النص المفهرس
صفحات 421-440
مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧- كتاب الصوم وأعطى كل سائل. ١٩٨٧ - (١٢) وعن ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إن الجنة تزخرف لرمضان من رأس الحول إلى حول قابل، قال إذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش من ورق الجنة على الحور العين، فيقلن: يارب. اجعل لنا من عبادك وقال فى اللعات: فان قلت كيف يجوز إطلاق كل أسير، وقد يكون على بعض الأمراء حق لأحد قلنا لم يكن إسراءه ◌َفقة إلا الكفار أسراء الغزوات وهو خير فيهم بعد الأسر بين المن والاطلاق، وأخذ الفداء والاسترقاق عند أكثر الأئمة وتعين القتل أو الاسترقاق عند الحنفية ولم يكن بينهم من عليه حقوق الناس من الديون ونحوها ولو كانت فلعله صلى الله عليه وسلم كان يرضى أهلها ويطلق والله أعلم (وأعطى كل سائل) أى زيادة على معتاده فإنه حينئذ أجود من الريح المرسلة، وفيه تدب العتق فى رمضان والتوسعة على الفقراء فيه والحديث ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ( ج ٢ ص ١٥٠) ونسبه إلى البزار وقال فيه أبو بكر الهذلى وهو ضعيف - انتهى. وقال السيوطى فى الجامع الصغير: رواه البيهقى فى الشعب عن ابن عباس وابن سعد عن عائشة. قال العزيزى: وهو حديث ضعيف - انتهى. قات أبو بكر الهذلى هذا من رجال ابن ماجه. قيل: اسمه سلمى بن عبد الله. وقيل: روح اخبارى منكر الحديث متروك ، ١٩٨٧ - قوله (تزخرف) أى تزين بالذهب ونحوه (لرمضان) أى لأجل قدومه (من رأس الحول إلى الحول قابل ) أى يبتدأ التزين من أول السنة منتهيا إلى سنة آتية أول الحول غرة المحرم، وحاصله إن الجنة فى جميع السنة من أولها إلى آخرها مزينة لأجل رمضان وما يترتب عليه من كثرة الغفران ورفع درجات الجنان ما قبله وما بعده من الزمان، ولا يبعدأن يجعل رأس الحول مما بعدرمضان ولعله إصطلاح أهل الجنة ويناسبه كونه يوم عيد وسرور. ووقت زينة وحبور قاله القارى. قال ابن حجر: لعل المراد هنا بالحول بأن تبتدىء الملائكة فى تزيينها أول شوال وتستمر إلى أول رمضان فتفتح أبوابها حينئذ ليطلع الملائكة على ما لا يطلعون عليه قبل، إعلاما لهم بعظم شرف رمضان وشرف هذه الأمة ومجازاتهم على صومهم بمثل هذا النعيم المقيم الظاهر الباهر - انتهى . (قال) أى النبي صلى الله عليه وسلم (هبت) أى هاجت (ريح تحت العرش) أى من تحت العرش فنثرت رائحة عطرة طيبة. قال ابن حجر : تحت العرش أى فى الجنة لأن سقف الجنة عرش الرحمن كما فى الحديث. وقيل: الظاهر إن الريح تنزل من تحت العرش مبتدأ باعتبار ظهورها فى الجنة (من ورق الجنة) أى من ورق شجرها مبتدأ (على الحور العين ) أى منتشرة على رؤسهن. والحور جمع حوراء من الحور بفتحتين شدة بياض العين فى شدة سوادها، والعين بكسر العين جمع عيناء بفتحها من عين يَعْين عيناً أى عظم سواد عينه فى سعة (من عبادك) أى - ٤٢١ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧- كتاب الصوم أزواجا تقر بهم أعيننا، وتقر أعينهم بنا. روى البيهقى الأحاديث الثلاثة. فى شعب الإيمان. ١٩٨٨ - (١٣) وعن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: يغفر لأمته فى آخر ليلة فى رمضان، الصالحين الصائمين القائمين ( نقر ) بفتح القاف وتشديد الراء أى تتلذذ (بهم) أى بطلعتهم وصحبتهم (أعيننا) أى أبصارنا قال الطيبي: هو من القر بمعنى البرد، وحقيقة قولك قر الله عينه جعل دمع عينه باردا وهو كناية عن السرور فإن دمعته باردة. أو من القرار فيكون كناية عن الفوز بالبغية، فان من فاز بها قرنفسه ولا يستشرف عينه إلى مطلوبه لحصوله. والحديث ذكره العينى (ج ١٠ ص ٢٦٩) والهيشمى (ج ٣ ص ١٤٢) ونسباه إلى الطبرانى فى الكبير. وقالا: فيه الوليدبن الوليد القلافسى الدمشقى ضعفه الدار قطنى وغيره ووثقه أبو حاتم بقوله صدوق، ونسبه على المتقى فى الكنز إلى الطبرانى وأبى نعيم فى الحلية، والدارقطنى فى الأفراد. والبيهقى فى الشعب، وتمام فى فوائده . وابن عساكر، وقال فيه الوليد بن الوليد الدمشقى. قال أبو حاتم: صدوق . وقال الدار قطنى وغيره: متروك - انتهى. وله شاهد من حديث أبى مسعود الغفارى أخرجه ابن خزيمة: فى صحيحه، وأشار إلى ضعفه كما سيأتى والبيهقى من طريقه وضعفه، وأبو الشيخ فى الثواب وأبو يعلى والطبرانى، وفى سنده جرير بن أيوب البجلى. قال ابن خزيمة : فى القلب من جرير بن أيوب شىء. وقال المنذرى: جرير بن أيوب هذا واه - انتهى. وقال العينى (ج ١٠ ص ٢٦٨) بعد ذكر هذا الحديث: هذا حديث منكر وباطل ، وفى سنده جرير بن أيوب البجلى الكوفى كان يضع الحديث، قاله وكيع وأبو نعيم الفضل بن دكين. وقال ابن معين: ليس بشىء. وقال البخارى وأبو زرعة: منكر الحديث. وقال النسائى: متروك الحديث - انتهى. قلت: أورد هذا الحديث ابن الجوزى فى الموضوعات، وقال هو موضوع آفته جرير بن أيوب، واستدرك عليه السيوطى. وقال صاحب الكنز: لم يصب ابن الجوزى، وقال الشوكانى : بعد ذكر كلام ابن الجوزى المتقدم: وسياقه بما يشهد العقل بأنه موضوع فلا معنى لاستدراك السيوطى له على ابن الجوزى، بأنه قد رواه غير من رواه عنه ابن الجوزى، فان الموضوع لا يخرج عن كونه موضوعا برواية الرواة - انتهى. ولحديث الباب شاهد آخر من حديث ابن عباس ذكره المنذرى ونسبه للبيهقى، پأبى الشيخ ابن حبان، وقال : ليس فى إسناده من أجمع على ضعفه. ١٩٨٨ - قوله (يغفر لأمته) أى لجميع الصائمين منهم. قال الطيبي: هذا حكاية معنى ما تلفظ به مؤتم لا لفظه أى الذى هو يغفر لأمتى. قات: الذى فى مسند الامام أحمد يغفر لهم، وهكذا وقع عند غيره ممن خرج هذا . الحديث ، فقوله لأمته من تصرف المصنف. والأولى أن يقول لأمتى كما يدل عليه أول الحديث (فى آخر ليلة فى رمضان) قال القارى: وفى نسخة ((من رمضان)). قلت: هذا اللفظ ههنا من زيادة المصنف زادها لتعيين الليلة. ٤٢٢ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم قيل يا رسول الله! أ هى المة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله. رواه أحمد. (١) باب رؤية الهلال ( الفصل الأول )! ١٩٨٩ - (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصوموا ولدلالة السياق عليها والمراد مغفرته الكاملة ورحمته الشاملة فلا ينافى ما سبق من أن أوسطه مغفرة (قيل يا رسول اللّه! أهى ليلة القدر؟ قال لا) أى ليس سبب المغفرة كونها ليلة القدر بل سبيها كونها آخرليلة، ويمكن أن تكون غيرها من بقية ليالى العشر الأخير (ولكن) بالتشديد ويخفف (العامل) أى ولكن سببها إن العامل (إنما يوفى) من التوفية أى يعطى وافياً (أجره) بالنصب على أنه مفعول ثان وفى نسخة بالرفع على أنه نائب الفاعل والمفعول الثانى مقدر أى إياه (إذا قضى عمله) أى فرغ منه. وقال الطيبي: قوله ولكن العامل الخ. استدراك لسؤالهم عن سبب المغفرة كأنهم ظنوا أن الليلة الأخيرة هى ليلة القدر سبب للغفران فبيين ◌َّ إن سببها فراغ العبد من العمل وهو مطرد فی کل عمل و الله أعلم - انتھی. (رواه أحمد) هو طرف من حديث طويل أخرجه أحمد (ج ٢ ص ٢٩٢) والبزار والبيهقى ومحمد بن نصر فى قيام الليل (ص ١٠٨) وأبو الشيخ بن حبان فى كتاب " الثواب من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطيت أمتى خمس خصال فى رمضان لم تعطها أمة قبلهم . خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله عز وجل كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا اليك ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصوا الى ما كانوا يخلصون اليه فى غيره ويغفر لهم فى آخر ليلة - الحديث. قال الهيثمى: (ج ٣ ص ١٤٠) فيه هشام بن أبو المقدام وهو ضعيف وأشار المنذرى الى ضعف إسناده بتصديره بلفظة روى، واهمال الكلام عليه فى آخره. وله شاهد من حديث جابر عند البيهقى ذكره المنذرى بعد حديث أبى هريرة هذا . وقال إسناده مقارب أصلح مما قبله . (باب رؤية الهلال) أى الأحكام المتعلقة بها. قال الزرقانى الأكثر على أن الهلال القمر فى حالة خاصة. قال الأزهرى: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر هلالا، وفى ليلة ست وسبع وعشرين أيضاً هلالا وما بين ذلك !! يسمى قراً. وقال الجوهرى: الهلال لثلاث ليال من أول الشهر ثم هو قر بعد ذلك. وقيل: الهلال هو الشهر بعينه. وقال الراغب: الهلال القمر فى أول ليلة، والثانية، ثم يقال له القمر ولا يقال له هلال - انتهى. ١٩٨٩ - قوله (لا تصوموا) أى فى ثلاثى شعبان عن رمضان ففي رواية إن رسول اللّه ◌َفّم، ذكررمضان ٤٢٣ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤيةالهلال حتى تروا الهلال، فقال لا تصوموا (حتى تروا الهلال) أى هلال رمضان وهذا اذا لم يكمل شعبان ثلاثين يوما فيجب الصوم عن رمضان، وإن لم يروا هلاله ، ثم انه يتعلق بالحديث أمور يجب التنبيه عليها . الأول إن ظاهره اشتراط رؤية الجميع من المخاطبين، لكن قام الاجماع على عدم وجوب ذلك ، بل المراد رؤية بعضهم وهو من يتحقق به الرؤية ويثبت . والمعنى حتى يثبت عندكم رؤية الهلال . قال الحافظ: ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية بعضهم، وهو من يثبت به ذلك. أما واحد على رأى الجمهور أو اثنان على رأى آخرين، ووافق الجنفية على الأول إلا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان فى السماء علة من غيم وغيره ، وإلامتى كان صحو لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم - انتهى. وسيأتى بسط الكلام فيه. الثانى إن ظاهره الصوم من وقت الرؤية لكن ليس ذلك بمراد كما أنه ليس المراد الافطار من وقت الرؤية ، حتى يلزم أن يفطر قبل الغروب ، اذا رأى الهلال فى ذلك الوقت . بل المراد الافطار والصوم على الوجه المشروع، فلا يد فى كل منهما من معرفة ذلك الوقت. قال الحافظ : ظاهر الحديث ايجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلا أو نهاراً، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل. وبعض العلماء، فرق بين ما قبل الزوال أو بعده، وخالف الشيعة الاجماع فأوجبوه مطلقاً - انتهى. قلت: فرق بين ما قبل الزوال وبعده الثورى وأبو يوسف وررى ذلك عن عمر. قال الباجى: لا خلاف بين الناس انه اذا رؤى بعد الزوال فانه لليلة القادمة. وأما إذا رؤى قبل الزوال فان مالكا والشافعى وأبا حنيفة وجمهور الفقهاء يقولون: انه لليلة القادمة لحديث أبى وائل أتانا كتاب عمر أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهدو رجلان أنهما أهلاه بالأمس. وقال الثورى وابن وهب وأبو يوسف وابن حبيب الماضية لما رواه النخعى عن عمر إذا رأيتم الهلال قبل الزوال فافطروا ، وإذا رأيتموه بعده فلا تفطروا وهذا مفصل والأول مجمل لأنه قال نهاراً، لكن قال ابن عبد البر والأول أصح لأنه متصل والثانى منقطع فالنخعى لم يدرك عمر . قال الباجى: قال أبو بكر بن الجهم هذا لا يثبت عن عمر رواه شباك وهو مجهول قال وهذا الخلاف إنما هو إذا رؤى فى يوم ثلاثین ولا يصح أن يكون قبل ذلك ـ انتهى. وبسط الكلام فى ذلك الشامی فی رد المختار (ج٢ ص ١٣٠) وابن رشد فى البداية (ج ١ ص ١٩٤) وابن قدامة فى المغنى (ج ٣ ص ١٦٨). الثالث انه جعل تحقق الرؤية غاية لعدم الصوم فلو ثبتت الرؤية الليلة الماضية وجب الصوم من حين ثبوتها . قال ابن قدامة ( ج ٣ص ١٣٣) اذا أصبح مفطراً يعتقدأنه من شعبان فقامت البينة بالرؤية لزمه الامساك والقضاء فى قول عامة الفقهاء، إلا ما روى ٤٢٤ مرعاة المفاتيح ج ٦. ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال عن عطاء أنه يأكل بقية يومه. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً قاله غير عطاء. الرابع إن الحديث ظاهر فى النهى عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال أى إذا لم يكمل عدد شعبان ثلاثين يوما فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها قال الحافظ: ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمنن تمسك به أى على منع الصوم فى كل صورة ، لم يرفيها الهلال لكن اللفظ الذى رواه أكثر الرواة أوقع الخالف شبهة وهو قوله ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم فيكون التعليق على الرؤية متعلقاً بالصحو. وأما الغيم فله حكم آخر ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثانى مؤكدا للاول وإلى الأول ، ذهب أكثر الحنابلة و إلى الثانى ذهب الجمهور. فقالوا: المراد بقوله فاقدروا له قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما أى انظروا فى أول الشهر وأحسبوا تمام الثلاثين ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد، وهى ما سيأتى من قوله فأكملوا العدة ثلاثين ونحوها ، وأولى ما فسر الحديث بالحديث - انتهى. وحاصل ذلك أن النهى عن الصوم فى ثلاثى شعبان حتى يروا الهلال عند الجمهور مطلق يعم الصحو والغيم وعند الحنابلة مقيد بحال الصحو. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ٩٠) النهى عن صوم الشك محمول على حال الصحو وفى الجملة لا يجب الصوم إلا برؤية الهلال أو كمال شعبان ثلاثين يوما أو يحول دون منظر الهلال غيم أو قتر - انتهى. وقد اشبع الكلام فى ذلك الولى العراقى فى طرح التثريب (ج ٤ ص ١٠٧، ١١٠) وسيأتى البسط منا فى صوم يوم الشك فى شرح حديث عمار. الخامس قد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أنه اذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم، لأنه ليس المراد رؤية جميع المسلمين بحيث يحتاج كل فرد فرد إلى رؤيته بل المعتبر رؤية بعضهم كما تقدم، والمعنى لا تصوموا حتى آوجد فما بينكم الرؤية وتتحفق ، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع أهل البلاد فيلزم الحكم . قال الحافظ : قد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل الله برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال: لأن قوله حتى تروه خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد فلا يتقيد بالبلد. وقد اختلف العلماء فى ذلك على ـذاهب. أحدها لأمل كل بلده رؤيتهم وفى صحيح مسلم من حديث كريب عن ابن عباس ما يشهد له ، وحكاه ابن المنذرعن عكرمة والقاسم وسالم واسحاق وحكاه الترمذى عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الماوردى وجها الشافعية. ثانيها مقابله اذا رؤى ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية ، لكن حكى ابن عبد البر الاجماع على خلافه وقال: أجمعوا على أنه لا ترعى الرؤية فيما بعد من البلاد كاراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت روية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذى يثبت ٤٢٥ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الامام الأعظم فيلزم الناس كلهم، لأن البلاد فى حقه كالبلد الواحد اذ حكمه نافذ فى الجميع. وقال بعض الشافعية إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوى عن الشافعى وفى ضبط البعد أوجه أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلانى وصححه النوى فى الروضة وشرح المهذب . ثانيها: مسافة القصر قطع به الامام والبغوى ومهحه الرافعى فى الصغير والنووى فى شرح مسلم. ثالثها: الاختلاف الأقاليم. رابعها حكاه السرخسى فقال : يلزم كل بلد لا يتصور خفاءه عنهم بلا عارض دون غيرهم. خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم انتهى كلام الحافظ. قلت الاجماع الذى حكاه ابن عبد البر غير مسلم كيف، وقد ذهبت الحنابلة وأكثر الحنفية والمالكية وبعض الشافية إلى الزام جميع البلاد الصوم والافطار برؤية أهل بلد وإلى عدم اعتبار القرب والبعد بينها فى ذلك، وإلى عدم اعتبار اختلاف المطالع فيلزم أهل المشرق الصوم والإفطار برؤية أهل المغرب إذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب. وقال المحققون من الحنفية والمالكية وعامة الشافعية: إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة مثلا لزم أهلهما الصوم برؤية الهلال فى أحدهما وإن كان بينهما بعد كالعراق والحجاز والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم. قال فى الدر المختار: اختلاف المطالع غير معتبر على ظاهر المذهب وعليه أكثر المشائخ وعليه الفتوى فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب اذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب ( كأن يتحمل اثنان الشهادة أو يشهدا على حكم القاضى أو يستفيض الخبر) وقال الزيلعى (شارح الكنز) الأشبه أنه يعتبر لكنن قال الكمال، الأخذ بظاهر الرواية أحوط - انتهى. وهكذا فى النهر الفائق. وقال فى مراقى الفلاح: إذا ثبت الهلال فى بلدة لزم سائر الناس فى ظاهر المذهب وعليه الفتوى وهو قول أكثر المشائخ فيلزم قضاء يوم على أهل بلدة صاموا تسعة وعشرين يوما لعموم الخطاب وهوصوموا لرؤيته ، وقيل: يختلف (أى الحكم) باختلاف المطالع واختاره صاحب التجريد وغيره كما اذا زالت الشمس عند قوم وغربت عند غيرهم فالظهر على الأولين لا المغرب لعدم انعقاد السبب فى حقهم ـ انتهى ملخصاً. وقال المفتى أبو السعود فى شرح مراقى الفلاح: قوله كما ذهب اليه صاحب التجريد وهو الأشبه لأن انفصال الهلال من شعاع الشمس يختلف باختلاف الاقطار كما فى دخول الوقت وخروجه، وهذا مثبت فى علم الأفلاك والهيئات، وأقل ما تختلف به المطالع مسيرة شهر كما فى الجواهر - انتهى ملخصاً. وفى التتارخانية أهل بلدة اذا رؤا الهلال هل يلزم فى حق كل بلدة؟ اختلف المشائخ فيه فبعضهم قالوا: لا يلزمه. فانما المعتبر فى حق أهل بلدة رؤيتهم وفى الخانية لا عبرة باختلاف المطالع فى ظاهر الرواية وفى القدورى إن كان بين البلدتين تفاوت تختلف ٤٢٩ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال به المطالع لا يلزمه وذكر الشيخ شمس الأئمة الحلوانى أنه الصحيح من مذهب أصحابنا - انتهى . وقال الزيلعى فى شرح الكنز: أكثر المشائخ على أنه لا يعتبر باختلاف المطالع. والأشبه أن يعتبر لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم. وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار . والدليل على اعتباره ما روى عن كريب أن. أم الفضل بعثته إلى معاوية. الحديث - انتهى. وقال فى مختارات النوازل أهل بلدة صاموا تسعة وعشرين يوماً بالرؤية وأهل بلدة أخرى صاموا ثلاثين يوما بالرؤية، فعلى الأولين قضاء يوم اذا لم تختلف المطالع بينهما. وأما اذا اختلفت لا يجب القضاء - انتهى. وقال ابن عابدين: اعلم أن نفس اختلاف المطلع لا نزاع فيه بمعنى أنه قد يكون بين البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا فى إحدى البلدتين دون الأخرى وكذا مطالع الشمس؛ لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار حتى اذا زالت الشمس فى المشرق لا يلزم أن تزول فى المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع جر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض، ونصف ليل لغيرهم كما فى الزيلعى. وقدر البعد الذى تختلف فيه المطالع مسيرة شهر فأكثر على ما فى القهستانى عن الجواهر، وانما الخلاف فى اعتبار المطالع بمعنى أنه هل يجب على كل قوم مطلعهم ولا يلزم أحداً العمل بمطلع غيره أم لا يعتبر اختلافها، بل يجب العملى بالأسبق رؤية حتى لو رؤى فى المغرب ليلة الجمعة ، وفى المشرق ليلة السبت ، وجب على أهل المشرق العمل بما رآه أهل المغرب . فقيل: بالأول واعتمده الزيلعى وصاحب الفيض وهو الصحيح عند الشافعية ، لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم كما فى أوقات الصلاة وأيده فى الدرر بما مر من عدم وجوب العشاء والوتر على فاقد وقتهما ، وظاهر الرواية الثانى وهو المعتمد عندنا وعند المالكية والختابلة لتعلق الخطاب عاماً بمطلق الرؤية فى حديث صوموا لرؤيته بخلاف أوقات الصلاة - انتهى. قلت : لا مناص من اعتبار اختلاف المطالع فى باب الصوم أيضاً وقد اضطر الى الاعتراف به صاحب فتح الملهم حيث قال: بعد تقوية مذهب عامة الحنفية أى القول بعدم اعتباره ما لفظه ، نعم ا ينبغى أن يعتبر اختلافها إن لزم منه التفاوت بين البلدتين بأكثر من يوم واحد ، لأن النصوص مصرحة بكون الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين فلا تقبل الشهادة ولا يعمل بها فيما دون أقل العدد ولا فى أزيد من أكثره ــ انتهى . وقال صاحب العرف الشذى: فى عامة كتبنا أنه لا عبرة لاختلاف المطالع فى الصوم. وأما فى فطر كل يوم والصلوات الخمس (وكذا الحج والاضحية) فيعتبر اختلاف المطالع، وقال الزيلعى . شارح الكنز. إن عدم عبرة اختلاف المطالع إنما هو فى البلاد المتقاربة لا النائية . وقال كذلك فى تجريد القدورى وقال به الجرجانى. أقول لا بد من تسليم قول الزيلعى وإلا فيلزم وقوع العيد يوم السابع والعشرين، أو الثامن والعشرين، أو الحادى والثلاثين، أو الثانى والثلاثين . فان هلال بلاد قسطنطينة ربما يتقدم على هلالنا بيومين فاذا صمنا على هلالنا ثم بلغنا رؤية هلال بلاد قسطنطينة يلزم تقديم العيد ، ٤٢٧ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧- كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال أو يلزم تأخير العيد. اذا صام رجل من بلاد قسطنطينة ثم جاءنا قبل العيد - انتهى . وقال فى حاشية شرح الاقناع من فروع الشافعية: وتثبت رؤيته فى حق من لم يره ممن مطلعه موافق مطلع محل الرؤية بأن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها فى البلدين فى وقت واحد، فان غرب شىء من ذلك أو طلع فى أحد البلدين قبله فى الآخر لم يجب على من لم يره برؤية البلد الآخر وهذا أمر مرجعه الى طول البلد وعرضها، سواء قربت المسافة أو بعدت. نعم ! متى حصلت الرؤية للبلد الشرقى لزم رؤيته فى البلد الغربى دون عكسه. كما فى مكة المشرفة ومصر، فيلزم من رؤيته بمكة فى مصر لاعكسه. لأن رؤية الهلال من أفراد الغروب - انتهى. قلت: قد استدل من اعتبر اختلاف المطالع فى باب الصوم بما روى أحمد ومسلم والترمذى وأبو داود والنسائى وغيرهم عن كريب إن أم الفضل بعثته الى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فى آخر الشهر، فسألنى عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقال رأيناه ليلة الجمعة فقال: أنت رأيته فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه فقلت: ألا تكتفى برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم. قال النووى: هذا الحديث ظاهر الدلالة على أنهم إذا رأو، الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم. قال: وقال بعض أصحابنا نعم الرؤية فى موضع جميع أهل الأرض ، وعلى هذا إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة فلا تثبت بواحد لكن ظاهر حديثه إنه لم يرده لهذا أو إنما رده، لأن الرؤية لا يثبت حكمها فى حق البعيد - انتهى. وقال السندى فى حاشية النسائى: قوله هكذا أمرنا رسول اللّه عَ ل يحتمل أن المراد به أنه أمرنا أن لا تقبل شهادة الواحد فى حق الإفطار أو أمرنا أن نعتمد على رؤية أهل بلدنا ولا نعتمد على رؤية غيرهم ، والى المعنى الثانى تميل ترجمة المصنف ((اختلاف أهل الآفاق فى الرؤية)) وغيره (كالتر مذى وأبى داود والمجد بن تيمية) لكن المعنى الأول محتمل فلا يستقيم الاستدلال وكانهم رأوا أن المتبادر هو الاحتمال الثانى فينوا عليه الاستدلال والله تعالى أعلم. وأطال الشوكانى الكلام فى الجواب عن هذا الاستدلال، وتعقبه بوجوه من شاء الوقوف عليها رجع الى الفيل. وقد ذكر كلامه شيخنا فى شرح الترمذى وسكت عليه، وعندى كلام الشوكانى مبنى على التحامل يرده ظاهر سياق الحديث. والشام فى جهة الشمالية من المدينة ما ثلا الى المشرق وبينهما قريب من سبع مائة ميل، فالظاهر إن ابن عباس رضى الله عنه إنما لم يعتمد على رؤية أهل الشام ، واعتبر اختلاف المطالع لأجل هذا البعد الشاسع. واختلف القائلون باعتبار اختلاف المطالع فى تحديد المسافة التى يعتبر فيها اختلاف المطالع وأكثر الفقهاء على أنها مسيرة شهر كما تقدم ، وفى تحديد هذه المسافة بالميل اشكال لا يخفى وينبغى أن يرجع لذلك الى على الهيئة الجديدة ويعتمد على الجغرافيا الحديثة. وقد قالوا: إن كان الهلال فى بلد على ارتفاع ثمان درجات من الأفق عند غروب ٤٢٨ مرعاة المفاتيح ج. ٦ ٧- كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم الشمس يعنى إن كان ارتفاعه من الأفق عند غروبها بحيث أنه لا يغرب الافى اثنتين وثلاثين دقيقة فلا بد أن يكون فوق الأفق فى جميع البلاد الشرقية الى خمس مائة ميل وستين ميلا من ذلك البلد، ويرى فى جميع هذه البلاد الشرقية الكائنة فى هذه المسافة الطويلة لولا المانع من الغيم والقبر ونحوهما قالوا: يزيد أو ينقص درجة واحدة على كل سبعين ميلا فيكون الهلال على ارتفاع سبع درجات فى موضع هو على سبعين ميلا فى المشرق من بلد الرؤية، وعلى تسع درجات فى موضع هو على سبعين ميلا فى المغرب من بلد الرؤية، فلذا حصلت رؤية الهلال فى بلد وثبتت يكون تحقق الرؤية فى البلاد الواقعة فى المغرب من ذلك البلد من مسلمات علم الهيئة. وقد ظهر بهذا أن الهلال إذا رؤى فى بلد عربى ينبغى أن تعتبر هذه الرؤية الى خمس مائة ميل وستين ميلا فى جهة المشرق من ذلك البلد، وأما فى البلاد الغربية منه فتعتبر مطلقا أى من غير تقييد بمسافة معينة والله تعالى أعلم (ولا تفطروا) أى من صومه (حتى تروه) أى هلال شوال. قال الحافظ : استدل بالحديث على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وإن لم يثبت بقوله وهو قول الأئمة الأربعة فى الصوم. واختلفوا فى الفطر. فقال الشافعى: يفطر ويخفيه أى لئلايتهم. وقال الأكثر يستمر صائما احتياطا - انتهى. وقال فى المغنى: (ج ٣ ص ١٦٠) ولا يفطر أذ رآه وحده، وروى هذا عن مالك والليث. وقال الشافعى: يحل له أن يأكل حيث لا يراه أحد لأنه تيقنه من شوال نجاز له الأكل كما لو قامت به بينة . ولنا ما روى أبو رجاء عن أبي قلابة أن رجلين قدما المدينة، وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياماً فأتيا عمر فذكرا ذلك له فقال: لأحدهما أصائم أنت؟ قال: بل مفطر، قال ما حملك على هذا قال لم أكن لأصوم، وقد رأيت الهلال. وقال: للآخر، قال أنا صائم ما حملك على هذا. قال: لم أكن لا فطر والناس صيام فقال الذى أفطر لولا «كان هذا لأوجعت رأسك ثم نودى فى الناس أن أخرجوا، أخرجه سعيد بن منصور عن ابن علية عن أيوب عن أبى رجاء. وانما أراد ضربه لافطاره برؤيته، ودفع عنه الضرب الكمال الشهادة به وبصاحبه ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده. وقالت عائشة: إنما يفطر يوم يفطر الامام وجماعة المسلمين ولم يعرف لهما مخالف فى عصرهما فكان اجماعا، ولأنه يوم محكوم به من رمضان فلم يجز الفطر فيه كاليوم الذى قبله ، وفارق ما اذا قامت البينة فانه محكوم به من شوال بخلاف مسألتنا، وقولهم إنه تيقن أنه من شوال. قلنا لا يثبت اليقين لأنه يحتمل أن يكون الرائى خيل اليه. كما روى أن رجلا فى زمن عمر قال لقد رأيت الهلال فقال له أمسح عينك فمسحها ثم قال له تراه قال لا، قال لعل شعرة من حاجبك تقوست على عينك فظتتها هلالا أو ما هذا معناه - انتهى. وقال الحنفية: يصوم فى الصورتين احتياطاً كما فى الهداية. قلت : يؤيد قول جمهور ما روى عن عائشة مرفوعا الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحى الناس أخرجه الترمذى وصححه والدار قطنى. وقال الصواب وقفه (فإن غم عليكم) بضم المعجمة وتشديد الميم أى غطى الهلال فى ليلة الثلاثين. قال الجزرى فى النهاية: يقال ٤٢٩ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧- كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال فاقدروا له، غم علينا الهلال اذا حال دون رؤيته غيم أو نحوه من غممت الشىء اذا غطيته وفى غم ضمير الهلال، ويجوز أن يكون غم مسندا الى الظرف أى الجار والمجرور أى فإن كنتم مغموماً عليكم فأكملوا العدة - انتهى. وهذا لفظ البخارى، وعند مسلم أغنى عليكم. قال الحافظ: أغنى وغم وغمى بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم الكل بمعنى . وقال الجزرى فى جامع الأصول (ج٧ ص ٥٣٨) يقال غُمَّ الهلال واْغِىّ وغُتَّىَ اذ أغطامشىء من غيم أو غيره فلم يظهر - انتهى. وقال ابن العربى: بناء غم للمتر والتغطية ومنه الغم فإنه يغطى القلب عن استرساله فى آماله ومنه الغمام وهى السحابة (فاقدروا له) بهمزة وصل وضم الدال وكسرها. قال الشوكانى قال أهل اللغة: يقال قدرت الشىء أقدره وأقدره بكسر الدال وضمها وقدرته وأقدرته كلها بمعنى واحد وهى من التقدير. وقال الجزرى فى جامع الأصول. يقال: قَدَرتُ الأمر أقدره وأُقدَّره اذا نظرت فيه ودبرته، والمعنى قدروا عدد الشهر حتى تكلوه ثلاثين يوماً. وقال الخطابى فى المعالم: معناه التقدير له با كمال العدد ثلاثين يقال قدرت الشىء اقدره قدرا بمعنى قدّرته تقديرا ومنه قوله تعالى: ﴿فقدرنا فنعم القادرون - المرسلات: ٢٣) - انتهى. واختلف فى معنى هذا الفظ على ثلاثة أقوال. الأول إن معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً أى أقدروا عدد الشهر الذى كنتم فيه ثلاثين يوماً يعنى أنظروا فى أول الشهر وأحسبوا ثلاثين يوماً كما جاء مفسرا فى الرواية اللاحقة، وفى حديث أبى هريرة الذى يليها، ولذا أخرهما المؤلف لأنهما مفسران وأولى مافسر الحديث بالحديث، وهذا مذهب الجمهور كما تقدم فى كلام الحافظ. وقال العينى: وهو مذهب جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم مالك والشافعى والأوزاعى والثورى وأبو حنيفة وأصحابه وعامة أهل الحديث إلا أحمد ومن قال بقوله - انتهى. الثانى إن معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب. قال ابن قدامة: (ج٣ص٩٠) معنى قوله اقدروا له أى ضيقوا له العدد من قوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه - الطلاق: ٧} أى ضيق عليه وقوله ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً. وقد فسره إبن عمر بفعله (يعنى لأنه كان يصوم ذلك اليوم) وهو راويه. واعلم بمعناه - انتهى. واختار هذا التفسير أكثر الحنابلة وغيرهم من يجوز الصوم يوم ليلة الغيم عن رمضان كما فى المغنى ( ج٣ص٨٩) ويكفى فى رد ذلك الأحاديث المفسرة المبينة والروايات المصرحة بالثلاثين وقد سردها الولى العراقى (ج ٤ ص ١٠٦، ١٠٩) والعينى (ج ١٠ ص ٢٧٢) وأشار إلى بعضها الحافظ كما سيأتى وفعل ابن عمر اجتهاد منه مخالف لأحاديث إكمال العدة ثلاثين يوماً. الثالث معناه فاقدروه بحساب المنازل قاله أبو العباس بن سريح من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة. قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرف، واوصح ما وجب أتباعه عليه لشذوذه فيه ولمخالفة الحجة له وأما ابن قتيبة فلا يعرج اليه فى مثل هذا. ونقل ٤٣٠ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال وفى رواية قال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين . متفق عليه. ابن العربى عن ابن سريج إن قوله فاقدروا له خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم وإن قوله فاكملوا العدة خطاب العامة. قال ابن العربى: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد قال وهذا بعيد عن النبلاء وبسط الكلام فى الرد على هذا القول. قال المازري: احتج من قال معناه بحساب المنجمين بقوله تعالى: ﴿ وبالنجم هم يهتدون - النحل: ١٧) والآية عند الجمهور محمولة على الاهتداء فى السير فى البر والبحر . قال النووي: عدم البناء على حساب المنجمين لأنه حدس وتخمين وانما يعتبر منه ما يعرف به القبلة والوقت - أنتهى. قلت: ويرد هذا القول حديث ابن عمر الآتى إنا أمة أمية لا تكتب ولا نحسب وقوله ثقة بالخطاب العام صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وقوله فى نفس الحديث لا قصوموا حتى تروه (وفى رواية قال الشهر تسع وعشرون ليلة) ظاهره حصر الشهر فى تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين. وأجيب بما قال الخطابى فى المعالم: ( ج ٢ ص ٩٣) يريد أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون. وإنما احتاج الى بيان ما كان موهوما أن يخفى عليهم لأن الشهر فى العرف وغالب العادة ثلاثون فوجب أن يكون البيان فيه مصروفا الى النادر دون المعروف منه - انتهى. وقال الحافظ: واللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول ابن مسعود ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين أخرجه أبو داود والترمذى ومثله عن عائشة عند أحمد باسناد جيد. ويؤيد قول الخطابى قوله فى حديث أم سلمة فى الايلاء إن الشهر يكون تسعه وعشرين يوماً . وقال ابن العربى: قوله الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا معناه حصره من جهة أحد طرفيه أى أنه يكون تسعه وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطاً ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا ولكن اجعلوا عبادتكم من تبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله - انتهى. وفيه حث على طلب الهلال ليلة الثلاثين وتنبيه على تراثيه لتسع وعشرين (فلا تصوموا) أى على قصد رمضان (حتى تروه) أى هلاله (فان غم) أى هلاله (عليكم) بغيم ونحوه (فاكملوا) أى أتموا (العدة) مفعول به أى عدة شعبان كما فى حديث أبى هريرة الآتى (ثلاثين) أى يوما وهو منصوب على الظرف. وقيل: التقدير أكملوا هذه العدة وثلاثين بدل منه بدل الكل كذا فى المرقاة (متفق عليه) الرواية الأولى أخرجها الشيخان وأخرجها أيضاً أحمد (ج ٢ ص ٦٣) ومالك والنسائى والدارمى والبيهقى والرواية الثانية تفرد بها البخارى وأخرجها مسلم وأحمد (ج ٢ ص ٥، ١٣) ومالك أيضاً وأبو داود والبيهقى والدارمى . وقالوا: فإن غم عليكم فاقدروا له . ورواما الدار قطنى وقال: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين. والحديث أخرجه ٤٣١ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال ١٩٩٠ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ابن ماجه والحاكم أيضاً . قال الحافظ: حديث ابن عمر اتفق الرواة عن مالك عن نافع فيه على قوله فاقدروا له، .... وجاء من وجه آخر عن نافع بلفظ: فاقدروا ثلاثين كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع. قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبى رواد عن نافع. وقال: فعدوا ثلاثين واتفق الرواة عن مالك عن عبد الله بن دينار أيضاً فيه على قوله فاقدروا له، وكذلك رواه الزعفرانى وغيره عن الشافعى وكذا رواه اسحاق الحربى وغيره فى الموطأ عن القعنبى، وأخرجه الربيع بن سليمان والمزنى عن الشافعى فقال فيه كما قاله البخارى هنا عن القعني، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين . قال البيهقى فى المعرفة : (وفى السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٠٥) إن كانت رواية الشافعى والقعنى من هذين الوجهين محفوظة فيكون . مالك، قد رواه على الوجهين. قلت: (قائله الحافظ) ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه فله متابعات منها · ما رواه الشافعى أيضا من طريق سالم عن ابن عمر بتعيين الثلاثين، ومنها ما رواه ابن خزيمة من طبق عاصم ابن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ: فإن غم عليكم فكلوا ثلاثين ، وله شواهد من حديث حذيفة عند ابن خزيمة ، وأبى هريرة وابن عباس عند أبى داود والنسائى وغيرهما ، وعن أبى بكرة وطلق بن على عند البيهقى وأخرجه من طرق عنهم وعن غيرهم - انتهى كلام الحافظ . ١٩٩٠ - قوله (صوموا) أى أنووا الصيام وبيتوا على ذلك أو صوموا اذا دخل وقت الصوم وهو من فجر الغد (لرؤيته ) أى لأجل رؤية الهلال فااللام للتعليل ولا يلزم تقديم الصوم على الرؤية كما زعمت الروافض كما لا يقتضى قوله أكرم زيدا لدخوله تقديم الاكرام على الدخول ، والضمير للهلال وإن لم يسبق له ذكر لدلالة السياق عليه على حد قوله. حتى توارت بالحجاب. وقيل: اللام للتوقيت كهى فى قوله: (أقم الصلاة لدلوك الشمس - الاسراء ٧٨) أى وقت دلوكها. وفيه أن الصوم بعد الرؤية بزمان طويل يتحقق، وأن الاقامة بعد تحقق الدلوك فلا جامع بينهما وفيه أيضا إنه لا بد حينئذ من احتمال تجوز، وخروج عن الحقيقة لأن وقت الرؤية وهو الليل ليس محلا للصوم. وأجيب عن هذا بأن المراد بقوله صوموا أى أنووا الصيام والليل كله ظرف النية - انتهى. وفيه نظر لأن فيه المجاز الذى فر منه لأن الناوى ليس صائما حقيقة بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع الفجر. وقال ابن مالك وابن هشام: اللام فى الآية والحديث بمعنى بعد أى بعد زوالها وبعد رؤية الهلال (وأفطروا) أى اجعلوا عيد الفطر (لرؤيته) أى لأجلها أو بعدها أو وقتها (فإن غم عليكم) قال الحافظ، وقع فى حديث أبى هريرة من طريق المستملى فان غم أى بضم المعجمة ٤٣٢ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين. وتشديد الميم ومن طريق الكشميهى أغمى ومن رواية السرخسى غبى بفتح الغين المعجمة وتخفيف الموحدة وأغنى وغم وغنى بتشديد الميم وتخفيفها وبضم المعجمة فيهما الكل بمعنى. وأما غبى فمأخوذ من الغباوة وهى عدم الفطنة وهى استعارة لخفاء الهلال. ونقل ابن العربى أنه روى عنى بالعين المهملة من العمى. قال وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو ذهاب البصيرة عن المعقولات - انتهى . وقال القسطلانى: غي بضم المعجمة وتشديد الموحدة المكورة مبنيا للفعل واللحموى فان غبى بفتح المعجمة وكسر الموحدة كعلم. وقال عياض: غبى بفتح الغين وتخفيف الباء لأبى ذر وعند القابسى بضم الفين وشد الباء المكسورة وكذا قيده الأصيلى والأول أبين، ومعناه خفى عليكم وهو من الغباوة وهو عدم الفطنة استعارة لخفاء الهلال والكشميهنى أغنى بضم الهمزة مبنيا للمفعول من الإغماء يقال أغنى عليه الخبر اذا استعجم والمستعلى غم بضم المعجمة وتشديد الميم - انتهى. (فاكملوا عدة شعبان). أى أنموا عدده ( ثلاثين) أى فكذا رمضان بطريق الأولى وفيه تصريح بأن عدة الثلاثين المأمور بها فى حديث ابن عمر المتقدم تكون من شعبان ، لكن قد وقع الاختلاف فى هذه الزيادة فرواها البخارى كما ترى بلفظ: فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، وهذا أصرح ما ورد فى ذلك. وقد قيل: ان آدم شيخه انفرد بذلك. قال الاسماعيلى فى صحيحه الذى أخرجه على البخارى تفرد به البخارى عن آدم عن شعبة فقال فيه فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما، وقد رويناه عن غندر وعبد الرحمن بن مهدى وابن علية وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن على والنضر ابن شميل ويزيد بن هارون كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. وإنما قالوا فيه فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين . قال الاسماعيلى: فيجوز أن يكون آدم رواه على التفسير من عنده وإلا فليس لانفراد البخارى عنه بهذا اللفظ من رواه عنه وجه - انتهى. قال الحافظ فى الفتح: الذى ظنه الاسماعيلى صحيح فقد رواه البيهقى (ج ٤ ص ٢٠٥) من طريق إبراهيم بن يزيد عن آدم بلفظ: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما يعنى عدوا شعبان ثلاثين ( وكذا رواه الدار قطنى من طريق على بن داود عن آدم ص ٢٣٠) فوقع البخارى إدراج التفسير فى نفس الخبر ويؤيده رواية أبى سلمة عن أبى هريرة بلفظ : لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين فإنه يشعر بأن المأمور بعدده هو شعبان. وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد بلفظ: فأكملوا العدد وهو يتناول كل شهر فدخل فيه شعبان وروى الدارقطنى وصححه وابن خزيمة فى صحيحه من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فان غم عليه عد ثلاثين يوماً، ثم صام وأخرجه أبو داود وغيره أيضاً. وروى أبو داود والنسائى وابن خزيمة من طريق ربعى عن حذيفة مرفوعا لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو ٤٣٣ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال متفق عليه . ١٩٩١ - (٣) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا أمة أمية، تكملوا العدة - انتهى . وقال صاحب التنقيح: أى ابن عبد الهادى المقدسى الحنبلى ما ذكره الاسمعيلى من أن آدم ابن أبى أياس يجوز أن يكون رواه على التفسير من عنده للخير فغير قادح فى صحة الحديث لأن النبي ◌َاللّه، أما أن يكون قال اللفظين هو ظاهر اللفظ، وأما أن يكون قال: أحدهما وذكر الراوى اللفظ الآخر بالمعنى فان اللام فى قوله ((فأكملوا العدة)) للعهد أى عدة الشهر والنبى عليه السلام لم يخص بالاكمال شهرا دون شهر، اذا غم فلا فرق بين شعبان وغيره اذ لو كان شعبان غير مراد من هذا الاكمال لبينه ، لأن ذكر الاكمال عقيب قوله صوموا وأفطروا فشعبان وغيره .راد من قوله فأكملوا العدة فلا تكون رواية فأكملوا عدة شعبان مخالفة لرواية فاكلوا العدة بل مبينة لها. أحدهما : أطلق لفظاً يقتضى العموم فى الشهر، والثانى ذكر فرداً من الأفراد قال ويشهد له حديث أخرجه أبو داود والترمذى (وأحمد والطحاوى والنسائى) عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس لا تصوموا قبل رمضان صوموالرؤيته وأفطروا لرؤيته فان حال بينكم وبينه سحاب فكلوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا قال الترمذى: حديث حسن صحيح ورواه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما ورواه الطيالسى (ومن طريقه البيهقى) حدثنا أبو عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان حال بينكم وبينه غمامة أو ضبابة فأكملوا شهر شعبان ثلاثين ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان. قال: وبالجملة فهذا الحديث فص فى المسئلة وهو صحيح كما قال الترمذى. قال: والذى دلت عليه الأحاديث فى هذه المسئلة وهو مقتضى القواعد إن كل شهر غم أكمل ثلاثين سواء فى ذلك شعبان ورمضان وغيرهما وعلى هذا فقوله، فأكملوا العدة يرجع الى الجملتين وهما قوله صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاكملوا العدة أى غم عليكم فى صومكم أو فطركم هذا هو الظاهر من اللفظ وباقى الأحاديث تدل على ذلك كقوله فإن غم عليكم فاقدروا له - انتهى. وذكر نحو ذلك الولى العراقى فى طرح التثريب (ج ٤ ص١٠٨ - ١٠٩) (متفق عليه) واللفظ للبخارى كما عرفت، ورواه مسلم بلفظ: فصوموا ثلاثين يوماً وفى رواية له فاكملوا العدد وفى أخرى فعدوا ثلاثين والحديث أخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمى والدار قطنى والبيهقى ١٩٩١ - قوله (إنا) أى معاشر العرب. وقيل: أراد نفسه القدسية ( أمة ) أى جماعة. قال الجوهرى: الأمة الجمناعة. وقال الجزرى: فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٥٣٩) الأمة الجيل من الناس ( أمية) أى التى لا تكتب ولا تقرأ. قيل: هومنسوب إلى أمة العرب فانهم غالبا كانوا لا يكتبون ولا يقرءون والكاتب فيهم نادر وقيل : منسوب إلى الأم لأن هذه صفة النساء غالباً أو باقون على الحالة التى ولدتنا عليها الأمهات لم نتعلم قراءة ٤٣٤ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الابهام فى الثالثة. ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعنى تمام الثلاثين . ولا كتابة أى فلذلك ما كلفنا الله تعالى بحساب أهل النجوم ولا بالشهور الشمسية الخفية بل كلفنا بالشهور القمرية الجلية لكنها مختلفة كما بين بالاشارة مرتين فالعبرة حينئذ الرؤية. وقيل: منسوب إلى أم القرى وهى مكة أى أنا أمة مكية (لا تكتب ولا تحسب) بضم السين من باب نصر، وهذا تفسير وبيان لكونهم أمة أمية أى لا نعرف حساب النجوم وتسييرها فلم نكلف فى تعريف مواقيت صومنا ولاعبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولاكتابة إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة لائحة يستوى فى معرفتها الحُستاب وغيرهم. قال الحافظ : قيل للعرب أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة قال الله تعالى: ﴿هوالذى بعث فى الأميين رسولا منهم - الجمعة: ٢﴾ ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة . والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النذر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم فى معاناة حساب التيسير ، واستمر الحكم فى الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك بل ظاهر السياق يشعر بنفى تعليق الحكم بالحساب أصلا، ويوضحه قوله فى الحديث الماضى فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ولم يقل فسلوا أهل الحساب. والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوى فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير فى ذلك وهم الروافض ، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجى: واجماع السلف الصالح حجة عليهم . وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض فى علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه او اربط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل - انتهى. ثم تم عليه الصلاة والسلام المعنى المذكور باشارته بيده من غير لفظ اشارة يفهمها الأخرس والأعجمى (الشهر) مبتدأ (هكذا) مشارا بها إلى نشر الأصابع العشر (وهكذا) ثانياً (وهكذا) ثالثاً خبره بالربط بعد العطف (وعقد الابهام) أى أحد الابهامين أو التقدير من إحدى اليدين أو ابهام اليمين على أن اللام عوض عن المضاف اليه (فى الثالثة) أى فى المرة الثالثة من فعله هكذا فصار الجملة تسعة وعشرين (ثم قال الشهر) أى تارة أخرى (هكذا وهكذا وهكذا) قال الطبى: أى عقد الابهام فى المرة الأولى فى الثالثة ليكون العدد تسعاً وعشرين، ولم يعقد الابهام فى المرة الثانية ليكون العدد ثلاثين. وقال الحافظ: أى أشار أولا بأصابع يديه العشر جميعاً مرتين وقبض الابهام فى المرة الثالثة، وهذا المعبرعنه بقوله (وفى الرواية الأخرى) تسع وعشرون. وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله ثلاثون (يعنى تمام الثلاثين) تفسير من الراوى لفعله عليه الصلاة والسلام هكذا وهكذا وهكذا فى المرة الأخيرة. والتقدير قال الراوى يعنى أى يريد من الله بكونه هنالم يعقد ٤٣٥ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧- كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال يعنى مرة تسعا وعشرين، ومرة ثلاثين. متفق عليه . ١٩٩٢ - (٤) وعن أبى بكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شهرا عيد لا ينقصان، الابهام فى الثالثة تمام الثلاثين، ثم زاد البيان فين الكيفية فى المرتين جميعا والتقدير قال الراوى أيضاً زيادة فى الايضاح تأسياً بِهِ مَّ ( يعنى) أى يريد صلى الله عليه وسلم بمجموع ما ذكره أن الشهر يكون (مرة تسعاً وعشرين ومرة ثلاثين) قال ابن حجر: وإنما بالغ فى البيان بماذكر مع الاشارة المذكورة ليبطل الرجوع إلى ما عليه الحساب والمنجمون وبه يبطل ما مر عن ابن سريج ومن وافقه - انتهى. قال ابن بطال: فى الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول رؤية الأهلة وقدنهينا عن التكلف ولاشك إن مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف . وفى الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالاشارة المفهمة وأعمال أداة الايماء فى النكاح والطلاق ونحوهما (متفق عليه) أى على أصل الحديث وإلا فقوله الشهر هكذا وهكذا إلى قوله تمام ثلاثين لفظ مسلم، ولفظ البخارى الشهر هكذا وهكذا يعنى مرة تسعاً وعشرين ومرة ثلاثين. قال الحافظ: هكذا ذكره آدم شيخ البخارى مختصرا ، وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عن غندر ثم ذكر اللفظ المذكور عن مسلم وفى رواية للبخارى الشهر هكذا وهكذا وخنس الابهام فى الثالثة والمصنف تبع فى ذلك البغوى فانه ذكر فى المصابيح كذلك ولا يخفى مافيه والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج ٢ ص ٢٣، ٥٢، ١٢٢ و ١٢٩) وأبو داود والنسائى والبيهقى . ١٩٩٢ - قوله (شهرا عيد) أى شهر رمضان وشهر ذى الحجة وإنما سعى شهر رمضان شهر عيد بطريق المجاورة. قال السندى: عد شهر رمضان شهر عيد مع أن العيد بعده، والجواب أن المقارنة مجوزة للاضافة. وقال الحافظ: أطلق على رمضان أنه شهرعيد لقربه من العيد ونظيره قوله مؤفضّم المغرب وترالنهار أخرجه الترمذى من حديث ابن عمر وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها (لا ينقصان) اختلف فى معناه على أقوال فقيل أى لا ينقصائ فى الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين قاله اسحاق بن راهوية . والمراد أنه لا يكونان ناقصين فى الثواب وإن وجدا ناقصين فى عدد الحساب. فثواب تسع وعشرين كثواب ثلاثين منهما ، وحاصله أنه لا يتفاوت أجر ثلاثين وتسعة وعشرين كأنه أراد سد أن يخطر ذلك فى قلب أحد. قال النووى: الأصح إن معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما وإن نقص عددهما هذا هو الصواب المعتمد، والمعنى إن كل ما ورد عنهما من الفضائل والأحكام حاصل، سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعا وعشرين ، سواء صادف الوقوف اليوم التاسع أو غيره . قال الحافظ: ولا يخفى أن محل ذلك اذا لم يحصل تقصير فى ابتغاء الهلال، وفائدة ٤٣٦ عاة المفاتيح ج ٦ ٧- كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال الحديث رفع ما يقع فى القلوب من شك لمن صام تسعا وعشرين أو وقف فى غير يوم عرفة ، وقد استشكل بعض العلماء إمكان الوقوف فى الثانى اجتهادا وليس مشكلا لأنه ربما ثبتت الرؤية بشاهدين لأن أول ذى الحجة الخميس مثلا فوقفوا يوم الجمعة ثم تبين أنهما شهدا زورا - انتهى. وقال الكرمانى: استشكل ذكر ذى الحجة لأنه إنما يقع الحج فى العشر الأول منه فلا دخل لنقصان الشهر وتمامه، وأجيب بأنه مؤول بأن الزيادة والنقص اذا وقعَافى ذى القعدة يلزم منهما نقص عشر ذي الحجة الأول أو زيادته فيقفون الثامن أو العشر فلا ينقص أجر وقوفهم عما لا غلط فيه ذكره القسطلانى. وقال الطبيبى: ظاهر سياق الحديث فى بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست فى سائرها ليس المراد أن ثواب الطاعة فى سائرها قد ينقص دونهما فينبغى أن يحمل على الحكم ورفع الحرج والجناح عما على أن يقع فيه خطأ فى الحكم لاختصاصها بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما، ومن ثم لم يقتصر على قوله رمضان وذو الحجة بل قال شهرا عيد - انتهى. وقال الزين بن المثير: أقرب الأقوال إن المراد أن النقص الحسى باعتبار العدد ينجبر بأن كلا منهما شهر عيد عظيم فلا ينبغى وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما من الشهور. قال الحافظ: وحاصله يرجع إلى تاتيد قول اسحاق وقيل معناه لاينقصان معا فى سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب، وإن بُدر وقوع ذلك. وحاصله إنهما غالبا لا يجتمعان فى سنة واحدة على النقص، بل إن كان أحدهما ناقصا كان الآخر وافيا، وهذا أكثرى لا كلى فقد جاء وجودهما ناقصين معاً وقيل معناه لاينقصان فى نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع وهذا أشار اليه ابن حبان ولا يخفى بعده وقيل معناه لا ينقصان فى عام بعينه وهو العام الذى قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، وهذا حكاه ابن بزيزة ومن قبله أبو الوليد بن رشد، ونقله المحب الطبرى عن أبى بكر بن فورك وقيل المعنى لا ينقصان فى الأحكام وبهذا جزم البيهقى وقبله الطحاوى ، فقال: معنى لا ينقصان إن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقضة عن حكمهما اذا كاناثلاثين وقيل المراد أنهما فى الفضل سواء لقوله فى الحديث الآخر ما من أيام العمل فيها أفضل من عشر ذي الحجة ، فالمعنى أنه لا ينقص ثواب العمل فى أحدهما عن العمل فى الآخر ويقرب منه ما ذكره الخطابى والتوربشتى من أنه أراد تفضيل العمل فى عشر ذي الحجة وأنه لا ينقص فى الأجر والثواب عن شهر رمضان لأن فيه المناسك والعشر وقيل المراد إن شهرا عيد لا ينقصان عند الله أجراً وثواباً بل الأجر والثواب فيهما على الأعمال دائما على حد واحد لا يتفاوت ذلك بالسنين والأعوام مثلا لأن رمضان أحيانا يكون فى الشتاء، وأحيانا يكون فى الصيف وكذا الحجة إلخ فين إن الأجر فى الكل سواء، وفى الحديث حجة لمن قال أن لثواب ليس مرتبا مې ٤٣٧ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال رمضان وذو الحجة . متفق عليه. ١٩٩٣ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما، فليصم ذلك اليوم. على وجود المشقة دائما بل لله أن يتفضل بالحق الناقص بالتام فى الثواب (رمضان وذو الحجة) بدلان أو بيانان أوهما خبر مبتدأ محذوف أى أحدهما رمضان، والآخر ذو الحجة (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٥ ص٣٨ و ٤٧ - ٤٨، ٥١) وأبوداود والترمذى وابن ماجه والطحاوى والبيهقى. ١٩٩٣ - قوله (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم) الخ وعند الاسماعيلى لا تقدموا بين يدى رمضان بصوم وفى رواية لأحمد لا تقدموا قبل رمضان بصوم، والترمذى فى رواية لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله. قال الحافظ: أى لا يتقدم رمضان بصوم يوم بعد منه بقصد الاحتياط له فان صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلى التكلف . قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذى : لما أخرجه العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان -انتهى. وقال السيوطى: فى قوت المغتذى إنما نهى عن فعل ذلك لئلا يصوم احتياطا لاحتمال أن يكون من رمضان وهو معنى قول الترمذى لمعنى رمضان وإنما ذكر اليومين لأنه قد يحصل الشك فى يومين بحصول الغيم والظلمة فى شهرين أو ثلاثة فلذا عقب ذكر اليوم باليومين - انتهى. قلت: وعندى فى تقييد هذا النهى بنية الاحتياط لرمضان نظر كما سيأتى (إلا أن يكون رجل) كان تامة أى إلا أن يوجد رجل قاله الحافظ (كان يصوم صوماً) أى نفلا معتاداً كذا لأبى ذر عن الحموى والمستعلى وفى رواية الكشميهنى يصوم صومه (فليصم ذلك اليوم) أى ذلك الوقت فانه مأذون له فيه والترمذى، فى رواية إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم وفى رواية للنسائى إن رجل كان بصوم صياماً أتى ذلك اليوم على صيامه، يعنى أنى يوم عادته مع صيام رمضان متصلا به وفى رواية لأحمد إلا رجل كان يصوم صياما فليصله به. قال الخطابي: معنى الاستثناء أن يكون قد اعتاد صوم الاثنين والخميس (مثلا) فيوافق صوم اليوم المعتاد فيصومه ولا يتعمد صومه إن لم تكن له عادة قال السندى: قوله ((لا يتقدمن أحدكم رمضان)) إلخ أى لا يستقبلنه بصوم يوم أو يومين (يعنى لتعظيم رمضان) وحمله كثير من العلماء على أن بنية رمضان أو لتكثير عدد صيامه أولزيادة احتياطه بأمررمضان أو على صوم يوم الشك ولا يخفى إن قوله أو يومين لا يناسب الحمل على صوم الشك إذلا يقع الشك عادة فى يومين والاستثناء بقوله ((إلا أن يكون رجل)) إلخ لا يناسب التأويلات الأول اذ لازمه جواز صوم يوم أو يومين قبل رمضان لمن يعتاده بنية رمضان مثلا وهذا فاسد. والوجه أن يحمل النهى ٤٣٨ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧- كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال على الدوام أى لاتداوموا على التقدم لما فيه من إيهام لحوق هذا الصوم برمضان إلا لمن يعتاد المداومة على صوم آخر الشهر مثلا فانه لوداوم عليه لا يتوهم فى صومه اللحوق برمضان والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندى وقال الأمير اليمانى الحديث دليل على تحريم صوم يوم أويومين قبل رمضان. ثم ذكر كلام الترمذى المتقدم ثم قال وقوله لمعنى رمضان تقييد للنهى بأنه مشروط بكون الصوم احتياطاً، لا، لوكان الصوم صوما مطلقاً كالنفل المطلق والنذر ونحوه، قلت: (قائله الأمير اليمانى) ولا يخفى أنه بعد هذا التقييد يلزم منه جواز تقدم رمضان بأى صوم كان وهو خلاف ظاهر النهى فإنه عام لم يستثن منه إلا صوم من اعتاد صوم أيام معلومة ووافق ذلك آخر يوم من شعبان، ولو أراد صلى الله عليه وسلم الصوم المقيد بما ذكر لقال إلا متنفلا أو نحو هذا اللفظ، وإنما نهى عن تقدم رمضان لأن الشارع قد علق الدخول فى صوم رمضان برؤية هلاله فالمتقدم عليه مخالف للنص أمرا ونهيا - انتهى وقال الحافظ : وفى الحديث رد على من قال بجواز صوم النغل المطلق وأبعد من قال المراد بالنهى التقدم بنية رمضان واستدل بلفظ التقدم لأن التقدم على الشىء بالشىء إنما يتحقق اذا كان من جنسه فعلى هذا يجوز الصيام بنية النفل المطلق لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه - انتهى. وقد اختلف فى الحكمة فى النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين فقيل هى الخوف من أن يزاد فى رمضان ماليس منه كما نهى عن صيام يوم العيد لذلك حذراً بما وقع فيه أهل الكتاب فى صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهواءهم وقيل مى التقوى على صيام رمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط فان مواصلة الصيام تضعف عن صيام الفرض، وفيه نظر لأن مقتضى الحديث إنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام فصاعداً جاز، وسنذكر ما فيه. وقيل الحكمة فيه خشية إختلاط النفل بالفرض ، وفيه نظر أيضاً لأنه يجوز لمن له عادة كما فى الحديث. وقيل لزوم التقدم بين يدى الله ورسوله، فإنه عليه الصلاة والسلام قد علق الصوم بالرؤية فهو كالعلة للحكم فمن تقدمه بصوم يوم أويومين فقد حاول الطعن فى ذلك الحكم. قال الحافظ: وهذا هو المعتمد. ومعنى الاستثناء إن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه، وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان فى شىء ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قال بعض العلماء يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعى بالظنى. وفى الحديث إبطال لما يفعله الرافضة والباطنية من تقدم الصوم بيوم أو يومين قبل رؤية هلال رمضان، وزعمهم إن اللام فى قوله «صوموا لرؤيته)) فى معنى مستقبلين لها ، وذلك لأن الحديث يفيد أن اللام لا يصح حملها على هذا المعنى و إن وردت له فى مواضع. ومفهوم الحديث جواز الصوم إذا كان التقدم بأكثر من يومين. وقيل: يمتد المنع لما قبل ذلك، وبه قطع ٤٣٩ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٧ - كتاب الصوم ١ - باب رؤية الهلال متفق عليه . :﴿ الفصل الثانى ) ١٩٩٤ - (٦) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا . كثير من الشافعية. وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدم بالصوم ، حيث وجد منع. وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب من يقصد ذلك. وقالوا: ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان لحديث أبي هريرة التالى وقال الرؤيانى من الشافعية يحرم التقدم بيوم أو يومين للحديث الذى نحن فى شرحه، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقيل يجوز من بعد انتصافه ويحرم قبل رمضان بيوم أو يومين. أما جواز الأول فلأنه الأصل، وحديث أبى هريرة الآتى ضعيف. قال أحمد وابن معين: إنه منكر. وأما تحريم الثانى فلحديث الباب. قال الأمير اليمانى: وهو جمع حسن وقال جمهور العلماء يجوز الصوم قطرعا بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه. واستدل البيهقى بحديث الباب على ضعفه. فقال الرخصة فى ذلك بما هو أصح من حديث الانتصاف. وكذا صنع قبله الطحاوى واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعا أفضل الصيام بعد رمضان شعبان، لكن استناده ضعيف. واستظهر أيضاً بحديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الرجل هل صمت من سرر شعبان شيئاً قال لا، قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين. والمراد بالسرر (بفتحين) عند الجمهور هنا آخر الشهر سميت بذلك لاستسرار القمر فيها. وهى ليلة ثمانية وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين. ثم جمع الطحاوى بين حديث الانتصاف وحديث التقدم بيوم أو يومين بأن حديث الانتصاف محمول على من يضعفه الصوم ، وحديث التقدم مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان. قال الحافظ: وهو جمع حسن. قلت: الظاهر عندى أنه يحرم التقدم يوم او يومين مطلقاً إلا لمن يكون له الصوم معتاد فيأتى ذلك على صيامه فيجوز له أن يصوم ذلك، ويتقدم قبل رمضان بيوم أو يومين، وفى حكم المعتاد النذر والقضاء كما تقدم ، وعلى هذا يحمل حديث السرو كما سيأتى فى باب صوم التطوع. وأما حديث الانتصاف وهو حديث صحيح كما ستعرف فهو محمول على من يضعفه الصوم، أو على من صامه بلا سبب، أو على من لم يصله بما قبله أى لم يصم قبل نصف الشهر والله تعالى أعلم. وسيأتى مزيد الكلام فيه عند شرحه (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ( ج ٢ ص ٢٢٤ - ٢٨١) والترمذى، وأبو داود والنسائى، وابن ماجه، والدارمى، والدارقطنى والبيهقى، والطحاوى وغيرهم. ١٩٩٤ - قوله (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) هذا لفظ أبى داود، والترمذى إذا بقى نصف من ٤٤٠