انتهى. قال الحافظ: وليس
بواجب إلا على من نذره وكذا من شرع فيه فقطعه عامدا عند قوم . وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن
الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضا إلا أن يوجب المرا على نفسه الاعتكاف نذرا فيجب عليه. وقال ابن رشد:
الاعتكاف مندوب اليه بالشرع واجب بالنذر ، ولاخلاف فى ذلك إلا ما روى عن مالك أنه كره الدخول فيه
مخافة أن لايوفى شرطه - انتهى. قلت: حكى الحافظ فى الفتح عن ابن نافع عن مالك أنه قال : فكرت فى
الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر، فوقع فى نفسى أنه كالوصال وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغنى
١٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتلاب
الفصل الأول ):
٢١١٧ - (١) عن عائشة، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان
حتى توفاه الله،
عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبى بكر بن عبد الرحمن - انتهى ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه إن
الاعتكاف جائز وأنكر ذلك عليهم ابن العربى: وقال إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال فى مواظبة النبى مؤيّة
ما يدل على تأكده . وقال أبوداود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أنه مسنون . وقد تعقب الحافظ
قول مالك أنه لم يعتكف من السلف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن، وقال لعله أراد صفة مخصوصة وإلا فقد حكى
عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف ـ انتهى. وقال القدورى من الحنفية: الاعتكاف مستحب. وقال صاحب
الهداية: والصحيح أنه سنة مؤكدة لأن النبي ◌َّم واظب عليه فى العشر الأواخر من رمضان. قال ابن الها :
والحق خلاف كل من الاطلاقين وهو أن يقال الاعتكاف ينقسم إلى واجب وهو المنذور نتجيزا أو تعليقا وإلى
سنة مؤكدة أى سنة كفاية لاقترانها بعدم الانكار على من لم يفعله من الصحابة وهو اعتكاف العشر الأواخر من
رمضان وإلى مستحب وهو ما سواهما .
٢١١٧ - قوله (كان يمتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله) وفى رواية، حتى قبضه الله.
قال السندى: يمكن أن يكون ذلك بعد ما أرى ليلة القدر فى العشر الأخير وهو لا ينافى اعتكاف العشر الأوسط
قبل ذلك فلاينافى ما سبق من حديث أبى سعيد - انتهى. ويؤيد هذا الجمع ما روى عن أم سلمة أن النبى حز ◌ّ
اعتكف أول سنة العشر الأول، ثم اعتكف العشر الوسطى ثم اعتكف العشر الأواخر، وقال إنى رأيت ليلة القدر فيها
فأنسيتها فلم يزل رسول الله مرات) يعتكف فيهن حتى أو فى مثل ذكره الهيشى فى مجمع الزوائد (ج ٢ ص ٧٣) وعزاه
للطبرانى فى الكبير وقال اسناده حسن . وفى الحديث دليل على أن الاعتكاف لم ينسخ وأنه من السنن المؤكدة فى
العشر الأواخر من رمضان لتخصيصه وَفله ذلك الوقت بالمواظبة على اعتكافه. قال ابن الهمام: هذه المواظبة
المقرونة بعدم الترك مرة لما اقترنت بعدم الانكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السنية وإلا كانت دليل
الوجوب أو نقول اللفظ وإن دل على عدم الترك ظاهرا لكن وجدنا صريحا يدل على الترك وهو ما فى الصحيحين
وغيرهما ، كان مؤثّم يعتكف فى كل رمضان فإذا صلى الغداة حل مكانه الذى اعتكف فيه فاستأذنته عائشة أن
تعتكف فأذن لها فضربت فيه قبة فسمعت بها حفصة فضربت فيه قبة فسمعت زينب فضربت فيه قبة أخرى، فلما
الصرف النبي ◌َّ من الغداة أبصر أربع قباب فقال ما هذا فأخبر خبرهن فقال ما حملهن على هذا البر أنزعوها
١٤٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
ثم اعتكف أزواجه من بعده.
فتزعت فلم يعتكف فى رمضان حتى اعتكف فى آخر العشرمن شوال وفى رواية حتى اعتكف العشر الأول من شوال
(ثم اعتكف أزواجه من بعده) أى من بعد موته أحياء لسنته وإبقاء لطريقته. فيه دليل على أن الاعتكاف ليس من
الخصائص وإن النساء كالرجال فى الاعتكاف وقد كان عليه السلام إذن لبعضهن كما تقدم. وإما انكاره عليهن
الاعتكاف بعد الاذن فلمعنى آخر. فقيل خوف أن يكن غير مخلصات فى الاعتكاف بل أردن القرب منه لغير تهن
عليه أوذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهن معه فى المعتكف أو لتضييقهن المسجد با بنيتهن . قال النووى : فى هذا
الحديث دليل لصحة اعتكاف النساء لأنه يَّم كان أذن لهن ولكن عند أبى حنيفة إنما يصح إعتكاف المرأة فى مسجد
بيتها وهو الموضع المهيأ فى بيتها لصلاتها، قال. ولا يجوز للرجل فى مسجد بيته. ومذهب أبي حنيفة قول قديم
الشافعى ضعيف عند أصحابه ـ انتهى وقال العينى قال أصحابنا المرأة تمتكف فى مسجد بيتها وبه قال النخعى والثورى
وابن علية ، ولا تعتكف فى مسجد جماعة ذكره فى الأصل، وفى منية المفتى لو اعتكفت فى المسجد جاز، وفى المحيط
روى الحسن عن أبى حنيفة جوازه وكرامته فى المسجد وفى البدائع لها أن تعتكف فى مسجد الجماعة فى رواية الحسن
عن أبى حنيفة، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها، ومسجد حيها أفضل لها من المسجد الأعظم - انتهى.
وقال الحافظ : قد أطلق الشافعى كراهته لهن فى المسجد الذى تصلى فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب يعنى حديث
عائشة الذى تقدم فى كلام ابن الهمام فانه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا فى مسجد بيتها لأنها تتعرض لكثرة
من يراما، وشرط الحنفية لصحة إعتكاف المرأة أن تكون فى مسجد بيتها . وفى رواية لهم إن لها الاعتكاف فى
المسجد مع زوجها وبه قال أحمد - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣ ص ١٩٠) ولارأة أن تعتكف فى كل مسجد،
ولا يشترط إقامة الجماعة فيه لأنها غير واجبة عليها، وبهذا قال الشافعى: وليس لها الاعتكاف فى بيتها. وقال
أبو حنيفة والثورى: لها الاعتكاف فى مسجد بيتها، وإعتكافها فيه أفضل لأن صلاتها فيه أفضل وحكى عن أبى حنيفة
أنها لا يصح إعتكافها فى مسجد الجماعة لأن التى مر قم ترك الاعتكاف فى المسجد لما رأى البنية أزواجه
فيه، ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها. فكان موضع إعتكافها كالمسجد فى حق الرجل. ولنا قوله تعالى:
﴿ وأنتم عاكفون فى المساجد - البقرة: ١٨٧) والمراد به المواضع التى بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها فى
بيتها ليس بمسجد لأنه لم يبن للصلاة فيه وإن سمى مسجدا كان مجازا، فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية، ولأن
أزواج النبي ◌َّ إستأذنه فى الاعتكاف فى المسجد فاذن لهن ولولم يكن موضعا لاعتكافهن لما أذن فيه، ولوكان
الاعتكاف فى غيره أفضل لدلهن عليه ونيههن عليه ولأن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد فى حق الرجل فيشترط
فى حق المرأة كالطواف. وحديث عائشة حجة لنا لما ذكرنا وإنما كره إعتكافهن فى تلك الحال حيث كثرت ابنيتهن
لمارأى من منافستهن فكرهه منهن خشية عليهن من فساد فيتهن ولذلك ترك الاعتكاف لظنه إنهن يتنافسن فى الكون
١٤٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
متفق عليه .
٢١١٨ - (٢) وعن ابن عباس، قال. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير،
وكان أجود ما يكون فى رمضان،
معه ولوكان للعنى الذى ذكروه لأمرمن بالاعتكاف فى بيوتهن، ولم يأذن لهن فى المسجد. وأما الصلاة فلا يصح
إعتبار الاعتكاف بها، فان صلاة الرجل فى بيته أفضل ولا يصح إعتكافه فيه - انتهى . وقال ابن رشد: أما سبب
اختلافهم فى إعتكاف المرأة فمعارضة القياس للأثر، وذلك أنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أذن لبعض أزواجه
فى الاعتكاف فى المسجد، فكان هذا دليلا على جواز إعتكاف المرأة فى المسجد. وأما القياس المعارض لهذا
فهو قياس الاعتكاف على الصلاة، وذلك أنه لما كانت صلاة المرأة فى بيتها أفضل منها فى المسجد على ما جاء الخبر
وجب أن يكون الاعتكاف فى بيتها أفضل قالوا، وإنما يجوز للمرأة أن تمتكف فى المسجد مع زوجها فقط على نحو
ما جاء فى الأثر من إذنه مَفله لعائشة فى الاعتكاف معه وكأنه نحو من الجمع بين القياس والأثر انتهى بتغيير
يسير. (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى فى الكبرى والدار قطنى (ص ٢٤٧)
والبيهقى ( ج ٤ ص ٣١٥).
٢١١٨ - قوله (أجود الناس) بنصب أجود لأنه خبر كان ، وقدم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها
وإن كانت لا تتعلق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها أى لئلا يتخيل من قوله: وأجود ما يكون
فى رمضان أن الأجودية منه خاصة برمضان. وأجود مشتق من الجود، وهو الكرم والسخاء وهو من الصفات
المحمودة أى كان إسخاهم على الاطلاق. وقد أخرج الترمذى من حديث سعد رفعه إن الله جواد يحب الجود -
الحديث. وله فى حديث أنس رفعه أنا أجود ولد آدم وأجودهم بعدى رجل علم علما فنشرعله. ورجل جاد بنفسه فى
سبيل الله وفى سنده مقال، وفى الصحيح من وجه آخر عن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأجود
الناس - الحديث. (بالخير) اسم جامع لكل ما ينتفع به أى كان رسول اللّه مَ م فى حد ذاته بقطع النظر عن
أوقاته الكريمة وأحواله الكريمة أشد الناس جودا بكل خير من خيرى الدنيا والآخرة لله وفى الله من بذل العلم ،
والمال وبذل نفسه لاظهار الدين، وهداية العباد وإيصال النفع اليهم بكل طريق وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم
(وكان أجود ما يكون) ((ما)) مصدرية، وهو جمع لأن أفعل التفضيل إنما يضاف إلى جمع، والتقدير كان
أجود أکوانه ويجوز فى أجود الرفع والنصب، أما الرفع فهوأ کثر الروايات وأشهرها و وجهه أن يكون اسمكان
وخبره محذوف وقوله (فى رمضان) فى محل النصب على الحال قائم مقام الخبر المحذوف الذى هو حاصل أو واقع
١٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
كان جبريل بلقاء كل ليلة فى رمضان ،
على ما تقرر فى باب أخطب ما يكون الأمير قائما، والتقدير كان أجود أ کوانه ڑفے حاصلا حال كونه فى
رمضان، وإن شئت جعلت فى رمضان هو الخبر كقولهم ضربى فى الدار، لأن المعنى كان أجود أكوانه أى
الكون الذى هو أجود الأكوان حاصلا فى هذا الوقت فلا يتعين أن يكون من باب أخطب ما يكون الأمير قائما
ووجه آخر أن يكون فى كان ضمير الشأن وأجود ما يكون مبتدأ، وخبره فى رمضان والتقدير كان
الشأن أجود أكوان الرسول مؤلّم فى رمضان أى حاصل فى رمضان. ووجه أخر أن يكون فى كان ضمير
يعود إلى النبي ◌َّضّ ويجعل أجود ما يكون أما مبتدأ خبره قوله فى رمضان من باب قولهم أكثر شربى السويق
فى يوم الجمعة، والجملة بكمالها خبر كان كقولك كان زيد أحسن ما يكون فى يوم الجمعة ، وأما بدلا من الضمير
فى كان فيكون من بدل الاشتال كما تقول كان زيد علمه حسنا. ووجه أخر أن يكون أجود اسم كان ويكون
الوقت مقدارا كما فى مقدم الحاج ، والتقدير كان أجود أوقات كونه وقت كونه فى رمضان وإسناد الجود إلى
أوقاته عليه الصلاة والسلام على سبيل المبالغة كاسناد الصوم إلى النهار والقيام إلى الليل فى قولهم نهاره صائم وايله
قائم وأما النصب فهو رواية الأصيلى ووجهه أن يجعل إسم كان ضمير النبي صلى الله عليه وسلم وأجود خبرها
((وما)) حينئذ مصدرية ظرفية، والتقدير كان رسول اللّه مزيفة مدة كونه فى رمضان أجود منه فى غيره. وقال البدر
الدمامينى فى المصابيح: ولك مع نصب أجود أن تجعل ((ما)، فكرة موصوفة فيكون فى رمضان متعلقا ((بكان
مع أنها ناقصة بناء على القول بدلالتها على الحدث، وهو صحيح عند جماعة واسم ((كان)) ضمير عائد إلى النبي صلى
اللّه عليه وسلم أو إلى جوده المفهوم مما سبق أى وكان مزفتة فى رمضان أجود شىء يكون، أو وكان جوده فى
رمضان أجود شىء يكون لجعل الجود متصفا بالأجودية مجازا كقولهم شعر شاعر - انتهى. قلت: ويؤيد الرفع
ويرجحه وروده بدون كان عند البخارى فى المناقب فى باب صفة النبى رؤوف وفى فضائل القرآن. وإنما كان معدل
أجود ما يكون فى رمضان لأنه موسم الخيرات وتزايد الخيرات فان اللّه تعالى يتفضل على عباده فى هذا الشهر
ما لا يتفضل عليهم فى غيره فأراد صلى الله عليه وسلم متابعة سنة الله عز وجل ( كان جبريل يلقاه) أى ينزل
عليه، وفى رواية مسلم إن جبريل كان يلقاه والبخارى وكان جبريل بلقاء وفى رواية له أيضا لأن جبريل كان
يلقاه (كل ليلة) وفى رواية فى كل ليلة (فى رمضان) زاد فى رواية حتى ينسلخ أى رمضان وهذا ظاهر فى أنه
كان يلقاه فى كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن إلى رمضان الذى توفى بعده وليس بمقيد برمضانات الهجرة
وإن كان ضيام شهر رمضان إنما فرض بعد الهجرة إذ أنه كان يسمى به قبل فرض صومه ، نعم يحتمل أنه
١٤٦٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩- باب الاعتكاف
يعرض عليه النبى صلى الله عليه وسلم القرآن فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
لم يعارضه فى رمضان من السنة الأولى لوقوع ابتداء النزول فيها ثم فتر الوحى ثم تتابع (يعرض) بفتح الياء
وكسر الراء أى يقرأ (عليه النبى معَفضل القرآن) أى بعضه أو معظمه. قال ابن حجر: يعنى على جهة المدارسة كما
فى رواية للبخارى فيدارسه القرآن، وهى أن تقرأ على غيرك مقدارا معلوما ثم يقرأه عليك أو يقرأ قدره ما بعده
وهكذا - أنتهى، قيل: الحكمة فيه إن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس. والغنى سبب الجود،
والجود فى الشرع إعطاء ما ينبغى لمن ينبغى، وهو أعم من الصدقة، وأيضا فرمضان موسم الخيرات لأن
نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره فكان النبى معَّه يوثر متابعة سنة الله فى عباده، فبمجموع ماذكر من الوقت
والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد فى الجود والعلم عند الله . وفى الحديث إطلاق القرآن على بعضه
وعلى معظمه لأن أول رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى
رمضان الأخیر فکان قد نزل کله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور وكان فى سنة عشر إلى أن توفى لتے فى
ربيع الأول سنة إحدى عشرة ، وما نزل فى تلك المدة ( اليوم أكملت لكم دينكم - المائدة: ٣) فانها نزلت
يوم عرفة بالاتفاق ، ولما كان ما نزل فى تلك الأيام قليلا اغتفروا أمر معارضته فاستفيد منه إطلاق القرآن على
بعضه مجازا ، ومن ثم لا يحنث من حلف ليقرأ القرآن فقرأ بعضه إلا أن قصد الجميع كذا فى الفتح. وإنما خص
الليل المذكور بمعارضة القرآن لأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم والليل مظنة ذلك بخلاف النهار ، فان فيه
الشواغل والعوارض على ما لا يخفى، ولعله صلى الله عليه وسلم كان يقسم ما نزل من القرآن فى كل سنة على ليالى
رمضان أجزاء فيقرأ كل ليلة جزأ فى جزء من الليلة، وبقية ليلته لما سوى ذلك من تهجد وراحة وتعهد أهله،
ويحتمل أنه كان يعيد ذلك الجزء مرارا بحسب تعدد الحروف المنزل بها القرآن (فإذا لقيه جبريل كان ) أى النبي
ربّ (أجود بالخير من الريح المرسلة) بفتح السين أى المطلقة يعنى أنه فى الاسراع بالجود أسرع من الريح وعبر
بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة وإلى عموم النفح بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه . قال
ابن المنير : وجه التشبيه بين أجوديته صلى الله عليه وسلم بالخير، وبين أجودية الريح المرسلة إن المراد بالريح،
ريح الرحمة التى يرسلها الله تعالى: لإنزال الغيث العام الذى يكون سببا لا صابة الأرض الميتة وغير الميتة، أى
فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر ما يعم الغيث الناشئة عن
الريح المرسلة مَّة. وقال الطيبي: يحتمل أنه أراد بها التى أرسلت بالبشرى بين يدى رحمة الله تعالى، وذلك لشمول
روحها وعموم نفعها قال تعالى: ﴿والمرسلات عرفا - المرسلات: ١) فأحد الوجوه فى الآية أنه أراد بها الرياح
المرسلات للاحسان والمعروف، ويكون انتصاب عرفا بالمفعول له يعنى هو أجود من تلك الريح فى عموم النفع
١٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
متفق عليه.
والاسراع فيه، ولفظ الخير شامل لجميع أنواعه بحسب اختلاف ماجاءت الناس به، وكان عليه الصلاة والسلام
يجود على كل أحد منهم بما يسد خلته ويشفى علته. قال الحافظ: فى الحديث جوازا المبالغة فى التشبيه، وجواز
تشبيه المعنوى بالمحسوس ليقرب لفهم سامعه وذلك أنه أثبت له أولا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد
من ذلك فشبه جوده بالريح المرسلة بل جعله أبلغ فى ذلك، منها، لأن الريح قد تسكن. وفيه الاحتراس لأن
الريح منها العقيم الضار، ومنها المبشر بالخير فوصفها بالمرسلة ليعين الثانى قال تعالى: ﴿ هو الذى يرسل الرياح
بشرا - الأعراف: ٥٧) فالريح المرسلة تستمر مدة إرسالها، وكذا كان عمله صلى الله عليه وسلم فى رمضان ديمة
لا تنقطع، وفيه استعمال أفعل التفضيل فى الاسناد الحقيقي والمجازى لأن الجود منه مَ حقيقة ومن الريح
مجاز - انتهى. وقيل: وتعبيره بأفضل نص فى كونه أعظم جودا منها لأن الغالب عليها أن تأتى بالمطر، وربما
خلت عنه وهو لا ينفك عن العطاء والجود. قال الطيبي: شبه نشر جوده بالخير فى العباد بنشر الريح القطر فى البلاد
وشتان ما بين الأثرين، فإن أحدهما يحيى القلوب بعد موتها، والآخر يحيى الأرض بعد موتها. وقال بعضهم:
فضل جوده على جود الناس، ثم فضل جوده فى رمضان على جود فى غيره، ثم فضل جوده فى ليالى رمضان وعند
لقاء جبريل على جوده فى سائر أوقات رمضان، ثم شبه بالريح المرسلة فى التعميم والسرعة. قال ابن الملك: لأن
الوقت اذا كان أشرف يكون الجود فيه أفضل ـ انتهى. وفى الحديث فوائد، منها الحث على الجود فى كل وقت
ومنها الزيادة فى رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير وتكرار ذلك اذا كان
المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة فى رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار اذ لو كان الذكر
أفضل أو مساويا لفعلاه. فان قيل: المقصود تجويد الحفظ. قلنا: الحفظ كان حاصلا والزيادة فيه تحصل ببعض
هذه المجالس ( متفق عليه) أخرجه البخارى فى بدأ الوحى والصوم وصفة النبى صلى الله عليه وسلم وبدأ الخلق
وفضائل القرآن، ومسلم فى فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٣١ - ٢٨٨ -٣٢٦
٣٦٣ - ٣٦٦ - ٣٧٣) وزاد فى رواية لا يسئل عن شىء إلا أعطاه، وأخرجه الترمذى فى الشمائل والبيهقى (ج ٤
ص ٣٠٥) قال ابن حجر: فان قلت ما وجه مناسبة ذكر هذا الحديث لهذا الباب: لأن غاية الأجودية فيه إنما
حصلت فى حال الاعتكاف لأن أفضل أوقات مدارسة جبريل له العشر الأخير، وهو فيه معتكف كمامر فى
الحديث الأول فكأن المصنف وأصله يقولان بتأكد الاعتكاف فى العشر الأخير لأن له غايات علية الا أرى
إن غاية جوده عليه الصلاة والسلام إنما كانت تحصل وهو معتكف وأبدى شارح لذلك مناسبة بعيدة جدا فقال
قلت من حيث إتيان أفضل الملائكة إلى أفضل خليقة بأفضل كلام من أفضل متكلم فى أفضل أوقات ، فالمناسب أن
یکون فى أفضل بقاع ـ انتهى.
١٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
٢١١٩ - (٣) وعن أبى هريرة، قال: كان يعرض على النبى صلى الله عليه وسلم: القرآن كل عام
مرة، فعرض عليه مرتين فى العام الذى قبض، وكان يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين فى
العام الذى قبض .
٢١١٩ - قوله ( كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم) هو فعل لم يسم فاعه للعلم به أى كان جبريل
يعرض عليه. قال الحافظ: كذا لهم بضم أوله على البناء للمجهول وفى بعضها بفتح أوله بحذف الفاعل ، فالمحذوف
هو جبريل صرح به فى رواية الاسماعيلى، ولفظه كان جبريل يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فى كل
رمضان، ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض على جبريل، لأنه يحمل
على أن كلا منهما كان يعرض على الآخر على سبيل المدارسة . (القرآن) أى معظمه أو بعضه (كل عام مرة) أى
ليالى رمضان من زمن البعثة أو من بعد فترة الوحى إلى رمضان الذى توفى بعده. (فعرض) أى القرآن (عليه) أى
على النبي (مرتين) فى رواية الاسماعيلى عرضتين ( فى العام الذى قبض) زاد فى رواية فيه، واختلف هل كانت
العرضة الأخيرة بجميع الأحرف السبعة المأذون فى قراءتها أو بحرف واحد منها، وعلى الثانى فهل هو الحرف الذى
جمع عليه عثمان الناس أو غيره. وقد روى أحمد وابن أبى داود والطبرى من طريق عبيدة السلمانى أن الذى جمع
عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة، ونحوه عند الحاكم من حديث سمره وإسناده حسن. وقد صححه هو
ولفظه عرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضات، ويقولون إن قراءتنا هى العرضة الأخيرة.
وأخرج أبو عبيد من طريق داود بن أبى هند قال قلت الشعبى قوله تعالى: (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ..
البقرة: ١٨٥) أما كان ينزل عليه فى سائر السنة؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض التى تتم فى رمضان
ما أنزل عليه فيحكم الله ما يشاء وينسخ ما يشاء، فكان السر فى عرضه مرتين فى سنة الوفاة استقراره على ما كتب
فى المصحف العثمانى، والاقتصار عليه وترك ما عداه ، ويحتمل أن يكون لأن رمضان فى السنة الأولى من نزول
القرآن لم يقع فيه مدارسة لوقوع ابتداء النزول فى رمضان ثم فتر الوحى فوقعت المدارسة فى السنة الأخيرة فى
رمضان مرتين ليستوى عدد السنين والعرض (وكان يعتكف كل عام عشرا) وفى رواية كان پعتكف فى كل
رمضان عشرة أيام وفى رواية النسائى يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وهذا محمول على الغالب لأنه قد جاء
أنه فاته سنة فقضى (فاعتكف عشرين) بكسر العين والراء العقد الذى بعد العشر أى عشرين يوما من رمضان،
ويحتمل أن يكون بفتحهما على التثنية، والمراد العشر الأوسط والأخير لأن الظاهر من إطلاق العشرين إنها
متوالية، والعشر الأخير منها فيلزم منه دخول العشر الأوسط فيها، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختص
بالعشر الأخير وإن كان هو فيه أفضل (فى العام الذى قبض) أى توفى فيه ڤيل وجه التضعيف فى العام الأخير من
١٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
رواه البخارى .
٢١٢٠ - (٤) وعن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إلى رأسه
وهو فى المسجد فارجله ،
الاعتكاف أنه صلى الله عليه وسلم علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من أعمال الخير ليبين لأمته الاجتهاد فى
العمل اذا بلغوا اقضى العمر ليلقوا الله على خير أحوالهم. وقيل: السبب فيه إن جبريل كان يعارضه بالقرآن فى
كل رمضان مرة فلما كان العام الذى قبض فيه عارضه به مرتين فلذلك اعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين .
والحاصل أنه فعل ذلك مناسبة لعرض القرآن مرتين، ولعله وقع كل عرض فى عشر. وقال ابن العربى: يحتمل أن
يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف فى العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه واعتكف بدله عشرا من شوال
اعتكف فى العام الذى يليه عشرين ليتحقق قضاء العشرفى رمضان - انتهى. قال الحافظ: وأقوى من ذلك أنه
إنما اعتكف فى ذلك العام عشرين لأنه كان فى العام الذى قبله مسافراً، ويدل لذلك ما أخرجه النسائى واللفظ له
وأبو داود وصححه ابن حبان وغيره من حديث أبي بن كعب أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر
الأواخر من رمضان فسافر عاما فلم يعتكف، فلما كان العام القابل اعتكف عشرين، ويحتمل تعدد هذه القصة
بتعدد السبب فيكون مرة بسبب ترك الاعتكاف لعذر السفر ومرة بسبب عرض القرآن مرتين - انتهى. (رواه
البخارى) أى بتمامه فى فضائل القرآن وكذا النسائى فى الكبرى، ورواه ابن ماجه فى الصوم وأخرج البخارى
أيضا وأبو داود والدارمى والبيهقى فى الصوم قصة الاعتكاف.
٢١٢٠ - قوله (أدنى) من الادناء أى قرب (إلىّ) بتشديد الياء (رأسه) بالنصب يعنى أخرج إلى رأسه
من المسجد وأنا فى حجرتى، ففي رواية للبخارى إنها كانت ترجل النبى يَ ◌ّة وهى حائض وهو معتكف فى المسجد
وهى فى حجرتها يناولها رأسه وفى رواية أحمد والنسائى كان يأتينى وهو معتكف فى المسجد فيتكىء على باب حجرتى
فاغسل رأسه وسائره فى المسجد (وهو فى المسجد) حال مؤكدة (فارجله) من الترجيل بالجيم وهو تسريح الشعر أى
استعمال المشط فى الرأس وتنظيفه وتحسينه أى أصلح شعررأسه بالمشط وانظفه وأحسنه فهو من مجاز الحذف، لأن
الترجيل للشعر لا الرأس، أو من إطلاق اسم المحل على الحال وفيه دليل على استحباب تسريح شعر الرأس، واذا
لم يترك النبي ◌َّ ذلك فى زمن اعتكافه مع قصره واشتغاله بالعبادة ففى غيره أولى، وفيه أنه يجوز للعتكف التنظف
والتطيب والغسل والحلق والتزين الحاقا بالبرجل. قال الخطابي فى الحديث من الفقه إن ترجيل الشعر يجوز للعتكف
وفى معناه حلق الرأس وتقليم الأظفار وتنظيف البدن من الشعث، والدرن. وقال الحافظ: والجمهور على أنه لا يكره
فيه إلا ما يكره فى المسجد وعن مالك تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم - انتهى. وفيه إن المعتكف اذا
١٥٠
..

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
- وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان .
أخرج بعضه عن المسجد كيده ورجله ورأسه لم يبطل اعتكافه، لأن اخراج البعض لا يجرى مجرى الكل ، وإن
من حلف أن لا يدخل دارا أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعضه لا يحنث حتى يخرج رجليه ويعتمد عليها ،
وفيه إن الاعتكاف لا يصح فى غير المسجد وإلا لكان يخرج منه لترجيل الرأس، وفيه إن بدن الحائض طاهر إلا
موضع الدم إذ لو كان نجسا لما أمكنها رسول الله من فضله من ترجيل رأسه وغسله وفيه استخدام الزوجة فى الغسل
والطبخ والخبز وغيرها برضاها. قال النووي: وعلى هذا تظاهرت دلائل السنة وعمل السلف وإجماع الأمة.
وأما بغير رضاها فلا يجوز لأن الواجب عليها تمكين زوجها من نفسها وملازمة بيته فقط - انتهى. قال الولى
العراقى فى شرح التقريب: (ج ٤ ص ١٧٦) وهذا الذى ذكره انما هو بطريق القياس فإنه ليس منصوصا،
وشرط القياس مساواة الفرع للاصل، وفى الفرع هنا زيادة مائعة من الإلحاق وهى المشقة الحاصلة من الغسل.
والطبخ ونحوهما فلا يلزم من إستخدامها فى الأمر الخفيف احتمال ذلك فى الثقيل الشديد، ولسنا ننكر هذا الحكم
فانه متفق عليه، وانما الكلام فى الاستدلال من الحديث والله أعلم. (وكان لا يدخل البيت) أى بيته وهو معتكف
(إلا لحاجة الانسان) قال الجزرى فى جامع الأصول (ج ١ ص ٣٢٤) حوائج الانسان كثيرة والمراد منها
ههذا كل ما يضطر اليه مما لا يجوزله فعله فى معتكفه - انتهى. وفسرها الزهرى بالبول والغائط، وقد وقع الاجماع
على استثناءهما واختلفوا فى غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب وعيادة المريض وشهود الجنازة والجمعة
ويلتحق بالبول والغائط والقى والفصد والحجامة وغسل الجنابة لمن احتاج إلى ذلك. قال الباجى: تريد عائشة
لا يدخل بيته إلا لضرورة قضاء الحاجة وأفعال النبى معَ فقه على الوجوب، وهذا يقتضى أن المعتكف لا يدخل
بيته إلا لضرورة حاجة الانسان وما يجرى مجراه من طهارة الحدث وغسل الجنابة والجمعة مما تدعوا لضرورة
اليه ولا يفعل فى المسجد ولا يدخله لأ كل أو نوم ولا غيره من الأفعال التى يباح فعلها فى المسجد - انتهى. وقال
ابن قدامة ( ج ٣ ص ١٩١) إن المعتكف ليس له الخروج من معتكفه إلا لما لابد له منه ثم ذكر حديث عائشة
هذا وحديثها الآتى فى الفصل الثانى بلفظ: السنة للعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه ثم قال ولاخلاف فى أن له
الخروج لما لابد له منه . قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ،
ولأن هذا مما لابد منه ولا يمكن فعله فى المسجد قال والمراد بحاجة الانسان البول والغائط كنى بذلك عنهما لأن
كل انسان يحتاج الى فعلهما وفى معناه الحاجة الى المأكول والمشروب اذا لم يكن من يأتيه به فله الخروج اليه إذا
احتاج اليه وإن بغته القىء فله أن يخرج ليتقياً خارج المسجد وكل ما لابد له منه، ولا يمكن فعله فى المسجد فله
الخروج اليه، ولا يفسد اعتكافه، وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف فى مسجد
لا جمعة فيه، فيحتاج الى خروجه ليصلى الجمعة. ويلزم السعى اليها فله الخروج اليها ولا يبطل إعتكافه، ويهذا
١٥١٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
متفق عليه
٢١٢١ - (٥) وعن ابن عمر، أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت فى
الجاهلية أن أعتكف ليلة
قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: لا يعتكف فى غير الجامع إذا كان اعتكافه بتخلله جمعة فان نذر اعتكافا منتابعا نخرج
منه لصلاة الجمعة بطل اعتكافه، ودليه الاستئناف. ولنا أنه خرج اواجب فلم يبطل اعتكافه كالمعتدة تخرج لقضاء
العدة وكالخارج لانقاذ غريق أو اطفاء حريق أو أداء شهادة تعينت عليه - انتهى. وسيأتى مزيد الكلام على ذلك فى
الفصل الثانى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى كتاب الحيض، وفى الصوم وفى اللباس، ومسلم فى الطهارة واللفظ
له إلا قوله ((أدنى)) فانه للترمذى، والذى فى صحيح مسلم يدنى أى بلفظ ((المضارع)) وكذا وقع عند مالك
وأبي داود وابن ماجه والبيهقى ( ج ٤ ص ٣١٥).
٢١٢١ - قوله (أن عمر سأل النبي مرفقة) أى بالجعرانة لما رجعوا من حنين كما فى رواية البخارى فى
النذر ، ويستفاد منه الرد على من زعم أن اعتكاف عمركان قبل المنع من الصيام فى الليل، لأن غزوة حنين متأخرة
عن ذلك ( كنت نذرت فى الجاهلية) زاد مسلم فلبا أسلمت سألت وفيه ردّ على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل
فتح مكة وأنه انما نذر فى الاسلام، وأصرح من ذلك ما أخرجه الدار قطنى ثم البيهقى من طريق سعيد بن بشير
عن عبيد الله بلفظ : نذر عمر فى الشرك أن يعتكف (أن أعتكف ليلة) استدل به على جواز الاعتكاف بغير صوم
لأن الليل ليس بوقت صوم وقد أمره صلى اللّه عليه وسلم أن ينفى بنذره على الصفة التى أوجبها. قال الحافظ: لو
كان الصوم شرطا لصحة الاعتكاف لأمره النبى مؤتم به وتعقب بأن فى رواية للشيخین یوما بدل («ليلة )) وقد
جمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة ، فمن اطلق ليلة أراد بيومها ومن أطلق يوما
أراد بليته وأجاب ابن الجوزى عن رواية اليوم بجوابين. أحدهما: احتمال أن يكون نذر نذرين فيكون كل
لفظ منهما حديثا مستقلا. الثانى: أنه ليس فيه حجة اذ لا ذكر للصوم فيه - انتهى. قيل قد ورد الأمر
بالصوم برواية الثقة وهو عبد الله بن بديل عند أبى داود والنسائى صريحا بلفظ: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال
له اعتكف وصم، وابن بديل قال فيه ابن معين مكى صالح، وذكره ابن حبان وابن شاهين فى الثقات ، وزيادة الثقة
مقبولة، ومن لم يذكر الشىء ليس بحجة على من ذكره كذا قال ابن التر كمانى. قلت: هذه الرواية أخرجها أبو داود
والنسائى والدارقطنى (ص ٢٤٧) والبيهقى (ج ٤ ص ٣١٦) والحاكم (ج ١ ص ٤٣٩) كلهم من طريق عبد الله
ابن بديل بن ورقاء المكى الخزاعى. قال الحافظ: وهو ضعيف وذكر ابن عدى والدار قطنى أنه تفرد بذلك عن
عمرو بن دينار - انتهى. قلت: قال الدارقطنى: تفرد به عبد الله بن بديل الخزاعى عن عمرو. وهو ضعيف
١٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
الحديث، وقال سمعت أبا بكر النيسابورى يقول هذا حديث منكر لأن الثقات من أصحاب معمر ولم يذكروا فيه
الصوم، منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم ، وابن بديل ضعيف الحديث - انتهى .
وقال ابن عدى: له أحاديث تنكر عليه فيها زيادة فى المتن أو فى الاسناد ثم يروى له هذا الحديث، وقال لا أعلم ذكر
فيه الصوم مع الاعتكاف إلا من روايته - انتهى. وقال فى التقريب فى ترجمته: صدوق يخطئ ـ انتهى . فالظاهر
إن زيادة الأمر بالصوم فى روايته من خطأه. قال الحافظ: ورواية من روى يوما شاذة. وقد وقع فى رواية
سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عند البخارى فى الاعتكاف فاعتكف ليلة، فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا
وإن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له حد معين. قال وباشتراط الصيام. قال ابن عمر وابن عباس
أخرجه عبد الرزاق عنهما باسناد صحيح وعن عائشة نحوه، وبه قال مالك والأوزاعى والحنفية. واختلف عن
أحمد واسحاق - انتهى. وقال القسطلانى: هذا أى عدم اشتراط الصوم مذهب الشافعية والحنابلة، وعن أحمد أيضا
لا يصح إلا بصوم، والأول هو الصحيح عندهم وعليه أصحابهم. وقالت المالكية والحنفية: لا يصح إلا بصوم
انتهى . قلت: ذهبت الشافعية إلى عدم اشتراط الصوم مطلقا ، سواء كان الاعتكاف واجبا أو فعلا . وهو مذهب
الحنابلة إلا أن يكون نذر الاعتكاف بصوم فيجب حينئذ بالنذر لا بالاعتكاف. قال الخرقى: وجوز بلا صوم
إلا أن يقول فى نذره بصوم. قال ابن قدامة: المشهور فى المذهب إن الاعتكاف يصح بغیر صوم روی ذلك عن
على وابن مسعود وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاوس والشافعى واسحاق، وعن أحمد
رواية أخرى إن الصوم شرط فى الاعتكاف ، قال إذا اشتكف يجب عليه الصوم، وروى ذلك عن ابن عمر وابن
عباس وعائشة وبه قال الزهرى ومالك وأبو حنيفة والليث والثورى والحسن بن حبى - انتهى. قلت: وذهبت
المالكية إلى اشتراط الصوم مطلقا سواء كان الاعتكاف مندوبا أو واجبا فالكل عندهم سواء فى ذلك، وعند
الحنفية فيه تفصيل. قال الشمنى: الصوم شرط لصحة الاعتكاف الواجب رواية واحدة، ولصحة التطوع (أى
المندوب) رواية الحسن عن أبى حنيفة (لأن التطوع فى رويته مقدر بيوم) وأما فى رواية الأصل وهو قول محمد
بل قيل إنه ظاهر الرواية عن الفقهاء الثلاثة فليس بشرط (بناء على أن التطوع غير مقدر بيوم فى رواية الأصل)
لأن مبنى النفل على المساهلة - انتهى. وهذا هو المرجح عندهم. وأما القسم الثالث من الاعتكاف وهو المسنون
المؤكد فالمتون ساكتة عن بيان حكمه، ومال ابن عابدين إلى اشتراط الصوم فيه قال لأنه مقدر بالعشر الأخير
حتى لو اعكتفه بلا صوم لمرض أو سفر ينبغى أن لا يصح عنه بل يكون نفلا فلا تحصل به إقامة سنة الكفاية ،
ورجح ابن نجيم فى البحر عدم اشتراط الصوم فى هذا القسم، قلت واحتج من ذهب إلى اشتراط الصوم
لصحة الاعتكاف مطلقا بأنه مؤ لم يعتكف إلا بصوم وفيه نظر لما صح عن عائشة أن النبي ◌ُٹے اعتكف فى
١٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
العشر الأول من شوال ومن جملتها يوم الفطر، قال الاسماعيلى: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن
أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام، وأجاب العينى عن ذلك بأنه ليس فيه، دليل لما قاله، لأن المراد من
قوله اعتكف فى العشر الأول أى كان ابتداءه فى العشر الأول فإذا اعتكف من اليوم الثانى من شوال يصدق
عليه أنه ابتدأ فى العشر الأول واليوم الأول منه یوم أكل وشرب وبعال کما ورد فى الحديث ، والاعتكاف هو
النخلى للعبادة فلا يكون اليوم الأول محلاً له بالحديث. وقال ابن التركمانى: من اعتكف الأيام التسعة من شوال
يصدق عليه أنه اعتكف فى العشر، وفى الصحيحين أنه عليه السلام كان يمتكف العشر الأواخر من رمضان ولم يكن
يستغرق العشر كلها- انتهى. ولا يخفى ما فى كلامهما من التكاف وإرتكاب المجاز. واحتجوا أيضا لذلك بحديث
عائشة آخر أحاديث الفصل الثانى وسيأتى الجواب عنه هناك. واحتج بعض المالكية لذلك بقوله تعالى ﴿ثم أتموا
الصيام الى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد - البقرة: ١٨٧) قال فذكر الاعتكاف عقب الصوم
وتعقب بأنه ليس فيه ما يدل على تلازمهما وإلا لزم أن لاصوم الا باعتكاف ولاقائل به كذا قال الحافظ: وتبعه
الشوكانى وردّ ذلك بأنهم لم يدعوا التلازم بل مفاد كلامهم ملزومية الاعتكاف للصائم واللازم إذا كان أعم كالصوم
هنا ينفرد عن الملزوم أى يوجد بدونه فسقط قوله ، والا لزم أن لاصوم إلا باعتكاف بخلاف الملزوم الذى هو
الاعتكاف لا يوجد إلا بلازمه وهو الصوم. وفيه إن مجرد ذكر الاعتكاف مع الصوم أو خطاب الصائمين فى قوله
﴿ولا تباشرومن﴾ لا يدل على أن الصوم لازم الاعتكاف وإن الاعتكاف لا يصح بغير صوم ، فعدم اشتراط
الصوم هو الحق لا كما قال ابن القيم: إن الراجح الذى عليه جمهور السلف إن الصوم شرط فى الاعتكاف . وقد
روى عن على و ابن مسعود أنه ليس على المعتکف صوم إلا أن يوجه على نفسه، ويدل على ذلك حديث ابن
عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه رواه الدار قطنى. وقال
رفعه أبو بكر السوسى وغيره لا يرفعه، وأخرجه الحاكم مرفوعا وقال صحيح الإسناد. وفى الحديث رد على
من قال أقل الاعتكاف عشرة أيام أو أكثر من يوم. قال الحافظ: اتفقوا على أنه لأحد لا كثره واختلفوا فى
أقله فمن شرط فيه الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام فى دون اليوم حكاه ابن قدامة
(ج ٣ ص ١٨٧) وعن مالك يشترط عشرة أيام وعنه يوم أو يومان ومن لم يشترط الصوم، قالوا أقله ما يطلق
عليه إسم لبث ولا يشترط القعود . وقيل : يكفى المرور مع النية كوقوع عرفة ، وروى عبد الرزاق عن يعلى بن
أمية الصحابى إنى لأمكث فى المسجد الساعة، وما أمكث إلا لاعتكف ـ انتهى. وقال العينى: أقل الاعتكاف نفلا
١٥٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
فى المسجد الحرام؟ قال: (( فأوف بنذرك) متفق عليه.
( الفصل الثانى ))
٢١٢٢ - (٦) عن أنس، قال: كان النبى ◌َّم: يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان،
يوم عند أبى حنيفة، وبه قال مالك: وعند أبي يوسف أكثر اليوم، وعند محمد ساعة وبه قال الشافعى: وأحمد فى
رواية، وحكى أبو بكر الرازى عن مالك إن مدة الاعتكاف عشرة أيام فيلزم بالشروع ذلك وفى الجلاب أقله يوم
والاختيار عشرة أيام، وفى الاكمال استحب مالك أن يكون أكثره عشرة أيام وهذا يرد نقل الرازى عنه -
انتهى . وقال فى الدر المختار: وأقله نقلا ساعة من ليل أونهار عند محمد وهو ظاهر الرواية عن الامام لبناء النفل
على المسامحة وبه يفتى، والساعة فى عرف الفقهاء جزء من الزمان لا جزء من أربعة وعشرين كما يقوله المنجمون -
انتهى. (فى المسجد الحرام) أى حول الكعبة ففي رواية عمرو بن دينار عند الكعبة، ولم يكن فى عهده صلى
اللّه عليه وسلم ولا أبى بكر جدار بل الدور حول البيت وبينها أبواب لدخول الناس فوسعه عمر رضى الله عنه
بدور اشتراها وهدمها، واتخذ للمسجد جدار اقصيرا دون القامة، ثم تتابع الناس على عمارته وتوسيعه ( قال ) صلى
اللّه عليه وسلم (فأوف بنذرك) قال الشوكانى فى حديث عمر: دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى
أسلم، وقد ذهب الى هذا بعض أصحاب الشافعى وعند الجمهور لا ينعقد نذر الكافر، وحديث عمر حجة عليهم.
وقد أجابوا عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرف بأن عمر قد تبرع بفعل ذلك أذن له به لأن الاعتكاف
طاعة، ولا يخفى ما فى هذا الجواب من المخالفة للصواب. وأجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم أمره بالوفاء
استحباباً لا وجوباً، ويرد بأن هذا الجواب لا يصلح لمن أدعى عدم الانعقاد - انتهى. وقال السندى: لا مانع
من القول بأن ندر الكافر ينعقد . وقوفا على اسلامه فان أسلم لزمه الوفاء به فى الخير والكفر، وإن كان
يمنع عن العقاده منجزا لكن لا نسلم أن يمنع عنه موقوفا، وحديث الاسلام يجب ما قبله من الخطايا لا ينافيه
لأنه فى الخطايا لا فى النذور وليس النذر منها - انتهى. وقال القسطلانى: وعند الحنابلة يصح نذر الكافر وعبارة
المرداوى فى تنقيح المقنع النذر مكروه، وهو الزام مكلف مختار ولو كافرا بعبادة نصا نفسه لله تعالى. (متفق عليه)
أخرجه البخارى فى الاعتكاف والخمس والمغازى والنذور ومسلم فى النذور وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٣٧
وج ٢ ص ١٠ - ٢٠ - ٣٥ - ٨٢) وأخرجه مالك فى الصيام والترمذى وأبو داود والنسائى فى النذور وابن ماجه
فى الصيام وفى الكفارات والبيهقى فى الصيام .
٢١٢٢ - قوله (كان النبى موضع يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان) أى يديم على الاعتكاف فيها
١٥٥

منجاة المفاتيح ج ٧.
٧ - كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
فلم يعتكف عاما، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين.
(فلم يعتكف عاما) أى لعذر السفر يدل عليه رواية البيهقى بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان مقيما
اعتكف العشر الأواخر وإذا سافر اعتكف العام المقبل عشرين يوما، ويدل عليه أيضا حديث أبي بن كعب
الذى أشار إليه المصنف كما سيأتى (فلما كان العام المقبل) أسم فاعل، من الإقبال (اعتكف عشرين) بكسر العين
والزاء. وقيل: بفتحهما على التثنية. قال فى اللعات. أى اهتماما ودلالة على التأكيد، لا. لأن ما فات من النوافل
المؤقتة يقضى - انتهى . وقال الطبى: دل الحديث على أن النوافل المؤقتة تقضى إذا فاتت كما تقضى الفرائض -
انتهى . قال القارى: والظاهر إن التشبيه لمجرد القضاء بعد الفوت وإلافقضاء الفرائض فرض وقضاء النوافل نقل-
انتهى. قلت فى الحديث دليل على أن من إعتاد اعتكاف أيام ثم لم يمكنه أن يمتكفها أنه يستحب له قضاءها فكان
قضاءه صلى الله عليه وسلم له على طريق الاستحباب، وقد بوب الترمذى على هذا الحديث باب ما جاء فى الاعتكاف
إذا خرج منه. قيل: وجه المناسبة بالترجمة أنه صلى الله عليه وسلم لما قضى الاعتكاف لمجرد النية، وكان لم يشرع فيه
بعد فقضاء، بعد الشروع أولى بالثبوت - انتهى. قال الترمذى بعد إخراج هذا الحديث: واختلف أهل العلم فى
المتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى. فقال بعض أهل العلم إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء،
واحتجوا بالحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال، وهو قول مالك
(وبه قال الحنفية) وقال بعضهم: إن لم يكن نذر اعتكاف أو شىء أوجبه على نفسه وكان متطوعا نخرج فليس
عليه شىء أن يقضى إلا أن يحب ذلك اختيارا منه ولا يحب ذلك عليه وهو قول الشافعى (وبه قال أحمد كما
سيأتى) قال الشافعى : وكل عمل لك أن لا تدخل فيه فإذا دخلت فيه خرجت منه فليس عليك أن تقضى الا الحج
والعمرة - انتهى. قلت: أراد الترمذى بالحديث الذى أشار اليه فى قوله، واحتجوا بالحديث الخ حديث الاخبية
وقد تقدم لفظه فى شرح الحديث الأول من هذا الباب وفيه رواية للبخارى، فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم
اعتكف عشرا من شوال. وأما لفظ ((خرج من اعتكافه)) فلم أجده فى الكتب الستة ولا ذكره الجزرى فى جامع
الأصول ولم أقف على من أخرج الحديث بهذا اللفظ. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ١٨٤) وإن نوى إعتكاف مدة
لم تلزمه، فان شرع فيها فله إتمامها وله الخروج منها متى شاء، وبهذا قال الشافعى، وقال مالك: تلزمه بالنية مع
الدخول فيه ، فان قطعه لزمه قضاءه . قال ابن عبد البر: وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب، ومن العلماء من
أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بحديث الا خية. قال ابن قدامة: الحديث حجة عليه لا له فان النبى صلى الله
عليه وسلم ترك إعتكافه ولو كان واجبا لما تركه، وأزواجه تركن الاعتكاف بعد نيته وضرب أخبيتهن له،
ولم يوجد عذر يمنع فعل الواجب ولا أمرن بالقضاء وقضاء النبي ◌َّ لم يكن واجبا عليه، وإنما فعله تطوعا لأنه
١٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
رواه الترمذى .
٢١٢٣ - (٧) وروى أبو داود، وابن ماجه
كان إذا عمل عملا أثبته وكان فعله لقضاء. كفعله لأداء، على سبيل التطوع به، لا على سبيل الايجاد كما قضى السنة
التى فاتته بعد الظهر وقبل الفجر فتركه له دليل على عدم الوجوب لتحريم ترك الواجب، وفعله للقضاء لا يدل على
الوجوب، لأن قضاء السنن مشروع. فان قيل: إنما جاز تركه ولم يؤمر تركه من النساء بقضاءه لتر كهن إياه قبل
الشروع، قلنا فقد سقط الاحتجاج لاتفاقناً على أنه لا يلزم قبل شروعه فيه، فلم يكن القضاء دليلا على الوجوب
مع الاتفاق على انتفاءه، قال وليس فى ترك الاعتكاف بعد الشروع فيه عمل يبطل فان ما مضى من اعتكافه
لا يبطل بترك إعتكاف المستقبل - انتهى مختصرا. وقال الحافظ تحت حديث الأخبية: فيه جواز الخروج من
الاعتكاف بعد الدخول فيه، وإنه لا يلزم بالفية ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافا لمن قال
باللزوم، وفيه إن أول الوقت الذى يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح (لما وقع فى رواية للبخارى فإذا صلى
الغداة حل مكانه الذى اعتكف فيه) وهو قول الأوزاعى والميث والثورى. وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل
قبيل غروب الشمس وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل ولكن إنما تخلى بنفسه فى المكان الذى أعده
لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجاب عن
هذا الحديث بأنه ◌َّ لم يدخل المعتكف ولا شرع فى الاعتكاف، وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه
فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين إما أن يكون شرع فى الاعتكاف، فيدخل على جواز الخروج منه، وإما أن
لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح، قال وفيه إن الاعتكاف لا يجب بالنية. وأما قضاءه
وَفّ فعلى طريق الاستحباب، لأنه كان اذا عمل عملا أثبته، ولهذا لم ينقل إن نساءه اعتكفن معه فى شوال - انتهى.
قال بعض الحنفية بعد ذكر الاشكال المذكور: إن الحنفية صرحوا بأن من شرع فى الاعتكاف النفل ثم تركه
لا يلزم قضاءه، لأنه لا يشترط له الصوم على الظاهر من المذهب - انتهى. وفيه إن البحث ههنا إنما هو فى
الاعتكاف فى العشر الأخير من رمضان وهى سنة مؤكدة، والصوم شرط فيه عندهم فيلزم قضاء اذا خرج منه،
ولا يجوز الخروج منه بعد الشروع فيه، وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك فى شرح الحديث الذى يليه (رواه التر مذى)
وأخرجه أيضا أحمد والحاكم (ج ١ ص ٤٣٩) والبيرقى (ج ٤ ص ٣١٤) وصححه الترمذى. وقال الحاكم: صحيح
على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .
٢١٢٣ - قوله (وروی) وفى بعض النسخ: ورواه (أبو داود وابن ماجه) وكذا أحمد (ج٥ ص١٤١)
١٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
أبي بن كمب.
١٢٢٤ - (٨) وعن عائشة، قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا أراد أن يمتكف صلى
الفجر ثم دخل فى معتكفه.
والحاكم (ج ١ ص ٤٣٩) والبيهقى (ج ٤ ص ٤١٣) والنسائى وابن حبان وغيرهم (عن أبي بن كعب) إن النبي
ورَاتّ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاما فلم يعتكف فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوما
لفظ ابن ماجه. قال السندى: قوله فسافر عاما الظاهر إنه عام الفتح وكان صلى الله عليه وسلم يهتم بأمر الاعتكاف
فيقضى إن فاته. وقال الخطابى: فيه من الفقه إن النوافل المعتادة تقضى اذا فاتت كما تقضى الفرائض ومن هذا قضاء
رسول الله مرّ بعد العصر الركعتين الليلتين فاتتاه لقدوم الوفد عليه واشتغاله بهم - انتهى. والحديث سكت عليه
أبو داود والمنذرى وصححه ابن حبان والحاكم والذهبى.
٢١٢٤ - قوله (كان رسول اللّه ◌َيثم اذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل فى معتكفه) هذا لفظ
الترمذى، ولمسلم وأبى داود ثم دخل معتكفه أى بحذف لفظة (فى)) ولابن ماجه ثم دخل المكان الذى يريد أن
يعتكف فيه، والبخارى فإذا صلى الغداة حل مكانه الذى اعتكف فيه وقوله ((معتكفه)) بصيغة المفعول أى مكان
اعتكافه وقوله (( دخل فى معتكفه)) أى انقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح لا إن ذلك وقت ابتداء اعتكافه بل
كان يعتكف من الغروب ليلة الحادى والعشرين، وإلا لما كان معتكفا العشر بتمامه الذى ورد فى عدة اخبار أنه
كان يعتكف العشر بتمامه، وهذا هو المعتبر عند الجمهور لمريد اعتكاف عشر أو شهر، وبه قال الأئمة الأربعة
ذكره الحافظ العراقى كذا فى شرح الجامع الصغير المناوى. قلت تأول الجمهور حديث عائشة هذا كما تقدم على
أنه دخل المسجد بنية الاعتكاف من أول الليل ولكن إنما تخلى بنفسه فى المكان الذى أعده لنفسه بعد صلاة الصبح
فكان يطلع الفجر وهو صلى الله عليه وسلم فى المسجد، ومن بعد صلاة الفجر يخلو بنفسه فى المحل الذى أعده
لاعتكافه. قال أبو الطيب السندى فى شرح الترمذى: وإنما جنح الجمهور إلى التأويل المذكور للعمل بالحديثين
الأول، ما روى البخارى عن عائشة قالت كان النبى صلى الله عليه وسلم يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان.
والثانى، ما رواه عن أبى هريرة قال كان النبى معَّم يعتكف فى كل رمضان عشرة أيام - الحديث. فاستفيد من
الحديث الأول عشر ليال، ومن الآخر عشرة أيام فأولو بما تقدم جمعا بين الحديثين - انتهى. وقال أبو الحسن
السندى فى حاشية ابن ماجه: ظاهر الحديث إن المعتكف يشرع فى الاعتكاف بعد صلاة الصبح، ومذهب الجمهور
أنه يشرع من ليلة الحادى والعشرين، وقد اخذ بظاهر الحديث قوم إلا أنهم حملوه على أنه يشرع من صبح الحادى
والعشرين فرد عليه الجمهور بأن المعلوم إنه كان يعتكف العشر الأواخر ، ويحث الصحابة عليه وعدد العشر عدد
١٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
الليالى فتدخل فيه الليلة الأولى وإلا لا يتم هذا العدد أصلا وأيضا من أعظم ما يطلب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر
وهى قد تكون ليلة الحادى والعشرين ما جاء فى حديث أبى داود فينبغى له أن يكون معتكفا فيها؛ لا أن يعتكف
بعدها. وأجاب النووى عن الجمهور بتأويل الحديث إنه دخل معتكفه وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح،
لا إن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف بل كان قبل المغرب معتكفا لابتا فى جملة المسجد فلما أصبح انفرد - انتهى.
ولا يخفى إن قولها « كان اذا أراد أن يعتكف » یفید أنه كان يدخل المعتكف حین یرید الاعتكاف لا أنه يدخل
فى الشروع فى الاعتكاف فى الليل، وأيضا المتبادر من لفظ الحديث إنه بيان لكيفية الشروع. ثم لازم هذا
التأويل أن يقال السنة المتكف أن يلبث أول ليلة فى المسجد ولا يدخل فى المعتكف. وإنما يدخل فيه من الصبح
وإلا يلزم ترك العمل بالحديث ، وعند تركه لا حاجة إلى التأويل والجمهور لا يقول بهذه السنة فيلزم عليهم ترك
العمل بالحديث. وأجاب القاضى أبو يعلى من الحنابلة بحمل الحديث على أنه كان يفعل ذلك فى يوم العشرين
ليستظهروا ببياض يوم زيادة قبل العشر. (قلت: قائله السندى) وهذا الجواب هو الذى يفيده النظر فى أحاديث
الباب فهو أولى، وبالاعتماد أحرى، بقى أنه يلزم منه أن تكون السنة الشروع فى الاعتكاف من صبح العشرين
إستظهارا باليوم الأول ولا بعد فى التزامه، وكلام الجمهور لا ينافيه فانهم ما تعرضوا له لا إثباتا ولا نفيا . وإنما
تعرضوا لدخوله ليلة الحادى والعشرين وهو حاصل غاية الأمر إن قواعدهم تقتضى أن يكون هذا الأمر سنة
عندهم ، فلنقل وعدم التعرض ليس دليلا على العدم ، ومثل هذا الايراد يرد على جواب النووى مع ظهور مخالفة
الحديث - انتهى . كلام السندى: اعلم أن القول بدخول المسجد قبيل غروب الشمس لمريد الاعتكاف عشر
أو شهر هو المشهور من مذهب الامام أحمد وقد حكى عنه رواية أخرى أنه يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر فى
اعتكاف التطوع، وقبل طلوع الفجر فى إعتكاف النذر. قال الخرقى: من نذر أن يعتكف شهرا بعينه دخل المسجد
قبل غروب الشمس . قال ابن قدامة: وهذا قول مالك والشافعى، وحكى ابن أبى موسى عن أحمد رواية أخرى
أنه يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله وهو قول الليث وزفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن
يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه، ولنا أنه نذر الشهر وأوله غروب الشمس، ووجب أن يدخل قبل الغروب
ليستوفى جميع الشهر فانه لا يمكن إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأما الحديث فقال ابن
عبد البر: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به على أن الخبر إنما فى التطوع فتى شاء دخل وفى مسألتنا تذر شهرا فيلزمه
إعتكاف شهر كامل ولا يحصل إلا أن يدخل فيه قبل غروب الشمس من أوله، ويخرج بعد غروبها من آخره
فأشبه ما لو نذر إعتكاف يوم فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره ويخرج بعد غروب شمسه. قال ابن قدامة
وإن أحب إعتكاف العشر الأواخر من رمضان تطوعا، ففيه روايتان. إحداهما: يدخل قبل غروب الشمس
١٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٩ - باب الاعتكاف
رواه أبو داود ، وابن ماجه .
٢١٢٥ - (٩) وعنها، قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يعود المريض وهو معتكف، فيمر كما هو
فلا يعرج يسأل عنه. رواه أبو داود.
من ليلة إحدى وعشرين، لأن العشر بغير ماء عدد الليالى، فانها عدد المؤنث قال الله تعالى: {ويالى عشر).
وأول الليالى العشر ليلة إحدى وعشرين، والرواية الثانية يدخل بعد صلاة الصبح، قال حنبل قال أحمد: أحب
إلى أن يدخل قبل الليل ولكن حديث عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى الفجر ثم يدخل معتكفه، وبهذا
قال الأوزاعى واسحاق وإن نذر إعتكاف العشر ففى وقت دخوله الروايتان جميعا - انتهى ملخصا مختصرا.
(رواه أبو داود وابن ماجه) كلاهما فى حديث طويل وكذا البخارى ومسلم وأحمد والبيهقى (ج ٤ ص ٣١٥)
بألفاظ متقاربة وأخرجه الترمذى مختصرا فكان حق المصنف أن يذكره فى الفصل الأول ويقول متفق عليه . قال
الجزرى: متفق عليه. ورواه الأربعة أيضا مطولا فكان ينبغى أن يذكر فى الصحاح. وقال ميرك: رواه
الشيخان والترمذى والنسائى أيضا وفات هذا الاعتراض من صاحب المشكاة. قلت: بل وقع هذا الاعتراض
على صاحب المشكاة. حيث عزا الحديث أبى داود وابن ماجه وذكره فى الفصل الثانى مع أنه متفق عليه .
٢١٢٥ - قوله (كان النبى صلى الله عليه وسلم) أى اذا خرج لحاجة الانسان كما يدل عليه بقية الحديث
(يعود المريض وهو معتكف) أى والمريض خارج عن المسجد لقوله (فيمر كما هو) قال الطيبي: الكاف صفة
لمصدر محذوف ((وما)) موصولة ولفظ ((هو)) مبتدأ والخبر محذوف والجملة صلة ((ما)، أى يمر مرورا مثل الهيئة
التى هو عليها فلا يلتفت ولا يميل الى الجوانب ولا يقف وقولها ( فلا يعرج) أى لا يمكث بيان للجمل لأن
التعريج الاقامة ، والميل عن الطريق إلى جانب وقولها (يسأل عنه) بيان لقوله يعود على سبيل الاستيناف، وفيه
دليل على أنه إذا خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الانسان فعاد مريضا أو صلى على جنازة من غير أن كان
خروجه لذلك قصدا لم يضره ذلك ولم يبطل اعتكافه وهذا مما اتفق عليه الأئمة الأربعة. واختلفوا فيما اذا
خرج اذلك قصدا وسيأتى الكلام فيه فى شرح الحديث التالى (رواه أبو داود) وأخرجه من طريقه البيهقى (ج٤
ص ٣٢١) وفيه ليث بن أبى سليم وهو ضعيف والصحيح عن عائشة من فعلها وكذلك أخرجه مسلم وغيره.
وقال ابن حزم: صح ذلك عن على ذكره الحافظ فى التلخيص (ص ٢٠١) والحديث سكت عنه أبو داود. وقال
المنذرى: فى اسناده ليث بن أبى سليم، وفيه مقال . وقال ابن حجر: فى سنده من اختلفوا فى توثيقه وبتقدير
نعفه هو منجبر بما فى مسلم ( فى كتاب الطهارة) عن عائشة إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما
١٦٠