النص المفهرس
صفحات 401-420
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
من البواعث على المعاصى بقمع الشهوات. وقال القرطبى: يصح حمله على الحقيقة ويكون معناه ان الجنة قد
فتحت وزخرقت لمن مات فى رمضان لفضل هذة العبادة الواقعة فيه، وغلقت أبواب النار فلا يدخلها منهم أحد
مات فيه، وصفدت الشياطين لئلا تفسد على الصائمين. قال الطبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على
استحماد فعل الصائمين، وإن ذلك من الله بمنزلة عظيمة، وأيضا فيه أنه اذا علم المكلف المعتقد ذلك باخبار
الصادق يزيد فى نشاطه ويتلقاه باريحته - انتهى. وقال الشاه ولى الله الدهلوى: اعلم أن هذا الفضل إنما هو
بالنسبة إلى جماعة المسلمين فإن الكفار فى رمضان أشد عمها وأكثر ضلالا منهم فى غيره لتماديهم فى متك شعائر
الله ولكن المسلمين إذا صاءوا وقاموا وغاص، كملهم فى لجة الأنوار وأحاطت دعوتهم من رواتهم
وانعكست أضوائهم على من دونهم وشملت بركاتهم جميع فتتهم ، وتقرب كل حسب استعداده من المنجيات،
وتباعد من المهلكات. صدق إن أبواب الجنة تفتح عليهم وإن أبواب جهنم تغلق عنهم، لأن أصلها
الرحمة واللعنة ولأن اتفاق أهل الأرض فى صفة تجلب ما يناسبها من جود الله كما ذكرنا فى الاستسقاء والحج،
وصدق إن الشياطين تسلسل عنهم ، وإن الملائكة تنتشر فيهم، لأن الشيطان لا يؤثر إلا فيمن استعدت نفسه
لأثر، وإنما استعدادها له لغلواء البهيمية، وقد انقهرت. وإن الملك لا يقرب إلا ممن استعد له، وإنما استعداده
بظهور الملكية. وقد ظهرت، وأيضا فرمضان مظنة الليلة التى يفرق فيها كل أمر حكيم فلا جرم إن الأنوار
المثالية والملكية تنتشر حينئذ، وإن أضدادها تنقبض - انتهى. قال القرطبي: بعد أن رجح حمله ظاهره.
فان قيل كيف نرى الشرور والمعاصى واقعة فى رمضان كثيراً فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك فالجواب
أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذى حوفظ على شروطه وروعيت آدابه يعنى أن ذلك فى حق الصائمين الذين
حافظوا على شروط الصوم وراعوا آدبه. أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لأكلهم. وترجم لذلك ان خزيمة
فى صحيحه، وأورد حديث أبى هريرة الآتى فى الفصل الثانى. أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس
فان وقوع ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية، لأن لذلك أسباباً
الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيصة والشياطين الانسية، وقريب من هذا المعنى ما قيل إن صدور المعاصى
فى رمضان ليس من أثر الشيطان بل من أثر النفس الأمارة التى تشربت من أثر الشيطان فى سائر السنة، فإن النفس
لما تصبغت باونه تصدر منها أفعاله، والفائدة إذ ذاك فى تصفيد الشيطان ضعف التاثير فى ارتكاب المعاصى فمن
أراد التجنب عن ذلك يسهل عليه. وقال السندى: لا ينافيه وقوع المعاصى إذ يكفى فى وجود المعاضى شرار:
النفس وخبائتها ، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان وإلا لكان لكل شيطان شيطان ويتسلسل، وأيض
٤٠١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
وفى رواية فتحت أبواب الرحمة . متفق عليه .
١٩٧٧ - (٢) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فى الجنة
ثمانية أبواب، منها :
معلوم أنه ما سبق ابليس شيطان آخر فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه - انتهى. وقيل المراد من السياطين
مستر مع منهم فإنهم كانوا منعوا زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة فى الحفظ.
وقيل يستثنى منهم فى التصفيد صاحب دعوتهم وزعيم زمرتهم لمكان الأنظار الذى سأله من الله فاجيب اليه فيقع
ما يقع من المعاصى بتسويله واغراءه، فائدة التصفيد فض جموحه وكسرشوكته وتسكين نائرته ولو لم يكن الأمر
على ذلك لم يكن لاستظهاره بالأعوان والجنود معنى. وقال ابن العربى: لا يتعين فى المعاصى والمخالفة أن تكون من
وسوسة الشيطان إذيكون من النفس وشهواتها سلمنا أنه من الشيطان فليس من شرط وسوسته التى يجدها الانسان فى
نفسه اتصالها بالنفس، إذ قد يكون مع بعده عنها لأنها من فعل الله فكما يوجد الألم فى جسد المسحور والمعيون عند
تكلم الساحر أو العاين فكذلك يوجد وسوسة من خارج، وقريب منه ما قال الباجى أنه يحتمل إن الشباطين تصفد
حقيقة فتمتنع من بعض الأفعال التى لا قطيقها إلا مع الانطلاق، وليس فى ذلك دليل على امتناع قصرفها جملة ،
لأن المصفد هو المغلول اليد إلى العنق يتصرف بالكلام والرأى وكثير من السعى - انتهى. وقيل فى تصفيد
الشياطين فى رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كفت الشياطين عنك، فلا تعتل بهم فى ترك
الطاعة ولا فعل المعصية (وفى رواية فتحت أبواب الرحمة) أى وغلقت أبواب جهنم إلى آخره (متفق عليه) إلا
رواية أبواب السماء فانها من أفراد البخاری رواها فى الصيام ورواما أیضاً فی صفة إبليس فى رواية أبى ذر ،
وأخرجها أيضا الدارى والا رواية أبواب الرحمة فإنها من أفراد مسلم، وأخرجها النسائى والرواية المتفق عليها
فتحت أبواب الجنة أخرجها البخارى فى الصيام، وفى صفة إبليس فى رواية غير أبى ذر. ورواما أيضا مالك
والنسائى والبيهقى (ج ٤ ص ٢٠٢، ٣٠٣) فكان حق المصنف أن يجعل الرواية المتفق عليها أصلا . ثم يقول:
وفى رواية فتحت أبواب السماء وفى رواية فتحت أبواب الرحمة ثم يذكر وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين
لكنه قلد البغوى، والجزرى، ونقل من غير تصرف، والحديث أخرجه أحمد (ج ٢ ص٢٨١) أيضاً.
١٩٧٧ - قوله (فى الجنة ثمانية أبواب) أى فى سور الجنة ثمانية أبواب، وقد سبق بيان الأبواب
الثانية فى شرح حديث انفاق الزوجين فى أوائل باب فضل الصدقة (منها باب) كذا فى جميع النسخ ، وهكذا فى
المصابيح والذى فى البخارى ((فيها باب)) وهكذا نقله السيوطى فى الجامع الصغير ورواه الجوزقى والبيهقى (ج٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون. متفق عليه .
ص ٥ ٣٠) بلفظ: إن للجنة ثمانية أبواب. منها باب يسمى الريان - الحديث. ورواية البخارى أصح وأصوب
(يسمى الريان) إما لأنه بنفسه ريان لكثرة الأنهار الجارية اليه والأزهار والأثمار الطرية لديه، أو لأن من
وصل اليه يزول عنه عطش يوم القيامة ويدوم له الطراوة فى دار المقامة: قال الزركشى : الريان ، فعلان كثير
الرى ضد العطش سمى به لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، واكتفى بذكر الرى عن الشبع لأنه يدل عليه
من حيث أنه يستلزمه . وقيل لأنه أشق على الصائم من الجوع اذكثيرا ما يصبر على الجوع دون العطش، والريان
أصله الرويان اجتمعت الواووالياء، وسبقت أحداهما بالسكون فابدلت الواوياء، ثم أدغمت فى الياء من رويت من
الماء بالكسر أروى ريا وريا وروى مثل رضى (لا يدخله) أى لا يدخل منه أى من ذلك الباب (إلا الصائمون)
مجازاة لهم لما كان يصيبهم من العطش فى صيامهم، والمراد بهم من غلب عليهم الصوم من بين العبادات. قال
القارى: قيل: المراد به المقتصر على شهر رمضان بل ملازمة النوافل من ذلك وكثرتها قال السندى: قوله
الصائمون، أى المكثرون الصيام كالعادل والطالم يقال لمن يعتاد ذلك لا لمن يفعل مرة، والظاهر إن الاكثار
لا يحصل بصوم رمضان وحده بل بأن يزيد عليه ما جاء فيه أنه صيام الدهر والله أعلم - انتهى. قال العراقى: وقد
استشكل بعضهم الجمع بين حديث الريان وبين الحديث الصحيح الذى أخرجه مسلم من حديث عمر مرفوعا،
ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء، ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله،
إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء قالوا فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إنه يدخل من أيها
شاء، وقد لا يكون فاعل هذا الفعل من أهل الصيام بأن لا يبلغ وقت الصيام الواجب أو لا يتطوع بالصيام،
والجواب عنه بوجهين أحدهما أنه يصرف عن أن يشاء باب الصيام فلا يشاء الدخول منه ويدخل من أى باب
شاء غير الصيام فيكون قد دخل من الباب الذى شاءه. والثانى إن حديث عمر قد اختلفت الفاظه فعند الترمذى
فتحت له ثمانية أبواب من الجنة ، يدخل من أيها شاء فهذه الرواية تدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية.
منها وقد لا يكون باب الصيام من هذه الثمانية ولا تعارض حينئذ ذكره العينى. وقال السندى: لا ينافيه ما جاء:
فى بعض الأعمال أن صاحبه يفتح له تمام أبواب الجنة اذ يجوز أن لا يدخل من هذا الباب إن لم يكن من الصائمين
ويجوز أن لا يفعل أحد ذلك العمل إلا وفقه الله لاكثار الصوم بحيث يصير من الصائمين - انتهى. (متفق عليه)
الحديث بهذا الفظ من أفراد البخارى أورده فى باب صفة أبواب الجنة من بدأ الخلق، ولفظ مسلم إن فى الجنة
بابا يقال له الربان يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، ولا يدخل معهم أحد غيرهم. يقال: أين الصائمون
فيدخلون منه، فإذا دخل آخرثم أغلق، فلم يدخل منه أحد . وهذه الرواية أخرجها البخارى فى الصيام ، فكان
٤٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
١٩٧٨ - (٣) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان إيمانا
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
حتى المصنف أن يقول رواه البخارى ، ثم يشير إلى الرواية المتفق عليها، وهذه الرواية أخرجها أيضاً أحمد
(ج ٥ ص ٣٣٣، ٣٣٥) والترمذى والنسائى وابن خزيمة وابن ماجه والبيهقى وغيرهم بالفاظ متقاربة ، وزاد
بعضهم ومن دخله لم يظمأ أبداً .
١٩٧٨ - قوله (من صام رمضان) بنصبه على الظرفية أى فيه بأن صامه كله عند القدرة عليه أو بعضه
عند عجزه ونيته الصوم لولا العجز (إيمانا) تصديقاً بأنه فرض عليه حق وأنه من أركان الاسلام ومما وعد الله عليه
من الأجر والثواب قاله السيوطى. قيل نصبه على أنه مفعول لأجله أى لأجل الأيمان بالله ورسوله، والايمان بما
جاء به فى فضل رمضان والأمر بصيامه أى الحامل له على ذلك، والداعى اليه هو الايمان بالله، أو بما ورد فى
فضله وفرضية صومه . وقيل : نصبه على الحال بأن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل أى مؤمنا يعنى مصدقا بأنه حق
وطاعة، أو مصدقا بما ورد فى فضله وقيل: نصبه على التمييز أو على المصدرية أى صوم إيمان أو صوم مؤمن
وكذا قوله (واحتسابا) أى طلبا للثواب منه تعالى فى الآخرة أو اخلاصا أى باعثه على الصوم ما ذكر لا الخوف
من الناس ولا الاستحياء منهم ولا قصد السمعة والرياء عنهم. وقال الخطابي: احتساباً أى نية وعزيمة وهو أن
يصومه على معنى الرغبة فى ثوابه طيبة نفسه بذلك غير كاره له ولا مستثقل لصيامه ولا مستطيل لا ياء، ولكن يغتنم
طول أيامه لعظم الثواب . وقال البغوى: قوله: احتساباً أى طلباً لوجه الله تعالى وثوابه، يقال فلان يحسنب
الاخبار ويتحسبها أى يتطلبها - انتهى. وفى العباب احتسبت بكذا أجراً عند الله أى اعتددته أنوى به وجه الله
تعالى ومنه قوله عليه السلام من صام رمضان إيمانا واحتساباً (غفر له ما تقدم من ذنبه) اسم جنس مضاف
فيتناول جميع الذنوب الا أنه مخصوص عند الجمهور بالصغائر، وقد تقدم البحث فى ذلك فى كتاب الطهارة،
وقوله (( من ذنبه)) يتعلق بقوله غفر أى غفر من ذنبه ما تقدم، ويجوزأن تكون من البيانية لما تقدم وهو منصوب
المحل على المفعولية على الوجه الأول، ومرفوع المحل على أنه مفعول لما يسم فاعله على الوجه الثانى وزاد النسائى
فى السنن الكبرى من طريق قيبة عن سفيان وما تاخر ، وقد تابع قتيبة على هذه الزيادة جماعة ذكرها الحافظ فى
أوائل الصيام وأواخره من الفتح ، وفيه رد على من ادعى تفرد قتيبة بهذه الزيادة كالمنذرى أو استنكرها كابن
عبد البر. وقد استشكلت هذه الزيادة بأن المغفرة تستدعى سبق ذنب والمتأخر من الذنوب لم يأت بعد فكيف
يغفر. وأجيب بأن معناه إن ذنوبهم تقع مغفورة. وقيل هو كناية عن حفظ الله اياهم فى المستقبل من الكبائر
٤٠٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا
غفر له ما تقدم من ذنبه. متفق عليه .
١٩٧٩ - (٤) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة.
بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف،
فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك (ومن قام رمضان) أى لياليه أو معظمها أو بعض كل ليلة بصلاة التراويح وغيرها
من التلاوة والذكر والطواف ونحوها . وقال ابن الملك: غير ليلة القدر تقديرا أى لما سيأتى التصريح بها تحريراً أو
معناه أدى التروايح فيها ذكره القارى. وقال الحافظ: قام رمضان أى قام لياليه مصليا، والمراد من قيام اليل ما
يحصل به مطلق القيام . وذكر النووى إن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح يعنى أنه يحصل بها المطلوب من القيام
لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها. وأغرب الكرمانى فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح.
(ومن قام ليلة القدر) أى أحياها سواء علم بها أولا، وليلة القدر منصوب على أنه مفعول به، لا فيه اذ المعنى من
أحبى ليلة القدر. ويجوز نصبه بأنه مفعول فيه أى من أطاع الله فيها. قيل: ويكفى فى ذلك ما يسمى قياما حتى أن
من أدى العشاء بجماعة فقد قام لكن الظاهر من الحديث عرفا، كما قال الكرمانى أنه لا يقال قام الليلة الا إذا قام
جميعها أوأكثرما (غفر له ما تقدم من ذنبه) قد سبق فى كتاب الطهارة ان المكفرات ان صادفت السيات
تمحوها إذا كانت صغائر وتخففها إذا كانت كبائر وألا تكون موجبة لرفع الدرجات فى الجنات. وقال الطيى:
وتب على كل من الأمور الثلاثة أمراً واحدا وهو الغفران، تنبيها على أنه نتيجة الفتوحات الالهية ومستقبع
للعواطف الربانية وذكر الولى العراقى توجيهاً آخر لذلك، وارجع إلى شرح التقريب ( ج ٤ ص ١٦٤)
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى الايمان والصوم، ومسلم فى باب الترغيب فى قيام رمضان من كتاب الصلاة،
وأخرجه أيضاً أحمد ، ومالك فى الصلاة . والترمذى فى الصوم، وأبو داود فى الصلاة. والنسائى فى الصوم، وابن
ماجه فيه وفى الصلاة، والدارمى والبيهقى وغيرهم مختصراً ومطولا.
١٩٧٩ - قوله ( كل عمل ابن آدم) قال القارى: أى كل عمل صالح لابن آدم (يضاعف) أى ثوابه فضلا
منه تعالى (الحسنة) مبتدأ وخبر جنس الحسنات الشامل لأنواع الطاعات مضاف ومقابل (بعشر أمثالها) لقوله
تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - الأنعام: ١٦١) وهذا أقل المضاعفة والا فقد يزاد (إلى سبع مأة ضعف)
بكسر الضاد أى مثل بل إلى اضعاف كثيرة كما فى التنزيل: ﴿من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافا
كثيرة - البقرة: ٢٤٥ ) وكما وقع فى رواية بعد ذلك زيادة قوله إلى ما شاء الله. وقال بعضهم: التقدير حسنة
٤٠٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
قال الله تعالى: إلا الصوم، فانه لى وأنا أجزى به،
واللام عوض عن العائد إلى المبتدأ، وهو كل أو العائد محذوف أى الحسنة منه، وقال القاضى البيضاوى: أراد
بكل عمل الحسنات من الأعمال فلذلك وضع الحسنة فى الخبر موضع الضمير الراجع إلى المبتدأ وقوله (إلا الصوم)
مستثنى من كلام غير محكى دل عليه ما قبله، والمعنى إن الحسنات يضاعف أجرها من عشر أمثالها إلى سبع مأة
ضعف إلا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر بل ثوابه لا يقدر قدره، ولا يحصيه إلا اللّه تعالى. ولذلك يتولى
الله جزاءه بنفسه ولا يكله إلى غيره - انتهى. وفيه انه يحتمل أن يكون أول الكلام حكاية إلا أنه لم يصرح بذلك
فى صدره بل فى وسطه قال الحافظ : أما قول البيضاوى إن الاستثناء من كلام غير محكى، ففيه نظر. فقد يقال هو
مستثنى من كل عمل وهو مروى عن اللّه لقوله فى أثناء الحديث قال الله تعالى، ولما لم يذكره فى صدر الكلام أورده
فى اثناءه بياناً وفائدته تفخيم شأن الكلام وأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى - انتهى. (فانه لى وأنا
أجزى به) بفتح الهمزة وكسر الزاى يعنى أن الصوم سر بينى وبين عبدى يفعله خالصاً لوجهى لا يطلع عليه العباد
لأن الصوم لا صورة له فى الوجود بخلاف سائر العبادات وأنا العالم بجزاءه أقولى بنفسى إعطاء جزاءه لا أكله إلى
غيرى، وفيه إشارة إلى تفخيم العطاء وتعظيم الجزاء وإن مضاعفة جزاء الصوم من غير عدد ولا حساب: قال
السندى، قد ذكروا لقوله فانه لى وأنا أجزى به معانى (بلغها أبو الخير الطالقانى فى حظائر القدس له إلى خسة.
وخمسين قولا) لكن الموافق للأحاديث أنه كناية عن تعظيم جزاءه وأنه لا حد له، وهذا هو الذى تفيده المقابلة
بما قبله فى هذا الحديث وهو الموافق لقوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب - الزمر: ١٥)
وذلك لأن اختصاصه من بين سائر الأعمال بأنه مخصوص بعظيم لا نهاية لعظمته ولا حد لها، وأن ذلك العظيم هو
المستولى لجزاءه ما ينساق الذهن منه إلى أن جزاءه مما لا حد له. ويمكن أن يقال على هذا معنى قوله ((لى أى أنا
منفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيفه، وبه تظهر المقابلة بينه وبين ما جاء فى بعض الأحاديث من قوله كل عمل ابن آدم
له إلا الصيام هو لى أى كل عمله له باعتبار أنه عالم بحزاءه ومقدار تضعيفه إجمالا لما بين الله تعالى فيه إلا الصوم.
فانه الصبر الذى ما جد لجزاءه حداً. بل قال: ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب - الزمر: ١٠) -
انتهى. وقال الحافظ: قد اختلف العلماء فى المراد بهذا مع أن الأعمال كلها اللّه تعالى وهو الذى يجزى بها على
أقوال، ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال. أحدها إن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع فى غيره حكاه المازرى
ونقله عياض عن أبى عبيد. قال أبو عبيد: فى غريبه أن أعمال البر كلها لله وهو الذى يجزى بها فترى والله أعلم. إنه
إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هوشىء فى القلب، ويؤيد هذا التأويل قوله { للن ليس
فى الصيام رياء حدثنيه شبابة عن عقيل عن الزهرى فذكره يعنى مرسلا. قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا
٤٠٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
بالحركات إلا الصوم فانما هو بالنية التى يخفى عن الناس هذا وجه الحديث عندى - انتهى . قال الحافظ: وقد روى
الحديث المذكور البيهقى فى الشعب من وجه آخرعن الزهرى موصولا عن أبى سلمة عن أبى هريرة واسناده ضعيف،
ولفظه الصيام لا رياء فيه قال الله عز وجل هو لى وأن أجزى به. قال الحافظ: وهذا لو صح لكان قاطعاً للنزاع.
وقال القرطبى: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا اللّه فاضافه اللّه إلى نفسه،
ولهذا قال فى الحديث يدع شهوته من أجلى. وقال ابن الجوزى: جميع العبادات تظهر بفعلها وقل أن يسلم ما
يظهر من شوب بخلاف الصوم واراضى هذا الجواب المأزرى وقرره القرطى ، بأن أعمال بنى آدم لما كانت
يمكن دخول الرياء فيها أضيفت اليهم بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعا مثل حال الممسك تقرباً يعى فى الصورة
الظاهرة. قلت: (قائله الحافظ) معنى النفى فى قوله لارياء فى الصوم أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله
الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية فدخول الرياء فى الصوم، إنما يقع
من جهة الأخبار بخلاف بقية الأعمال فان الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها. ثانيها إن المراد بقوله وأنا أجزى
به إنى أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس . قال
القرطبي: معناه إن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وإنها تضاعف من عشرة إلى سبع.أة إلى ما شاء
الله إلا الصيام، فان الله يثيب عليه بغير تقدير ويشهد لهذا المعنى رواية الموطأ وكذلك رواية الأعمش عن
أبى صالح ( عند ابن ماجه) حيث قال: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعماة ضعف الى
ما شاء اللّه قال الله الا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به أى أجازى عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره وهذا
كقوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب - الزمر: ١٠) - انتهى: والصابرون الصائمون فى
أكثر الأقوال. وسبق الى هذا أبو عبيد فى غريبه ، فقال بلغى عن ابن عينة أنه قال: ذلك واستدل له بأن الصوم
هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات: وقد قال الله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
انتهى. ثم أورد الحافظ روايات تشهد لهذا المعنى ثم ذكر باقى الأقوال وقال واتفقوا على أن المراد بالصيام
صيام من سلم صيامه عن المعاصى قولا وفعلا، ونقل ابن العربى عن بعض الزهاد إنه مخصوص بصيام خواص
الخواص . فقال: إن الصوم على أربعة أنواع: صيام العوام: وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع. وصيام
خواص العوام: وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول وفعل. وصيام الخواص: وهو الصوم عن غير ذكر
الله وعبادته. وصيام خواص الخواص: وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم الى يوم القيامة يعنى لا يفطرون
ألا برؤيته ولقائه. قال الحافظ: وهذا مقام عال لكن فى حصر المراد من الحديث فى هذا النوع نظر لا يخفى
٤٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
. بدع شهوته وطعامه من أجلى، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف
فم الصائم
وأقرب الأقوال التى ذكرتها الى الصواب الأول والثانى - انتهى (يدع شهوته) أى يترك ما اشتهته نفسه من
محظورات الصوم وهو تعليل لاختصاصه بعظم الجزاء. قال الطبى: جملة مستانفة وقعت موقع البيان لموجب الحكم
المذكور (وطعامه) تخصيص بعد تعميم أو الشهوة كناية عن الجماع، والطعام عبارة عن سائر المفطرات، وفى رواية
قدم الطعام على الشروة ولابن خزيمة يدع الطعام والشراب من أجل ويدع لذته من أجلى ويدع زوجته من أجلى،
وهذا صريح فى أن المراد بالشهوة شهوة الجماع. وأصرح منه ما وقع عند الحافظ سمويه يترك شهوته من الطعام
والشراب والجماع (من أجلى) أى من جهة امتثال أمرى وقصد رضائى وأجرى. وفى الموطأ: إنما يذر شهوته
وطعامه وشرابه من أجلى. قال الحافظ: قديفهم من الانيان بصيغه الحصر التنبيه على الجهة التى بها يستحق الصائم
ذلك وهو الاخلاص الخاص به، حتى لوكان ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة لا يحصل الصائم الفضل المذكور
(للصائم فرحتان) أى مرتان من الفرح عظيمان إحداهما فى الدنيا والأخرى فى الأخرى (فرحة عند فطره) أى إفطاره
بالخروج عن عهدة المأمور أو بوجدان التوفيق لاتمام الصوم أو بخلوص الصوم وسلامته من المفسدات والرفث،
واللغو، أو بما يرجوه من حصول الثواب أو بالأكل والشرب بعد الجوع والعطش. قال القرطبي: معناه يفرح
بزوال جوعه وعطشة حيث أبيح له الفطر وهذا الفرح طبيعى وهو السابق للفهم . وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو
من حيث أنه تمام صرمه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه. قال الحافظ : ولا مانع من
الحمل على ما هو أعم مما ذكر نفرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس فى ذلك ، فمنهم من يكون فرحه مباحا
وهو الطبيعى، ومنهم من يكون مستحباً وهو من يكون سببه شيئاً مما ذكر (وفرحة عند لقاء ربه) أى بنيل الجزاء
أو الفوز باللقاء. وقيل: هو السرور بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه (ولخلوف فم الصائم) بفتح لام
الابتداء تاكيدا، ويضم الخاء المعجمة واللام وسكون الواو وبعدها فاء، من خلف فمه اذا تغيرت رائحة فمه يخلف
خلوفا بالضم لا غير. قال عياض: هذه الرواية الصحيحة وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطابي: وهو
خطأ وتحكى القابسى: الوجهين، وصوب الضم. وبالغ النووى فى شرح المهذب. فقال لا يجوز فتح الخاص. واحتج
غيره لذلك بأن المصادر التى جاءت على فعول بفتح أوله قليلة ذكرها سيبويه وغيره وليس هذا منها . واتفقوا على
أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام كذا فى الفتح. قال الباجى: الخلوف تغير رائحة فم الصائم وانما
يحدث من خلو المعدة بترك الأكل ولا يذهب بالسواك لأنها رائحة النفس الخارج من المعدة. وإنما يذهب بالسواك
٤٠٨
٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
أطيب عند الله من ريح المسك،
ما كان فى الاسنان من التغير. وقال البرقى: هو تغير طعم الفم وريحه لتأخر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام
فى الفم من ريحه كريهة لخلاء المعدة من الطعام (أطيب عند الله من ريح المسك) أى صاحب الخلوف عند الله أطيب
وأكثر قبولا ووجاهة وأزيد قرباً منه تعالى من صاحب المسك بسب ريحه عندكم وهو تعالى أكثر اقبالا عليه بسبيه
من اقبالكم على صاحب المسك بسببه. وفى لفظ لمسلم والنسائى أطيب عند الله يوم القيامة، وقد وقع خلاف بين
ابن الصلاح وابن عبد السلام فى أن أطيب رائحة الخلوف هل هو فى الدنيا والآخرة أو فى الآخرة فقط . فذهب
ابن عبد السلام الى أنه فى الآخرة كما فى دم الشهيد. واستدل برواية مسلم والنسائى هذه . وروى أبو الشيخ باسناد
فيه ضعف عن أنس مرفوعا يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك
وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك فى الدنيا والآخرة جميعاً، واستدل بحديث ولخلوف فم الصائم حين يخلف من
الطعام أطيب عند الله من ريح المسك. قال الولى العراقى: هذه الرواية ظاهرة فى أن طيبه فى تلك الحالة، وحمله
على أنه سبب للطبيب فى حالة مستقبلة تأويل مخالف للظاهر، ويؤيده ما روى الحسن بن سفيان فى مسنده والبيهقى فى
الشعب من حديث جابر فى أثناء حديث مرفوع فى فضل هذه الأمة فى رمضان. وأما الثانية فان خلوف أفواههم حين
يمسون أطيب عند الله من ريح المسك. قال المنذري: إسناده مقارب وحسنه أبو بكر السمعمانى فى أماليه. قال
وذهب جمهور العلماء إلى ذلك كالخطابى وابن عبد البر والبغوى فى شرح السنة والقدورى من الحنفية، والداودى
من قدماء المالكية وأبى عثمان الصابونى وأبى بكر السمعانى وأبى حفص الصفار الشافعيين فى أماليهم وأبى بكر بن
العربى. قال فهؤلاء أئمة المسلين شرقا وغربا لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد وجها تخصيصا بالآخرة
ل جزموا بأنه عبارة عن الرضا والقبول ونحوهما مما هو ثابت فى الدنيا والآخرة. قال: وأما ذكر يوم القيامة فى
تلك الرواية فلانه يوم الجزاء. وفيه يظهر رجحان الخلوف فى الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة
طلباً لرضا الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها فقيده بيوم القيامة فى رواية، وأطلق فى باقى الروايات نظراً الى أن أصل
أفضليته ثابت فى الدارين وهو كقوله إن ربهم بهم يؤمئذ لخبير وهو خير بهم فى كل يوم ـ انتهى . واستشكل
كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك من جهة أن الله تعالى منزه عن استطابة الروائح الطبية واستقذار
الروائح الخبيثة فان ذلك من صفات الحيوان مع أن الله يعلم الأشياء على ما هى عليه وأجيب عن ذلك بوجوه
منها إنه مجاز واستعارة لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا ، فاستعير ذلك فى الصوم لتقريبه من الله .
قال المازري: فيكون المعنى إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أى يقرب اليه أكثر من
تقريب المسك اليكم وذكر ابن عبد البر نحوه ومنها إن المراد إن اللّه تعالى يجزيه فى الآخرة فتكون نكهته أطيب
٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
والصيام جنة ،
من ريح المسك كما يأتى المكلوم وريح جرحه تفوحه مسكا. ومنها أن المراد أن صاحب الخلوف ينال من الثواب
ماهو أفضل من ريح المسك عندنا لاسيما بالاضافة إلى الخلوف وهما ضدان حكى القولين عياض. ومنها أن ذلك فى
حق الملائكة وأنهم يستطبيون ريح الخلوف أكثر ما يستطيبون ريح المسك فالمراد بعند الله عند ملائكته ومنها
أنه يعتد برانحة الخاوف ويدخر على ما هى عليه أكثر بما يعتد بريح المسك وإن كانت عندنا نحن بخلافه حكاه
عياض أيضا. ومنها أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب اليه فى الجمع والأعياد ومجالس الحديث
والذكروسائر مجامع الخير قاله الداودى وأبو بكر بن العربي والقرطبى. وقال النووى: هو الأصح وحاصله حمل
معنى الطيب على القبول والرضا ومنها إن الغرض نهى الناس عن تقذر مكالمة الصائمين بسبب الخلوف هذا، وإنما
كان أثر الصوم أطيب من أثر الجهاد حيث وصف خلوف فم الصائم بأنه أطيب من ريح المسك، ودم الشهيد شبه
ريحمه بريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح، لأن الصوم أحد أركان الاسلام بخلاف الجهاد،
ولأن الجهاد فرض كفاية، والصوم فرض عين، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية ، كما نص عليه الشافعى ذكره
القسطلانى، واستدل به على كرامة السواك للصائم بعد الزوال لما فيه من ازالة الخلوف المشهود له بأنه أطيب من
ريح المسك، وسيأتى الكلام فيه فى شرح حديث عامر بن ربيعة فى باب تنزيه الصوم (والصيام جنة ) بضم الجيم
وتشديد النون وهى الوقاية والستر. قال المنذرى: هو ما يحنك أى يسترك ويقيك مما تخاف ومعنى الحديث إن
الصوم يستر صاحبه ويحفظه من الوقوع فى المعاصى - انتهى. قلت: زاد الترمذى وسعيد بن منصور جنة من
النار وللنسائى من حديث عثمان بن أبي العاص جنة من النار كنة أحدكم من القتال، ولأحمد من حديث أبى هريرة
جنة وحصن حصين من النار، ولأحمد والنسائى والبيهقى من حديث أبى عبيدة بن الجراح الصيام جنة ما لم يخرقها
زاد الدارمى بالغيبة. قال الحافظ: بعد ذكر هذه الروايات قد تبين بها متعلق هذا الستر وإنه من النار وهذا جزم
ابن عبد البر . وأما صاحب النهاية فقال معنى كونه جنة أى يقى صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. وقال القرطبي :
جنة أى سترة بحسب مشروعيته فينبغى للصائم أن يصونه ما يفسده وينقص ثوابه، واليه الاشارة بقوله فإذا كان
يوم صوم أحدكم فلا يرفث إلى آخره، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب فائدته وهو أضعاف شهوات النفس.
واليه الاشاره بقوله يدع شهوته إلى آخره، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف
الحسنات. وقال عياض: فى الاكمال معناه سترة من الآثام أو من النار من جميع ذلك وبالأخير جزم النووى.
وقال ابن العربى: انما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات ، فالحاصل إنه
اذا كف نفسه عن الشهوات فى الدنيا كان ذلك ساتراً له من النار فى الآخرة. وقال الشاء ولى الله الدهـلوى:
٤٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
واذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله .
«قوله الصيام جنة، ذلك لأنه يقى شر الشيطان والنفس ويباعد الانسان من تأثيرهما ويخالفه عليهما فلذلك كان
من حقه تكميل معنى الجنة بتمزيه لسانه عن الأقوال والأفعال الشهوية، واليه الاشارة بقوله فلا يرفث والسبعية
واليه الاشارة فى قوله ولا يصخب وإلى الأقوال بقوله سابه وإلى الأفعال بقوله قاتله - انتهى . قال الحافظ : وفى
زيادة أبى عبيدة إشارة إلى أن الغيبة قضر بالصوم، وقد حكى عن عائشة وبه قال الأوزاعى إن الغيبة تفطر الصائم
وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم وأفرط ابن حزم فقال يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكرلصومه سواء كانت فعلا
أوقولا لعموم قوله ((فلا يرفث ولا يجهل)، ولقوله فى الحديث الآتى (فى باب تنزيه الصوم) من لم يدع قول الزور
والعمل به الخ. والجمهور وإن حملوا النهى على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع -انتهى. كلام
الحافظ (وإذا) وفى بعض النسخ فاذا كما فى صحيح مسلم أى اذا عرفت ما فى الصوم من الفضائل الكاملة والفوئد الشاملة
( كان يوم صوم أحدكم) برفع يوم على أن كان تامة . وقيل: بالنصب فالتقدير اذا كان الوقت يوم صوم أحدكم
(فلا يرفث) بالمثلثة وبتثليث الفاء قاله الزركشى والقسطلانى والعينى وكذلك فى القاموس. والرفث، بفتح الراء،
والفاء يطلق، ويراد به الجماع. ومقدماته، ويطلق. ويراد به الفحش. ويطلق ويراد به خطاب الرجل والمرأة، فيما
يتعلق بالجماع. وقال كثير من العلماء: إن المراد به فى هذا الحديث الفحش وردى الكلام وقبيحه. وقيل: يحتمل أن
يكون النهى لما هو أعم من ذلك (ولا يصخب) بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحة أى لا يصيح ولا يخاصم.
وقيل : أى لا يرفع صوته بالهذيان وفى رواية للشيخين ولا يجهل مكان قوله ولا يصخب أى لا يفعل شيئاً من
أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه والسخرية ونحو ذلك ، وفى رواية سعيد بن منصور ولا يجادل وهذا كله منوع
على الاطلاق لكنه يتأكد بالصوم . ولذا قال القرطى: لا يفهم من هذا إن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر
وإنما المراد إن المنع من ذلك يتأكد بالصوم (فإن سابه أحد) وفى رواية للشيخين شاتمه أى عاصمه باللسان
(أو قاتله) قال عياض: قاتله أى دافعه و نازعه ويكون بمعنى شاتمه ولا عنه وقد جاء القتل بمعنى اللعن وفى رواية
سعيد بن منصور أو ما راه أى جادله ولأبى قرة وإن شتمه انسان فلا يكلمه وقد استشكل ظاهر لفظ
الكتاب لأن المفاعلة تقتضى وقوع الفعل من الجانبين والصائم مأمور. بأن يكف نفسه عن ذلك ، ولا تصدر منه
الأفعال التى رتب عليها الجواب خصوصاً المقالة والجواب عن ذلك إن المراد بالمفاعلة التهيؤلها أى إن تهيأً
أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل إنى صائم فانه اذا قال ذلك أمكن أن یکف عنه، فان أصر دفعه بالأخف فالأخف
كالصائل هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله قاتله لاعنه، فالمراد بالحديث إنه لا يعامله بمثل
٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
فليقل: إنى امرؤ صائم. متفق عليه.
الفصل الثانى ).
١٩٨٠ - (٥) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا كان أول ليلة من
شهر رمضان
عمله بل يقتصر على قوله إنى صائم كذا فى الفتح. وقال الباجى يحتمل هذا ثلاثة أوجه يحتمل أنه يريد إن أراد أن
يشاتمه أو يقاتله فليمتنع من ذلك، وليقل إنى صائم . والثانى: إن لفظ المفاعلة وإن كانت أظهر فى فعل الاثنين
الا أنها قد تستعمل فى فعل الواحد، فيقال: سافر الرجل وعالج الطبيب المريض وعافاه الله وبارك له. والثالث:
أن يريد إن وجدت المشاتمة منهما جميعاً فليذكر الصائم نفسه بصومه ولا يستديم المشائمة والمقاتلة واستبعده
الحافظ لما تقدم من رواية فان شتمه (فليقل إنى امرؤ صائم) أى فليعتذر عنده من عدم المقابلة بأن حاله لا يساعد
المقابلة بمثله أو فليذكر فى نفسه أنه صائم ليمنعه ذلك عن المقابلة بمثله. قال الحافظ: اتفق الروايات كلها على أنه
يقول إنى صائم فمنهم من ذكرها مرتين ، ومنهم من اقتصر على واحدة. واختلف فى المراد بهذا القول هل يخاطب
بها الذى يكلمه بذلك أو يقولها فى نفسه وبالثانى جزم المتولى ونقله الرافعى عن الأئمة ، ورجح النووى الأول فى
الأذكار. وقال فى شرح المهذب: كل منهما حسن والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسناً . وقال الرؤياتى أن
كان رمضان فليقل بلسانه وإن كان غيره فليقله فى نفسه وأدعى ابن العربى إن موضع الخلاف فى التطوع. وأما فى
الفرض فیقول بلسانه قطعاً . وفائدة قوله إنى صائم أنه یمکن أن یکف عنه بذلك فان أصر دفعه بالأخف فالأخف
كالصائل هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فان كان المراد بقاتله لاعنه فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله
بل يقتصر على قوله إنى صائم. وأما تكرير قوله إنى صائم فليتأكد الانزجار منه أو من يخاطبه بذلك. ونقل
الزركشى إن المراد بقوله مرتين فى بعض الروايات يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه
عن خصمه وبقوله بلسانه كف خصمه عنه. وتعقب بأن القول حقيقة باللسان ، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز
(متفق عليه) والسياق المذكور لمسلم. والحديث أخرجه البخارى فى الصيام واللباس والتوحيد مختصرا ومطولا
ومسلم فى الصوم . وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذى والنسائي وابن ماجه والدارمى وابن خزيمة وابن حبان
والبيهقى وغيرهم بألفاظ متقاربة مختصراً ومطولا. قد ذكر الجزرى فى جامع الأصول والمنذرى فى الترغيب شيئا
من اختلاف الفاظه .
١٩٨٠ - قوله (اذا كان) أى وجد وتحقق على أن الكون تام واذا كان الزمان أول ليلة على أن
٤١٢
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق
منها باب، وينادى مناد : با باغى الخير أقبل، ويا باغى الشر أقصر ،
الكون ناقص (صفدت) بضم الصاد المهملة وكسر الفاء المشددة أى شدت وأوثقت بالاصفاد وهى الأغلال وهو
بمعنى سلسلت (الشياطين) وفى الحديث الذى يليه وتغل فيه مردة الشياطين، وفى حديث رجل من أصحاب النبي
مؤلّ عند أحمد والنسائى ويصفد فيه كل شيطان مريد (ومردة الجن) جمع ماردكطلبة وجهلة وهو العاقى الشديد
وقال القارى: هو المتجرد للشر ومنه إلا مرد لتجرده عن الشعر وهو تخصيص بعد تعميم أو عطف تفسير وبيان
كالتقميم . وقال المنذرى فى الترغيب: ولابن خزيمة صفدت الشياطين مردة الجن بغير واو (فلم يفتح منها باب)
هو كالتا كيد لما قبله (وينادى مناد) قيل: يحتمل أنه ملك أو المراد أنه يلقى فى قلوب من يريد الله اقباله على
الخير كذا فى قوت المغتدى. قال السندى: إن قلت أىّ فائدة فى هذا النداء مع أنه غير مسموع للناس. قلت:
قد علم الناس به باخبار الصادق وبه يحصل المطلوب بأن يتذكر الإنسان كل ليلة بأنها ليلة المناداة فيتعظ بها
( يا باغى الخير ) أى طالب الخير ( أقبل) أى على فعل الخير فهذا أو أنك فانك تعطى جزيلا بعمل قليل، وذلك
لشرف الشهر. قال القارى: أى يا طالب العمل والثواب أقبل إلى الله تعالى وطاعته بزيادة الاجتهاد فى عبادته،
وهو أمر من الاقبال أى تعال فان هذا أو إنك فانك تعطى الثواب الجزيل بالعمل القليل أو معناه يا طالب الخير
المعرض عنا وعن طاعتنا أقبل الينا وعلى عبادتنا فإن الخير كله تحت قدرتنا وارادتنا. قال العراقى: ظن ابن العربى
إن قوله فى الشقين يا باغى من البغى فنقل عن أهل العربية إن أصل البغى فى الشر وأقله ما جاء فى طلب الخير . ثم
ذكر قوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد - البقرة: ١٧٣) وقوله: {يبغون فى الأرض بغير الحق - يونس: ٢٣)
والذى وقع فى الآيتين هو بمعنى التعدى، وأمافى هذا الحديث فمعناه الطلب، والمصدر منه بغى وبغاية بضم الياء فيهما
قال الجوهرى: بغيته أى طلبته - انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى: بعد ذكره فلت الأمر كما قال العراقى
وكذلك فى قوله تعالى: ﴿ ذلك ماكنا نبغ - الكهف: ٦٤} معناه الطلب (ويا باغي الشر أقصر) بفتح الهمزة
وكسر الصاد من الاقصار وهو الكف عن الشىء مع القدرة عليه، فان عجز عنه يقول قصرت عنه بلا ألف أى
يأمن يسرع ويسعى فى المعاصى. وقال القارى: أى يأمر يد المعصية أمسك عن المعاصى وأرجع إلى الله تعالى فهذا
أو أن قبول التوبة وزمان الاستعداد للغفرة ولعل طاعة المطيعين وتوبة المذنبين ورجوع المقصرين فى رمضان من
أثر الندائين ونتيجة اقبال اللّه تعالى على الطالبين، ولهذا ترى أكثر المسلمين صائمين حتى الصغار والجوار بل
غالبهم الذين يتركون الصلاة يكونون حينئذ مصلين مع أن الصوم أصعب من الصلاة، وهو يوجب ضعف البدن الذى
يقتضى الكسل عن العبادة وكثرة النوم عادة ومع ذلك ترى المساجد معمورة وباحياء الليل مغمورة والحمد لله.
٤١٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة. رواه الترمذى، وابن ماجه.
١٩٨١ - (٦) ورواه أحمد عن رجل،
ولا حول ولا قوة إلا بالله - انتهى. (ولله عتقاء من النار) أى ولله عتقاء كثيرون من النار فلعلك تكون من
زمرتهم (وذلك) أى المذكور من النداء والعنق. وقال الطبيبى: الاشارة إما للنداء لبعده أو العتق وهو القريب.
وقال السيوطى: قلت الثانى أرجح بدليل الحديث وأما ونادى (هكذا وقع بلفظ الماضى عند ابن ماجه والحاكم
والبيهقى فى هذا الحديث) فانه معطوف على صفدت الذى هو جواب اذا كان أول ليلة - انتهى. يريد أن النداء
يكون ليلة واحدة لا فى كل ليلة وحديث الرجل عند أحمد والنسائى فيه تصريح بوقوع النداء فى كل ليلة كما سيأتى
(كل ليلة) أى فى كل ليلة من ليالى رمضان (رواه الترمذى وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والحاكم
( ج ١ ص ٤٢١) والبيهقى (ج ٤ ص ٣٠٣) كلهم من رواية أبى بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى صالح عن
أبى هريرة ، والحديث صححه الحاكم عن شرط الشيخين وسكت عليه الذهبى فى تلخيصه . وقال الجزرى : هذا اسناد
صحيح. قال ميرك: بعد نقل كلام الجزرى وهذا لا يخلو عن تأمل فإن أبا بكر بن عياش مختلف فيه والأكثر على
أنه كثير الغلط وهو ضعيف عن الأعمش. ولذا قال الترمذى غريب لا نعرفه إلا من رواية أبى بكر وسألت محمد
ابن اسماعيل يعنى البخارى عن هذا الحديث. فقال نا الحسن بن الربيع نا أبو الأحوص عن الأعمش عن مجاهد
قوله قال اذا كان أول ليلة من شهر رمضان فذكر الحديث . قال محمد: وهذا أصح عندى من حديث أبى بكر بن
عياش يعنى كونه موقوفاً عن مجاهد انتهى كلام التر مذى . لكن يفهم من كلام الشيخ ابن حجر العسقلانى إن
الحديث المرفوع أخرجه ابن خزيمة والترمذى والنسائى (لعله فى الكبرى) وابن ماجه والحاكم. قال ونحوه البيهقى
من حديث ابن مسعود. وقال فيه فتحت أبواب الجنة فلم يغلق باب منها الشهر كله - انتهى كلامه . قال ميرك:
ويقوى رفع الحديث إن مثل هذا لا يقال بالرأى فهو مرفوع حكما والله أعلم تم كلام ميرك كذا نقل القارى كلام
الجزرى وكلام ميرك. ثم تعقب على ميرك بوجوه لا يخلو بعضها عن كلام. وقال العينى: بعد ذكر ما حكى الترمذى
عن البخارى، وقال شيخنا يعنى الحافظ العراقى لم يحكم الترمذى على حديث أبى هريرة المذكور بصحة ولا حسن
مع كون رجاله رجال الصحيح وكأن ذلك لتفرد أبى بكر بن عياش به، وإن كان احتج به البخارى فانه ربما غلط
كما قال أحمد ومخالفة أبى الأحوص له فى روايته عن الأعمش فانه جعله مقطوعا من قول مجاهد، ولذلك أدخله
الترمذى فى كتاب العلل المفرد وذكر أنه سأل البخارى عنه وذكر إن كونه عن مجاهد أصح عنده. وأما الحاكم
فأخرجه فی المستدرك وصححه و کذلك صححه ابن حبان ۔ أنتهى .
١٩٨١ - قوله (ورواه أحمد) (ج ٤ ص ٣١١ - ٣١٢) (عن رجل) أى من أصحاب النبي م
٤١٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
وقال الترمذى: هذا حديث غريب .
( الفصل الثالث
١٩٨٢ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاكم رمضان شهر
مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة
الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم .
لم يسم، ورواه النسائى أيضا كلاهما من رواية عطاء بن السائب عن عرجة. قال كنت فى بيت فيه عتبة بن فرقد
فأردت أن أحدث بحديث. قال: فكان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه أولى بالحديث
تحدث الرجل عن النبى وَ التّم أنه قال فى رمضان تفتح أبواب السماء وتغلق أبواب النار ، ويصفد فيه كل شيطان
مريد، وينادى مناد كل ليلة يا طالب الخير حلم ويا طالب الشر أمسك (وقال الترمذى هذا حديث غريب) أى
استنادا كما تقدم .
١٩٨٢ - قوله (أتا كم) أى جاءكم (رمضان) أى زمانه وفى رواية أحمد لما حضر رمضان. قال
رسول اللّه وَ اللّه قد جاءكم رمضان (شهر مبارك) بدل أو بيان والتقدير هو شهر مبارك وظاهره الأخبار أى كثر
خيره الحسى والمعنوى كما هو مشاهد فيه (تفتح فيه) استئناف بيان وهو بصيغة المجهول وبالتأنيث فى الأفعال
الثلاثة وبتخفيف الفعلين ويشددان (أبواب السماء) وفى رواية أحمد المذكورة أبواب الجنة ( وتغل ) بتشديد
اللام من الأغلال . قال فى القاموس : أغل فلاناً أدخل فى عنقه أو يده الغُلّ وهو مفرد جمعه أغلال (فيه مردة
الشياطين) يفهم من هذا الحديث إن المقيدين هم المردة فقط ، فيكون عطف المردة على الشياطين فى الحديث المتقدم
عطف تفسير وبيان، ويحتمل أن يكون تقييد عامة الشياطين بغير الأغلال والله أعلم. (لله فيه) أى فى ليالى رمضان
على حذف مضاف أوفى العشر الأخير منه (ليلة خير من ألف شهر) أى العمل فيها أفضل من العمل فى ألف شهر
ليس فيها ليلة القدر (من حرم) بتخفيف الراء على بناء المفعول ( خيرها ) بالنصب وهو يتعدى إلى مفعولين
يقال حرمه الشىء كضربه وعمله حرماناً أى منعه إياه والمحروم الممنوع أى من منع خيرها بأن لم يوفق لاحياء
والعبادة فيها (فقد حرم) أى منع الخير كله كما سيجىء صريحاً ففيه مبالغة عظيمة. والمراد حرمان الثواب الكامل
أو الغفران الشامل الذى يفوز به القائم فى أحياء ليلها. قال الطيبي: إتحد الشرط والجزاء دلالة على خامة الجزاء
٤١٥
:
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
رواه أحمد، والنسائى
١٩٨٣ - (٨) وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصيام والقرآن "
يشفعان للعبد، يقول الصيام: أى رب إنى منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعنى فيه. ويقول
القرآن: منعته النوم بالليل فشفعنى فيه، فيشفعان.
أى فقد حرم خيرا لا يقادر قدره (رواه أحمد) (ج ٢ ص ٢٣٠) (والنسائى) كلاهما من طريق أبي قلابة عن
أبى هريرة. قال الشيخ أحمد شاكر فى شرح المسند (ج ١٢ ص ١٣٤): اسناده صحيح. وقال المنذرى فى الترغيب:
ولم يسمع أبو قلابة منه فيما أعلم، وفى تهذيب التهذيب يقال أنه لم يسمع من أبى هريرة، وتعقب هذا الشيخ أحمد
شاكر فقال لم أجد ما يؤيد هذا أى القول بعدم سماعه منه، وأبو قلابة لم يعرف بتدليس والمعاصرة كافية فى الحكم
بوصل الاسناد - انتهى.
١٩٨٣ - قوله (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو رضى الله عنهما ( الصيام) أى صيام رمضان. وقيل:
مطلقاً (والقرآن) أى قراءة القرآن . قال الطيبي: القرآن ههنا عبارة عن التهجد والقيام بالليل كما عبر به عن الصلاة
فى قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا - الاسراء: ٧٨) واليه الاشارة بقوله: ((ويقول
القرآن منعته النوم بالليل - انتهى. (يشفعان) بفتح الياء وسكون المعجمة وفتح الفاء. قيل: يحتمل تجسيدهما وخلق
النطق فيهما فإن المعانى والأعمال تتجسم يوم القيامة، ويحتمل إرسال ملك ينطق على لسانهما، ويحتمل المجاز
والتمثيل أى يشفعان بلسان الحال. قال الطبى: الشفاعة والقول من الصيام والقرآن إما أن يؤل أو يجرى على
ما عليه النص وهذا هو المنهج القويم والصراط المستقيم ، فإن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل عن إدراك العوالم
الالهية. ولاسبيل لنا إلا الاذعان له والايمان به، ومن تأول ذهب إلى أنه استعيرت الشفاعة والقول الصيام والقرآن
لاطفاء غضب الله وإعطاء الكرامة ورفع الدرجات والزلفى عند الله ـ انتهى. قلت: من تأول الحديث وحمله على
المجاز والاستعارة والتمثيل إنما ذهب إلى ذلك لما زعم إن الأعمال أعراض، والعرض لا يكون قائما بالذات بل
بالغير وهو أمرآنى لا يبقى بل يفنى فلا يمكن أن يؤذن أو يكال وهذا شىء قد أبطله الفسلفة الحديثة اليوم، وحققت
إن الأعمال والأصوات والأنوار تبقى، ويمكن أن تحفظ وتحزن وتوزن وتكال فالحق والصواب، أن يحمل
الحديث على ظاهره. ويقال: إن الصيام والقرآن يشفعان بالقول حقيقة (أى رب) أى يا رب! (والشهوات)
من عطف الأعم (بالنهار) كله (فشفعنى) بالتشديد أى أقبل شفاعتى ( فيه ) أى فى حقه (ويقول القرآن) لما كان
القرآن كلامه تعالى غير مخلوق لم يقل أى رب (فيشفعان) بضم أوله وشدة الفاء المفتوحة مجهولا أى يشفعهما الله
٤١٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
رواه البيهقى فى شعب الإيمان .
١٩٨٤ - (٩) وعن أنس بن مالك قال: دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن
هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم
خيرما إلا كل محروم. رواه ابن ماجه .
فيه أى يقبل شفاعتهما ويدخله الجنة . وقال القارى: ولعل شفاعة رمضان فى محو السيئات وشفاعة القرآن فى علو
الدرجات (رواه البيهقى فى شعب الإيمان) وأخرجه أحمد (ج ٢ ص ١٧٤) وفى سنده ابن لهيعة والحاكم (ج ١
ص ٥٥٤) وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي والطبرانى فى الكبير. قال الهيثمى (ج ٣ ص ١٨١) رجاله
رجال الصحيح. وقال المنذرى: رجاله محتج بهم فى الصحيح وأبو نعيم فى الحلية (ج ٨ ص ١٦١) وفيه رشدين ..
ابن سعد وابن أبى الدنيا فى كتاب الجوع وغيره باسناد حسن كما فى الترغيب .
١٩٨٤ - قوله (إن هذا الشهر) الاشارة للتعظيم (قد حضركم) أى فاغتنموا حضوره بالصيام فى نهاره
والقيام فى ليله (وفيه ليلة) أى واحدة مبهمة من لياليه العشر الأواخر (خير من ألف شهر) أى فالتمسوها فى كل
ليلة رجاء أن تدركوها (من حرمها) على بناء المفعول وكذا الأفعال الباقية. قيل: المراد إنه حرم لطف الله وتوفيقه
ومنع من الطاعة فيها. والقيام بها واهل هذا هو الذى فأنه العشاء تلك الليلة أيضً قاله السندى. وقال القارى أى حرم
خيرها وتوفيق العبادة فيها ومنع عن القيام ببعضها (ولا يحرم خيرها إلا كل محروم) قال القارى: برفع كل على
البدلية ويجوز نصبه على الاستثناء أى كل ممنوع من الخير لاحظ من السعادة ولاذوق له من العبادة. قلت: قوله
((إلا كل محروم)) هكذا وقع فى جميع النسخ وفى الستن لابن ماجه إلا محروم أى باسقاط لفظ كل، وكذا نقله
المنذرى فى الترغيب . قال السندى: وهو الذى لاحظ له فى السعادة (رواه ابن ماجه) قال فى الزوائد: فى اسناده
عمران ابن داور أبو العوام القطان مختلف فيه ومشاه الامام أحمد، ووثقه عفان والعجلى وذكره ابن حبان فى
الثقات. وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به وباقى رجال الاسناد ثقات - انتهى. قلت: عمران هذا قال البخارى
صدوق بهم . وقال المنذرى: فى الترغيب اسناده حسن انشاء الله تعالى، وروى الطبرانى فى الأوسط عنه أى عن
أنس قال: سمعت رسول اللّه ◌َاللّه يقول هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتغل
فيه الشياطين بعدا لمن أدرك رمضان فلم يغفر له اذا لم يغفر له فتى؟ - انتهى. قال الهيثمى: فيه الفضل بن عيسى.
الرقاشى وهو ضعيف .
٤١٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
١٩٨٥ - (١٠) وعن سلمان الفارسى، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آخر يوم
من شعبان فقال: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر،
جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله قطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما
سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر
ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر یزاد فيه رزق المؤمن،
١٩٨٥ - قوله (الفارسى) بكسر الراء (خطبنا رسول اللّه ◌َل) يحتمل خطبة الجمعة وخطبة الموعظة
( فقال) أى بعد أن حمد الله وأثنى عليه كما هو المعهود من حاله فى خطبه وكأن سلمان حذف ذلك اختصارا.
قلت: ما اختصره بل إقتصره وبينه وأظهره بقوله خطبنا فان الخطبة هى الحمد والثناء كما هو مشهور عند العلماء
كذا فى المرقاة (يا أيها الناس) وفى بعض النسخ أيها الناس (قد أظلكم) بالظاء المثالة أى أشرف عليكم وقرب
منكم. قال فى النهاية: أظلكم رمضان بالمعجمة أى أقبل عليكم ودنا منكم كأنه ألقى عليكم ظله (شهر عظيم) أى قدره
لأنه سيد الشهور (صيامه) أى صيام نهاره (فريضة) أى فرضاً قطعياً (وقيام ليلة) أى أحياء. بالتراويح
ونحوها ( تطوعا ) أى سنة مؤكدة فمن فعله فاز بعظيم ثوابه ومن تركه حرم الخير وعوقب بعتابه قاله القارى:
(من تقرب) أى إلى الله (فيه). أى فى نهاره أو ليله (بخصلة من الخير) أى من أنواع النفل (كان كمن ) أى
ثوابه كثواب من (أدى فريضة فيما سواه) أى من الأشهر (وهو شهر الصبر) لأن صيامه بالصبر عن المأكول .
والمشروب ونحوهما ، وقيامه بالصبر على محنة السهر ، ولذا أطلق الصبر على الصوم فى قوله تعالى: ﴿واستعينوا
بالصبر والصلاة - البقرة: ١٥٣) (الصبر) أى كماله المتضمن للشكر كما حرره الغزالى من أن وجوهما على وجه
الكمال متلازمان ، وبكل طاعة وخصلة حميدة متعلقان، فان الايمان نصفان ، نصفه صبر، ونصفه شكر. فترك
المعصية صبر وامتثال الطاعة شكر (ثوابه الجنة) أو يقال الصبر على الطاعة وعن المعصية جزاءه الجنة لمن قام به مع
الناجين: وقال ابن حجر: أى من غير مقاساة الشدائد الموقف (وشهر المواساة) أى المساهمة والمشاركة فى المعاش
والرزق، وأصله الهمزة فقلبت واوا تخفيفاً يقال آسى الرجل فى ماله أى جعله أسوته فيه، وفيه تنبيه على الجود
والاحسان على جميع أفراد الانسان لا سيما على الفقراء والجيران (وشهر يزاد فيه رزق المؤمن) وفى بعض النسخ
يزاد فى رزق المؤمن فيه أى سواء كان غنيا أو فقيرا وهذا أمر مشاهد فيه، ويحتمل تعميم الرزق بالحسى والمعنوى
٤١٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
من فطر فيه صائما كان له مغفرة الذنوبه ، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير ان
ينقص من أجره شىء قلنا: يا رسول الله! ليس كلما تجد ما نفطر به الصائم. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: يعطى الله هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن، أو تمرة أو شربة من ماء
ومن أشبع صائما. سقاه الله من حوضى شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة. وهو شهر أوله رحمة،
وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار .
( من فطر ) بتشديد الطاء (فيه صائما) أى أطعمه أو سقاه عند إفطاره من كسب حلال كما سيجىء (كان ) أى
التفطير ( له ) أى للفطر (مغفرة الذنوبه وعتق رقبته) أى المفطر (من النار) أى سببا لحصولها وفى نسخة برفع
المغفرة والعتق فالمعنى حصل له مغفرة وعتق (وكان له مثل أجره) أى حصل الفطر مثل ثواب الصائم (من غير
أن ينتقص) من باب الافتعال وفى الترغيب ينقص، وكذا نقله العينى (من أجره) أى من أجر الصائم (شىء)
وهو زيادة إيضاح وإفادة تأكيد للعلم بعدم النقص من لفظ مثل أجره أولا (ليس كلنا نجد ما نفطر) بالتكلم فى
الفعلين وفى نسخة بالغيبة فيهما قاله القارى، وذكره المنذرى والعينى بالتكلم فى الأول وبالغيبة فى الثانى (به الصائم)
كذا فى بعض النسخ ووقع فى بعضها بدون لفظة به وهكذا فى الترغيب والعينى : قال القارى: أى لا يحد كلنا
ما يشبعه وإنما الذى يجد ذلك بعضها فما حكم من لا يجد ذلك (يعطى الله هذا النواب) أى من جنس هذا الثواب
أو هذا الثواب كاملا عند العجز عن الأشباع (على مذقة لبن) بفتح الميم وسكون الذال المعجمة أى شربة ابن يخلط
بالماء يقال مذق اللبن من باب نصرأى مزجه بالماء والمذق والمذقة اللبن الممزوج بالماء (أو تمرة أو شربة من ماء)
أو التنويع فى الموضعين (من حوضى) أى الكوثر فى القيامة (شربة لا يظمأ) أى بعدها (حتى يدخل الجنة) أى
إلى أن يدخلها، ومن المعلوم أن لا ظمأ فى الجنة لقوله تعالى: ﴿وأنك لا تظمئوا فيها - طه: ١١٩ ) فكأنه قال
لا يظمأ أبدا ( وهو ) أى رمضان (شهر أوله رحمة) أى وقت رحمة نازلة من عند الله عامة ولولا حصول رحمته
ماصام ولاقام أحد من خليقته ،
ولا تصدقنا ولا صلينا
لولا الله ما اهتدينا
وقيل أى أول الشهر سبب لنزول رحمة الله التى يكون بها مستعدا لظهور الأنوار الالهية والاسرار الربانية
ويخرج من ظلمسات الذنوب والمعاصى (وأوسطه مغفرة ) أى زمان مغفرته المترتبة على رحمته فان الأجير قد
يتعجل بعض أجره قرب فراغه منه (وآخره) وهو وقت الأجر الكامل (عتق ) أى لرقابهم (من النار) والكل
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
ومن خفف عن مملوكه فيه. غفر الله له واعتقه من النار.
١٩٨٦ - (١١) وعن ابن عباس، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخل شهر رمضان
اطلق كل أسير
بفضل الجبار وتوفيق الغفار للمؤمنين الابرار للأعمال الموجبة للرحمة والمغفرة والعتق من النار ، ولما وفقوا
للطاعات وغفر ذنوبهم واعتقوا من النار صاروا أهلا لدخول الجنة (ومن خفف) أى فى الخدمة (عن مملوكهفيه)
أى فى رمضان رحمة عليه واعانة له بتيسير الصيام اليه (غفر الله) أى لما فعله قبل ذلك من الأوزار (وأعتقه من
النار ) جزاء لاعتاقه المملوك من شدة العمل، والحديث ذكره العينى فى شرح البخارى (ج ١٠ ص ٢٧٨ - ٢٧٩)
وقال رواه الحارث بن أبى أسامة فى مسنده عن سلمان الفارسی ولا يصح اسناده وفى سنده إياس . قال شيخنا
(يعنى العراقى) الظاهر إنه ابن أبى أياس. قال صاحب الميزان: اياس بن أبى اياس عن سعيد بن المسيب
لا يعرف والخبر منكر - انتهى. قلت: وقال الحافظ فى اللسان (ج ١ ص ٤٧٥) فى ترجمته وذكره العقيلى فقال
مجهول، وحديثه غير محفوظ وساق له الحديث بطوله فى فضل شهر رمضان. وقال: ليس يروى هذا من وجه
يثبت - انتهى. وقال المنذرى فى الترغيب: رواه ابن خزيمة فى صحيحه ثم قال إن صح الخبر، ورواه من طريقه
البيهقى: ورواه أبو الشيخ ابن حبان فى الثواب باختصار عنهما وفى رواية لأبى الشيخ قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم من فطر صائماً فى شهر رمضان من كسب حلال صلت عليه الملائكة أيإلى رمضان كلها ، وصالحه جبريل
ليلة القدر، ومن صافه جبريل عليه السلام يرق قلبه وتكثر دموعه. قال: فقلت يا رسول الله! أفرايت من
لم يكن عنده، قال: فقبضة من طعام قلت: أفرأيت إن لم يكن عنده لقمة خبز قال: فذقة لبن قلت أفرأيت إن لم يكن
عنده قال فشربة من ماء. قال المنذرى، وفى أسانيدهم على بن زيد بن جدعان. ورواه ابن خزيمة أيضا والبيهقى
باختصار عنه من حديث أبى هريرة وفى اسناده كثير بن زيد - انتهى. قلت: ابن جدعان هذا ضعيف سيء
الحفظ . وقال الترمذى: صدوق. وكثير بن زيد مختلف فيه. وقال فى التقريب: صدوق يخطئ .. وحديث
سلمان ذكره على المتقى فى كنز العمال وقال: أخرجه ابن خزيمة وقال إن صح الخبر والبيهقى والأصبهانی فی الترغيب
وابن النجار . وقال الحافظ ابن حجر فى أطرافه، مداره على على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف ويوسف بنزياد
الراوى عنه ضعيف جدا ، وتابعه إياس عن على بن زيد عند البيهقى. قال ابن حجر وإياس ما عرفته - انتهى.
١٩٨٦ - قوله (أطلق كل أسير) أى محبوس ممن يستحق الحبس لحق اللّه أو لحق العبد بتخليصه منه قاله
القارى. وقال ابن حجر: أى محبوس على كفره بعد أسره ليختار فيه صلى الله عليه وسلم المن أو القتل مثلا.
٤٢٠