النص المفهرس
صفحات 281-300
مرعاة المفاتيح ج 1
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
١٨٧٣ (٢٣) وعن أبى ذر، قال دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو يشترط على أن لا تسأل
الناس شيئا قلت نعم. قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل اليه فتأخذه. رواه أحمد.
(٥) باب الإنفاق وكراهية الإمساك
الفصل الأول )
١٨٧٤ (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان لى مثل أحد ذهبا.
رواته) ههنا كلمة معناها أن لا يسأل الناس شيئا - انتهى. والحديث أخرجه أحمد (ج ٥ ص ٢٧٥، ٢٧٧،٢٧٦
٢٧٩، ٢٨١) وابن ماجه والحاكم (ج ١ ص ٤١٢) والبيهقى (ج ٤ ص ١٩٧) وسكت عنه أبو داود والمنذرى
فى مختصر السنن. وقال فى الترغيب: اسناده صحيح وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
١٨٧٣ - قوله (دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى إلى المبايعة الخاصة كما يدل عليه أول الحديث.
قال أى أبو ذر بايعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا، وأوثقنى سبعا وأشهد الله على تسعا أن لا أخاف فى اللّه:
لومة لائم. قال أبو المثنى: أحد رواته. قال أن ذر: فدعانى رسول اللّه عَ لَّه فقال مل لك إلى بيعة ولك الجنة قلت
فعم وبسطت يدى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو يشترط على الخ، (وهو يشترط على) أى والحال أنه.
يقول لى على جهة الاشتراط أبايعك على (أن لا تسأل الناس شيئا) بفتح اللام وكسرها وعلى الأول أكثر
النسخ. قال الطيبي: ان مفسرة داخلة على النهى لما فى يشترط من معنى القول. قيل: ويحتمل أن تكون مصدرية كذا
فى المرقاة (قلت نعم) أى بايعتك على ذلك (قال) أى النبي ◌ُ ◌ّه البالغة (ولا سوطك) أى ولا تسأل أحداً
أن يناوله لك (إن سقط منك حتى تنزل اليه فتأخذه) أى بنفسك وهذا مبالغة فى النهى عن السؤال وحسم لمادته
وإن لم يكن من السؤال المحرم (رواه أحمد) (ج ٥ ص ١٧٢) وفى رواية له (ج ٥ ص ١٨١) إن النبي حَو ◌ّه
قال ستة أيام ثم أعقل يا أباذر ما أقول لك بعد. فلما كان اليوم السابع، قال أوصيك بتقوى الله فى سر أمرك
وعلانيته وإذا أسات فأحسن ولا تسألن أحدا شيئا وان سقط سوطك، ولا تقبض أمانة. قال المنذرى فى الترغيب
والهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ٣ ص ٩٣) رجاله ثقات .
(باب الانفاق وكراهية الإمساك) الانفاق اخراج المال من اليد، يقال أنفق المال أى صرفه وأنفده.
وكل ما فاءه نون وعينه فاء، فهو دال على معنى الذهاب والخروج نحو نفر، ونفس ونفح ونفث ولفى ونفع
وأمثالها والامساك البخل .
١٨٧٤ - قوله (لو كان لى مثل أحد) بضمتين جبل معروف بالمدينة (ذهبا) تمييز لمثل وفى رواية مسلم.
٢٨١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
ليسرنى أن لا يمر على ثلاث ليال، وعندى منه شىء، إلا شىء أرصده لدين. رواه البخارى.
١٨٧٥ - (٢) وعنه، قال: قال رسول اللّه عَّه: ما من يوم يصبح
ما يسرنى أن لى أحدا ذهبا، وفى رواية للبخارى فما أبصر أحداً قال ما أحب أنه تحول لى ذهباً يمكث عندى منه
دينار فوق ثلاث. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين قوله مثل أحد وبين قوله تحول لى أحد بحمل المثلية على شىءيكون
وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إذا انقلب ذهبا كان قدر وزنه أيضا (السرنى) باللام قبل السين
جواب لوأى أعجبنى وجعلنى فى سرور (أن لا يمرعلى) وفى رواية أن لا تمر بى (ثلاث ليال) قيل قيد بالثلاث لأنه
لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب فى أقل منها غالبا ويعكر عليه رواية يوم وليلة ، فالأولى أن يقال الثلاثة أقصى
ما يحتاج اليه فى تفرقة مثل ذلك والواحدة أقل ما يمكن (وعندى منه شىء) قال ابن الملك الراو فيه للحال يعنى
لسرنى عدم مرور ثلاث ليال والحال أن يكون فيها شىء منه عندى، والنفى فى الحيفقة راجع إلى الحال (إلا شىء)
وفى رواية إلا شيئا بالنصب ، قال الطبي: وجه الرفع إن قوله ((شىء)) فى حيز النفى أى لسرتى أن لا يبقى منه شيء
إلا شئ - انتهى. ووجه النصب إن المستثنى منه مطلق عام، والمستثنى مقيد خاص ووقع تفسير شىء فى رواية
بدينار (أرصده) بضم الهمزة وكسر الصاد أى أعده وأحفظه (لدين) بفتح الراء أى لأداء دين لأن قضاء الدين
وأجب فهو مقدم على الصدقة المندوبة، وهذا الارصاد أعم من أن يكون لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذه
أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى. قال القارى: قوله ((لدين)) أى لأداء دين كان على لأن أداء الدين
مقدم على الصدقة، وكثير من جهلة العوام وظلمة الطعام يعملون الخيرات والمبرات، وعلهيم حقوق الخلق
ولم يلتفتوا اليها ، وكثير من المتصوفة غير العارفة يجتهدون فى الرياضات وتكثير الطاعات والعبادات وما يقومون
بما يجب عليهم من الديانات - انتهى. وفى الحديث الحث على الانفاق فى وجوه الخيرات وأنه صلى الله عليه وسلم
كان فى أعلى درجات الزهد فى الدنيا بحيث أنه لا يحب أن يبقى فى يده شىء من الدنيا إلا لا نفاقه فيمن يستحقه.
وأما لايرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقييده فى رواية بقوله أجد من يقبله ويؤخذ منه
جوازتأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد من يستحق أخذها، وينبغى لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر
الواجب من ماله، ويجتهد فى حصول من يأخذه، فإن لم يجد فلا حرج عليه، ولا ينسب إلى تقصير فى حبسه .
وفيه تقديم وفاء الذين على صدقة التطوع، وفيه جواز الاستقراض، وفيه الحث على وفاء الديون، وأداء
الأمانات (رواه البخاوى) فى الرقاق بهذا اللفظ، وأخرجه أيضا فى الاستقراض وفى التمنى نحوه، وأخرجه
أحمد (ج ٢ ص ٢٥٦ - ٣١٦) ومسلم أيضا فكان على المصنف أن يقول متفق عليه.
١٨٧٥- قوله (ما من يوم) ((ما)) نافية و((من)) زائدة لتأكيد الاستغراق والمعنى ليس يوم (يصبح
٢٨٢
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب لانفاق وكراهية الامساك
العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط
مسكا تلفا. منفق عليه .
العباد فيه) صفة يوم ( إلا ملكان) مبتدأ خبره (ينزلان) أى فيه وهذه الجملة مع ما يتعلق بها فى محل الخبر وهو
مستثنى من محذوف أى على وجه إلا هذا الوجه كذا فى المرقاة. وقال القسطلانى ((ما)) بمعنى ليس و«يوم)) اسمه
و((من)) زائدة و((يصبح العباد)) صفة ((يوم)) وملكان مستثى من محذوف وهو خبر ما أى ليس يوم موصوف
بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان ، حذف المستثنى منه ودل عليه بوصف الملكين ينزلان (فيقول أحدهما )
الخقال السندى: لا فائدة فى هذا القول على تقدير عدم سماع الناس ذلك، اذ لا يحصل به ترغيب ولا ترهيب
بدون السماع ، لأنا نقول تبليغ الصادق يقوم مقام السماع فينبغى للعاقل أن يلاحظ كل يوم هذا الدعاء بحيث كأنه
يسمعه من الملكين فيفعل بسبب ذلك ما لو سمع من الملكين لفعل. وهذا هو فائدة اخبار النبى صلى الله عليه وسلم
بذلك على أن المقصود بالذات الدعاء لهذا، وعلى هذا سواء علموا به أم لا، والله تعالى أعلم ( اللهم أعط)
بقطع همزة أعط (منفقا) أى منفق مال. وقيل: أى من ينفق من محله فى محله (خلفا) بفتح اللام أى عوضا عظيما
وهو العوض الصالح أو عوضا فى الدنيا وبدلا فى العقبى لقوله تعالى: {وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه - سبا: ٣٩)
وقوله ابن آدم أنفق أنفق عليك، قيل أبهم الخلف لتتناول المال والثواب وغيرهما، فكم من منفق مات
قبل أن يقع له الخلف المالى، فيكون خلفه الثواب المعدله فى الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك
(ويقول) الملك (الآخر اللهم أعط ممسكا) أى من يمسك عن خيره لغيره (تلفا) بفتح اللام أى هلا كا وضياءا
زاد ابن أبى حاتم من حديث أبى الدراده فأنزل الله تعالى فى ذلك ﴿ فأما من أعطى واتقى إلى قوله العسرى -
الليل: ٥) وقوله اللهم أعط ممسكا تلفا هو من قبيل المشاكلة لأن التلف ليس بعطية. قال الحافظ: تضمنت
الآية الوعد بالتيسير لمن ينفق فى وجوه البر، والوعيد بالتعبير لعكسه والتيسير المذكور أعم من أن يكون لأحوال
الدنيا ولأحوال الآخرة، وكذا دعاء الملك بالخلف يحتمل الأمرين، وأما الدعاء بالتلف فيحتمل تلف ذلك المال
بعينه، أو تلف نفس صاحب المال أو المراد به فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها. قال النووى: الانفاق الممدوح
ما كان فى الطاعات، وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك بحيث لا يذم ولا يسمى سرفا والامساك المذموم
الإمساك عن هذا. وقال القرطبى: هو يعم الواجبات والمندوبات لكن الممسك عند المندوبات لا يستحق هذا
الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه باخراج الحق الذى عليه ولو أخرجه (متفق عليه)
وأخرجه ابن حبان والطبرانى بنحوه كما فى الترغيب. وفى الباب عن أبى الدرداء عند أحمد وابن حبان
والحاكم والبيهقى.
٢٨٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
١٨٧٦ - (٣) وعن أسماء، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انفقى ولا تحصى فيحصى الله
عليك ، ولا توعى، فيوعى الله عليك ارضخى ما استعطت .
١٨٧٦ - قوله (وعن أسماء) بنت الصديق الأكبر (قالت قال) لى (رسول اللّه ◌َ لّم الفقى) بهمزة قطع
وكسر فاء (ولا تحصى) بضم أوله وكسر الصاد صيغة نهى المؤنث من الاحصاء ، أى لا تعدى ما أنفقته فتستكثريه
(فيحصى الله عليك) بنصب فيحصى مع كسرصاده جواب النهى أى حتى يعطيك الله أيضاً بحساب ولا يرزقك من
غير حساب. والمراد التعليل، وقيل معناه ولا تبقى شيئا للادخارفان من أبقى شيئا احصاه وقوله ((فيحصى الله عليك)»
أى فيقل الرزق عليك بقطع البركة ومنع الزيادة ويجعله كالشىء المعدود أو فيحاسبك عليه فى الآخرة . قال الطيبي:
أصل ((الاحصاء)) الاحاطة بالشىء حصرا وتعداد أى معرفة قدره وزنا أو عددا والمراد به مهنا عد الشىء للتبقية
والقنية وإدخاره للاعتداد به وترك الانفاق منه فى سبيل الله، واحصاء اللّه تعالى يحتمل وجهين، أحدهما أنه يحيس
عنك مادة الرزق ويقلله بقطع البركة حتى يصير كالشىء المعدود، والآخر أنه يحاسبك ويناقشك عليه فى الآخرة.
وقال النووى: هذا من مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كما قال تعالى ﴿ومكروا ومكر الله -آل عمران: ٥٤) ومعناه يمنعك
كما منعت ويقتر عليك كما قترت ويمسك فضله عنك كما أمسكته (ولا توعى) بعين مهملة من أو عبت المتاع فى الوعاء
أوعيه إذا جعلته فيه ووعيت الشىء حفظته والمراد لازم الايعاء وهو الامساك (فيوعى الله عليك) بضم التحتية
وكسر العين والنصب لكونه جوابا للنهى مقرونا بالفاء، واسناده إلى اللّه مجازعن الامساك أى لا تجمعى فى الوعاء
وتبخلى بالنفقة فتجازى بمثل ذلك. وقال الخطابي: لا توعى أى لا تخبئى الشىء فى الوعاء أى لأن مادة الرزق متصلة
باتصال النفقة منقطعة بانقطاعها فلا تمنعى فضلها فتحرمى مادتها وفى رواية لا توكى فيوكى الله عليك بالكاف بدل
العين فيهما ، والايكاء شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط، الذى يربط به، يقال أوكى ما فى سقاءه إذا شده
بالوكاء، وهو الخيط الذى يشد له رأس القربة، وأوكى علينا أى بخل أى لا توكى مالك عن الصدقة. خشية نفاده
ولا تمنعى ما فى يدك، وتدخرى فتنقطع مادة الرزق عنك. وفيه أن السخاء يفتح أبواب الرزق والبخل بخلافه
قال النووى: معنى الحديث الحث على النفقة فى الطاعة والنهى عن الامساك والبخل (إرضخى) من باب فتح
والرضخ براء وضاد معجمة وغاء كذلك العطية القليلة أى أعطى وأنفقى من غير أحجاف. وقيل أى أعطى شيئا
وإن كان يسيرا، يقال رضخه أعطاه عطاء غير كثير أو قليلا من كثير ( ما استطعت) أى ما دمت مستطيعة
قادرة على الرضخ فما ظرفية أى مدة استطاعتك، أو موصولة أى الذى استطعته، أو نكرة موصوفة أى شيئا
استطعته. قال النووى: معناه مما يرضى به الزبير ، وتقديره إن لك فى الرضخ مراتب مباحة بعضها فوق بعض
وكلها يرضاها الزبير فافعلى أعلاها أو يكون معناه ما استطعت مما هو ملك لك. وقال ابن الملك: وإنما أمرما
٢٨٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
متفق عليه .
١٨٧٧ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال تعالى أنفق يا ابن
آدم! أنفق عليك .
١٨٧٨ - (٥) وعن أبى أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن آدم! إن تبذل
الفضل ، خير لك. وإن تمسكه ، شرلك .
◌َّ بالوضخ لما عرف من حالها انها لا تقدر تتصرف فى مالها ولا فى مال زوجها بغير إذنه إلا فى الشيء اليسير
الذى جرت العادة فيها بالتسامح من قبل الأزواج كالكسرة والتمرة والطعام الذى يفضل فى البيت ولا يصلح
للادخار لتسارع الفساد اليه أو فيما سيق اليها من نفقتها وحصتها، ولهذا كانت تستفتيه فيما ادخل عليها الزبير.
وفى صحيح مسلم إن اسماء جاءت النبي ◌َّم فقالت يا بنى الله! ليس لى شىء إلا ما ادخل على الزبير فهل على جناح
إن ارضخ ما يدخل على، فقال: أرضخى ما استطعت ولا توعى فيوعى الله عليك. قال النووي: هذا محمول على
ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها أو ما هو ملك الزبير ولا يكره الصدقة منه بل يرضى بها على عادة
غالب الناس (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة والهبة، ومسلم فى الزكاة واللفظ للبخارى، وأخرجه أيضا أحمد
والترمذى وأبو داود والنسائى والبيهقى .
١٨٧٧ - قوله (أنفق) بفتح الهمزة وكسر الفاء مجزوم على الأمر أى على عباد الله، وفى ترك تقييد
النفقة بشىء معين ما يرشد إلى أن الحث على الانفاق يشمل جميع أنواع الخير (أنفق عليك) بضم الهمزة وكسر
الفاء مجزوم جوابا بصيغة المضارع أى أعطك خلفه بل أكثر منه أضعافا مضاعفة وهو معنى قوله تعالى: ﴿ر وما أنفقتم
من شىء فهو يخلفه سبا -: ٣٩) فيتضمن الحث على الانفاق يعنى فى وجوه الخير والتبشير بالخلف من فضل الله
تعالى (متفق عليه) هذا طرف من حديث طويل أخرجه البخارى فى تفسير سورة هود، ومسلم فى الزكاة وأخرجه
البخارى أيضا مقتصرا على هذا القدر ، فى باب يريدون أن يبدلوا كلام اللّه من كتاب التوحيد، وهو من
الأحاديث القدسية وقد أخرجه أحمد (ج ٢ ص ٣١٤) والبيهقى أيضاً .
١٨٧٨ - قوله ( يا ابن آدم إن تبذل) بضم الذال المعجمة وفى مسلم يا ابن آدم إنك إن تبذل (الفضل).
هو ما زاد على قدر الحاجة، ((وإن)) مصدرية مع مدخولها مبتدأ خبره (خير لك) أى بذل الزيادة على قدر
الحاجة خير لك فى الدنيا والآخرة (وإن تمسكه) أى إمساك ذلك الفضل ومنعه (شر لك) أى عند الله وعند
٢٨٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول. رواه مسلم.
١٨٧٩ - (٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل البخيل والمتصدق
كمثل رجلين، عليهما جنتان من حديد.
الناس. قال النوى: قوله ((إنك إن تبذل الفضل» الخ هو بفتح همزة أن ومعناه إن بذلت الفاضل عن حاجتك
وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه ، وإن أمسكته فهو شرلك لأنه إن امسك عن الواجب استحق العقاب عليه،
وإن أمسك عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه فى آخرته وهذا كله شر ( ولا تلام على كفاف)
بفتح الكاف وهو من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس وأغنى عنهم . وقيل : الكفاف ماكف عن الحاجة
الى الناس مع القناعة ، لا يزيد على قدر الحاجة أى لا تذم على إمساك كفاف، وحفظه يعنى إن حفظت من مالك
قدر حاجتك لا لوم عليك وإن حفظت ما فضل على قدر حاجتك فأنت بخيل ، والبخيل ملوم ، قال النوى : معنى
قوله ((لا تلام على كفاف)) إن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه فى حفظه وإمساكه، وهذا اذا لم يتوجه فى الكفاف
حق شرعى كمن كان له نصاب زكوى، ووجبت الزكاة بشروطها وهو يحتاج الى ذلك النصاب لكفافه، وجب عليه
إخراج الزكاة ويحصل كفايته من جهة مباحة (وأبدأ) أى ابتدأ فى إعطاء الزائد على الكفاف (بمن تعول) أى بمن
مونه ويلزمك نفقته. يقال عال الرجل عياله يعولهم اذا قام بما يحتاجون اليه من قوت كسوة أى إبدأ فى إنفاق الفضل
(أى ما يزيد على ما يحصل منه الكفاف) بعيالك ووسع عليهم أولا زيادة على نفقتهم الواجبة والمقصود إن العيال
والقرابة أحق من غيرهم؟ وفيه الابتداء بالأهم فالأهم ( رواه مسلم ) فى الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد والترمذى فى
الزهد والبيهقى (ج ٤ ص ١٨٢).
١٨٧٩ - قوله (مثل البخيل والمتصدق) وفى رواية المنفق اى صفتهما (جنتان) بضم الجيم وتشديد النون
تثنية جنة، وهو كل ما وقى الانسان واجنه وأحصنه، والمراد به هنا الدرع. وقيل: الجنة فى الأصل الحصن ،
وسميت بها الدرع لأنها تجن صاحبها أى تحصنه، وقوله ((جنتان)) هكذا وقع فى جميع النسخ الحاضرة بالنون،
وكذا فى المصابيح، وكذا فى جامع الأصول، وكذا نقله المنذرى فى الترغيب، وهكذا فى صحيح مسلم ، وهى
رواية ابراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن طاؤس عن أبى هريرة. ووقع عند البخارى فى هذه الرواية جبتان
بالباء المؤحدة تثنية جبة، وهو اللباس المعروف . ويظهر من كلام الحافظ فى الزكاة إن المحفوظ فى هذه الرواية
بالموحدة ومن رواه فيها بالنون فقد صحف. ورجحت رواية النون لقوله من حديد ولقوله قلصت وأخذت
كل حلقة بمكانها . قال الحافظ: ولا مانع من إطلاق الجبة بالباء على الدرع. وقال السندى: إطلاق الجبه بالباء
٢٨٦
i
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦- كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
قد اضطرت أيديهما الى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة، إنبسطت عنه. وجعل
البخيل كلما هم بصدقة، قلصت وأخذت، كل حلقة بمكانها .
على الجنة بالنون مجازاً غير بعيد ، فينبغى أن يكون الجنة بالنون هو المراد فى الروايتين (قد اضطرت أيديهما)
قال الفسطلانى: بفتح الطاء ونصب التحتية الثانية من أيديهما عند أبى ذر على المفعولية ولغيره بضم الطاء وسكون
التحتية مر فوع نائب عن الفاعل. وقال القارى: بضم الطاء أى شدت وضمت والصقت، وفى نسخة بفتح الطاء ونصب
أيديهما على أن ضمير الفعل الى جنس الجنة المفهوم من التثنية (إلى ثديهما) بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد
المثناة النحقية جمع ثدى بفتح فسكون (وتراقيهما) بفتح مثناه فوق وكسر قاف جمع ترقوة بفتح التاء المثناة وسكون
الراء وضم القاف وفتح الواو ، وهما العظمان المشرفان فى أعلى الصدر من رأس المنكبين الى طرف ثغرة النحر
(لجعل) أى طفق (المتصدق كلما تصدق) أى هم يتصدق بصدقة (إنبسطت) أى انتشرت الجنة واتسعت وسبغت
(عنه ) أى عن المتصدق زاد فى رواية حتى تغشى أنا مله (بفتح الشين المعجمة أى تسترها) وتعفو أثره (بنصب
الراء أى تستر أثره، ويقال عفا الشىء وعفوته أنا، لازم ومتعد، ويقال عفت الدار اذا غطاها النراب. والمعنى
إن الصدقة تستر خطاياه كما يغطى الثوب الذى يجر على الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه) .
(هم بصدقة) أى قصد اليها (قلصت) بالقاف واللام المخففة والصاد المهملة المفتوحات أى انضمت وانجمعت
وانقبضت جنته عليه (وأخذت كل حلقة) بسكون اللام من الجنة ( بمكانها) يعنى اشتدت والتصقت الحلق بعضها
ببعض ، والباء زائدة. قال التوربشتى: معنى الحديث إن الجواد الموفق اذا هم بالصدقة اتسع لذلك صدره
وطاوعته نفسه انبسطت بالبذل والعطاء يداه كالذى لبس درعا فاسترسات عليه، وأخرج منها يديه فانبسطت حتى
خلصت الى ظهور قدميه فاجنته وحصنتة، وإن البخيل اذا أراد الانفاق حرج به صدره واشمأزت عنه نفسه،
والقبضت عنه يداه كالذى أراد أن يستجن بالدرع وقد غلت يداه الى عنقه لحال ما ابتلى به بينه وبين ما يبتغيه
فلا يزيده لبسها إلا ثقلا، ووبالا والتزاماً فى العفق والتواء وأخذاً بالبرقوة - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: قال
الخطابى وغيره: وهذا مثل ضرب النبى صلى الله عليه وسلم للبخيل والمتصق فشبهما برجلين أراد كل واحد منهما
أن يلبس درعا يستقر به من سلاح عدوه فصبها على رأسه ليلبسها، والدروع أول ما تقع على الصدر والثديين الى
أن يدخل الانسان يديه فى كميها ، جعل المنفق كمن لبس درعا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه ، وهو
معنى قوله حتى تعفو أثره أى تستر جميع بدنه، وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه الى عنقه كلما أراد ليها
اجتمعت فى عنقه فلزمت ترقوته ، وهو معنى قوله قلصت أى تضامت واجتمعت. والمراد إن الجواد اذاهم
بالصدقة إنفسخ لها صدره وطابت نفسه فتوسعت فى الانفاق أى وطاوعت يداه بالانفاق فامتدتا بالعطاء، والبخيل
٢٨٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
متفق عليه.
١٨٨٠ - (٧) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: اتقوا الظلم، فإن الظلم
ظلمات يوم القيامة ،
اذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه فضاق صدره والقبضت يداه ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولاتك هم المفلحون
الحشر: ٩) - انتهى. وقال الطبى: أوقع المتصدق مقابل البخيل، والمقابل الحقيقى السخى إيذانا بأن
السخاء ما أمر به الشرع وندب اليه من الانفاق لا ما يتعافاه المبذرون، وخص المشبه بهما بلبس الجبتين من
الحديد إعلاماً بأن الشح والقبض من جبلة الانسان وخلقته، وإن السخاء من عطاء الله وتوفيقه منحه من يشاء من
عبادة المفلحين. وخص اليد بالذكر لأن السخى والبخيل يرصفان ببسط اليد وقبضها ، فاذا أريد المبالغة فى البخل
قيل مغلولة يده الى عنقة وثديه وتراقيه. وإنما عدل عن الغل الى الدرع لنصور معنى الانبساط والنقلص
والأسلوب من التشبيه المفرق شبه السخى الموفق، اذا قصد التصدق يسهل عليه ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع ،
ويده تحت الدرع. فاذا أراد أن يخرجها منها وينزعها يسهل عليه والبخل على عكسه ـ انتهى. وقال المنذرى:
شبه نعم الله تعالى ورزقه بالجنة وفى رواية بالجبة فالمنفق كلما انفق إنسعت عليه النعم وسبغت ووفرت حتى تستره
ستراً كاملا شاملا. والبخل كما أراد أن ينفق منعه الشح والحرص وخوف النقص فهو بمنعه يطلب أن يزيد
ما عنده، وإن تتسع عليه النعم فلا تتسع ولا تستر منه ما يروم ستره والله سبحانه أعلم - انتهى. وزاد فى رواية
بعد قوله كل حلقة بمكانها ((قال أى أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعه فى جيبه فلو
رأيته يوسعها ولا تتوسع)). قال النووى: وفى هذا دليل على لباس القميص وكذا ترجم عليه البخارى باب جيب
القميص من عند الصدر لأنه المفهوم من لباس النبى مؤلفه فى هذه القصة مع أحاديث أخرى صحيحة وردت فى ذلك.
قال الحافظ نقلا عن ابن بطال: وموضع الدلالة منه إن البخيل اذا أراد إخراج بده أمسكت فى الموضع الذى
ضاق عليها وهو الثدى والتراقى وذلك فى الصدر ، قال فبان إن جيبه كان فى صدره لأنه لو كان فى يده لم تضطر
يداه الى ثديبه وتراقيه. ( متفق عليه ) أخرجه البخارى بهذا اللفظ فى باب جيب القميص من عند الصدر وغيره
من كتاب اللباس ، ومسلم فى الزكاة وأخرجه البخارى أيضاً فى الزكاة وفى الجهاد وفى الطلاق، وأحمد فى مواضع
منها فى (ج ٢ ص ٢٤٥ - ٢٤٦) والنسائى والبيهقى فى الزكاة .
١٨٨٠ - قوله (اتقوا الظلم) الذى هو مجاوزة الحد والتعدى على الخلق (فان الظلم) فى الدنيا (ظلمات)
على صاحبه (يوم القيامة) فلا يهتدى بسببها يوم يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبإيمانهم فالظلمة حسية محمولة على
٢٨٨
1
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٠٠
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم.
رواه مسلم.
١٨٨١ - (٨) وعن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا، فانه يأتى
علیکم زمان
ظاهرها . وقيل: معنوية يعنى إن المراد بالظلمات الشدائد وبه فسروا قوله تعالى: ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر
والبحر - الأنعام: ٦٣) أى شدائدهما، ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات (واتقوا الشح) مثلث الشين
قيل: الشح أشد البخل وأبلغ فى المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص لكنز المال وإدخاره. الشح بخل
الرجل بما فى يد غيره كان رأى إنسانا يتصدق فقال له لا تفعل ذلك فإنه يذهب مالك فتصير فقيرا أحرص على
حفظ مالك ينفعك، والبخل هو المنع من مال نفسه. وقيل: البخل يكون فى المال والشح يكون فيه وفى غيره من
معروف أو طاعة. وقيل : الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده (فان الشح أهلك من كان قبلكم) من
الأمم فداءه قديم وبلاءه عظيم . قال القاضى: يحتمل أن هذا الهلاك، «والهلاك الذى أخبر عنهم به فى الدنيا بأنهم
سفكوا دماءهم، ويحتمل أنه هلاك الآخرة، وهذا الثانى أظهر، ويحتمل أنه أهلكهم فى الدنيا والآخرة (حملهم على أن
سفكوا دماءهم) أى إسألوها بقتل بعضهم بعضا حرصا على استئثار المال (واستحلوا محارمهم) أى ما حرم الله من
أموالهم وغيرها . وقال الطيبي: إنما كان الشح سببا لذلك لأن فى بذل المال ومواساة الاخوان التحاب والتواصل،
وفى الامساك والشح التهاجر والتقاطع وذلك يؤدى إلى التشاجر والتعادى من سفك الدماء، واستباحة المحارم
من الفروج والاعراض والأموال وغيرها - انتهى. (رواه مسلم) فى البر والصلة وأخرجه أيضا أحمد والبخارى
فى الأدب المفرد .
١٨٨١ - قوله (وعن حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة (بن وهب) بفتح الواو وسكون الهاء الخزاعى أخى
عبد الله بن الخطاب لامه (تصدقوا) أى اغتنموا التصدق عند وجود المال وعند حصول من يقبله وأقبلوا منة
الفقير فى أخذه منكم ، فالمعنى تصدقوا قبل أن لا تتصدقدا على سنن حجوا قبل أن لا تحجوا. قاله القارى. فإن قيل:
إن من أخرج صدقته مثاب على نيته ، وإن لم يجد من يقبلها ، فالجواب إن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل
والناوى يثاب ثواب الفضل فقط. والأول أرجح (فانه يأتى عليكم) وفى رواية، فسيأتى والخطاب لجنس الأمة
والمراد بعضهم (زمان) أى قرب الساعة وهو زمان المهدى ونزول عيسى عليه السلام ، وقيل: هو زمان ظهور
أشراط الساعة كما ورد لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقة وحتى
٢٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
يمشى الرجل بصدقته، فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم
فلا حاجة لى بها. متفق عليه.
١٨٨٢ - (٩) وعن أبى هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله! أى الصدقة أعظم أجرا. قال:
إن تصدق
يعرضه، فيقول الذى يعرضه عليه لا إرب لى فيه ( يمشى الرجل ) أى الانسان فيه. (بصدقته) أى يذهب بها وجملة
((يمشى)) فى محل رفع على أنها صفة لزمان ، والعائد محذوف أى فيه (فلا يجد من يقبلها) قال النووى : سبب عدم
قبولهم الصدقة فى آخر الزمان لكثرة الأموال وظهور كنوز الأرض ووضع البركات فيها كما ثبت فى الصحيح
بعد هلاك يأجوج ومأجوج (وهوزمان المهدى ونزول عيسى عليه السلام) وقتله آمالهم وقرب الساعة وعدم
إدخارهم المال وكثرة الصدقات . وقال القسطلانى: وهذا إنما يكون فى الوقت الذى يستغنى الناس عن المال فيه
الاشتغالهم بأنفسهم عند الفتنة فلا يلوون على الأهل فضلا عن المال ، وهذا فى زمن الدجال ، أو يكون ذلك لفرط
الأمن والعدل البالغ بحيث يستغنى كل أحد بما عنده عما عند غيره . وهذا يكون فى زمن المهدى وعيسى، ويحتمل
أن يكون إشارة إلى ما وقع فى زمن عمر بن عبد العزيز وبه جزم البيهقى ، فلا يكون من أشراط الساعة وفى تاريخ
يعقوب بن سفيان من طريق يحيى بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال لا، والله ما مات
عمر بن عبد العزيز حتى قعد الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول اجعلوا هذا حيث ترون فى الفقراء فما يبرح حتى
يرجع بماله فتذكر من نضعه فيه فلا تجده فيرجع فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس . وسبب ذلك بسط عمر بن
عبد العزيز العدل وإيصال الحقوق إلى أهلها حتى استغنوا، كذا ذكره فى السراج المنير، ورجح الحافظ هذا
الأخير إذ قال وهذا أرجح. لأن الذى رواه عدى بن حاتم ثلاثة أشياء أمن الطريق والاستيلاء على كنوز كسرى
وفقد من يقبل الصدقة من الفقراء. فذكر عدى إن الأولين وقعا وشاهدهما ، وإن الثالث سيقع فكان كذلك
لكن بعد «وت عدى فى زمن عمر بن عبد العزيز، وسبيه بسط العدل وايصال الحقوق لأهلها، حتى استغنوا. وأما
فيض المال الذى يقع فى زمن عيسى عليه السلام، فسببه كثرة المال وقلة الناس واستشعارهم بقيام الساعة - انتهى.
(يقول الرجل ) أى الذى يريد المتصدق أن يعطيه اياها (لوجئت بها) أى بالصدقة (بالأمس) أى قبل ذلك من
الزمن الماضى حال فقرى (لقبلتها فأما اليوم) أى الآن (فلا حاجة لى بها) وفى رواية فيها. وفى الحديث الحث على
الصدقة والمبادرة والاسراع بها واغتنام إمكانها قبل تعذرها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة وفى الفتن،
ومسلم فى الزكاة ، واللفظ للبخارى وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٣٠٦) والنسائى.
١٨٨٢ - قوله (قال رجل) قال الحافظ: لم أقف على تسميته (إن تصدق) بتخفيف الصاد أى تتصدق.
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى. ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم. قلت: لفلان
كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان.
التاءين حذفت إحداهما خفيفا، ويحتمل أن يكون بتشديد الصاد والدال جميعا، وأصله تتصدق فأبدات إحدى
التائين صادا، وأدغمت الصاد فى الصاد، وهى فى موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف أى هى تصدقك أو أعظم
الصدقة أجرا إن تصدق (وأنت صحيح) جملة اسمية وقعت حالا. والمراد بالصحيح فى هذا الحديث من لم يدخل
فى مرض مخوف كذا قيل (شحيح) خبر بعد خبر أى من شأنه الشح الحاجة إلى المال. وقال ابن الملك: قوله
(((شحيح)) تأكيد وبيان للصحيح لأن الرجل فى حال صحته يكون شحيحا، وفى رواية: وأنت صحيح حريص
(يخشى الفقر) أى بصرف المال خبر بعد خبر أو حال بعد حال أو استئناف بيان قاله القارى: والمراد أن
تقول فى نفسك لا تتلف مالك كيلا قصير فقيرا فتحتاج إلى الناس (وتأمل) بضم الميم من قصر (الغنى) أى ترجوه
وقطمع فيه يعنى وتقول أترك مالك فى بيتك لتكون غنيا ويكون لك عز عند الناس بسبب غناك (ولا تمهل) من
الامهال وهو بالنصب عطفا على تصدق أو بالجزم على النهى أو بالرفع على أنه خبر أى ولا تؤخر الصدقة أى ولا تمهل
نفسك (حتى اذا بلغت) أى الروح (الحلقوم) بضم الحاء المهملة مجرى النفس، والمراد قاربت بلوغه اذ لو بلغته
حقيقة لم تصح وصيته ولا صدقته ولا شىء من تصرفاته باتفاق الفقهاء، ولم يجر للروح ذكر اغتناء بدلالة السياق
( لفلان ) كناية عن الموصى له (كذا) كناية عن الموصى به، والجملة مبتدأ وخبر (وقد كان لفلان) أى
الوارث قيل: جملة حالية أى وقد صار المال الذى تتصرف فيه فى هذه الحالة ثلثاه حقا للوارث وأنت تتصدق
بجميعه فكيف يقبل منك . وقال القسطلانى: أى وقد صار ما أوصى به للوارث فيبطله إن شاء اذا زاد على الثلث،
أو أوصى به لوارث آخر. وقيل: المعنى أنه قد خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من التصرف،
فليس له فى وصيته كبير ثواب وكثير فضل بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح ، وحاصل معنى الحديث أفضل
الصدقة إن تتصدق فى حال صحتك ، واختصاص المال بك وشح نفسك ، بأن تقول لا تتلف مالك كيلا قصير فقيرا
لا فى حال سقمك وسباق موتك، لأن المال حينئذ خرج عنك وتعلق بغيرك يعنى أعظم الصدقة أجرا إن تصدق حال
حياتك مع احتياجك اليه . فان الصدقة فى هذه الحالة أشد مراغمة للنفس، لأن فيه مجاهدة النفس على اخراج
المال الذى هو شقيق الروح مع قيام مانع الشح، وليس هذا إلا من قوة الرغبة فى القربة وصحة العقد فكان أفضل
وأعظم أجرا من غيره. وقال الخطابي: معنى الحديث إن الشح غالب فى حال الصحة فإذا سمح فيها وتصدق كان
أصدق فى نيته وأعظم لأجره بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره فان صدقته
حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح، ورجاء البقاء وخوف الفقر . قال: وفيه دليل على أن المرض يقصر
٢٩١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك.
متفق عليه .
١١٨٣ - (١٠) وعن أبى ذر، قال: إنتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى ظل الكعبة
فلما رأنى قال هم الأخسرون ورب الكعبة، فقلت: فداك أبى وأمى من هم الأكثرون أموالا،
إلا من قال
يد المالك عن بعض ملكه، وإن سخاوته بالمال فى مرضه لا تمحو عنه سمة البخل، ولذلك شرط أن يكون صحيح
البدن شحيحا بالمال يجد له وقعا فى قلبه لما يأمله من طول العمر، ويخالف من حدوث الفقر. قال الحافظ: وفى
الحديث أن تنجيز وفاء الدين والتصدق فى الحياة وفى الصحة أفضل منه بعد الموت وفى المرض، وأشار صلى الله
عليه وسلم إلى ذلك بقوله وأنت صحيح حريص تأمل الغنا إلى آخره، لأنه فى حال الصحة يصعب عليه اخراج المال
غاليا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر. والحاجة إلى المال كما قال تعالى: ﴿الشيطان يعدكم
الفقر - البقرة: ٢٦٨ ) الآية وأيضا فإن الشيطان ربما زين له الحيف فى الوصية أو الرجوع عن الوصية فيمحض
تفضيل الصدقة الناجزة. قال بعض السلف عن بعض أهل الترف يعصون الله تعالى فى أموالهم مرتين يبخلون بها
وهى فى أيديهم، يعنى فى الحياة ويسرفون فيها اذا خرجت عن أيديهم يعنى بعد الموت، وأخرج الترمذى باسناد حسن
وصححه ابن حبان عن أبى الدرداء مرفوعا قال مثل الذى يعتق ويتصدق عند موته مثل الذى يهدى اذا شبع وهو
يرجع إلى معنى حديث الباب. وروى أبو دواد وصححه ابن حبان من حديث أبى سعيد الخدرى مرفوعا لأن يتصدق
الرجل فى حياته وصحته بدرهم خير له، من أن يتصدق عند موته بمائة - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخارى فى
الزكاة وفى الوصايا، ومسلم فى الزكاة، وأخرجه أيضا أحمد (ج٢ ص ٢٣١، ٢٥٠) وابن ماجه فى الوصايا، والنسائى
فيه وفى الزكاة والبيهقى وغيرهم .
١٨٨٣ - قوله ( هم الأخسرون ) هم ضمير عن غير مذكور لكن يأتى تفسيره وهو قوله هم الأكثرون
وفيه أنه يصح رجع الضمير الى الحاضر فى الذهن ثم تفسيره للخاطب اذا سأل عنه (ورب الكعبة ) الواو للقسم
(فداك أبى وأمى) بفتح الفاء لأنه ماض خبر بمضى الدعاء، ويحتمل كسر الفاء والقصر لكثرة الاستعمال أى يفديك
أبى وأمى وهما أعز الأشياء عندى قاله القارى. قال العراقى الرواية المشهورة بفتح الفاء والقصر على أنها جملة
فعلية، وروى بكسر الفاء والمد على الجملة الاسمية - انتهى. (من م) أى من الأخسرون الذين أجملتهم
( هم الأكثرون أموالا) قال القارى: لعل جمع التمييز لارادة الأنواع أولمقابلة الجمع بالجمع أى الآخرون مالا
هم الأكثرون ما لا. قال ابن الملك: يعنى من كان ماله أكثر خسرانه أكثر (إلا من قال) أى فعل بماله. والقول
٢٩٢
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم. متفق عليه .
﴿ الفصل الثانى )
١٨٨٤ - (١١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخى قريب من الله
قريب من الجنة، قريب من الناس ،
يطلق فى لسان العرب على الأفعال كلها . قال الطيبي: يقال قال بيده أى أشار، وقال بيده أى أخذ، وقال برجله أى
ضرب، وقال بالماء على يده أى صبه، وقال شوبه أى رفعه فيطلقون القول على جميع الأفعال إنساعا (هكذا
وهكذا وهكذا) أى إلا من تصدق بماله وبذله وزثره فى كل جانب فقوله: ((قال هكذا)) الخ كناية عن التصدق
العام فى جميع جهات الخير (من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله) هو بيان لقوله هكذا وهكذا وهكذا
واكتقى فى الاشارة بثلاثة مع أن الجوانب المذكورة أربعة اكتفاء. وقيل المراد بالثلاث الجمع لأنه أقل مراتب
الجمع ، ولذا قال ابن الملك أى الأمن تصدق به من جوانبه الأربع على المحتاجين، أى فليس من الخاسرين بل من
الفائزين، ويمكن أن يراد بالثلاث القدام والخلف وأحد الجانبين وهده رواية مسلم، وفى رواية البخاري وقع
هكذا وهكذا مرتين. فالمراد بها التكرير والتكثير. قال القارى. وقال فى الحديث بمعنى أشار بيده إشارة مثل
هذه الاشارة ومن بيان الاشارة، والأظهر أن يتعلق من بالفعل لمجىء عن، والتقدير مبتدأ من بين يديه، ومن
خلفه ومجاوزا عن يمينه وشماله (وقليل ماهم) جملة اسمية ((فهم)) مبتدأ مؤخر، ((وقليل)) خبره. وما زائدة
مؤكدة للقلة أو صفة يعنى ومن يفعل ذلك قليل. قال النووى: فى حديث الحث على الصدقة فى وجوه الخير
وأنه لا يقصر على نوع من وجوه البر، بل ينفق فى كل وجه من وجوه الخير يحضر، وهو المراد بالشارته مع الله
الى قدام ووراء والجانبين، وفيه جواز الحلف بغير تحليف، بل هو مستحب اذا كان فيه مصلحة كتوكيد أمر مهم
وتحقيقه ونفى المجاز عنه. (متفق عليه) واللفظ لمسلم أخرجه من طريق المعرور بن سويد عن أبى ذر وأخرجه
البخارى من طريق زيد بن وهب عن أبى ذر فى الاستقراض والاستئذان والرقاق. بلفظ الأكثرون هم الأقلون
الا من قال بالمال هكذا وهكذا، وأشار أبو شهاب (أحد رواته عند البخارى) بين يديه وعن يمينه وعن شماله
وقليل ما هم رواه بهذا اللفظ فى الاستقراض فى أثناء حديث ، وروى مسلم أيضا من طريق ابن وهب بنحوه،
وأخرجه أحمد من الطريقين ، والترمذى والنسائى من طريق المعرور بن سويد .
١٨٨٤ - قوله (السخى) هو الذى اختار رضا المولى فى بذله على الغنى (قريب من الله) أى من رحمته
(قريب من الجنة) بصرف المال وإنفاقه فيما ينبغى فالسخاء سبب موصل إلى الجنة (قريب من الناس) لأن السخى
٢٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
بعيد من النار. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. ولجاهل سنى
أحب إلى الله من عابد بخيل. رواه الترمذى.
يحبه جميع الناس، ولو لم يحصل لبعضهم نفع من سخاوته كمحبة العادل (بعيد من النار) هو لازم لما قبله من قوله
قريب من الجنة ( والبخيل ) هو الذى لا يؤدى الواجب عليه. وقيل: المراد بالسخاوة والبخل هنا أداء الزكاة
ومنعها. وقيل: المراد الاقصاف بهذين الخلقين مطلقا (بعيد من اللّه بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار).
معنى هذه الجملة ظاهر مما قبلها، والأشياء تتبين بأضدادها. قال العلقمى: من أدى زكاة ماله فقد امتثل أمر الله
وعظمه وأظهر الشفقة على خلق الله تعالى، وواساهم بماله، فهو قريب من اللّه وقريب من الناس فلا تكون منزلته
إلا الجنة، ومن لم يؤدها فأمره إلى عكس ذلك ولذا كان جاهل سخى أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل - انتهى
(ولجاهل سخى أحب إلى الله من عابد بخيل) يريد بالجاهل ههنا ضد العابد، لأنه ذكره بازاء، يعنى رجلا يؤدى
الفرائض ولا يؤدى النوافل ، وهو نى أحب إلى الله تعالى من رجل يكثر النوافل وهو بخيل، لأن حب الدنيا
رأس كل خطيئة، والمراد بحب الدنيا حب المال (رواه الترمذى) فى البر والصلة من طريق سعيد بن محمد الوراق
عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبى هريرة. قال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن
الأعرج عن أبى هريرة إلا من حديث سعيد بن محمد، وقد خولف سعيد بن محمد فى رواية هذا الحديث إنما يروى
عن يحيى بن سعيد عن عائشة شىء مرسل - انتهى. قلت : حديث أبى هريرة أخرجه العقيلى ، وقال ليس لهذا
الحديث أصل وسعيد الوراق. قال ابن معين: ليس بشىء. قال السيوطى فى اللآلى (ج ٢ ص ٤٨) أخرجه
الترمذى وابن حبان فى الروضة والبيهقى فى الشعب والخطيب فى ذم البخلاء من طرق عن سعيد الوراق به . قال ابن
حبان : غريب. وقال البيهقى تفرد به الوراق وهو ضعيف. وقال السيوطى: فى التعقبات لم ينفرد به الوراق ،
بل تابعه عبد العزيز بن أبى حازم أخرجه الديلى. وحديث عائشة أخرجه البيهقى فى الشعب ، وفيه تليد بن
سليمان وسعيد بن مسلمة وكلاهما ضعيفان، والطبرانى فى الأوسط وفيه سعيد الوراق ، والخطيب فى ذم البخلاء وفيه
خالد بن يحيى القاضى عن غريب بن عبد الواحد وهما مجهولان. وروى أيضا من حديث أنس وفيه محمد بن تميم
يضع ومن حديث جابر أخرجه البيهقى فى الشعب ، وفيه سعيد بن مسلمة ، ومن حديث ابن عباس أخرجه تمام فى
فوائده ذكر هذه الأحاديث السيوطى فى اللآلى ( ج ٢ ص ٤٨، ٤٩) مع الكلام فيها وقال الشوكانى فى الفوائد
المجموعة: وقد روى هذا الحديث من طرق لا تقوم بها الحجة عن أنس وابن عباس وعائشة، وجابر بألفاظ
مختلفة وقال الدار قطنى لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شىء.
٢٩٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
١٨٨٥ - (١٢) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يتصدق
المرأ فى حياته بدرهم خير له، من أن يتصدق بمائة عند موته. رواه أبو داود.
١٨٨٦ - (١٣) وعن أبى الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الذى يتصدق عند
موته، أو يعتق کالذی یهدی اذا شبع. رواه أحمد .
١٨٨٥ - قوله (لأن يتصدق المرأ فى حياته) وصحته أى فى الحالة التى يكون فيها صحيحا شحيحا (بدرهم)
أى مثلا. وقال الطبى: المراد التقليل (خير له من أن يتصدق بمائة) أى مثلا: وقال الطيبي: جاء فى بعض الروايات
عماله بدل مائة، والمراد التكثير، والمعنى بماله كله وهو أبلغ (عند موته) أى احتضار موته فكأنه ميت قاله
الطبي: وإنما كان ذلك خيرا من هذا لأنه يشق عليه إخراج ماله لما يخوفه به الشيطان من الفقر ، وطول العمر
فالصدقة فيها مزيد قهر للنفس والشيطان وقصر الأمل والوثوق بما عند الله تعالى (رواه أبو داود) فى الوصايا
وسكت عنه، وقال المنذرى: فى اسناده شرحبيل بن سعد الأنصارى الخطمى مولاهم المدنى كنيته أبو سعيد
ولا يحتج به ـ انتهى. قلت: شرحبيل هذا ضعفه النسائى والدار قطنى، ولينه أبو زرعة واختلف فيه قول ابن معين
وذكره ابن حبان فى الثقات وخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه فى صحیحیهما. وقال ابن سعد: كان شيخا قديما روى
عن زيد بن ثابت وعامة الصحابة، وبقى حتى اختلط واحتاج، وله أحاديث وليس يحتج به. وقال فى التقريب:
صدوق اختلط بآخره مات سنة (١٢٣) وقد قارب المائة - انتهى. والحديث عزاه السيوطى فى جامع الصغير
لابن حبان أيضا .
١٨٨٦ - قوله (عند موته) أى إحتضاره ( أو يعتق) أى عند موته (كالذى يهدى) من أهدى
(اذا شبع) كتسمن أى كالذى يعطى بعد ماقضى حاجته وهو قليل الجدوى ولا يعتاده إلا دنىء الهمة، وإنما
مثل بذلك لأن الثانى أشهر وإلا فالعكس أولى، فان الذى شبع ربما يتوقع حاجته إلى ذلك الشىء بخلاف الذى يعتق
أو يتصدق عند موته إلا أن يقال قد لا يصبر عند موته فيحتاج الى ذلك الشىء فلذلك يعد إعتاقه وقصدقه فضليةما
لكن هذا اذا لم يكن بطريق الوصية قاله السندى. وقال الطيبي: شبه تأخير الصدقة عن أوانه ثم تداركه فى
غير أوانه بمن تفرد بالأكل واستأثر بنفسه، ثم اذا شبع يعطيه غيره. وإنما يحمد اذا كان عن إيثار كما قال الله
تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة - الحشر: ٩﴾ وما أحسن موقع يهدى فى هذا المقام
ودلالتها على الاستهزاء والسخرية بالمهدى اليه - انتهى. قال القارى: والأظهر إن المراد أنه مرتبة ناقصة، لأن
التصدق والاعتاق حال الصحة أفضل كما إن السخاوة عند المجاعة أكمل (رواه أحمد ) (ج ٥ ص ١٩٧)
٢٩٥
منعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
والنسائى، والدارمى، والترمذى. وصححه .
١٨٨٧ - (١٤) وعن أبى سعيد، قال: قال رسو اللّه صلى اللّه عليه وسلم: خصلتان لا تجتمعان
فى مؤمن، البخل وسوء الخلق.
(والنسائى والدارمى والترمذى) فى الوصايا، واللفظ الدارمى إلا قوله ((إذا شبع)) فانه للترمذي ولأحمد فى رواية
ولفظ الدارمى بعد ما شبع والنسائى وأحمد فى رواية بعد ما يشبع ( وصحه ) أى الترمذى وأخرجه أيضا البيهقى
(ج ٤ ص ٩١٠) والحاكم (ج ٢ص ٢١٣) وصححه وأقره الذهبي.
١٨٨٧ - قوله (خصلتان لا تجتمعان فى مؤمن) أى كامل الايمان (البخل وسوء الخلق) قيل أى لا ينبغى
أن يجتمعا فيه. وقال التور بشتى: تأويل هذا الحديث أن نقول أراد به إجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية منهما
بحيث لا ينفك عنهما ، ولا ينفكان عنه، ويوجد منه الرضاء بهما، فأما الذى يونس عنه شىء من ذلك بحيث يبخل
حينا ويقلع عنه حينا أو يسوء خلقه وقتا دون وقت، أو فى أمر دون أمر أو يندر منه فيندم عليه أو يلوم نفسه
أو تدعوه النفس الى ذلك فينازعها فانه بمعزل عن ذلك، ومنه الحديث الآخر لا يجتمع الشح والايمان فى قلب
عبد أبدا على نحو ما ذكرنا فى معنى هذا الحديث. وأرى له وجها آخر وهو أن نقول الشح خلة غريزية جبل
عليها الانسان فهو كالوصف اللازم له ومركزها النفس قال تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح - النساء: ٣٢٨)
فاذا انتهى سلطانه إلى القلب واستولى عليه عرى القلب عن الايمان لأنه يشح بالطاعة فلا يسمح به ، ولا يبذل
الانقياد لأمر الله تعالى، والشح بخل مع حرص فهو أبلغ فى المنع من البخل، فالبخل يستعمل فى الفتنة بالمال
والشح فى سائر ما يمتنع النفس عن الاسترسال فيه من بذل مال، أو طاعة أو معروف ووجود الشح فى نفس
الانسان ليس بمذموم، لأنه طبعية خلقها الله تعالى فى النفوس كالشهوة والحرص للابتلاء ولمصلحة عمارة العالم،
وإنما المذموم أن يستولى سلطانه على القلب والله أعلم - انتهى كلام التوربشتى. وقال الطيبي: يمكن أن يحمل سو.
الخلق على ما يخالف الايمان فان الخلق الحسن ، هو ما به امتثال الأوامر واجتناب النواهى لا ما يتعارف بين
الناس لما ورد عن عائشة رضى الله عنها وكان خلقه القرآن، وأفراد البخل من سوء الخلق وهو بعضه وجعله
معطوفا عليه ، يدل على أنه أسوأما وأشنعها ويؤيد هذا التأويل حديث أبى هريرة رضى الله عنه لا يجتمع الشح
والايمان فى قلب عبد أبدا والله أعلم - انتهى. وقوله خصلتان لا تجتمعان فى مؤمن خبر موصوف والمبتدأ
البخل وسوء الخلق، قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: ((خصلتان)) مبتدأ سوّغه إبدال المعرفة منه فى قوله البخل
وسوء الخلق والخبر ((لا تجتمعان)) وقال القارى: الظاهر إن «لا تجتمعان» صفة مخصصة مسوغة لكون المبتدأ
٢٩٦
١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
رواه الترمذى .
١٨٨٨ - (١٥) وعن أبى بكر الصديق، قال: قال رسول اللّه ◌َلَى: لا يدخل الجنة خب
ولا بخيل ولا منان . رواه الترمذى .
١٨٨٩ - (١٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: شرما فى الرجل
فكرة، والخبر قوله البخل وسوء الخلق (رواه الترمذى) فى البر والصلة، وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد.
وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى - انتهى . وصدقة بن موسى ضعفه
ابن معين ، وأبو داود والنسائى والدولابى والساجى، وقال الترمذى: ليس عندهم بذلك القوى . وقال فى
التقريب : صدوق له أو هام .
-
١٨٨٨ - قوله (لا يدخل الجنة) أى دخولا أوليا (خب) بفتح الخاء المعجمة وتكسر اى اشيم، يسعى
بين الناس بالفساد. قال المنذرى: هو الخداع الساعى بين الناس بالشر والفساد (ولا بخيل) يمنع الواجب من المال.
وقيل: أى مانع الزكاة أو مانع للقيام بمؤنة مونه (ولا منان) من المنة أى يمن على الفقراء بعد العطاء، أو من
المن بمعنى القطع لما يحب أن يوصل. وقيل: لا يدخل الجنة مع هذه الصفة حتى يجعل طاهرا منها. إما بالتوبة
عنها فى الدنيا أو بالعقوبة بقدرها تمحيصها فى العقبى، أو بالعفو عنه تفضلا وإحسانا، ويويده قوله تعالى:
﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل - الأعراف: ٤٣) كذا فى المرقاة. وقال التوربشتى معنى قوله ((لا يدخل الجنة))
أى لا يدخلها مع الداخلين فى الرعيل من غير ما بأس ، بل يصاب منه بالعذاب ويمحص حتى يذهب عنه آثار
تلك الخصال ، هذا هو السبيل فى تأويل أمثال هذا الحديث ليوافق أصول الدين . قال ومما ينبغى الفطن أن يقدمه
فى هذا الباب ليكون من التأويل على بصيرة أن يعلم أن الشارع مؤلف أن يقتصر فى مثل هذه المواطن على القول
المجل ابقاء للخوف فى نفوس المكلفين وتحذيراً لهم عما فيه المنقصة فى الدين بأبلغ ما يكون من الزجر. ثم يرده
العلماء الراسخون إلى أصول الدين - انتهى . - (رواه الترمذى) فى البر والصلة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج ١
ص ٧،٤) وقال التر مذى: هذا حديث حسن غريب - انتهى. والظاهر أن اسناده ضعيف لأن فيه صدقة بن
موسى المتقدم وروا، بمن فرقد السبخى عن مرة عن أبى بكر وفرقد صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطاء
قال أحمد : رجل صالح يقوى فى الحديث لم يكن صاحب حديث ، وقال أيضا يروى عن مرة منكرات.
١٨٨٩ - قوله (شرما فى الرجل) أى من الخصال الذميمة وقوله ((ما فى الرجل، هكذا وقع فى جميع
النسخ الحاضرة، وكذا فى المصابيح وكذا نقله المنذرى فى التر غيب، ووقع فى سنن أبي داود ما فى رجل ،
٢٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
شح مالع، وجبن خالع، رواه أبو داود، وسنذكر حديث أبى هريرة: لا يجتمع الشح والايمان، فى .
كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى .
الفصل الثالث )
١٨٩٠ - (١٧) عن عائشة، إن بعض أزواج النبي ◌َّف قان
وهكذا نقله الخطابى فى المعالم ، والسيوطى فى الجامع الصغير (شح هالع) أى مخزن جازع والهلع أشد الجزع
والضجر أى شح يحمل على الحرص على تحصيل المال والجزع على ذهابه . كما قال الله تعالى: ﴿ان الانسان خلق
هلوعا إذا مسه الشرجزوعا واذا مسه الخير منوعا - المعارج: ١٩-٢١)) وقال الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ٢٤١)
أصل («الهلع، الجزع والهالع هنا الهلع. ويقال أن الشح أشد من البخل، ومعناه البخل الذى يمنعه من اخراج
الحق الواجب عليه، فإذا استخرج منه ملع وجزع منه (وجين) بضم الجيم وسكون الباء (خالع) أى شديد كأنه
يخلع قلبه من شدة تمكنه منه، والمعنى خوف شديد متمكن يترتب عليه خلع قلبه فلا يستطيع القتال والمحاربة مع
الكفار والاقدام عليه. وهاتان الخصلتان وان وجدتا فى النساء إلا أن الغالب وجودهما فى الرجال. ولذا قال
فى صدر الحديث شرما فى رجل، ولم يقل والمرأة مع أنها مثله فى ذلك قاله الحفنى . وقال التوربشتى: خص الرجل
إما لأنهما مدوحان للنساء فى نوع منهما أو لأن مذمة الرجال بهما فوق مذمة النساء بهما والله أعلم. (رواه
أبو داود) فى الجهاد من طريق موسى بن على بن رباح عن أبيه عن عبد العزيزبن مروان عن أبى هريرة. وأخرجه
أيضاً البخارى فى تاريخه ، وابن حبان فى صحيحه، وسكت عنه أبو داود. وقال المنذرى قال محمد بن طاهر: وهو
اسناد متصل، وقد احتج مسلم بموسى بن على عن أبيه (وسنذكر حديث أبى هريرة) الذى رواه النسائى فى الجهاد
وابن حبان والحاكم (لا يجتمع الشح والإيمان) أى فى قلب عبد وقد تقدم معناه فى كلام التور بشتى. وقال
السندى: أى لا ينبغى للؤمن أن يجمع بينهما إذ الشح أبعد شىء من الايمان، أو المراد بالايمان كماله أو المراد قل)
يجتمع الشح والايمان، واعتبر ذلك بمنزلة العدم وأخبر بأنهما لا يجتمعان . ويؤيد الوجهين الأخيرين ما وقع
فى رواية لا يجمع اللّه تعالى الايمان والشح فى قلب مسلم - انتهى. (فى كتاب الجهاد) لأن أول الحديث
وصدره يليق بكتاب الجهاد ولذا أورده النسائى والحاكم فيه ولفظه عند النسائى لا يجمع غبار فى سبيل الله
ودخان جهنم فى جوف عبد أبداً. وفى رواية وجه رجل ، وفى أخرى فى منخرى مسلم ، ولا يجتمع الشح والايمان
فى قلب عبد أبداً .
١٨٩٠ - قوله (إن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن) الضمير للبعض الغير المعين، لكن عند
٢٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
للنبي صلى الله عليه وسلم: أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: أطولكن يدا، فأخذوا قصبة يذرعونها ،
وكانت سودة أطولهن يدا ، فعلمنا بعد أنما كان طول يدما الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به زينب
ابن حبان من طريق يحيى بن حماد عن أبى عوانة عن فراس عن الشعبى عن مسروق عن عائشة قالت: فقلت وهو
يفيد إن عائشة هى السائلة (أينا) بضم التحتية المشددة بغير علامة التأنيث لأن سيبويه يشبه تأنيث أى بتأنيث كل
فى قولهم كلتهن، يعنى ليست بفصيحة ذكره الزمخشرى فى سورة لقمان. وفى رواية النسائى أتينا بالتاء وأينا مبتدأ
خبره (أسرع بك لحوقا) نصب على التمييزأى من حيث اللحوق بك يعنى يدركك بالموت، والمقصود استكشاف أنه
من يموت بعده ◌َالله من أزواجه بلا واسطة (قال) وَ اللّه (أطولكن) بالرفع خبر مبتدأ محذوف دل عليه السؤال
أى أسرعكن لحوقاً بى أطولكن ( يدا) نصب على التمييز وإنما لم يقل طولاكن بلفظ: فعلى مع أن القياس هذا،
لأن فى مثله يجوز الافراد. والمطابقة لمن أفعل التفضيل له يعنى أكثر كن صدقة فان اليد تطلق ويراد بها المنة
والنعمة مجازا (فأخذوا قصبة) بفتح القاف والصاد (يذرعونها) بالذال المعجمة أى يقدرونها بذراع كل واحدة
كى يعلمن أيهن أطول جارحة يعنى يقيسون أيديهن بها بناء على فهمهن، إن المراد باليد الجارحة. وإنما ذكر بلفظ:
جمع المذكر والقياس ذكر لفظ جمع المؤنث اعتبارالمعنى الجمع ، لا للفظ جماعة النساء أو عدل اليه قظيما لشأنهن
كقول الشاعر :
وإن شئت حرمت النساء سواكم
( وكانت ) كذا وقع فى جميع النسخ الحاضرة، وفى البخارى ((فكانت)) أى بالفاء بدل ((الواو)) وكذا عند
النسائى (سودة) بفتح السين بنت زمعة ( أطولهن يدآ) أى من طريق المساحة ( فعلمنا بعد ) مبنى على الضم أى
بعد هذا حين ماتت أول نساءه لحوقاً به . وقال القسطلانى: أى بعد إن تقرر كون سودة أطولهن يداً بالمساحة
(إنما) بفتح الهمزة لكونه فى موضع المفعول لعلمنا ( كان طول يدها) كلام إضافى مرفوع لأنه اسم كان
(الصدقة) بالنصب وقوله ((كان)) كذا فى جميع النسخ، وفى البخارى كانت بالتأنيث. قال الحافظ: الصدقة
بالرفع، وطول يدها بالنصب لأنه الخبر - انتهى. أى علمنا أنه رؤفه لم يرد باليد العضوو بالطول طولها بل أراد العطاء
وكثرته فاليد ههنا استعارة للصدقة ، والطول ترشيح لها لأنه ملائم للستعار منة (وكانت أسرعنا لحوقاً به زينب)
كذا فى النسخ الحاضرة عندنا بذكر زينب هنا، وفى البخارى وقع بدون ذكرها كما صرح به الحافظ والعينى
وغيرهما . قال ميرك: وقع فى بعض نسخ المشكاة هنا بعد قوله لحوقاً به زيادة لفظ زينب ملحقاً وليس بصحيح،
لأن فى عامة نسخ البخارى وقع بحذفها كما صرح به الحافظ ابن حجر فى شرحه - انتهى . ورواية البخارى توم
٢٩٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٥ - باب الانفاق وكراهية الامساك
إن سودة كانت أسرع لحوفاً بالنبي زوّ قال النووى وقع هذا الحديث فى كتاب الزكاة من البخارى بلفظ :
منعقد يوم إن أسرعهن لحاقاً سودة وهذا الوهم باطل بالاجماع ، يعنى لأن أول نساءه لحوقاً به زينب، لاسودة،
وإن كانت سودة أطولهن جارحة. والصواب ما ذكره مسلم فى صحيحه وهو المعروف عند أهل الحديث، إنها
زينب فالصحيح تقدير زينب أو وجوده وقال الحافظ أبو على الصيرفى: ظاهر هذا اللفظ إن سودة كانت أسرع
لحوقاً وهو خلاف المعروف عند أهل العلم، إن زينب أول من حمات من الأزواج ، ثم نقله عن مالك والواقدى.
وقال ابن بطال هذا الحديث سقط منه ذكرزينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي
وَاللّه يعنى إن الصواب وكانت زينب أسرعنا لحوقاً به وقال ابن الجوزى: هذا الحديث غلط من بعض الرواة
والعجب من البخارى كيف لم ينبه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابى فانه فسره ، وقال لحوق
سودة من إعلام النبوة وكل ذلك وهم، وإنما هى زينب فانها كانت أطولهن يداً بالعطاء كما رواه مسلم. وأجاب
ابن رشيد بأن عائشة لا تعنى سودة بقولها فعلمنا بعد أى بعد أن أخبرت عن سودة بالطول الحقيقى، ولم تذكرسياً
للرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فتعين الحمل على المجاز - انتهى. وحينئذ فالضمير ((فى)) وكانت فى
الموضعين عائد على الزوجة التى عناها مواقع بقوله أطولكن يداً، وإن كانت لم تذكر اذ هو متعين لقيام الدليل على
أنها زينب كما فى مسلم، مع اتفاقهم على أنها أولهن موتاً فتعين أن تكون هى المرادة، وهذا من اضمار ما لا يصلح
غيره كقوله حتى توارت بالحجاب، وعلى هذا فلم يكن سودة مرادة قطعاً وليس الضمير عائداً عليها. وقال
الزين بن المنير: وجه الجمع ان قولها فعلمنا بعد يشعر أشعاراً قوياً أنهن حملن طول اليد على ظاهره ، ثم علمن بعد
ذلك خلافه. وانه كناية عن كثرة الصدقة والذى علنه آخرا خلاف ما اعتقدنه أو لا. وقد انحصر الثانى فى
زينب للاتفاق على انها أولهن موتاً فتعين أن تكون هى المرادة، وكذلك بقية الضمائر بعد قوله فكانت واستغنى عن
تسميتها لشهرتها بذلك - انتهى. وقال الكرمانى: يحتمل أن يقال ان فى الحديث اختصاراً أو اكتفاء بشهرة
القصة لزينب، أو يؤل الكلام بأن الضمير راجح إلى المرأة التى علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها أول من
يلحق به وكانت كثيرة الصدقة. قلت: ولكنن وقع فى رواية النسائى تعيين سودة ولفظه: فكانت سودة
أسرعهن لحوقاً به، وكذا وقع التصريح بذلك فى رواية أحمد وابن سعد والبخارى فى التاريخ الصغير ، والبيهقى فى
الدلائل وابن حبان فى صحيحه قال ابن سعد ؛ قال لنا محمد بن عمر يعنى الواقدى هذا الحديث ، وهل فى سودة
وإنما هو فى زينب بنت جحش فهى أول نساءه لحوقا به، وتوفيت فى خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفيت
٣٠٠