النص المفهرس

صفحات 441-460

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
رواه أبو داود، والترمذى، وابن ماجه، والدارمى.
شعبان فلا تصوموا، والدارمى إذا كان النصف من شعبان فامسكوا عن الصوم ، وعند ابن ماجه فلا صوم حتى
يج فى رمضان . قال ابن القطان فى كتابه: روى فامسكوا كما تقدم، وروى فكفواً (عند النسائى فى الكبرى) وبين
هذين اللفظين ولفظ الترمذى وأبى دواد فرق، فان هذين اللفظين لمن كان صائما عن التمادى فى الصوم. ولفظ
الترمذى نهى لمن كان صائما ولمن لم يكن صائما عن الصوم بعد النصف ذكره الزيلعى. قال القارى: والنهى للتنزيه
رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام رمضان على وجه النشاط ، وأماً من صام شعبان كله فيتعود
بالصوم ويزول عنه الكافة. ولذا قيد بالانتصاف أو نهى عنه لأنه نوع من التقدم والله أعلم. قال الفاضى: المقصود
استجمام من لا يقوى على تتابع الصيام فاستحب الافطار كما استحب افطار عرفة ليتقوى على الدعاء. فأما من قدر
فلا نهى له ولذا جمع النبى صلى الله عليه وسلم بين الشهرين فى الصوم - انتهى. قال القارى: وهو كلام حسن لكن
يخالف مشهور مذهبه أن الصيام بلا سبب بعد نصف شعبان مكروه. وقال المنذري: من قال إن النهى عن
الصيام بعد النصف من شعبان لأجل التقوى على صيام رمضان والاستجمام له، فقد أبعد. فإن نصف شعبان إذا
أضعف كان كل شعبان أحرى أن يضعف، وقد جوز العلماء صيام جميع شعبان. وفى شرح ابن حجر المكى .
قال بعض أئمتنا: يجوز بلا كرامة الصوم بعد النصف مطلقاً تمسكا بأن الحديث غير ثابت أو محمول على من يخاف
الضعف بالصوم ورده المحققون بما تقرر بأن الحديث ثابت بل صحيح ، وبأنه مظنة للضعف وما فيط بالمظنة
لا يشترط فيه تحققها - انتهى. (رواه أبو داود) الخ وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقى كلهم من حديث العلاء بن
عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة. قال الترمذى: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا
اللفظ - انتهى . وصححه ابن حبان أيضاً. وقال أحمد وابن معين: إنه منكر كما تقدم. وقال أبو داود، فى سنته:
وكان عبد الرحمن يعنى ابن مهدى لا يحدث به. قلت: لأحمد لم قال لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يصل شعبان برمضان ، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه. قال أبو داود: وليس هذا عندى خلافه ولم يجى.
به غير العلاء عن أبيه - انتهى. وقال المنذرى فى تلخيصه: حكى أبو داود عن الامام أحمد أنه قال هذا حديث
منكر. قال: وكان عبد الرحمن يعنى أبن مهدى لا يحدث به، ويحتمل أن يكون الامام أحمد إما أنكره من جهة
العلاء بن عبد الرحمن فإن فيه مقالا لائمة هذا الشأن قال، والعلاء بن عبدالرحمن وإن كان فيه مقال فقد حدث عنه
الامام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه فى ذلك ، وقد احتج به مسلم فى صحيحه، وذکرله أحاديث انفرد بها
رواتها. وكذلك فعل البخارى أيضاً وللحفاظ فى الرجال مذاهب فعل كل منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول
والرد رضى الله عنهم انتهى كلام المنذرى. قال شيخنا فى شرح الترمذى: الحق عندى أن الحديث صحيح والله
تعالى أعلم.
٤٤١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
١٩٩٥ - (٧) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحصوا هلال شعبان لرمضان
رواه الترمذى.
١٩٩٥ - قوله (أحصوا) بفتح الهمزة وضم الصاد المهملة أمر من الاحصاء. قال تعالى ﴿وأحصوا
العدة - الطلاق: ١) قال القارى: والاحصاء، فى الأصل العد بالحصا، أى عدوا (هلال شعبان) أى أيامه (ارمضان)
أى لأجل رمضان أو الحافظة على صوم رمضان. وقال فى المفاتيح: يقال أحصى الرجل إذا علم وعد عدداً، يعنى
اطلبوا هلال شعبان وأعلموه وعدوا أيامه لتعلموا دخول رمضان ، وقال الطبى: الاحصاء أبلغ من العد فى الضبط
لما فيه من أنواع الجهد فى العد. ومن ثم كنى عنه بالطاقة فى قوله استقيموا وان تحصوا - انتهى . وقال ابن حجر
أى اجتهدوا فى احصاءه وضبطه بأن تتحروا مطالعه وتتراؤا منازله لأجل أن تكونوا على بصيرة فى أدراك هلال
رمضان على حقيقة حتى لا يفوتكم منه شىء. وقال العراقى: يحتمل أن المراد أحصوا استهلاله حتى تكملوا العدة
إن غم عليكم، أو المراد تحروا هلال شعبان وأحصوه لرمضان ليترتب عليه الاستكمال أو بالرؤية - انتهى. وهذا
الحديث مختصر من حديث، وقد رواه الدار قطى بتمامه (ص ٢٣٠) فزاد ولا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك.
صياما كان يصومه أحدكم وصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فانها ليست تغمى عليكم العدة -
انتهى. (رواه الترمذى) قال: حدثنا مسلم بن حجاج نا يحي بن يحي نا أبو معاوية عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة
عن أبى هريرة ، ومسلم بن حجاج هذا هو صاحب الصحيح. قال العراقى: لم يرو الترمذى فى كتابه شيئا عن مسلم
صاحب الصحيح إلا هذا الحديث وهو من رواية الأقران فانهما اشتركا فى كثير من شيوخهما - انتهى. والحديث
أخرجه الحاكم ( ج ١ ص ٢٥) عن أبى بكر بن اسحاق الفقيه عن اسماعيل بن قتيبة عن يحيى بن يحيى عن أبى معاوية
مختصراً. بلفظ الترمذى وأخرجه الدار قطنى عن محمد بن مخلد عن مسلم بن حجاج مطولا كما تقدم، وأخرجه
البيهقى (ج ٤ ص ٢٠٦) من طريق الحاكم مختصرا، ومن طريق الدار قطنى مطولا، وصححه الحاكم ثم الذهبي
على شرط مسلم. وقال الترمذى: حديث أبى هريرة لا نعرفه مثل هذا الا من حديث أبى معاوية والصحيح ما
روى عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم لا تقدموا شهر رمضان بيوم.
ولا یومین ، وهكذا روی عن یحیی ین أبی کثیر عن أبى سلمة عن أبى هريرة نحو حديث محمد بن عمرو - انتهى .
وقد تعقبه شيخنا فى شرح الترمذى بأن حديث أبى معاوية عن محمد بن عمرو . بلفظ أحصوا هلال شعبان. وما
روى عن محمد بن عمرو بلفظ: لا تقدموا شهر رمضان الخ. حديثان يدلان على معنيين فالأول يدل على إحصاء
هلال شعبان والتحفظ به. وقد روى أبوداود عن عائشة قالت كان رسول اللّه مَ لم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ
من غيره -الحديث، والحديث الآخر يدل على النهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين. فالظاهر أن محمد
٤٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
١٩٩٦ - (٨) وعن أم سلمة، قالت: ما رأيت النبى صلى الله عليه وسلم: يصوم شهرين متتابعين
إلا شعبان ورمضان. رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه .
١٩٩٧ - (٩) وعن عمار بن ياسر، قال: من صام اليوم الذى يشك فيه
ابن عمرو يروى هذين الحديثين عن أبى سلمة عن أبى هريرة فروى عنه أبو معاوية الحديث الأول، وروى
عنه غيره الحديث الآخر فعلى هذا يكون الحديثان صحيحين فتفكر والله تعالى أعلم.
١٩٩٦ - قوله (وعن أم سلمة) بفتح اللام أم المؤمنين (ما رأيت النبي مؤ لم يصوم شهرين متتابعين إلا
شعبان ورمضان) أى فانه كان يصوم شعبان كله أو معظمه أى أكثره، وهذا لفظ الترمذى. ولأبى داود لم يكن
يصوم من السنة شهراً تاما إلا شعبان يصله برمضان. وعند النسائى فى رواية ما رأيت رسول الله محمد الع يصوم
شهرين متتابعين إلا أنه كان يصل شعبان برمضان وله فى أخرى ولابن ماجه كان رسول اللّه عَ للعله يصل شعبان
برمضان. قال السندى: أى فيصومهما جميعاً ظاهره أنه يصوم شعبان كله كما فى حديث عائشة (عند الشيخين
وغيرهما) إنه كان يصوم شعبان كله لكن قد جاء من حديث عائشة أيضاً ما يدل على خلافه ، فلذلك حمل على أنه كان
يصوم غالبه فكأنه يصوم كله وإنه يصله بر مضان - انتهى. وسيأتى بسط معنى هذا الحديث فى باب صيام التطوع
إن شاء الله تعالى، وسبب إيراده ههنا أنه يوهم بظاهره التعارض بينه وبين ما روى من النهى عن تقدم رمضان
بصوم يوم أو يومين ، ومن النهى عن الصوم بعد نصف شعبان الأول وهذا الوهم ليس بشىء. قال الشوكانى:
لا تعارض بين ما روى عنه عَ ◌ّه من صوم كل شعبان أو أكثره، ووصله بر مضان وبين أحاديث النهى عن
تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين . وكذا ما جاء من النهى عن صوم نصف شعبان الثانى فان الجمع بينها ظاهر
بأن يحمل النهى على من بدخل تلك الأيام فى صيام يعتاده، وقد تقدم تقييد أحاديث النهى عن التقدم بقوله عز ت
إلا أن يكون شيئاً يصومه أحدكم - انتهى. ( رواه أبو داود الخ.) قد تقدم بيان الفاظهم وقد أخرجه أيضاً
الترمذى فى شمائله والدارمى والطحاوى والبيهقى، وحسنه الترمذى وسكت عنه أبو داود والمنذرى.
١٩٩٧ - قوله (من صام اليرم الذى يشك) على بناء المجهول مسندا إلى (فيه) قال الطيبي: إنما أتى
بالموصول ولم يقل يوم الشك البالغة تنبيها على أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع فكيف بمن
صام يوما الشك فيه قائم وثابت ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلوا - هود: ١١٣﴾ أى الذين
أوفس منهم أدنى ظلم فكيف بالظالم المستمر عليه - انتهى. قلت: الحديث رواه الحاكم ومن طريقه البيهقى بلفظ
من صام يوم الشك وكذا ذكره البخارى فى صحيحه تعليقا. وقال الحافظ بعد ذكر كلام الطيبي: قلت : قد وقع فى
٤٤٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم
كثير من الطرق بلفظ: يوم الشك - انتهى. والمراد من اليوم الذى يشك فيه يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير
"الهلال فى ليلته بغيم سائر أو نحوه فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان وهذا عندنا وسيأتى بيان الاختلاف
فى تعريفه (فقد عصى أبا القاسم مَثية) هو كنية رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيل: فائدة تخصيص ذكر هذه
الكنية الاشارة إلى أنه هو الذى يقسم بين عباد الله أحكامه زمانا ومكانا وغير ذلك. قال الحافظ: استدل به
على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع. قال ابن عبد البر:
هو مسند عندهم لا يختلفون فى ذلك، وخالفهم أبو القاسم الجوهرى المالكى فقال: هو موقوف. والجواب إنه
موقوف لفظا مرفوع حكما - انتهى. قال الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ٩٩) اختلف الناس فى معنى النهى عن
صيام يوم الشك. فقال قوم إنما نهى عن صيامه إذا نوى به أن يكون عن رمضان . فأما من نوى به صوم يوم
من شعبان فهو جائز، هذا قول مالك بن أنس والأوزاعى وأصحاب الرأى ورخص فيه على هذا الوجه أحمد واسماق
وقالت طائفة لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهى فيه وليقع الفصل بذلك بين شعبان ورمضان
هكذا. قال عكرمة: وروى معناه عن أبى هريرة وابن عباس وكانت عائشة وأسماء تصومان ذلك اليوم وكانت
عائشة تقول لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان. وكان مذهب عبد الله بن عمر
ابن لخطاب صوم يوم الشك إذا كان من ليله فى السماء سحاب أو قترة فان كان صحوا ولم ير الناس الهلال أفطر
مع الناس واليه ذهب أحمد بن حنبل. وقال الشافعى: ان وافق يوم الشك يوما كان يصومه صامه، وإلا
لم يصمه ـ انتهى. وقال ابن الجوزى فى التحقيق لأحمد فى هذه المسئلة: وهى ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم
أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها : يجب صومه على أنه من رمضان، ثانيها: لا يجوز فرضا
ولا نفلا مطلقا بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة وبه قال الشافعى. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز
عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك. ثالثها المرجع إلى رأى الامام فى الصوم والفطر كذا ذكر الحافظ فى
الفتح قلت إختلف الأئمة فى تعريف يوم الشك وحكم صومه وفيما إذا صامه بنية رمضان أو واجب آخر أونية
التطوع وتوضيح المقام أن السماء إذا كانت مُصيحية ليلة الثلاثين من شعبان ولميروا الهلال فصبيحة هذه الليلة
هى مصداق يوم الشك فى المشهور عن الامام أحمد ولا يجوز صومه: قال ابن قدامة (ج ٣ ص ٨٦) إن لم يروا
الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وكانت السماء مصحية لم يكن لهم صيام ذلك اليوم إلا أن يوافق صوما كانوا يصومونه
لما روى عن أبى هريرة من النهى عن تقدم صوم رمضان يوم أو يومين. وقال عمار: من صام اليوم الذى يشك
٤٤٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم: قال ابن قدامة: والنهى عن صوم يوم الشك محمول على حال الصحو.
انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: المشهور عن أحمد إنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال
أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شىء فلا يسمى شكا - انتهى. وإن كانت
السماء فى ليلة الثلاثين مغيمة فعن أحمد فى ذلك ثلاث روايات. قال الخرقى: إن حال دون منظره غيم أو قتر وجب
صيامه، وقد اجزأ اذا كان من شهر رمضان. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ٨٩) اختلف الرواية عن أحمد فى هذه
المسئلة فروى عنه مثل ما نقل الخرقى اختارها أكثر شيوخ أصحابنا وروى عنه أن الناس تبع للامام، فان صام
صاموا، وإن افطر أفطروا. وعن أحمد رواية ثالثةً لا يحب صومه ولا يجز ئه عن رمضان إن صامه ، وهو قول
أكثر أهل العلم - انتهى مختصرا. وفى الروض المربع من فروع الحنابلة إن لم ير الهلال مع الصحو ليلة الثلاثين
من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم لأنه يوم الشك المنهى عنه وإن حال دونه غيم أو فتر ، فظاهر المذهب
يحب صومه حكما ظنيا احتياطا بنية رمضان. قال فى الانصاف: وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا
فيه التصانيف وردوا حجج المخالف. قالوا نصوص أحمد تدل عليه - انتهى. وفى شرح الاقناع للشافعية
ويكره صوم يوم الشك كراهة تنزيه. قال الاسنوى: وهو المعروف المنصوص الذى عليه الأكثرون والمعتمد فى
المذهب تحريمه كما فى الروضة والمنهاج والمجموع إلا أن يوافق عادة له فى تطوعه وله صومه عن قضاء أو نذر
فلو صامه بلا سبب لم يصح كيوم العيد بجامع التحريم ، فإن قيل: «لا استحب صوم يوم الشك اذا أطبق الغيم
خروجا من خلاف الامام أحمد حيث قال بوجوب صومه حينئذ. أجيب بأنا لا تراعى الخلاف إذا خالف سنة
صريحة، وهى ههنا خبر، اذا غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان اذا تحدث
الناس برؤيته ( أى بلا ثبت) أو شهد بها عدد ترد شهادتهم كصبيان أو نساء أو عبيد أو فسقة وظن صدقهم.
وإنما لم يصح صومه عن رمضان لأنه لم يثبت كونه منهم - انتهى. وقال الدردير من المالكية: وإن غيمت
السماء ليلة الثلاثين ولم ير الهلال فصبيحته يوم الشك الذى نهى عن صومه على أنه من رمضان. وأما لو كانت
السماء مصحية لم يكن يوم شك لأنه إن لم ير كان من شعبان جزما وصيم يوم الشك عادة وتطوعا أى ابتداء بلا عادة.
وقضاء ولنذر صادف لا احتياطا على أنه إن كان من رمضان احتمب به وإلا كان تطوعا فلا يجوز. قال الدسوقى.
واذا صامه وصادف أنه من رمضان فلا يجزئه لتزازل النية - انتهى. وعند الحنفية على المشهور فى مذهبهم
يوم الشك هو الثلاثين من شعبان وان لم يكن فى السماء علة من الغيم ، وتجوه أعدم اعتبار اختلاف المطالع على
ظاهر المذهب، وجواز تحقق الرؤية فى بلدة أخرى هكذا فى الدر المختار وشرحه. وقال فى الهداية. لا يصومون.
٤٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال.
يوم الشك إلا تطوعا، وهذه المسئلة على وجوه. أحدها: أن بنوى صوم رمضان وهو مكروه (أى تحريما وهذا
هو محمل النهى عن صوم يوم الشك عندهم) ثم إن ظهر أن اليوم من رمضان يجزئه وإن ظهر أنه من شعبان كان
قطوعا، وإن أفطر (أى أفسده) لم يقضه. والثانى: أن ينوى عن واجب آخر ( كنذر وكفارة وقضاء) وهو
مكروه أيضا إلا أن هذا دون الأول فى الكراهة (يعنى أنه مكروه تنزيها) ثم إن ظهر أنه من رمضان يجزيه لأصل
النية ، وإن ظهر أنه من شعبان فقد قيل يكون تطوعا، وقيل: يجزيه عن الذى نواه وهو الأصح. والثالث: أن
ينوى التطوع وهو غير مكروه، والمراد بقوله مؤقتة لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين نهى التقدم
بصوم رمضان، لأنه يؤديه قبل أوانه. ثم إن وافق صوما كان يصومه فالصوم أفضل بالاجماع، وكذا إذا
صام ثلاثة أيام من آخر الشهر فصاعدا وإن أفرده، فقيل الفطر أفضل احترازا عن ظاهر النهى . وقيل: الصوم
أفضل اقتداء بعلى وعائشة فانهما كانا يصومانه. والمختار أن يصوم المفتى بنفسه أخذا بالاحتياط ويفتى العامة
بالتلوم إلى وقت الزوال ثم بالافطار نفيا للتهمة - انتهى مختصراً. وقال السندى: حمل حديث عمار هذا علماءنا
الحنفية على أن يصوم بنية رمضان شكا أو جزما. وأما إذا جزم بأنه نقل فلا كراهة، وبعضهم قال بالكراهة
مطلقا، والحكم بأنه عصى تغليظ على تقدير القول بالكراهة - انتهى. قلت والراجح عندى: إن يوم الشك
هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة فى ليلته ولم ير الهلال أو تحدث الناس برؤيته بلا ثبت أو شهد
بها من لم تقبل شهادته، ولا يجوز صومه لا بنية رمضان شكا أو جزما ولا بنية النفل إلا أن يوافق صوما كان
بصومه وله صومه عن قضاء أو كفارة أو نذر، وإذا صامه بنية رمضان وصادف أنه من رمضان لم يجزئه وكذا
إذا صامه عن واجب آخر أو قطوعا والله تعالى أعلم. قال الشوكانى فى النيل: قد استدل بهذه الأحاديث (أى
بحديث عمار، وبأحاديث الأمر بالصوم برؤية الهلال، وبأحاديث النهى عن استقبال رمضان بالصوم،
وبأحاديث النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين ) على المنع من صوم يوم الشك. قال: وذهب
جماعة من الصحابة إلى صومه ؛ منهم على وعائشة وعمر وابن عمر وأنس بن مالك وأسماء بنت أبى بكر وأبو هريرة
ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم. وجماعة من التابعين، فذكر أسماءهم وذكر أدلة المجوزين اصومه
وتكلم عليها، وليس فيها ما يفيد مطلوبهم ثم قال، قال ابن عبد البر، ومن روى عنه كراهة صوم.
يوم الشك عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعمار بن ياسر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة
وأنس بن مالك. ثم قال والحاصل أن الصحابة مختلفون فى ذلك. وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحجة
ما جاءنا عن الشارع وقد استوفيت الكلام على هذه المسئلة فى الأبحاث التى كتبتها على رسالة الجلال. وقاله
٤٤٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى وابن ماجه والدارمى.
فى السيل الجرار: الوارد فى هذه الشريعة المطهرة الصوم للرؤية أو لكمال العدة ثم زاد الشارع هذا ايضاعا
وبيانا ، فقال فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ، فهذا بمجرده يدل على المنع من صوم يوم الشك
فكيف، وقد انضم إلى ذلك ما هو ثابت فى الصحيحين وغيرهما من نهيه صلى الله عليه وسلم لأمته عن أن يتقدموا
رمضان بيوم أويومين فاذا لم يكن هذا نهيا عن صوم يوم الشك فلسنا ممن يفهم كلام العرب ولا ممن يدرى بواضحه
فضلا عن غامضة: ثم انضم الى ذلك حديث عمار فذكره وذكر تصحيحه عن الترمذى وابن خزيمة وابن حبان
قلت: ولابن الجوزى تصنيف مستقل فى هذه المسئلة سماه «در« اللوم والضيم فى صوم يوم الغيم)، حكى فيه عن
الصحابة الذين تقدم ذكرهم فى كلام الشوكانى القول بصوم يوم الشك. قال الولى العراقى فى طرح التثريب (ج٤
ص ١١٠) قد رد والدى رحمه الله يعنى الزين العراقى على ابن الجوزى فى حكايته هذا القول عن هؤلاء الصحابة
فذكره مفصلا ثم قال: قال والدى فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزى الا ابن عمر وأسماء وعائشة.
واختلف عن أبى هريرة. قال البيهقى: ومتابعة السنة الثابتة وما عليه أكثر الصحابة وعوام أهل العلم أولى بنا -
انتهى. (رواه أبو داود الخ) وأخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة والحاكم والدارقطنى والطحاوى والبيهقى
من طريق الحاكم وذكره البخارى فى صحيحه تعليقا بصيغة الجزم أخرجوه من رواية عمرو بن قيس الملائى عن
أبى إسحاق السبيعى عن صلة بن زفر، قال: كنا عند عمار فى اليوم الذى يشك فيه فأتى بشأة مصلية، فقال كلوا
فتنحى بعض القوم فقال إنى صائم، فقال عمار من صام الخ وقد صححه الترمذى وسكت عليه أبوداود ونقل المنذرى
قصحيح الترمذى وأقره. وصححه ابن حبان وابن خزيمة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه
الذهى. وقال الدارقطنى: حديث صحيح ورواته كلهم ثقات. وقال العراقى فى شرح الترمذى: جمع الصاعانى
فى تصنيف له الأحاديث الموضوعة فذكر فيه حديث عمار المذكور، وما أدرى ما وجه الحكم عليه بالوضع
وليس فى اسناده من يتهم بالكذب وكلهم ثقات. وقال: وقد كتبت على الكتاب المذكور كراسة فى الرد عليه
فى أحاديث ، منها هذا الحديث قال نعم فى اتصاله نظر. فقد ذكر المزى فى الأطراف أنه روى عن أبى اسحاق
السبيعى أنه قال حدثت عن صلة بن زفر، لكن جزم البخارى بصحته إلى صلة، فقال فى صحيحه. وقال صلة وهذا
يقتضى محته عنده. وقال البيهقى فى المعرفة: إن اسناده صحيح - انتهى. وفى الباب عن أبى هريرة أخرجه البزار
وفى سنده عبد الله بن سعيد المقبرى وهو ضعيف. وأخرجه أيضا الدارقطنى وفى سنده الواقدى والبيهقى (ج ٤
ص ٢٠٨) وفى سنده أبو عباد وهو عبد الله بن سعيد المقبرى المتقدم، وعن ابن عباس أخرجه الخطيب فى تاريخه
ورواه اسحاق بن راهويه فلم يجاوز به عكرمة .
٤٤٧
1

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
١٩٩٨ - (١٠) وعن ابن عباس، قال: جاء أعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنى
رأيت الهلال - بعنى هلال رمضان - فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أشهد
أن محمدا رسول الله قال: نعم، قال: يا بلال أذن فى الناس أن يصوموا غدا. رواه أبو داود،
والترمذى، والنسائى، وابن ماجه، والدارمى.
١٩٩٨ - قوله (جاء أعرابى) أى واحد من الأعراب، وهم سكان البادية . وجاء الأعرابى من الحرة
كما فى رواية لأبى داود والدار قطنى والحاكم (إنى رأيت الهلال) وفى رواية ابن خزيمة وابن حبان إنى رأيت
الهلال الليلة ولابن ماجه وأبي يعلى الموصلى أبصرت الهلال الليلة، والدار قطنى والحاكم بماء ليلة هلال رمضان.
وفيه دليل على أن الأخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى الدعوى (بعنى هلال رمضان ) أى قال
الحسن بن على الخلال شيخ أبى داود فى حديثه يعنى هلال رمضان (فقال أتشهد أن لا إله إلا الله الخ.) قال ابن
الملك: دل على أن الاسلام شرط فى الشهادة (أذن فى الناس) من الايذان أو التأذين، والمراد مطلق النداء
والأعلام أى ناد فيهم وأعلمهم (أن يصوموا غداً) وفى رواية فليصوموا غداً، وفيه دليل على العمل بخبر الواحد
وقبوله فى الصوم دخولا فيه . قال السندى: قبول خبر الواحد محمول على ما إذا كان بالسماء علة تمنع أبصار
الهلال وقوله مَّ له أتشهد أن لا إله إلا الله تحقيق لاسلامه. وفيه أنه إذا تحقق اسلامه وفى السماء غيم يقبل خره
فى هلال رمضان مطلقا سواء كان عدلا أم لا، حرا أم لا، وقد يقال كان المسلمون يومئذ كلهم عدولا فلا يلزم
قبول شهادة غير العدول إلا أن يمنع ذلك لقوله تعالى: ﴿ وإن جاءكم فاسق بنبأ - الحجرات: ٦) الآية واللّه تعالى
أعلم. وقال المظهر: دل الحديث على أن من لم يعرف منه فسق تقبل شهادته - انتهى. وأنت تعلم إن الصحابة كلهم
عدول. وقال ابن الهمام: قد يتمسك بهذا الحديث لقبول شهادة المستور لكن الحق أن لا يتمسك به بالنسبة إلى
هذا الزمان لأن ذكره الاسلام بحضرته عليه الصلاة والسلام حين سأله عن الشهادتين إن كان هذا أول أسلامه
فلا شك فى ثبوت عدالته، لأن الكافر إذا أسلم أسلم عدلا إلى أن يظهر خلافه منه، وإن كان أخباراً عن حاله
السابق فكذلك لأن عدالته قد ثبتت باسلامه فيجب الحكم ببقاءها ما لم يظهر الخلاف ولم يكن الفسق غالباً على أهل
الاسلام فى زمانه عليه الصلاة والسلام فتعارض الغلبة ذلك الأصل، فيجب التوقف إلى ظهورها كذا فى المرقاة.
.وقال الشوكانى: أجيب عن الاستدلال بحديث الأعرابى على عدم اشتراط العدالة بأنه أسلم فى ذلك الوقت
والاسلام يجب ما قبله فهو عدل بمجرد تكلمه بكلمة الاسلام، وإن لم ينضم اليها عمل فى تلك الحال (رواه
أبو داود الخ.) وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطنى والطبرانى وأبو يعلى الموصلى والبيهقى
٤٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
١٩٩٩ - (١١) وعن ابن عمر، قال: تراأى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه
وسلم إنى رأيته فصام وأمر الناس بصيامه.
كلهم من حديث سماك أبن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. قال الترمذى: هذا حديث فيه اختلاف وأكثر أصحاب
سماك يروونه عن عكرمة عن النبى مع مر سلا، ورواه النسائى مسنداً ومرسلا وذكر أن المرسل أولى بالصواب
وإن سما كا اذا تفرد بشىء لم يكن حجة، لأنه كان يلقن فليتلقن - انتهى. وقال فى المرقاة: وذكر البيهقى أن الحديث
جاء من طرق موصولا، ومن طرق مرسلا، وإن كانت طرق الاتصال صحيحة - انتهى. وقال الحافظ فى بلوغ
المرام: صحمعه ابن خزيمة وابن حبان - انتهى. وقال الجاكم: هذا الحديث محميح قد احتج البخارى بأحاديث
عكرمة، واحتج مسلم بأحاديث سماك. وقال ابن حبان: ومن زعم أن هذا الخبر تفرد به سماك وأن رفعه غير
محفوظ فهو مردود بحديث ابن عمر يعنى الذى بلى هذا .
١٩٩٩ - قوله (تراأى الناس الهلال) قال المظهر فى المفاتيح. التراثى أن يرى بعض القوم بعضا، والمراد
به ههنا إنه اجتمع الناس لطلب الهلال ورؤيته لقوله (فأخبرت) أى وحدى (إنى رأيته ) أى الهلال ( فصام)
أى رسول اللّه ◌َيَّة (وأمر الناس بصيامه) أى بصيام رمضان. وفيه دليل كحديث ابن عباس على قبول خبر الواحد
فى رؤية هلال شهر رمضان. قال الخطابي: واليه ذهب الشافعى فى أحد قوليه (قال النووى وهو الأصح وقال
الولى العراقى: هو أشهر قولى الشافعى عند أصحابه وأصحهما لكن آخر قوليه إنه لابد من عدلين . ففى الام ، قال
الربيع قال الشافعى: بعد لا يجوز على رمضان إلا شاهدان) هوقول أحمد بن حنبل، وكان أبو حنيفة
وأبو يوسف يجيزان على هلال شهر رمضان شهادة الرجل الواحد العدل وإن كان عبداً، وكذلك المرأة الواحد
وإن كانت أمة، ولا يجيزان فى هلال الفطر إلارجلين أو رجلا وأمرأتين وكان الشافعى لا يجيز فى ذلك شهادة
النساء، وكان مالك والأوزاعى واسحاق بن راهواية (والليث والثورى والشافعى فى أحد قوليه) يقولون لا يقبل
على هلال شهر رمضان ولا على هلال الفطر أقل من شاهدين عدلين - انتهى. قلت: مذهب الحنفية فى هذه المسئلة
ما فى الدر المختار قيل بلا دعوى وبلا لفظ أشهد وبلا حكم ومجلس قضاء. لأنه خبر لاشهادة للصوم مع علة كغيم
وغبار خبر عدل ومستور لا فاسق، ولو كان العدل قنا أو أنثى أو محدودا فى قذف تاب وشرط للفطر مع العدالة
والعلة نصاب الشهادة. ولفظ أشهد وعدم الحد فى قذف لتعلق نفع العبد لكن لا تشترط الدعوى، وقبل بلا علة
جمع عظيم يقع العلم بخيرهم (لعبد خفاء، عما سوى الواحد) وهو مفوض إلى رأى الامام من غير تقدير بعدد -
انتهى. واستدل للجمهور على قبول خبر الواحد العدل فى هلال رمضان بحديث ابن عباس المتقدم، وحديث
ابن عمر ولأنه خبرعن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة فقبل من واحد كالخبربدخول وقت الصلاة ، ولأنه خير
٤٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
دينى يشترك فيه المخبر . والمخبر فقبل من واحد عدل كالرواية: واستدل لمالك ومن وافقه على أنه لا يقبل فى
هلال رمضان إلا شهادة اثنين بما روى عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، أنه خطب فى اليوم الذى شك فيه،
فقال ألا إنى جالست أصحاب رسول اللّه عَّم وسألتهم، وأنهم حدثونى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما، فان شهد شاهدان مسلمان فصوموا
.وأفطروا أخرجه أحمد، وأخرجه النسائى ولم يقل فيه مسلمان، وأخرجه أيضاً الدار قطنى وذكره الحافظ فى
التلخيص (ص ١٨٧) ولم يذكر فيه قدحا وقال الشوكانى فى النيل والسيل: اسناده لا بأس به . واستدل لهم أيضاً
بحديث أمير مكة الحارث بن حاطب قال عهد إلينا رسول ◌َّ ان نفسك للرؤية فان لم تره ،وشهد شاهدا عدل
فسكنا بشهادتهما أخرجه أبو داود والدار قطنى. وقال: هذا اسناد متصل صحيح وأجاب الجمهور عن هذين
الحديثين، بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عباس وحديث ابن عمر
المذكوران يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم، فيجب تقديمهما. كذا قال
الشيخ فى شرح الترمذى. والشوكانى فى السيل الجرار. وابن قدامة فى المغنى (ج ٣ ص ١٥٨): وأما هلال
شوال فلا يقبل فيه إلا شهادة اثنين عدلين فى قول الفقهاء جميعهم إلا أبا ثور فانه قال يقبل قول واحد واليه ذهب
ابن حزم ورجحه الشوكانى فى النيل وغيره. واحتج الجمهور بحديث عبد الرحمن بن زيد وحديث الحارث بن
حاطب أميرمكة المتقدمين وبحديث ربعى بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ◌َّم. قال اختلف الناس: فى آخر
يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لاهلا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله
يرافقّ الناس أن يفطروا. أخرجه أحمد وأبو داود ومكت عنه هو والمنذرى وأخرجه الدار قطنى. وقال: اسناده
حسن ثابت. وقال الشوكانى: رجاله رجال الصحيح - انتهى. قالوا: هذه الأحاديث تدل على أن الأصل فى أمر
الهلال شهادة عدلين، وإن المدار فيه على شاهدى عدل، لكن استثنى منه هلال رمضان لحديثى ابن عباس وابن عمر
رضى الله عنهم ، فانهما نصان فى قبول شهادة العدل الواحد فى رؤية هلال رمضان. واحتج لهم أيضا بما روى
الدار قطنى والطبرانى فى الأوسط والبيهقى من طريق طاؤس. قال: شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء
رجل إلى واليها فشهد عنده على رؤية هلال شهررمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه.
قالا: إن رسول الله يرفع أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الافطار إلا بشهادة
رجلين . قال الدار قطنى: تفرد به حفص بن عمر الأعلى وهو ضعيف الحديث - انتهى. وأما ما ذهب اليه الحنفية
من الفرق بين الغيم والصحو أى باشتراط الجم الغفير فى الصحو ففيه نظر، لأنه لادليل على هذا، لا من كتاب الله
ولا من سنة رسوله ولا من قول ممابى. قال السندى فى حاشية النسائى: قوله فان شهد شاهدان (فی حديث
٤٥٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
رواه أبو داود والدارمى.
الفصل الثالث
٢٠٠٠ - (١٢) عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ
من غيره. ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام . رواه أبو داود.
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب) أى ولوبلا علة وإلا فمع العلة يكفى الواحد فى رمضان كما تقدم (أى من حديث
ابن عباس) وقد قال بهذا الاطلاق بعض المتأخرين من أصحابنا كالجمهور وهو الوجه، واشتراط الجم الغفير
بلا غيم لا يخلو عن خفاء من حيث الدليل والله تعالى أعلم - انتهى. وبسط فى الرد عليهم الخطابى فى المعالم (ج ٢
ص١٠٣) وابن قدامة فى المغنى (ج٣ ص ١٥٨) فارجع اليهما (رواه أبوداود والدارمى) وأخرجه أيضا ابن حبان
والدار قطنى والحاكم والبيهتى وابن حزم، وسكت عنه أبوداود وصححه ابن حبان وابن حزم. وقال الحاكم: صحيح
على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي . وقال النووى : اسناده على شرط مسلم .
٢٠٠٠ - قوله (يتحفظ من شعبان) أى يتكلف فى عد أيامه لمحافظة صوم رمضان ويحصيها ولا يهملها
(ما لا يتحفظ من غيره) لعدم تعلق أمر شرعى لغيره إلا شهر الحج وهو لا يحتاج اليه كل أحد فى كل سنة قاله
القارى (ثم يصوم لرؤية رمضان) أى اذا رؤى الهلال ليلة ثلاثين من شعبان (فان غم عليه) الهلال ليلة الثلاثين
من شعبان ( عد) أى شعبان (ثلاثين يوما ثم صام) أى بعد إ كمال شعبان ثلاثين يوما (رواه أبو داود)
وأخرجه أيضا الحاكم والدار قطنى والبيهقى كلهم من طريق معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبى قيس عن عائشة،
وقد سكت عنه أبو داود وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال الحافظ فى التلخيص: اسناده
صحيح وفى الدراية هو على شرط مسلم. وقال الدارقطنى: اسناده حسن صحيح. وقال المنذري: بعد نقل كلام
الدار قطنى ما لفظه، ورجال اسناده كلهم محتج بهم فى الصحيحين على الاتفاق والانفراد، ومعاوية بن صالح
الحضرمى الحمصى قاضى الأندلس، وإن كان قد تكلم فيه بعضهم فقد احتج به مسلم فى صحيحه . وقال البخارى:
قال على بن المدينى كان عبد الرحمن بن مهدى يوثقه. وقال أحمد بن حفيل: كان ثقة. وقال أبو زرعة الرازى
ثقة - انتهى . وقال ابن الجوزى: هذه عصبية من الدار قطنى كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح. وقال
أبو حاتم: لا يحتج به. قال فى التنقيح: ليست العصبية من الدارقطنى، وإنما العصبية منه فإن معاوية بن صالح ثقة صدوق
وثقه أحمد وابن مهدى وأبو زرعة، واحتج به مسلم فى صحيحه ولم يرو شيئا خالف فيه الثقات وكون يحيى بن سعيد
٤٥١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
١ - باب رؤية الهلال
٢٠٠١ - (١٣) وعن أبى البخترى، قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة، تراأينا الملا. فقال
بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فلقينا ابن عباس، فقلنا: إنا رأينا
الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أى ليلة
وأيتموه؟ قلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مده الرؤية فهو ليلة
رأيتموه.
لا يرضاه غير قادح فيه، فأن يحيى شرطه شديد فى الرجال، وكذلك قال لولم أرو إلا عمن أرضى ما رويت إلا
عن خمسة وقول أبى حاتم لا يحتج به غير قادح أيضا فانه لم يذكر السبب وقد تكررت هذه اللفظة منه فى رجال
كثيرين من أصحاب الصحاح الثقات الاثبات من غير بيان السبب كخالد الحذاء وغيره والله أعلم. ذكره الزيلعى
(ج ٢ ص ٤٣٩)
٢٠٠١ - قوله (وعن أبى البخترى) بفتح الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة، وأسمه سعيد
ابن فيروز، وهو ابن أبى عمران الطائى .ولاهم الكوفى، ثقة ثبت فيه تشيع قليل، كثير الارسال من أوساط
التابعين. قال أبو نعيم: مات فى الجماجم سنة (٨٣) وقال ابن سعد: قتل بُدجيل مع ابن الأشعث سنة (٨٣).
(بيطن نخلة) بفتح نون وسكون المعجمة غير منصرف. قال ابن حجر: قرية مشهورة شرقية مكا تسمى الآن
بالمضيق (ترا أينا الهلال) أى اجتمعنا لرؤيته. وقال النووى: أى تكلفنا النظر الى جهته لتراه (هو ابن ثلاث).
أى صاحب ثلاث ليال لعلوم درجته. قال السندى: وهذا بعيد الا وأن يكون أول الشهر مشتبها فافهم (فلقينا).
. أى نحن (ابن عباس) بالنصب. قال السندى: يحتمل أن يكون مجازاً عن لقاء رسولهم. ويحتمل أنهم لقوة بعد أن
أرسلوا اليه الرسول وعلى الوجهين لامنافاة بين هذه الرواية الآتية والله أعلم (أنا) أى معشر القوم (رأينا الهلال)
أى مرتفعاً جداً (أى ليلة) قال القارى: بالرفع وفى نسخة صحيحة بالنصب وهو افصح من آية ليلة (رأيتموه)
أى الهلال فيها (ليلة كذا) أى رأيناه ليلة كذا وهو الاثنين مثلا (وكذا) يعنى عينوا الليلة التى رأوه فيها ولم يظهر
إلى وجه تكرير كذا (فقال إن رسول اللّه يَفّم مده). قال النووى: هكذا هو فى بعض النسخ من صحيح مسلم وفى.
بعضها فقال إن رسول اللّه مَثّم قال: إن الله مده (الرؤية) قال النووى: جميع النسخ من صحيح مسلم متفقة على
هده من غير ألف فى هذه الرواية. قال الطيبي أى جعل مدة رمضان رؤية الهلال (فهو) أى رمضان (ليلة رأيتموه).
قال ابن حجر: باضافة ليلة الى الجملة. قال القارى: وفى النسخ المصححة بالتنوين ، ويدل عليه ما سبق من قوله »
٤٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٢ - باب
وفى رواية عنه. قال: أهالنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس يسأله، فقال
ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى قد أمده لرؤيته، فان أغمى عليكم
فأكملوا العدة. رواه مسلم.
(٢) باب
أى ليلة رأيتموه غايته أنه يقدر فيها فيهما. والمعنى رمضان حاصل لأجل رؤية الهلال فى تلك الليلة ولا عبرة
بكبره. وأما قول ابن حجر فهو حاصل وقت ليلة الرؤية فغير صحيح لإضافة الوقت الى الليلة وهى الوقت أيضاً -
انتهى. فتأمل (وفى رواية عنه) أى عن أبى البخترى (أهلنا هلال رمضان) فى النهاية أهل المحرم بالحج اذ لى ورفع
صوته ومنه إهلال الهلال واستهلاله اذا رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته - انتهى. فمعناه رأينا هلال رمضان
(ونحن بذات عرق) بكسر العين وسكون الراء. قال ابن حجر: فوق بطن نخلة بنحو يوم اذ هى على مرحلتين من مكة
وبطن نخلة على مرحلة ( يسأله) أى عما وقع بيننا مما تقدم (قد أمده لرؤيته) قال النووى: هكذا هو فى جميع
النسخ أمده بألف فى أوله. قال القاضى: قال بعضهم الوجه أن يكون أَّده بتشديد الميم من الأمد أو أمدًّ
من الامداد . قال القاضى والصواب عندى: بقاء الرواية على وجها ومعناه أطال مدته الى الرؤية (أى أطال مدة
شعبان الى رؤية هلال رمضان) يقال منه مد وأمد قال الله تعالى ﴿واخر أنهم يمدونهم فى الغى - الأعراف: ٢٠٢)
قرى. بالوجهين أى يطيلون لهم. قال: وقد يكون أمده من المدة التى جعلت له. قال صاحب الافعال: أمددتك
حدة أى أعطيتكا - انتهى. قال الأبى الهاء فى أمده عائد على الشهر بمعنى أن الله قد حكم بمد الشهر الأول الى رؤية
هلال الشهر الثانى (فان أغنى عليكم) أى أخفي عليكم بنحو غيم (فأكملوا العدة) أى عدة شعبان ثلاثين يوما كما فى
رواية الدار قطنى. فيه أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وانما العبرة بالرؤية أو باكمال العدة ثلاثين. قال ابن
حجر : لا ينافى هذه الرواية ما قبلها لاحتمال أنهم تراءوه بذات عرق وتنازعوا فيه فأرسلوا يسألونه فأجابهم
بذلك. فلما وصلوا بطن نخلة رأوه فسألوه شفاها، فأجابهم بما يطابق الجواب الأول. وحاصلهما أنه لا بد فى
الحكم بدخول رمضان ليلة ثلاثى شعبان من رؤية هلاله ذكره القارى ( رواه مسلم ) وأخرجه أيضاً الدار قطنى
وأخرج البيهنى الرواية الثانية .
( باب): أى فى مسائل متفرقة من كتاب الصوم.
٤٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
- كتاب الصوم
٢ - باب
( الفصل الأول )
٢٠٠٢ - (١) عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: ((تسحروا فإن فى السحور
بركة)).
٢٠٠٢ - قوله (تسحروا) تفعل من السحر بفتحتين وهو قبيل الصبح والمراد الأكل فى ذلك الوقت أى
تناولوا شيئاً ما وقت السحر لما روى عن أنس مرفوعا تسحروا ولو بجرعة من ماء أخرجه أبو يعلى بسند ضعيف.
قال الحافظ: يحصل السحور بأ كل ما يتناوله المرأ من مأكول ومشروب. وقد أخرج أحمد (ج٣ ص٤٤،١٢)
من حديث أبى سعيد الخدرى بلفظ: السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يحرع أحدكم جرعة من ماء فان الله
وملائكته يصلون على المتسحرين ، ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة تسحروا ولو بلقمة ـ انتهى.
وظاهر الأمر وجوب التسحر ولكنه صرفه عنه الى الندب ما من مواصلته صلى الله عليه وسلم ومواصلة أصحابه
ونقل ابن المذر الاجماع على أن التسحر مندوب (فان فى السحور بركة) بالنصب اسم ((إن)) والسحور بفتح السين
اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب ، وبالضم أكله أى المصدر والفعل نفسه. قال السندى: الوجهان جائزان
ههنا . والبركة فى الطعام باعتبار ما فى أكله من الأجروالثواب والتقوية على الصوم وما يتضمنه من الذكر والدعاء
فى ذلك الوقت والفتح هو المشهور رواية. وقال الجزرى: فى النهاية أكثر ما يروى بالفتح . وقيل : الصواب
بالضم لأنه المصدر والأجر فى الفعل لا فى الطعام يعنى إن الا كل هو محل البركة لا نفس الطعام والحق جواز
الوجهين كما عرفت. قال ابن دقيق العيد: البركة محتملة لأن تضاف الى كل واحد من الفعل والمتسخر به معاً.
وقال الحافظ: السحور بفتح السين وبضعها لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنه مصدر بمعنى
التسحر أو البركة لكونه يقوى على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنه ما يتسحر به . وقيل:
البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء فى السحر والأولى أن البركة فى السحور تحصل بجهات متعددة وهى اتباع
السنة ومخالفة أهل الكتاب والتقوى به على العبادة، والزيادة فى النشاط ومدافعة سوء الخلق الذى يثيره الجوع،
والتسبب بالصدقة على من يسأل اذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة
وتدارك فية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد (ج ٢ ص ٢٠٨) هذه البركة يجوز أن تعود
الى الأمور الأخروية فان إقامة السنة توجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود الى الأمر الدنيوية كقوة البدن
على الصوم وتيسيره من غير إضرار بالصائم. قال. وما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب فانه
يمتنع عندهم السحور وهذا أحد الوجوه المقتضية الزيادة فى الأجور الأخروية وقال (ج ٢ ص ٢٠٩ - ٢١٠)
६०६

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٢ - باب
متفق عليه .
٢٠٠٣ - (٢) وعد عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فصل ما بين
صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر. رواه مسلم .
٢٠٠٤ - (٣) وعن سهل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الناس بخير
أيضاً، والتصوفة فى هذا يعنى مسئلة السحور كلام من جهة اعتبار معنى الصوم. وحكمته وهى كسر شهوة البطن
والفرج والسحور قد يباين ذلك. قال والصواب: أن يقال ما زاد فى المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية
لا يستحب كعادة المترفين فى التألق فى المآكل والمشارب وكثرة الاستعداد لها وما لا ينتهى الى ذلك فهو مستحب
على وجه الاطلاق. وقد يختلف مراتب هذا الاستحباب باختلاف مقاصد الناس وأحوالهم واختلاف مقدار
ما يستعملون - انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه والدارمى والبيهقى. وفى الباب
عن ابن مسعود وأبى هريرة عند النسائى وأبى سعيد عند أحمد والطبرانى فى الأوسط بنحو حديث أنس.
٢٠٠٣ - قوله (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب) ((ما)) زائدة أضيف اليها الفصل بمعنى الفرق
قاله القارى وقال السندى: الفصل بمعنى الفاصل و((ما)، موصولة وإضافته من اضافة الموصوف إلى الصفة، أى
الفارق الذى بين صيامنا وصيام أهل الكتاب (أكلة السحر) قال النووى: الأكلة بفتح الهمزة هكذا ضبطناه
وهكذا ضبطه الجمهور وهو المشهور فى روايات بلادنا، وهى عبارة عن المرة الواحدة من الأكل كالغدوة والعشوة،
وإن كثر المأكول فيها. وأما الأكلة بالضم فهى اللقمة الواحدة، وادعى القاضى عياض أن الرواية فيه بالضم،
ولعله أراد رواية بلادهم فيها بالضم . قال: والصواب الفتح لأنه المقصود هنا - انتهى كلام النووى. وقال القرطبى
فى ضبطه: بالضم بعد لأن الأ كلة بالضم هى اللقمة وليس المراد إن المتسحر يأكل لقمة واحدة. قال: ويصح أن
يقال عبر عما يتسحر به باللقمة لفلته - انتهى. وقال السندى: الأكلة بالضم لاتخلوا عن اشارة الى أنه يكفى اللقمة
فى حصول الفرق - انتهى. والسحر بفتحتين آخر الليل. قال التوربشتى: والمعنى إن السحور هو الفارق بين صيامنا
وصيام أهل الكتاب لأن الله تعالى أباحه لنا الى الصبح بعد ما كان حراماً علينا أيضاً فى بدء الاسلام وحرمه
عليهم بعد أن يناموا، أو مطلقا، ومخالفتنا إياهم فى ذلك تقع موقع الشكر لتلك النعمة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا
أحمد ( ج ٤ ص ٢٠٢) والترمذى وأبو داود والنسائى والدارمى والبيهقى .
٢٠٠٤ - قوله (لا يزال الناس بخير) قال الحافظ: فى حديث أبى هريرة يعنى الآتى فى الفصل الثالث لايزال
الدين ظاهرا وظهور الدين مستلزم لدوام الخمير. وقال الشاه ولى الله الدهلوى: هذا إشارة الى أن هذه مسئلة
٤٥٥

مرعاة المفاتيح ج.٦
٧ - كتاب الصوم
٢ - باب
ما . يعملوا الفطر . متفق عليه
.
٢٠٠٥ - (٤) وعن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقبل الليل من هنا وأدر
النهار من مهنا وغربت الشمس ،
دخل فيها التحريف من أهل الكتاب فيمخالفتهم ورد تحريفهم قيام الملة (ما عجلوا الفطر) أى ما داموا على هذه
السنة. قال السندى: أى مدة تعجيلهم ((فما)) ظرفيه والمراد ما لم يؤخروا عن أول وقته بعد تحقق الوقت - انتهى.
قال النووى: معناه لا يزال أمر الأمة منتظما وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة واذا أخروه كان ذلك
علامة على فساد يقعون فيه - انتهى. وقال الحافظ: زاد أبو ذر فى حديثه وأخروا السحور أخرجه أحمد ((وما))
ظرفية أى مدة فعلهم ذلك امتثالا للسنة واقفين عند حدها غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها، زاد أبوهريرة
فى حديثه لأن اليهود والنصارى يؤخرون أخرجه أبو داود وغيره. وتأخير أهل الكتاب له أمد وهو ظهر النجم.
وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضا بلفظ : لا تزال أمتى على سنتى ما لم تنتظر بفطرها النجوم،
وفيه بيان العلة فى ذلك . قال المهلب: والحكمة فى ذلك أن لا يزاد فى النهار من الليل ولأنه أرفق بالصائم وأقوى
له على العبادة. واتفق العلماء على أن محل ذلك اذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو باخبار عدلين وكذا عدل
واحد فى الأرجح - انتهى كلام الحافظ. قال التوربشتى: ولو أن بعض الناس أخر الفطر وقصده فى ذلك تأديب
النفس ودفع جماحها أو مواصلة العشاءين بالنوافل غير معتقد وجوب التأخير لم يضره ذلك. قال القارى: بل
يضره حيث يفوته السنة وتعجيل الاقطار بشربة ماء لا ينافى فى التأديب. والمواصلة مع أن فى التعجيل إظهار العجز
المناسب للعبودية ومبادرة الى قبول الرخصة من الحضرة الربوبية - انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد
(ج ٥ ص ٢٣١، ٢٣٤، ٢٤٦ - ٢٣٩،٢٣٧) والتر مذى ومالك وابن ماجه والدارمى والبيهقى، وأخرج ابن
حيان وابن خزيمة والحاكم بنحوه .
٢٠٠٥ - قوله (اذا أقبل الليل) أى ظلامه (من هنا) أى من جهة المشرق ففى حديث عبد الله بن أبى
أو فى عند البخارى إذا رأيتم الليل أقبل من مهنا وأشار باصيعه قبل المشرق (وأدبر النهار) أى ضياء، فكل على
حذف مضاف (من ههنا) أى من جهة المغرب (وغربت) بفتح الراء ألى غابت (الشمس) أى كلها . قال الطيبي:
وإنما قال غربت الشمس مع الاستغناء عنه لبيان كمال الغروب، كيلا يظن أنه يجوز الافطار لغروب بعضها -
انتهى . وقال الحافظ: ذكر فى هذا الحديث ثلاثة أمور، لأنها وإن كانت متلازمة فى الأصل لكنها قد تكون فى
الظاهر غير متلازمة ، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون اقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطى ضوء
٤٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٢ - باب
فقد أفطر الصائم. متفق عليه.
٢٠٠٦ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن الوصال
فى الصوم.
الشمس، وكذلك إدبار الثهار. فمن ثم قيد بقوله ((وغربت الشمس)) إشارة الى تحقق الاقبال والإدبار وإنهما
بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر (فقد أفطر الصائم) أى أنقضى صومه شرعاوتم ولا يوصف الآن بأنه صائم
فان بغروب الشمس خرج النهار ودخل الليل والليل ليس محلا الصوم قاله النووى. وقال الحافظ: أى دخل فى وقت
الفطر وجاز له أن يفطركا يقال أنجد اذا أقام بنجد وأنهم إذا أقام بتهامة (وأصبح اذا دخل فى وقت الصبح وأمسى
وأظهر كذلك). ويحتمل أن يكون معناه فقد صار م فطراً فى الحكم (وإن لم يفطر حساً) لكون الليل ليس ظرفا
للصيام الشرعى. وقد ردّ هذا الاحتمال ابن خزيمة. وأومأ إلى ترجيح الأول (من المعنيين اللذين ذكرهما الحافظ)
فقال قوله فقد ((أفطر الصائم، لفظ خبر ومعناه الأمر أى فليفطر الصائم ولو كان المراد فقد صار مفطرا كان فطر
جميع الصوام واحداً ولم يكن للترغيب فى تعجيل الافطار معنى - انتهى. ورجح الحافظ المعنى الأول بما وقع فى
حديث عبد الله بن أبى أوفى عند أخمد (ج ٤ ص ٣٨٢) من طريق شعبة عن سليمان الشيبانى بلفظ: اذا جاء الليل.
من ههنا فقد حل الافطار. وقال الطيبي: ويمكن أن يحمل الأخبار على الانشاء اظهاراً للحرص على وقوع المأمور
به. قال ابن حجر: أى اذا أقبل الليل فليفطر الصائم وذلك إن الخيرية منوطة بتعجيل الافطار فكانه قد وقع
وحصل وهو يخبر عنه ( متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج ١ ص ٢٨، ٣٥، ٤٨، ٥٤) والترمذى وأبو داود
والدارمى وابن خزيمة والبيهقى ( ج ٤ ص ٢٣٧،٢١٦).
١
٢٠٠٦ - قوله (نهى عن الوصال فى الصوم ) هو تتابع الصوم من غير فطر بالليل. وقال الحافظ: هو
الترك فى ليالى الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقا ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه .
انتهى. وقال الطحاوى: هو أن يصوم ولا يفطر بعد الغروب أصلا حتى يتصل صوم الغد بالأمس والفرق بين
صيام الوصال وصيام الدهر ، إن من صام يومين أو أكثر ولم يفطر ليلنهما فهو « واصل، وليس هذا صوم الدهر
ومن صام عمره وأفطر جميع لياليه هو صائم الدهر ، وليس بمواصل. فهما حقيقتان مختلفان متغائرتان . والحديث
دليل على تحريم الوصال لأنه الأصل فى النهى. واختلف العلماء فى ذلك على أقوال كما ستعرف، وقد أبيح الوصال
إلى السحر لحديث أبى سعيد عند البخارى ومسلم لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، وفى حديث
أبى سعيد هذا دليل على أن إمساك بعض الليل مواصلة واختلف العلماء فى حكم الوصال بترك الافطار مطلقا
٤٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٢ - باب
فذهب أهل الظاهر إلى القول بتحريمه صرح به ابن حزم وصححه ابن العربى من المالكية، والشافعية فيه وجهان،
التحريم والكراهة التنزيهية، والراجح الأصح عندهم التحريم. قال ابن قدامة: ظاهرةول الشافعى أنه محرم تقريرا
الظاهر النهى - انتهى. وذهب مالك وأحمد وأبو حنيفة واتباعهم إلى أنه غير محرم بل مكروه تنزيها وذهب
جماعة من السلف إلى جوازه مطلقا وقيل محرم فى حق من يشق عليه ويباح لمن لا يشق عليه. قال الحافظ: اختلف
فى المنع المذكور فى أحاديث النهى عن الوصال. فقيل على سبيل التحريم. وقيل: على سبيل الكراهة. وقيل: يحرم على
من شق عليه ويباح لمن لا يشق عليه، وقد اختلف السلف (أى الصحابة والتابعون) فى ذلك فنقل التفصيل عن
عبد الله بن الزبير وروى ابن أبى شيبة باسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشريوماً، وذهب اليه من الصحابة
أيضا أخت أبى سعيد الخدرى، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبى نعم وعامر بن الزبير وابراهيم بن يزيد النيمى
وأبو الجوزاء كما نقله أبو نعيم فى ترجمته فى الحلية وغيرهم رواه الطبرى وغيره من حجتهم فى ذلك ما ثبت
عنه موقع أنه واصل بأصحابه بعد النهى لما أبو أن ينتهوا عن الوصال فواصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال.
فقال: لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبو أن ينتهوا، فلوكان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله ، فعلم أنه أراد
بالنھی الرحمة لهم والتخفيف عنهمکما صرحت به عائشة فى حديثها عند الشیخین، حیث قالت نهى رسول الله ،ٹے عن
الوصال رحمة لهم، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله من
لم يشق عليه فن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السنة فى تعجيل الفطر لم يمنع من
الوصال ويدل على أنه ليس بمحرم حديث أبى داود عن رجل من الصحابة، قال نهنى النبى صلى الله عليه وسلم
عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه اسناده صحيح كما قال الحافظ: وأبقاء متعلق بقوله نهى
وروى البزار والطبرانى من حديث سمرة نهى النبي مؤ لّم عن الوصال وليس بالعزيمة وإسناده ضعيف كما قال
الهيشمى: لكنه يصلح شاهدا للحديث السابق ومن أدلة الجواز إقدام الصحابة على الوصال بعد النهى
فان ذلك يدل على أنهم فهموا أن النهى للتنزيه لا للتحريم وإلا لمالقدموا عليه ويؤيد أنه ليس بمحرم أيضا ماروى
أحمد والطبرانى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبى حاتم فى تفسيريهما باسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشيربن
الخصاصية، قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة فتعنى بشير. وقال: إن النبي ◌َّهُ نهى عن هذا، وقال يفعل
ذلك النصارى ولكن صوءوا كما أمركم الله تعالى: ﴿أَنموا الصيام إلى الليل - البقرة: ١٨٧) فاذا كان
الليل فأفطروا لفظ ابن أبى حاتم قال الحافظ: فيه أنه يَّ سوى فى علة النهى بين الوصال وبين تأخير الفطر
حيث قال فى كل منهما أنه فعل أهل الكتاب ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتد به من أهل
٤٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٢ - باب
الظاهر - انتهى. قال الشوكانى: فلا أقل من أن تكون هذه الأدلة التى ذكروها صارفة للنهى عن الوصال عن
حقيقته - انتهى . قال الحافظ: ويدل على أنه ليس بمحرم من حيث المعنى بما فيه من فطم النفس عن شهواتها وقمعها
عن ملذاتها فلهذا استمر على القول بجوازه مطلقا أو مقيدا بمن لم يشق عليه من تقدم ذكره - انتهى. واحتج
من ذهب إلى تحريم الوصال بما ثبت من النهى عنه فى حديث أبى هريرة وحديث أنس وحديث ابن عمر وحديث
عائشة متفق عليهن ، فان النهى حقيقة فى التحريم . وقد تقدم الجواب عن هذا فى كلام الشوكانى فتفكر. واحتجوا
أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث عمر المتقدم اذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههذا فقد أفطر الصائم
إذ لم يجعل الليل محلا لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر وأجاب هؤلاء عن قول عائشة
رحمة لهم بأن هذا لا يمنع التحريم فان من رجمته لهم إن حرمه عليهم. وأما مواصلته بأصحابه بعد نهيه فلم يكن
تقريرا بل تقريما وتنكيلا فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهى فى تأكيد زجرهم ، لأنهم اذا باشروه ظهرت لهم
حكمة النهى . وكان ذلك ادعى إلى قلوبهم لما يترتب عليهم من الملل فى العبادة، والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح
من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك والجوع الشديد ينافى ذلك، وقد صرح بأن الوصال يختص به لقوله :
(أست فى ذلك مثلكم)). وقوله: (( لست كهيئتكم، هذا مع ما انضم إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما تقدم
كذا فى الفتح والأقرب من الأقوال المذكورة عندى هو التفصيل والله تعالى أعلم. وأما الوصال إلى السحر
فاختلفوا فيه أيضاً. قال مالك: أنه مكروه لعموم النهى. وقال أحمد: لا يكره بل يجوز لكن تعجيل الفطر أفضل
أى ترك الوصال إلى السحر أولى ولم يتعرض له فقهاء الحنفية، والذى يظهر من كلامهم وكلام الشافعية أن الوصال
إلى السحر ليس بشىء. قال الحافظ: ذهب أحمد واسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية (والبخارى
وطائفة من أهل الحديث) إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبى سعيد المذكور، وهذا الوصال لا يترتب عليه
شىء مما يترتب على غيره (أى الوصال بعدم الافطار مطلقا) لأنه فى الحقيقة بمنزلة عشاء، إلا أنه يؤخره لأن الصائم
له فى اليوم واللية، أكلة فاذا أكلها فى السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره وكان أخف لجسمه فى قيام
الليل ، ولا يخفى إن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة وانفصل أكثر الشافعية عن ذلك بأن
الامساك إلى السحرليس وصالا بل الوصال أن يمسك فى الليل جميعه كما يمسك فى النهار، وإنما أطلق على الامساك
إلى السحر وصالا لمشابهته الوصال فى الصورة. ويحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة فى إمساك
جميع الليل. وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من سحر إلى سحر أخرجه أحمد وعبد الرزاق من
حديث على، والطبرانى من حديث جابر، وأخرجه سعيد بن منصور مرسلا - انتهى. والقول الراجح عندى هو
٤٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٢ - باب
فقال له رجل إنك تواصل يا رسول الله ! قال: وأيكم مثلى إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى.
ما ذهب اليه أحمد والله تعالى أعلم (فقال له رجل) كذا فى هذه الرواية وفى أكثر الأحاديث قالوا: بالجمع. قال
الحافظ: وكأن القائل واحد، ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به ولم أقف على تسمية القائل فى شىء من الطرق
(إنك تواصل يارسول الله) أى ووصلك دال على إباحثة فأجابهم صلى الله عليه وسلم بأن ذلك من خصائصه
حيث (قال وأيكم مثلى) بكسر الميم، وفى رواية لمسلم لستم فى ذلك مثلى، وفى حديث أنس لست كأحد منكم، وفى
حديث ابن عمر لست مثلكم ، وفى حديث أبى سعيد لست كهيتكم، قال الحافظ: بعد ذكر رواية الكتاب وهذا
الاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد وقوله: ((مثلى)، أى على صفتى أو منزلتى من ربى (إنى ) استيناف مبين
لنفى المساواة بعد نفيها بالاستفهام الانكارى (أبيت) وفى حديث أنس عند البخارى فى التمنى إنى أظل ، وهو
محمول على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ، لأن المتحدث عنه هو الامساك ليلا لا، نهارا، وأكثر الروايات إنما
هو بلفظ: أبيت فكأن بعض الرواة عبر عنها بلفظ : أظل نظرا إلى اشتراكهما فى مطلق الكون يقولون كثيرا
أضحى فلان كذا مثلا ، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى
ظل وجهه مسودا - النحل: ٥٨) فان المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل (يطعمنى ربى)
قال الطيبي: إما خبر وإما حال إن كان تامة وفى التعبير بالرب إشارة إلى خصيصة المقام بشأن الربوبية (ويسقينى)
بفتح الياء ويضم، واختلف فى معنى قوله: ((يطعمنى ويسقينى)) على قولين الأول أنه على ظاهره وحقيقته وأنه
زفّ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له يتناولها فى ليالى صيامه وتعقبه ابن بطال والقرطبي وابن
قدامة ومن تبعهم بأنه لوكان كذلك لم يكن مواصلا لأنه حينئذ يكون مفطرا وقد أقرهم على قولهم إنك تواصل
وأجيب بأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجرى عليه أحكام المكلفين فيه
كما غسل صدره مية فى طست الذهب، مع أن استعمال أو انى الذهب الدينوية حرام. وقال ابن المنير: الذى
يفطر شرعا إنما هو الطعام المعتاد وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من
جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأ كل أهل الجنة، والكرامة لاتبطل العبادة وثانيهما وهو قول الجمهور
إنه مجاز واختفلوا فى توجيهه على أقوال. أحدها أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال
يعطينى قوة الآكل والشارب ويفيض علىّ ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوى على أنواع الطاعات من غير
ضعف فى القوة ولا كلال فى الأعضاء والثانى إن الله يخلق فيه من الشبع والرى ما يغنيه عن الطعام والشراب
فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا رى مع الجوع
٤٦٠