النص المفهرس
صفحات 381-400
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
الفصل الثالث )
١٩٦٥ - (١٨) عن أنس، قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من تخل، وكان أحب
أمواله إليه بيرحاء،
تكلم فيه غير واحد - انتهى. قلت: قد فرق بين سليمان بن قرم وسليمان بن معاذ الضبى ابن حبان تبعا للبخارى ثم
ابن القطان وابن عدى، وقال غير واحد إن سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم ، منهم أبو حاتم والدار قطنى
والطبرانى وعبد الغنى بن سعيد . قال أحمد: سليمان بن قرم ثقة، وقال مرة: لا أرى به بأسا لكنه كان يفرط فى
التشيع، وضعفه النسائى وابن معين. وقال أبو زرعة: ليس بذلك. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال
ابن عدى: له أحاديث حسان افراد . وقال ابن حبان: كان رافضيا غاليا فى الرفض ويقلب الأخبار مع ذلك ،
وذكره الحاكم فى باب من عيب على مسلم اخراج حديثهم. وقال: غمزوه فى التشيع وسوء الحفظ جميعا. وقال
الحافظ: سىء الحفظ يتشيع، والحديث أخرجه أيضا البيهقى (ج ٤ ص ١٩٩) والضياء المقدسى فى المختار كما فى
الجامع الصغير .
١٩٦٥ - قوله ( كان أبو طلحة) زيد بن سهل الخزرجى زوج أم سليم أم أنس (أكثر الأنصار بالمدينة
مالا من نخل) بنصب أكثر خبر كان ومالا تمييز أى من حيث المال والجار للبيان . قال الباجى: هذا يقتضى
أنه يجوز للرجل الصالح الاستكثار من المال الحلال (وكان أحب أمواله اليه) بنصب أحب خبر كان وبيرجاء
اسمه ويجوز العكس، والمراد بأمواله الحوائط. قال ابن عبد البر: كانت دار أبى جعفر والدار التى تلتها إلى قصر بنى
جديلة حوائط لأبى طلحة . قال: وكان قصر بنى حديلة حائطا لأبى طلحة يقال لها بيرحاء فذكر الحديث ، ومراده
بدار أبى جعفر التى صارت اليه بعد ذلك وعرفت به، وهو أبو جعفر المنصور الخليفة المشهور العباسى. وأما قصر
بنى حديلة فنسب اليهم القصر بسبب المجاورة ، وإلا فالذى بناه هو معاوية بن أبى سفيان وبنو حديثة بطن من
الأنصار، وكانوا بتلك البقعة فعرفت بهم. فلما اشترى معاوية حصة حسان، بنى فيها هذا القصر فعرف بقصر بنى
حديلة . وفيه جواز إضافة حب المال إلى الرجل العالم الفاضل ولا نقص عليه فى ذلك ، وقد أخبر تعالى عن
الانسان ( وإنه لحب الخير الشديد - العاديات: ٨) والخيرهنا المال اتفاقا كذا فى الفتح. وقال الباجى: هذا يقتضى
جواز حب الرجل الصالح المال. قال عز اسمه: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين - آل عمران: ١٤)
الآية. قال عمر رضى الله عنه اللهم إنا لا نستطيع الا أن نحب ما زينت لنا فاجعلنا من يأخذه بحقه فينفقه فى وجهه
(بير حاء) بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح الراء وبالمهملة والمد وفى ضبطه اضطراب كثير. فنقل الحافظ فى
٣٨١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال
أنس: فلما نزلت هذه الآية (لن تنالوا البر
الفتح وتبعه العينى عن نهاية ابن الأثير الجزرى فتح الموحدة وكسرها، وفتح الراء وضمها مع المد، والقصر.
قال: فهذه ثمان لغات - انتهى. والذى فى النهاية بيرحا بفتح الفاء وكسرها، وبفتح الراء وضها والمد فيهما، ويفتحهما
والقصر، هذا قصه بحروفه، ونقله عنه الطيبى كذلك بلفظه. وعلى هذا فتكون خمسة لا ثمانية. قال الحافظ: وفى
رواية حماد بن سلمة يعنى عند مسلم بريما بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية ، وفى سنن أبي داود بأريحا
مثله لكن بزيادة ألف. وقال الباجى: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء، وفتح الراء مقصورا وكذا جزم به
الصغانى. وقال: إنه اسم أرض كانت لأبى طلحة، وهى فيعلى من البراح، وهو المكان المتسع الظاهر. قال: ومن
ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بتر من آبار المدينة فقد صحف، وكذا قال الزمخشرى فى الفائق والمجد فى القاموس
وقال فى اللامع : لاتنافى بين ذلك فان الأرض أو البستان تسمى باسم البئر التى فيه. وقال الحافظ: أيضاً وقع.
عند مسلم بريما بفتح الموحدة وكسر الراء وتقديمها على التحتاتية الساكنة ثم حاء مهملة ورجحها صاحب الفائق.
وقال: هى وزن فعيلاء من البراح وهى الأرض الظاهرة المنكشفة، وعند أبى داود بأريحاء وهو بإشباع الموحدة
والباقى مثله. ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة فان أريحاء من الأرض المقدسة، ويحتمل إن كان محفوظاً
أن تكون سميت باسمها. قال عياض: رواية المغاربة اعراب الراء والقصر فى حاء، وخطأً هذا الصورى. وقال
الباجى: أدركت أهل العلم بالمشرق، ومنهم أبو ذر يفتحون الراء فى كل حال، أى فى الرفع والنصب والخفض
زاد الصورى، وكذلك الباء أى أوله. قال: واتفق أبوذر وغيره من الحفاظ على أن من رفع الراء حال الرفع فقد
غلط، ونقل أبو على الصدفى عن أبى ذر الهروى أنه جزم إنها مركبة من كلمتين. بير كلمة وحاء كلمة ثم صارت كلمة
واحدة ، واختلف فى حاء هل هى اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت اليه البتر أوهى كلمة زجر للابل ، لأن
الابل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البتر إلى اللفظة المذكورة - انتهى. (وكانت) أى بير حاء
(مستقبلة المسجد) أى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه إن المسجد فى جهة قبلتها، فلا ينافى بعدها عنه على
هذه المسافة الموجودة اليوم (يدخلها) زاد فى رواية ويستظل بها (ويشرب من ماء فيها) أى بيرحاء ( طيب)
بالجر صفة للجرور السابق أى حلو الماء. قال الباجى: يريد عذبا. وهذا يقتضى تبسط الرجل فى مال من يعرف
رضاه بذلك، وإن لم يستأمره . وقال الحافظ: فيه استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض، وإباحة الشرب من دار
الصديق، ولو لم يكن حاضرا إذا علم طيب نفسه واتخاذ الحوائط والبستاتين، ودخول أهل العلم والفضل فيها والاستظلال
بظلها، والراحة والتنزه فيها. وقديكون ذلك مستحباً يثاب عليه اذا قصد به اجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها
فى الطاعة (لن تنالوا البر) أى لن تبلغوا حقيقة البر الذى هو كمال الخير، أو لن تنالوا بر الله الذى هو الرحمة والرضا
٣٨٢
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦- كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
حتى تنفقوا ما تحبون) قام أبو طلحة الى رسول الله عز فقال: يا رسول الله! إن اللّه تعالى يقول:
﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب مالى الى بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجوا
برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يخ يخ، ذلك مال رايح،
والجنة (حتى تنفقوامما تحبون) أى من بعض ما تحبون من أموالكم (قام أبو طلحة الى رسول الله { 4}) زاد فى
رواية عند ابن عبد البر ورسول اللّه وَض على المنبر (وإن أحب أموالى الى) بتشديد الياء (بير حاء) بالرفع خبران
(وإنها صدقة للّه تعالى) وفى رواية لمسلم: لما نزلت الآية: قال أبو طلحة: أرى ربنا يسألنا عن أموالنا فاستشهدك
يا رسول الله! إنى جعلت أرضى بيرحاء لله. قال الحافظ: فى قوله إن أحب أموالى الى بير حاء لله الخ فضيلة
لأبى طلحة لأن الآية تضمنت الحث على الانفاق من المحبوب فترقى هو الى إنفاق أحب المحبوب فصوب صلى اللّه
عليه وسلم رأيه وشكر عن ربه فعله، ثم أمره أن يخص بها أهله وكنى عن رضاه بذلك بقوله بخ. وقال الباجى :
هذا يدل على أن أبا طلحة تأول هذه الآية على أنها تقتضى أنه إنما ينال البر بصدقة ما يحب الانسان من ماله،
وقد فعل ذلك زيد بن حارثة جاء بفرسه. وقال: هذا أحب أموالى الى فتصدق به وكان الربيع بن خثيم إذا سمع
سائلا يقول : أعطوه سكرا فان الربيع يحب السكر (أرجو برها) أى خيرها (وذخرها) بضم الذال المعجة أى
أجرها يعنى أقدمها فادخرها لأجدها (عند الله) يعنى لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية، بل أطلب مثوبتها
الآجلة الأخروية الباقية (فضعها) أمر من وضع يضع أى أصرفها (حيث أراك الله) أى فى مصرف علمك الله
إياه فقوض أبو طلحة تعيين مصرفها اليه عليه الصلاة والسلام لا وقفيتها (بخ بخ) بفتح الباء وسكون المعجمة فيهما
كهل وبل وكسرها مع التنوين فيهما وبالتنوين فى الأول والسكون فى الثانى وهو الاختيار. وبالضم مع التنوين فيهما،
وبالتشديد مع كسر وضم فيهما لغات، كرر البالغة وهى كلمة تقال لتفخيم الأمر والتعجب من حسنه وعند مدجه
والرضاء به. قال فى القاموس: قل فى الأفراد بخ ساكنة وبخ مكسورة ويخ منونة ويخ منونة مضمومة، وتكرر
يخ بخ البالغة، الأولى منون، والثانى مسكن. ويقال: بخ بخ مسكنين، ويخ بخ منونين، ويح بح مشددين، كلمة
تقال عند الرضا والإيجاب بالشى أو الفخر والمدح - انتهى. فمن تونه شبهه بأسماء الأفعال كصه ومه (ذلك) أى
ما ذكرته أو التذكير لأجل الخبر وهو قوله (مال رايح) بالموحدة من الربح أى ذو ربح كلابن وتامر اى يريح
صاحبه فى الآخرة. وقيل: هو فاعل بمعنى مفعول أى هو مال مربوح فيه. ويروى رائح بالياء التحتية من الرواح
نقيض الغدو، أى رائح عليك أجره ونفعه فى الآخرة يعنى أنه قريب الفائدة يصل نفعه اليك كل رواح لا تحتاج
٣٨٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
وقد سمعت ما قلت: وإنى أرى أن تجعلها فى الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله! فقسم)
أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه.
أن تتكلف فيه الى مشقة وسير. وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به. واكتفى بالرواح عن الغدو لعلم السامع أو
من شأنه الرواح، وهو الذهاب والفوات فاذا ذهب فى الخير فهو أولى. وأدعى الاسماعيلى إن رواية التحتية
تصحيف. (وقد سمعت) بصيغة المتكلم (ما قلت) بصيغة الخطاب (وإنى أرى) زيادة الفضل والأجر (فى أن
تجعلها) صدقة (فى الأقربين) وفى رواية أجعله لفقراء أقاربك أى ليكون جمعاً بين الصلة والصدقة (أفعل) يرفع
اللام فعلا مستقبلا (فقسمها) أى بيرحاء (فى أقاربه وبنى عمه) من عطف الخاص على العام . والمراد أقارب
أبی طلحة، وفى رواية فقسمها بین حسان بن ثابت وأبى بن كعب ، وفى رواية جعلها أبو طلحة فی ذی رحمه، وكان
منهم حسان وأبي بن كعب. وهذا يدل على أنه أعطى غيرهما معهما . وفى مرسل أبى بكر بن حزم عند ابن أبى
زبالة فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأخيه، أو ابن أخيه شداد بن أوس ونيط بن جابر ،
فتقاوموه فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم. قال النووي: فيه إن القرابة يراعى حقها فى صلة
الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا فى أب بعيد لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته فى الأقربين بجعلها فى
أبي بن كعب وحسان بن ثابت ، وإنما يجتمعان معه فى الجمد السابع - انتهى. قلت: يجتمع حسان مع أبي طلحة
فى الأب الثالث وهو حرام، وأما أبى فيجتمع معه فى الأب السادس وهو عمرو بن مالك بن النجار فعمرو هذا
يجمع حسان وأبا طلحة وأبيا. قال الحافظ: هذا أى بيع حسان حصته منه من معاوية يدل على أن أبا طلحة ملكهم
الحديقة المذكورة ولم يقفها عليهم، إذ لو وقف لماساغ لحسان أن يبيعها فيعكر على من استدل بشىء من قصة أبي طلحة
فى مسائل الوقف ، الا فيما لا تخالف فيه الصدقة الوقف ، ويحتمل أن يقال شرط أبو طلحة عليهم لما وقفها عليهم
أن من احتاج الى بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بجواز هذا بعض أهل العلم كعلى رضى الله عنه وغيره -
انتهى. وفى المحلى شرح المؤطا: ظاهره جواز بيع الوقف، وقد اجمعوا على خلافه وأجاب عنه الكرمانى بأن
التصدق على معين تمليك له. وقال العسقلانى: وتبعه العينى أنه يجوز أن يقال إن أباطلحة شرط عند وقفه عليهم أنه
يجوز لمن احتاج أن يبيع حصته وذلك جائز عند بعضهم - انتهى. قال الحافظ: وفى الحديث أنه لا يعتبر فى
القرابة من يجمعه، والواقف أب معين لا رابع ولا غيره لأن أبيا إنما يجتمع مع أبى طلحة فى الأب السادس،
. وأنه لا يجب تقديم القريب على القريب الا بعد. لأن حسانا وأخاه الى أبي طلحة من أبى ونبيط ، ومع ذلك فقد
أشرك معهما أبيا ونبيط بن جابر. وفيه أنه لا يجب الاستيعاب لأن بنى حرام الذى اجتمع فيه أبو طلحة وحسان
كانوا بالمدينة كثيرا فضلا عن عمرو بن مالك الذى يجمع أبا طلحة وأبيا - انتهى. وفى الحديث فوائد غير
٣٨٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٧ - باب أفضل الصدقة
متفق عليه.
١٩٦٦ - (١٩) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصدقة أن تشبع كبدا
جائعاً. رواه البيهقى، فى شعب الإيمان.
ما تقدم ذكرها الحافظ وغيره ، منها زيادة صدقة التطوع على نصاب الزكاة خلافا لمن قيدها به ، وصدقة الصحيح
بأكثر من ثلثة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به . وقال أسعد بن أبى وقاص:
الثلث والثلث كثير، وإن الآية تعم الانفاق الواجب والمستحب. ومنها مشاورة أهل الفضل فى كيفية الصدقة
والطاعة، ومنها أنه اذا تصدق بأرض مشهورة متميزة ولم يبين حدودها جاز. ومنها أنه تتم الصدقة قبل تعيين جهة
مصرفها ثم يعين بعد ذلك فيما شاء الى غير ذلك من الفوائد. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة والوصايا
والوكالة والأشربة والتفسير ، ومسلم فى الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد ، ومالك فى الجامع من الموطأ وأبو داود فى
الزكاة والنسائى فى الوقف والطيالسى وابن خزيمة والطحاوى والدار قطنى والبيهقى وأبو حاتم وغيرهم مطولا
ومختصراً بألفاظ متقاربة ذكر بعضها الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٣٠٦ - ٣٠٧ - ٣٠٨).
١٩٦٦ - قوله (أفضل الصدقة أن تشبع) بضم التاء (كبداً جائعاً) قال الطيبي: وصف الكبد بصفة
صاحبه على الاسناد المجازى ، وهو من جعل الوصف المناسب علة للحكم، وفائدته العموم ليتناول أنواع الحيوان
سواء كان مؤمناً أو كافرا ناطقا أو غير ناطق، والله أعلم - انتهى. وتقدم المستثنى (رواه البيهقى) وأخرجه أيضاً
أبو الشيخ فى الثواب والأصبهافى كلهم من رواية زربى (بفتح أوله وسكون الراء بعدها موحدة ثم تحتانية مشددة)
ابن عبد الله الأزدى البصرى أمام مسجد هشام بن حسان عن أنس. ولفظ أبى الشيخ والاصبهانى قال: سمعت
رسول اللّه ◌َو يقول ما من عمل أفضل من أشباع كبد جائعة. والحديث. أدخله ابن الجوزى فى الموضوعات.
وقال الصغابى: موضوع. قال ابن حبان: فيه زربى منكر الحديث على قلته. ويروى عن أنس مالا أصل له
فلا يحتج به. قلت زربى هذا روى له الترمذى وابن ماجه وأخرج ه ابن خزيمة فى صحيحه، لكن قال أن ثبت
الخبر. وقال الترمذى: له أحاديث مناكير عن أنس وغيره. وقال ابن عدى: أحاديثه وبعض متونها منكرة
وذكره العقيلى فى الضعفاء. وقال البخارى: فيه نظر. وقال السيوطى فى تعقباته على ابن الجوزى: للحديث شواهد
كثيرة تقتضى تحسينه، منها حديث جابر إن من موجبات المغفرة إطعام المسلم الشبعان أخرجه البيهقى فى
الشعب - انتهى. وقال العزيزى فى شرح الجامع الصغير: رمز المصنف يعنى السيوطى أى لحسن حديث أنس
ولعله لاعتضاده.
٣٨٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
(٨) باب صدقة المرأة من مال الزوج
الفصل الأول )ےہ
١٩٦٧ - (١) عن عائشه، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أنفقت المرأة من طعام.
بيتها غير مفسدة. كان لها أجرما بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك،
(باب صدقة المرأة من مال الزوج ) وفى بعض النسخ باب ما تنفقه المرأة من مال زوجها ووقع فى بعضها
لفظ باب فقط .
١٩٦٧ - قوله (اذا انفقت المرأة) أى تصدقت كما فى رواية (من طعام بيتها) أى من طعام زوجها
الذى فى بيتها المتصرفة فيه (غير مفسدة) نصب على الحال أى غير مسرفة فى التصدق بأن لا تتعدى الى الكثرة
المؤدية الى النقص الظاهر، وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحا أو دلالة. وقيل: هذا جار على عادة أهل
الحجاز، فان عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الأضياف ويطعموا السائل والمسكين والجيران ،
فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على هذه العادة الحسنة والخصلة المستحسنة. وهذا الحديث ليس فيه
دلالة صريحاً على جواز تصدق المرأة من مال الزوج بغير إذنه. قال البغوى: عامة العلماء على أنه لا يجوز لها
التصدق من مال زوجها بغير أذنه ، وكذلك الخادم. والحديث الدال على الجواز أخرج على مادة أهل الحجاز
أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم فى التصدق والانفاق مما حضر فى البيت عند حضور السائل ونزول الضيف ،
كما قال عليه الصلاة والسلام لا توعى فيوعى الله عليك - انتهى. وكذلك قال الخطابي فى المعالم: (ج ٢ ص ٧٨).
وخص الطعام بالذكر لغلبة المسامحة به عادة والا فغيره مثله اذ الغرض إن المالك اذن فى ذلك صريحاً أو دلالة
(كان لها أجرها بما أنفقت) أى بسبب إنفاقها (ولزوجها أجره بما كسب) أى بسبب كسبه وتحصيله (والخازن)
أى الذى يكون بيده حفظ الطعام المتصدق منه من خادم وقهرمان وقيم لأهل المنزل (مثل ذلك) أى الأجر أى
بالشروط المذكورة فى حديث أبى موسى الآتى، وفى رواية للبخارى لها أجرها وله مثله (أى مثل أجرها)
والخازن مثل ذلك. قال الحافظ: ظاهره يقتضى تساويهم فى الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول
الأجر فى الجملة وإن كان أجر الكاسب، أوفر لكن التعبير فى حديث أبى هريرة الأتى بقوله فلها نصف أجره يشعر
بالتساوى. قال: والمراد بقوله: لا ينقص بعضهم أجر بعض، عدم المساهمة والمزاحمة فى الأجر. ويحتمل أن يراد
مساواة بعضهم بعضا والله أعلم - انتهى. وقال النووى: معنى هذه الأحاديث (يعنى حديث عائشة هذا وحديث
٣٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا. متفق عليه.
١٩٦٨ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا أنفقت المرأة من
كسب زوجها من غير أمره. فلها نصف أجره.
ابي هريرة وحديث أبى موسى الآتيين) إن المشارك فى الطاعة مشارك فى الأجر، ومعنى المشاركة إن له أجرا
كما لصاحبه أجر، وليس معناه أن يزاحمه فى أجره . والمراد المشاركة فى أصل الثواب فيكون لهذا ثواب، ولهدا
ثواب، وإن كان أحدهما أكثر. ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء. بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون
عكسه - انتهى. (لا ينقص بعضهم أجر بعض) أى من أجر بعض (شيئا) نصب مفعول ينقص أو ينقص كيزيد
يتعدى إلى مفعولين الأول أجر والثانى شيئا كزاده اللّه مرضا. قاله القسطلانى، وقال القارى: شيئا أى من النقص
أو من الأجر، والمراد أنهم فى أصل الأجر سواء. وإن اختلف قدره. قال الحافظ قال ابن العربى: اختلف السلف
فيما اذا تصدقت المرأة من بيت زوجها فمنهم من أجازه لكن فى الشيء اليسير الذى لا يؤبه به ولا يظهر به النقصان،
ومنهم من حمله على ما اذا اذن الزوج ولو بطريق الإجمال وهو اختيار البخارى. ويحتمل أن يكون ذلك محمولا
على العادة. وأما التقييد بغير الافساد فمتفق عليه، ومنهم من قال المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن ، النفقة على
عيال صاحب المال فى مصالحه وليس ذلك بأن يفتاتوا على رب البيت بالانفاق على الفقراء بغير أذن ، ومنهم من
فرق بين المرأة والخادم. فقال: المرأة لها حق فى مال الزوج والنظر فى بيتها بجاز لها أن تتصدق بخلاف الخادم
فليس له تصرف فى متاع مولاه ، فيشترط الاذن فيه وهو متعقب بأن المرأة اذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد
تخصصت به وان تصدقت من غير حقها رجعت المسئلة كما كانت والله أعلم. ويأتى مزيد الكلام فى شرح الحديث
الذى يليه (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة وفى البيوع، ومسلم فى الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذى
وأبو داود والنسائى فى الزكاة ، وابن ماجه فى النجارات وابن حبان والبيهقى وغيرهم .
١٩٦٨ - قوله (إذا انفقت المرأة) أى تصدقت (من كسب زوجها) أى من ماء (من غير أمره) أى
الصريح فى ذلك القدر المعين (فلها نصف أجره) قيل: هذا مفسر بما اذا أخذت من مال زوجها أكثر من نفقتها
وتصدقت به، فعلیها غرم ما أخذت أ کثر منها ، فاذا علم الزوج ورضی بذلك فلها نصف أجره بما تصدقت من
نفقتها ونصف أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها، لأن الأكثر حق الزوج كذا ذكره القارى: وقال
الحافظ : الأولى أن يحمل على ما اذا انفقت من الذى يخصها به اذا تصدقت به بغير استيذانه، فانه يصدق كونه
من كسبه فيؤجر عليه، وكونه بغير أمره يعنى يحمل التنصيف على المال الذى يعطيه الرجل فى نفقة المرأة ، فإذا
٣٨٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
متفق عليه .
١٩٦٩ - (٣) وعن أبى موسى الأشعرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخازن المسلم
الأمين الذى يعطى ما أمر به كاملا مؤفرا طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذى أمر له به،
انفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما للرجل لكونه الأصل فى اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله
وامرأة لكونه من النفقة التى تختص بها. قال: ويحتمل أن يكون أذن لها بطريق الاجمال، لكن المنفى ما كان
بطريق التفصيل ، ولابد من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإلا نحيث كان من ماله بغير أذنه لااجمالا ولا تفصيلا
فَهى مأزورة بذلك لا ماجورة. قال النووي: قوله من غير أمره معناه من غير أمره الصريح فى ذلك القدر المعين
ولا ينفى ذلك وجود إذن سابق عام يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح، وإما بالعرف. قال: ويتعين هذا
التأويل لجمل الأجر بينهما فصفين، ومعلوم إنها اذا انفقت من ماله بغير إذنه لا الصريح ولا الماخوذ من العرف
لا يكون لها أجربل عليها وزر فيتعين تأويله ـ انتهى. وقيل: فى الجمع بين هذا وبين حديث عائشة إنه إذا انفقت
المرأة مع اذنه تستحق به الأجر كاملا، ومع عدم الاذن نصف الأجر، يعنى إذا عرفت منه السمساحة بذلك
والرضا به جاز لها الانفاق من غير أذنه ولها نصف أجره وقيل: معنى النصف ان أجره وأجرها اذا جمعا كان
لها النصف من ذلك، فلكل منهما أجر كامل، وهما اثنان فكأنهما نصفان. وقيل: إنه بمعنى الجزء، والمراد
المشاركة فى أصل الثواب وان كان احدهما أكثر بحسب الحقيقة (متفق عليه) أخرجه البخارى فى البيوع وفى
أواخر النكاح وفى النفقات، ومسلم فى الزكاة وأخرجه أيضا فيه أبو داود والبيهقى.
١٩٦٩ - قوله (الخازن) أى خادم المالك فى الخزن (المسلم الأمين الذى يعطى ما أمر به) من الصدقة
من غير زيادة ونقصان فيه بهوى (كاملا) حال من المفعول أو صفة لمصدر محذوف ( موفراً) بفتح الفاء
المشددة أى تاما فهو تأكيد وبكسرها خال من الفاعل أى مكملا عطاءه ( طيبة ) أى راضية غير شحيحة ( به)
أى بالعطاء (نفسه) مرفوع على الفاعلية وطيبة بالنصب على الحال. وقال: ذلك اذ كثيرا ما لا يرضى الانسان
بخروج شىء من يده، وإن كان ملكا لغيره. قال الحافظ: قيد الخازن بكونه مسلما فأخرج الكافر لأنه لا نية له
وبكونه أمينا فأخرج الخائن لأنه مأزور، ورتب الأجر على إعطاءه ما يؤمن به غير ناقص لكونه خائنا أيضا ،
ويكون نفسه طبية بذلك، لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهى قيود لابد منها ( فيدفعه) عطف على يعطى (إلى الذى
أمرْله) بضم الهمزة مبنيا للفول أى إلى الشخص الذى أمر ذلك الخازن له (به ) أى بالدفع والاعطاء،
وفيه شروط أربعة: شرط الاذن لقوله ما أمر به وعدم نقضان ما أمر به لقوله كاملا موفرا وطيب النفس
٣٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
أحد المتصدقين . متفق عليه .
١٩٧٠ - (٤) وعن عائشة، قالت: إن رجلا قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم: إن أمى افتلتت نفسها
وأظنها لو تكلمت تصدقت،
بالتصدق ، لأن بعض الخزان والخدام لا يرضون بما أمروا به من التصدق وإعطاء من أمر له لا إلى مسكين آخر.
فالخازن مبتدأ وما بعده صفات له وخبره ( أحد المتصدقين ) أى يشارك صاحب المال فى الصدقة فيصير ان
متصدقين، ويكون هو أحدهما هذا على أن الرواية بفتح القاف وهو الذى صرحوا به، نعم جوز الكر على أن
اللفظ جمع أى هو متصدق من المتصدقين قال الحافظ: ضبط فى جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على
التثنية. قال القرطبي: ويجوز الكسر على الجمع أى هو متصدق من المتصدقين - انتهى. وقال الشيخ زكريا
الأنصارى: بفتح الفاف أى هو ورب الصدقة فى أصل الأجر سواء وان اختلف مقداره فيهما فلو أعطى المالك
خادمه مائة دينار ليدفعها إلى فقير على باب داره فأجر المالك أكثر، ولو أعطاه رغيفاً ليدفعه إلى فقير. فى مكان
بعيد، فان كانت أجرة مشى الخادم تزيد على قيمة الرغيف فأجر الخادم أكثر وإن كانت تساويها فمقدار
أجرهما سواء ( متفق عليه ) أخرجه البخارى فى الزكاة والوكالة والاجارة ، ومسلم فى الزكاة وأخرجه أيضا أحمد
وأبو داود والنسائى والبيهقى فى الزكاة .
١٩٧٠ - قوله ( ان رجلا) قيل: هو سعد بن عبادة. قال الزرقانى: وجزم به غير واحد. وقيل:
هو رجل آخر غير سعد بن عبادة واليه مال العينى ( ان أى) عمرة بنت مسعود (أفتلتت) بالفاء الساكنة
والمثناة المضمومة وكسر اللام بعدها فوقيتان، أولاهما مفتوحة مبنيا للمفعول افتعال من فات، يقال، أفتلت فلان
أى ماتت فجأة، وأفتُلِتَ بأمر كذا اذا فوجىء به قبل أن يستعد له، وافتات الشىء اذا أخذ منه فئة أى بغتة
قال الباجى: تقول العرب رأيت الهلال فلتة اذا رأيته من غير قصد اليه (نفسها) بالنصب بمعنى أفتلتها الله نفسها
أى روحها يعدى إلى مفعولين كاختلسه الشىء واستلبه إياه فبنى الفعل للفعول فصار الأول مضمرا وبقى الثانى
منصوبا. وقيل: نفسها منصوب على التمييز. وقيل: باسقاط حرف الجر أى من نفسها، ويروى بالرفع على أنه
متعد الى واحد ناب عن الفاعل أى أخذت نفسها فلتة يعنى ماتت بغتة دون تقدم مرض ولا سبب (وأظنها)
أى لعلى بحرصها على الخير ( لو تكلمت) أى لو قدرت على الكلام (تصدقت ) أى من مالها بشىء أو أوصت
بتصدق شىء من مالها. قال الحافظ: وظاهره إنها لم تتكلم فلم تتصدق لكن فى الموطأ والنسائى والحاكم عن سعيد
ابن عمرو بن شرحيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده. قال: خرج سعد بن عبادة مع البي عز له
٣٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال نعم. متفق عليه.
فى بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة فقيل: لها أوصى فقالت فيم أوصى المال مال سعد فتوفيت قبل أن يقدم
سعد فلما قدم سعد بن عبادة ذكر ذلك له فقال سعد: يا رسول الله ! هل ينفعها أن أتصدق عنها فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: نعم. فقال سعد :: حائط كذا وكذا صدقة عنها لحائط سماء، وهذا نص فى التكلم فيمكن
أن يأول رواية الكتاب بأن المراد أنها لم تتكلم أى بالصدقة، ولو تكلمت تصدقت أى فكيف أمضى ذلك. أو
يحمل على أن سعدا ما عرف بما وقع منها فان الذى روى هذا الكلام فى الموطأ هو سعيد بن عبادة. أو ولده
شرحبيل مرسلا ، فعلى التقديرين لم يتحد راوى الاثبات، وراوى النفى. فيمكن الجمع بينهما بذلك - انتهى. واسط
العينى فى اثبات المنافاة بين الروايتين، وبنى على ذلك أن الرجل المبهم فى حديث عائشة رجل آخر غير سعد بن
عبادة فلاحاجة على هذا الى الجمع (فهل لها أجر أن تصدقت عنها) بكسر همزة إن على أنها شرطية. قال الزركشى
وهى الرواية الصحيحة ولايصح قول من فتحها لأنه إنما سأل عما لم يفعل ، لكن قال البدر الدمامينى : إن ثبتت لنا
رواية بفتح الهمزة من أن امكن تخريجها على مذهب الكوفيين فى صحة مجىء إن المفتوحة الهمزة شرطية كان
المكسورة ورجحه بن هشام، والمعنى حينئذ صحيح بلا شك ذكره القسطلانى ( قال نعم ) لها أجر ان تصدقت
عنها، وقد بين النسائى من وجه آخر جهة الصدقة المذكورة فأخرج من طريق سعيد بن المسيب عن سعد بن
عبادة. قال: قلت يا رسول الله! إن أمى ماتت أنا تصدق عنها. قال: نعم. قلت: فأى الصدقة أفضل؟ قال:
سقى الماء . وقد سبق هذا الحديث فى فضل الصدقة ومر قريبا إنه تصدق عنها بحائط، وطريق الجمع إنه تصدق عنها
بالحائط من تلقاء نفسه، وبالماء بأمره صلى الله عليه وسلم بعد سؤاله عنه والله أعلم. وفى الحديث جواز الصدقة
عن الميت وإن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة اليه، ولاسيما ان كان من الولد وكذا حكم الدعاء وهو مخصص
لعموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى - الجم: ٣٩) وقد اختلف فى غير الصدقة من أعمال البر
هل تصل الى الميت كالصلاة وتلاوة القرآن والمختار عند الحنفية نعم قياسا على الدعاء، وعندى فيه تأمل. وفيه أنه
يستحب لمن يتوفى فاءة. أن يتصدق عنه أهله وترجم البخارى على هذا الحديث باب موت الفجاءة. قيل اشار بهذا.
الى أن موت الفجاءة ليس بمكروه لأنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر منه كراهة حين أخبره الرجل بالفلات نفس
أمه وهو محمول على المتهيء للوت والمتأهب والمراقب له دون غيره، وعلى ذلك يحمل خبر ابن أبى شيبة عن
عائشة وابن مسعود ،وت الفجاءة راحة للؤمن وأسف على الفاجر، وخبر أبى داود موت الفجأة أخذة أسف.
ولأحمد من حديث أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم مر يحدار مائل فاسرع. وقال: أكره موت الفوات. قال ابن
بطال: وكان ذلك والله أعلم لما فى موت الفجاءة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة
٣٩٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦٠ - كتاب الزكاة
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
الفصل الثانى )
pi
١٩٧١ - (٥) عن أبى أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فى خطبته
عام حجة الوداع. لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها! قيل: يا رسول الله!
ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا. رواه الترمذى.
١٩٧٢ - (٦) وعن سعد، قال: لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء قامت امرأة جليلة
كأنها من نساء مضر، فقالت: يا نبي الله؟ إنما كل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا،
وغيرها من الأعمال الصالحة . وقال ابن المنير: لعل البخارى أراد بهذه الترجمة إن من مات فجاءة فليستدرك ولده
من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة كما وقع فى الحديث - انتهى. وقد مر الكلام فى ذلك فى الجنائز فليراجع
(متفق عليه ) أخرجه البخارى فى أواخر الجنائز وفى الوصايا، ومسلم فى الزكاة وأخرجه أيضا أحمد ومالك فى
أواخر الأقضية والنسائى فى الوصايا .
١٩٧١ - قوله ( لا تنفق ) نفى، وقيل فهى (إمرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها) أى صريحا
أو دلالة كما سبق، والبيهقى الا لا يحل لامرأة أن تعطى من مال زوجها شيئا إلا باذنه (ذلك أفضل أموالنا)
ولابن ماجه من أفضل أموالنا يعنى فاذا لم تنجز الصدقة بما هو أقل قدرا من الطعام بغير إذن الزوج ، فكيف تجوز
بالطعام الذى هو أفضل (رواه الترمذى) فى الزكاة وأخرجه أيضاً ابن ماجه فى التجارات والبيهقى فى الزكاة جميعهم
من طريق اسماعيل بن عياش الحمصى وهو صدوق فى روايته عن أهل بلده عن شرحبيل بن مسلم الخولانى الشامى
عن أبى أمامة، وحسنه الترمذى وسكت عليه الحافظ فى الفتح .
١٩٧٢ - قوله (وعن سعد) بن أبى وقاص (جليلة) أى عظيمة القدر كبيرة ، وقيل: أو طويلة القامة.
وقال الخطابي: الجليلة تكون بمعنيين أحدهما أن تكون خليقة جسيمة. يقال: امرأة خليقة وخليقاء، كذلك والآخر
أن تكون بمعنى المسنة. يقال: جل الرجل إذا كبر وأسن، وجلت المرأة اذا مجزت (كأنها من نساء مضر) وهو
أبو قبيلة (أنا كل) بفتح الكاف وتشديد اللام أى ثقل وعيال (على أبائنا وأبنائنا وأزواجنا) كذا فى جميع النسخ من
المشكاة، وهكذا فى المصابيح، والذى فى أبى داود يدل على عدم الجزم بلفظ: الأزواج ولفظه على أبائنا وأبنائنا.
قال أبوداود: وأرى فيه وأزواجنا، والحديث رواه البيهقى من طريق أبى داود، هكذا رواه أيضاً من طريقين
آخرين. قال: فى أحدهما على آبائنا وأزواجنا وفى الآخر على آبائنا واخواننا ونقل الخظابى فى المعالم (ج ٢
٣٩١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج
فما يحل لنا من أموالهم! قال: الرطب تأكلنه وتهدينه. رواه أبو داود.
( الفصل الثالث )
١٩٧٣ - (٧) عن عمير مولى آبى اللحم، قال: أمرنى مولاى أن أقدد لحما، فجاءنى مسكين،
فأطعمته منه ،
ص ٧٩) بدون لفظ الأزواج وبنى عليه شرحه ففرق بين الآباء والأبناء وبين الأزواج فى الحكم المذكور
(فما يحل لنا من أموالهم) أى من غير أمرهم (قال الرطب) بفتح الراء وسكون الطاء المهملة أراد به اللبن والفاكهة
والبقول والمرق ونحو ذلك مما يسرع اليه الفساد من الأطعمة ولا يتقوى على الخزن ، وقع فيها المسامحة بترك
الاستئذان جرياً على العادة المستحسنة بخلاف اليابس من الطعام لأنه يبقى على الخزن والادخار ذكره الطيبى أخذا
عن التوربشتى. وكذا قال الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ٧٩) (تأكلنه وتهدينه) أى ترسلنه هديه . قال الحافظ :
بعد ذكر حديث أبى أمامة المتقدم ، وحديث سعد هذا ما لفظه وظاهرهما التعارض ، ويمكن الجمع بأن المراد
بالرطب ما يتسارع اليه الفساد فأذن فيه بخلاف غيره، ولو كان طعاماً - انتهى . وقال العينى: أخذا عن شرح
الترمذى للعراقى ، فان قلت: أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة فمنها ما يدل على منع المرأة عن أن تنفق من بيت
زوجها إلا باذنه وهو حديث أبى أمامة ، ومنها ما يدل على الاباحة بحصول الأجر لها فى ذلك ، وهو حديث
عائشة السابق فى أول الباب ، ومنها ما قيد الترغيب فى الانفاق بكونه بطيب نفس منها ، وبكونها غير مفسدة وهو
عائشة أيضاً ، ومنها ما مقيد بكونها غير مفسدة وإن كان من غير أمره وهو حديث أبى هريرة المتقدم وفيه وعد
نصف الأجر، ومنها ما قيد الحكم فيه بكونه رطباً وهو حديث سعد بن أبى وقاص. قلت: كيفية الجمع بينها إن
ذلك يختلف عادات باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك أو كراهته لذلك
وباختلاف الحال فى الشىء المنفق بين أن يكون شيئا يسيرا يتسامح به، وبين أن يكون له خطر فى نفس الزوج
يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطباً يخشى فساده أن تأخر وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد
(رواه أبوداود) فى الزكاة، وسكت عليه هو والمنذرى، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة فى صحيحه والبغوى فى شرح السنة
والبيهقى فى الزكاة (ج ٤ ص ١٩٣).
١٩٧٣ - قوله (عن عمير) بالتصغير (مولى آبى اللحم) بهمزة معدودة وكسر الباء أى مملوكه وقد تقدم
ترجمتهما (أقدد لحا) أى أقطعه بضم الهمزة وكسر الدال المشددة من القد وهو الشق طولا (فأطعمته) أى أعطيته
٣٩٢
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٨٠ - باب صدفة المرأة من مال الزوج
فعلم بذلك مولاى، فضربنى، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فدعاه ،
فقال: لم ضربته؟ قال: يعطى طعامى بغير أن آمره. فقال: الأجر بينكما. وفى رواية قال: كنت مملوكا،
فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقصدق من مال موالى بشىء! قال: نعم، والأجر بينكما
نصفان. رواه مسلم.
(يعطى طعامى من غير أن آمره) أى بغير إذنى اياه (فقال الأجر بينكما) أى إن رضيت بذلك يحل له اعطاء مثل.
هذا ما يجرى فيه المسامحة، وليس المراد تقرير العبد على أن يعطى بغير رضى المولى. قال الطيبي: أخذا من
التوربشتى لم يرد به إطلاق يد العبد بل كره صنيع مولاه فى ضربه على أمر تبين رشده فيه ، لحث السيد على اغتنام.
الأجر والصفح عنه، فهذا تعليم وارشاد لآبى اللحم لا تقرير لفعل العبد - انتهى . وقال النووى: هذا محمول على
أن عمير تصدق بشىء ظن إن مولاه يرضى به ولم يرض به مولاه فلعمير أجر لأنه فعل شيئا يعتقده طاعة بنية
الطاعة ولمولاه أجر، لأن ماله اتلف عليه وقوله: ((الأجر بينكما)) ليس معناه إن الأجر الذى لأحدهما يزدحمان
فيه، وإن أجر نفس المال يتقاسمانه بل معناه أى لكل منكما أجر يعنى إن هذه الصدقة التى أخرجها المملوك باذن
المالك يترتب على جملتها ثواب على قدر المال والعمل، فيكون ذلك مقسوما بينهما لهذا نصيب بماله، وإذا نصيب.
بعمله فلا يزاحم صاحب المال العامل فى نصيب عمله ولا يزاحم العامل صاحب المال فى نصيب ماله (وفى رواية).
أى لمسلم ( قال) أى عمير (كنت ملوكا فسألت رسول الله وَالتّ أتصدق) كذا فى جميع النسخ وكذا نقله
الجزرى فى جامع الأصول وفى صحيح مسلم، أ أ قصدق بزيادة همزة الاستفهام (من مال موالى) بتشديد الياء وفى
بعض النسخ من صحيح مسلم مولاى بفتح الياء وبلفظ: الافراد وكذا وقع فى جامع الأصول (بشىء) أى تافه
أو مأذون فيه عادة . قال النووي: هذا محمول على أنه استأذن فى الصدقة بقدر يعلم رضا سيده به (قال أعم والأجر
بينكما نصفان) قال النووى: معناه قسمان وإن كان أحدهما أكثر كما قال الشاعر:
وآخر مثن باالذى كنت أصنع
اذا مت كان الناس نصفان شامت
وأشار القاضى إلى أنه يحتمل أيضاً أن يكون سواء لأن الأجر فضل من الله تعالى ولا يدرك بالقياس ولا هو بحسب.
الأعمال وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والمختار الأول - انتهى (رواه مسلم) فى الزكاة والرواية الأولى أخرجها
النسائى أيضاً فى الزكاة ، وأخرج البيهقى فيه الروايتين .
٣٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٩ - باب من لا يعود فى الصدقة
(٩) باب من لا يعود فى الصدقة
الفصل الأول )
١٩٧٤ - (١) عن عمر بن الخطاب، قال: حملت على فرس فى سبيل الله فأضاعه الذى كان عنده،
فأردت أن أشتريه، وظنت أنه يبيعه برخص،
(باب من لا يعود فى الصدقة) أى لا حقيقة ولا صورة .
١٩٧٤ - قوله ( حملت ) بتخفيف الميم أى أركبت رجلا (على فرس) يعنى تصدقت به عليه ليغزو عليه
(فى سبيل الله) قال الطبى: أى جعلت فرسا حمولة من لم يكن المجاهدين وتصدقت بها عليه. وقال الباجى: الحمل عليها
فى سبيل الله على وجهين، أحدهما أن يعلم من فيه النجدة والفروسية فيهبه له ويملكه اياه لما يعلم من تجدته ونكايته
للعدو، فهذا يملكه الموهوب له ويتصرف فيه بما يشاء من بيع وغيره، والوجه الثانى: وهو الأظهر أن يكون
دفعه إلى من يعلم من حاله مواظبة الجهاد فى سبيل اللّه التحبيس له فهذا ليس للوهوب له أن يبيعه - انتهى. وفى
رواية ابن عمر عند البخاري وغيره إن عمر تصدق بفرس فى سبيل الله. قال الحافظ: أى حمل عليه رجلا فى سبيل
الله كما فى الرواية الأخرى، والمعنى أنه ملكه له ولذلك ساغ له بيعه، ومنهم من كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ
الرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز لأجله عن اللحاق وضعف عن ذلك وانتهى إلى حالة الانتفاع به، وأجاز
ذلك ابن القاسم ويدل على أنه حمل تمليك قوله ولا تعد فى صدقتك ولوكان حبسا لعلله به. وقال ابن عبد البر:
أى حمله على فرس حمل تمليك فله أن يفعل فيه ماشاء فى سائر أمواله - انتهى. وكان اسم هذا الفرس فيما ذكره
ابن سعد فى الطبقات الورد، وكان تتميم الدارى فأهداه للنبى صلى الله عليه وسلم فأعطاه لعمر، ولم يعزف الحافظ
اسم الرجل الذى حمله عليه (فأضاءه) أى الفرس الرجل (الذى كان عنده) بترك القيام عليه بالخدمة والعلف
والسقى وإرساله للرعى حتى صار كالشىء الضائع الهالك. قال الباجى: قوله ((أضاعه)» يحتمل أمرين أحمد هما أنه
أضاعه بأن لم يحسن القيام عليه وقصر فى مؤنته وخدمته ويبعد مثل هذا فى أصحاب النبي ◌َ ◌ّة ، إلا أن يوجب
هذا أمر، ويحتمل أن يريد به صيره ضائعا من الهزال لفرط مباشرة الجهاد ولا تعابه له فى سبيل الله تعالى. قال
الحافظ: وقيل: لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته. وقيل: معناه استعمله فى غير ما جعل له، والأول
أظهر لرواية مسلم، فوجده قد أضاعه وكان قليل المال (وظننت أنه يبيعه برخص) بضم الراء وسكون الخاء مصدر
رخص الشىء من كرم ضد غلا فهو رخيص، وهذا إما لتغير الفرس وضياعه أو لأنه حان الرخص فى سوق
٣٩٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٩ - باب من لا يعود فى الصدقة
فسألت النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال: لا تشتره ولا تعد فى صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فان
العائد فى صدقته كالكلب يعود فى قيته .
الفرس أو لكونه منعما عليه (فسألت النبى معَة) أى عن ذلك (لا تشتره) بهاء الضمير أو السكت وظاهر النهى
التحريم، لكن الجمهور على أنه للتنزيه وأشار عليه الصلاة والسلام إلى العلة فى نهيه عن الابتياع بقوله (ولا تعد
فى صدقتك) أى لا تعد فيها لا بشراء ولا بغيره من سائر التملكات كالهبة فهو من عطف العام على الخاص
(وإن أعطاكه بدرهم) هو مبالغة فى رخصه وهو الحامل له على شراءه وهذا متعلق بقوله لا تشتره أى لا ترغب
فيه البتة ولا تنظر إلى رخصه، ولكن أنظر إلى أنه صدقتك. قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى أن شراء
المتصدق صدقته حرام لظاهر الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره وهو أن المتصدق
عليه ربما يسامح المتصدق فى الثمن بسبب تقدم احسانه فيكون كالعائد فى صدقته فى ذلك المقدار الذى سومع فيه .
وقال الحافظ: سمى شراءه برخص عودا فى الصدقة من حيث إن الغرض منها ثواب الآخرة فإذا اشتراها برخص
فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة مع أن العادة تقتضى بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق فكيف بالمتصدق
فيصير راجعا فى ذلك المقدار الذى سومح فيه - انتهى. قال النووي: قوله ((لا تشتره ولا تعد فى صدقتك)) هذا
نهى تنزيه لا تحريم فيكره لمن تصدق بشىء، أو أخرجه فى زكاة أو كفارة أو نذر أو نحو ذلك من القربات أن
إشتريه من دمه هو اليه، أو يتهبه أو يتملكه باختياره منه. فأما اذا ورثه منه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل الى
ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال جماعة من العلماء: النهى عن شراء
صدقته للتحريم - انتهى. قلت: قد حكى العراقى فى شرح الترمذى كرامة شراءه من ثالث أنتقل اليه من
المتصدق به عليه عن بعضهم لرجوعه فيما تركه لله كما حرم على المهاجرين سكنى مكة بعد هجرتهم منها لله تعالى.
وقال ابن قدامة (ج ٢ ص ٦٥١): ليس لمخرج الزكاة شراءها ممن صارت اليه، وروى ذلك عن الحسن
وهو قول قتادة ومالك . قال أصحاب مالك: فان اشتراها لم ينقض البيع. وقال الشافعى وغيره : يجوز
لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة رجل ابتاعها بماله، ولنا ما روى عمر أنه قال
حملت على فرس فى سبيل الله - الحديث. وحديثهم عام، وحديثنا خاص صحيح فالعمل به. أولى من كل
وجه - انتهى. مختصرا، وقد تقدم كلامه بتمامه فى شرح حديث عطاء بن يسار فى الفصل الثانى ، من باب من
لا تحل له الصدقة (فان العائد فى صدقته کالكلب بعود فی قيته) شبه العائد فی صدقته باخس الحیدان فى اخس
أحواله تصويرا للتهجين وتنفيرا منه، قال فى المصابيح: وفى ذلك دليل على المنع من الرجوع فى الصدقة لما اشتمل
عليه من التنفير الشديد من حيث شبه الراجع بالكلب والمرجوع فيه بالقيء والرجوع فى الصدقة برجوع الكلب فى
٣٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٩ - باب من لا يعود فى الصدقة
وفى رواية: لا تعد فى صدقتك، فإن العائد فى صدقته كالمائد فى قيته. متفق عليه.
١٩٧٥ - (٢) عن بريدة، قال: كنت جالسا عند النبى صلى الله عليه وسلم، اذ أنته امرأة، فقالت:
يا رسول الله! إنى تصدقت على أمى بجارية، وإنها ماتت. قال: وجب أجرك، وردها عليك الميراث.
قيته - انتهى . وجزم بعضهم بالمحرمة: قال قتادة: لا نعلم القىء إلا حراما. قال القسطلانى: والصحيح إنه للتنزيه
لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم اذ لا تكليف عليه فالمراد التنفير من العود بقشبيهه بهذا المستقذر - انتهى. قلت:
القول الراجح عندى هو ما ذهب اليه بعض العلماء من تحريم الرجوع فى الصدقة ، لأن الحديث ظاهر فى التحريم ،
والتأويل المذكور بعيد جدا منافر لسياق الحديث. لاسيما الرواية الثانية وعرف الشرع فى مثل هذه العبارة الزجر
الشديد كما ورد النهى فى الصلاة عن اقعاء الكلب ونقر الغراب والتفات الثعلب ونحو ذلك ولا يفهم من المقام إلا
التحريم والتأويل البعيد مما لا يلتفت اليه (وفى رواية لاتعد فى صدقتك فان العائد فى صدقته كالعائد فى قيته) الفاء
للتعليل أى كما يقبح أن يقى ثم يأكل كذلك يقبح أن يتصدق بشىء ثم يجره الى نفسه. قال الحافظ : استدل به
على تحريم ذلك لأن القي حرام. قال القرطبى: وهذا هو الظاهر من سياق الحديث ويحتمل أن يكون التشبيه
للتغير خاصة لكون القىء مما يستقذر وهو قول الأكثر. وقال فى موضع آخر: حمل الجمهور هذا النهى فى صورة
الشراء على التنزيه، وحمله قوم على التحريم. قال القرطبى وغيره: وهو الظاهر ثم الزجر المذكور مخصوص بالصورة
المذكورة وما أشبهها لا ما اذا رده اليه الميراث مثلا كما سيأتى (متفق عليه) ظاهره إن الروايتين عند الشيخين
وليس الأمر كذلك فان الرواية الثانية من أفراد البخارى لم يخرجها مسلم، والحديث أخرجه البخارى فى
الزكاة والهبة والجهاد، ومسلم فى الهبة وأخرجه أيضاً أحمد (ج ١ ص ٢٥، ٣٧، ٤٠، ٥٤) ومالك والترمذى
والنسائى فى الزكاة، وابن ماجه فى الهبة كلهم من حديث زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وأخرج هذه القصة الجماعة
من حديث ابن عمر أيضاً
١٩٧٥ - قوله ( إذ أنته امرأة ) لم يعرف اسمها (تصدقت على أبى بجارية) أى ملكتها لها صدقة
( وإنها ) أى أمى ( ماتت) وتركت تلك الجارية فهل أخذها وتعود فى ملكى بالميراث، أم لا؟ (وجب أجرك)
أى ثبت أجرك عند الله بالصلة (وردما) أى الجارية (عليك الميراث) أى رجع عليك بسبب لا دخل لك فيه
فلا يكون سببا لنقصان الأجر فى الصدقة. وقال القارى: النسبة مجازية أى ردها الله عليك بالميراث وصارت
الجارية ملكا بالأرث وعادت لك بالوجه الحلال، والمعنى إن ليس هذا من باب العود فى الصدقة ، لأنه ليس أمرا
اختياريا. قال النووى: فى الحديث أن من تصدق بشىء ثم ورثه لم يكره له أخذه والتصرف فيه بخلاف ما إذا
٣٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٩ - باب من لا يعود فى الصدقة
قالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر، أفاصوم عنها؟ قال: صومى عنها. قالت: إنها لم تحج
قط، أنا حج عنها؟ قال: نعم. حجى عنها. رواه مسلم.
أراد شراءه، فإنه يكره لحديث فرس عمر رضى الله عنه - انتهى. وقال ابن الملك أكثر العلماء على أن الشخص
إذا تصدق بصدفة على قريبه ثم ورثها حلت له وقيل: يجب صرفها إلى فقير لأنها صارت حقالله تعالى انتهى
وهذا تعليل فى معرض النص فلا يقبل ولا يعفل (إنه) الشأن ( كان عليها صوم شهر) لم يبين إنه صوم رمضان
أو نذر أو كفارة (أفا صوم عنها) وفى رواية لأحمد فيجزىء إن أصوم عنها (قال صومى عنها) فيه دليل على أنه
يصوم الولى عن الميت اذا مات، وعليه صوم كان، وبه قال أصحاب الحديث وجماعة من محدثى الشافعية وأبو أور
خلافا للجمهور. قال السندى: قوله ((وعليها صوم)) إطلاقه يشمل الفرض والنذر وخصه الامام أحمد بالنذر،
وقد أخذ بعض أهل العلم باطلاقه ، منهم طاؤس وقتادة والحسن و الزهرى وأبو ثور فى رواية داود ، وهو قول
الشافعى القديم. قال النووي: وهو المختار ورجحه البيهقى، وقال لو اطلع الشافعى على جميع طرق الحديث
لم يخالف إنشاء الله تعالى ومن يقول به يدعى النسخ بأدلة غير تامة، ومنهم من يقول معنى أفأصوم عنها
أوأ قدى عنها تسمية الفداء صوما لكونه بدلا عن الصوم وكل ذلك غير تام والله أعلم ـ انتهى. وسيأنى
بسط الكلام فى هذه المسئلة فى باب القضاء من كتاب الصوم (قال نعم حجى عنها) أى سواء ويجب عليها أم
لا، أوصت به أم لا، قال ابن الملك: يجوز أن يحج أحد عن الميت بالاتفاق. وقال النووى: فيه دلالة ظاهرة لمذهب
الشافعى والجمهور إن النيابة فى الحج جائزة عن الميت وسيجىء مزيد الكلام فى أوائل كتاب المناسك (رواه مسلم)
فى الصيام وأخرجه أيضاً أحمد ( ج٥ ص ٣٤٩ - ٣٥١ - ٣٥٩ - ٣٦١) والترمذى فى الزكاة وأبو داود فيه وفى
الوصايا وابن ماجه فى الصوم وفى الصدقات مقطعا. هذا آخر كتاب الزكاة .
١
٣٩٧
(٧) كتاب الصوم
(كتاب الصوم) الصوم والصيام فى اللغة الامساك مطلقاً، قال أهل اللغة: صام صوما
وصياماً واصطام أى أمسك عن الطعام والشراب والكلام والنكاح والسير وغير ذلك. ويقال: صام النهار اذا
وقف سير الشمس، وصامت الريح اذا ركدت، وماء صائم أى ساكن راكد. وقال الله تعالى: إخبارا
عن مريم ﴿إنى نذرت للرحمن صوما - مريم: ٢٦﴾ أى صمتا وامساكا عن الكلام وكان مشروعا عندهم ألا
ترى إلى قولها: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ وقال النابغة الذبياني:
تحت العجاح وأخرى تملك اللجما
خيل صيام وخيل غير صائمة
يعنى بالصائمة الممسكة عن السير قاله ابن فارس. وقيل: الممسكة عن الاعتلاف أى القائمة على غير علف . وقيل:
الممسكة عن الصهيل . وفى الشرع على ما قاله النووى والحافظ إمساك مخصوص فى زمن مخصوص عن شىء
مخصوص بشرائط مخصوصة. وقال الراغب: هو إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض أى الفجر الثانى إلى
المغرب عن تناول الأطيبين، والاستمناء والاستسقاء. قال الطبى: فهو وصف سلبي واطلاق العمل عليه تجوز.
وقيل : هو امساك عن المفطرات حقيقة أوحكما فى وقت مخصوص من شخص مخصوص مع النية. وقال الأمير
اليمانى: الصوم فى الشرع، امساك مخصوص، وهو الامساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرهما، ما ورد به
الشرع فى النهار على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الامساك عن اللغو والرفث وغيرهما من الكلام المحرم والمكروه
لورود الأحاديث بالنهى عنها فى الصوم، زيادة على غيره فى وقت مخصوص بشروط مخصوصة تفصلها الأحاديث-
انتهى. والصوم فوائد كثيرة ومصالح معقولة جليلة، لا تخفى على العاقل البصير وقد بسطها العلماء حسب ما منح
لهم من شاء الوقت عليها رجع إلى حجة الله، والحصون الحميدية وشرح الموطأ الزرقانى وغير ذلك من الكتب
التى ذكرت فيها أسرار الأحكام الشرعية ومصالحها. وقال فى حجة الله (ج ٢ ص ٣٧) بعد ذكر أسرار الصوم
وحكمة تقدير مدته بالشهر وإذا وقع التصدى لتشريع عام وإصلاح جماهير الناس وطوائف العرب والعجم ،
أن لا يخير فى ذلك الشهر ليختار كل واحد شهرا يسهل عليه صومه، لأن فى ذلك فتحالباب الاعتذار والتسلل
وسدا لباب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإخمالا لما هو من أعظم طاعات الاسلام، وأيضاً فإن اجتماع
طوائف عظيمة من المسلمين على شىء واحد فى زمان واحد ، يرى بعضهم بعضاً معونة لهم على الفعل ميسر لهم
ومشجع إياهم، وأيضاً فإن اجتماعهم هذا سبب لنزول البركات الملكية على خاصتهم وعامتهم ، وأدنى أن ينعكس
أنوار كملهم على من دونهم وتحيط دعوتهم من ورائهم واذا وجب تعيين ذلك الشهر فلا أحق من شهر نزل فيه
٣٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
الفصل الأول ).
١٩٧٦ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل رمضان
فتحت أبواب السماء
القرآن وأرتسخت فيه الملة المصطفوية وهو مظنة ليلة القدر - انتهى. وكان مبدأ فرض صوم رمضان بعد
ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر فى شعبان وفى رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة .
٠ ١٩٧٦ - قوله (اذا دخل رمضان) أى شهر رمضان، وهو ماخوذ من الرمضاء، يقال: رمض النهار
كفرح اشتد حره وقدمه احترقت من الرمضاء للأرض الشديد الحرارة وسمى شهر رمضان به، إما لارتماض
الصائمين فيه من حر الجوع والعطش ، أو لارتماض الذاوب فيه، أو لرمض الحر وشدة وقوعه فيه حال التسمية،
لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها. فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر
أى شدته، أو من رمض الطائر اذا جوفه من شدة العطش وقيل: سمى بذلك لأنه يرمض الذنوب أى يحرقها، وهو
لا ينصرف للعلمية والألف والنون وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أنه يجوز أن يقال رمضان بدون اضافة
لفظ الشهر اليه ، ومنعه أصحاب مالك لحديث لا تقولوا رمضان. فان رمضان اسم من أسماء الله ولكن قولوا
شهر رمضان، أخرجه ابن عدى فى الكامل عن أبى هريرة مرفوعا، وضعفه بأبى معشر نجيح المدنى: وذهب كثير
من الشافعية إلى أنه إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كرامة، وإلا فيكره فلا يقال: جاء رمضان . ويجوز
أن يقال صمت رمضان، وإلى هذا الفرق مال ابن قدامة فى المغنى. وقد ردالنووى هذين القولين فى شرح مسلم،
وفى المجموع بأن الصواب ماذهب اليه المحققون أن لا كراهة فى إطلاق رمضان بقرينة وبلا قرينة لعدم ثبوت نهى
فيه، وصوبه الباجى أيضاً وبوب البخارى فى صحيحه هل يقال رمضان أو شهر رمضان ، ومن رأى كله واسعا.
واحتج الجواز بعدة أحاديث ، وترجم النسائى لذلك أيضاً فقال باب الرخصة فى أن يقال لشهر رمضان رمضان
( فتحت ) بضم الفاء وتخفيف التاء وروى بتشديد التاء. وقال الزرقانى: بتشديد الفوقية ويجوز تخفيفها. وقال
القارى : بالخفيف وهو أكثر كما فى التنزيل وبالتشديد لتكثير المفعول ( أبواب السماء) قيل: هذا من تصرف
الرواة وكذا قوله أبواب الرحمة. والأصل أبواب الجنة بدليل ما يقابله وهو غلق أبواب النار. وقال ابن
بطال : المراد من السماء الجنة بقرينة ذكر جهنم فى مقابله. وقال العينى: أخذا من ابن العربى لا تعارض فى ذلك
فابواب السماء يصعد منها إلى الجنة لأنها فوق السماء وسقفها عرش الرحمن ، كما ثبت فى الصحيح. وأبواب الرحمة
تطلق على أبواب الجنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصيح احتجت الجنة والنار - الحديث. وفيه
٣٩٩
مرعاة المفاتيح ج.٦
٧ - كتاب الصوم
وفى رواية فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين.
وقال الله للجنة أنت رحمتی ارحم بك من أشاء من عبادى - الحديث. وقال التوراشتى: كلا الروايتين متقاربان
. فى المعنى (وفى رواية فتحت أبواب الجنة) أى حقيقة لمن مات فى رمضان أو عمل عملا لا يفسد عليه أو مجازا لأن
العمل فيه يؤدى إلى ذلك أو لكثرة الثواب والمغفرة والرحمة، بدليل رواية أبواب الرحمة، قال السندى:
قوله فتحت أبواب الجنة أى تقريباً لارحمة إلى العباد ولهذا جاء فى بعض الروايات أبواب الرحمة ، وفى بعضها
أبواب السماء، وهذا يدل على أن أبواب الجنة كانت مغلقة ولا ينافيه قوله تعالى: (جنات عدن - الرعد: ٢٣°.
مفتحة لهم الأبواب اذ ذلك لا يقتضى دوام كونها مفتحة (وغلقت) بالشديد أكثر قاله القارى (أبواب جنهم)
حقيقة أو مجازاً نظير ما مر. وقال السندى: أى تبعيداً للعقاب عن العباد، وهذا يقتضى إن أبواب النار كانت
مفتوحة ولا ينافيه قوله: ﴿ حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها - الزمر: ٧١ ) لجواز أن يكون هناك غلق قبيل
ذلك، وغلق أبواب النار لا ينافى موت الكفرة فى رمضان وتعذيبهم بالنار فيه، إذ يكفى فى تعذيهم فتح باب
صغير من القبر الى النار غير الأبواب المعهودة الكبار - انتهى. (وسلسلت الشياطين) أى شدت بالسلاسل
حقيقة، والمراد مسترقوا اسمع منهم أو هو مجاز على العموم أى يقل إغواء هم فيصيرون كالمسلسلين أو المراد.
بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم كما سيأتى قال الحافظ. قال عياض: يحتمل أه ( أى تفتيح أبواب
الجنة وتغلق أبواب جهنم وسلسلة الشياطين ) على ظاهره وحقيقته وإن ذلك كله علامة الملائكة لدخول
الشهر وتعظيم لحرمته ولمنع الشياطين من ايذاء المؤمنين، ويحتمل أن يكون المراد المجاز ويكون اشارة
إلى كثرة الثواب والعفو، وإن الشياطين يقل إغواء هم وايذاءهم فيصيرون كالمصفدين ويكون تصفيدهم عن
أشياء دون أشياء ولناس دون ناس. قال ويؤيد هذا الاحتمال الثانى قوله فى رواية عند مسلم فتحت أبواب
الرحمة، وجاء فى حديث صفدت مردة الشياطين. قال ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عمارة عما يفحته الله
لعباده من الطاعات فى هذا الشهر التى لا تقع فى غيره عموماً، وذلك أسباب لدخول الجنة وأبواب لها ، وغلق
أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصى الآيلة بأصحابها إلى النار وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم
عن الاغواء وتزيين الشهوات. قال الزين بن المنير: والأول أوجه ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن
ظاهره. وأما الرواية التى فيها أبواب الرحمة وأبواب السماء فمن تصرف الرواة، والأصل أبواب الجنة بدليل
ما يقابله وهو غلق أبواب النار. وجزم النور بشتى شارح المصابيح بالاحتمال الأخير ، وعبارته فتح أبواب
السماء كناية عن تنزيل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول
والمن عليهم بتضعيف الثواب وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش، والتخلص
٤٠٠