النص المفهرس

صفحات 341-360

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
رواه مسلم. وسنذكر حديث عدى بن حاتم: اتقوا النار فى باب علامات النبوة ان شاء الله تعالى.
ـة ( الفصل الثانى )
١٩٢٤ - (٢٢) عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، جئت،
فلما تبينت وجهه ،
ذلك من شعب الإيمان . قيل أبو برزة من كبار الصحابة فنيه بادنى شعب الإيمان على أعلاها أى لا تترك بابا من
الخير. وروى مسلم هذا الحديث من وجه آخر. قال أبو برزة: قلت لرسول الله عز له: يا رسول الله ! انى لا
أدرى لعسى أن تمضى وأبقى بعدك فزودنى شيئا ينفعنى الله به. فقال رسول الله مؤ لم: إفعل كذا إفعل كذا
أبو بكر بن شعيب (راوى الحديث) نسيه وأمر الأذى عن الطريق (رواه مسلم) فى الأدب، كذا ابن ماجه.
ونسبه فى التنقيح إلى البخارى فى الأدب المفرد وابن سعد والطبرانى فى الكبير. (وسنذكر حديث عدى بن حاتم)
هو عدى بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطانى أبو طريف ولد الجواد المشهور صحابى شهير، أسلم فى
سنة تسع. وقيل : سنة عشر. وكان نصرانيا قبل ذلك. وثبت على اسلامه فى الردة وأحضر صدقة قومه إلى
أبى بكر ، وحضر فتوح العراق وشهد مع على الجمل وفقئت عينه يومئذ ثم شهد أيضا مع على صفين والنهروان ،
ثم سكن الكوفة ومات بها سنة (٦٨) وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: مات وهو ابن مائة وثمانين سنة،
وكان سيدا شريفا فى قومه خطيبا، حاضر الجواب فاضلا كريما. روى عنه أنه قال ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت
الا وأنا على وضوء، وما دخل وقت صلاة قط الا وأنا اشتاق اليها. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر
وروى عنه جماعة من البصريين والكوفيين (إتقوا النار) تمامه ولو بشق تمرة بكسر المعجمة أى بنصفها أو جانبها.
والمعنى ادفعوها عن أنفسكم بالخيرات، ولو كان الانقاء بالتصدق ببعض تمرة يعنى لا تستقلوا شيئا من الصدقة
فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة أى يطيب بها قلب المسلم، أو بكلمة من كلمات الأذكار فانها بمنزلة صدقة الفقير (فى باب
علامات النبوة) أى ضمن حديث طويل لعدى مذكور فى الباب ، وكان صاحب المصابيح أتى ببعض الحديث أو
بحديث مستقل هنا مناسبة لهذا الباب ، فعده المؤلف من باب التكرار فأسقطه واكتفى بذكره فى ذلك الباب والله
أعلم بالصواب .
١٩٢٤ - قوله (لما قدم النبي ◌ُ ◌ّ المدينة جئت) فى الناس لأنظر اليه (فلما تبينت وجهه) أى عرفته.
قال فى الصراح: استبقته أنا عرفته وتبينته أنا كذلك - انتهى. وقيل أىتأملته وتفرست بأمارات لائحة فى سيماه وهذا
٣٤١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا
الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. رواه الترمذى
وابن ماجه، والدارمى .
١٩٢٥ - (٢٣) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعبدوا
الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام. رواه الترمذى،
لفظ ابن ماجه فى الأطعمة، والدارمى فلما رأيت وجهه، ولفظ الترمذى فى صلاة الليل، فلما استبنت وجه رسول
الله ◌َوِّ (عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب) بالاضافة وينون أى بوجه ذى كذب لما لاح عليه من سواطع
أنوار النبوة (فكان أول ما قال) بالرفع وينصب قاله القارى. ولفظ الترمذى وابن ماجه ((فكان أول شىء تكلم
به أن قال)) قال السندى: أول شىء بالنصب على أنه خبر كان واسمها أن قال الخ والدارمى، فكان أول ما سمعته
يقول (يا أيها الناس) خطاب العام بكلمات جامعة العاملة مع الخاق والحق (إفشوا) من الانشاء (السلام) أى
اكثروه وبينوه فيما بينكم وقيل أى أظهروه وعموا به الناس ولا تخصوا المعارف (واطعموا) من الاطعام
(الطعام) أراد به قدراً زائداً على الواجب فى الزكاة سواء فيه الصدقة والهدية والضيافة. (وصلوا) بكسر المهملة
من وصل يصل وصلا وصلة (الأرحام) جمع رحم بفتح أوله وكسرثانيه، وبكسر أوله وسكون ثانيه. وهى القرابة
يقال: وصل رحمه أى أحسن إلى الأقربين اليه من ذوى النسب، وعطف عليهم ورفق بهم (وصلوا) بتشديد اللام
(بالليل والناس نيام) بكسر النون جمع ناتم أو مصدر بمعنى اسم الفاعل أى لأنه وقت الغفلة فلا رباب الحضور
مزيد المثوبة أو لبعده عن الرياء والسمعة. (تدخلوا الجنة بسلام) أى سالمين من المكروه أو التعب والمشقة أو
يسلم عليكم الملائكة (رواه الترمذى) فى الزهد وصححه (وابن ماجه) فى صلاة الليل وفى الأطعمة واللفظ له
(والدارمى) فى صلاة الليل، وفى الاستيذان. ونسبه المنذرى فى الترغيب الترمذى، والحاكم، ونقل عن الترمذى
أنه قال: حديث حسن صحيح ، وعن الحاكم أنه قال: صحيح على شرط الشيخين. وفى الباب عن أبى هريرة عند
الحاكم من وجهين. وقال فى كل منهما حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبى فى الأول بأن عبيد الله
ابن أبى حميد. قال أحمد: تركوا حديثه. وقال المنذرى عبيد الله بن أبى حميد متروك ووافقه الذهبي فى الثانى.
١٩٢٥ - قوله (أعبدوا الرحمن) أى أفردوه بالعبادة (تدخلوا الجنة بسلام) أى فانكم إذا فعلتم
ذلك ومتم عليه دخلتم الجنة آمنين، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (رواه الترمذى) فى الأطعمة وصححه
٣٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
وابن ماجه .
١٩٢٦ - (٢٤) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصدقة لتطفى.
غضب الرب، وتدفع ميتة السوء. رواه الترمذى.
١٩٢٧ - (٢٥) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل معروف صدقة،
(وابن ماجه) فى الأدب، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه بلفظ: أعبدوا الرحمن وأفشوا السلام، وأطعموا الطعام
تدخلوا الجنان .
١٩٢٦ - قوله (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب) أى سخطه على من عصاه (وتدفع ميتة السوء) بكسر
الميم وسكون الياء، أصلها موتة مصدر للنوع، كالجلسة أبدلت واوه ياء لسكونها وكسرة ما قبلها وهى الحالة التى
يكون عليها الانسان فى الموت. والسوء بفتح السين ويضم. والمراد بميتة السوء الحالة السيئة التى يكون عليها عند
الموت ، مما يؤدى إلى كفران النعمة من الآلام والأوجاع المفضية إلى الفزع والجزع والغفلة عن ذكر الله . ومنها
موت الفجاءة وسائر ما يشغله عن اللّه مما يؤدى إلى سوء الخاتمة. وقيل: المراد إنها تقيه من الفتانات عند الموت،
أو أنه يوفق للتوبة فلا يموت، وهو عاص مصر على ذنب. أو أنه يموت ميتة سالمة من نحو هدم. وغرق وحرق
ولا مانع من إرادة الجميع. وقال العراق. الظاهر إن المراد بها ما استعاذ منه النبي مؤلم من الهدم والتردى
والغرق والحرق، وأن يتخبطه الشيطان عند الموت، وأن يقتل فى سبيل الله مديراً. وقال بعضهم: هى موت
الفجاءة . وقيل : ميتة الشهرة كالمصلوب - انتهى. (رواه الترمذى) فى الزكاة. وقال: هذا حديث حسن غريب ،
وأخرجه ابن حبان فى صحيحه، وروى ابن المبارك فى كتاب البر شطره الأخير، ولفظه إن الله ليدراً بالصدقة
سبعين بابا من ميتة السوء كذا فى الترغيب النذرى .
١٩٢٧ - قوله (كل معروف صدقة) قد سبق بيان معناه . وقال التوربشتى: المعروف اسم لكل فعل
يعرف حسنه بالشرع، أو يعرف بالعقل من غير أن ينازع فيه الشرع. وكذلك القول المعروف. وقد قيل:
للاقتصاد فى الجود معروف، لأنه مستحسن بالشرع والعقل. والصدقة ما يخرجه الانسان من ماله على وجه
القربة، وذلك لأن عليه أن يتحرى الصدق فيها. وقد استعمل فى الواجبات وأكثر ما يستعمل فى التطوع به،
ويستعمل أيضا فى الحقوق التى تجافى عنها الانسان. قال تعالى: ﴿ والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة
له - المائدة: ٤٥) أى تجافى عن القصاص الذى هو حقه وقد أجرى فى التنزيل ما يسامح به المعسر مجرى الصدقة
قال تعالى: ﴿ وأن تصدقوا خير لكم - البقرة: ٢٧) فقوله ((كل معروف صدقة)) أى محل فعل المعروف محل
٣٤٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك فى إناء أخيك . رواه
أحمد والترمذى .
١٩٢٨ - (٢٦) وعن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبسمك فى وجه أخيك
صدقة وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وارشادك الرجل فى أرض الضلال لك
صدقة وقصرك الرجل الردى البصر
التصدق بالمال ويقع التبرع بذلك موقعه فى القربة، فالمعروف والصدقة. وان اختلفا فى اللفظ والصيغة فانهما
يتقاربان فى المعنى، ويتفقان فى الأمر المطلوب منهما وقد عرفنا الاختلاف بينهما من الكتاب. قال تعالى: ﴿إلا
من أمر بصدقة أو معروف - النساء: ١١٤) وعرفا الاتفاق بينهما فى المعنى من السنة - انتهى. (وإن من
المعروف) أبى من جملة أفراده (إن تلقى أخاك) أى المسلم (بوجه) بالتنوين (طلق) تقدم ضبطه، ومعناه يعنى
تلقاه منبسط الوجه متهلله (وأن تفرغ) من الافراغ أى تصب (من دلرك) أى عند استقاءك (فى إناء أخيك)
لثلا يحتاج إلى الاستقاء، أو لاحتياجه إلى الدلو (رواه أحمد) (ج ٣ ص ٢٤٤) (والترمذى) فى البر والصلة
من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح . قال القارى:
وفى كثير من نسخ الترمذى حسن، فقط . وليس فى سنده غير المتكدر بن محمد بن المنكدر. قال الذهبي: فيه لین
وقد وثقه أحمد كذا ذكره ميرك ــ انتهى . قلت: صدر الحديث متفق عليه، كما سبق، والمنكدر بن محمد بن
المنكدر لين الحديث كما قال الحافظ فى التقريب: وقد تفرد بتوثيقه أحمد، ولينه غيره وتكلموا فيه من
جهة حفظه .
١٩٢٨ - قوله (تبسمك) هو أن تظهر الأسنان بدون صوت، فإن كان بصوت لطيف يسمعه من يقربه
فقط . كان ضحكا . فإن كان الصوت قويا يسمعه البعيد سمى قهقهة (فى وجه أخيك) فى الدين (صدقة) كذا فى
جميع النسخ الحاضرة، وكذا نقله المنذرى فى الترغيب، وعليه بنى القارى شرحه كما سيأتى. ووقع فى نسخ
التر مذى لك صدقة، وهكذا نقله السيوطى فى الجامع الصغير، يعنى إظهارك البشاشة. والبشر إذا لقيته تؤجر عليه
كما تؤجر على الصدقة (وأمرك بالمعروف) أى بما عرفه الشرع والعقل بالحسن (ونهيك عن المنكر) أى ما أنكره
وقبحه (صدقة) كذلك (وإرشادك الرجل) أى الانسان (فى أرض الضلال) أضيفت إلى الضلال كأنها خلقت
له، وهى التى لا علامة فيها للطريق فيضل فيها الرجل. (لك صدقة) بالمعنى المقرر قال القارى: زيد لك فى هذه
القرينة والتى بعدها لمزيد الاختصاص (ونصرك) أى أعانتك (الرجل الردى البصر) بالهمز ويدغم أى الذى
٣٤٤
1

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدة
لك صدقة ، وإماطنك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك فى
دلو أخيك لك صدقة. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث غريب.
١٩٢٩ -- (٢٧) وعن سعد بن عبادة، قال: يارسول الله! إن أم سعد ماتت، فأى الصدقة أفضل؟
لا يبصر أصلا أو يبصر قليلا. قال القارى: وضع النصر موضع القياد مبالغة فى الاعانة كانه ينصره على كل شىء
يؤذيه - انتهى. قلت: وقع فى نسخ الترمذى بصرك للرجل بالباء الموحدة، وكذا نقله العزيزى ، والحفنى فى
شرح الجامع الصغير، والجزرى فى جامع الأصول (ج ١٠ ص ٣٤٢) وهكذا وقع فى صحيح ابن حبان كما فى
الترغيب، والبصر محركة حس العين والعلم والرؤية. والمراد تبصيرك الرجل الردى البصرلك صدقة. وقيل: المعنى
إذا بصرت رجلا ردى البصر فاعنته كان ذلك الك صدقة (وإماطتك) أى إزالتك وتنحيتك (الحجر والشوك
والعظم ) أى ونحوها (عن الطريق) أى طريق المسلمين المسلوك أو المتوقع السلوك (وإفراغك) أى صبك
(من دلوك فى دلو أخيك) فى الدين (لك صدقة) فكيف اذا لم يكن لأخيك دلو (رواه الترمذى) فى البر والصلة
(وقال هذا حديث غريب) فى نسخ الترمذى الحاضرة عندنا حديث حسن غريب، ويؤيده قول المنذرى
فى الترغيب ((رواه الترمذى وحسنه)) والحديث أخرجه أيضا البخارى فى الأدب المفرد، وابن حبان.
فى صحيحه .
١٩٢٩- قوله (إن أم سعد) أراد به نفسه، واسم أمه عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن ز د
مناة بن عدى بن عمرو بن مالك بن النجار صحابية ، وكانت من المبايعات توفيت فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم
فى سنة خمس من الهجرة. قال ابن سعد: ماتت والنبي ◌َّمه فى غزوة دومة الجندل فى شهر ربيع الأول ، وابنها
سعد بن عبادة معه قال: فلما جاء النبي ◌َ ◌ِّ المدينة أتى قبرما فصلى عليها. قال الحافظ: وثبت أنها لما ماتت
سأل ولدها النبى صلى الله عليه وسلم عن الصدقة عنها ولها أربع أخوات اسم كل منهن أيضا عمرة أسلمن وبايعن.
قال الحافظ : فى الاصابة عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة والدة سعد بن عبادة ماتت فى حياة النبى.
وَففى سنة خمس. وعمرة بنت مسعود الصغرى حالة سعد بن عبادة، كانت زوج أوس بن زيد بن أصرم ثم تزوجها
سهل بن ثعلبة. وعمرة بنت مسعود بن قيس الأنصارية أخت اللتين قبلها. قال ابن سعد كن خمس أخوات اسم كل
منهن عمرة أسلمن وبايعن، وهذه هى الثالثة أمها عميرة بنت عمرو بن حزام تزوجها ثابت بن المنذر والد حسان
وعمرة بنت مسعود الرابعة شقيقة التى قبلها تزوجها زيد بن مالك وعمرة بنت مسعود الخامسة شقيقة اللتين قبلها.
وهى والدة قيس بن عمرو من بنى النجار (فأى الصدقة أفضل) أی ها بوصول ثوابها اليها ، وفى رواية لأبىداود
٣٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
قال: ((الماء، ففر بئرا وقال: هذه لأم سعد. رواه أبوداود، والنسائى.
١٩٣٠ -- (٢٨) وعن أبى سعيد قال: قال رسول اللّه ◌َيّ}: أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على
عرى، كساء اللّه من خضر الجنة . وأيما مسم أطعم مسلما على جوع ،
أى الصدقة أعجب اليك (قال الماء) وفى رواية أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان. قال: سقى الماء أى فى ذلك
الوقت لقلته بالمدينة يومئذ، أو على الدوام، لأنه أحوج الأشياء عادة قال القارى: انما كان الماء أفضل، لأنه أعم
نفعا فى الأمور الدينية والدنيوية خصوصا فى تلك البلاد الحارة ولذلك من الله تعالى ﴿وأنزل من السماء ماء طهورا
لنحي به بلدة ميتا ونسقيه ما خلقنا أنعاما وأناسى كثيرا-الفرقان: ٤٩،٤٨) كذا ذكره الطيبي. وفى الأزهار الأفضلية
من الأمور النسبية، وكان هناك أفضل لشدة الحر والحاجة وقلة الماء ( ففر) أى سعد وفى بعض النسخ . قال:
أى الراوى عن سعد ففر، وهكذا وقع فى أبى داود (بئر) بالهمز ويبدل (وقال) أى سعد (هذه لأم سعد) أى
هذه البئر صدقة لها أو ثواب هذه البئرلها، وفيه فضيلة سقى الماء، وفضيلة الصدقة عن الميت، وان ثواب الصدقة
المالية يصل إلى الميت وهو أمر مجمع عليه، لا اختلاف فيه عند أهل السنة (رواه أبوداود) فى أواخر الزكاة
(والنسائى) فى الوصايا. واللفظ لأبي داود، وأخرجه أيضا أحمد ( ج ٥ ص ٢٨٥ وج ٧ ص ٦) وابن ماجه
فى الأدب، وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما. والحاكم (ج ١ ص ٤١٤) والبيهقى (ج ٤ ص ١٨٥)
وقد سكت عنه أبو داود . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين . وتعقبه الذهبى فى تلخيصه، والمنذرى فى
ترغيبه. قال الذهبي بعد ذكر كلام الحاكم قلت: لا، فانه غير متصل. وقال المنذري: بل هو منقطع الاسناد
عند الكل فانهم كلهم رووه عن سعيد بن المسيب عن سعد ولم يدركه سعيد، فان سعداً توفى بالشام سنة خمس
عشرة . وقيل سنة احدى عشرة ومولد سعيد بن المسيب سُنة خمس عشرة، ورواه أبو داود والنسائى والحاكم
أيضا. وأحمد عن الحسن البصرى عن سعد ولم يدركه أيضا ، فإن مولد الحسن سنة احدى وعشرين، ورواه
أبو داود أيضا وغيره على أبى اسحاق السبيعى عن رجل عن سعد - انتهى كلام المنذرى. وقد ذكر نحو ذلك فى
مختصر السنن .
١٩٣٠ - قوله (أيما مسلم) ((ما)) زائدة وأى مرفوع على الابتداء (كا) أى ألبس (على عرى)
بضم فسكون أى على حالة عرى أو لأجل عرى أو لدفع عرى، وهو يشمل عرى العورة وسائر الاعضاء ( كاه
الله من خضر الجنة) بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين، جمع أخضر أى من الثياب الخضر فيها من باب إقامة
الصفة مقام الموصوف، وخصها لأنها أحسن الواناً (أطعم مسلماء) متصفا بكونه (على جوع) يعنى مسلما جائعا
٣٤٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم. رواء
أبوداود والترمذى .
١٩٣١٠ - (٢٩) وعن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فى المال
لحقا سوى الزكاة ،
(أطعمه الله) يوم القيامة (من ثمار الجنة) فيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها (على ظمأ) بفتحتين مقصوراً
وقد يمد أى عطش (من الرحيق المختوم) أى يسقيه من خمر الجنة الذى ختم عليه مسك جزاء وفاقا، إذ الجزاء
من جنس العمل. قال القارى الرحيق صفوة الخمر، والشراب الخالص الذى لاغش فيه، والمختوم هو المصون الذى
لم ينبذل لأجل ختامه ولم يصل اليه غير أصحابه وهو عبارة عن نفاسته - انتهى. قال المناوى: والمراد أنه يخص
بنوع من ذلك أعلى وإلا فكل من دخل الجنة كساه اللّه من ثيابها، وأطعمه وسقاه من ثمارها وخمرها. وفى الحديث
الحث على أنواع البر وإعطاءها من هو مفتقر اليها وكون الجزاء عليها من جنس العمل (رواه أبوداود) فى
أو احر الزكاة (والترمذى) فى أواخر الزهد وأخرجه أيضا البيهقى من طريق أبى داود (ج ٤ ص ١٨٥) قال
الترمذى : هذا حديث غريب، وقد روى هذا عن عطية عن أبى سعيد الخدرى موقوفا، وهو أصح عندنا
وأشبه - انتهى . قلت: فى سند المرفوع عند الترمذى أبو الجارود الأعمى الكوفى. ورواه عن عطية العوفى عن
أبى سعيد وأبو الجارود. قال الحافظ : فيه رافضى كذبه يحيى بن معين وعطية العوفى صدوق ، لكنه يخطئ كثيرا
شيعى مدلس ، والحديث رواه أبوداود أيضا بسند آخر أى من طريق أبى خالد الدالانى عن نبيح عن أبى سعيد .
وقدسكت عنه هو ، وقال المنذرى: فى مختصر الستن فى إسناده أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن المعروف. بالدالانى ،
وقد اثنی علیه غير واحد و تكلم فيه غیر واحد، وقال فى الترغيب حديثه حسن - انتهى.
١٩٣١ - قوله (وعن فاطمة بنت قيس) هى فاطمة ابنة قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك بن
قيس الأمير يقال: كانت أكبر منه بعشر سنين صحابية مشهورة، وكانت من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمال
وثقل وكمال، وفى بيتهنا اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وخطبوا خطبتهم
المأثورة ، وكانت عند أبى عمر بن حفص المخزومى، وطلقها فتزوجت بعده أسامة بن زيد. وهى التى روت قصة
الجساسة بطولها فانفردت بها مطولة رواها عنها الشعبى، لما قدمت الكوفة على أخيها، وهو أميرها وفى طلاقها
ونكاحها بعد ستن كثيرة مستعملة ، روى عنها جماعة منهم الشعبى والنخعى وأبو سلمة (إن فى المال لحقها سوى
الزكاة ) عند الترمذى عن فاطمة قالت: سألت أو سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الزكاة فقال: إن فى المال الخ
٣٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
ثم تلا (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) الآية
١
وفى رواية الدار قطنى قلت: يا رسول الله فى المال حق سوى الزكاة قال نعم ثم قرأ ﴿ وآتى المال على حبه -
البقرة: ١٧٧ ) وفى رواية البيهقى عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أو قالت سئل عن هذه.
الآية ﴿وفى أموالهم حق معلوم - المعارج: ٢٤﴾ قال ان فى هذا المال حقا سوى الزكاة وتلاهذه الآية (ليس البر
أن تولوا وجوهكم . البقرة: ١٧٧ ﴾ قال المناوى: قوله إن فى المال لحقا سوى الزكاة كفكاك أسير وإطعام
مضطر وانقاذ محترم فهذه حقوق واجبة غيرما، لكن وجوبها عارض فلا تدافع بينه وبين خبر («ليس)) فى المال
حق سوى الزكاة - انتهى. وقال القارى: وذلك مثل أن لا يحرم السائل والمستقرض وأن لا يمنع متاع بيته من
المستعير كالقدر والقصة وغيرهما ولا يمنع أحد الماء والملح والنار كذا ذكره الطبي وغيره . - انتهى. قلت:
حديث ليس فى المال حق سوى الزكاة لا يعرف له إسناد يثبت. قال البيهقى: والذى يرويه أصحابنا فى التعاليق
لیس فى المال حق سوى الزكاة، فلست أحفظ فیه اسنادا - انتهى . نعم روى فى معناه عن أبى هريرة مرفوعا اذا
أديت الزكاة فقد قضيت ماعليك أخرجه الترمذى وحسنه، وابن ماجه والحاكم، وصححه والبيهقى: ورواه أبوداود
فى المراسيل، عن الحسن عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا. وروى الحاكم وصححه، والبيهقى من طريقة عن جابر
مرفوعا اذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره. ورجح أبو زرعة والبيهقى، وغيرهما وقفه كما عند البزار.
وأما ما وقع فى سنن ابن ماجه فى باب ما أدى زكاته فليس بكنز، من حديث فاطمة بنت قيس إنها سمعت النبى مَ ◌ّه
يقول : ليس فى المال حق سوى الزكاة . فالظاهر إنه خطأ من الناسخ، أو من الراوى كما سيأتى وقال أبو الطيب
السندى فى شرح الترمذى: قوله فقد قضيت ما عليك أى من حقوق المال. وهذا يقتضى أنه ليس عليه واجب
ما لى غير الزكاة ، وباقى الصدقات كلها تطوع. وهو يشكل بصدقة الفطر والنفقات الواجبة إلا أن يقال الكلام فى
حقوق المال، وليس شىء من هذه الأشياء من حقوق المال، بمعنى أنه يوجبه المال، بل يوجبه أسباب أخر
كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك، فالحقوق التى يوجبها المال فقط ، تقتضى بالزكاة - انتهى. وقيل المراد
بقوله فقد قضيت ما عليك أى قضيت أعظم ما عليك من الحق. وقيل . المراد بقوله ليس ((فى المال حق سوى
الزكاة أى ليس فى المال حق مثل الزكاة سواها ( ثم تلا ) أى قرأ استشهادا (ليس البر) بالرفع والنصب (أن تولوا
وجوهكم قبل المشرق والمغرب الآية) أى ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين
وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة
وآفى الزكاة - البقرة: ١٧٧) قال الطيى وجه الاستشهاد أنه تعالى ذكر إيتاء المال فى هذه الوجوه، ثم قفاه بايتا.
الزكاة فدل ذلك على أن فى المال حقا سوى الزكاة. قيل: الحق حقان: حق يوجبه الله تعالى على عباده. وحق
٣٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
رواه الترمذى، وابن ماجه ، والدارمى .
يلتزمه العبد على نفسه الزكية الموقاة من الشح، الذى جبلت عليه. واليه الاشارة بقوله على حبه أى حب الله
أو حب الايتاء - انتهى. وقال السندى فى حاشية ابن ماجه: وحاصل الاستدلال إن الآية قد جمع فيها بين.
إيتاء المال على حبه وبين إيتاء الزكاة بالعطف المقتضى الغابرة. وهذا دليل على أن فى المال حقا سوى الزكاة لنصح
المغايرة ( رواه الترمذى ) الخ وأخرجه أيضا البيهقى كلهم من طريق شريك عن أبى حمزة عن الشعبي عن فاطمة.
قال الترمذى: هذا حديث اسناده ليس بذلك. وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف، وروى بيان واسماعيل بن
سالم عن الشعبى هذا الحديث قوله ، وهذا أصح ـ انتهى . وقال البيهقى: هذا حديث يعرف بأبى حمزة وميمون
الأعور ، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، فمن بعدهما من حفاظ الحديث - انتهى. ونسب الشوكانى
هذا الحديث فى فتح القدير ( ج ١ ص ١٥١) لابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن عدى والدارة عطنى وابن
مردويه أيضا ، وفى سنده عند الدار قطنى نصر بن مزاحم وأبو بكر الهذلى وكلاهما متروك الحديث . تنبيه
عزا المصنف حديث فاطمة باللفظ الذى ذكره إلى ابن ماجه أيضا، وكذا صنع المزى فى الأطراف كما قال المناوى
فى الكشف ، ونسبه الشوكانى أيضا فى فتح القدير (ج١ ص ١٥١) لابن ماجه وهذا مبنى على ما وقع فى أكثر
نسخ ابن ماجه أو فى كثير منها بلفظ: فى المال حق سوى الزكاة. وقد وقع فى بعض نسخه فى الباب المذكور
مكانه بلفظ: ليس فى المال حق سوى الزكاة. قال الولى العراقى فى طرح التثريب (ج ١ ص ١١) فى شرح قوله
((ومن حقها حلبها يوم وردها)) فى هذا دليل لمن يرى فى المال حقوقا غير الزكاة وهو مذهب أبى ذر غير واحد
من التابعين. وفى جامع الترمذى عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن فى المال حقا سوى الزكاة
وهو عند ابن ماجه بلفظ: فى المال حق سوى الزكاة، وفى بعض نسخه ليس فى المال حق سوى الزكاة . واقتصر
والدى يعنى الزين العراقى رحمه الله فى شرح الترمذى على نقل هذا اللفظ الثانى. وقال: قال البيهقى فى السنن الكبرى
(ج ٤ ص ٨٤) إن هذا الحديث يرويه أصحابنا فى التعاليق ولست أحفظ فيه اسنادا، ثم اعترض عليه والدى
برواية ابن ماجه له، وقد عوفت ما فى ذلك - انتهى. قلت: وكذا أعترض عليه الحافظ فى التلخيص (ص ١٧٣)
بهذه الرواية وهذا كله كما ترى يدل على اختلاف نسخ ابن ماجه فى ذلك ، ويدل على ذلك أيضا إن الجزرى
ذكر فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٢٩٨) اللفظ الأول. واقتصر فى تخريجه على ذكر الترمذى، ولم يذكر ابن
ماجه، وبين اللفظين تخالف وتباين ظاهر، والصواب عندى ما وقع فى أكثر نسخ ابن ماجه بلفظ: فى المال - ق
سوى الزكاة لأن هذا موافق أرواية الترمذى والدارمى والدار قطنى وابن جرير وغيرهم. وأما ما وقع فى بعض
نسخه بلفظ ، ليس فى المال حق سوى الزكاة فهو خطأ من الناسخ، وجنح من لم يقف على اختلاف النسخ فى
٣٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
١٩٣٢ - (٣٠) وعن بهيسة، عن أبيها، قالت: قال: يا رسول الله! ما الشىء الذى يحل ممنه؟
قال: الماء،
ذلك. وقد رأى فى نسخته اللفظ الثانى إلى أن رواية ابن ماجه خطأ من الراوى ووهم منه، وأن المحفوظ هى
رواية الترمذى والدارمى وغيرهما، لأن مدار رواية ابن ماجه على يحي بن آدم عن شريك، وقد خالفه الأسود
ابن عامر المعروف بشاذان عند الترمذى والبيهقى ومحمد بن الطفيل عند الدارمى والترمذى كلاهما روياه عن شريك
بلفظ إن فى المال حقا سوى الزكاة. وتطرق الوهم إلى الواحد. أقرب منه إلى الاثنين ، ويدل على ذلك أيضا
الاستشهاد بالآية فى رواية الترمذى والدار قطنى والبيهقى كما لا يخفى على المتأمل. قال السندى فى حاشية ابن ماجه
من نظر بين روايتين يرى أن رواية المصفف يعنى ابن ماجه أقرب إلى الخطأ من رواية التر مذى لقوة رواية
الترمذى بالدليل الموافق لها فيتأمل ـ انتهى،
١٩٣٢ - قوله (وعن بهيسة) بضم الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء التحتية بعدها سين مهملة. قال فى
التقريب: بهيسة بالمهملة مصغرا الفزارية لا تعرف من الثالثة ( وهى الطبقة الوسطى من التابعين) ويقال لها إن
صحبة . وقال فى تهذيب التهذيب: بهيسة الفزارية عن أبيها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابن حبان لها صحبة.
وقال ابن القطان قال عبد الحق : مجهولة، وهى كذلك. وقال فى الاصابة : فى ترجمة بهيسة أولا قول ابن حبان
إن لها صحبة لما كان فى الخير ما يدل على صحبتها لأن سياق ابن منده إن أباها استأذن النبي صلى الله عليه وسلم
فأدخل يده فى قميصه، وسياق أبى داود والنسائى عن أبيها إنه استأذن وهو المعتمد - انتهى. وقال الذهبي: فى
التجريد، بهيسة أدركت النبي ◌ُ ◌ّ وروت عن أبيها، روى سيار بن منظور عن أبيه عنها، وعلم عليها د، ع
وذكرها ابن الأثير فى أسد الغابة. وقال أدركت النبى صلى الله عليه وسلم وروت عن أيها ثم ذكر حديث
الباب (عن أبيها) اسمه عمير بالتصغير صحابى، قال الحافظ: فى تهذيب التهذيب أبو بهيسة الفزارى عن النبى مزو ◌ّه
وعنه بنته بهيسة، ترجم له ابن مندة وغيره فى الكنى، وسماه ابن عبد البر فى الاستيعاب عميرا. وقال فى الأسماء من
الاصابة: عمير الفزارى والدبهيسة ذكره أبو عمر فسماه عميرا، ولم أره لغيره ويأتى فى الکنی ۔ انتهى . وقال فى
الكتى أبو بهيسة الفزارى ذكره أبو بشر الدولابى فى الكنى، وأورد له من طريق كهمس عن سيارين منظور عن أبيه
هذا الحديث. ثم قال بعد بيان الاختلاف فيه، وذكر ابن عبد البر إن اسم والد بهيسة عمير - انتهى. وذكره
الذهبى فى تجريده فى الاسماء والكنى. وقال لم يصح حديثه (قالت قال) أى أبوها (ما الشىء الذى لا يحل منعه
قال الماء) أى عند عدم احتياج صاحب الماء اليه وانما أطلق بناء على وسعه عادة. وقيل: المراد إن الماء من
الأشياء الحقرة التى لا ينبغى للانسان منعها من المحتاج والجار، وسيأتى بسط الكلام عليه فى باب المنهى عنها من
٣٥٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
قال: يا نبي الله! ما الشىء الذى لا يحل منعه؟ قال: الملح، قال: يا فى اللّه! ما الشىء الذى.
لا يحل منعه، قال: ان تفعل الخير خير لك. رواه أبو داود.
١٩٣٣ - (٣١) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحيا أرضا ميتة
فله فيها، أجر، وما أكات العافية
البيوع، وفى باب إحياء الموات والشرب (قال يا نبى اللّه) تفنن فى العبارة (قال الملح) لكثرة احتياج الناس اليه
وبذله عرفا. قال الشوكانى: ظاهر الحديث عدم الفرق بين ما كان فى معدنه أو قد انفصل عنه ولا فرق بين جميع
أنواعه الصالحة للانتفاع بها . وقال الخطابي: معنى هذا الحديث الملح إذا كان فى معدنه فى أرض أو جبل غير
ملوك، فإن أحدا لا يمنع من أخذه. وأما إذا صار فى حيز مالكه فهو أولى به، وله منعه ويبعه والتصرف فيه
كسائر املاكه ـ انتهى. (إن تفعل الخير) مصدرية أى فعل الخير جميعه (خير لك ) يعنى فعل الخير الذى تدعو
اليه نفسك الزكية خير لك لا يحل لك منعه، فهذه القرينة أعم من الأوليين فهى كالتذييل لها . قال القارى: قوله
إن تفعل الخير لك لقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - الزلزال: ٧) والخير لا يحل منعه فهذا
تعميم بعد تخصيص وإيماء إلى أن قوله لا يحل بمعنى لا ينبغى (رواه أبو داود) فى الزكاة وفى البيوع وأخرجه
أيضا الدارمى فى البيوع بلفظ: ما الشىء الذى لا يحل منعه. فقال: الملح والماء فقال ما الشىء الذى لا يحل
هذه قال إن تفعل الخير خير لك قال ما الشىء الذى لا يحل منعه. قال إن تفعل الخير خير لك - وانتهى إلى الملح
والماء ـ انتهى. ونسبه المجمد بن تيمية فى المنتقى لأحمد وأبي داود والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى وأعله
عبد الحق وابن القطان بأن بهيسة لا تعرف. قال الشوكانى وتعقب: بأنه ذكرها ابن حبان وغيره فى الصحابة ،
ولحديثها شواهد يريد بها ، ما روى فى الباب من حديث أبى هريرة عند ابن ماجه بسند صحيح، ثلاث لا يمنعن.
الماء، والكلاء، والنار. ومن حديث عائشة عندابن ماجه أيضا قالت: يا رسول الله: ما الشىء الذى لا يحل منعه
قال الماء، والملح، والنار - الحديث. واسناده ضعيف، ومن حديث أنس عند الطبرانى. فى الصغير خصلتان
لا يحل منعهما. الماء والنار، قال أبو حاتم فى العلل هذا حديث منكر ومن حديث عبد الله بن سرجس عند
العقيلى فى الضعفاء نحو حديث بهيسة. ومن حديث ابن عباس عند ابن ماجه. ومن حديث ابن عمر عند الطبرانى
بلفظ : المسلمون شركاء فى ثلاث. فى الماء، والكلاء ، والنار.
١٩٣٣ - قوله (من أحياء أرضا ميتة) أى زرع أرضا يابسة شبهها بالميت بجامع عدم النفع، وشبه
تعميرها بالسقى والزرع أو الغرس بالاحياء يجامع النفع (فله فيها) أى فى نفس أحيائها (أجر وما أكلت العافية)
٣٥١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
منة فهو له صدقة. رواه الدارمى .
١٩٣٤ - (٣٢) وعن البراء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من منح منحة لبن أو ورق،
أو هدى زقاقاً، كان له مثل عتق رقبة.
أى كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر من عفوته أى أتيته أطلب معروفه وعافية الماء وأردته. وفى بعض
الروايات العوافى أى طلاب الرزق ( منه) أى من حاصل الأرض وريعها أو من المأكول أو من النبات وفى
سنن الدارمى منها ( فهو له صدقة) أى اذا كان له راضيا أو متحملا صابرا (رواه الدارمى) فى البيوع.
وأخرجه أيضا أحمد والنسائى فى الكبرى، وابن حبان والضياء فى المختارة، كلهم من رواية هشام بن عروة عن
عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر، وهذا اسناد صحيح. قال الحافظ فى التلخيص: صرح عند ابن حبان
بسماع هشام من عبيد الله وبسماعه من جابر، ورواه أيضا من طريق وهب بن كيسان عن جابر الجملة الأولى.
واستدل به ابن حبان على أن الذمى لا يملك الموات. لأن لأجر إنما يكون المسلم وتعقبه المحب الطبرى بأن الكافر
يتصدق ويجازى عليه فى الدنيا كما ورد به الحديث: قلت (قائله الحافظ) وقول ابن حبان أقرب للصواب ،
وظاهر الحديث معه ، والمتبادر إلى الفهم منه، إن إطلاق الاجر إنما يراد به الأخروى .
١٩٣٤ - قوله (وعن البراء) أى ابن عازب (من منح) أى أعطى (منحة ابن) فى الترمذى منيحة لبن ،
وقد سبق معناهما، والاضافة فيها بيانية. قال القارى: والأظهر إن فى المنحة تجريدا بمعنى مطلق العطية ليصح
العطف بقوله (أو ورق) بكسر الراء وسكونها، وهى قرض الدراهم. لأن المنحة مردودة - انتهى. وقال فى
العات: المنحة العطية فإضافته إلى اللبن ظاهر، ثم ذكر المراد من منحة اللبن. ثم قال: وعطف الورق على اللبن،
إن كان المنحة بمعنى العطية ، فظاهر. وإن كان بمعنى الناقة أو الشأة المعطاة فمجاز، ومشاكلة . والمراد من منحة
الورق، قرض الدراهم، وإنما فسروه به، لأن المنحة من شأنها إن ترد على صاحبها . وقال الجزرى: منحة الورق
القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة ، أو شأة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها
زمانا ، ثم يردها . ومنه الحديث المنحة مردودة - انتهى. (أو هدى زقاقا) قال الجزرى: الزقاق بالضم الطريق،
يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقه. وقيل: أراد من تصدق بزقاق من النخل وهى السكة منها. والأول
أشبه لأن هدى من الهداية لا من الهدية - انتهى. قلت: وقع فى حديث النعمان بن بشير عند أحمد أهدى زقاقا
من الاهداء، فالمراد بالزقاق فى هذا الحديث هو السكة أى الصف والسطر من النخل، وبالاهداء التصدق (كان له)
أى ثبت له (مثل عتق رقبة) أى كان ما ذكر له مثل اعتاق رقبة، ووجه الشبه نفع الخلق والاحسان اليهم
٣٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة-
رواه الترمذى.
١٩٣٥ - (٣٣) وعن أبى جرى جابر بن سليم، قال: أتيت المدينة، فرأيت رجلا يصدر الناس عن
رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله. قال. قلت: عليك
السلام يا رسول الله! مرتين. قال: لا تقل عليك السلام. عليك السلام تحية الميت،
(رواه الترمذى) فى البر والصلة. وقال: هذا حديث صحيح غريب. وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان فى صحيحه ،
والبغوى فى شرح السنة، وفى الباب عن النعمان بن بشير عند أحمد (ج ٤ ص ٢٧٢) بلفظ: من منح منيحة ورقا
أو ذهبا أو سقى لبنا أو أهدى زقاقا فهو كعدل رقبة .
١٩٣٥ - قوله (وعن أبى جرى) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء (جابر بن سليم) بالتصغير. ويقال:
سليم بن جابر الهجيمى بالتصغير التميمى من بلهجيم ابن عمرو بن تميم محابى معروف، روى عنه جماعة. منهم أبو تميمة
الهجيمى ومحمد بن سيرين . قال الحافظ: قال البخارى جابر بن سليم أصح، وكذا ذكر البغوى والترمذى وابن حبان
وغيرهم (يصدر الناس) أى يرجعون (عن رأيه) يعنى يعملون بقوله ورأيه والصدور الرجوع عن المنهل بعد الرى
قال الطيبي وغيره: أى ينصرفون عما رآه ويستصوبونه شبه المنصرفين عن حضرته بعد توجههم اليه ليسألوا عن
مصالح معادهم ومعاشهم وأمور دينهم. واغترافهم من بحار علمه وفضله بالصادرين عن ورودهم على المنهل
وارتوائهم (لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه) أى يأخذون منه كل ما حكم به ويقبلون حكمه وقوله (لا تقل عليك
السلام) أى ابتداء وهو نهى تنزيه قاله القارى (عليك السلام) فى أبى داود فان عليك السلام (تحية الميت) أى
فى زمان الجاهلية. قال الخطابي: هذا يوهم إن السنة فى تحية الميت أن يقال له عليك السلام كما يفعله كثير من
العامة. وقد ثبت عن النبي ◌َّ أنه دخل المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، فقدم الدعاء على اسم
المدعوله كهو فى تحية الاحياء، وإنما كان ذلك القول منه إشارة إلى ماجرت به العادة ، منهم فى تحية الأموات اذ
كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء، وهو مذكور فى أشعارهم كقول الشاعر :
ورحمته إن شاء أن يترحما
عليك سلام الله قيس بن عاصم
وكقول الشماخ :
عليك سلام من أمير وباركت
يد الله فى ذاك الأديم الممزق
والسنة لا تختلف فى تحية الأحياء والأموات بدليل حديث أبى هريرة الذى ذكرناه والله أعلم - انتهى. وقال
ابن القيم فى زاد المعاد: وكان هديه فى ابتداء السلام، أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وكان يكره أن يقول
٣٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
قل: السلام عليك. قلت: أنت رسول اللّه، فقال: أنا رسول الله، الذى إن أصابك ضر فدعوته
كشفه عنك. وإن أصابك عام سنة، فدعوته أنبتها لك، واذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت
راحلتك فدعوته ردها عليك. قلت: أعهد إلى. قال: لا تسبن أحدا. قال: فما سبيت بعده
المبتدى عليك السلام، ثم ذكر ابن القيم حديث أبى جرى هذا. ثم قال: وقد أشكل هذا الحديث على طائفة وظنوه
معارضا لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى السلام على الأموات بلفظ: السلام عليكم بتقديم السلام فظنوا إن قوله
فان عليك السلام تحية الموتى إخبار عن المشروع وغلطوا فى ذلك غلطا أوجب لهم ذلك ظن التعارض، وإنما
معنى قوله فان عليك السلام تحية الموتى إخبار عن الواقع لا المشروع أى إن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه
اللفظة كقول قائلهم :
ورحمته ما شاء أن يترحما
عليك سلام الله قيس بن عاصم
ولكنه بنیان قوم تهدما
فيا كان هلكه هلك واحد
فكره النبى يَ اللّه أن يحمي بتحية الأموات ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم، وكان يرد على المسلم، وعليك
السلام بالواو. وبتقديم عليك على لفظ السلام - انتهى . قال شيخنا فى شرح الترمذى: فى قوله ومن كراهته
لذلك لم يرد على المسلم نظر. فانه قد وقع فى رواية الترمذى، ثم رد على النبي صلى الله عليه وسلم قال وعليك ورحمة.
الله انتهى. (الذى) صفة لله تعالى يدل عليه رواية أحمد قلت: يا رسول الله! إلى ما تدعو قال أدعو إلى الله
وحده الذى إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذى إن ضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذى إن
أصابتك سنة فدعوته أنبت عليك (إن أصابك) وفى أبى داود الذى اذا أصابك ( ضر) بضم الضاد ويفتح
(فدعوته) بصيغة الخطاب (كشفه عنك) أى دفع ذلك الضر وإزاله عنك (عام سنة) أى قحط وجدب. قال
المنذرى: السنة هى العام المفحط الذى لم تنيت فيه الأرض شيئاً، سواء نزل غيث، أو لم ينزل (أنبتها لك) أى
صيرها ذات نبات لك أى بدلها خصبا (أرض ففر) قال القارى: وفى نسخة بالاضافة والقفر بفتح القاف وسكون
الفاء، أى خالية عن الشجر، والماء. قال أهل اللغة القفر الخلاء من الأرض لا ماء فيه ولا ناس ولا كلاً يقال:
أرض ففر وأرض قِفار (أو فلاة) بفتح الفاء وهى المفازة والصحراء الواسعة، وأو للشك. وقيل: للتنويع
على أن المراد بالقفر المفازة المهلكة، وبالفلاة المفازة الخطرة (فضلت راحلتك) أى غابت عنك (أعمد إلى) يفتح
الها. أى أوصنى بما ينفعنى (لا آسين أحدا) بضم السين أى لا تشتمه (فما سببب بعده) أى بعد عهده أحدا
٣٥٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
حرا ولا عبدا، ولابعيرا ولا شأة، قال: ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت
منبسط اليه وجهك ، إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى
الكعبين ، واياك وإسبال الإزار، فانها من المخيلة، وإن اللّه لا يحب المخيلة، وإن امرء شتمك وعيرك
بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فانما وبال ذلك عليه. رواه أبو داود، وروى الترمذى منه
حديث السلام. وفى رواية : فيكون لك أجر ذلك ووباله عليه.
(حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شأة) أى لا انسانا ولا حيوانا (وإن تكلم أخاك) قيل: أى وكلم أخاك تكليما
فحذف الفعل العامل ، وأضيف المصدر إلى الفاعل أى تكليمك أخاك ثم وضع الفعل ، مع أن موضع المصدر وهو
معطوف على النهى كذا فى الشرح، وهو تكلف ذكره الطيبى. وقال غيره: قوله ((وإن تكلم أخاك) إما عطف
على شىء وإن ذلك من المعروف مستأنف علة له، أو مبتدأ وإن ذلك خبره ( وأنت منبسط اليه وجهك ) بالرفع
على أنه فاعل منبسط والجملة حال (إن ذلك) بكسر الهمزة على الاستيناف التغليي، وفى بعض النسخ بفتحها للعلة .
والمعنى إن ما ذكر من التكليم مع انبساط الوجه وطلاقته (من) جملة (المعروف) وفى رواية لأحمد ولا تحقرن من
المعروف شيئاولوإن تكلم أخاك ووجهك اليه منبسط (فان أبيت) رفع ازارك الى نصف الساق (فإلى الكعبين) أى
فأرفعه اليهما ولاتتجاوز عنهما (واياك واسبال الازار) أى اجتذب وأحذر ارسال الازار وإرخاءه نازلا عن الكعبين
( فانها ) أى أى هذه الفعلة أو الخصلة التى هى تسبيل الازار (من المخيلة) بفتح الميم وكسر الخاء وسكون الياء من
الاختيال، وهو الكبر واستحقار الناس (وإن امرأ شتمك) أى سبك (وعيرك) أى وبخك عيبك (بما يعلم فيك)
أى لأمك وعذلك لما يعلم فيك من عيبك (فلا تعيره بما تعلم فيه) أى فضلا عما لا تعلم فيه (فانما وبال ذلك)
أى اثم ما ذكر من الشتم والتعبير (عليه) أى على ذلك المرا ولا يضرك شىء وفى رواية لأحمد فان أجر ذلك لك
ووباله عليه (رواه أبو داود) فى اللباس (وروى الترمذى) فى الاستيذان (منه) أى من الحديث (حديث السلام)
أى صدر الحديث وهو ما يتعلق بالسلام (وفى رواية فيكون لك أجرذلك ووباله عليه) لم أقف على هذه الرواية
وروى أحمد بنحوها، والحديث أخرجه أحمد (ج ٣ ص ٤٨٢ - ٤٨٣) وج ٥ ص ٦٣ - ٦٤) وابن حبان فى
صحيحه، وابن عبد البر فى الاستيعاب مطولا، والنسائى فى الكبرى مختصرا، وسكت عنه أبو داود وصححه الترمذى،
والنووى ، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره .
٣٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
١٩٣٦ - (٣٤) وعن عائشة، أنهم ذبحوا شأة، فقال النبى صلى اللّه عليه وسلم: ما بقى منها؟ قالت:
ما بقى منها إلا كتفها، قال: بقى كلها غير كتفها. رواه الترمذى، وصححه .
١٩٣٧ - (٣٥) وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم
كسا مسلما أوبا إلا كان فى حفظ من اللّه مادام عليه منه خرقة. رواه أحمد، والترمذى.
١٩٣٦ - قوله (إنهم ذبوا) أى أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أو أهل البيت رضى الله عنهم وهو
الظاهر (ما بقى منها) على الاستفهام أى أى شىء بقى من الشأة (قالت ما بقى منها الاكتفها) أى التى لم يتصدق بها
(قال بقى كلها غير كتفها) بالنصب والرفع أى ما تصدقت به فهو باق، وما بقى عندك فهو غير باق . إشارة إلى
قوله تعالى: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند اللّه باق - النحل: ٩٦ ﴾ وقال المنذري: معناه إنهم تصدقوا بها إلا كتفها
(رواه الترمذى) فى الزهد (وصححه) نقل المنذرى فى الترغيب قصيح الترمذى وأقره، وفى الباب عن أبى هريرة
عند البزار ذكره الهيشمى (ج ٣ ص ١٠٩) وقال: رجاله ثقات .
١٩٣٧ - قوله (إلا كان فى حفظ) قال الطيبي: أى فى حفظ أى حفظ (من اللّه) قال ابن الملك: وإنما
لم يقل فى حفظ الله ليدل التفكير على نوع تفخيم وشيوع، وهذا فى الدنيا، وأما فى الآخرة فلا حصر ولا عدل
لثوابه - انتهى. قلت: قوله ((فى حفظ من الله)) هكذا فى جميع النسخ، وكذا وقع فى المصابيح والذى فى جامع
الترمذى فى حفظ الله أى بالاضافة، وهكذا نقله المنذرى فى الترغيب والسيوطى فى الجامع الصغير، والجزرى فى
جامع الأصول (ج ١٠ ص ٣١٩) (ما دام عليه) أى على من كساه ( منه) أى من الثوب ( خرقة) أى قطعة.
قال المناوى : يعنى حتى يبلى. وقال: ومفهوم هذا الحديث إنه لوكسا ذميا لا يكون له هذا الوعد (رواه أحمد)
لم أجده فى مسند عبد الله بن عباس ولعله ذكره فى أثناء مسند غيره من الصحابة، أو هذا سهو من المصنف ويقوى
ذلك إنه لم ينسبه المنذرى فى الترغيب والسيوطى فى الجامع الصغير لأحمد والله أعلم (والترمذى) فى الزهد وأخرجه
الحاكم (ج ٤ ص ١٩٦) بلفظ: من كسا مسلما ثوبا لم يزل فى ستر الله ما دام عليه منه خيط أو سلك، والحديث
حسنه الترمذى. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبى. فقال خالد ضعيف - انتهى. قلت: فى سند هذا الحديث
خالد بن طهمان أبو العلاء الخفاف الكوفى. قال فى تهذيب التهذيب . قال ابن معين: ضعيف خلط قبل موته بعشر
سنين، وكان قبل ذلك ثقة وكان فى تخليطه كلما جاؤا به يقربه. وقال أبو حاتم: هو من عتق الشيعة محله الصدق وذكره
ابن حبان فى الثقات وقال يخطئ ويهم . وقال فى التقريب: صدوق رمى بالتشيع ثم اختلط .
٣٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
١٩٣٨ - (٣٦) وعن عبد الله بن مسعود، يرفعه، قال: ثلاثة يحبهم الله: رجل قام من الليل يتلو
كتاب الله، ورجل يتصدق بصدقة بيمينه يخفيها أراه قال: من شماله، ورجل كان فى سرية فانهزم
أصحابه، فاستقبل العدو. رواه الترمذى. وقال: هذا حديث غير محفوظ، أحد رواته أبو بكر بن
عياش ، كثير الغلط .
١٩٣٨ - قوله (يرفعه) أى يرفع الحديث إلى النبى محمد اللّه ولو لم يقل هذا لأوهم أن يكون الحديث
موقرفا على ابن مسعود لقوله بعده (قال ثلاثة) ولم ينسبه إلى النبي ◌َ ◌ّه (رجل قام من الليل) أى للتهجد فيه
( يتلو كتاب اللّه) أى القرآن فى صلاته وخارجها (بيمينه) فيه إيماء إلى الأدب فى العطاء بأن يكون باليمين،
رعاية للادب وتفاؤلا باليمن والبركة (يخفيها) أى يخفى تلك الصدقة غاية الاخفاء خوفا من السمعة والرياء مبالغة
فى قصد المحبة والرضاء (أراه) بضم الهمزة من الاراءة أى أظنه (من شماله) أى يخفيها من شماله أريد به كمال
المبالغة (ورجل كان فى سرية) أى جيش صغير (فانهزم أصحابه) دونه (فاستقبل العدو) وحده أى وقاتلهم لتكون
كلمة الله هى العليا (رواه الترمذى) فى آخر صفة الجنة من حديث أبى بكر بن عياش عن منصور بن المعتمر عن
ربعى بن حرأش عن عبد الله بن مسعود (هذا حديث غير محفوظ) فى نسخ الترمذى الموجودة عندنا، هذا حديث
غريب غير محفوظ وقال الترمذى: بعد هذا ، والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن ربعی بن حراشعن
زيد بن ظبيان عن أبى ذر، عن النبى مَ لَّم (وأبو بكر بن عياش) بتحتانية مشددة وشين معجمة (كثير الغلط)
أى فى الحديث مع كونه إماما فى القراءة. قال فى التقريب: أبو بكربن عياش بن سالم الأسدى الكوفى المقرى الحناط
بمهلة ونون مشهور بكنيته، والأصح إنها اسمه يعنى أنه مختلف فى اسمه (على عشرة أقوال) والصحيح انه لا إسم
له إلا كنيته، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح. وقال فى مقدمة الفتح: قال أحمد ثقة وربما غلط
وقال أبو نعيم: لم يكن فى شيوخنا أكثر غلطا منه، وسئل أبو حاتم عنه وعن شريك فقال: هما فى الحفظ سواء،
غير أن أبابكر بن عياش أصح كتابا منه. وقال ابن حبان: كان يحمى القطان وعلى بن المدينى يسيئان الرأى فيه
وذلك أنه لما كبر ساء حفظه فكان يهم ، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا عالما بالحديث، إلا أنه كثير الغاط. وقال
يعقوب بن شيبة: كان له علم وفقه، ورواية. وفى حديثه اضطراب. قلت: لم يرو له مسلم إلا فى مقدمة صحيحه،
وروى له البخارى أحاديث أكثرها بمتابعة غيره. واعلم أن مقصود الترمذى أن أبابكر بن عياش غلط فى شيخ
منصور، واسم الصحابى أيضا. وأراد بحديث شعبة باسناده عن أبى ذر - الحديث، الذى بعده. وهو حديث
صحيح أخرجه الترمذى وغيره
٣٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
١٩٣٩ - (٣٧) وعن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة
يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله: فرجل أنى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم
فزعوه، فتخلف رجل بأعيانهم، فأعطاه سراً، لا يعلم بعطيته إلا اللّه والذى أعطاه. وقوم ساروا
ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب اليهم مما يعدل به، فوضعوا رؤسهم، فقام يتملقنى وينلو آياتى.
ورجل كان فى سرية، فاقى العدو، فهزموا، فأقبل بصدره
١٩٣٩ - قوله (ثلاثة يحبهم الله) أى أكثر من غيرهم (فأما الذين يحبهم الله فرجل) ظاهره إن السائل
أحد الثلاثة الذين يحبهم الله وليس كذلك بل معطيه، فلابد من تقدير مضاف أى فأحدهم معطى رجل، وكذا قوله
(((وقوم)) بتقدير مضاف أى والثانى عابد قوم (أتى قوما فسألهم بالله) أى مستعطفاً باللّه قائلا أنشدكم بالله أعطونى
(ولم يسألهم لقرابة) أى ولم يقل أسألكم أو أعطونى بحق قرابة بينى وبينكم ، قال فى المفاتيح: يعنى إذا سأل بالله
وجب إجابته تعظيما لاسم اللّه تعالى فاذا منعوه فقد اجتره وا جرما عظيما فاذا أعطاه واحد سراً فله فضيلتان
إحداهما أنه أعظم اسم الله تعالى. والثانية إنه تصدق سرا وصدقة السر له فضيلة (فمنعوه) أى الرجل العطاء (فتخلف
وجل بأعيانهم) قال القارى: الباء للتعدية أى بأشخاصهم وتقدم. وقيل: أى تأخر رجل من بينهم إلى جانب حَىّ
لا يروه بأعيانهم من أشخاصهم. وقال الطيبى أى ترك القوم المسئول عنهم خلفه فتقدم فأعطاه سراً، والمراد من
الأعيان الأشخاص. ويحتمل أن يكون المراد أنه سبقهم بهذا الخير جعلهم خلفه، وفى رواية الطبرانى فتخلف رجل
عن أعيانهم وهذا أشبه وأسد من طريق المعنى، وإن كانت الرواية الأولى أولق من طريق السند . والمعنى أنه
تخلف أى تأخر عن أصحابه حتى خلا بالسائل فأعطاه سراً، وفى رواية للنسائى فتخلفهم رجل بأعقابهم. قال
السندى: أى نخرج من بينهم بحيث صار خلفهم فى ظهورهم فقوله ((بأعقابهم)) بمعنى فى ظهور ثم بمنزلة التأكيد لما
يدل عليه تخلفهم (لا يعلم بعطيته إلا الله والذى أعطاه) تقرير لمعنى السر (وقوم) أى الثانى قائم قوم أو قارى قوم
(أحب إليهم) أى ألذ وأطيب (ما يعدل به) على بناء المفعول أى من كل شىء يقابل ويساوى بالنوم. وقيل: أى
ما يجعل عديلا له، ومثلاومساويا فى العادة (فوضعوا رؤسهم) أى فناموا وفى رواية نزلوا فوضعوا رؤسهم (فقام)
وفى بعض نسخ الترمذى قام رجل أى منهم (يتعلقنى) هذا على حكاية كلام الله تعالى فى شأن ذلك الرجل لاعلى الالتفات
والملق بفتحتين الزيادة فى التودد، والدعاء والتضرع أى يتواضع لدى ويتضرع إلى (ويتلوا آياتى) أى يقرأ ألفاظها
ويتبعها بألتامل فى معانيها (ورجل) أى والثالث رجل (فهزموا) أى أصحابه (فأقبل بصدره) أى خلاف من ولى.
٣٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدفة
حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزانى، والفقير المختال، والغنى الظلوم.
رواه الترمذى . والنسائى .
١٩٤٠ - (٣٨) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله الأرض،
جعلت تميد، خلق الجبال، فقال: بها عليها ، فاستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال. فقالوا
يا رب! هل من خلقك
ديره بتولية ظهره، وقوله ((بصدره)) تأكيد الاقبال فإنه لا يكون إلا بالصدر وقيل: هذا أبلغ فى الاقبال والجرأة
من أن يقابل بوجهه (جتى يقتل أو يفتح له) على بناء المفعول فيهما أى حتى يفوز بأحدى الحسنيين، وفى رواية
أحمد والنسانى حتى يقتل أو يفتح الله له (الشيخ الزانى) قال القارى: يحتمل أن يراد بالشيخ الشبيبة ضد الشاب،
وأن يراد به المحصن ضد البكر كما فى الآية المنسوخة التلاوة الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما (والفقير المختال )
أى المكبر (والغنى الظلوم) أى كثير الظلم فى المال وغيره، وفى رواية لأحمد والمكثر البخيل، بدل والغنى الظلوم
وإنما خص الشيخ وأخويه بالذكر لأن هذه الخصال فيهم أشد مذمة وأكثر نكرة (رواه الترمذى) فى آخر صفة
الجنة. وقال: هذا حديث صحيح، وهذا أصح من حديث أبى بكربن عياش عن منصور عن ربعى عن ابن مسعود
(والنسائى) فى صلاة الليل، وفى الزكاة، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص١٥٣) وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما
والحاكم (ج ١ ص ٤١٦) وصححه ووافقه الذهبي.
١٩٤٠ - قوله (لما خلق الله الأرض) أى أرض الكعبة ودحيت وبسطت من جوابنها واقميت كلوحة على
وجه الماء (جعلت تميد) بالدال المهملة أى شرعت تميل وتتحرك وتضطرب شديدة ولا تستقرحتى قالت الملائكة
لا ينتفع الأنس بها (نخلق الجبال) قيل: أولها أبو قيس (فقال بها عليها) أى أمر وأشار يكون الجبال واستقرارها
على الأرض (فاستقرت) أى الجبال عليها أو فثبتت الأرض فى مكانها أو ما مادت ولا مالت من حالها ومحلها .
قال الطبى: قد مر مراراً أن القول يعبر به عن كل فعل وقرينة اختصاصه اقتداء المقام ، فالتقدير التى بالجبال على
الأرض. كما قال تعالى: ﴿والتى فى الأرض رواسى أن تميدبكم - النحل: ١٥﴾ فالباء زائدة على المفعول كما فى
قوله تعالى: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة - البقرة: ١٩٥ ) وإيثار القول على الالقاء والارسال لبيان العظمة
والكبرياء، وإن مثل هذا الأمر العظيم يتأتى من عظيم قدرته بمجرد القول. وقيل: ضمن القول معنى الأمر أى
أمر الجبال قائلا أرسى عليها. وقيل: أى ضرب بالجبال على الأرض حتى استقرت (مل من خلقك) أى من
٣٥٩

رعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٦ - باب فضل الصدقة
شىء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد. فقالوا: يا رب! هل من خلقك شىء أشد من الحديد؟
قال: نعم، النار. فقالوا: يا رب ! هل من خلقك شى أشد من النار؟ قال نعم! الما. فقالوا :
يا رب! هل من خلفك شى أشد من الماء ؟ قال: نعم، الريح. فقالوا: يا رب! هل من خلقك
شىء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم تصدق صدقة بيمينه يخفيها من شماله. رواه الترمذى،
وقال هذا حديث غريب. وذكر حديث معاذ: الصدقة تطفىء الخطيئة ، فى كتاب الايمان.
٪( الفصل الثالث )؟
١٩٤١ - (٣٩) عن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد مسلم ينفق من
کل مال له زوجين
مخلوقاتك (قال نعم الحديد) فانه يكسر به الحجر ويقلع به الجمال (قال نعم النار) فانها تلين الحديد وتذيه
(قال نعم الماء) لأنه يطفىء النار (قال نعم الريح) من أجل أنها تفرق الماء وتنشفه. وقال الطبى: فإن الريح تسوق
السحاب الحامل لاء (نعم ابن آدم تصدق صدقة الخ) أى التصدق من بنى آدم أشد من الريح ومن كل ما ذكر
وذلك، لأن فيه مخالفة النفس وقهر الطبيعة والشيطان، ولا يحصل ذلك من شىء مما ذكر، أو لأن صدقته قطفى.
غضب الرب وغضب الله تعالى لا يقابله شىء فى الصعوبة والشدة وإذا فرض نزول عذاب الله بالريح على أحد،
وقصدق فى السر على أحد تدفع العذاب المذكور. فكان أشد من الريح قاله فى اللعات . وقال الطيبي: فان من جيلة
ابن آدم والقبض البخل الذى هو من طبيعة الأرض، ومن جبلته الاستعلاء وطلب انتشار الصيت، وهما من
طبيعتى النار والريح، فاذا راغم بالاعطاء جبلته الأرضية وبالاخفاء جبلته النارية ، والريحية كان أشد من الكل -
انتهى. (رواه الترمذى) فى آخر أبواب التفسير من طريق العوام بن حوشب عن سليمان بن أبى سليمان عن أنس
وسليمان هذا قال الذهبى فيه لا يكاد يعرف وقال ابن معين لا أعرفه والحديث ذكره المنذرى فى باب الترغيب فى
صدقة السر . وقال: رواه الترمذى والبيهقى وغيرهما (وقال هذا حديث غريب) وتمام كلامه لا نعرفه مر فوعا إلا
من هذا الوجه (وذكر) بصيغة المجهول (حديث معاذ الصدقة تطفىء الخطيئة) أى نزيل الذنوب وتمحوها كما قال
إن الحسنات يذهبن السنيات (فى كتاب الايمان) أى فى حديث طويل هناك فيكون من باب إسقاط المكرر.
١٩٤١ - قوله (ينفق) أى يتصدق (من كل مال له) أى من أى مال له كان (زوجين) أى اثنين
٣٦٠
1