النص المفهرس

صفحات 21-40

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
رواه مسلم .
(٥) باب القضاء
( الفصل الأول )
٢٠٥٠ - (١) عن عائشة، قالت: كان يكون علىّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضى إلا فى
شعبان. قال يحيى بن سعيد: تعنى الشغل من النبى أو بالنبى صلى الله عليه وسلم.
جناح، ولا يدل على أن الصوم ليس بحسن وقد وصفهما معاً فى الآخر بالحسن . وإنما لم يدل على أن الصوم ليس
بحسن لأن نفى الجناح أعم من الوجوب والندب والاباحة والكراهة (رواه مسلم) من طريق عروة بن الزبير
عن أبى مرواح عن حمزة، وأخرجه أيضاً النسائى والدار قطنى (ص ٢٤٢) والطحاوى ( ج ١ ص ٤٣٣)
والبيهقى (ج ٤ ص ٢٤٣).
(باب القضاء) أى حكمه وآدابه .
٢٠٠٠ - قوله (قالت كان) أى الشأن (يكون على) بتشديد التحتانية (الصوم) أى قضاءه (من رمضان)
تريد أياما من رمضان فانتها بحيض أو مرض أو غير ذلك من الاعذار المبيحة للفطر، وتكرير الكون لتحقيق
القضية وتعظيمها، والتقدير كان الشأن يكون كذا، والتعبير بلفظ الماضى أولا . والمضارع ثانيا . لارادة
الاستمرار وتكرار الفعل قاله القسطلانى: وقيل: لفظة ((يكون)) زائدة كما قال الشاعر:
وجيران لنا كانوا كرام
وقال الطيبي: ((الصوم)) اسم كان وعلىّ خبره ويكون زائدة (فما أستطيع) أى ما أقدر (أن أقضى) أى ما فاتنى
من رمضان (إلا فى شعبان قال يحيى بن سعيد) أى الراوى المذكور فى سند هذا الحديث، وهو يحيى بن سعيد
الأنصارى نص عليه الحافظ المزى عند ذكر هذا الحديث . وقال الحافظ: هو يحيى بن سعيد الأنصارى ولا جائز
أن يكون يحي بن سعيد القطان، لأنه لم يدرك أبا سلمة بن عبد الرحمان ، وليست لزهير بن معاوية عنه رواية،
وإنما هو يروى عن زهير (تعنى الشغل) كذا فى أكثر النسخ بزيادة كلمة تعنى، وهكذا وقع فى المصابيح، والشغل
بضم الأولى وسكون الثانية مرفوع على أنه فاعل فعل محذوف أى قال يحيى تريد عائشة يمنعنى الشغل أو أوجب
ذلك الشغل ووقع فى نسخة القارى. قال يحيى بن سعيد: الشغل أى باسقاط كلمة ((تعنى)) وكذا نقله الجزرى فى
جامع الأصول وهكذا وقع فى البخارى. قال الحافظ: قوله ((الشغل)) هو خبر مبتدأ محذوف تقديره المانع لها
هو الشغل أو هو مبتدأ محذوف الخبر تقديره الشغل هو المانع (من النبى) أى من أجله (أو بالنبى (مَ ◌ّة) قال
٢١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
القارى: ((من)) للتعليل أى لأجله والباء السببية، وأو الشك من أحد الرواة عن يحيى على ما هو الظاهر، ويمكن
أن يكون للتنويع. والشغل مبتدأ والتقدير الشغل المانع لقضاء الصوم كان ثابتاً من جهته، أو اشتغالها بخدمته ما فيه
هو المانع من القضاء ـ انتهى. والمراد من الشغل إنها كانت مهيئة نفسها لرسول الله مترصدة لاستمتاعه فى جميع
أوقانها إن أراد ذلك ولا تعلم متى يريده. وأما فى شعبان فانه صلى الله عليه وسلم كان يصومه فتفرغ عائشة فيه
لقضاء صومها، وفى هذا التعليل إشكال كما ستعرف. قال الحافظ: وفى قوله ((قال يحمي، الخ تفصيل الكلام عائشة
من كلام غيرما أى فيه بيان من البخارى إن هذا ليس من قول عائشة. بل مدرج من قول غيرها، ووقع فى رواية
أحمد بن يونس عند مسلم مدرجا لم يقل فيه. قال يحيى: فصار كأنه من كلام عائشة أو من روى عنها. وأخرجه
مسلم من طريق سليمان بن بلال عن يحيى مدرجا أيضا ولفظه، وذلك لمكان رسول الله عزّمه، وأخرجه من طريق
ابن جريج عن يحي فبين إدراجه، ولفظه فظننت إن ذلك لمكانها من رسول اللّه مَ ثل يحيى بقوله. وأخرجه
أبو داود من طريق مالك، والنسائى من طريق يحيى القطان وسعيد بن منصور عن ابن شهاب وسفيان كلهم عن
يحي بدون هذه الزيادة. وأخرجه مسلم من طريق محمد بن ابراهيم التيمى عن أبى سلمة بدون الزيادة لكن فيه
ما يشعر بها فان لفظه قالت: إن كانت إحدانا لتفطر فى زمان رسول اللّه ◌َيه فاققدر على أن تقضيه مع رسول الله
مَّ حتى يأتى شعبان. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالمعية الزمان أى إن ذلك كان خاصا بزمانه،
والترمذى وابن خزيمة من طريق عبد الله البهى عن عائشة ما كنت أقضى ما يكون على من رمضان إلا فى شعبان
حتى قبض رسول الله ◌َّم - انتهى. قلت قد اعترض على التعليل المذكور. فقال ابن عبد البر: هذا التعليل
ليس بشىء لأن شغل سائر أزواجه كشغلها أو قريب منه لأنه أعدل الناس حتى قال أللهم هذا قسمى فيما أملك
فلاتلنى فيما لا أملك وإنما أخرت ذلك للرخصة والتوسعة. وقال فى اللامع: قد كان ◌َّه له تسع نسوة يقسم لهن
ويعدل فما تأتى نوبة الواحدة إلا بعد ثمانية أيام فكان يمكنها أن تقضى فى تلك الأيام. وأجاب عنه القرطبى
بأن القسم لم يكن واجبا عليه فهن يتوقعن حاجته فى كل الأوقات - انتهى. قال القسطلانى: والصحيح عند
الشافعية وجوبه عليه فيحتمل أن يقال كانت لا تصوم إلا بإذنه ، ولم يكن يأذن لاحتمال إحتياجه اليها فإذا ضاق
الوقت أذن لها - انتهى. وقيل إن القسم إنما هو فى المبيت فى الليل دون النهار. وقال الحافظ: ومما يدل على
ضعف الزيادة المذكورة إنه مرثم كان يقسم لنساء، فيعدل، وكان يدنو من المرأة فى غير نوبتها فيقبل ويلمس من
غير جماع ، فليس فى شغلها بشىء من ذلك ما يمنع الصوم، اللهم إلا أن يقال أنها كانت لا قصوم إلا بإذنه ولم يكن
أذن لاحتمال إحتياجه اليها، فاذا ضاق الوقت أذن لها، وكان هو رؤية يكثر الصوم فى شعبان فلذلك كانت
٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
لا يتهيأ لها القضاء إلا فى شعبان - انتهى. وقال النووى: كانت كل واحدة منهن مهيأة نفسها لرسول اللّه مرة
مترصدة لاستمتاعه فى جميع أوقاتها إن أراد ذلك، ولا تدرى متى تريده ولا تستأذنه فى الصوم مخافة أن يأذن ،
وقد يكون له حاجة فيها فيفوتها عليه، وهذا من الأدب، وإنما كانت تصومه فى شعبان لأن النبي ◌ُوفّه كان يصوم
معظم شعبان ، فلا حاجة له فيهن حينئذ فى النهار ، ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فانه لا يجوز
تأخيره عنه - انتهى. وقال الباجى: والظاهر أنه ليس للزوج جبر المرأة على تأخير القضاء إلى شعبان إلا باختيارها
لأن لها حقا فى إبراء ذمتها من الفرض الذى لزمها، وأما التنفل فان له منعها لحاجة اليها لحديث أبى هريرة لا يحل
للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا باذنه. وفى الحديث حجة للجمهور إن القضاء لا يجب على الفور اذ لو منع
التأخير لم يقرها عَ لَه، فعم يندب التعجيل لأن المبادرة إلى الطاعة والمسارعة إلى الخير أولى. وأوجب داود
القضاء من ثانى شوال فإن أخره أثم. وحديث عائشة يرد عليه . وقال الشوكانى: فى الحديث دلالة على جواز
تأخير قضاء رمضان مطلقا، سواء كان لعذر أو لغير عذر، لأن الزيادة المذكورة مدرجة، ولكن الظاهر إطلاع
النبى وَّ على ذلك لاسيما مع توفر دواعى أزواجه الى سؤاله عن الأحكام الشرعية فيكون ذلك أعنى جواز
التأخير مقيدا بالعذر المُسَوّغ لذلك. قلت: واحتج الجمهور أيضا بقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر -
البقرة: ١٨٥ ) فانه أمر بالقضاء مطلقا عن وقت معين فلا يجوز تقييده بعض الأوقات إلا بدليل فيكون وجوب
القضاء موسعا على التراخى لا على الفور. ويؤخذ من حرص عائشة على القضاء فى شعبان أنه لا يجوز تأخير
القضاء حتى يدخل رمضان آخرفان دخل فالقضاء واجب أيضا فلا يسقط. وأما الاطعام فليس له فى الحديث ذكر
لابالنفى ولا بالاثبات. واختلف العلماء فيه، فذهب الجمهور مالك والشافعى وأحمد إلى وجوب الإطعام مع القضاء.
وروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعمر، ونقل الطحاوى عن يحيى بن أكثم قال وجدته عن ستة من الصحابة
لا أعلم لهم فيه مخالفا - انتهى. وخالف فى ذلك إبراهيم النخعى وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوى إلى قول
الجمهور فى ذلك ، ومال البخارى إلى أنه يقضى ولا كفارة عليه حيث قال بعد ذكر قول أبى هريرة وابن عباس
فى الاطعام ما لفظه ولم يذكر الله الاطعام، إنما قال: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ أى وسكت عن الاطعام وهو
الفدية لتأخير القضاء ولم يثبت فيه شىء مرفوع. وفى الحديث إن حق الزوج من العشرة والخدمة يقدم على
سائر الحقوق ما لم يكن فرضا محصورا فى الوقت . وقيل: قول عائشة فما أستطيع أن أفضى إلا فى شعبان يدل على
أنها كانت لا تتطوع بشىء من الصيام لا فى عشر ذي الحجة ولا فى عاشوراء ولا فى غيرهما، وهو مبنى على أنها
كانت لاترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ولكن من أين ذلك لمن يقول به. والحديث ساكت
٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
متفق عليه .
٢٠٥١ - (٢) وعن أبى هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل للمرأة أن تصوم
وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن
عن هذا (متفق عليه) واللفظ للبخارى، وأخرجه أيضا أحمد ومالك والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه
والبيهقى وابن خزيمة .
٢٠٥١ - قوله (لا يحل للمرأة) أى المزوجة (أن تصوم) أى نفلا أو واجبا على التراخى قاله القسطلانى
وخصه البخارى بالتطوع وكأنه تلقاه من رواية الحسن بن على عن عبد الرزاق، فإن فيها لا تصوم المرأة غير
رمضان. وأخرج الطبرانى من حديث ابن عباس مرفوعا فى أثناء حديث، ومن حق الزوج على زوجته أن لا تصوم
قطوعا إلا بإذنه. فإن فعلت لم يقبل منها (وزوجها شاهد) أى حاضر عندها مقيم فى بادها وفى رواية وبعلمها شاهد
قال الحافظ: رواية بعلها أفيد، لأن ابن حزم نقل عن أهل اللغة أن البعل اسم لازوج والسيد، فان ثبت وإلا الحق
السيد بالزوج للاشتراك فى المعنى يعنى يلتحق به السيد بالنسبة لأمته التى يحل له وطيها (إلا بإذنه) أى تصريحا
أو تلويحا ، فيه دليل على تحريم الصوم المذكور عليها، وهو قول الجمهور. قال النوى: وسبب هذا التحريم إن
الزوج حق الاستمتاع بها فى كل الأيام وحقه فيه واجب على الفور فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخى ،
فان قيل فينبغى أن يجوز لها الصوم بغير إذنه فان أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها، فالجواب إن
صومها يمنعه من الاستمتاع فى العادة فإن المسلم يهاب إنتهاك الصوم بالافساد ، ولاشك أن الأولى له خلاف
ذلك إن لم يثبت دليل كرامة، نعم لوكان مسافرا فمفهوم الحديث فى تقييده بالشاهد يقتضى جواز التطوع لها، اذا
كان زوجها مسافرا، لأنه لا يتأتى منه الاستمتاع اذا لم تكن معه وفى معنى الغيبة أن يكون مريضا بحيث لا يستطيع
الجماع. قال القارى: ظاهر الحديث اطلاق منع صوم النفل فهوحجة على الشافعية فى إستثناء نحو عرفة وعاشوراء.
قال شيخنا: الأمر كما قال القارى : وإنما لم يلحق بالصوم صلاة التطوع لقصر زمنها وفى معنى الصوم الاعتكاف
لاسيما على القول بأن الاعتكاف لا يصح بدون الصوم، قال ولا يبعد أن يحمل قوله ((لا يحل على معنى)) لا ينبغى
أن قصوم قضاء رمضان أو قضاء صوم النفل اذا كان الوقت متسعا ليكون مناسبا لعنوان الباب - انتهى . قلت:
عدم حل الصوم ظاهر فى حرمته وهو يشمل ابتداء الصوم وقضاءه ، فلا يجوز لها صوم النفل ولا قضاء الواجب
اذا كان الوقت متسعا إلا بإذن زوجها ، وفى الحديث إن حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير لأن حقه
واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع. (ولا تأذن) قال القارى: بالنصب فى النسخ المصححة عطفا
٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
فى بيته إلا بإذنه. رواه مسلم .
٢٠٥٢- (٣) وعن معاذة العدوية، إنها قالت لعائشة: مابال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة؟
على تصوم أى ولا يحل لها أن تأذن أحدا من الأجانب أو الأقارب حتى النساء ولا مزيدة للتأكيد . وقال
ابن حجر: يصح رفعه خبرا يراد به النهى وجزمه على النهى (فى بيته) أى دخول بيته والمراد بيت زوجها مسكنه
سواء كان ملكه أو،لا (إلا بإذنه) وفى معناه العلم برضاه، وفى رواية مسلم وهو شاهد إلا بإذنه. قال الحافظ:
هذا القيد لا مفهوم له بل خرج مخرج الغالب وإلا فغية الزوج لا تقتضى الاباحة المرأة أن تأذن لمن يدخل بيته،
بل يتأكد حينئذ عليها المنع لثبوت الأحاديث الواردة فى النهى عن الدخول على المغيبات، أى من غاب عنها زوجها.
ويحتمل أن يكون له مفهوم، وذلك أنه اذا حضر تير استئذانه وإذا غاب تعذر، فلودعت الضرورة الى الدخول
عليها لم تفتقر الى استئذانه لتعذره. وقال النووى: فى هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج بالاذن فى
بيته إلا باذنه وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به ، أما لو علمت رضا الزوج بذلك فلا حرج عليها كمن
جرت عادته بادخال الضيفان موضعا معداً لهم. سواء كان حاضرا، أم غائباً، فلا يفتقر إدخالهم الى إذن خاص
لذلك، وحاصله أنه لابد من اعتبار إذنه تفصيلا أو إجمالا (رواه مسلم) هذا يوهم أن الحديث من أفراد مسلم
وأنه رواه بهذا اللفظ وليس كذلك فان الحديث متفق عليه، واللفظ المذكور البخارى، أخرجه فى أثناء حديث فى
كتاب النكاح من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة. وذكره مسلم كذلك فى كتاب الزكاة من رواية
حمام بن منبه عن أبى هريرة بلفظ: لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا باذنه ولا تأذن فى بيته وهو شاهد إلا باذنه .
ورواه البخارى أيضاً من هذا الطريق مقتصرا على الجملة الأولى، فكان حق المصنف أن يقول متفق عليه، والفظ
للبخارى. والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢١٦) من طريق همام بن منبه، والترمذى وابن ماجه من طريق
أبي الزناد عن الأعرج بلفظ: لا تصوم المرأة وزوجها شاهد من غير شهر رمضان إلا باذنه، وأبو داود من طريق
همام وزاد غير رمضان، وأخرجه أيضا الدارمى والبيهقى (ج ٤ ص٣٠٣) وفى الباب عن أبى سعيد عند أبي داود
والدارمى وابن ماجه وعن ابن عباس عند الطبرانى .
٢٠٥٢ - قوله (وعن معاذة) بميم مضمومة وعين مهملة وذال معجمة بنت عبد الله (العدوية) بعين ودال
مفتوحتين منسوبة الى عدى بن كعب بطن من قريش (إنها قالت لعائشة) وفى رواية البخارى وكذا فى رواية لمسلم
عن معاذة إن إمرأة قالت لعائشة. قال الحافظ: كذا أبهمها همام ، وبين شعبة فى روايته عن قتادة إنها هى معاذة
الرواية أخرجه الاسماعيلى، وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن معاذة. (ما بال الحائض) أى ما ثمأنها وإنما
لم يدخله التاء للاختصاص (تقضى الصوم) أى الذى فاتها أيام حيضها (ولا تقضى الصلاة) مع أنهما فرضان تركا
٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
قالت عائشة: كان يصيبنا ذلك فتؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
لعلة واحدة وهى الحيض ، وفى معناه النفاس تعنى أن مقتضى الرأى أن يكون الصوم والصلاة متساويين فى
الحكم، لأن كلا منهما عبادة تركت لعذر (كان) أى الشأن (يصيبنا ذلك) بكسر الكاف ويفتح أى الحيض
(فنؤمر) أى نحن معاشر النساء (بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فى شرح الطيبي: قيل: الجواب من
الأسلوب الحكيم أى دعى السؤال عن العلة الى ما هو أهم منها من متابعة النص والإنقياد للشارع، وذكر البخارى
فى كتاب الصيام من صحيحه عن أبى الزناد أنه قال إن السنن ووجوه الحق لتأتى كثيرا على خلاف الرأى فما يجد
المسلمون بدأ من إتباعها من ذلك، إن الحائض تقضى الصيام ولا تقضى الصلاة - انتهى. يعنى أن الأمور الشرعية
التى تأتى على خلاف الرأى والقياس ولا يعلم وجه الحكمة فيها يجب الاتباع بها ولا يعترض، ولا يقال لم كان
كذا ولا يطلب وجه الحكمة فيها بل يتعبد بها ويؤكل أمرها الى الله تعالى لأن أفعال الله لا تخلوا عن حكمة ولكن
غالبها تخفى على الناس ولا تدركها العقول: قال الحافظ قال الزين بن المنير: نظر أبو الزناد الى الحيض فوجده
مانعاً من هاتين العبادتين وماسلب الأهلية استحال أن يتوجه به خطاب الاقتضاء وما يمنع صحة الفعل يمنع الوجوب
فلذلك استبعد الفرق بين الصلاة والصوم فأحال بذلك على اتباع السنة والتعبد المحض. وقد تقدم فى كتاب الحيض
سؤال معاذة من عائشة عن الفرق المذكور وانكرت عليها عائشة السؤال وخشيت عليها أن تكون تلقنته من الخوارج
الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم ، ولم تزدما على الحوالة على النص ، وكأنها قالت دعى السؤال عن
الحلة الى ما هو أهم من معرفتها وهو الانقياد الى الشارع. وقد تكلم الفقهاء فى الفرق بين الصلاة والصوم،
واعتمد كثير منهم على أن الحكمة فيه أن الصلاة تتكرر فيشق قضاءها ، بخلاف الصوم الذى لا يقع فى السنة إلا
مرة. واختار إمام الحرمين أن المتبع فى ذلك هو النص وإن كل شىء ذكروه من الفرق ضعيف - انتهى. قال
ابن دقيق العيد: (ج ١ ص ١٢٨) اكتفاء عائشة فى الاستدلال على اسقاط القضاء بكونه لم يؤمر به يحتمل وجهين
أحدهما أن تكون أخذت إسقاط الفضاء من إسقاط الاداء ويكون مجرد سقوط الأداء دليلا على سقوط
القضاء، فيتمسك به حتى يوجد المعارض وهو الأمر بالقضاء كما فى الصوم. والثانى قال وهو الأقرب إن الحاجة
داعية الى بيان هذا الحكم لتكرر الحيض منهن عنده صلى الله عليه وسلم ، فلو وجب قضاء الصلاة فيه لوجب بيانه،
وحيث لم يبين دل على عدم الوجوب لا سيما، وقد اقترن بذلك قرينة أخرى وهى الأمر بقضاء الصوم وتخصيص
الحكم به قال: وفى الحديث دليل لما يقوله الأصوليون من أن قول الصحابى كنا نؤمر وننهى فى حكم المرفوع الى
النبى صلى الله عليه وسلم وإلا لم تقم الحجة به ـ انتهى. ووقع فى رواية البخارى كنا نحيض عند النبى صلى الله
عليه وسلم فلا يأمرنا به أو قالت: فلا نفعله. قال الحافظ: فى هذه الرواية بالشك وعند الاسماعيلى من وجه آخر
٢٦

مر عاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
رواه مسلم .
٢٠٥٣ - (٤) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وعليه صوم
صام عنه وليه .
فلم نكن نقضى ولم نؤمر به والاستدلال بقولها فلم تكن نقضى أوضح من الاستدلال بقولها فلم نؤمر به، لأن عدم
الأمر بالقضاء هنا قد ينازع فى الاستدلال به على عدم الوجوب لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب الفضاء
والله أعلم. قال الشوكانى: نقل ابن المنذر والنووى وغيرهما اجماع المسلمين على أنه لا يجب على الحائض قضاء
الصلاة ويجب عليها قضاء الصيام ، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهرى عنه، فقال اجتمع الناس عليه،
وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة ، وعن سمرة بن جندب
. أنه كان يأمر به فافكرت عليه أم سلمة. قال الحافظ: لكن استقر الاجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهرى وغيره.
وقال النووى : قال الجمهور من أصحابنا وغيرهم: وليست الحائض مخاطبة بالصيام فى زمن الحيض، وإنما يجب عليها
القضاء بأمر جديد (رواه مسلم) فى كتاب الطهارة، وأخرجه البخارى فى كتاب الحيض، وقد تقدم لفظه فالحديث
متفق عليه فكان الأولى للصنف أن يقول متفق عليه. واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً أحمد والترمذى وأبو داود
وابن ماجه والدارمى فى الطهارة والنسائى فيه وفى الصيام، والبيهقى فى كتاب الحيض (ج ١ ص ٣٠٨) وفى الصيام
( ج ٤ ص ٢٣٦).
٢٠٥٣ - قوله (من مات) أى من المكلفين بقرينة قوله (وعليه صوم) لأن كلمة على للايجاب والواو فيه
للمحال (صام عنه) أى عن الميت (وليه) قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث دليل لعمومه على أن الولى يصوم عن الميت
وإن النيابه تدخل الصوم، وذهب إليه قوم والذى عليه الأكثرون عدم دخول النيابة فى الصوم لأنها عبادة بدنية.
قال: وقوله ((صام عنه وليه)) ليس المراد أنه يلزمه ذلك، وإنما يجوز ذلك له إن أراد، هكذا ذكره صاحب التهذيب
من الشافعية، وحكاه امام الحرمين عن الشيخ أبى محمد أبيه ، وفيه بحث وهو إن الصيغة صيغة خبر أعنى صام ويمتنع
الحمل على ظاهره، فينصرف الى الأمر ويبقى النظر فى أن الوجوب يتوقف على صيغة الأمر المتعينة وهى أفعل مثلا
أو يعمها مع ما يقوم مقامها-انتهى. وقال الحافظ: قوله صام عنه وليه خبر بمعنى الأمر تقديره فليصم عنه وليه، وليس
هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الاجماع على ذلك وفيه نظر، لأن بعض
أهل الظاهر أوجبه فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته - انتهى. وقال العينى: أطلق ابن حزم (ج ٧ ص ٢) النقل عن
الليث بن سعد وأبي ثور وداود أنه فرض على أولياءه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، وبه صرح القاضى أبو الطيب
الطبرى فى تعليقه بأن المراد منه الوجوب، وجزم به النووى فى الروضة من غير أن يعزوه الى أحد . وزاد فى
٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
شرح المهذب فقال أنه بلا خلاف . وقال شيخنا العراقى: هذا عجيب منه ثم قال: وحكى النووى فى شرح مسلم عن
أحدة ولى الشافعى أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ثم قال ولا يجب عليه - انتهى كلام العينى. قلت الحديث رواه
البزار بلفظ: من مات فليصم عنه وليه إن شاء. قال الهيشمى: (ج ٣ ص ١٧٩) إسناده حسن - انتهى. واحتج
به من ذهب الى عدم وجوب الصوم من المجيزين له لكن فى سنده ابن لهيعة وهو صدوق خلط بعد احتراق كتبه
ولم يعرف إن هذا الحديث حدث به قبل احتراق كتبه أو بعده فلا يصح الاحتجاج به . قال الحافظ فى التلخيص
(ج ١ ص١٩٧) وفى رواية للبزار فليصم عنه وليه إن شاء، وهى ضعيفة لأنها من طريق ابن لهيعة - انتهى. والراجح
عندى هو الوجوب والله تعالى أعلم. وقد اختلف السلف فى هذه المسئلة أى فى مشروعية الصوم عن الميت فأجاز
الصيام عن الميت أى صوم كان أصحاب الحديث ، وعلق الشافعى فى القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقى
فى المعرفة، وهو قول أبى ثور وجماعة من محدثى الشافعية، وقال البيهقى فى الخلافيات : هذه المسئلة ثابتة لا أعلم
خلافا بين أهل الحديث فى صحتها ، فوجب العمل بها ، ثم ساق بسنده الى الشافعى قال كل ما قلت : وصح عن النبى
صلى الله عليه وسلم خلافه نفذوا بالحديث ولا تقلدونى. قلت: واحتج لهذا القول بحديث عائشة هذا، وبماروى
عن ابن عباس إن امرأة قالت: يا رسول الله: إن أمى ماتت وعليها صوم نذر. أفاصوم عنها ؟ فقال أرأيت لو
كان على أمك دين فقضيتيه أ كان يؤدى ذلك عنها: قالت نعم ، قال نصومى عن أمك. وبما روى أحمد ومسلم
وأبو داود وابن ماجه والبيهقى عن بريدة. قال ، بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أنته إمرأة
فقالت إنى تصدقت على أمى بحارية ، وإنها ماتت فقال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت يا رسول ! إنه
كان عليها صوم شهر أفاصوم عنها ؟ قال صومى عنها. وقال الشافعى فى الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن
الميت. وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد لا يصام عنه إلا النذر. واستدل الحنفية ومن وافقهم بحديث
ابن عمر الآتى. وفيه إن المحفوظ أنه موقوف كما ستعرف وللاجتهاد فيه مسرح فلا يصح للاستدلال ثم ليس
فيه ما يمنع الصيام وأما ما ذكره المصنف فى الفصل الثالث من رواية مالك عنه بلاغا ما يدل على منع الصيام
عن الميت . ففيه أنه قد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك كما ذكره البخارى تعليقا فى باب من مات وعليه نذر،
وسيجىء، فاختلف قوله فلا يقوم به حجة لأحد علا أنه موقوف أيضاً والحديث الصحيح أولى بالاتباع وفيه
غنية عن كل قول واستدلوا أيضا بما رواه النسائى فى الكبرى بسند صحيح عن ابن عباس قال : لا يصلى أحد
عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد، وبما روى الطحاوى عن روح بن الفرج حدثنا يوسف بن عدى حدثنا عبيدة
٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
ابن حميد عن عبد العزيز بن رفيع عن عمرة بنت عبد الرحمن ، قلت: لعائشة إن أمى توفيت وعليها صيام رمضان
أيصلح أن أقضى عنها ؟ فقالت. لا، ولكن تصدقى عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك، كذا ذكره
ابن التركمانى (ج ٤ ص ٢٥٧) وقال هذا سند صحيح، وذكره ابن حزم فى المحلى ( ج ٧ ص ٣، ٤) من رواية
ابن أبى شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن عبد العزيز بن رفيع عن امرأة منهم اسمها عمرة إن أمها ماتت، وعليها من
رمضان فقالت: لعائشة أقضيه عنها ؟ قالت لا، بل تصدقى عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين. وفيه
إن هذا الاستدلال أيضاً مخدوش، أما أولا فلأنه جاء عن ابن عباس خلاف ذلك، فروى ابن أبى شيبة بسند صحيح
كما فى المحلى (ج ٧ ص ٧) سئل ابن عباس عن رجل مات وعليه رمضان وصوم شهر، فقال يطعم عنه لرمضان
وبصام عنه النذر. وفى صحيح البخارى تعليقاً أمر ابن عمر إمرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء، فقال صلى عنها،
وقال ابن عباس نحوه، قال ابن عبد البر: النقل فى هذا عن ابن عباس مضطرب. قال الحافظ: ويمكن الجمع بحمل
الاثبات فى حق من مات والنفى فى حق الحى - انتهى. وقال العينى: النقل عنه فى هذا مضطرب فلا يقوم به حجة
لأحد. وأما أثر عائشة الذى نقله ابن التركانى عن الطحاوى، ففيه إن بعض الفاظه مخالف لما فى مشكل الآثار
المطبوع ففيه ( ج ٣ ص ١٤٢) عن عبد العزيز ابن رفيع عن عمرة قالت: توفيت أمى وعليها صيام من رمضان
فسألت عائشة عن ذلك فقالت أقضيه عنها ، ثم قالت : بل تصدقى مكان كل يوم على مسكين نصف صاع ، وهذا كما
ترى ليس فيه ما يمنع الصيام. وأما أثرها الذى ذكره ابن حزم فسيأتى الجواب عنه، وأما ثانياً فلان فتيا الصحابى
لا تقاوم الحديث المرفوع الصحيح السنة، الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع وفيها
غنية عن كل قول . واستدلوا أيضاً بالقياس على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التى لا مدخل المال فيها. قال
العينى: قد اجمعوا على أنه لا يصلى أحد عن أحد فكذلك الصوم لأن كلا منهما عبادة بدنية، وحكى ابن القصار عن
المهلب أنه قال لوجاز أن يصوم أحد عن أحد فى الصوم ، لجاز أن يصلى الناس عن الناس فلو كان ذلك سائغاً لجاز.
أن يؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمه أبى طالب لحرصه على إيمانه، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يؤمن
أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد فوجب أن يرد ما اختلف فيه الى ما أجمع عليه. وفيه أولا أن هذا
قياس فى مقابلة النص ، وثانياً إن دعوى الاجماع على القول بأن لا يصلى أحد عن أحد باطلة لما تقدم عن ابن عمر،
أنه أمر بالصلاة عن الميت، ولأن الظاهرية قالوا يجب قضاء صلاة النذر وصلاة الفرض عن الميت، وثالثاً: أنهم
أجمعوا على أن تصلى الركعتان أثر الطواف عن الميت الذى يحج عنه. (رابعاً، إن فى كلام المهلب غضاضة
وترك محاسن الأدب فى حق الشارع ومصادمة الأخبار الثابتة فيه قاله العينى (ج ١١ ص ٦٠) وأجاب بعض
هذا الرابع فقط
٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
الحنفية عن حديث الباب بأن فى سنده عبد الله بن أبى جعفر، ونقل صاحب الميزان عن أحمد أنه قال ليس بقوى
وعن حديث ابن عباس بأنه مضطرب متنا وأجيب عن الأول بأن عبيد اللّه هذا من رجال الستة ، ووثقه
أحمد فى رواية عبد الله ابنه عنه وأبو حاتم والنسائى وابن سعد: وقال ابن يونس: كان عالما زاهدا، وإن صح
ما نقل صاحب الميزان عن أحمد فلعله فى شىء مخصوص، وقد احتج به الجماعة قاله الحافظ فى مقدمه الفتح .
فالحديث صحيح جدا، ولذلك الفق الشيخان على تخريجه فى صحيحيهما، ولم ينتقده أحد ممن انتقدهما ، بل اتفقوا
على صحته وقبوله ، وأجيب عن الثانى بعدم تسليم الاضطراب فيه كما بين ذلك الحافظ فى الفتح . وأجابوا أيضا
بأنه روى عن عائشة وابن عباس وهما رويا حديث الصيام عن الميت أنهما لم يربا الصيام عنه كما تقدم، وفتوى
الراوى على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ. وتعقبه ابن حزم بوجوه، أحدها إن الله تعالى إنما افترض
علينا اتباع رواية الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفترض علينا قط اتباع رأى أحدهم. والثانى: أن قد
يترك الصحابي إتباع ما روى لوجوه ، وهى أن يتأول فيما روى تأويلا ما اجتهد فيه فاخطأً فاخبر مرة أو أن يكون
نسى ما روى ، فاختى بخلافه أو أن تكون الرواية عنه بخلافه وهما ، ممن روى ذلك عن الصحابى ، فاذكل ذلك ممكن
فلا يحل ترك ما افترض علينا اتباعه من ستن رسول الله مخيفة لما لم يأمرنا باتباعه لو لم يكن فيه هذه الملل فكيف
وكلها ممكن فيه، ولا معنى لقول من قال هذا دليل على نسخ الخبر، لأنه يعارض بأن يقال كون ذلك الخبر عند
ذلك الصحابى دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه أو لعله قد رجع عن ذلك . والثالث ، أن نقول لهل الذی روی
فيه عن عائشة فيه الاطعام كان لم يصح حتى ماتت فلا صوم عليها . والرابع، أنه قد روى عن ابن عباس الفتيا بما
روى من الصوم عن الميت كما تقدم، فصح أنه قد نسى أو غير ذلك ما، الله تعالى أعلم به - انتهى مختصرا، وقال
الحافظ : بعد ذكر اعتلال الحنفية بنحو ما تقدم ما لفظه، والراجح أن المعتبر ما رواه الصحابي لا ما رآه لاحتمال
أن يخالف ذلك لاجتهاد ومستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، واذا تحققت صحة الحديث
لم يترك المحقق الظنون وتعقبه العينى كعادته بما لا يلتفت اليه. وأجابوا أيضا عن حديث عائشة بأن المراد
بقوله صام عنه وليه، أى فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم وهو الاطعام ، قال الماوردى: وهو نظير قوله
التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء، قال فسمى البدل باسم المبدل فكذلك هنا . وقال الخطابي (ج ٢ ص ١٢٢)
تأوله بعض أهل العلم فقال معناه أطعم عنه وليه، فإذا فعل ذلك فكأنه قد صام عنه وسمى الاطعام صياما على
سبيل المجاز والاتساع إذ كان الطعام قد ينوب عنه، وقد قال سبحانه أو عدل ذلك صياما فدك على أنهما
يتناوبان - انتهى. وتعقب بأنه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل ، بل يدل ما ذكرنا من آثار ابن عمر وأين
عباس وعائشة على كون الصوم فى حديث عائشة المرفوع فى معناه الحقيقى. قال السندى: من لا يقول بالصيام
٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
عن الميت يدعى النسخ بأدلة غير تامة ، ومنهم من يقول معنى قوله فى حديث بريدة أفأصوم عنها أفأفدى عنها على
قسمية الفداء صوما لكونه بدلا عن الصوم وكل ذلك غير تام - انتهى. وقال صاحب فتح الملهم: قوله صلى الله
عليه وسلم فصومى عن أمك فى حديث ابن عباس وقوله صلى الله عليه وسلم صومى عنها فى حديث بريدة، قد
صدر فى معرض الجواب عن قولها أفأصوم عنها فكأنه صلى الله عليه وسلم قررها على ما سألته، والظاهر أنهما ما
أرادت بسؤالها إلا الصوم الحقيقى لا الاطعام، وحمل كلامها على الاطعام لا يخلو عن تعسف فالوجدان السليم يحكم
بأن التأويل المذكور فى حديث عائشة لا يجرى فى حديثى ابن عباس وبريدة إلا بتكلف بارد والله تعالى أعلم -
انتهى. وقال الشيخ محمد أنور: لاحاجة إلى تأويل أحاديث الباب وصرف لفظ الصوم فيها عن ظاهره بل المراد
بقوله صام عنه وليه، وقول «صومى عنها)، هو الصوم الحقيقى لكن لا بطريق النيابة بل بطريق التبرع لايصال
الثواب وقد أجاب م فز عن قولها أفأصوم عنها بقوله صومى عنها لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب
لأمها ولاشك فى أنه ينفع لها فى الجملة فأما أنه يقع قضاء عما عليها ويبرأ ذمتها عن الواجب فليس فى الحديث دلالة
على هذا - انتهى . قلت هذا التوجيه أيضاً سخيف جدا يدل على سخافته تمام حديث ابن عباس. قال صاحب فتح
الملهم بعد ذكر التوجيه المذكور: هذا توجيه لطيف لولا ما ورد فى حديث ابن عباس من التشبيه بقضاء الدين ،
ولا سيما قوله فى رواية زيد بن أبى أنيسة عن الحكم (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عند مسلم) قال أرأيت لو
كان على أمك دين فقضيتيه، أ كان ذلك يؤدى عنها قالت نعم قال فصومى عن أمك وهذا كالصريح فى أن صومها عن
أمها يؤدى ما على أمها من دين الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب. وأجاب المالكية عن حديث عائشة بأن
عمل أهل المدينة بخلافه . وهذا مبنى على أن تركهم العمل بالحديث حجة ودليل على نسخه ولیس کذلك كما عراف
فى الأصول. واستدل القائلون بجوازالصيام عن الميت فى النذردون غيره ، بأن حديث عائشة مطلق وحديث
ابن عباس مقيد بالنذر كما تقدم، فيحمل عليه ويكون المراد بالصيام صيام النذر. وفيه أنه ليس بين الحديثين
تعارض حتى يجمع بينهما، حديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له. وأما حديث عائشة فهو تقرير
قاعدة عامة ، وقد وقعت الاشارة فى حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل فى آخره فسدين الله أحق
أن يقضى قاله الحافظ. قال الشوكانى: وإنما قال إن حديث ابن عباس صورة مستقلة يعنى أنه من التنصيص على
بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر فى الأصول. واختلف فى المراد بقوله «وليه)، فقيل
كل قريب سواء كان وارثا أو عصبة أو غيرهما. وقيل: الوارث خاصة. وقيل: عصبة قال الحافظ: والأول أرجح
والثانى قريب ويرد الثالث قصة المرأة التى سألت عن نذرأمها. وقال الكرمانى والنووى: الصحيح الأول واختلفوا
أيضاً هل يختص ذلك بالولى لأن الأصل عدم النيابة فى العبادة البدنية ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة فى الحياة، فكذلك
٣١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
متفق عليه.
﴿ الفصل الثانى )
٢٠٥٤ - (٥) عن نافع، عن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: من مات وعليه صيام
شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين.
فى الموت إلا ما ورد فيه الدليل، فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقى على الأصل. قال الحافظ: وهذا هو الراجح.
وقيل: لا يختص بالولى، فلو أمر أجنبيا بأن يصوم عنه أجزأ كما فى الحج. وقيل: يصح استقلال الأجنبى بذلك وذكر
الولى لكونه الغالب وظاهر صنيع البخارى اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبرى وقواه بتشبيههم له
ذلكبالدين، والدین لا يختص بالقريب - انتهى. وقال الشوكانى: وظاهر الأحاديث أنه يصوم عنه وليهوإن لمیوص
بذلك وإن من صدق عليه إسم الولى لغة أو شرعا أو عرفا صام عنه ولا يصوم عنه من ليس بولى، ومجرد التمثيل
بالدين لا يدل على أن حكم الصوم كمكمه فى جميع الأمور - انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد وأبوداود
والنسائى فى السنن الكبرى والدار قطنى (ص ٢٤٥) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٥٥) والطحاوى فى مشكل الآثار
( ج ٢ ص ١٤٠،١٣٩).
٢٠٥٤ - قوله (فليطعم عنه) على بناء المفعول (مكان كل يوم) من أيام الصيام الفائتة (مسكين) كذا
وقع فى الرفع فىجميعالنسخ من المشكاة الموجودةعندنا، و کذا وقع فى المصالح، وفىالتلخيص(ص١٩٦) ونصب
الرأية (ج٢ ص ٤٦٤) والدراية (ص١٧٧) والمنتقى ،وهكذا وقع فى رواية ابن ماجه والبيهقى، ووقع فى جامع
الترمذى مسكينا بالنصب، وهكذا نقله الجوزى فى جامع الأصول (ج٧ ص٢٨٢) وابن قدامة فى المغنى ( ج ٣
ص ١٤٣) وعلى هذا يكون قوله فليطعم على بناء الفاعل أى فليطعم ولى من مات ، وبهذا الحديث تمسك الحنفية
والمالكية لكن بقيدإن أوصى، وبدون الوصية لا يلزم خلافا الشافعى، فإنه يطعم عنده أوصى به أو لم يوص . قال
القارى : لابد من الإيصاء عندنا فى لزوم الاطعام على الوارث خلافا للشافعى ، وإن أوصى فانما يلزم الوارث
إخراجه، اذا كان يخرج من الثلث، فإن زاد على الثلث لا يجب على الوارث، فإن أخرج كان متطوعا عن الميت،
ويحكم بجوازاجزاء، كذا قاله ابن الحمام. ولم يبين فى هذه الرواية مقدار الطعام ، وقد جاء عند البيهقى (ج ٤ ص
٢٥٤) من رواية شريك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن نافع عن ابن عمرمرفوعا أنه نصف صاع من بر،
وبه أخذ الحنفية قالوا: أوصاع من غير البر أو قيمة أحد ها، لكن قال البيهقى هذه الرواية خطأ. وإنما قال ابن عمر
هدا من حنطة، وروى من وجه آخر عن ابن أبى ليلى ليس فيه ذكر الصاع - انتهى . قلت: وبقول ابن عمر مدا
٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
رواه الترمذى، وقال: والصحيح أنه «وقوف على ابن عمر.
من حنطة أخذ مالك والشافعى وأحمد، وحديث ابن عمر الذى نحن فى شرحه ضعيف، والمحفوظ أنه موقوف
على ابن عمر كما ستعرف، فلا يصح الاستدلال به ولوصح، لا يقاوم حديث عائشة المتفق عليه (رواه الترمذي)
من طريق عبير عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر وأخرجه ابن ماجه والبيهقى أيضا من هذا الطريق ،
لكن وقع عند ابن ماجه عن محمد بن سيرين منسوبا وهووهم كما سيأتى (وقال والصحيح أنه موقوف على ابن عمر)
أى من قوله . وقال الترمذى أيضا: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، قال وأشعث هو ابن سوّار ومحمد هو
محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى - انتهى. قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٩٧) رواه ابن ماجه من هذا الوجه
(أی من طریق عبثر عن أشعث عن محمد) ووقع عنده عن محمد بن سیرین بدل محمد بن عبد الرحمن وهو وثم
منه أومن شيخه. وقال الدار قطنى: المحفوظ وقفه على ابن عمر وتابعه البيهقى على ذلك - انتهى. وقال ابن الملقن
هذا الحديث رواه الترمذى وابن ماجه باسناد ضعيف، والمحفوظ وقفه على ابن عمر قاله الترمذى والدار قطنى
والبيهقى كذا فى المرقاة. وقال الزيلعى. (ج ٢ ص ٤٦٤) وضعفه عبد الحق فى أحكامه بأشعث وابن أبي ليلى.
وقال الدار قطنى: فى علله المحفوظ موقوف، هكذا رواه عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر ـ انتهى.
وقال البيهقى فى المعرفة: لا يصح هذا الحديث فان محمد بن أبى ليلى كثير الوهم ، ورواه أصحاب نافع عن نافع
عن ابن عمر قوله، ثم أخرجه عن عبد الله بن الأحنس عن نافع عن ابن عمر قال: من مات وعليه صيام رمضان
فليطعم عنه كل يوم مسكينا مدا من حنطة، وأخرجه البيهقى فى سننه (ج ٤ ص ٢٥٤) من طريق شريك عن محمد
ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى به مرفوعا. قال: فى الذى يموت وعليه رمضان ولم يقضه قال يطعم عنه لكل يوم نصف
صاع من بر. قال البيهقى: هذا خطأ من وجهين، أحدهما رفعه. وإنما هو موقوف من قول ابن عمر. والثانى،
قواہ فیهنصف صاع. وإنما قال ابن عمر مدا من حنطة ۔ انتهى . فان قلت قال ابن التر کانی ( ج ٤ ص ٢٥٤) قد
أخرج ابن ماجه هذا الحديث فى سننه بسند صحيح عن أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر مرفوعا،
فان صح هذا فقد تابع أبن سيرين ابن أبى ليلى على رفعه فلقائل أن يمنع الوقف. وقال العينى (ج ١١ ص ٦٠)
قد تابع ابن سيرين ابن أبى ليلى على رفعه فلقائل أن يمنع الوقف. قلت: قد تقدم عن الحافظ إن ما وقع فى سند
ابن ماجه من قوله عن محمد بن سيرين وهم، منه أو من شيخه . وقال المزى فى الاطراف: قوله (أى فى سند ابن
ماجه) عن محمد بن سيرين وهم، فإن الترمذى رواه ولم ينسبه، ثم قال الترمذى وهو عندى محمد بن عبد الرحمن
ابن أبى ليلى نقله السندى عن البوصيرى. وقالٌ العينى (ج ١١ ص ٥٩) قال الحافظ المزى وهو (أى قوله عن
محمد بن سيرين) وهم، وقال ابن عدى فى الكامل: ومحمد هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى - انتهى. فقد
ثيت بهذا كله إن محمدا هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا محمد بن سيرين وأنه قد تفرد بحديث الاطعام
٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٥ - باب القضاء
الفصل الثالث )؟
٢٠٥٥ - (٦) عن مالك، بلغه، أن ابن عمر كان يُسئل: هل يصوم أحد عن أحد، أويصلى أحد
عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلى أحد عن أحد. رواه فى ((الموطأ)).
المرفوع ولم يتابعه أحد عليه وهو وإن كان فقيها عالما لكنه سيىء الحفظ فاحش الخطأ كثير الوهم فلا يحتج
بما تفرد به .
٢٠٥٥ - قوله (عن مالك بلغه) وفى الموطأ أنه بلغه (كان يسئل) بصيغة المجهول (لا يصوم أحد عن
أحد ولا يصلى أحد عن أحد) فى شرح السنة هذا مذهب الشافعى (فى الجديد) وأصحاب أبى حنيفة ، وذهب قوم
إلى أنه يصوم عنه وليه. وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلا كل واحد يوما جاز، واتفق أهل العلم على أنه
لا كفارة للصلاة وهو قول الشافعى. وقال أصحاب أبي حنيفة: أنه يطعم عنه، وقال قوم يصلى عنه - انتهى . قلت:
واحتج بقول ابن عمر هذا من ذهب إلى منع الصوم والصلاة عن الميت ، وقد تقدم أن البخاری ذکرفی باب من
مات وعليه نذر عن ابن عمر تعليقا الأمر بالصلاة، فاختلف قوله والحديث الصحيح أولى بالاتباع (رواه) أى .
مالك (فى الموطأ) قد تقدم بيان ما يرد على المصنف فى هذه العبارة، وبلاغ مالك هذا وصله عبدالرزاق فى مصنفه فى
كتاب الوصايا من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال لايصلين أحد عن أحد ولايصومن أحد عن أحد ،
ولكن إن كنت فاعلا تصدقت عنه أو أهديت ، ورواه أبو بكر بن الجهم فى كتابه من طريق حماد بن زيد عن أيوب
عن نافع والبيهقى (ج٢ ص ٢٥٤) من طريق يحيى بن سعيد عن نافع تنبيه هذا الاختلاف والتفصيل الذى سبق
فى الصوم عن الميت إذا فاته شىء بعد إمكان قضاءه. وأما من فاته شىء من رمضان قبل إمكان القضاء فلا تدارك
ولا إثم. وأجمع العلماء على ذلك إلا طاوسا وقتادة فانهما يوجبان التدارك بالصوم أو الكفارة، ولو مات قبل
إمكان القضاء ذكره القارى: وقال الخطابى ( ج٢ ص ١٢٢، ١٢٣) انفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر فى المرض
أو السفر ثم لم يفرط فى القضاء حتى مات ، فانه لا شىء عليه ولا يجب الاطعام عنه غير قتادة فانه قال يطعم عنه .
وقد حكى ذلك عن طاوس أيضا - انتهى. وقال ابن قدامة ( ج ٣ ص ١٤٢) من مات وعليه صيام من رمضان
لكن قبل إمكان الصيام إما لضيق الوقت أولعذر من مرض أو سفر أو عجزعن الصوم، فهذا لا شىء عليه فى قول
أكثر أهل العلم. وحكى عن طاوس وقتادة أنهما قالا: يجب الاطعام عنه، لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه
فوجب الاطعام عنه، كالشيخ الهمّ إذا ترك الصيام لعجزه عنه. ولنا أنه حق اللّه تعالى وجب بالشرع، مات من.
يجب عليه قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج، ويفارق الشيخ الهم فانه يجوز ابتداء، الوجوب عليه بخلاف
الميت - انتهى .
٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
(٦) باب صيام التطوع
( الفصل الأول ))
٢٠٥٦ - (١) عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يصوم حتى نقول: لا يفطر
ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط،
إلا رمضان، وما رأيته فى شهر أكثر منه صياما فى شعبان .
(باب صيام التطوع)
٢٠٥٦ - قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم) أى النفل متابعا (حتى نقول لا يفطر)
أى ينتهى صومه الى غاية نقول أنه لا يفطر فى هذا الشهر (ويفطر) أى يستمر على الافطار (حتى نقول لا يصوم)
أى ينتهى إفطاره الى غاية نقول أنه لا يصوم من هذا الشهر، وذلك لأن الأعمال التى يتطوع بها ليست منوطة
بأوقات معلومة. وإنما هى على قدر الإرادة لها والنشاط فيها قاله العينى. وقال الباجى: وإنما كان كذلك. والله
أعلم. لأن هذا أفضل الصوم وأشده لمن استطاع عليه. وقال الغزالى فى الاحياء: الفقيه بدقائق الباطن ينظر الى
أحواله فقد يقتضى حاله دوام الصوم، وقد يقتضى دوام الفطر، وقد يقتضى مزج الافطار بالصوم واذا فهم
المعنى وتحقق حده فى سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه. وذلك لا يوجب ترتيبا مستمرا
ولذلك روى أنه مَّ كان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم وكان ذلك بحسب ما ينكشف
له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات - انتهى. قال الأمير اليمانى: فى الحديث دليل على أن صومه، مَاللّه لم يكن
مختصا بشهر دون شهر، وإنه كان صلى الله عليه وسلم يسرد الصيام أحيانا ويسرد الفطر أحيانا، وأمله كان
يفعل ما يقتضيه الحال من تجرده عن الاشغال فيتابع الصوم ومن عكس ذلك فيتابع الافطار - انتهى. ولا يعارض
هذا ما روى عن عائشة عند البخاري وغيره كان عمله ديمة ، لأن المراد بذلك ما اتخذه راتبا لامطلق النفل
والله تعالى أعلم (وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام شهر قط إلا رمضان) إنما لم يستكمل
شهرا غير رمضان لثلا يظن وجوبه ( وما رأيته ) صلى الله عليه وسلم ( فى شهر أكثر) بالنصب ثانى مفعولى
رأيت والضمير ((فى)) (منه) له عليه الصلاة والسلام (صياما) تمييز (فى شعبان) سمى بذلك لتشعبهم فى طلب
المياه أو فى الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذى قبله. وقيل: فيه غير ذلك والجار
متعلق بصياما ، والمعنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم فى شعبان وفى غيره من الشهور سوى رمضان،
٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
وكان صيامه فى شعبان أكثر من صيامه فيما سواه كذا ذكره الطيبى . وقيل: قوله فى شهر يعنى به غير شعبان وهو
حال من المستكن فى أكثر، وفى شعبان حال من المجرور فى منه، العائد إلى الرسول عَ لّم أى ما رأيته كائنا فى غير
شعبان أكثر صياما منه كائناً فى شعبان مثل زيد قائما أحسن منه قاعدا، أو كلاهما ظرف أكثر الأول باعتبار الزيادة
والثانى باعتبار أصل المعنى ، ولا تعلق له برؤيته وإلا يلزم تفضيل الشىء على نفسه باعتبار حالة واحدة كذا فى
المرقاة . وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يخص شعبان بالصوم أكثر من غيره. واختلف فى وجه
تخصيص شعبان بكثرة الصوم. فقيل كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر أسفر أو غيره فتجتمع
فيقضيها فى شعبان يدل على هذا ما رواه الطبر انى فى عائدة، كان رسول الله عزّ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر
فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان، وفيه ابن أبى ليلى وهو ضعيف . وقيل كان يصنع ذلك
لتعظيم رمضان كما أخرجه الترمذى من حديث أنس قال مثل النبى مؤقتة أى الصوم أفضل بعد رمضان، قال شعبان
لتعظيم رمضان، وفيه صدقة بن موسى. قال الترمذى: هو عندهم ليس بذاك القوى. قال الحافظ: ويعارضه
حديث أبي هريرة أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم. وقيل وجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم إن نساء.
كن يقضين ماعليهن من رمضان فى شعبان وهذا عكس ما تقدم فى الحكمة فى كونهن يؤخرن قضاء رمضان إلى
شعبان، لأنه ورد فيه إن ذلك لكونهن يشتغلن معه مؤلمه عن الصوم. وقيل الحكمة فى ذلك أنه يعقبه رمضان
وصومه مفترض وكان يكثر من الصوم فى شعبان قدر ما يصوم فى شهرين غيره لما يفوته من التطوع بذلك فى أيام
رمضان. قال الحافظ: والأولى فى ذلك ماجاء فى حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة
عن أسامة بن زيد قال قلت: يا رسول الله !لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ، قال ذلك
شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال الى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملى
وأنا صائم، ونحوه من حديث عائشة عند أبى يعلى لكن قال فيه إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة ، فأحب
أن يأتينى أجلى وأنا صائم ـ انتهى. قيل: ويحتمل أنه كان يكثر من صومه لهذه الحكم كلها. قلت: والمراد
برفع الأعمال فى حديث أسامة الرفع الخاص لا الرفع العام الذى يكون صباحاً ومساء، أو المراد الرفع الإجمالى
لا التفصيلى. قال فى المواهب وشرحه: (بَيَّن صلى الله عليه وسلم وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور
بقوله إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ، يشير الى أنه لما اكتنفه) أحاط به (شهران عظيمان الشهر
الحرام) رجب ( وشهر الصيام إشتغل الناس بهما فصار مففولا عنه) مع رفع الأعمال فيه الى الله (وكثير من
الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه) أى شعبان ( لأنه ) أى رجب (شهر حرام وليس كذلك)
٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فقد روى ابن وهب بسنده عن عائشة قالت ذكر النبى صلى الله عليه وسلم ناس يصومون شهر رجب فقال فأين
هم من شعبان (وفى إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد منها إن تكون) أى الطاعة (أخفى وإخفاء النوافل
وإسرارها أفضل لاسيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ومنها إنه أشق على النفوس لأن النفوس تنأسى بما تشاهد
من أحوال بنى الجنس فاذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات، وإذا أ. كثرت، الغفلات وأهلها تأسى بهم
عموم الناس فيشق على النفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدى بهم) وأفضل العمل أشُقه، ومنها ان المنفرد
بالطاعة بين الغافلين قد يرفع به البلاء عن الناس. وقد روى فى صيامه صلى الله عليه وسلم شعبان معنى آخر وهو
أنه تفسخ فيه الآجال) أى تنقل وتفرد أسماء من يموت فى تلك الليلة الى مثلها من العام القابل عن أسماء من لميمت
من أم الكتاب فيكتب فى صحيفة، ويسلم الى ملك الموت (فروى) عند أبي يعلى والخطيب وغيرهما (باسناد فيه
ضعف عن عائشة قالت كان أكثر صيام النبى معروفة فى شعبان فقلت: يا رسول! أرى أكثر صيامك فى شعبان)
وفى رواية أرى أحب الشهر اليك أن تصومه شعبان. (قال أن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت أسماء من يقبض
فأحب أن لا ينسخ اسمى إلا وأنا صائم (وفى رواية أبي يعلى إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن
يأتينى أجلى وأنا صائم أى يأتينى كتابه أجلى، وفيه إن كتابته فى زمن عبادة يرجى لصاحبها الموت على الخير
وإن من أولى تلك العبادة الصوم ، لأنه يروض النفوس وينور الباطن ويفرغ القلب للحضور مع اللّه (وقد
روى مرسلا) عن التابعى بدون ذكر عائشة (وقيل إنه أصح) من وصله بذكرها (وقد قيل فى صوم شعبان
معنى آخر وهو إن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل فى صيامه على مشقة وكلفة بل يكون قد تمرن
الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته، فيدخل فى رمضان بقوة ونشاط - انتهى.
وأجاب النووى عن كونه لم يكثر من الصوم فى المحرم مع قوله إن أفضل الصيام ما يقع فيه بأنه يحتمل أن
يكون ما علم ذلك الا فى آخر عمره فلم يتمكن من كثرة الصوم فى المحرم، أو اتفق له فيه من الاعذار بالسفر
والمرض، مثلا ما منعه من كثرة الصوم فيه. وأما حديث أنس المتقدم عند الترمذى فهو ضعيف كما سبق، فلا
يقاوم حديث أفضلية المحرم المخرج فى صحيح مسلم. وقال ابن رجب فى اللطائف بعد ذكر فضل صوم شعبان
ما ملخصه: أفضل التطوع ما كان قريبا من رمضان قبله وبعد ، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون
منزلته من صوم رمضان بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض فى الفضل ، وهى
تكلة للفرائض. وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده فكما إن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق
بالصلاة، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ويكون قوله: «أفضل الصيام بعد
رمضان المحرم، محمولا على التطوع المطلق بالصيام - انتهى فتأمل. وسيأتى شىء من الكلام فى ذلك فى شرح الحديث
٣٧

-
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦- باب صيام التطوع
الرابع من هذا الباب هذا، وزاد فى رواية يحيى بن كثير فى حديث الباب عند البخارى فإنه يصوم شعبان كله .
واستشكل هذا مع قوله فى رواية الباب ما رأيته فى شهر أكثر منه صياما فى شعبان . وأجيب بأن رواية
الباب مفسرة لرواية يحيى بن أبي كثير ، ومبينة بأن المراد بكله غالبه أى يصوم شعبان بحيث يصح أن يقال فيه أنه
يصوم كله لغاية قلة المتروك، بحيث يمكن أن لا يعتد به من غاية قلته. وقيل كان يصوم شعبان كله تارة أى
فى سنة ويصوم معظمه أخرى أى فى سنة أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقيل المراد بقولها كله
أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثناء، طورا، فلا يخلى شيئا منه من صيام، لكن فى أ کثر
من سنة. قال السندى: معنى كله أنه لا يخص أوله بالصيام أو وسطه أو آخره بل يعم أطرافه، وأن كان بلا
اتصال الصيام بعضه ببعض وتعقبه فى المصابيح بأن الثلاثة كلها ضعيفة، فأما الأول فلان إطلاق الكل على
الأكثر مع الاتيان به توكيدا غير معهود انتهى. وقد نقل الترمذى عن ابن المبارك أنه قال جائز فى كلام العرب
اذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره.
قال الترمذى: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله إن رواية الباب مفسرة لرواية يحيى بن
أبى كثير ومبينة لها، وإن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال. واستبعده أيضا فقال كل تأكيد
لارادة الشمول ورفع التجوز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض مناف له - انتهى. قال الزرقانى فى شرح
المواهب: لكن الاستبعاد لا يمنع الوقوع، لأن الحديث يفسر بعضه بعضا لا سيما والمخرج متحد وهو عائشة وهى
من الفصحاء. وقد نقله ابن المبارك عن العرب ومن حفظ حجة. قال فى المصابيح: وأما الثانى فلان قولها كان
يصوم شعبان كله يقتضى تكرار الفعل وإن ذلك عادة له على ما هو المعروف فى مثل هذه العبارة - أنتهى.
واختلف فى دلالة كان على التكرار، وصمح ابن الحاجب أنها تقتضيه قال، وهذا استفدناه من قولهم كان حاتم
يقرى الضعيف، وصحمح الامام لخر الدين فى المحصول أنها لا تقتضيه لا لغة ولا عرفا. وقال النووى فى شرح مسلم
أنه المختار الذى عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين. وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفا - انتهى. قال فى
المصابيح: وأما الثالث فلان أسماء الشهور اذا ذكرت غير مضاف اليها لفظ «شهر، كان العمل عاما لجميعها لا تقول سرت
المحرم وقد سرت بعضا منه، ولا تقول ® صمت رمضان، وإنما صمت بعضه فان أضفت الشهر اليه لم يلزم التعميم، هذا
مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحد. قال الصفار: ولم يخالف فى ذلك إلا الزجاج. ويمكن أن يقال إن قولها
وما رأيته فى شهر أكثر منه صياما فى شعبان، لا ينفى صيامه لجميعه، فان المراد أكثرية صيامه فيه على صيامه فى
٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
وفى رواية، قالت: كان يصوم شعبان كله، كان
غيره من الشهور التى لم يفرض فيها الصوم، وذلك صادق بصومه كله ، لأنه اذا صامه جميعه صدق أن الصوم
الذى أوقعه فيه أكثر من الصوم الذى أوقعه فى غيره ضرورة إنه لم يصم غيره مما عدا رمضان كاملا. وأما قولها
لم يستكمل صيام شهر الا رمضان فيحمل على الحذف أى إلا رمضان وشعبان . بدليل قولها فى الطريق الأخرى،
فإنه يصوم شعبان كله، وحذف المعطوف والعاطف جميعاً ليس بعزيز فى كلامهم ، ففى التنزيل لا يستوى منكم
من الفق من قبل الفتح وقاتل أى ومن أنفق من بعده. ويمكن الجمع بطريق أخرى وهى أن يكون قولها وكان
يصوم شعبان كله محمولا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى، أى إلا قليلا منه، ويدل عليه حديث عبد الرزاق
بلفظ . ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أ کثر صياماً منه فى شعبان. فانه كان يصومه إلا قليلا : و قيل
فى الجمع إن قولها الثانى متأخر عن قولها الأول فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت
ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. وقيل بالعكس ولا يخفى ما فى ذلك. وقال الباجى: يحتمل أن
تريد بقولها ما استكمل صيام شهر قط غير رمضان أنه استكمله على وجه التعيين والتخصيص له ، وما روى أنه
كان يصوم شعبان كله لم يكن على وجه التعيين له، وقد روى عن عبدالله بن شقيق قلت لعائشة هل كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا معلوما سوى رمضان قالت لا، واللّه، إن صام شهرا معلوما سوى رمضان حتى
مضى لوجه الحديث. فقولها شهرا معلوما يقتضى أن يكون معلوما بصومه وهذالا يمنع أن يكون صامه على غير هذا
الوجه - انتهى. قال الحافظ: والأول (من وجوه الجمع الثلاثة الأول) هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله
ابن شقيق عن عائشة عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائى ولفظه، ولاصام شهرا كاملا قط منذ قدم المدينة
غير رمضان، وهو مثل حديث عبد الله بن عباس عند البخارى، قال ماصام النبي مؤثر شهرا كاملا قط غير رمضان
- انتهى. واختاره النووى كما سيأتى وابن القيم كما فى الهدى. ومال الطبي إلى الوجه الثانى وقال القارى: وهو أقرب
لظاهر اللفظ . وقال العينى بعد الكلام: فى الوجه الأول من وجوه الجمع، والأحسن أن يقال فيه أنه باعتبار عامين
فأكثر فكان يصومه كله فى بعض السنين وكان يصوم أكثره فى بعض السنين - انتهى. قال الحافظ: ولا تعارض
بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث فى النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين ، وكذا ماجاء من النهى عن
صوم نصف شعبان الثانى. فان الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهى على من لم يدخل تلك الأيام فى صيام إعتاد ..
وقد تقدم إن أحاديث النهى عن التقدم مقيدة بقوله مثل الا أن يكون رجل يصوم يوما، وفى الحديث دليل على
فضل الصوم فى شعبان. (وفى رواية) أى لمسلم فانه قد تفرد بها، وأخرجها أيضا النسائى وابن ماجه والبيهقى
( کان یصوم شعبان کله) أی غالبه ولذلك ذکرت قولها کان یصوم شعبان الا قليلا تفسیرا له ( كان) کذا فى
أكثر النسخ، وهكذا وقع فى صحيح مسلم وستن ابن ماجه والبيهقى والمحلى (ج ٧ ص١٤) لابن حزم وكذا نقله
٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٧.
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
يصوم شعبان إلا قليلا. متفق عليه.
٢٠٥٧ - (٢) وعن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: أكان النبى صلى الله عليه وسلم
يصوم شهرا كله، قالت: ما علمته صام شهرا كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه، حتى
مضى لسبيله. رواه مسلم.
٢٠٥٨ - (٣) وعن عمران بن حصين، عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه سأله، أو سأل رجلا
الجزرى فى جامع الأصول ( ج ٧ ص ٢٠٧) قال القارى: وفى نسخة وكان - انتهى. والظاهر أنه خطأ من
الناسخ (يصوم شعبان إلا قليلا) قال النووى: الثانى تفسير للأول وبيان إن قولها كله أى غالبه - انتهى. وقال
الحافظ : هذا يبين أن المراد بقوله فى حديث أم سلمة عند أبى داود وغيره أنه كان لا يصوم من السنة شهرا تاما
إلا شعبان يصله برمضان أى كان يصوم معظمه - انتهى . وقيل: كان يصوم كله أى فى أول الأمر. وقولها كان
يصوم شعبان إلا قليلا)، أخبار عن آخر الأمر. وقيل: المراد أنه كان يصومه كله فى سنة وأكثره فى سنة
أخرى ( متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد ومالك وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى وابن حزم
(ج ٧ ص ١٤) وأخرجه الترمذى مختصرا.
٢٠٥٧ - قوله (ما علمته صام شهرا كله إلا رمضان) وفى رواية ما رأيته صام شهرا كاملا منذ قدم
المدينة إلا أن يكون رمضان ، وهذا يؤيد قول من تأول قول عائشة كان يصوم شعبان كله بأن المراد معظمه وغالبه
(ولا أفطره) أى شهراً (كله) تأكيد له (حتى يصوم منه) أى بعضه (حتى مضى لسبيله) وفى رواية حتى مضى
لوجهه، وهو كناية عن الموت أى حتى مات. قال القارى: واللام فى ((لسبيله، مثلها فى قولك لقيته لثلاث بقين
من الشهر، تريد مستقبلا الثلاث ، أى كان حاله ما ذكر الى أن مات. قال الطيبي: حتى الأولى بمعنى كى كقولك
سرت حتى أدخل البلد بالنصب اذا كان دخولك مترقبا لما يوجد كأنك قلت: سرت كى أدخلها، وكان منقضيا
إلا أنه فى حكم المستقبل من حيث أنه فى وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقبا وتحريره، إن حتى ((الأولى))
غاية عدم الصوم باستمرار الافطار، استعقب الصوم، والثانية غاية لعدم علمه بالحالتين من الصيام والافطار والاستمرار
هو مستفاد من النفى الداخل على الماضى. والحديث وارد على هذا لأنه عليه الصلاة والسلام حين عزم أن
لا يصوم الشهر كله كان مترقبا أن يصوم بعضه، «وحتى الثانية)، غاية لما تقدمه من الجمل كلها - انتهى. وفى الحديث
أنه يستحب أن لا يخلى شهرا من صيام (رواه مسلم) وأخرجه النسائي والترمذى.
٢٠٥٨ - قوله (أنه) أى النبي صلى الله عليه وسلم (سأله) أى عمران (أو سأل رجلا) قال الحافظ: هذا
٤٠