النص المفهرس

صفحات 221-240

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
((ألم أربرمة فيها لحم))؟ قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة.
قال: ((هو عليها صدقة ولنا هدية)).
برفقة (ألم أر برمة فيها لحم) الاستفهام للتقرير (قالوا بلى ولكن ذلك لحم تصدق) بضم التاء والصاد وكسر
الدال المشددة مبنيا لما لم يسم فاعله جملة فى محل رفع صفة للحم (به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة) وفى رواية
للبخارى أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فقالوا: هذا ما تصدق به على بريرة، وكذا فى حديث أنس عند البخارى
ويجمع بينهما بأنه لما سأل عنه أتى به. وقيل: له ذلك وفى رواية لعائشة عند أحمد وابن ماجه دخل رسول الله
وَلَّه والمرجل يفور بلحم. فقال من أين لك هذا قلت: أهدته لنا بريرة وتصدق به عليها، وعند أحمد ومسلم
وكان الناس يتصدقون عليها فتهدى لنا منه (قال ) يَّم (هو) أى اللحم (عليها) أى بريرة (صدقة ولنا هدية)
أى حيث أهدته بريرة لنا. لأن الفقير يملك ما تصدق به عليه فيسوغ له التصرف فيه بالبيع وغيره كتصرف سائر
الملاك فى إملاكهم وهذه هى المسئلة الثالثة. وفى الحديث دليل على أن الصدقة اذا أهداها من تصدق عليه بها إلى
من لا تحل له الصدقة ابتداء من هاشمى أوغنى صرف عنها حكم الصدقة، وجاز المهدى اليه استعمالها وحل له أكلها
فيؤخذ منه إن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين، وإن العين الواحدة يخلتف حكمها باختلاف جهات الملك .
قال الأبى : لا يقال كون الصدقة أوساخ الناس وإنها مطهرة المال هو وصف لا يزيله عنها الهدية بها لأنا نقول
كونها وسخا ليس وصفا ذاتيا لها حتى يقال أنه لا يزول، وإنما هو وصف حكمى جعل بالشرع، والشرع قد
حكم بزواله عنها - انتهى. واستنبط، منه بعضهم جواز استرجاع صاحب الدين عين ما دفعه إلى الفقير بنية الزكاة
فى دين له عليه. وفيه دليل على أن الصدقة لا تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم اذ لو حلت له لما كان لعائشة
مانع من إحضار لحم بريرة بين يدى رسول الله مؤلفه وفيه دليل على أن الصدقة لم تحرم على موالى أزواج النبي
صلى الله عليه وسلم وبه ترجم البخارى فى صحيحه فقال باب الصدقة على موالى أزوج النبي صلى الله اللّه عليه وسلم
وأورد فيه حديث بريرة وحديث ابن عباس وجد النبى صلى الله عليه وسلم شأة أعطيتها مولاة الميمونة من
الصدقة فقال: هلا انتفعتم بجلدها قالوا: إنها ميتة قال. إنما حرم أكلها. وأما أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
فنقل ابن بطال إنهن لا يدخلن فى ذلك أى لا يحرم عليهن الصدقة باتفاق الفقهاء. قال الحافظ. وفيه نظر فقد ذكر
ابن قدامة إن الخلال أخرج من طريق ابن أبى مليكة عن عائشة قالت: إناآل محمد لا تحل لنا الصدقة قال: وهذا يدل
على تحريمها. قال الحافظ: واسناده إلى عائشة حسن. وأخرجه ابن أبى شيبة وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال
يعنى لأنه لما رأى إن الفقهاء لم يذهبوا الى هذا نقل اتفاقهم على ذلك. ولم يتعرض للدليل فى ذلك . وفى قصة بريرة
٢٢١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لاتحل له الصدقة
متفق عليه .
١٨٤١ - (٦) وعنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها.
فوائد كثيرة غير ما تقدم. ذكرها الحافظ فى كتاب العتق وفى كتاب الطلاق والنووى فى العتق (متفق عليه)
أخرجه البخارى مظولا أى بذكر السنن الثلاث فى باب الحرة تحت العبد من كتاب النكاح ، وفى باب لا يكون
بيع الأمة طلاقا من كتاب الطلاق، وفى باب الأدم من كتاب الأطعمة. وأخرجه مفرقا ومقطعا فى المساجد
والزكاة والبيوع والعنق والمكاتب والهبة والشروط والطلاق والنذور والفرائض. وأخرجه مسلم مطولا فى الزكاة
والعتق ، واللفظ المذكور فى الكتاب للبخارى فى باب لا يكون بيع الأمة طلاقا وأخرجه هكذا مالك فى الطلاق
والنسائى فى آخر الزكاة ، وفى الطلاق، وأخرجه الترمذى فى أبواب الولاء والهبة، وأبو داود فى الطلاق والفرائض
والعتق كلاهما مختصرا، وأخرجه ابن ماجه فى الطلاق مطولا وفى العتق مختصرا .
١٨٤١ - قوله (يقبل الهدية) قال الخطابي فى المعالم (ج ٣ ص ١٦٨) قبول النبي صلى الله عليه وسلم
الهدية نوع من الكرم، وباب من حسن الخلق يتألف به القلوب. وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تهادوا
تحابوا وكان أكل الهدية شعارا له، وأمارة من أماراته ووصف فى الكتب المتقدمة بأنه يقبل الهدية ، ولا يأكل
الصدقة لأنها أوساخ الناس. وكان إذا قبل الهدية أثاب عليها لئلا يكون لأجد عليه يد ، ولا يلزمه لأحد منة -
انتهى . وقال البيجورى: فيسن قبول الهدية حيث لاشبهة فى مال المهدى وإلا فلا يقبلها، وكذلك إذا ظن المهدى
اليه إن المهدى أهداه حياء. قال الغز الى مثال من يهدى حياء من يقدم من سفره ويفرق الهداياخوفا من العار فلا
يجوز قبول هديته إجماعا لأنه لا يحل مال امرئى مسلم الاعن طيب، نفس، وإذا ظن المهدى اليه إن المهدى إنما
أهدى له هديته لطلب المقابل فلا يجوز له قبولها إلا إذا أعطاء، ما فى ظنه بالقرائن - انتهى. (ويثيب عليها) من
أثاب يثيب إذا أعطى الثواب وهو العوض أى يجازى ويكافئى عليها بأن يعطى الذى يهدى له بدلها، والمراد بالثواب
المجازاة وأقله ما يساوى قيمة الهدية، ولفظ ابن أبى شيبة (ويثيب ما هو خير منها)، وقد استدل بعض المالكية
بهذا الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدى وكان ممن مثله يطلب الثواب كالفقير للغنى بخلاف
ما يهبه الا على للادنى، ووجه الدلالة منه مواظبته وَ اللّه وبه قال الشافعى فى القديم ، قال الشوكانى: ويجاب بأن
مجرد الفعل لا يدل على الوجوب ولو وقعت المواظبة كما تقرر فى الأصول. قال الحافظ: وقال الشافعى فى
الجديد: كالحنفية الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول لأن موضوع الهبة التبرع، فلوابطلناه لكان
فى معنى المعاوضة . وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف
الهبة . وأجاب بعض المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلا لكانت بمعنى الصدقة وليس كذلك ، فان الأغلب
٢٢٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
رواه البخارى.
١٨٤٢ - (٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لو دعيت إلى
کراع لأجبت
من حال الذى يهدى أنه يطلب الثواب ولاسيما إذا كان فقيرا - انتهى. وقال القسطلانى ومذهب الشافعية: لا يجب
الثواب بمطلق الهبة والهدية إذ لا يقتضيه اللفظ ولا العادة ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى كما فى إعارته له
الحاقا للاعيان بالمنافع ، فان أثابه المتهب على ذلك فهبة مبتدأ، وإذا قيدها المتعاقدان بثواب معلوم لامجهول صح
العقد بيعا نظرا للعنى فانه معاوضة مال بمال معلوم كالبيع بخلاف ما إذا قيداها بمجهول لا يصح لتعذره بيعا
وهبة نعم المكافأة على الهبة، والهدية مستحبة إقتداء به ◌َ الله - انتهى. قلت ما ذكره القسطلانى من مذهب الشافعية
هو مذهب الحنابلة أيضا كما بسط ذلك ابن قدامة فى المغنى (ج ٥ ص ٦٢٢) وهو القول الراجح عندنا والله تعالى
اعلم (رواه البخارى) فى الهبة وأخرجه أيضا أحمد وأبوداود فى أواخر البيوع والترمذى فى البر والصلة من
الجامع وفى الشمائل، كلهم من طريق عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن عائشة، وذكر البخارى إن وكيعا
ومحاضرا أرسلاه، حيث قال لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام عن أبيه عن عائشة قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن
عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام، وقد قال الترمذى: والبزار لا نعرفه موصولا إلا من حديث عيسى بن
يونس. وقال الآجرى سألت أبا داود عنه فقال: تفرد بوصله عيسى بن يونس وهو عند الناس مرسل ورواية
وكيع وصلها ابن أبى شيبة عنه بلفظ: ((ويثيب ما هو خير منها)، ورواية محاضر لم أقف عليها بعد - انتهى .
١٨٤٢ - قوله (لودعيت) بضم الدال وكسر العين (إلى كراع) بضم الكاف وتخفيف الراء، بعدها
ألف ثم عين مهملة وهو من الدواب ما دون الكعب . وقيل: مستدق الساق من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من
الفرس يذكر ويؤنث وا راع من الانسان ما دون الركبة من مقدم الساق، والجمع أكرع وأكارع. وقال
ابن فارس: كراع كل شىء طرفه وقال فى الصراح: كراع بالضم يارجة كوسفند وكاؤوجزان، وفى المثل أعطى
العبد كراعا فطلب ذراعا لأن الذراع فى اليد ، والكراع فى الرجل . والأول خير من الثانى، ويقال أيضاً كان
كراعا فصار ذراعا إذا صار الضعيف الذليل قويا عزيزا (لا جبت) أى التأليف الداعى وزيادة المحبة فان عدم
الاجابة يقتضى النفرة وعدم المحبة فيندب إجابة الدعوة ولو لشىء قليل. قال الحافظ: قد زعم بعض السراح
وكذا وقع للغزالى إن المراد بالكراع فى هذا الحديث المكان المعروف بكراع الغميم بفتح المعجمة وهو موضع
بين مكة والمدينة ، وزعم أنه أطلق ذلك على سبيل المبالغة فى الإجابة ولو بعد المكان لكن المبالغة فى الاجابة مع
٢٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
ولو أحدى إلى ذراع لقبلت . رواه البخارى .
١٨٤٣ - (٨) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذى يطوف
على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان.
حقارة الشىء أوضح فى المراد، ولذا ذهب الجمهور إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشأة. وأغرب الغزالى فى
الاحياء فذكر الحديث بلفظ: ولودعيت إلى كراع الغميم ولا أصل لهذه الزيادة. وقد أخرج الترمذى (فى الأحكام
من الجامع وفى الشمائل) من حديث أنس وصححه مرفوعا لو أهدى إلى كراع لقبلت ولودعيت عليه لأجبت ،
وأخرج الطبرانى من حديث أم حكيم بنت وادع الخزاعية إنها قالت يارسول الله! تكره رد الظلف قال ما أقبحه
لو أهدى إلى كراع لقبلت الحديث ويستفاد سببه من هذه الرواية (ولو أهدى) بضم الهمزة وكسر الدال (إلى)
بتشديد الياء (ذراع) بكسر الذال المعجمة وهو الساعد وكان صلى الله عليه وسلم يحب أكله لأنه مبادى الشأة
وأبعد عن الأذى ولسرعة نضجه. قال القسطلانى: ولأبى ذر كراع أى بدل ذراع (لقبلت) أى ليحصل التحابب
والتألف فان الزد يحدث النفور والعداوة فيندب قبول الهدية ولو لشىء قليل . قال الحافظ: خص الذراع
والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كاتب أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له . وفى
الحديث دليل على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وتواضعه وجبره القلوب الناس وعلى قبول الهدية وإجابة من
يدعو الرجل إلى منزله، ولو علم أن الذى يدعوه اليه شىء قليل (رواه البخارى) فى الهبة وفى الوليمة من كتاب
النكاح وأخرجه الترمذى من حديث أنس.
١٨٠ - قوله (ليس المسكين) أى المذكور فى قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين -
التوبة: ٦٠﴾ والمسكين مفعيل بكسر الميم من السكون فكأنه من قلة المال سكنت حركاته. ولذا قال تعالى:
﴿أو مسكينا ذا متربة - البلد: ١٦) أى لاصق بالتراب قاله القرطبى: ( الذى يطوف) أى يدور ويتردد
(على الناس) ليسألهم صدقة عليه (ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) جملة حالية أى يرد هو على الأبواب
لأجل اللقمة أو إنه إذا أخذ لقمة رجع إلى باب آخر، فكان اللقمة ردته من باب إلى باب. والمراد ليس المسكين
الكامل الذى هو أحق بالصدقة وأحوج اليها المردود على الأبواب لأجل للقمة، ولكن الكامل الذى لا يجد إلخ
فليس المراد ففى المسكنة عن الطواف بل نفى كمالها لأنهم أجمعوا على أن السائل الطواف المحتاج مسكين . قال
النوى : معناه المسكين الكامل المسكنة الذى هو أحق بالصدقة وأحوج اليها ليس هو هذا الطواف بل هو الذى
٢٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
ولكن المسكين الذى لا يحد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيصدق عليه، ولا يقوم فسأل الناس.
لا يجد غنى إلخ وليس معناه ففى أصل المسكنة عن الطواف بل معناه نفى كمال المسكنة كقوله تعالى: ﴿ليس البرد
البقرة: ١٧٧) الآية وكقوله مؤلّ أتدرون من المفلس - الحديث انتهى. ويقرب منه ما قيل: ليس المراد نفى
استحقاق الطواف الزكاة بل اثبات المسكنة لغير هذا المتعارف بالمسكنة واثبات استحقاقه أيضا لأن كلا منهما
مصرف الزكاة حيث لا غنى لهما لكن الثانى أفضل. وقال السندى: المراد ليس المسكين المعدود فى مصارف الزكاة
هذا المسكين بل هذا داخل فى الفقير ، وإنما المسكين المستور الحال الذى لا يعرفه أحد إلا بالتفتيش ، وبه يتبين
الفرق بين الفقير والمسكين فى المصارف (ولكن المسكين) أى الكامل فى المسكنة بتخفيف نون لكن، فالمسكين
مرفوع وبتشديدها فالمسكين منصوب (الذى لا يجد غنى) بكسر الغين مقصورا أى يسارا ، وفى رواية قالوا : فما
المسكين يارسول الله! قال: الذى لا يجد غنى، وفى رواية إنما المسكين الذى يتعفف اقرؤا إن شئتم لا يسألون الناس
إلحافا (يغنيه) أى عن غيره ويكفيه وهى صفة لقوله ((غنى)، وهو قدر زائد على اليسار اذ لا يلزم من حصول
اليسار للمرأة أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شىء آخر، واللفظ محتمل لأن يكون المراد نفى أصل اليسار، ولأن
يكون المراد نفى اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار، وعلى الاحتمال الثانى، فضيه إن المسكين هو الذى
يقدر على مال أو كسب يقع موقعا من حاجته ولا يكفيه كثمانية من عشرة وهو حينئذ أحسن حالا من الفقير فانه
الذى لا مال له أصلا، أو يملك ما لا يقع موقعا من حاجته كثلاثة من عشرة. واحتج لذلك بقوله تعالى: (أما
السفينة فكانت لمساكين - الكهف: ٧٩ ) فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة لكنها لا تقوم بجميع حاجاتهم
(ولا يفطن به) بصيغة المجهول مخففا أى لا يعلم باحتياجه، وفى رواية له أى باللام بدل الباء الموحدة (فيتصدق
عليه) بضم الياء مجهولا (ولا يقوم فيسأل الناس) يرفع المضارع الواقع بعد الفاء فى الموضعين عطفا على المنفى
المرفوع فينسحب النفى عليه أى لايفطن له فلا يتصدق عليه ولا يقوم فلا يسأل الناس، وبالنصب فيهما بأن مضمرة
وجوبا لوقوعه فى جواب النفى بعد الفاء. وقد يستدل بقوله ولا يقوم فيسأل الناس على أحد محملى قوله تعالى:
﴿ لا يسألون الناس إلحافا - البقرة: ٢٧٣ ) إن معناه نفى السؤال أصلا. وقد يقال لفظة يقوم تدل على التأكيد فى
السؤال فليس فيه نفى أصل السؤال. والتأكيد فى السؤال هو الالجاف وفى الحديث إن المسكنة إنما تحمد مع العفة
عن السؤال والصبر على الحاجة وفيه حسن الارشاد لوضع الصدقة ، وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف
دون الالحاح وفيه إن المسكين هو الجامع بين عدم الغنى وعدم تفطن الناس له لما يظن به لأجل تعففه وتظهره
بصورة الغنى من عدم الحاجة، ومع هذا فهو مستعفف عن السؤال لكن قد تقدم إن معناه المسكين الكامل،
٢٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
متفق عليه .
وليس المراد ففى أصل المسكنة (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة والتفسير، ومسلم فى الزكاة وأخرجه أيضا
أحمد، ومالك فى الجامع من الموطأ، وأبو داود والنسائى فى الزكاة. والبيهقى فى قسم الصدقات. وفائدة اختلف
العلماء فى الفرق بين الفقير والمسكين فى آية المصارف. فقال الشافعى: الفقير من لاشىء له أى لا مال له ولا حرفة
تقع موقعا . وقال أبو حنيفة: هو من له مال دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق فى الحاجة . وأما
المسكين فهو عند الشافعى من له شىء أى مال أو حرفة لكن لا يكفيه، وعند أبى حنيفة من لا شىء له فيحتاج
إلى المسئلة لقوته ، فالفقير أسوأ حالا من المسكين عند الشافعى. وبه قال الأصمعى. قال الحافظ: وهو قول
جمهور أهل الحديث والفقه. وعند أبى حنيفة المسكين أسوأ حالا من الفقير ، واليه ذهب ابن السكيت ويونس بن
حبيب من أهل اللغة. وقيل: هما سواء. قال الحافظ: وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك . وقال ابن الهمام:
الفغير من له مال دون نصاب، أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق فى الحاجة والمسكين من لا شىء له فيحتاج
المسئلة لقوته، أوما يوارى بدنه. ويحل له ذلك بخلاف الأول فانه لا يحل لمن يملك قوت يومه بعد سترة بدنه .
وعند بعضهم لا يحل لمن كان كسوبا أو يملك خمسين درهما. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسئلة بعد كونه
فقيرا، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية اذا كانت مستغرقة بالحاجة، ولذا قلنا يجوز للعالم، وإن
كانت له كتب تساوى نصبا كثيرة على تفصيل ما ذكرنا فيما اذا كان محتاجا اليها للتدريس، أو الحفظ أو
التصحيح ولوكانت ملك عامى وليس له نصاب نام لا يحل دفع الزكاة له، لأنها غير مستغرقة فى حاجته فلم تكن
كثياب البذلة، وعلى هذا جميع آلات المحترفين اذا ملكها صاحب تلك الخرفة. والحاصل إن النصب ثلاثة
نصاب: يوجب الزكاة على مالكه وهو النامى خلقة أو إعدادا وهو سالم من الدين . ونصاب لا يوجبها: وهو
ما ليس أحدهما فان كان مستغرقا لحاجة مالكه حل له أخذها وإلا حرمت عليه كثياب تساوى نصابا لا يحتاج إلى
ملكها ، أو أثاث، لا يحتاج إلى استعماله كله فى بيته وعبد وفرس لا يحتاج إلى خدمته وركوبه، ودار، لا يحتاج
إلى سكناها فان كان محتاجا إلى ما ذكرناه حاجة أصلية فهو فقير يحل دفع الزكاة له وتحرم عليه المسئلة. ونصاب
يحرم المسئلة: وهو ملك قوت يومه أو لا يملك لكنه يقدر على الكسب أو يملك خمسين درهما على الخلاف فى
ذلك - انتهى. وإن شئت البسط للفرق بين الفقير والمسكين فارجع إلى تفسير روح المعانى (ج ١٠ص١٠٧-١٠٨)
للعلامة الآلوسى ومعالم السنن (ج ٦ ص ٦١ - ٦٢) الخطابى واتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
(ج ٤ ص ١٤٢ - ١٤٣) للعلامة الزيدى والمغنى لابن قدامة (ج ٦ ص ٤٢٠ - ٤٢١) وتفسير المنار للعلامة
السيد محمد رشيد رضا تحت آية مصارف الزكاة .
٢٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا يحل له الصدقة
:﴿ الفصل الثانى ):
١٨٤٤ - (٩) عن أبي رافع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعث رجلا من بى مخزوم على
الصدقة، فقال لأبى رافع: أصحبنى كيما تصيب منها. فقال: لا، حتى آتى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فأسأله
١٨٤٤ - قوله (عن أبى رافع) مولى النبى والم واسمه أسلم (بعث رجلا من بنى مخزوم على الصدقة)
أى أرسله ساعيا ليجمع الزكاة ويأتى بها اليه. قال المنذرى: وهذا الرجل هو الأرقم بن الأرقم القرشى المخزومى
بين ذلك الخطيب والنسائى وكان من المهاجرين الأولين، وكنيته أبو عبد الله وهو الذى استخفى رسول الله من بله
فى داره بمكة فى أسفل الصفا، حتى كملوا الأربعين رجلا، آخرهم عمر بن الخطاب - انتهى. وقيل: هذا الرجل
المبعوث هو الأرقم بن أبى الأرقم الزهرى لما روى أحمد (ج ٦ ص ٨) من طريق الثورى عن ابن أبى ليلى عن
الحكم بن عتيبة عن ابن أبى رافع عن أبى رافع. قال: مر على الأرقم الزهرى أو ابن أبى الأرقم، واستعمل على
الصدقات قال فاستتبعنى الحديث . وروى أبو يعلى والطبرانى فى الكبير، والبيهقى من طريق الثورى عن ابن أبى
ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: استعمل النبي ◌َّمه الأرقم بن أبى الأرقم الزهرى على السعابة
فاستبع أبا رافع مولى النبي ◌َّمِ فأتى النبي ◌َّ فذكر ذلك له . فقال: يا أبا رافع! إن الصدقة حرام على محمد
وآل محمد وإن مولى القوم منهم أو من أنفسهم. ففى الروايتين دليل على أن الرجل المبعوث على السعاية فى هذه
القصة هو الأرقم الزهرى . قلت: فيه نظر لأنه قد صرح فى رواية شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع عن أبى رافع
عند أحمد (ج ٦ ص ١٠) والترمذى وأبى داود والنسائى والحاكم والبيهقى، إن الرجل المبعوث على الصدقة من بنى
مخزوم ، وهذا الطريق أصح من طريقى أحمد، والطبرانى المتقدمين. قال البيهقى: رواية شعبة عن الحكم عن ابن
أبی رافععن أبى رافع أولى من رواية ابن أبى ليلى، وابن أبى ليلى هذا كان سىء الحفظ. وقال الحافظ فى الاصابة:
بعد ذكر طريق الطبرانى لكن رواه شعبة عن الحكم عن مقسم. فقال: استعمل رجلا من بنى مخزوم وكذلك
أخرجه أبو داود وغيره واسناده أصح من الأول - انتهى. وهذا لأن فى طريق الطبرانى ( وكذا طريق أحمد )
محمد بن أبى ليلى وفيه كلام. قال أحمد: وشعبة وأبو حاتم وابن المدينى والساجى إنه سىء الحفظ . وقال الدار قطنى
كان ردى الحفظ كثير الوهم. وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ ردى الحفظ (فقال) أى الرجل المخزومی
(أصحنى) بفتح الحاء المهملة أمر من باب سمع أى رافقنى وصاحبنى فى هذا السفر (كيما تصيب) نصب بكى و ((ما))
زائدة أى لتأخذ (منها) أى من الصدقة (فتمال لا) أى لا أصحبك (فأسأله) أى أستأذنه أو أسأله هل يجوز لى أم لا
٢٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا يحل له الصدقة
فانطلق إلى النبى صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: إن الصدقة لا تحمل لنا، وإن موالى القوم من
أنفسهم. رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى.
(فانطلق) أبورافع (إلى النبى ◌َ لَّه فسأله) عن ذلك (إن الصدقة لا تحل لنا) تقدم الكلام عليه (وإن موالى القوم)
أى عتقاءهم (من أنفسهم) بضم الفاء أى حكمهم كحكمهم يعنى فلا تحل لك لكونك مولانا، وفيه دليل على تحريم
الصدقة على موالى بنى هاشم ولوكان الأخذ على جهة العمالة. قال الحافظ فى الفتح : وبه قال أحمد وأبو حنيفة
وبعض المالكية كابن الماجشون وهو الصحيح عند الشافعية. وقال الجمهور: يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة
ولذلك لم يعوضوا بخمس الخمس ومنشؤ الخلاف قوله منهم أو أنفسهم، هل يتناول المساواة فى حكم تحريم الصدقة
أم لا، وحجة الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام فلا دليل فيه على تحريم الصدقة ، لكنه ورد على سبب الصدقة
وقد اتفقوا على أنه لا يخرج السبب، وان اختلفوا هل يخص به أم لا - انتهى. وقال الأمير اليمانى: الحديث دليل
على أن حكم مولى آل محمد ◌َّ حكمهم فى تحريم الصدقة. قال: وذهبت جماعة إلى عدم تحريمها عليهم لعدم المشاركة
فى النسب ولأنه ليس لهم فى الخمس سهم . وأجيب بأن النص لا تقدم عليه هذه العلل فهى مردودة فانها ترفع
النص. قال ابن عبد البر: هذا خلاف الثابت من النص ثم هذا الحديث نص على تحريم العمالة على الموالى، وبالأولى
على آل محمد برفقة لأنه أراد الرجل الذى عرض على أبى رافع أن يوليه على بعض عمله الذى ولاه التى لم فينال
عمالة، لا أنه أراد أن يعطيه من أجرته جائز فانه جائز لأبى رافع أخذه إذ هو داخل تحت الخمسة الذين تحل لهم،
لأنه قد ملك ذلك الرجل أجرتة فيعطيه من ملكه فهو حلال لأبى رافع فهونظير قوله عليه السلام ، ورجل تصدق
عليه منها فأهدى منها - انتهى. وقال الخطابى فى المعالم: (ج ٢ ص ٧١) أما موالى بنى هاشم فانه لا حظ لهم
فى سهم ذى القربى فلا يجوز أن يحرموا الصدقة، ويشبه أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيها له . وقال: مولى القوم
من أنفسهم على سبيل التشبيه فى الاستنان بهم ، والاقتداء بسيرتهم فى اجتناب مال الصدقة التى هى أوساخ
الناس، ويشبه أن يكون ◌َ اللّه قد كان يكفيه المؤنة ويزيح له العلة، اذ كان أبورافع مولى له وكان يتصرف له فى
الحاجة والخدمة ، فقال له على هذا المعنى، اذا كنت تستغنى بما أعطيت فلا تطلب أوساخ الناس فانك مولانا
ومنا - انتهى . ولا يخفى ما فيه من التكلف ومخالفة ظاهر الحديث. والحق عندنا ما ذهب اليه أحمد وأبو حنيفة
ومن وافقهما والله تعالى أعلم (رواه الترمذى وأبو داود والف مائى) واللفظ الترمذى وأخرجه أحمد وابن حبان
والحاكم والبيهقى وسكت عنه أبو داود والمنذرى وصححه الترمذى وابن حبان والحاكم. وروى البخارى من حديث
أنس مرفوعا مولى القوم من أنفسهم، وروى أحمد وابن أبى شيبة وغيرهما من حديث أم كلثوم بنت على ، قالت
حدثنى مولى لرسول اللّه ◌َؤ مرفوعا إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ومولى القوم منهم.
٢٢٨

مرعاة المفاتيح ج 4
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
١٨٤٥ - (١٠) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحل الصدقة
لغنى ، ولا لذى مرة سوى .
١٨٤٥- قوله (لا تحل الصدقة لغنى) هذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم لكنهم، اختلفوا فى حد الغنى
المانع من الصدقة ، وفى المحيط من كتب الحنفية الغنى على ثلاثة أنواع. غنى: يوجب الزكاة وهو ملك نصاب
حولى تام . وغنى : يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية، وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من الأموال
الفاضلة عن حاجته الأصلية. وغنى: يحرم السوال ، دون الصدقة وهو أن يكون له قوت يومه وما يسترعورته ۔
انتهى. وبسط الكلام فيه ابن قدامة فى المغنى كما سيأتى (ولا لذى مرة) بكسر الميم وتشديد الراء أى قوة . قال
الخطابي : معنى المرة القوة وأصلها من شدة فتل الحبل يقال أمروت الحبل إذا أحكمت فتله فمعنى المرة فى الحديث
شدة أسر الخلق وصحة البدن التى يكون معها احتمال الكد والتعب - انتهى. وقال الشوكانى: قال الجوهرى: المرة
القوة وشدة العقل ورجل مرير أى قوى ذومرة. وقال غيره: المرة القوة على الكسب والعمل (سوى) أى سليم
الخلق تام الأعضاء. قال الجوهرى: السوى مستوى الخلق والمراد استواء الأعضاء وسلامتها قال ابن الملك: أى.
لا تحل الزكاة لمن أعضاءه صحيحة، وهو قوى يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله، وبه قال الشافعى . قال
الطيبى وقيل : المعنى ولا لذى عقل وشدة وهو كناية عن القادر على الكسب، وهو مذهب الشافعى والخفية على أنه
إن لم يكن له نصاب حلت الصدقة. قال القارى: فى هذا الحديث نفي كمال الحل لا نفس الحل أو لا تحل له بالسؤالى -
انتهى . وقال السندى: لا تحل الصدقة أى سؤالها وإلا فهى تحل للفقير وإن كان صحيحا سوى الأعضاء إذا أعطاه
أحد بلا سؤال وقال الترمذى: قد روى فى غير هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل المسئلة لغتى، ولا
لذى مرة سوى، وإذا كان الرجل قويا محتاجا، ولم يكن عنده شىء فتصدق عليه أجزأ عن المتصدق عند أهل العلم .
ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسئلة - انتهى . يعنى إن هذا الحديث محمول على المسئلة، والمراد
بقوله لا تحل الصدقة لا تحل المسئلة ، والدليل عليه حديث حبشى بن جنادة الآتى فى الفصل الثانى من الباب الذى
يليه ، قال الخطابي: اختلف الناس فى جواز أخذ الصدقة لمن يحد قوة يقدر بها على الكسب ، فقال الشافعى :
لا تحل له الصدقة. وكذلك قال اسحاق بن راهويه وأبو عبيد، وقال أصحاب الرأى: يجوز له أخذ الصدقة إذا
لم يملك مائتى درهم فصاعداً - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٢ ص ١٦٦) اختلف العلماء فى الغنى المانع من
أخذها ونقل عن أحمد فيه روايتان أظهرهما انه ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب أو وجود ما تحصل
به الكفاية على الدوام من كسب، أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك ولو ملك من العروض ، أو الحبوب أو السائمة
أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيا وإن ملك نصابا هذا هو الظاهر من مذهبه، وهو قول الثورى
٢٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
والنخعى وابن المبارك واسحاق. وروى عن على وعبد الله إنهما قالا: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو عدلها أو
قيمتها من الذهب وذلك لما روى عبد الله بن مسعود مرفوعا من سأل وله ما يغنيه جاءت مسئلته يوم القيامة خموشا
:أو خدوشا أو كدوحا فى وجهه. فقيل يارسول اللّه! وما الغنى؟ قال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب (وسيجئ
هذا الحديث فى الباب الذى يليه) والرواية الثانية إن الغنى ما تحصل به الكفاية فاذا لم يكن محتا جاحرمت عليه
الصدقة وإن لم يملك شيئا، وإن كان محتاجا حلت له الصدقة، وإن ملك نصابا والأثمان وغيرها فى هذا سواء وهذا
اخيتار أبى الخطاب، وقول مالك والشافعى لأن النبي ◌َّم قال لا تحل المسئلة إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة
حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجى من قومه الحديث (وسيجثى فى الباب الآتى) فمد أباحة المسئلة إلى وجود إصابة
القوام أو السداد، ولأن الحاجة هى الفقروالغنى ضدها فمن كان محتاجا فهو فقير يدخل فى عموم النص، ومن استغنى دخل
فى عموم النصوص المحرمة. والحديث الأول فيه ضعف ثم يجوز إن تحرم المسئلة ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته
عن غير المسئلة، فان المذكورفيه تحريم المسئلة فنقتصر عليه. وقال الحسن وأبو عبيد: الغنى ملك أوقية وهى أربعون
درهما لما روى أبو سعيد الخدرى مرفوعا من سأل، وله قيمة أوقية فقد الحف رواه أبوداود، وكانت الأوقية على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهم] وقال أصحاب الرأى الغنى: الموجب للزكاة هو المانع من
أخذها وهو ملك نصاب تجب فيه الزكاة من الأثمان والعروض المعدة للتجارة أو السائمة أو غيرها لحديث ((تؤخذ
من أغنياءهم وترد فى فقراءهم ، جعل الأغنياء من تجب عليهم الزكاة، فيدل ذلك على أن من تجب عليه غنى ، ومن
لا تجب عليه ليس بغنى فيكون فقيرا، فتدفع الزكاة اليه لقوله فترد فى فقراءهم فيحصل الخلاف بيننا وبينهم فى
أمور ثلاثة. أحدها إن الغنى المانع من الزكاة غير الموجب لها عندنا، ودليل ذلك حديث ابن مسعود وهو أخص
من حديثهم فيجب تقديمه، ولأن حديثهم دل على الغنى الموجب، وحديثنا دل على الغنى المانع ولا تعارض بينهما
فيجب الجمع بينهما . الثانى إن من له ما يكفيه من مال غير زكائى أومن مكسبه أو أجرة عقارات أو غيره
ليس له الأخذ من الزكاة وبهذا. قال الشافعى واسحاق وأبو عبيدة وابن المنذر وقال أبو يوسف: إن دفع الزكاة
اليه فهو قبيح وأرجو أن يجزئه وقال أبو حنيفة وسائر أصحابه: يجوز دفع الزكاة اليه لأنه ليس بغنى لما ذكروه
فى حجتهم. ولنا ما روى الإمام أحمد من حديث عبيد الله بن عدى بن الخيار، يعنى الذى يأتى بعد هذا. ثم ذكر
حديث عبد الله بن عمر والذى نحن فى شرحه. ثم قال: ولأن له ما يغنيه عن الزكاة فلم يجز الدفع اليه كمالك
النصاب. الثالث إن من ملك نصابا زكائيا لا تتم به الكفاية من غير الأثمان فله الأخذ من الزكاة . قال
٢٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
رواه الترمذى وأبو داود والدارمى .
الميمونى: ذاكرت أبا عبد الله. فقلت: قد يكون للرجل الابل والغنم تجب فيها الزكاة، وهو فقير ويكون له
أربعون شأة وتكون له الضيعة لا تكفيه فيعطى من الصدقة ؟ قال نعم وذكر قول عمر أعطوم وإن راحت عليهم
من الابل كذا وكذا وقال فى رواية محمد بن الحكم: إذا كان له عقار يشغله أوضيعة تساوى عشرة آلاف أو أقل
أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة وهذا قول الشافعى وقال أصحاب الرأى: ليس له أن يأخذ منها إذا ملك
نصابا زكويا لأنه تجب عليه الزكاة فلم تجز له للخبر، ولنا أنه لا يملك ما يغنيه ولا يقدر على کسب ما يكفيه جاز
له الأخذ من الزكاة ولأن الفقر عبارة عن الحاجة. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله - فاطر: ١٥)
أى المحتاجون اليه وهذا محتاج فيكون فقيراً غير غنى، وقد بينا إن الغنى يختلف مسماه فيقع على ما يوجب الزكاة
وعلى ما يمنع منها فلا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ، ولا من عدمه عدم الأخر. فمن قال: إن الغنى هو
الكفاية سوى بين الأثمان وغيرها، وجوز الأخذ لكل من لا كفاية له، وإن ملك نصبا من جميع الأموال.
ومن قال بالرواية الأخرى فرق بين الأثمان وغيرها لخبر ابن مسعود إلى آخر ما بسطه. وقال الأمير اليمانى فى
شرح بلوغ المرام : قد اختلفت الأقوال فى حدالغنى الذى يحرم به قبض الصدقة على أقوال ، وليس عليها ما تسكن
له النفس من الاستدلال لأن المبحث ليس لغويا حتى يرجع فيه إلى تفسير لغة، ولأنه فى اللغة أمر نسبى لا يتعين
فى قدرو وردت أحاديث معينة لقدر الغنى الذى يحرم به السوال حديث أبى سعيد عند النسائى من سأل وله أوقية فقد
الحف ، وعند أبى داود من سأل منكم وله أوقية أوعدلها فقد سأل الحانا، وأخرج أيضا من سأل وله ما يقنيه
فانما يستكثر من النار. قالوا: وما يغينيه؟ قال: قدرما يعشيه ويغديه صححه ابن حبان، فهذا قدر الغنى الذى يحرم
معه السوال. وأما الغنى الذى يحرم معه قبض الزكاة فالظاهر أنه من تجب عليه الزكاة وهو من يملك مائتى درهم
لقوله ◌َّم أمرت أن آخذها من أغنياءكم وأردها فى فقراءكم فقابل بين الغنى، وأفاد أنه من تجب عليه الصدقة
وبين الفقير، وأخبر أنه من ترد فيه الصدقة هذا أقرب ما يقال فيه - انتهى. قلت: وبه قال الحنفية كما تقدم
وهو الراجح عندى والله تعالى أعلم (رواه الترمذى وأبو داود والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد (ج٢ ص ١٦٤-
١٩٢) وأبو عبيد (ص ٥٤٩) والطيالسى وابن الجارود فى المنتقى (ص ١٨٦) والبخارى فى التاريخ الكبير
(ج ١، ٢ ص ٣٠١) والدار قطى (ص ٢١١) والحاكم (ج ١ ص ٤٠٧) والطحاوى (ج ١ ص ٣٠٣) كلهم
من حديث سعد بن ابراهيم عن ريحان بن يزيد العامرى عن عبد الله بن عمرو، قال الترمذى: حديث حسن
وذكر إن شعبة رواه عن سعد بن إبراهيم بهذا الاسناد ولم يرفعه. وقال أبوداود وقال عطاء بن زهير: إنه لق
عبد الله بن عمرو، فقال إن الصدقة لا تحل لقوى، ولا لذى مرة سوى. وقال الامام أحمد قال عبد الرحمن بن.
مهدى: ولم يرفعه سعد ولا ابنه يعنى إبراهيم بن سعد. وقال البخارى فى التاريخ الكبير: وروى إبراهيم بن سعد
٢٣١

ـرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة.
عن أبيه ولم يرفعه. وقال المنذرى بعد ذكر كلام الترمذى: فى اسناده ريحان بن يزيد. قال ابن معين ثقة. وقال
أبو حاتم الرازى: شيخ مجهول. وقال بعضهم: لم يصح اسناده وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو - أنتهى.
قلت : ريحان بن يزيد قد عرفه غير أبى حاتم ووثقه، وقد تقدم أنه وثقه يحيى بن معين. وقال: حجاج عن شعبة
عن سعد بن ابراهيم سمع ريحان بن يزيد وكان أعرابيا صدوقا وذكره ابن حبان فى الثقات، وترجمه البخارى فى
التاريخ الكبير، فلم يذكرفيه جرحا، ومن عرف حجة على من لم يعرف. وأما التعليل بأن شعبة وابراهيم بن سعد
روياه عن سعد فلم يرفعاه فليس بشىء، فإن الحديث رواه عن سعد ثلاثة من الحفاظ الثقات، سفيان الثورى
وشعبة وإبراهيم بن سعد. أما الثورى فرواه عن سعد مرفوعا عند أحمد فى الموضعين، وعند الطيالسى وأبى
عبيد والبخارى فى الكبير والدارمى والترمذى وابن الجارود والحاكم والدارقطنى والطحاوى لم تختلف الرواية
عنه فى رفعه. وأما شعبة فاختلف عليه، فروى عنه الحجاج بن منهال عند الطحاوى (ص ٣٠٣) موقوفا. وروى عنه
آدم بن أبى أياس عند الحاكم، وحجاج عند البخارى فى الكبير مرفوعا . وأما ابراهيم بن سعد فاختلف عليه أيضا
فروى عنه عباد بن موسى الختلى عند أبى داود وأبو بكر بن أبى العوام عند الحاكم مرفوعا، ويشير كلام الامام أحمد
المتقدم إلى أن عبدالرحمن بن مهدى الذى روى الحديث عن الثورى قد سمعه من إبراهيم بن سعد عن أبيه موقوفا
كما سمعه من الثورى عن سعد مرفوعا، فيكون إبراهيم رواه مرة مرفوعا، ومرة موقوفا، ولا يضر هذا
الاختلاف فان الراوى قد يرفع الحديث مرة ، ويقفه أخرى ، والرفع زيادة من الثقة فهى مقبولة. بل ههنا الرفع
أرجح لأن سفيان أحفظ من شعبة وإبراهيم بن سعد. ولأنه إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان ولأن
سفيان لم تختلف الرواية عنه فى رفعه بخلاف شعبة وابراهيم، فإنه قد روى عنهما مرفوعا موافقا لسفيان كما عرفت.
وأما ما قال أبوداود ان عطاء بن زهير قال: أنه اقى عبدُ الله بن عمرو الخ. فهو خطأ من جهة الاسناد والمتن
جميعا كما بينه العلامة الشيخ أحمد شاكر فى شرحه للسند (ج ١٠ ص ٥١، ٥٢، ٥٣، ٥٤) قلت: ويدل على
وقوع الخطأ فى رواية أبى داود المعلقة هذه ما رواه البيهقى ( ج ٧ ص ١٣) من طريق عبيد الله بن الشميط ثنا
أبى والأخضر بن عجلان عن عطاء بن زهير العامرى عن أبيه قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرنى عن
الصدقة أى مال هى؟ قال: هى شرمال للعميان والعرجان والكسحان واليتامى وكل منقطع به. فقلت: إن للعاملين
عليها حقا وللجاهدين . فقال للعاملين عليها بقدر عمالتهم والجاهدين فى سبيل اللّه قدر حاجتهم، أو قال حالهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصدقة لا تحل لغنى ولا لذى مرة سوى - انتهى. هذا وقد بسط العلامة
الشيخ أحمد شاكر القول فى تصحيح حديث عبد الله بن عمرو المرفوع فعليك أن تراجعه.
٢٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
١٨٤٦ - (١١) ورواه أحمد، والنسائى، وابن ماجه عن أبى هريرة.
١٨٤٧ - (١٢) وعن فهد اللّه بن عدى بن الخيار، قال: أخبرنى رجلان أنهما أتيا الذى مَّ
وهو فى حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها فرفع فينا النظر وخفضه فرانا جلدين، فقال:
(((إن شئتما أعطيتك)،
١٨٤٦ - قوله (ورواه أحمد) (ج ٢ ص ٣٧٧ - ٣٨٩) (والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة)
وأخرجه عنه ابن حبان والبزار والطحاوى والطبرانى والحاكم أيضا واختلفوا فى تسمية الراوى عن أبى هريرة،
فعند أحمد والنسائى وابن ماجه وابن حبانِ والطحاوى والبزار والبيهقى، عن سالم بن أبي الجعد عن أبى هريرة.
قال صاحب التنقيح: رواته ثقات، إلا أن أحمد بن حنبل قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبى هريرة - انتهى
ورواه الطحاوى من حديث أبى صالح عن أبى هريرة والحاكم والبيهقى من حديث أبى حازم عنه قال الحاكم: حديث
صحيح على شرط الشيخين وشاهده حديث عبد الله بن عمرو. ثم رواه بسند السنن وسكت عنه. وحديث أبى هريرة
عزاه الهيثمى للطبرانى، وقال : رجاله رجال الصحيح ، وفى الباب عن رجل من بنى هلال عند أحمد والطحاوى.
قال الهيثمى: رجاله رجال الصحيح وعن حبشى بن جنازة وسيأتى. وعن جابر عند الدارقطنى بسند ضعيف،
وعن طلحة عند أبى يعلى وابن عدى بسند فيه ضعف، وعن عبد الرحمان بن أبى بكر عند الطبرانى فى الكبير، وفيه
ابن لهيعة وعن ابن عمر عند ابن عدى بسند ضعيف. أنبيه كلام المصنف يدل على أن الامام أحمد لم يرو
هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو، وهو ذهول منه فان أحمد رواه عن أبى هريرة، وعبد بن اللّه عمرو وكلبهما
کما عرفت.
١٨٤٧ - قوله (وعن عبد الله بن عدى بن الخيار) بكسر الخاء المعجمة فيثناة تحتية آخره راء (أخبر نى رجلان)
زاد الطحاوى فى شرح الآثار (ص٣٠٣) من قومى ولم أقف على تسميتهما (وهو فى حجة الوداع) بفتح الواو (وهو يقسم)
بفتح الياء وكسر السين (الصدقة) أى أموالها (فسألاه منها) أى طالباه أن يعطيهما شيئا من تلك الصدفة (فرفع فينا
النظر) فى نسختى العون والبذل من نسخ السنن لأبى داود البصر بدل النظر . وكذا وقع عند أبى عبيد والطحاوى
والدار قطنى والبيهقى من طريق أبي داود. وكذا نقله الزيلعى والحافظ فى تخريجهما. ووقع فى نسخة معالم السنن
النظر كما فى الكتاب، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول . ولفظ أحمد والنسائى فقلب فيهما البصر ، وفى رواية
لأحمد فصعد فيهما البصر ، والبيهقى فى رواية فصعد فينا النظر ، وصوب. وفى رواية فصعد البصر (جلدين ) بفتح
الجيم وسكون اللام أى قويين (إن شئما أعطيتكا) أى منها ووكات الأمر الى أمانتكما لكن تكونان فى خطر الأخذ
٢٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
ولا حظ فيها لغنى، ولا لغوى مكتسب. رواه أبو داود والنسائى.
١٨٤٨ - (١٣) وعن عطاء بن يسار، مرسلا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحل
الصدقة لغنى، إلا لخمسة .
بغير حق إن كنتما قويين كما دل عليه حالكما أو غنيين (ولا حظ) أى نصيب (فيها لغنى ولا لقوى مكتسب) بصيغة
الفاعل أى قادر على الكسب. قال الطيبي: أى لا أعطيكما لأن فى الصدقة ذلا وهو اناً. فان رضيتما بذلك أعطيتكما أولا
أعطيكما لأنها حرام على القوى المكتسب، فان رضيتما بأكل الحرام أعطيكما قاله توبيخاً وتغليظا، أى كقوله تعالى:
﴿ومن شاء فليكفر - الكهف: ٢٩﴾ وقال السندى: قوله ((إن شئتما)) الح يدل على أنه لو أدى أحد اليهما يحل لها
أخذه ويجزىء عنه، وإلا لم يصح له أن يؤدى اليهما بمشيئتهما فقوله ((ولا حظ فيها، الضمير للصدقة على تقدير
المضاف، أى فى سؤالها أو المسئلة المعلومة من المقام - انتهى . وقال ابن الهمام: الحديث دل على أن المراد حرمة
سؤالهما لقوله ((وإن شئتما أعطيتكما)) فلو كان الأخذ محرما غير مسقط عن صاحب المال لم يفعله ـ انتهى. والحديث
من أدلة تحريم الصدقة على الغنى، وهو تصريح بمفهوم الآية وإن اختلف فى تحقيق الغنى بما سلف وعلى القوى
المكتسب، لأن حرفته صيرته فى حكم الغنى. ومن أجازله تأول بما تقدم فى أول كلام الطيبي وفى كلام السندى
وان الهمام (رواه أبو داود والنسائى) وأخرجه أيضا الشافعى وأحمد (ج ٤ ص ٢٢٤) وأبو عبيد (ص ٥٤٩)
والدارقطنى (ص ٢١١) والطحاوى (ص ٣٠٣) والطبر انى والبيهقى (ج ٧ ص ١٤) كلهم من حديث هشام بن
عروة عن أبى عبيد الله بن عدى بن الخيار، وقد سكت عنه أبو داود والمنذرى. وقال الحافظ فى بلوغ المرام:
قواه أبو داود. وقال أحمد: ما أجوده من حديث، وقال هو أحسنها أسناداً. وقال صاحب التنقيح : حديث صحيح
ورواته ثقات . وقال الهيشمى : رجاله رجال الصحيح.
١٨٤٨ - قوله (وعن عطاء بن يسار) بفتح الياء تابعى جليل (مرسلا) أى بحذف الصحابى وهو أبو سعيد
الخدرى كما سيأتى (لا تحل الصدقة لغنى إلا خمسة) فتحل لهم وهم أغنياء لأنهم أخذوها بوصف آخر قاله الزرقانى:
وقال لمعندرشدين الجمهور على أنه لا تجوز الصدقة للأغنياء بأجمعهم، إلا للخمس الذى نص عليهم النبي ◌َ ◌ّه فى
هذا الحديث . وروى عن ابن القاسم أنه لا يجوز أخذ الصدقة لغنى أصلا مجاهدا كان أو عاملا. قال: وسبب
اختلافهم هو هل العلة فى إيجاب الصدقة للأصناف المذكورين هو الحاجة فقط أو الحاجة والمنفعة العامة إلى آخر
ما قال. وعند الحنفية : سبب استحقاق الزكاة فى الكل واحد وهو الفقر والحاجة الا العاملين عليها والمؤلفة ،
واختلاف الأسماء إنما هو لبيان أسباب الحاجة. قال أبوبكر الجصاص الرازى فى أحكام القرآن: وجميع من يأخذ
٢٣٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦- كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
لغاز فى سبيل الله،
الصدقة من هذه الأصناف فانما يأخذها صدقة بالفقر ، والمؤلفة قلوبهم والعاملون عليها لا يأخذونها صدقة. وإنما
تحصل الصدقة فى يد الامام للفقراء ثم يعطى الامام المؤلفة لدفع أذيتهم عن الفقراء وسائر المسلمين . ويعطيها
العاملين عوضا من أعمالهم لا على أنها صدقة عليهم. وإنما قلنا ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ
الصدقة من أغنياءكم وأردها فى فقراءكم، فبين إن الصدقة مصروفة إلى الفقراء فدل ذلك على أن أحداً لا يأخذها
صدقة إلا با الفقر، وإن الأصناف المذكورين إنما ذكروا بيانا لأسباب الفقر ـ انتهى. قلت: اعتبار الفقر فى
جميع الأصناف غير العامل والمؤلف وجعله مناطا للاستحقاق ليس بصحيح ، فان الله تعالى قد فرق بين هذه
الأصناف بالتسمية وعطف بعضها على بعض ، وجعل العامل وما بعده صنفا غير الفقراء والمساكين ، فلا يشترط
وجودها معناهما فيما ذكر بعدهما كما لا يشترط معناه فيهما ، ولا يجب وجود صفة هذين الصنفين فى بقية الأصناف
كما لا يلزم وجود صفة تلك الأصناف فيهما. وأما حديث معاذ ففيه بيان صنف واحد فقط، ولذا احتج به من
ذهب الى جواز صرف الزكاة الى صنف واحد . قال القارى : ظاهر حديث معاذ إن دفع المال الى صنف واحد
جائز كما هو مذهبنا - انتهى. وهكذا استدل به لذلك ابن الجوزى وأبو عبيد والكاسانى فى البدائع، والقرطبى
المالكى فى المفهم ، وابن قدامة فى المغنى ، وغيرهم من الشراح . وخص هذا الصنف بالذكر مع كون المقام مقام
إرسال البيان لأهل اليمن وتعليمهم لمقابلة الأغنياء، ويحتمل أن يكون ذلك لكون الفقراء هم الأغلب أو لبيان أنهم
الأحق والأهم. وكانت آية مصارف الزكاة معلومة معروفة فلم تكن حاجة الى تعديد جميع مصارفها ، وحديث
الباب نص فى الرد على الحنفية وعلى ابن القاسم ، وقد تكلف ابن الهمام وغيرة للجواب عنه كما سيأتى مع الرد عليه
وقال الشوكانى فى السيل الجرار: لا ينافى ما صرحت به الآية من المصارف الثمانية ما ورد من أن الزكاة تؤخذ
من الأغنياء وترد فى الفقراء، فان ذلك محمول على أنه لم يوجد فى المحل الذى أخذت منه الا الفقراء. أما اذا وجد
غيرهم فله حق فيها حق الفقراء، فيجمع بين الأدلة بهذا، وأما من اشترط الفقر فى جميع الأصناف فلا يحتاج الى
الجمع بهذا ولكن هذا الاشتراط خلاف ظاهر القرآن، وخلاف ما ثبت فى السنة كقوله مؤيّ لا تحل الصدقة لغنى
إلا لغاز فى سبيل الله - الحديث. (لغاز فى سبيل الله) أى يجوز له أخذ الزكاة والاستعانة بها فى غزوه، وإن كان
غنيا ، واليه ذهب الأئمة الثلاثة واسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يحل
للغازى الا أن يكون منقطعا به أو فقيرا وُرُد بأن الأول داخل فى الآية فى ابن السبيل، والثانى فى الفقراء وقد
فرق الله تعالى بين سهم السبيل وابن السبيل والفقراء بالواو، والقول بأن منقطع الغزاة فقيرا، لا أنه زاد بالانقطاع فى
عبادة الله فكان مغايرا للفقير المطلق الخالى عن هذا القيد، لا يجدى شيئا فانه بقيد الفقر ببطل كون سبيل الله صنفا
مستقلا، اذ يرجع حينتد الى الصنف الأول وهم الفقراء والمساكين. والحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿فى سبيل
٢٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا محل له الصدقة
الله - التوبة: ٦٠) إن المراد به الغزاة، وعليه الجمهور، قال أبو عبيد (ص ٦١٠) بعد ذكر هذا الحديث فأرخص
مرَّ للغازى أن يأخذ من الصدقة وإن كان غنيا، ونراها تأويل هذا الآية قوله ((وفى سبيل الله)) وقال الخطابي:
فى الحديث بيان إن للغازى وإن كان غنيا أن يأخذ الصدقة، ويستعين بها فى غزوه وهو من سهم سبيل الله واليه
ذهب مالك والشافعى وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأى لا يجوز أن يعطى الغازى من الصدقة إلا أن يكون منقطعا
به. قلت (قائله الخطابى): سهم السبيل غير سهم ابن السبيل. وقد فرق الله بينهما بالتسمية وعطف أحدهما على
الآخر بالواو والذى هوحرف الفرق بين المذكورين المنسوق أحدهما على الآخر، فقال وفى سبيل اللّه وابن السبيل
والمنقطع به هو ابن السبيل ، فأما يسهم السبيل فهو على عمومه وظاهره فى الكتاب. وقد جاء فى هذا الحديث ما بينه
ووكد أمره فلا وجه للذهاب عنه ـ انتهى. وقال الباجى: لا بأس أن يعطى من الزكاة للغازى وإن كان معه
ما يغنيه وإن لم يأخذ فهو أفضل هذا قول مالك وبه قال الشافعى: وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازى الغنى شىء من
الصدقة ولا يحل له أخذها. وقال ابن المنذر: وأما قول أبى حنيفة لا يعطى الغازى من الزكاة الا أن يكون محتاجا
فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وفى سبيل اللّه) وأما السنة حديث أبى سعيد
يعنى الذى نحن فى شرحه. وقال الشوكانى فى السيل الجرار: تحت قول صاحب حدائق الأزهار وسبيل اللّه هو
المجاهد الفقير ما لفظه، أقول قد عرفناك إن حديث أبى سعيد فيه التصريح بعدم اشتراط الفقر فيمن اشتمل عليه
ومن جملتهم الغازى، فالسنة قد دلت على أنه يصرف إلى هذا الصنف مع الغنى . والقرآن لم يشترط فيه الفقر فلم
ببق ما يوجب هذا الاشتراط ، بل هو مجرد رأى بحت فيصرف اليه ما يحتاجه فى الجهاد من سلاح ونفقة وراحلة
وإن بلغ أنصبا كثيرة قلت: واستدل لأبى حنيفة بحديث معاذ أمرت أن آخذ الصدقة من أغنياءكم وأردها فى فقراءكم.
قال الكاسانى: جعل الناس قسمين. قسم ، يؤخذ منهم. وقسم ، يصرف اليهم. فلو جاز صرف الصدقة الى الغنى
لبطلت القسمة وهذا لا يجوز، وبحديث عبد الله بن عمرو المتقدم بلفظ: لا تحل الصدقة لغنى قال ابن الهمام حديث لا
تحل الصدقة لغنى مع حديث معاذ يفيد منع غنى الغزاة والغارمين عنها، فهو حجة على الشافعى فى تجويزة لغنى الغزاة اذا لم يكن
له شىء فى الديوان ولم يأخذ من الفي. وأجيب عن ذلك بأنه لوصح ما قال الكاسانى للزم اشتراط الفقر فى العامل والمؤلف
أيضا ، ولما جاز دفع الزكاة الى غنى العاملين والمؤلفة قلوبهم والا لبطلت القسمة، وأيضا لزم تقييد إطلاق القرآن.
بخبر الواحد وهذا لا يجوز عند الحنفية. وقدمنا إن حديث معاذ فيه بيان للصنف الواحد فقط من الأصناف الثمانية.
وهم الفقراء وذلك لمقابلة الأغنياء أولكونهم أذ ذاك هم الأغلب لا، لأن هذا الصنف هو المصرف فقط. ولا لأن
الفقر شرط فى الأصناف الآخر ، والمفهوم من الآمنة إن المعتبر فى المصارف المذكورة. أما حاجتهم الى الصدقة
وهذا فى الفقير والمسكين والرقبة والغارم لقضاء دينه وابن السبيل أو حاجة المسلمين اليهم والمنفعة العامة، وهذا فى
٢٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
العامل والمؤلف والغازى والغارم لإصلاح ذات البين . قال ابن العربى فى أحكام القرآن: قال أبو حنيفة لا يعطى
الغازى إلا اذا كان فقيرا وهذه زيادة على النص وعنده إن الزيادة على النص نسخ ولا نسخ فى القرآن إلا بقرآن
مثله أو بخبر متواتر - انتهى. وأما حديث عبدالله بن عمرو فهو مجمل يفسره حديث عطاءبن يسار هذا وهو حديث
موصول صحيح كما ستعرف. قال ابن عبد البر: هذا الحديث مفسر لمجمل قوله معروفة. لا تحل الصدقة لغنى ولا الذى
مرة سوى وإنه ليس على عمومه، واجمعوا على أن الصدقة المفروضة لا تحل لغير الخمسة المذكورين - انتهى.
وأجاب الحنفية عن هذا الحديث بوجوه. منها: ما قال العينى: المراد من قوله لغاز فى سبيل الله هو الغازى
الغنى بقوة البدن والقدرة على الكسب، لا الغنى بالنصاب الشرعى بدليل حديث معاذ وفى ذكر هذا غنى عن
الرد ، ويدل على بطلانه أيضا حديث عبد الله بن عمرو وحديث عبيد الله بن عدى بن الخيار المتقدمين كما لا يخفى.
ومنها: ما قيل إن المستثنى .قيد بالفقر وإطلاق الغنى عليه مجاز باعتبار ما كان. قال الكاسانى فى البدائع: وأما
استثناء الغازى فمحمول على حال حدوث الحاجة وسماه غنيا على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة وهو أن يكون
غنيا، ثم تحدث له الحاجة بأن كان له دار يسكنها، ومتاع يمتهنه، وثياب يلبسها وله مع ذلك فضل مائتى درهم حتى
لا تحل له الصدقة، ثم يعزم على الخروج فى سفر غزو فيحتاج الى آلات السفر والسلاح والمركب، فيجوز أن
يعطى من الصدقة ما يستعين به فى حاجته التى تحدث له فى سفره، وهو فى مقامه غنى بما يملكه، لأنه غير محتاج فى
حال الاقامة. فيحمل قوله لا تحل الصدقة لغنى إلا لغاز فى سبيل الله على من كان غنيا فى حال مقامه، فيعطى بعض
ما يحتاج لسفره لما أحدث له السفر من الحاجة الا أنه يعطى حين يعطى وهو غنى - انتهى ملخصا. وفيه إن
هذا يدل على أن المراد من الغازى هو الغنى الذى تحدث له الحاجة الى جهاز الجهاد عند إرادة الغزو وإنشاء
سفره، وهذا مخالف لما صرح به الحنفية فى كتب فروعهم من أن المراد من سبيل اللّه فى الآية منقطع الغزاة.
ثم فسروه بالذى عجز عن اللحوق بجيش الاسلام لفقره بهلاك النفقة والدابة أو غيرها وإن كان فى بيته مال
وأفر، فتحل له الصدقة وإن كان كاسبا - انتهى. وقال فى شرح الاحياء قال أبو حنيفة هذا السهم مخصوص
بجنس خاص من الغزاة وهو الفقير المنقطع، وبه فسر فى سبيل الله وبه قال أبو يوسف وهو المفهوم من
اللفظ عند الإطلاق فلا يصرف الى أغنياء الغزاة - انتهى. وفيه أيضا تقييد المستثنى بالفقرمع كون المستثنى
منه مطلقا، وارتكاب المجاز من غير دليل وهـ ذا لا يجوز: وأما حديث معاذ فقد تقدم توجيهه. ومنها
ما ذكر ابن الهمام قيل: لم يثبت هذا الحديث يعنى الذى استدل به الشافعى ومن وافقه، وهو حديث
عطاء بن يسار ولو ثبت لم يقو قوة حديث معاذ، فانه رواه أصحاب الكتب الستة مع قرينة حديث عبد الله بن
٢٣٧

مر عاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
عمرو ولو قوى قوته ، ترجح حديث معاذ بأنه مانع وما رواه مبيع ذكره القارى. قلت : حديث
عطاء بن يسار هذا موصول صحيح ثابت قوى لا مطعن فيه كما ستعرف، ولا مخالفة بينه وبين حديثى عبد الله بن
عمرو ومعاذ حتى يصار الى الترجيح وقد تقدم بيان معناهما فائدة اختلفوافى المراد من سبيل الله فى آية المصارف
فقيل: المراد به الغزاة وعليه الجمهور . قال الباجى: هو الغزو والجهاد قاله مالك وجمهور الفقهاء. وقال الخرقى
وسهم فى سبيل الله وهم الغزاة. قال ابن قدامة: هذا الصنف السابع من أهل الزكاة ولا خلاف فى استحقاقهم
ولا خلاف فى أنهم الغزاة فى سبيل الله لأن سبيل الله عند الاطلاق هو الغزو - انتهى. ثم اختلف أهل هذا القول.
فقال الأكثر: إنهم يعطون ما ينفقون فى غزوهم وإن كانوا أغنياء. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يعطى
الغازى الا اذا كان فقيرا منقطعا به. قال الحافظ: أما سبيل اللّه فالأكثر على أنه يختص بالغازى غنيا كان أو فقيرا ،
الا أن أبا حنفية قال يختص بالغازى المحتاج. وقيل: المراد منه منقطع الحاج وبه قال محمد وروى عن أحمد
واسحاق إن الحج أيضا من سبيل اللّه يعنى إن الحج من جملة السبل مع الغزو ولأنه طريق بر. قال ابن قدامة:
وكن أحمد رحمه الله رواية أخرى لا يصرف منها فى الحج وبه قال مالك والليث وأبو حنيفة والثورى والشافعى
وأبو ثور وابن المنذر. وقيل: اللفظ عام فلا يجوز قصره على نوع خاص ويدخل فيه جميع وجوه الخير من
تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك، نقل ذلك القفال عن بعض الفقهاء من
غير أن يسميه كما فى حاشية تفسير البيضاوى لشيخزادة ، واليه مال الكاسانى اذ فسره بجميع القرب. قال فى
البدائع سبيل الله عبارة عن جميع القرب ويدخل فيه كل من سعى فى طاعة الله وسبيل الخيرات اذا كان محتاجا.
وقال النووى فى شرح مسلم: وحكى القاضى عياض عن بعض العلماء أنه يجوز صرف الزكاة فى المصالح العامة ،
وتأول عليه هذا الحديث، أى ما روى البخارى فى القسامة أنه صلى الله عليه وسلم وداه الذى قتل بخيبر مائة من
إبل الصدقة. قلت واحتج القول الثانى بما روى أبو داود عن ابن عباس إن امرأة قالت لزوجها أحججنى مع
رسول الله وَ الله على جملك فلان قال ذاك حبيس فى سبيل الله - الحديث. وفيه إن رسول اللّه مَ فل قال: أما أنك
لو أحججتها عليه كان فى سبيل الله. وبما روى عن أم معقل الاسدية إن زوجها بكرا فى سبيل الله وإنها أرادت
الحج - الحديث. وفيه فأمر رسول اللّه ◌َ فّهم أن يعطيها البكر، وقال رسول اللّه مؤلم: الحج من سبيل الله
أخرجه أحمد وغيره. وبما روى عن أبى لاس قال حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على ابل من الصدقة للحج ذكره
البخارى تعليقا بصيغة التمريض، ووصله أحمد وابن خزيمة والحاكم. قال الشوكانى: حديث أم معقل وحديث
٢٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
أبى لاس يدلان على أن الحج من سبيل الله، وإن من جعل شيئا من ماله فى سبيل الله جاز له صرفه فى تجهيز
الحجاج، واذا كان شيئا مركوبا جاز حمل الحاج عليه، ويدلان أيضا على أنه يجوز صرف شىء من سهم
سبيل الله من الزكاة الى قاصدين الحج - انتهى. وبما روى ابن عبيد فى الأموال عن أبى معاوية وابن أبى شيبة
فى مصنفه عن أبى جعفر كلاهما عن الأعمش عن حسان إلى الأشرس عن مجاهد عن ابن عباس ، أنه كان لا يرى
بأسا أن يعطى الرجل من زكاة ماله فى الحج وأن يعتق منها الرقبة. وبما روى عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة
أوصت بثلاثين درهما فى سبيل اللّه فقيل له أتجعل فى الحج؟ فقال أما أنه من سُبُل اللّه أخرجه أبو عبيد باسناد
صحيح عند. والقول الراجح عندى: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد به الغزو والجهاد خاصة، لأن
سبيل الله إذا أطلق فى عرف الشرع فهو فى الغالب واقع على الجهاد حتى كأنه مقصور عليه. قال ابن العربى فى
أحكام القرآن: قوله: ((فى سبيل الله)) قال مالك سبل الله كثيرة، ولكنى لا أعلم خلافا فى أن المراد بسبيل الله
ههنا الغزو. ولحديث عطاء بن يسار الذى نحن فى شرحه وهو حديث صحيح مفسر لقوله فى سبيل الله فى الآية
فيجب حمله عليه، ولم أر عنه جوابا شافيا من أحد، واليه ذهب ابن حزم اذ قال ، وأما سبيل الله فهو الجهاد
بحق. ثم ذكر حديث عطاء بن يسار عن أبى سعيد من طريق أبي داود وهو الذى رجحه ابن قدامة حيث قال:
وهذا أصح لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد فان كل ما فى القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد
به الجهاد والا اليسير، فيجب أن يحمل ما فى هذه الآية على ذلك لأن الظاهر أرادته به - انتهى. وهو الذى
صححه الخازن فى تفسيره حيث قال: والقول الأول هو الصحيح لاجماع الجمهور عليه، ورجحه أيضا العلامة
القنوجى البوفالی فی تفسیره إذ قال: والأول أولى لاجماع الجمهور علیه و به فسر الشوکانی فی فتح القدير ( ج ٢
ص٣٥٦) ورجحه، واختاره أيضا غيرهم من المفسرين. وأما الأحاديث التى استدل بها أهل القول الثانى فقد
أجيب عنها بوجهين . الأول الكلام فيها اسنادا فان حديث ابن عباس فى اسناده عامر بن عبد الواحد الأحول
وقد تكلم فيه أحمد والنسائى. وقال الحافظ: صدوق يخطىء. وقد روى الشيخان عن ابن عباس نحو هذه
القصة وليس عندهما إنه جعل جمله حبيسا فى سبيل الله ولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لواحججتها عليه
كان فى سبيل الله. وأما حديث أم معقل ففيه اضطراب كثير واختلاف شديد فى سنده ومتنه حتى تعذر الجمع
والترجيح مع ما فى بعض طرقه من راو ضعيف ومجهول ومدلس قد عنعن ، وهذا مما يوجب التوقف فيه وذلك
لا يشك فيه من ينظر فى طرق هذا الحديث فى مسند الامام أحمد وفى السنن مع حديث ابن عباس عند الشيخين
وأبي داود وابن أبى شيبة ، ومع قصة أم طليق عند ابن السكن وابن منده والدولابى. وقد حمل ذلك بعضهم على
٢٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
وقائع متعددة ولا يخفى بعده. وأما حديث أبى لاس، فقال الحافظ فى الفتح: رجاله ثقات، الا أن فيه عنعنة
ابن اسحاق، ولهذا توقف ابن المنذر فى ثبوته - انتهى. ويشير بذلك إلى ما حكى عنه أنه قال إن ثبت حديث ابن
لاس قلت بذلك، قال الحافظ: وتعقب بأنه يحتمل أنهم كانوا فقراء وحملوا عليها خاصة ولم يتملكوها - انتهى.
وأما أثر ابن عباس فهو أيضا مضطرب صرح به أحمد كما فى الفتح، وقد بين اضطرابه الحافظ ، ولذلك كف
أحمد عن القول بالإعتاق من الزكاة تورعا وقيل بل رجع عن هذا القول. والثانى أنه لا ينكر إن الحج من
سبيل الله بل كل فعل خير من سبل الله، لكن لا يلزم من هذا أن يكون السبيل المذكور فى هذه الأحاديث هو
المذكور فى الآية ، فان المراد فى هذه الأحاديث المعنى الأعم وفى الآية نوع خاص منه، وهو الغزو والجهاد،
لحديث أبي سعيد. وإلا لجميع الأصناف من سبيل الله بذلك المعنى. قال ابن حزم: فان قيل قد روى عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحج من سبيل الله، وصح عن ابن عباس أن يعطى منها فى الحج، قلنا نعم،
وكل فعل خير فهو من سبيل اللّه تعالى، إلا أنه لا خلاف فى أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر فى قسمة
الصدقات ، فلم يجز أن توضع إلا حيث بين النص وهو الذى ذكرنا - انتهى. وقال ابن قدامة: هذا أى عدم
صرف الزكاة فى الحج أصح، لأن الزكاة إنما تصرف الى أحد رجلين محتاج اليها كالفقراء والمساكين ، وفى الرقاب
والغارمين لقضاء ديونهم وابن السبيل، أو من يحتاج اليه المسلمون كالعامل والغازى والمؤلف والغارم لاصلاح
ذات البين ، والحج من الفقير لا، نفع المسلمين فيه ولا حاجة بهم اليه ولا حاجة به أيضا اليه، لأن الفقير لا فرض
عليه فيسقطه ولا مصلحة له فى ايجابه عليه وتكليفه مشقة قدرفه الله منها، وخفف عنه ايجابها. وأما الخبر
(يعنى حديث إن الحج فى سبيل الله) فلا يمنع أن يكون الحج من سبيل الله، والمراد بالآية غيره لما ذكرنا -
انتهى . وقال ابن الهمام: متعقبا على الاستدلال المذكور، ثم فيه نظر لأن المقصود ماهو المراد بسبيل اللّه المذكور
فى الآية، والمذكور فى الحديث لا يلزم كونه إياه لجواز أنه أراد الأمر الأعم وليس ذلك المراد فى الآية بل نوع
مخصوص ، وإلا فكل الأصناف فى سبيل الله بذلك المعنى - انتهى. وقال صاحب تفسير المنار: بعد الكلام فى سند
حديث أم معقل ما لفظه، وأقول من جهة المعنى. أولا إن جعل أبى معقل جمله فى سبيل الله أو وصيته به صدقة
تطوع، وهى لا يشترط فيها إن تصرف فى هذه الأصناف التى قصرتها عليها الآية وثانيا: إن حج إمرأته عليه
ليس تمليكا لها يخرج الجمل عن إبقاءه على ما أوصى به أبو معقل، ويقال مثل هذا فى حديث أبى لاس. وثالثا:
إن الحج من سبيل الله بالمعنى العام للفظ، والراجح المختار أنه غير مراد فى الآية - انتهى. وأما القول الثالث
فهو أبعد الأقوال لأنه لا دليل عليه لا من كتاب ولامن سنة صحيحة أو سقيمة ولا من إجماع، ولا من رأى صحابى
٢٤٠
٠٠