النص المفهرس

صفحات 121-140

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
وسلم عن ليلة القدر، فقال أيكم يذكر ليلة الصهباوات ، قلت أنا وذلك ليلة سبع وعشرين ، ورواه ابن أبى شيبة
عن عمرو حذيفة وناس من الصحابة. وفى الباب عن ابن عمر عند مسلم وأحمد وعن جابر بن سمرة عند الطبرانى وعن
معاوية عند أبى داود وحكاه صاحب الحلية عن أكثر العلماء. وقيل: إنها ليلة ثمان وعشرين. وقيل: ليلة تسع
وعشرين. وقيل: ليلة ثلاثين، واختلف أهل القول الثانى أيضا وهم الذين ذهبوا إلى أنها تنتقل فى العشر الأخير كله
فمنهم من قال هى فيه محتملة على حد سواء نقله الرافعى عن مالك، وضعفه ابن الحاجب. ومنهم من قال بعض
لياليه أرجى من بعض: فقال الشافعى أرجاه ليلة إحدى وعشرين وقيل أرجاء ليلة ثلاث وعشرين وقيل إرجاه ليلة
سبع وعشرين . وقال أبو ثور المزنى وابن خزيمة وجماعة من علماء المذهب: أنها فى أوتار العشر الأخير وإنها تنتقل،
وعليه يدل حديث عائشة الآتى وغيرها وهو. أرجح الأقوال قال الحافظ بعد ذكر الأقوال: وأرجحها كلها
إنها فى وترمن العشر الأخير، وإنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب وأرجاها أوتار العشر وأرجى أوتار العشر
عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهووليلة سبع وعشرين - انتهى. وقد ترجم
البخارى لحديث عائشة وغيرها باب تحرى ليلة القدرفى الوترمن العشر الأواخر. قال الحافظ: فى هذه الترجمة إشارة
إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة فى رمضان ثم فى العشر الأخير منه، ثم فى أوتاره لا فى ليلة منه بعينها ، وهذا
هو الذى يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها - انتهى. والحكمة فى إخفاءها على ما قال العلماء ليحصل الاجتهاد
فى التماسها بخلاف ما لوعينت لها ليلة لا قتصر عليها كما تقدم نحوه فى ساعة الجمعة ، وهذه الحكمة مطردة عند من
يقول إنها فى جميع السنة أو فى جميع رمضان أو فى جميع العشر الأخير أو فى أوتاره خاصة إلا أن الأول ثم الثانى
أليق به قاله الحافظ. وقال الرازى: إنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه، أحدها أنه تعالى أخفاها كما أخفى سائر
الأشياء فانه أخفى رضاء فى الطاعات حتى يرغبوا فى الكل ويجتهدوا فى الجميع وأخفى سخطه فى المعاصى ليحترزوا عن
الكل وأخفى الاجابة فى الدعاء ليبالغوا فى كل الدعوات، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول
التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت ليخاف المكلف فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا
جميع ليالى رمضان وثانيها كأنه تعالى يقول لوعينت هذه الليلة وأنا أعلم بتجاسركم على المعصية فربما دعتك الشهوة
فى تلك الليالى الى المعصية فوقعت فى الذنب فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك، يعنى كأنه
تعالى يقول إذا علمت ليلة القدر فان أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت تقاب ألف
شهر، ورفع العقاب أولى من جلب النواب. وثالثها أخفيت هذه الليلة حتى يحتهد المكلف فى طلبها فيكتسب نواب
الاجتهاد ورابعها إن العبد إذا لم يتيقن فإنه يجتهد فى الطاعة فى جميع ليالى رمضان على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هى ليلة
القدر فيباهى الله تعالى بهم ملائكته ويقول كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون فهذا جده واجتهاده فى الليلة المظونة
١٢١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٧ - باب ليلة القدر
الفصل الأول )
٢١٠٣ - (١) عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحروا ليلة القدر فى الوتر
من العشر الأواخر من رمضان. رواه البخارى.
٢١٠٤ - (٢) وعن ابن عمر، قال: إن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا
فكيف لو جعلتها معلومة - انتهى. واختلفوا هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وإن لم يظهر
له شىء أو يتوقف ذلك على كشفها له وإلى الأول ذهب الطبرى والمهلب وابن العربى وجماعة وإلى الثاني ذهب الأكثر
قيل ، ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبى هريرة بلفظ: من يقم ليلة القدر فيوافقها، وفى حديث عبادة عند
أحمد والطبرانى من قامها إيمانا واحتسابا ثم وفقت له. قال النووى: معنى يوافقها أى يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها
وقال فى شرح التقريب: معنى توفيقها له أو موافقته لها أن يكون الواقع إن تلك الليلة التى قامها بقصد ليلة القدر
هى ليلة القدر فى نفس الأمر وإن لم يعلم هو ذلك، وما ذكر النووى من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر
مر دود، وليس فى اللفظ ما يقتضى هذا ولا المعنى يساعده - انتهى. وقال الحافظ: الذى يترجح فى نظرى ما
قاله النووى ولا أذكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها ولم توفق له، وإنما الكلام
على حصول الثواب المعين الموعود به فليتأمل ، وقد فرعوا على القول باشتراط العلم بها أنه يختص بها شخص
دون شخص فتكشف لواحد ولا تكشف لآخر ولو كانا معا فى بيت واحد كذا ذكره القسطلانى: واختلفوا
أيضا هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا وسيأتى بسط القول فى ذلك فى شرح حديث زر بن حبيش.
٢١٠٣ - قوله (تحروا) بفتح التاء والحساء والراء المهملتين أمر من التحرى وفى رواية التمسوا وكل
منهما بمعنى الطلب والقصد لكن معنى التحرى أبلغ لكونه يقتضى الطلب بالجد والاجتهاد (ليلة القدر) قال فى
النهاية أى تعمدوا طلبها فيها ، والتحرى القصد والاجتهاد فى الطلب، والعزم على تخصيص الشىء بالفعل والقول -
انتهى. (فى الوتر) أى فى ليالى الوتر (من العشر الأواخر من رمضان) فيه دليل على أن ليلة القدر منحصرة فى رمضان،
ثم فى العشر الأخير منه، ثم فى أوتاره لا فى ليلة منه بعينها، وقد تقدم أنه القول الراجح (رواه البخارى)
أخرجه أيضا مسلم لكن ليس عنده لفظ الوتر، وهكذا أخرجه أحمد والترمذى، وأخرجه مالك فى الموطأ مرسلا
فكان حق المصنف أن يقول متفق عليه، واللفظ للبخارى فان قوله فى الوتر لم يخرجه مسلم بل انفرد به البخارى،
وأخرج البيهقى الروايتين (ج ٤ ص ٣٠٧ - ٣٠٨).
٢١٠٤ - قوله (إن رجالا من أصحاب الذى يَفضة) قال الحافظ: لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء (أروا)
١٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
ليلة القدر فى المنام فى السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرى رؤياكم، قد
تواطأت فى السع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها فى السبع الأواخر)).
بضم الهمزة على بناء المفعول من الإراة وأصله أريدُوا (الة القدر) أى أراهم الله ذلك فى المنام (فى السبع
الأواخر) جمع آخرة بكسر الخاء. قال الحافظ: أى قيل لهم فى المنام إنها فى السبع الأواخر. وقال القسطلانى:
ظاهر الحديث إن رؤياهم كانت قبل دخول السبع الأواخر لقوله فليتحرها فى السبع الأواخر، ثم يحتمل أنهم رأوا
ليلة القدر وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها، وإن ذلك كان فى ليلة من السبع الأواخر ويحتمل إن قائلا قال لهم
هى فى كذا وعين ليلة من السبع الأواخر ونسيت أو قال إن ليلة القدر فى السبع فهى ثلاث احتمالات. (أرى)
بفتحتين أى أعلم (رؤياكم) كذاجاء بالأفراد، والمراد الجمع أى رؤاكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة، فهو ما عاقب
الأفراد فيه الجمع لامن اللبس، وقول السفاقسى إن المحدثين يروونه بالتوحيد وهو جائز، وأفصح منه رؤاكم جمع
رؤيا ليكون جمعا فى مقابلة جمع ، فيه نظر لأنه باضافته إلى ضمير الجمع علم منه التعدد بالضرورة وإنما عبر بأرى
لتجانس رؤياكم، ومفعول أرى الأول رؤياكم والثانى قوله (قد تواطأت) بالهمزة أى توافقت وزنا ومعنى. قال
القارى: وفى نسخة صحيحة قد تواطت بلا همزة . قيل أصله تواطأت بالهمزة فقلبت الفا وحذفت . وقال ابن التين
روى بغير همز، والصواب بالهمز وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطأ صاحبه. وقد رواه بعضهم بالحمزة وهو
الأصل. وقال النووى: قوله ((قواطت)) أى توافقت وهكذا هو فى النسخ بطاء ثم تاء وهو مهموز، وكان
ينبغى أن يكتب بألف بين الطاء والتاء صورة الهمزة ولا بد من قراءته مهموزا. قال الله تعالى: ﴿ليواطنوا عدة
-
ما حرم الله - والتوبة: ٣٧) - انتهى. وقال فى المصابيح، يجوز ترك الهمز (فى) رؤيتها فى ليالى (السبع
الأواخر فمن كان متحريها) أى طالبها وقاصدها (فليتحرها فى السبع الأواخر) من رمضان من غير تعيين يحتمل
أن يكون المراد بها أواخر الشهر أى السبع التى تلى آخر الشهر فيكون مبدأها من ليلة أربع وعشرين على كون
الشهر ثلاثين وهو الأصل، ويحتمل أن يكون المراد السبع بعد العشرين. قيل: وهذا أولى وأمثل لتناوله إحدى
وعشرين وثلاثا وعشرين ولتحقق هذا السبع يقينا وابتداء بخلاف الأول وإن كان بحسب الظاهر هو المتبادر ،
ولا يدخل ليلة التاسع والعشرين على الثانى، وتدخل على الأول. وقيل: المراد بها السبع الرابع من الشهر
فيكون أولها ليلة الثانية والعشرين ، وآخرها ليلة الثامن والعشرين فان الحادية والعشرين آخر السبع الثالث من
الشهر، وأول السبع الرابع إنما هو الثانية والعشرون، وعلى هذا فتدخل ليلة الثالث والعشرين ، ولا تدخل ليلة
التاسع والعشرين. وقيل: المراد بها السبع التى أولها ليلة الثالث والعشرين لكون المحقق فى الشهر تسعا وعشرين
يوما . وقد رواه البخارى فى كتاب التعبير من صحيحه من طريق آخر إن ناسا أروا ليلة القدر فى السبع الأواخر،
١٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
متفق عليه.
وإن ناسا أروا أنها فى العشر الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلتمسوها فى السبع الأواخر. قال الحافظ فى
الصوم: كأنه مَّ نظر إلى المتفق عليه من الرؤيتين فأمر به، وقال فى التعبير إفراد السبع داخلة فى إفراد العشرفلا
رأى قوم أنها فى العشر وقوم أنها فى السبع كانو كأنهم توافقوا على السبع، فأمرهم بالتماسها فى السبع لتوافق
الطائفتين عليها، ولأنه أيسر عليهم. وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن الزهرى عن سالم بلفظ: رأى رجل إن
ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلتمسوها فى العشر البواقى فى الوترمنها
ولمسلم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر بلفظ: من كان يلتمسها فليلتمسها فى العشر الأواخر، وجمع بين روايتى
العشر والسبع بأن العشر للاحتياط منها، أو يحمل على تعدد الأمرين فى عامين بأنه أعلم أنها فى العشر. ثم إعلم
أنها فى السبع أو حض على العشر من به بعض القوة، وعلى السبع من لا يقدر على العشر، ويويد هذا ما روى
أحمد من حديث على مرفوعا إن غليتم فلا تغلبوا فى السبع البواقى، ولمسلم من طريق عقبة بن حريث عن ابن عمر
إلتمسوها فى العشر الأواخر فان ضعف أحدكم أو عجز فلا يغابن على السبع البواقى. قال الحافظ: وهذا السياق
يرجح الاحتمال الأول من تفسير السبع الأواخر أى كون المراد به أواخر الشهر، وفى هذا الحديث دلالة على
عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها فى الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية
ويستفاد منه أن أوافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على
الاخبار من جماعة. قال القسطلانى: ظاهر الحديث إن طلبها فى السبع مستنده الرؤيا، وهو مشكل لأنه إن كان
المعنى إنه قيل لكل واحد هى فى السبع فشرط التحمل التمييز، وهم كانوا نياما، وإن كان معناه إن كل واحد
رأى الحوادث التى تكون فيها فى منامه فى السبع فلا يلزم منه أن تكون هى فى السبع كما لو رؤيت حوادث القيامة
فى المنام فى ليلة، فانه لا تكون تلك الليلة محلا لقيامها. وأجيب بأن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث
الاستدلال بها على أمر وجودى غير مخالف لقاعدة الاستدلال. والحاصل إن الاستناد إلى الرؤيا هنا فى أمر ثبت
استحبابه مطلقا، وهو طلب ليلة القدر. وإنما ترجح السبع الأواخر بسبب الرؤى الدالة على كونها فى السبع
الأواخر، وهو استدلال على أمر وجودى لزمه استحباب شرعى مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالى
لا أنها ثبت بها حكم أو أن الاستناد الى الرؤيا إنما هو من حيث إقراره صلى الله عليه وسلم، لها كأحد ما قيل
فى رؤيا الأذان . انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الصوم وفى التعبير ومسلم فى الصوم، وأخرجه أيضا أحمد
مطولا ومختصرا فى مواضع، ومالك بلاغا مطولا ومسندا مختصرا والبيهقى (ج٤ ص ٣١١) مطولا وأبو داود
والدارمى مختصرا.
١٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
٢١٠٥ - (٣) وعن ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: التمسوها فى العشر الأواخر من
رمضان ، ليلة القدر: فى تاسعة تقى، فى سابعة تبقى، فى خامسة تبقى.
٢١٠٥ - قوله (التمسوها) الضمير المنصوب مبهم يفسره قوله ((ليلة القدر، كقوله تعالى: ﴿فسوامن
سبع سموات - البقرة: ٢٩) ) وهو غير ضمير الشأن اذ مفسره لابد أن يكون جملة وهذا مفرد (ليلة القدر)
بالنصب على البدل من الضمير فى قوله التمسوها ويجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف أى هى ليلة القدر (فى تاسعة)
بدل من قوله فى العشر الأواخر ( تبقى ) صفة التاسعة (فى سابعة تبقى فى خامسة تبقى) اختلف فى معناه على أقوال
فقال القارى: قوله ((تبقى)) أى يرجى بقاءها أى بعد العشرين والظاهر أنه أراد بالناسعة التاسعة والعشرين
وبالسابعة السابعة والعشرين، وبالخامسة الخامسة والعشرين - انتهى. قال الحافظ: يرجح هذا قوله فى رواية
البخارى فى كتاب الايمان بلفظ التمسوها فى التسع والسبع والخمس، أى فى تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس
وعشرين - انتهى. وقال الطبى: قوله فى ((تاسعة)) تبقى الليلة الثانية والعشرون تاسعة من الاعداد الباقية، والرابعة
والعشرون سابعة منها، والسادسة والعشرون خامسة منها - انتهى. وهذا مبنى على كون الشهر ثلاثين يوما ، وعلى
كون العدد من آخره فتكون الليالى الثلاثة كلها إشفاعا لا أوتارا، ويكون معنى الحديث التمسوها فى ليلة تاسعة
من الليالى الباقية، ويؤيد هذا ما رواه مسلم وأبو داود عن أبى نضرة عن أبى سعيد التمسوها فى التاسعة والسابعة
والخامسة. قال قلت يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا قال أجل نحن أحق بذلك منكم، قال قلت ما التاسعة والسابعة
والخامسة، قال اذا مضت واحدة وعشرون فالتى تليها ثنتين وعشرين فهى التاسعة، فإذا مضى ثلاث وعشرون
فالتى تليها السابعة ، فإذا مضى خمس وعشرون فالتى تليها الخامسة - انتهى. لكن هذا مخالف الأحاديث الصحيحة
الدالة على كونها منحصرة فى الأوتار، ومخالف لرواية نفسه أيضا كما سيأتى فلابد من تأويله. قال السندى: هذا
التفسير أى المروى عن أبى سعيد لا يناسب ما ورد من التماسها فى الأوتار وكذا ما ظهر أنها كانت فى تلك السنة
ليلة إحدى وعشرين وما سيجىء إنها فى سنة ليلة ثلاث وعشرين، وما سيجىء من قول أبى أنها ليلة سبع وعشرين
وهذا ظاهر: قال الأبى التاسعة لما احتملت ههنا أن تكون تاسعة ما مضى أو تاسعة ما بقى سأله، وقال أنتم أعلم
بهذا العدد، ثم قال: قال فى المدونة التاسعة ليلة احدى وعشرين والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس
وعشرين، والمعنى على هذا تسع بقين أوسبع بقين وإن ذلك على اعتبار شهر رمضان ناقصا كما سيأتى. وذكر الباجى
(ج ٢ ص٨٩) أن ابن القاسم حكى عن مالك أنه رجع عن هذا، وقال هو حديث مشرقى لا أعلمه - انتهى.
وقيل المعنى التمسوها فى الليلة التى تبقى التاسعة بعدها، وفى الليلة التى تبقى السابعة بعدها وفى ليلة التى تبقى الخامسة
بعدها، على اعتبار كون الشهر ثلاثين فتأمل. وقال الزركشى: قوله ((فى تاسعة)) تبقى ليلة إحدى وعشرين ، لأن
١٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
رواه البخارى.
٢١٠٦ - (٤) وعن أبى سعيد الخدرى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول
من رمضان، ثم امتكف العشر الأوسط فى قبة تركية، ثم أطلع رأسه فقال: (( إنى اعتكفت العشر
لأول، التمس
المحقق المقطوع بوجوده بعد العشرين تسعة أيام لاحتمال أن يكون الشهر تسعة وعشرين يوما، وليوافق الأحاديث
الدالة على أنها فى الأوتار وقوله سابعة تبقى ليلة ثلاث وعشرين وفى خامسة تبقى ليلة خمس وعشرين. وإنما يصح
معنى الحديث ويوافق ليلة القدر وترا من الليالى على ما ذكر فى الأحاديث اذا كان الشهر ناقصا. فأما إذا كان
كاملا فلا تكون إلا فى شفع لأن الذى يبقى بعدها ثمان فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين، والسابعة الباقية
بعد ست ليلة أربع وعشرين، والخامسة الباقية بعد أربع لإلى ليلة السادس والعشرين، فلا يصادف واحدة منهن
وترا، وهذا على طريقة العرب فى التاريخ اذا جاوزوا نصف الشهر فانما يؤرخون بالباقى منه لا بالماضى منه.
والظاهر أنه خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بنقص الشهر وذلك لأنه ليس على تمام شهر على يقين والله أعلم.
(رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٣١، ٢٧٩، ٣٦٠، ٣٦٥) وأبو داود فى الصلاة والبيهقى
( ج ٤ ص ٣٠٨ - ٣٠٩).
٢١٠٦ - قوله (اعتكف العشر الأول) بتشديد الواو كذا فى النسخ، والظاهر بضم الهمزة وتخفيف
الواو، ولعل إفراده باعتبار لفظ العشر قاله القارى (ثم اعتكف العشر الأوسط) هكذا وقع فى أكثر الروايات
والمراد من العشر الليالى وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث، ويقال العشر الوسطى لأن المشهور فى الاستعمال
تأنيث العشر كما قال فى أكثر الأحاديث العشر الأواخر لكن وصفت هنا بالمذكر إما باعتبار لفظ العشر فانه
لفظ مذكر فيصح وصفه بالأوسط، وإما باعتبار إرادة الوقت أو الزمان أو التقدير الثلث، كأنه قال الليالى
العشر التى هى الثلث الأوسط من الشهر ووقع فى الموطأ العشر الوسط بضم الواو والسين جمع واسط ، كبازل
وبزل ، قال صاحب العين: واسط الرحل ما بين قادمته وآخرته . وقال أبو عبيد: وسط البيوت يسطها اذا نزل
وسطها وإسم الفاعل من ذلك وأسط ويقال فى جمعه وُسُط كنازل ونزل، وبازل وبزل، ورواه بعضهم
بضم الواو وفتح السين جمع وسطى ككبر وكبرى ( فى قبة تركية ) أى قبة صغيرة من لبود قاله النووى ضربت
فى المسجد يقال لها بالفارسية خركاه، وكان على سدة القبة حصير فأخذ الحصير بيده فنحاها فى ناحية القبة
( ثم اطلع رأسه) بفتح الهمزة وسكون الطاء أى أخرجه من القبة (اعتكفت) بصيغة المتكلم الماضى (المس)
١٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باد، ليلة القدر
هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لى: إنها فى العشر الأواخر، فمن كان
اعتكف معى فليعتكف العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتنى اسود
حال أى أطلب (هذه الليلة) يعنى ليلة القدر (ثم اعتكفت) بصيغة الماضى المتكلم أيضا (العشر الأوسط) قال
النووى: هكذا هو فى جميع نسخ مسلم ، والمشهور فى الاستعمال تأنيث العشر وتذكيره أيضا لغة صحيحة باعتبار
الوقت. والزمان، ويكفى فى صحتها ثبوت استعمالها فى هذا الحديث من النبى صلى الله عليه وسلم (ثم أتيت) على
بناء المجهول، وفى رواية البخارى فى كتاب الصلاة إن جبريل أناه فى المرتين فقال له أن الذى تطلب أمامك بفتح
الهمزة أى قدامك ( فقيل لى) أى قال لى الملك (إنها ) أى ليلة القدر ( فى العشر الأواخر ) قال الطيبي:
وصف العشر الأول والأوسط بالمفرد، والأخير بالجمع إشارة إلى قصور ليلة القدر فى كل ليلة من ليالى العشر
الآخير دون الأولين (فمن كان اعتكف) أى أراد الاعتكاف (معى) وقال ابن الملك : أى من أراد موافقتى.
وقال الطيبي: وإنما أمر بالاعتكاف من كان معه فى العشر الأول والأوسط لئلا يضيع سعيهم فى الاعتكاف
والتحرى. وقال ابن حجر: ليس للتقييد بل لافهامه إن من لم يكن معه معتكفا أولى. قلت هذا لفظ البخارى
ولمسلم فى الرواية التى ذكرها المصنف فمن أحب منكم أن يعتكف (فليعتكف العشر الأواخر) قال الطيبي: الأمر
بالاعتكاف للدوام والثبات، وفى رواية فليثبت فى معتكفه من الثبات، وفى أخرى فليلبث من البث، وفى رواية
المسلم فليبت من المبيت، وكله صحيح (فقد أريت) بضم الهمزة على بناء المجهول المتكلم أى أعلمت (هذه الليلة)
مفعول به لا ظرف أى أرايت ليلة القدر معينة ( ثم انسيتها) بضم الهمزة من الانساء، والمراد أنه أنسى علم.
تعيينها فى تلك السنة لا رفع وجودها لأنه أمر بالتماسها حيث قال فالتمسوما فى العشر الأواخر . قال ابن حجر:
المراد أنه أخبر بانها ليلة كذا ثم أنسى ما أخبر به والمخبر بذلك جبريل. وقال القفال فى العدة فيما حكاه الطبرى:
ليس معناه أنه رأى الليلة أو الأنوار عيانا، ثم نسى فى أى ليلة رأى ذلك لأن مثل هذا قل أن ينسى أى فى صبيحتها
وإنما رأى أنه قيل له: ليلة القدر، ليلة كذا وكذا ثم نسى كيف قيل له، وسيأتى سبب النسيان فى هذه القصة فى
حديث عبادة بن الصامت فى الفصل الثالث من هذا الباب. وفى الحديث إن النسيان جائز على النبى معَّةٍ ولا نقص فى
ذلك، لا سيما فى ما لم يؤذن له فى تبليغه، وقد يكون فى ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع كما فى قصة السهو فى الصلاة أو بالاجتهاد فى
العبادة كما فى هذه القصة، لأنه لو عينت ليلة القدر فى ليلة بعينها اقتصر الناس على العبادة فيها ففاتت العيادة فى غيرها
وكأن هذاهو المراد بقوله عسى أن يكون خيرا لكم كما سيأتى فى حديث عبادة (وقد رأيتنى) بضم التاء التكلم، وفيه
عمل الفعل فى ضميرى الفاعل والمفعول، وهو المتكلم وهو من خصائص أفعال القلوب أى رأيت نفسى (أسجد) بالرفع
١٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
فى ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها فى العشر الأواخر والتمسوما فى كل وتر، قال: فمطرت السماء
تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناى رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين
حال وقيل تقديره أن أسجد (فى ماء وطين) علامة جعلت له يستدل بها عليها والمراد بذلك الأرض الرطبة ولعل
أصله فى ماء وتراب وسمى طينا لمخالطته به مآ لا وللايماء إلى غلبة الماء عليه (من صبيحتها) من بمعنى فى كما فى
قوله (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة - الجمعة: ٩) أو هى لابتداء الغاية الزمانية (فالتمسوها فى العشر الأواخر)
أى من رمضان (والتمسوها فى كل وتر) أى من ذلك العشر يعنى فى أوتار ليالى العشر وأولها ليلة الحادى
والعشرين الى آخر ليلة التاسع والعشرين لا ليلة أشفاعها، ولا منافاة بينه وبين قوله التمسوها فى السبع الأواخر،
اذ ليس فى أحدهما حصر بل فى خبر الوتر زيادة تقييد السبع بالوتر ( فيطرت) بفتحات (تلك الليلة ) أى التى
أربها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال القسطلانى: يقال فى الليلة الماضية الليلة إلى أن تزول الشمس فيقال
حينئذ البارحة ، وفى رواية وما نرى فى السماء قزعة بجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد (وكان المسجد
على عريش) بفتح العين وسكون الياء بعد الرأء المهملة المكسورة سقف من خشب وحشيش ونحو ذلك مما يستظل
به «وعلى، بمعنى الباء كما فى قوله تعالى: ﴿حقيق على أن لا أقول على اللّه إلا الحق - الأعراف: ١٠٥) أوبمعنى
((من)) كما فى رواية نحو قوله تعالى: ﴿إذا اكتالوا على الناس يستوفون - المطففين: ٢) قال الحافظ: كان
على عريش أى مثل العريش، وإلا فالعريش هو نفس سقفه، والمراد أنه كان مظللا بالجريد والخوص ولم يكن
محكم البناء بحيث يكن من المطر الكثير يعنى أنه لم يكن له سقف يكن من المطر ويمنعه. وقيل: أى بنى على صوغ
عريش وهيئته، وفى رواية للبخارى وكان ( أى السقف ) من جريد النخل (فوكف المسجد) أى قطر وسال ماء
المطر من سقف المسجد فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال ( فنصرت ) بفتح الموحدة وضم الصاد المهملة
(عيناى ) زاده تأكيدا كقوله أخذت بيدى. وإنما يقال ذلك فى أمر مستغرب إظهارا للتعجب من حصوله
(وعلى جبهته أثر الماء والطين ) جملة حالية وفى رواية للبخارى انصرف من الصبح ووجهه ممتلىء طينا وماء،
وهذا يشعر بأن قوله أثر الماء والطين لم يرد به محض الأثر وهو ما يبقى بعد إزالة العين . قال الظبي: قوله فيصرت
عيناى مثل قولك أخذت يبدى ونظرت بعينى، وإنما يقال فى أمر يعز الوصول اليه إظهارا للتعجب من حصول
تلك الحال الغريبة، ومن ثم أوقع رسول الله صلى الله عليه وسلم مفعولا وعلى جبهته حالا منه، وكان الظاهر
أن يقال رأيت على جبهة رسول اللّه مَوفتح أثر الماء والطين - انتهى. قال الحافظ فيه استحباب ترك الاسراع الى
١٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٨ - بابليلة القدر
من صبيحة إحدى وعشرين. متفق عليه فى المعنى. واللفظ لمسلم الى قوله: فقيل لى: إنها فى العشر
الأواخر والباقى للبخارى.
٢١٠٧ - (٥) وفى رواية عبد الله بن أنيس،
إزالة ما يصيب جبهة الساجد من غبار الأرض ، وقال أيضا فيه ترك مسح جبهة المصلى والسجود على الحائل ،
وحمله الجمهور على الأثر الخفيف لكن يعكر عليه قوله فى بعض طرقه ووجهه متلى طينا وماء، أو أجاب النووى
بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وفيه جواز السجود فى الطين ـ انتهى . قال الزين بن المنير:
ويحتمل أن يكون ترك مسح الجبهة عامدا لتصديق رؤياه. وقال العينى والقارى وغيرهما: هذا محمول على أنه كان
شيئا يسيرا لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض ولو كان كثيرا لم تصح صلاته ، وهذا قول الجمهور. وفى شرح
السنة، فيه دليل على وجوب السجود على الجبهة ولولا ذلك لصانها عن الطين (من صبيحة احدى وعشرين) أى
تصديق رويأه كما فى رواية البخارى فى الصلاة ومن بمعنى فى وهى متعلقة بقوله فبصرت وقوله من صبيحة كذا فى
جميع النسخ من المشكاة، والذى فى البخارى من صبح، والحديث ظاهر فى أن خطبته كانت فى صبح اليوم العشرين
ووقوع المطر كان فى ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق لأكثر الطرق، ووقع فى رواية عند البخاري وغيره
ما يقتضى أن الخطبة وقعت فى أول اليوم الحادى والعشرين. وعلى هذا يكون أول ليالى إعتكافه الأخير ليلة
اثنتين وعشرين، وهذا مخالف لما وقع فى بقية الطرق. وقد تأواه الحافظ بحيث يزول الاشكال وتتفق الروايات
من أحب الوقوف عليه فليرجع الى الفتح. وفى الحديث إن ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم فى المنام قد يكون
تأويله أنه يرى مثله فى اليقظة. واستدل به من ذهب إلى أن ليّة القدر ليلة إحدى وعشرين دائما، ولا حجة لهم
فيه لأنه محمول على تلك السنة، وقد تقرر أنها تنتقل وتتقدم، وتتأخر فى أوناز ليالى الشر فى السنين المختلفة.
(متفق عليه فى المعنى) للحديث طرق والفاظ ، والمذكور أحدها. وأخرجه البخارى فى الصلاة فى ثلاثة أبواب،
وفى الصوم فى خمسة أبواب. وأخرجه مسلم فى الصوم من طرق ، وأخرجه أيضا أحمد بألفاظ وطرق ومالك
وأبو داود وابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ٣٠٨، ٣١٥،٣٠٩) (والباقى) أى من قوله فمن كان اعتكف معى
الخ. (البخارى) أى لفظا فى باب الاعتكاف فى العشر الأواخر والاعتكاف فى المساجد كلها .
٢١٠٧ - قوله (وفى رواية عبد الله بن أنيس) مصغرا كذا فى الأصول الصحيحة فى رواية عبد الله.
ووقع فى أصل الطبى فى حديث عبد الله ولذا قال، ولو قال فى رواته لكان أولى، لأنه ليس بحديث أخر بل رواية
أخرى، والاختلاف فى زيادة ليلة، واختلاف العدد بأنه ثلاث أو إحدى وعشرون ذكره القارى. قلت:
١٢٩

مرعاة لمفانيح ج ٧
٧٠- كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
قال: ((ليلة ثلاث وعشرين)). رواه مسلم،
وعندى إن ما وقع فى أصل الطيبى هو الأولى، لأن الظاهر إنهما واقعتان رواهما صحابيان، ولو سلم أنهما قصة
واحدة فالحديث يتعدد، ويختلف باختلاف المخرج أى الصحابى كما لا يخفى، وهذا هو الذى راعيناه فى رقم أحاديث
المشكاة وحصرها. وعبد الله بن أنيس هو أبو يحيى الجهنى المدنى حليف بنى سلمة من الأنصار. وقال ابن الكلبى
والواقدى: هو من ولد البرك بن وبرة من قضاعة ، وقد دخل ولد البرك فى جهينة فقيل له الجهنى والقضاعى
والأنصارى والسلمى بفتحتين صحابى، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه أبناءه ضمرة وعبد الله
وعطية وعمرو وبسر بن سعيد وجابر بن عبد الله رحل اليه الى مصر فى حديث واحد وشهد العقبة الثانية واحدا ،
وما بعدهما. وكان أحد من يكسر أصنام بنى سلمة من الأنصار، وهو الذى بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الى
خالد بن نبيح العنزى وحده فقتله. وقال ابن يونس: صلى القبلتين ودخل مصر وخرج الى أفريقية له أربعة
وعشرون حديثا إنفرد له مسلم بحديث، وأخرج له البخارى تعليقا مات بالشام فى خلافة معاوية سنة (٥٤) ووهم
من قال سنة (٨٠) فرق على بن المدينى وخليفة وغيرهما بينه وبين عبد الله بن أنيس الأنصارى الذى روى عنه
ابنه عيسى، أن النبى ◌َّ دعا يوم أحد بأدارة فقال أخنث، فم الاداوة - الحديث. وجزم البغوى وابن السكن
وغيرهما بأنهما واحد . قال فى الاصابة. وهو الراجح بأنه جهى حليف بنى سلمة من الأنصار. وقال فى تهذيب
التهذيب: وهو (أى جعلهما واحدا) المعتمد فان كونه أنصاريا لا ينافى كونه جهنيا لما تقدم أن الجهنى حليف
الأنصار . (قال ليلة ثلاث وعشرين) يعنى روى عبد الله بن أنيس نحو حديث أبى سعيد لكنه قال فيه ليلة ثلاث
وعشرين بدل إحدى وعشرين ولفظه عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أريت ليلة القدر ثم أنسيتها
وأرانى صبيحتها أسجد فى ماء وطين، قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول اللّه مَ ◌ّم فانصرف، وإن
أثر الماء والطين على جبهته وأنفه قال، وكان عبد الله بن أنيس يقول ثلاث وعشرين - انتهى. قال النووي: هكذا
فى معظم النسخ من صحيح مسلم وفى بعضها ثلاث وعشرون، وهذا ظاهر والأول جاء على لغة شاذة أنه يجوز
حذف المضاف، ويبقى المضاف اليه مجرورا أى ليلة ثلاث وعشرين - انتهى. ولا يخفى أن حديث عبد الله بن
أنيس مخالف لحديث أبى سعيد فى تعيين الليلة ، فقيل الترجيح لحديث أبى سعيد لأنه متفق عليه. وقيل: يحمل على
تعدد القصة واستدل بحديث عبد الله بن أنيس هذا، وبحديثه الآتى فى الفصل الثانى، من قال إن ليلة القدر للة
ثلاث وعشرين، والظاهر إن هذا كان لتلك السنة خاصة لحمله عبد الله بن أنيس ومن وافقه من الصحابة والتابعين
على العموم. (رواه مسلم) أى تلك الرواية وأخرجها أحمد (ج ٣ ص ٤٩٥) والبيهقى (ج ٤ ص ٣٠٩) أيضا
كلهم من رواية بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس.
١٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
٢١٠٨ - (٦) وعن زر بن حيش، قال: سألت أبي بن كعب فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول:
من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال رحمه الله: أراد أن لا يتكل الناس أما إنه قد علم أنها فى
رمضان، وأنها فى العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثنى أنها ليله سبع
وعشرين. فقلت: بأى شىء تقول ذلك: يا أبا المنذر! قال: بالعلامة - أو بالآية - التى أخبرنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنها
٢١٠٨ - قوله (وعن زر) بكسر الزاى وتشديد الراء (بن حبيش) بضم حاء مهملة وفتح موحدة
وسكون تحتية وبشين معجمة ابن حباشة بضم مهملة وخفة موحدة، واعجام شين الأسدى الكوفى أبو مريم ثقة
جليل مخضرم أدرك الجاهلية كان من أصحاب على وعبد الله بن مسعود. قال عاصم: كان زر من أعراب الناس
وكان عبد الله يسأله عن العربية. وقال ابن عبد البر: كان عالما بالقرآن قارئا فاضلا مات سنة إحدى أو اثنتين أو
ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة (سألت أبي بن كعب) أى أردت أن أسأله قاله الطبى أو
يفسره قوله (فقلت إن أخاك) أى فى الدين والصحبة (ابن مسعود) بدل أو بيان (من يقم الحول) أى جميع
ليالى السنة (يصب ليلة القدر) أى يدركها يقينا للابهام فى تبيينها والاختلاف فى تعيينها، أو لأنها تدور فى تمام
السنة، وهذا يؤيد الرواية المشهورة عن أبى حنيفة أذ قضيته أنها لا تختص برمضان ( فقال) أى أبى (رحمه الله)
دعاء لابن مسعود. وفى رواية يغفر الله له (أراد أن لا يتكل الناس) أى لا يعتمدوا على قول واحد، وإن كان
هو الصحيح الغالب على الظن الذى مبنى الفتوى عليه، فلا يقوموا الا فى تلك الليلة ويتركوا قيام سائر الليالى
فيفوت حكمة الابهام الذى نسى بسببها عليه الصلاة والسلام ( أما ) بالتخفيف للتنبيه ( أنه ) أى ابن مسعود
( قد علم أنها ) أى ليلة القدر (فى رمضان وإنها فى العشر الأواخر) وفى رواية لقد علم أنها فى العشر الأواخر
من رمضان ( ثم حلف ) أى أبي بن كعب بناء على غلبة الظن ( لا يستثنى) حال أى حلف حلفا جازما من غير
أن يقول عقيبه إن شاء الله تعالى. قال الطبى: هو قول الرجل إن شاء الله يقال حلف فلان يمينا ليس فيها ثى
ولا ثنو ولا ثنية ولا استثناء كلها واحد، وأصله من الثنى، وهو الكف والرد، وذلك إن الحالف اذا قال
والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره فقد رد انعقاد ذلك اليمين - انتهى. (انها) مفعول حلف أى حلف
إن ليلة القدر ( ليلة سبع وعشرين فقلت) أى لأبى بن كعب (بأى شىء) من الأدلة (تقول ذلك) أى القول
(يا أبا المنذر) كغية أبي بن كعب ( أو بالآية) كلسة ((أو)) للشك أى بالامارة (أنها) بفتح الهمزة ويحتمل
١٣١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
قطلع يومئذ لا شعاع لها . رواه مسلم.
٢١٠٩ - (٧) وعن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد فى العشر الأواخر
ما لا يجتهد فى غيره.
الكسر أى أن الشمس (تطلع يومئذ) أى يوم اذ تكون تلك الليلة ليلة القدر، وفى رواية تطلع الشمس فى صبيحة
يومها، وفى أخرى صبح ليلة القدر ( لا شعاع لها ) زاد فى رواية كأنها طست حتى ترتفع. قال القارى: هذا
دليل على أن علمه ظنى لا قطعى حيث بنى اجتهاده على هذا الاستدلال . قال ابن حجر: أى لا شعاع لها، وقد
رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين طلعت كذلك اذ لا يكون ذلك دليلا إلا بانضمامه إلى كلامه - انتهى. والشعاع،
بضم الشين . قال أهل اللغة: هو ما يرى من ضوء الشمس عند ذرورها أى طلوعها مثل الحبال ، والقضبان
مقبلة اليك اذا نظرت اليها ، وجمعه أشعة وشعع بضم الشين والعين أشعت الشمس نشرت شعاعها. قال القاضى
عياض : قيل معنى لا شعاع لها أنها علامة جعلها الله تعالى لها قال، وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة وترددها
فى ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سعرت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها
- انتهى. قيل فائدة كونه علامة مع أنه إنما يوجد بعد إنقضاء الليلة أن يشكر على حصول تلك النعمة إن قام
بخدمة الليلة وإلا فيتأسف على ما فاته من الكرامة ويتدارك فى السنة الآتية. وإنما لم يجعل علامة فى أول ليلها
إبقاء لها على إبهامها. وقد ورد لليلة القدر علامات أخرى أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضى ذكر ها العينى (ج١١
ص ٣٤) وغيره. وقال الحافظ: اختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا؟ فقيل: يرى كل شىء ساجدا،
وقيل يرى الأنوار فى كل مكان ساطعة حتى فى المواضع المظلمة. وقيل يسمع سلاما أو خطابا من الملائكة . وقيل
علامتها استجابة دعاء من وفقت له ، واختيار الطبرى إن جميع ذلك غير لازم ، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية
شىء ولا سماعه - انتهى. (رواه مسلم) فى أواخر الصلاة وفى الصوم، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ١٣٠
١٣١) والترمذى فى الصوم والتفسير، وأبو داود فى أواخر الصلاة والبيهقى (ج ٤ ص ٣١٢) وذكر صاحب
التنقيح النسائى وابن خزيمة وابن حبان وأبا عوانة وابن الجارود والطحاوى والدارقطنى والحميدى أيضا فيمن
أخرج هذا الحديث .
٢١٠٩ - قوله (يجتهد فى العشر الأواخر) قبل أى يبالغ فى طلب ليلة القدر فيها. قال القارى: والأظهر
أنه يجتهد فى زيادة الطاعة والعبادة يعنى يبالغ فى أنواع الخيرات وأصناف المبرات والعبادات. (ما لا يجتهد فى
غيره) أى فى غير العشير الأخير. فيه استحباب الاجتهاد فى العبادة والحرص على مداومة القيام فى العشر الأخير
١٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
رواه مسلم.
٢١١٠ - (٨) وعنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد ميزره،
وأحى ليله،
من رمضان ، اشارة الى تحسين الخاتمة وتجويدها (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى وابن ماجه،
والحديث ذكره الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٧٨) عزوا لمسلم بلفظ: قالت كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يجتهد فى رمضان ما لا يجتهد فى غيره، وفى العشر الآخر منه ما لا يجتهد في غيره ، ولم أجده بهذا
السياق فى صحيح مسلم، ورواه البيهقى (ج ٤ ص ٣١٤) بلفظ: كان يجتهد فى العشر الأواخر من رمضان
ما لا يجتهد فى غيرها .
٢١١٠ - قوله (إذا دخل العشر) وفى رواية البيهقى، اذا دخلت العشر الأواخر من رمضان. قال
الحافظ: قوله ((إذا دخل العشر)) أى الأخير وصرح به فى حديث على عند ابن أبى شيبة والبيهقى (شد مئزره)
ولمسلم و((شد المترز)) بكسر الميم وسكون الهزة أى أزاره كقولهم ملحقة ولحاف. قال فى التلويح ((المنزر»
والازار ، ما يأتزر به الرجل من أسفله وهو يذكر ويؤنث. واختلفوا فى معنى شد مئزره ، فقيل هو كناية عن
شدة جده واجتهاده فى العبادة زيادة على عادته صلى الله عليه وسلم فى غيره، ومعناه التشمير فى العبادة يقال شددت
لهذا الأمر متزرى أى تشمرت له وتفرغت. قال القسطلانى: وفى هذا نظر، فإنها قالت جد وشد المنزر فعطفت
شد المئزر على الجد، والعطف يقتضى التغاير، والصحيح أن المراد به اعتزاله للنساء للاشتغال بالعبادات، وبذلك.
فسره السلف والأئمة المتقدمون ، وجزم به الثورى واستشهد بقول الشاعر:
عن النساء ولو باتت بأطهار
قوم اذا حاربوا شدوا مآزرهم
ويحتمل أن يراد التشمير للعبادة والاعتزال عن النساء معا ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز كمن يقول طويل النجاد
لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحلله، واعتزل النساء وشمر للعبادة
قال الطيبي : قد تقرر عند علماء البيان إن الكناية لا تنافى ارادة الحقيقة كما اذا قلت فلان طويل النجاد، وأردت
طول تجاده مع طول قامته كذلك صلى الله عليه وسلم لا يستبعد أن يكون قد شد مئزره ظاهرا وتفرغ للعبادة
واشتغل بها عن غيرها - انتهى. قلت: وقع عند ابن أبى عاصم باسناد مقارب عن عائشة شد المئزر واجتنب
النساء، وفى حديث على المذكور شد منزره واعتزل النساء فعطفه بالواو، وهذا يقوى الاحتمال الأول (واحى
ليه) أى استغرقه بالسهر فى الصلاة وغيرها أو أحي معظمه لقولها فى الصحيح ما علمته قام أيلة حتى الصباح، وقوله
١٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧٠ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
وأيقظ أهله. متفق عليه.
﴿ الفصل الثانى )
٢١١١ - (٩) عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن علمت أى ليلة المة القدر،
ما أقول فيها: قال قولى: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى.
((أحيا ليله)) أى بالقيام والقراءة والذكر كأن الزمان الخالى عن العبادة بمنزلة الميت، وبالعبادة فيه يصير حيا.
قال القسطلانى: هو من باب الاستعارة شبه القيام فيه بالحياة فى حصول الانتفاع التام أى أحيا ليله بالطاعة.
أو أحيا نفسه بالسهر فيه، لأن النوم أخو الموت وإضافه الى الليل إنساعا لأن النائم اذاحيى باليقظة حى ليله بحياته
وهو نحو قوله لا تجعلوا بيوتكم قبورا أى لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور - انتهى. وقال
الطيبى فى أحياء الليل: وجهان. أحدهما: راجع الى نفس العابد، فان العابد اذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذى
هو بمنزلة الموت فكأنما أحيى نفسه كما قال تعالى: ﴿ اللّه يتوفى الأنفس حين موتها - الزمر: ٤٢) والتى لم تمت
فى منامها. وثانيهما: أنه راجع الى نفس الليل فان ليله لما صار بمنزلة نهاره فى القيام فيه كان أحياه وزيته
بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿ فانظر الى آثار رحمة الله كيف يحمى الأرض بعد موتها - الروم: ٥٠)
فمن اجتهد فيه وأحياه كله وفر نصيبه منها ، ومن قام فى بعضه أخذ نصيبه بقدر ما قام منها ( وأيقظ أهله ) أى
الصلاة والعبادة. وإنما خص بذلك ◌َ التّ آخر رمضان لقرب خروج وقت العبادة فيجتهد فيه لأنه خاتمة العمل،
والأعمال بخواتيمها. وروى الترمذى ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم
اذا بقى من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه (متفق عليه) واللفظ للبخارى وأخرجه
أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ٣١٣).
٢١١١ - قوله (أرأيت) أى أخبرنى (إن علمت) جوابه محذوف يدل عليه ما قبله (أى ليلة) مبتدأ خبره
(ليلة القدر) والجملة سدت مسد المفعولين لعلمت تعليقا. قيل: القياس أية ليلة فذكر باعتبار الزمان كما ذكر فى قوله
صلى الله عليه وسلم أى آية من كتاب الله معك أعظم باعتبار الكلام واللفظ (ما أقول) متعلق بأرأيت ( فيها )
أى فى تلك الليلة. وقال الطيبي: ما أقول فيها جواب الشرط وكان حق الجواب أن يؤتى بالفاء، ولعله سقط
من قلم الناسخ وتعقب عليه القارى بأن دعوى السقوط من قلم الناسخ ليست بصحيحة. وقد جاء حذف الفاء على
القلة (إنك عفو) بفتح العين المهملة وضم الفاء، وتشديد الواو صيغة مبالغة أى كثير العفو (تحب العفو) أى
ظهور هذه الصفة (فاعف عنى) فانى كثير التقصير وأنت أولى بالعفو الكثير، وفيه دليل على استحباب الدعاء فى
١٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
رواه أحمد، وابن ماجه والترمذى وحمصحه .
٢١١٢ -- (١٠) وعن أبى بكرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: التمسوها - ينى
ليلة القدر - فى تسع بقين، أو فى سبع بيقين، أو فى خمس يبقين، أو ثلاث، أو آخر ليلة . رواه
الترمذى.
٢١١٣ - (١١) وعن ابن عمر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، فقال:
« هی فی كل رمضان)).
هذه الليلة بهذه الكلمات (رواه أحمد وابن ماجه والترمذى) فى الدعوات وأخرجه أيضا النسائى فى الكبرى
والحاكم (ج ١ ص ٥٣٠) والبزار وفى رواية أحمد وابن ماجه والحاكم إن وافقت ليلة القدر (وصححه) أى
الترمذى . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .
٢١١٢ - قوله (التمسوها يعنى ليلة القدر) تفسير للضمير من الراوى (فى تسع) أى تسع ليال (يبقين)
بفتح الياء والقاف وهى التاسعة والعشرون (أو فى سبع يبقين) وهى السابعة والعشرون (أو فى خمس بيقين) وهى
الخامسة والعشرون (أو ثلاث) أى يبقين وهى الثالثة والعشرون (أو آخر ليلة) من رمضان أى سلخ الشهر.
قال الطيبي: يحتمل التسع أو السلخ، رجحنا الأول بقرينة الأوتار كذا فى المرقاة . وقال فى اللعات: قيل: قوله
فى ((تسع يبقين)) محمول على الثانية والعشرين، وفى سبع يبقين محمول على الرابعة والعشرين، وفى خمس ببقين على
السادسة والعشرين وأو ثلاث على الثامن والعشرين وأو آخر ليلة محمول على التاسع والعشرين. وقيل: على السلخ
أقول هذا اذا كان الشهر ثلاثين يوما. وأما اذا كان تسعا وعشرين فالأولى على الحادية والعشرين، والثانية على
الثالثة والعشرين، والثالثة على الخامسة والعشرين، والرابعة على السابعة والعشرين، وهذا أولى لكثرة الأحاديث
الواردة فى الأوتار، بل نقول لادليل على كونها أولى هذه الاعداد، فالظاهر أن المراد من كونها فى تسع يبقين
الخ . ترديد ما فى الليالى الخمس أو الأربع أو الثلاث أو الاثنين أو الواحدة - انتهى ما فى اللغات. (رواه الترمذى)
وصححه وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٣٦ - ٣٩) والحاكم (ج ١ ص ٤٣٨) وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه ..
الطبرانى فى الكبير وأحمد من حديث عبادة بن الصامت (ج ٥ ص ٣١٨ - ٣٢١ - ٣٢٤).
٢١١٣ - قوله (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر) أى هى فى كل السنة أوفى رمضان
خاصة أو أ هى فى كل رمضان أو فى هذا بخصوصه. قال القارى: ويؤيده (فقال هى فى كل رمضان) قال ابن
١٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧٠ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
رواه أبو داود، وقال: رواه سفيان وشعبة، عن أبى اسحاق موقوفا على ابن عمر.
الملك أى ليست مختصة بالعشر الأواخر بل كل ليلة من رمضان، يمكن أن يكون ليلة القدر، ولهذا لو قال أحد
لامرأته فى نصف رمضان أو أقل أنت طالق فى ليلة القدر لا تطلق حتى يأتى رمضان السنة القابلة فتطلق فى الليلة التى
علق فيها الطلاق - انتهى. قال القارى: وكان حقه أن يصور المسئلة بقوله فى رمضان فقط أو يزيد بعد قوله
أو أقل قوله أو أكثر، ثم هذا التفريع مسئلة خلافية فى المذهب كما تقدم تحقيقه (فى أول الباب) وليس أصل
الحديث نصا فى المقصود للاحتمالات المتقدمة. وللاختلاف فى رفع الحديث ووقفه. قال الطيبي: الحديث يحتمل
وجهين . أحدهما أنها واقعة فى كل رمضان من الأعوام فتختص به ، فلا تتعدى إلى سائر الشهور. وثانيهما: أنها
واقعة فى كل أيام رمضان فلا تختص بالبعض الذى هو العشر الأخير، لأن البعض فى مقابلة الكل فلا ينافى وقوعها
فى سائر الأشهر اللهم إلا أن يختص بدليل خارجى، ويتفرع على الوجه الثانى ما اذا علق الطلاق بدخول ليلة القدر
فى الليلة الثانية من شهر رمضان، فما دونها إلى السلخ فلا يقع الطلاق إلا فى السنة القابلة فى ذلك الوقت الذى علق
الطلاق فيه ، بخلاف غرة الليلة الأولى، فان الطلاق يقع فى السلخ كذا فى المرقاة. قلت: استدل بهذا الحديث
لما روى عن أبى حنيفة من أن ليلة القدر ممكنة فى جميع ليالى رمضان، لكن الحديث ليس بنص فى ذلك كما قال
القارى مع أنه اختلف فى رفعه ووقفه، ولو كان الموقوف مرويا بهذا اللفظ لم يكن نصا أيضا، والراجح عندى:
هو الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما الطبى فى معنى الحديث لكثرة الأحاديث الصحيحة الصريحة فى كونها
مختصة بالعشر الأواخر من رمضان، وتأويل ابن الهام لهذه الأحاديث بأن المراد فى ذلك رمضان الذى كان
عليه الصلاة والسلام التسمها فيه بعيد جدا ، بل هو باطل ، لأنه لا دليل على ذلك. وليس فى سياقاتها ما يدل على
ذلك. كما لا يخفى على من تأمل طرقها والفاظها، ولم أر حديثا مرفوعا صحيحا أو ضعيفا صريحا فى ما روى عن
أبى حنيفة من إمكانها فى جميع ليالى رمضان، ولافيما هو المشهور عنه من إمكانها فى جميع السنة (رواه أبو داود)
أى مرفوعا وكذا البيهقى (ج ٤ ص ٣٠٧) كلاهما من طريق موسى بن عقبة عن أبى اسحاق السبيعى الهمدانى عن
سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر (وقال) أى أبو داود وكذا البيهقى (رواه سفيان) أى ابن عيينة أو الثورى
(وشعبة) أى ابن الحجاج بن الورد العتكى مولاهم أبو بسطام الواسطى ثم البصرى ثقة حافظ متقن ، كان الثورى
يقول هو أمير المؤمنين فى الحديث ، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدا مات
سنه (١٦٠) (عن أبى اسحاق) اسمه عمرو بن عبد الله السبيعى الكوفى، والسبيع بفتح المهملة وكسر الموحدة من
هدأن، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان مكثر ثقة عابد من أوساط التابعين اختلط بآخره. وقال ابن حبان:
كان مدلا، وكذا ذكره فى المداسين حسين الكرابى، وأبو جعفر الطبرى والجوزجانى مات سنة (١٢٩)
١٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
٢١١٤ - (١٢) وعن عبد الله بن أنيس، قال: قلت: يا رسول الله! إن لى بادية أكون فيها، وأنا
أصلى فيها بحمد الله، فمرفى بليلة أنزلها إلى هذه المسجد. فقال: أنزل ليلة ثلاث وعشرين. قيل:
لايته: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد اذا صلى العصر، فلا يخرج منه لحاجة
وقيل: قبل ذلك قال المصنف: رأى عليا وابن عباس وغيرهما من الصحابة، وسمع البراء بن عازب وزيد بن أرقم
روى عنه الأعمش والثورى وشعبة وهو تابعى مشهور كثير الرواية (موقوفا على ابن عمر) أى من قوله ولم يرفعاه
إلى النبى مَفّة، وأشار أبو داود، وكذا البيهقى بهذا الكلام إلى ترجيح وقفه، وهذا الموقوف رواه ابن أبى شيبة
قال الحافظ فى الفتح : باسناد صحيح.
٢١١٤ - قوله (وعن عبد الله بن أنيس) بالتصغير مخففا (إن لى بادية أكون) أى ساكنا ( فيها) قال
ميرك: المراد بالبادية دار إقامة بها، فقوله إن لى بادية أى إن لى دارا ببادية أو بيتا أو خيمة هناك، واسم تلك
البادية الوطاءة كذا فى المرقاة (وأنا أصلى فيها بحمد الله) أى ولكن أريد إن اعتكف أو أريد إن أدرك ليلة القدر
(فمرنى) أمر من أمر مخففا (بليلة) زاد فى المصابيح من هذا الشهر يعنى شهر رمضان (أنزلها) بالرفع على
أنه صفة. وقيل: بالجزم على جواب الأمر أى أنزل تلك الليلة من النزول بمعنى الحلول . وقال الطيبي: أى أنزل
فيها قاصدا أو منتهيا (إلى هذا المسجد) إشارة إلى المسجد النبوى وقصد الى حيازة فضياتى الزمان والمكان (أنزل
ليلة ثلاث وعشرين) فتدرك ليلة القدر، وقد سبق منا إن الظاهر أن هذا الأمر كان لتلك السنة خاصة لكنه
رضى الله عنه حمله على العموم (قيل لابنه) أى ضمرة وقيل عمرو. قال الحافظ فى التقريب وتهذيب التهذيب:
ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه فى التماس ليلة القدر هو ضمرة، وقيل عمرو. وقال فى الاصابة فى القسم الرابع من
حرف الجيم فى ترجمة جحش الجهنى بعد الاشارة إلى هذا الحديث ما لفظه وابن عبد الله اسمه ضمرة سماه الزهرى
فى روايته لهذا الحديث. وقال فى ترجمة ضمرة هذا من تهذيبه ذكره ابن حبان فى الثقات أخرج له أبو داود
والنسائى حديثا واحدا فى ذكر ليلة القدر. وقال فى التقريب فى ترجمة ضمرة وعمرو: كليهما مقبول من أوساط
التابعين والقائل له هو محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى التابعى الثقة شيخ محمد بن إسحاق صاحب المغازى
(كيف ) فى سنن أبى داود فكيف وكذا عند البيهقى ( كان أبوك) أى عبد الله بن أنيس (يصنع) أى فى
نزوله (إذا صلى العصر) أى يوم الثانى والعشرين من رمضان (فلا يخرج منه لحاجة) أى من الحاجات الدنيوية
اغتناما للخيرات الأخروية أو لحاجة غير ضرورية. قال الطيبي: كذا فى سنن أبي داود وجامع الأصول، وفى
شرح السنة والمصابيح فلم يخرج إلا فى حاجة والتفكير فى حاجة للتنويع فعلى الأول لا يخرج لحاجة منافية للاعتكاف
١٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
حتى يصلى الصبح، فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد، فجلس عليها ولحق بياديته. رواه أبو داود.
( الفصل الثالث )؟
٢١١٥ - (١٣) عن عبادة بن الصامت، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى
كما سيجىء فى باب الاعتكاف فى حديث عائشة، وعلى الثانى فلا يخرج إلا فى حاجة يضطر اليها المعتكف - انتهى.
( حتى يصلى الصبح) يشير إلى أنها ليلة القدر (ولحق ) فى سنن أبي داود والبيهقى فلحق. وقد روى مالك عن
أبى النضر مولى عمر بن عبيد الله إن عبد الله بن أنيس الجهنى قال لرسول اللّه مز الله يا رسول الله! إنى رجل شاشع
الدار فمرنى ليلة أنزل لها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان. قال ابن
عبد البر: يقال ليلة الجهنى معروفة بالمدينة ليلة ثلاث وعشرين وحديثه، هذا مشهور عند عامتهم وخاصتهم.
وروى ابن جريج هذا الخبر لعبد الله بن أنيس. وقال فى آخره فكان الجهنى يمسى تلك الليلة يعنى ليلة ثلاث وعشرين
فى المسجد فلا يخرج منه حتى يصبح ولا يشهد شيئا من رمضان قبلها ولا بعدها ولا يوم الفطر - انتهى. وقد
ذهب إلى كون ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين جماعة من الصحابة والتابعين . قال الحافظ: روى ابن أبى شيبة
إسناد صحيح من معاوية، قال: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، ورواه إسحاق فى مسنده من طريق أبى حازم عن
رجل من بنى بياضة له صحبة مرفوعا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعا من
كان متحريها فليتحرها ليلة سابعة قال، وكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ، ويمس الطيب وعن ابن جريج
عن عبيد الله بن أبى يزيد عن ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين، وروى عبد الرزاق من طريق
يونس بن سيف سمع سعيد بن المسيب يقول: استقام قور القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين ومن طريق إبراهيم
عن الأسود عن عائشة ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين - انتهى. (رواه أبو داود) وكذا
البيهقى (ج ٤ ص ٣١٠،٣٠٩) كلاهما من طريق محمد بن اسحاق حدثنى محمد بن ابراهيم عن ابن عبد الله بن أنيس
الجهنى عن أبيه. وقد صرح محمد بن إسحاق بالتحديث حديثه هذا صحيح، ورواه أيضا الطبرانى فى الكبير لكه
قال عن عبد الله بن جحش عن أبيه. قال الحافظ فى الاصابة: (ج ١ ص ٢٦٧) هو خطأ سقط عن الاسناد
ابن وابدل جحش بأنيس - انتهى. ورواه البيهقى (ج ٤ ص ٣٠٩) أيضا من طريق عبد الرحمن بن كعب بن
مالك عن عبد الله بن أنيس ، وأصل هذا الحديث فى مسلم من طريق بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس كما تقدم
فى الفصل الأول وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس كما فى مجمع الزوائد ( ج ٣ ص ١٧٦).
٢١١٥ - قوله (خرج النبي زاز) أى من حجرته (ليخبرنا) بنصب الراء بأن مقدرة بعد لام التعليل
(بليلة القدر) أى بتعيينها (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة أى تنازع وتخاصم، وفى حديث أبى سعيد عند مسلم بناء
١٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
رجلان من المسلين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن
يكون خيرا لكم،
رجلان يختصمان معهما الشيطان، ونحوه فى حديث الفلتان عند ابن اسحاق، وزاد أنه لقيهما عند سدة المسجد فجز
بينهما فاتفقت هذه الأحاديث على سبب النسيان، وروى مسلم أيضا عن أبى هريرة أن رسول الله مَ فع قال: أريت
ليلة القدر ثم أيقظنى بعض أهلى فنسيتها ، وهذا سبب آخر. فأما أن يحمل على التعدد بأن تكون الرؤيا فى حديث
أبى هريرة مناما فيكون سبب النسيان الايقاظ وأن تكون الرؤية فى حديث غيره فى اليقظة فيكون سبب النسيان
ما ذكر من المخاصمة، أو يحمل على اتحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين عن سبين، ويحتمل أن يكون المعنى
أيقظنى بعض أهلى فسمعت تلاحى الرجلين فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بها . وقد روى عبد الرزاق من
مرسل سعيد بن المسيب أنه مَّم قال: ألا أخبر بليلة القدر قالوا: بلى فسكت ساعة ثم قال لقد قلت لكم وأنا أعلم
ثم أنسيتها فلم يذكر سبب النسيان وهو ما يقوى الحمل على التعدد - انتهى كلام الحافظ. (رجلان) قيل: هما عبد الله
ابن أبى حدرد ، وكعب بن مالك أى وقعت بينهما منازعة ومخاصمة ، والظاهر إنها التى كانت فى الدين الذى الأول
على الثانى فأمره عليه الصلاة والسلام بوضع شطر دينه عنه فوضعه ذكره ابن حجر. وقال الحافظ : قيل الرجلان
هما عبد الله بن أبى حدود وكعب بن مالك ذكره ابن دحية ولم يذكر له مستندا (فرفعت) بصيغة المجهول ، أى
رفع بيانها أو علمها من قلبى فنسيت تعبينها للاشتغال بالمتخاصمين . وقيل: المعنى رفعت بركتها فى تلك السنة.
وقيل: التاء فى رفعت الملائكة لا لليلة. وقال الطبى قال بعضهم: رفعت أى معرفتها لتلاحى الناس، والحامل له
على ذلك إن رفعها مسبوق بوقوعها وحصولها فاذا حصلت لم يكن لرفعها معنى قال ، ويمكن أن يقال المراد برفعها
إنها شرعت أن تقع فلما تخاصما رفعت بعد فنزل الشروع منزلة الوقوع وأذا تقرر أن الذى ارتفع على تعيينها تلك
السنة فهل أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بتعيينها فيه إحتمال. وقد روى عن ابن عيينة أنه أعلم وروى
محمد بن نصر من طريق وهب المغافرى أنه سأل زينب بنت أم سلمة هل كان رسول الله موقع يعلم ليلة القدر
فقالت لا، لوعلبها لما أقام الناس غيرها. قال الحافظ: وهذا قالته احتمالا وليس يلازم لاحتمال أن يكون التعبد
وقع بذلك أيضا فيحصل الاجتهاد فى جميع العشر كما تقدم ، وقال العينى: الذى قالته زينب إنما قالته احتمالا وهذا
لا ينافى علمه بذلك، واستنبط السبكى الكبير من هذه القصة استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها لأن اللّه قدر
لنبيه أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدره له فيستحب اتباعه فى ذلك ــ انتهى. قال الباجى: قد يذنب البعض فتتعدى
عقوبته إلى غيره فيجزى به من لاسبب له فى الدنيا وأما فى الآخرة ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى - الإسراء: ١٠)
انتهى. وقد روى فى هذا أحاديث كثير لا تخفى على طالب الحديث (وعسى أن يكون) أى رفع تعيينها (خيرا لكم)
١٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٨ - باب ليلة القدر
فالتمسوما فى التاسعة، والسابعة، والخامسة، رواه البخارى.
٢١١٦ - (١٤) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان ليلة القدر نزل
جبريل عليه السلام فى كبكبة من الملائكة، يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل،
فاذا کان یوم عيدهم ۔ یعنی یوم فطرهم - باهى بهم ملائكته،
حيث يحتكم على الاجتهاد فى جميع ليالى العشر الأواخر. قال ابن بطال: يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير
من العمل هو خير من هذه الجهة. وقال ابن التين: لعله يريد أنه لو أخبرهم بعينها لأقلوا من العمل فى غيرها
وأكثروه فيها، واذا غيبت عنهم أكثروا العمل فى سائر الليالى رجاء موافقتها. وقال الحافظ: أمى وإن كان
عدم الرفع أزيد خيراً وأولى منه لأنه متحقق فيه لكن فى الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد الثواب لكونه سيا
لزيادة الاجتهاد فى التماسها، وإنما حصل ذلك ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم (فالتمسوها) أى أطلبوا ليلة القدر
(فى التاسعة) أى الباقية وهى التاسعة والعشرون. وقال ابن حجر: أى فى التاسعة من آخر الشهر، وهى الليلة
الحادية والعشرون (والسابعة والخامسة) على ما تقدم. وقال الحافظ: يحتمل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلة من
العشر الأخير فتكون ليلة تسع وعشرين، ويحتمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر فتكون ليلة إحدى أو
اثنين بحسب تمام الشهر ونقصانه، ويرجح الأول قوله فى الرواية الماضية فى كتاب الإيمان. بلفظ: التمسوها فى
التسع والسبع والخمس أى فى تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين، وفى رواية لأحمد (ج ٥ ص ٣١٩)
فى تاسعة تبقى - انتهى. (رواه البخارى) فى الصوم وفى الايمان وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٣١٩٠٣١٣)
والدارمى والبيهقى (ج ٤ ص ٣١١) كلهم من رواية حميد عن أنس عن عبادة، ورواه مالك فقال عن حميد عن
أنس قال خرج علينا، ولم يقل عن عبادة تجعل الحديث من مسند أنس، قال ابن عبد البر والصواب إثبات عبادة
وإن الحديث من مسنده .
٢١١٦ - قوله (اذا كان ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام فى كبكبة) بضمتين. وقيل بفتحتين جماعة متضامة
من الناس وغيرهم على ما فى النهاية (من الملائكة) فيه اشاره إلى قوله تعالى: (تنزل الملائكة والروح - القدر: ٤)
وإيماء إلى تفسير الروح بجبريل فيكون من باب التخصيص المشعر بتعظيمه (يصلون على كل عبد) أى يدعون لكل
عبد بالمغفرة أو يثنون على كل عبد بالثناء الجميل ( قائم) كمصل وطائف وغيرهما ( أو قاعد يذكر الله عز وجل)
صفة لكل (يعنى يوم فطرهم) إحتراز من عيد الأضحى (باهى ) أى اللّه تعالى (بهم ملائكته) فى النهاية، المباهاة
١٤٠