النص المفهرس
صفحات 201-220
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
مسند لأنه ليس فى شىء من طرقه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره. والثانى: أنه مضطرب فيه
فان فى بعض طرقه إثبات الزبيب وفى بعضها نفيه ، وفى بعضها ذكر الدقيق. والسلت، وقد تقدم الجواب عن الوجه
الأول. وأما الثانى: فقال الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على المحلى (ج ٦ ص ١٢٥) ليس هذا من الاضطراب فى
شىء بل إن بعض الرواة يطيل وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئا ويسهو عن غيره وزيادة الثقة مقبولة ،
فالواجب جمع كل ما روى فى الروايات الصحيحة اذ لا تعارض بينهما أصلا فائدة اختلفوا فى الأفضل من
الأجناس المنصوص عليها. فقال القسطلانى: مذهب الشافعية إن البر خير من التمر والأرز، والشعير خير من
التمر لأنه أبلغ فى الاقتيات. والتمر خير من الزبيب - انتهى. وقال الخرقى: اختيار أبى عبد الله (أحمد بن حنبل)
اخراج التمر. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ٦١) وبهذا قال مالك: قال ابن المنذر. واستحب مالك اخراج العجوة
منه، واختار الشافعى وأبو عبيد اخراج البر، وقال بعض أصحاب الشافعى : يحتمل أن يكون الشافعى قال ذلك
لأن البر كان أعلى فى وقته ومكانه، لأن المستحب أن يخرج أغلاها ثمنا وأنفسها. وإنما اختار أحمد اخراج التمر
إقتداء بأصحاب رسول اللّه ◌َلّم فروى باسناده عن أبى مجلز. قال قلت لابن عمر إن الله قد أوسع والبر أفضل
من التمر. قال: إن أصحابى سلكوا طريقا وأنا أحب أن أسلكه، وظاهر هذا إن جماعة من الصحابة كانوا
يخرجون التمر فأحب ابن عمر موافقتهم وسلوك طريقتهم ، وأحب أحمد أيضا الاقتداء بهم وأتباعهم. وروى
البخارى عن ابن عمر قال: فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر - الحديث. وفيه كان ابن عمر يعطى التمر
فأعوز أهل المدينة من التمر ، فأعطى شعيرا، قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج فى صدقة الفطر.
وقد روى جعفر الفريابى من طريق أبي مجلز قال: قلت لابن عمر قد أوسع اللّه والبر أفضل من التمر أفلا تعطى
البر. قال: لا أعطى إلا كما كان يعطى أصحابى». ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التى
يقتات بها لأن التمر أعلى من غيره ، مما ذكر فى حديث أبى سعيد، وإن كان ابن عمر فهم منه خصوصية التمر
بذلك - انتهى. قال ابن قدامة. والأفضل بعد التمر البر، وقال بعض أصحابنا الأفضل بعده الزبيب ، لأنه أقرب
تناولا، وأقل كلفة فأشبه التمر. ولنا إن البر أنفع فى الأفتيات وأبلغ فى دفع حاجة الفقير إلى آخر ما قال .
فائدة أخرى اختلفوا فى الاخراج عن غير هذه الأصناف مع القدرة عليها. قال الخرقى: ومن قدر على
التمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو الأقط فأخرج غيره لم يجزه، قال ابن قدامة: ( ج ٣ ص ٦٢) ظاهر
المذهب أنه لا يجوز له العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها سواء كان المعدول اليه قوت بلده أو لم يكن.
وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد. وقال الشافعى: أى قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكاة
الفطر منه. واختلف أصحابه فمنهم من قال بقول مالك، ومنهم من قال الاعتبار بغالب قوت المخرج، ثم إن
٢٠١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦- كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
٠۵
متفق عليه .
عدل عن الواجب إلى أعلى منه جاز، وإن عدل إلى ما دونه ففيه قولان. (أى الشافعى) أحدهما : يجوز لقوله
عليه السلام أغنوهم عن الطلب، والغنى يحصل بالقوت. والثانى: لا يجوز لأنه عدل عن الواجب إلى أدنى منه
فلم يجزئه ولنا أن النبي ◌َوتم فرض صدقة الفطر أجناسا معدودة فلم يجز العدول عنها كما لو اخرج القيمة وذلك لأن
ذكر الأجناس بعدذكره الفرض تفسير الفروض ذا أضيف إلى المفسر يتعلق بالتفسير فتكون هذه الأجناس مفروضة
فيتعين الاخراج منها. قال: والسلت نوع من الشعير فيجوز إخراجه لدخوله فى المنصوص عليه، وقد صرح
بذكره فى بعض ألفاظ حديث ابن عمر، وحديث أبى سعيد عند النسائى، ويجوز إخراج الدقيق نص عليه أحمد ،
وكذلك السويق وقال مالك والشافعى: لا يجزى. اخراجهما لحديث ابن عمر، ولأن منافعه نقصت فهو كالخبز،
ولنا حديث أبى سعيد وقوله فيه أو صاعا من دقيق - انتهى. قلت: حديث أبى سعيد هذا أخرجه أبو داود والنسائى
والدار قطنى والبيهقى. قال أبو داود زاد سفيان بن عيينة فيه أو صاعا من دقيق. قال حامد: (شيخ أبى داود)
فأنكروا عليه فتركه سفيان. قال: أبو داود فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة. وقال الدار قطنى: قال أبو الفضل:
فقال له على بن المدينى يعنى لسفيان وهو معنا يا أبا محمد أحد لا يذكر فى هذا الدقيق. قال: بلى هو فيه - انتهى.
ولعلى سفيان ذكر الدقيق أولا وتيقن به ثم شك فيه فتركه والله أعلم. واذا عجز عن الأجناس المنصوص فقال
الخرقى. أجزأه كل مقتات من كل حبة وثمرة. قال ابن قدامة: ظاهر هذا أنه لا يجزئه من غيرها كاللحم واللبن
وقال أبو بكر يعطى ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها الاخراج مما يقتاته كالذرة والدخن ولحوم
الحيتان والأنعام، ولا يردون إلى أقرب قوت الأمصار - انتهى. ويجوز إخراج اللبن واللحم والجبن ممن هو
قوته عند الشافعية والمالكية على المشهور (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد ومالك والشافعى والترمذى وأبو داود
والنسائى وابن ماجه وغيرهم مطولا ومختصرا بألفاظ، من شاء الاطلاع عليها رجع إلى جامع الأصول (ج ٥
ص ٣٤٩، ٣٥١،٣٥٠). تنبيه اختلفوا فى جواز إعطاء القيمة فى صدقة الفطر، فمنعه الأئمة الثلاثة. وأجازه
أبو حنيفة وأصحابه. قال الخرقى: من أعطى القيمة لم تجزئه. قال ابن قدامة: (ص ٦٥) قال أبو داود : قيل
لأحمد وأنا أسمع أعطى دراهم يعنى فى صدقة الفطر. قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم. وقال أبو طالب قال لى أحمد: لا يعطى قيمته ، قيل له قوم يقولون عمر بن عبد العزيز كان يأخذ
القيمته، قال يدعون قول رسول اللّه مَ فله ويقولون قال فلان. قال ابن عمر: فرض رسول اللّه مزله وقال الله
تعالى: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول - المائدة: ٩٢ ﴾ وقال قوم يردون السنن قال فلان قال فلان، وظاهر
مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة فى شىء من الزكوات ، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثورى وأبو حنيفة
يجوز. وقد روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن، وروى عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة ، وقال
٢٠٢
٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
الفصل الثانى )
١٨٣٢ - (٣) عن ابن عباس، قال: فى آخر رمضان أخرجوا صدقة صومكم ، فرض رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم: هذه الصدقة صاعا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع من قمح
أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع ثمر فخلته قال عشرة على الذى باعه قيل له فيخرج ثمرا أو ثمنه. قال إن شاء أخرج
تمراً وإن شاء أخرج من الثمن، وهذا دليل على جواز إخراج القيم . ووجه قول معاذ لأهل اليمن إنتونى بخميس
أولبيس آخذه منكم فانه أيسر عليكم وأنفع المهاجرين بالمدينة. وقال سعيد: حدثنا سفيان عن عمروعن طاؤس قال لما
قدم معاذاليمن . قال انتونى بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فانه أهون عليكم وخير ثلها جرين بالمدينة.
قال: وحدثنا جرير عن ليث عن عطاء. قال: كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض فى الصدقة من الدراهم،
ولأن المقصود دفع الحاجة ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر المالية باختلاف صور المال ، ولنا قول ابن عمر فرض
رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر أوصاعا من شعير، فاذا عدل عن ذلك فقد ترك المفروض
وقال النبي ◌َّة: فى أربعين شاة، شاة. وفى مائتى درهم، خمسة دراهم، وهو وارد لبيان مجمل قوله تعالى:
﴿ وآتوا الزكاة - البقرة: ٤٣﴾ فتكون الشاة المذكورة هى الزكاة المامور بها والأمر للوجوب الى آخر ما بسطه
ووافق البخارى فى ذلك الحنفية فقال بجواز اخراج العروض فى الزكاة ، اذا كانت بقيمتها اذ ترجم بقوله باب
العرض فى الزكاة وذكر فيه أثر طاؤس المتقدم وغيره من الأحاديث . وقد أجاب الجمهور عن جميع ذلك كما بسطه
الحافظ فى الفتح. والراجح عندى: أنه لا يجوز القيمة فى صدقة الفطر، وزكاة الأموال بل يتعين اخراج
ما سماه النبي صلى الله عليه وسلم الا عند العذر. قال الشوكانى: فى السيل الجرار فى شرح قول صاحب حدائق
الأزهار، إنما تجزىء القيمة للعذر. أقول هذا صحيح لأن ظاهر الأحاديث الواردة بتعين قدر الفطرة من الأطعمة
إن اخراج ذلك مما سماه النبي صلى الله عليه وسلم متعين، وإذا عرض مانع من اخراج العين كانت القيمة مجزئة
لأن ذلك هو الذى يمكن من عليه الفطرة ، ولا يجب عليه ما لا يدخل تحت امكانه ـ ـ انتهى .
١٨٣٢ - قوله (قال) أى ابن عباس والمعنى أنه قال الناس (أخرجوا) أى أدوا (صدقة صومكم) أى
صدقة الفطر. والحديث رواه أبوداود والنسائى وغيرهما من طريق حميد الطويل عن الحسن البصرى . قال :
خطب ابن عباس فى آخر رمضان على منبر البصرة . فقال: أخرجوا صدقة صومكم لفظ أبى داود، والنسائى فى
رواية عن الحسن ، قال: قال ابن عباس وهو أمير البصرة فى آخر الشهر أخرجوا زكاة صومكم وفى أخرى له عن
الحسن أن إبن عباس ، خطب بالبصرة فقال: أدوا زكاة صومكم. ورواه البيهقى ( ج ٤ ص ١٦٨) بلفظ ، قال :
أى الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة فى آخر رمضان، فقال: ((أدوا صدقة صومكم (أو نصف صاع من قح)
٢٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أوكبير. رواه أبوداود، والنسائى.
بفتح القاف وسكون الميم أى بر وبه قال أبو حنيفة، خلافا الأ ئمة الثلاثة. والحديث منقطع كما اعترف به ابن
التر كمانى (رواه أبو داود والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد (ج١ ص ٢٢٨) مختصراً و(ج١ ص٣٥١) مطولا
والدار قطنى (ص ٢٢٥) والبيهقى (ج ٤ ص ١٦٨) كلهم من رواية الحسن عن ابن عباس. وقد تكلموا فى
سماعه من عباس ، وجزم كثير من أئمة الحديث كالنسائى وأحمد بن حنبل وابن المدينى وأبى حاتم وبهز بن أسد
والبزار، بأنه لم يسمع منه أنظر مختصر السنن لنذرى (ج ٢ ص ٢٢١) ونصب الراية ( ج ١ ص ٩٠، ج ٢
ص ٤١٨) والتهذيب فى ترجمة الحسن، والمراسيل لابن أبى حاتم (ص ١٢، ١٣) والسنن الكبرى للبيهقى (ج٤
ص ١٦٨) قال ابن المدينى: لم يسمع الحسن من ابن عباس وما رآه قط كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس
بالبصرة وقال أيضا: فى قول الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة قال انما أراد خطب أهل البصرة كقول ثابت
قدم علينا عمران بن حصين ومثل قول مجاهد ، خرج علينا على وكقول الحسن إن سراقة بن مالك حدثهم ، وإنما
حدث من حدثه وكذا قال أبو حاتم . وقال البزار ؛ فى مسنده بعد أن رواه لا يعلم روى الحسن عن ابن عباس
غير هذا الحديث ولم يسمع الحسن من ابن عباس، وقوله ((خطبنا)) أى خطب أهل البصرة ولم يكن الحسن شاهد
لخطبته ولا دخل البصرة بعد لأن ابن عباس خطب يوم الجمل، والحسن دخل أيام صفين - انتهى. وقال البزار:
أيضاً فى مسنده فى آخر ترجمة ابن المسيب، أما قول الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة فقد أنكر عليه، لأن ابن
عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفين فلم يدركه بالبصرة ، وتأول قوله خطبنا أى خطب أهل
البصرة - انتهى. وقال ابن القيم فى تهذيب السنن قال الترمذى: سألت البخارى عن حديث الحسن خطبنا ابن
عباس فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرض صدقة الفطر، فقال روى غير يزيد بن هارون عن حميد
عن الحسن ، خطب ابن عباس فكأنه رأى هذا أصح. قال الترمذى: وإنما قال البخارى هذا لأن أبن عباس كان
بالبصرة فى أيام على والحسن البصرى فى أيام عثمان وعلى كان بالمدينة - انتهى. وقال البيهقى كذا قال محمد بن
أبى بكر فى روايته عن سهل بن يوسف عن حميد خطبنا. ورواه محمد بن المثنى عن سهل بن يوسف . فقال: خطب
وهو أصح ـ انتهى. قلت: وكذا رواه يزيد بن هارون عند الدارقطنى ( ص ٢٢٥) وخالفهم العلامة الشيخ
أحمد شاكر حيث قال فى تعليقه على المنذرى، القول بعدم سماع الحسن من ابن عباس وعدم رويته إياه وهم، فان
الحسن عاصر ابن عباس يقينا ولا يمنع كونه بالمدينة أيام ابن عباس على البصرة سماعة من ابن عباس قبل ذلك
أو بعده ويقطع بسماعه منه ولقائه إياه، ما رواه أحمد فى مسنده باسناد صحيح ( ج ١ ص ٣٣٧) عن ابن
سيرين إن جنازة مرت بالحسن وابن عباس ، فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس أقام
لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: قام وقعد. وقال فى شرح هذا الحديث (ج ٥ ص ٤٩، ٥٠) اسناده
٢٠٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
١٨٣٣ - (٤) وعنه، قال: فرض رسول اللّه صلى عليه اللّه وسلم: زكاة الفطر ظهرا لصيام من
اللغو والرفث. وطعمة للمساكين .
صحيح وهو قاطع فى صحة سماع الحسن من ابن عباس فانه صريح فى أنه لقى ابن عباس وسأله وسمع منه - انتهى.
قلت: ويدل أيضا على سماع الحسن منه ما جاء فى مسند أبى يعلى الموصلى فى حديث عن الحسن . قال : أخبرنى ابن
عباس. قال صاحب التنقيح: هذا إن ثبت دل على سماعه منه ـ انتهى. قلت : طرق حديث ابن عباس تدل على
أن ابن عباس إنما بين حكم صدقة الفطر حين ما كان أميراً على البصرة من جهة على، وكان الحسن اذ ذاك بالمدينة
لا بالبصرة كما تقدم عن ابن المدينى ، إن الحسن كان بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة ، وهذا ظاهر فى أن
الحسن لم يسمع هذا الحديث من ابن عباس وثبوت سماعه منه فى الجملة لا يستلزم سماع هذا الحديث منه، واليه
أشار الشيخ أحمد شاكر فى شرحه للسند ( ج ٣ ص ٣١٨) بقوله نعم قد يمنع الرواية التى يعلونها فى قوله خطبنا
ابن عباس بالبصرة - انتهى. فالراجح عندى: إن هذا الحديث مرسل وقد اعترف بذلك ابن التركمانى (ص ١٦٩)
والقارى وغيرهما من الحنفية. والحديث أخرجه الدار قطنى من وجه آخر (ص ٢٢١) وفيه الواقدى وهو
مكشوف الحال ومن وجه آخر فيه سلام الطويل وهو متروك، ومن وجه آخر وفيه يحيي بن عباد وهو منكر
الحديث جدا . قال الذهبى فى تلخيصه : خبر منكر جدا . قال العقيلى: يحيى بن عباد عن ابن جريج حديثه يدل على
الكذب. وقال الدارقطنى: ضعيف - انتهى. هذا وقد صحح الشيخ أحمد شاكر سماع ابن سيرين من ابن عباس
ورد على من زعم أنه لم يسمع منه أنظر شرحه للسند ( ج ٣ ص ٢٥٧) .
١٨٣٣ - قوله (طهرالصيام) بضم الطاء وسكون الهاء أى تطهير الصوم. وقيل: الصيام جمع صائم
كانقيام جمع قائم، وفى المصابيح طهرة للصائم بضم الطاء وبزيادة التاء فى آخره، وكذا فى ابن ماجه والدارقطنى وكذا
نقله الحافظ فى الفتح والتلخيص والدراية وبلوغ المرام والزيلعى فى نصب الراية ( ج٢ ص ٤١١ - ٤١٦) والمجد
فى المنتقى والخطابى فى المعالم (ج٢ ص ٤٧) وهكذا وقع فى بعض نسخ أبى داود، ووقع فى بعضها طهرة للصيام
وهكذا عند الحاكم والبيهقى وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥ ص ٣٥٤) أى تطهيرالنفس من صام
(من اللغو) هو ما لا يعقد عليه القلب من القول قاله ابن الأثير. وقال الطبى المراد به القبيح (والرفث) الواقع
منه فى صومه وهو بفتح الراء والفاء. قال ابن الأثير: الرفث ههنا هو الفحش من الكلام . وقال الطيبي: هو فى
الأصل ما يجرى من الكلام بين الرجل والمرأة تحت اللحاف ثم استعمل فى كل كلام قبيح - انتهى. فيحمل قوله
فى تفسير اللغو على القبيح الفعلى أو العطف تفسيرى (وطعمة) بضم الطاء وسكون العين وهو الطعام الذى يؤكل
(المساكين) استدل به على أن الفطرة تصرف فى المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة وقيل: هى كالزكاة
٢٠٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
رواه أبو داود.
فتصرف فى الأصناف الثمانية لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات - التوبة: ٦٠) والتنصيص على بعض الأصناف
لا يلزم منه التنصيص ، فانه قد وقع ذلك فى الزكاة ولم يقل أحد بتخصيص مصرفها ، ففى حديث معاذ أمرت أن
آخذها من أغنياءكم وأردها فى فقراءكم. قال الخرقى: ويعطى صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطى صدقة الأموال .
قال ابن قدامة: ( ج ٣ ص ٧٨) إنما كانت كذلك لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات
ولأنها صدقة فتدخل فى عموم قوله تعالى ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز
دفع زكاة المال اليه ، ولا يجوزدفعها إلى ذمى وبهذا قال مالك والليث والشافعى وأبو ثور. وقال أبو حنيفة : يجوز،
وعن عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة الهمدانى أنهم كانوا يعطون منها الرهبان . ولنا إنها زكاة فلم يجز
دفعها إلى غير المسلمين كزكاة المال ، ولا خلاف فى أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين . قال ابن
المنذر: أجمع أهل العلم على أن لا يجزئى أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة - انتهى. واستدل بقوله
((طهرة للصائم، على أنها تجب على الفقير كما تجب على الغنى. قال الخطابى فى المعالم: (ج ٢ ص ٤٧) قد عللت
بأنها طهرة للصائم من الرفث واللغو فهى واجبة على كل صائم غنى ذى جدة وبسر أو فقير يجدها فضلا عن
قوته أذ كان وجوبها عليه بعلة التطهير وكل من الصائمين محتاجون اليها فاذا اشتركوا فى العلة اشتركوا فى
الوجوب - انتهى . واستدل به من ذهب إلى إسقاطها عن الأطفال لأنهم اذا كانوا لا يلزمهم الصيام فلا
يلزمهم طهرة الصيام وقد تقدم الجواب عن هذا. واستدل البيهقى به على أنه لا يؤدى صدقة الفطر عن العبد
الكافر الذى يمونه. ووجه الاستدلال أنه عليه السلام جعل صدقة الفطر طهرة وزكاة ، والكافر لا يتزكى، ولا يخفى
ما فى هذا الاستدلال (رواه أبوداود) أخرجه أيضا ابن ماجه والدار قطنى (ص ٢١٩) والحاكم (ج ١
ص ٤٠٩) والبيهقى (ج ٤ ص ١٦٣) وسكت عنه أبو داود والمنذرى وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال
الدار قطنى: ليس فى رواته مجروح - انتهى. وتمام الحديث عندهم من أداها قبل الصلاة (أى صلاة العيد) فهى
زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات . قال الشوكانى : يعنى التى يتصدق بها فى سائر
الأوقات وأمر القبول فيها موقوف على مشيئة الله تعالى. والظاهر ان من أخرج الفطرة بعد صلاة العيد كان كمن
لم يخرجها باعتبار اشتراكهما فى ترك هذه الصدقة الوجبة. وقد ذهب الجمهور: إلى أن اخراجها قبل صلاة العيد
انما هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزئى إلى آخر يوم الفطر، والحديث يرد عليهم - انتهى. وقال ابن القيم
بعد ذكر هذا الحديث : وحديث ابن عمر المتقدم بلفظ: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن
تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ما لفظه ، ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد وإنها
٢٠٦
١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
تفوت بالفراغ من الصلاة وهذا هو الصواب، فإنه لا معارض لهذين الحديثين ولا ناسخ ولا إجماع يدفع القول
بهما، وكان شيخنا يقوى ذلك وينصره. ونظيره ترتيب الأضحية على صلاة الامام لا على وقتها. وإن من ذمج
قبل صلاة الامام لم تكن ذبيحته أضحية بل شاة لحم - انتهى. وتقدم عن العينى والحافظ إن ابن حزم ذهب إلى
تحريم تأخيرها عن الخروج إلى الصلاة ، وحمل الأمر على الوجوب وهذا هو الراجح عندنا واعلم إن لصدقة
الفطر خمسة أوقات عند الجمهور . وقت جواز، ووقت وجوب ، ووقت فضيلة واستحباب، ووقت كراهة،
ووقت حرمة. وأما وقت الجواز: فهو أول شهر رمضان عند الشافعى وأول السنة عند الحنفية على ما هو
المشهورعنهم ، ويومان قبل العيد عند المالكية ، على ما هو المعتمد عندهم واليه ذهب أكثر الحنابلة . وقال بعضهم:
بجواز تقديمها من بعد نصف الشهر. وقال ابن حزم: (ج ٦ ص ١٤٣) لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلا. قال
ابن قدامة: ( ج ٣ ص ٦٨) يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين لا يجوز أكثر من ذلك. وقال ابن عمر:
كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو بيومين . وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر كما يجوز
تعجيل أذان الفجر، والدفع من مز دلفة بعد نصف الليل. وقال أبو حنيفة يجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة
فأشبهت زكاة المال . وقال الشافعى: يجوز من أول شهر رمضان لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه ، فاذا
وجد أحد السببين جاز تعجيلها كزكاة المال بعد ملك النصاب. ولنا ما روى الجوزجاني عن يزيد بن هارون عن
أبى معشر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا أغنوهم عن الطواف فى هذا اليوم والأمر للوجوب، ومتى قدمها بالزمان
الكثير لم يحصل إغناءهم بها يوم العيد. وسبب وجوبها الفطر بدليل إضافتها اليه وزكاة المال سببها ملك النصاب،
والمقصود إغناء الفقير بها فى الحول كله بجاز إخراجها فى جميعه، وهذه المقصود منها الاغناء فى وقت مخصوص
فلم يجز تقديمها قبل الوقت. فأما تقديمها بيوم أو يومين بجائز لما روى البخارى بسنده عن ابن عمر كانوا يعطون
قبل الفطر بيوم أو يومين، وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا، ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود
منها فان الظاهر إنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد، فيستغنى بها عن الطواف والطلب فيه - أنتهى. قلت: قال
البخاری بعد ذکر قول ابن عمر کانوا یعطون ليجمع لا للفقراء، وروى مالك عن نافع إن ابن عمر كان يبعث
بزكاة الفطر إلى الذى تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. قال الحافظ: وأخرجه الشافعى عنه. وقال هذا
حسن وأنا استحبه يعنى تعجيلها قبل يوم الفطر ـ انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى: أثر ابن عمر إنما يدل على
جواز إعطاء صدقة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين ليجمع لا للفقراء كما قال البخارى. وأما إعطاءها بيوم أو
يومين للفقراء فلم يقم عليه دليل - انتهى. قال الحافظ: وبدل على ذلك أى تعجيلها قبل الفطر أيضا ما أخرجه
البخارى فى الوكالة وغيرها عن أبى هريرة قال : وكلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان الحديث
٢٠٧
٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
الفصل الثالث )
١٨٣٤ - (٤) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبى صلى الله عليه وسلم: بعث
منادیا فی فجاج مکه .
وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر، فدل على أنهم كانوا يعجلونها، وعكسه الجوزقى فاستدل
به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر وهو محتمل للامرين - انتهى. وهذا إن دل على التقديم فانما يدل على جواز
تقديمها للجمع لا على الاعطاء للفقراء قبل يوم الفطر. وقال فى البدائع: بعد ذكر أقوال الحنفية المختلفة وجوهها،
والصحيح أنه يجوز التعجيل مطلقا، وذكر السنة والسنتين فى رواية الحسن عن أبى حنيفة ليس على التقدير بل هو
لبيان استكثار المدة، أى يجوز وإن كثرت المدة. ووجهه إن الوجوب إن لم يثبت فقد وجب سبب الوجوب،
وهو رأس يمونه ويلى عليه، والتعجيل بعد وجوب السبب جائز كتعجيل الزكاة والعشور - انتهى. قلت :
القول الراجح عندى هو ما ذهب اليه المالكية وأكثر الحنابلة من جواز تقديمها قبل الفطر بيوم أويومين لا قبل
ذلك والله تعالى أعلم. وأما وقت الوجوب فقد تقدم الكلام عليه وأما وقت الفضيلة. فقبل الخروج لصلاة
العيد وهذا عند الأئمة الأربعة وأما وقت الكرامة فتأخيرها عن صلاة العيد إلا لعذر وهذا عند الشافعية
والحنابلة. وقال مالك : وذلك واسع إن شاؤا أن يؤدوا قبل الغد ومن يوم الفطر وبعده (أى بعد الغدو) وقد
تقدم عن الشوكانى وابن القيم وابن حزم أنه يجب أداها قبل الخروج إلى الصلاة ويحرم تأخيرها عن الخروج
فقبل الصلاة هو وقت وجوب الاداء عندهم لا وقت الفضيلة فقط، وبعد صلاة العيد هو وقت تحريم لا وقت
كراهة فقط، وهذا هو الصواب. وأماوقت الحرمة: فتأخيرها عن يوم العيد وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة
قال فى شرح الاقناع: وهامشه ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلاعذر كغيبة ماله أو المستحقين، فلوأخرها بلاعذر
عصى وصارت قضاء فيقضيها وجوبا فوراً- انتهى . وقال ابن قدامة: فان أخرها عن يوم العيد أثم ولزمه القضاء
وحكى عن ابن سيرين والنخعى الرخصة فى تأخيرها عن يوم العيد، وروى محمد بن يحيى الكحال قال: قلت لأبى
عبد الله فان أخرج الزكاة ولم يعطها قال نعم، إذا أعدها لقوم. وحكاه ابن المنذر عن أحمد وأتباع السنة أولى -
انتهى. وقال فى البدائع: أما وقت أداءها: فجميع العمر عند عامة أصحابنا، ولا تسقط بالتأخير عن يوم الفطر
لأن الامر باداءها مطلق عن الوقت فيجب فى مطلق الوقت غير معين، وإنما يتعين بتعيينه فعلا أو بآخر العمر
كالأمر بالزكاة والعشر والكفارات وغير ذلك، وفى أى وقت أدى كان مؤديا لا قاضياكما فى سائر الواجبات
الموسعة غير أن المستحب أن يخرج قبل الخروج إلى المصلى - انتهى
١٨٣٤ - قوله (بعث مناديا) زاد فى رواية الدارقطنى بعده ينادى (فى جاج مكة) بكسر الفاء جمع فج
٢٠٨
مر عاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
ألا أن صدقة الفطر واجبة، على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من
قمح، أو سواء، أو صاع من طعام. رواه الترمذى.
وهو الطريق الواسع (مدان من قمح) أى هى مدان من حنطة فهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف (أو سواه)
أى من غير القمح وأو التخيير وقيل: للتنويع (أو صاع من طعام) كذا فى جميع النسخ الموجودة الحاضرة
عندنا. قال القارى: قوله أو صاع شك من الراوى وقوله ((من طعام)) أى سوى القمح وهو يؤيد التأويل الذى
قدمناه من أن الطعام يراد به المعنى الأعم. وقال ابن حجر: شك فى أى اللفظين سمع - انتهى . وهو يحتمل أن
يكون بدلا من قوله ((مدان أو سواء)) انتهى كلام القارى . وقال الشيخ الدهلوى: فى أشعة اللعات (أو سواه)
أى أو سوى القمح من الزبيب كما هو مذهب الإمام أبى حنيفة (أو صاع من طعام) أو الشك من الراوى إن
كان المراد بالطعام القمح وللتنويع إن كان المراد به غير القمح - انتهى كلامه معربا. قلت: كل هذا وهم وتكلف
والحق إن لفظة أو قبل قوله ((صاع، خطأ من النساخ، والدليل عليه أن نسخ الترمذى كلها متفقة على إسقاطها
ولفظها أو سواء صاع من طعام ومعناه واضح جدا ، وقوله ((من طعام)) بيان لقوله سواه كما يدل عليه رواية
الدار قطنى مدان من قمح أو صاع مما سواه من الطعام (رواه الترمذى) وأخرجه أيضاً الدار قطنى (ص ٢٢٠).
كلاهما من طريق سالم بن نوح عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب، قال الترمذى: حديث حسن غريب، وأعله ابن
الجوزى فى التحقيق بسالم بن نوح قال . قال ابن معين: ليس بشىء وتعقبه صاحب التنقيح فقال هو صدوق روى
له مسلم فى صحيحه. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة وثقه ابن حبان . وقال النسائى: ليس بالقوى . وقال الدار قطنى:
فيه شىء. وقال ابن عدى: عنده غرائب وأفراد وأحاديثه مقاربة مختلفة ذكره الزيلعى (ج ٢ ص ٤٢٠). وقال
الحافظ فى الدراية (ص ١٦٩) ورواه الدار قطنى من وجه آخر عن عمرو بن شعيب. وقد اختلف فيه على عمرو
فقيل: عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: عنه بلغنى إن النبي ◌َّه - انتهى. قلت: وله طريق رابع أخرجه
الدار قطنى والبيهقى (ج ٤ ص ١٧٣) من رواية المعتمر بن سليمان عن على بن صالح عن ابن جريج عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده ، ومدار هذه الطرق الأربعة على ابن جريج وهو مدلس وصفه بالتدليس ابن حبان
والنسائى وغيرهما. قال الدار قطنى: تجنب تدليس ابن جريج فانه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح
وذكره الحافظ فى المرتبة الثالثة فى طبقات المدلسين ، ولم يصرح ابن جريج هنا بالسماع . وقال الترمذى. قال محمد
ابن اسماعيل: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب كذا فى تهذيب التهذيب (ج ٦ ص ٤٠٥) وقال البيهقى
(ج ٤ ص ١٧٣) بعد الاشارة إلى طريق سالم بن نوح. قال أبو عيسى الترمذى: سألت محمدا يعنى البخارى عن
هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب - انتهى.
٢٠٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
١٨٣٥ - (٥) وعن عبد الله بن ثعلبة، أو ثعلبة بن عبد الله بن أبى صعير عن أبيه، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: صاع من بر، أو قمح عن كل اثنين
١٨٣٥ - قوله (وعن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبى صغير) بمهملتين مصغرا (عن أبيه) قال
الحافظ فى تهذيب التهذيب: فى حرف العين المهملة عبد الله بن ثعلبة بن صعير، ويقال ابن أنى صغير مسح
رسول الله مَ الله وجهه ورأسه زمن الفتح ودعا له، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبيه (أى ثعلبة بن
صغير) وعمر وعلى وسعد وأبى هريرة وجابر، وروى عنه الزهرى وأخوه عبد الله بن مسلم وسعد بن ابراهيم
وغيرهم. قال ابن سعد: كان أبوه ثعلبة بن صعير شاعرا وكان حليفا لبنى زهرة، وقال الحاكم: أبو أحمد، أبو محمد
عبد الله بن ثعلبة بن صعير . قيل: إنه ولد قبل الهجرة (بأربع سنين) وقيل بعدما وآوفى سنة سبع. وقيل:
سنة تسع وثمانين وهو ابن (٨٣) سنة. وقيل: ابن (٩٣) سنة. وقيل: غير ذلك فى تاريخ وفاته ومبلغ سنه.
وقال ابن السكن : يقال له صحبة وحديثه فى صدقة الفطر مختلف فيه وصوابه مرسل ، ولیس یذ کر فی شیء من
الروايات الصحيحة سماع عبد الله من النبى يُؤثّم ولا حضوره إياه. وقال أبو حاتم: قد رأى النبي ◌ِّم وهو صغير.
وقال البخارى فى التاريخ: عبد الله بن ثعلبة بن صغير عن النبي ◌ُّه مرسل، إلا أن يكون عن أبيه وهو أشبه
وزعم ابن حزم أن عبد الله بن ثعلبة مجهول - انتهى مختصرا. وقال فى التقريب. عبد الله بن ثعلبة بن صغير بمهملتين
مصغرا، ويقال ابن أبى صعير له رؤية، ولم يثبت له سماع، مات سنة سبع أوتسع وثمانين وقد قارب التسعين. وقال:
فى حرف المثلثة من تهذيبه ثعلبة بن صعير ، ويقال ابن عبد الله بن صعير ويقال ابن أبى صعير، ويقال عبد الله بن
ثعلبة بن صعير العذرى له حديث واحد عن النبى معروفة فى صدقة الفطر. وروى عنه ابنه عبد الله وفيه خلاف كثير
أخرجه أبو داود على الاختلاف فيه. قال يحيى بن معين: ثعلبة بن عبد الله بن أبى صعير، وثعلبة بن أبى مالك (القرظى)
جميعا قد رأيا النبي ◌َّة. قلت: (قائله الحافظ). وقال الدار قطنى: الصواب فيه عبد الله بن ثعلبة بن أبى صعير الثعلبة
صحبة ولعبد الله رؤية والله أعلم - انتهى. وقال فى التقريب: ثعلبة بن صعير أوابن أبى صغير العذرى بضم المهملة
وسكون المعجمة. ويقال ثعلبة بن عبدالله بن صعير، ويقال عبدالله بن ثعلبة بن صعير مختلف فى صحبته (صاع من ير)
أى صدقة الفطر صاع موصوف بأنه من بر (أو قمح) أو للشك من راويه حماد بن زيد كما فى مسند الامام أحمد
(ج ٥ ص ٤٣٢) (عن کل اثنین) کذا فى جميع النسخ و کذا نقله الخطابی فی المعالم ، وفی نسخ أبى داود على كل
اثنين. وكذا نقله الزيلعى فى نصب الراية يعنى مجزىء عن كل اثنين، وفيه حجة لمذهب من أجاز نصف الصاع من
البر، لكن الحديث مضطرب، فقد وقع فى بعض الروايات عند الدار قطنى وغيره صاع من قمح عن كل رأس،
٢١٠
١
مرعاة المفاتيح ج٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، أما غنيكم فيزكيه اللّه. وأما فقيركم فيرد عليه أكثر مما
أعطاء . رواه أبو داود.
وفى بعضها عن كل انسان وفى بعضها نصف صاع من قمح (صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أوأنثى) زاد فى رواية غنى
أو فقير (أما غنيكم) تفصيل لعلة وجوب صدقة الفطر (فيزكيه الله) التزكية بمعنى التطهير أو التنمية فالمناسب لحال
الغنى التطهير من الامساك وبحال الفقير التنمية فيما أبقاه من القوت وهذا على أن يكون الفقير ممن يملك قوته قاله الطيبي:
(وأما فقيركم) المراد به من يملك صدقة الفطر زيادة على قوت نفسه وعياله ليوم العيد، وليلته (فيرد) أى الله
(عليه أكثرما أعطاه) أى هو المساكين. قال القارى: وفى نسخة بصيغة المجهول فى فيرد وبرفع أكثروالأول أكثر-
انتهى. قلت: فى ستن أبى داود فيرد الله وكذا وقع عند الدار قطنى والبيهقى وغيرهما، وكذا نقله الجزرى والزيلعى.
قال الخطابي فى المعالم (ج٢ ص ٥٢): وفيه بيان أنها تلزم الفقير إذا وجد ما يؤديه ألا تراه يقول ((وأما فقيركم
فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه)) فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع اجازته له أن يأخذ صدقة غيره - أنتهى.
وأجاب القارى عنه بأن المراد بالفقير الفقير بالاضافة إلى أكابر الأغنياء. وقال بعضهم: أو يقال إن الفقير إذا
أعطى متطوعا من غير أن يحب عليه يرد الله عليه أكثر مما أعطى ولا يخفى ما فيه من التكلف (رواه أبو داود)
وأخرجه أيضا أحمد ( ج ٥ ص ٤٣٢) والدار قطنى (ص ٢٢٣) والطحاوى (ج ١ ص ٣٢٠) والبيهقى ( ج ٤
ص ١٦٣، ١٦٤) وسكت عنه أبوداود. وقال المنذرى فى اسناده، النعمان بن راشد، ولا يحتج بحديثه ـ انتهى.
قلت النعمان بن راشد هذا ضعفه يحي القطان وابن معين وأبو داود والنسائى . وقال أحمد: مضطرب الحديث
روى أحاديث مناكير. وقال: مهنأ ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبى صعير فى صدقة الفطر نصف صاع من
بر، فقال ليس بصحيح. إنما هو مرسل يرويه معمر وابن جريج عن الزهرى مرسلا. قلت من قبَل من هذا.
قال: من قبل النعمان بن راشد وليس بالقوى فى الحديث وضعف حديث ابن أبى صغير- انتهى. وقال البخارى:
وأبو حاتم فى حديثه وهم كثير وهو فى الأصل صدوق. وقال ابن أبى حاتم: أدخله البخارى فى الضعفاء فسمعت أبى
يقول يحول عنه وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال النسائى: مرة صدوق فيه ضعف ، وقال ابن معين: ضعيف
مضطرب الحديث. وقال : مرة ثقة. وقال العقيلى: ليس بالقوى يعرف فيه الضعف. وقال ابن عدى: قد احتمله
الناس روى عنه الثقات وله نسخة عن الزهرى لا بأس به. وقال الحافظ فى التقريب: صدوق سىء الحفظ -
انتهى. وللحديث طرق أخرى عند أحمد وأبي داود والدار قطنى وعبد الرزاق والطبر انى والحاكم والبيهقى ذكرها
الزيلعى (ج ٢ ص ٤٠٧) ومدار جميع طرق هذا الحديث على الزهرى عن عبد الله بن ثعلبة . وقد اختلف عليه
فى اسناده ومتنه، وقد أوضح هذا الاختلاف الدارقطنى فى علله. ونقله عنه فى نصب الراية . وقال ابن التر كمانى
٢١١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
الفصل الأول
١٨٣٦ - (٢) عن أنس، قال: من النبى صلى الله عليه وسلم بتمرة فى الطريق، فقال: لولا أنى
أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها.
فى الجوهر: النقى هو حديث اضطرب اسنادا ومتنا وقد بين البيهقى بعض ذلك، وقال ابن عبد البر: هذا حديث
مضطرب لا يثبت وليس دون الزهرى فى هذا الحديث من تقوم به حجة، واختلف عليه فيه أيضا - انتهى . فان
قات: روى عبد الرزاق ومن طريقه الدار قطنى ص (٢٢٤) والطبرانى عن ابن جريج عن الزهرى عن عبد الله
أبن ثعلبة. قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قبل الفطرة بيوم أو يومين ، فقال أدوا صاعا من
بر أو قمح بين اثنين - الحديث. وهذا سند صحيح قوى كما قال الزيلغى (ج ٢ ص ٤٠٧) قلت : قد تقدم إن
حديث عبد الله بن ثعلبة عن النبى معَلقّل مرسل، وفيه أيضا ابن جريج وهو مدلس وقد عنعن، وعارضه رواية
بكر بن وائل عن الزهرى عند الدارقطنى (ص ٢٢٣) بلفظ: صاعا من تمر أو صاعا من شعير عن كل واحد أوعن
كل رأس أو صاع قمح ففى صحة طريق عبد الرزاق نظر .
(باب من لا تحل له الصدقة ) قال فى العات: الظاهر إن معناه من لا يحل له أكل الصدقات وقد يجعل
العنوان ((باب من لا يجوز دفع الزكاة اليه)) والمآل واحد، لكنه يختلف المعنى فى مادة الكافر، فإنه لا يجوز دفع
الزكاة اليه بعنى لا يبرأ الذمة بأدائها اليه، ولا يبحث من عدم حلها له ويصدق المعنيان فى مثل بنى هاشم فافهم .
١٨٣٦ - قوله (من النبى ءَفقل بتمرة) أى ملقاة (فى الطريق فقال: لو لا إنى أخاف أن تكون من الصدقة)
أى من تمرها (لأ كلتها) فتركها تنزها لأجل الشبهة وهو احتمال كونها من الصدقة. والحديث ظاهر فى جواز أكل
ما يوجد من المحقرات ملقى فى الطرقات ، لأنه يؤقم ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعا لخشية أن تكون من
الصدقة التى حرمت عليه لا لكونها مرمية فى الطريق فقط . وقد أوضح ذلك ما روى البخارى عن أبى هريرة
عن النبي ◌َّم قال: إنى لأنقلب الى أهلى فأجد التمرة ساقطة على فراشى، فأرضعها لآ كلها ثم أخشى أن تكون صدقة
فألفيها ، فانه ظاهر فى أنه ترك أخذها تورعا لخدية أن تكون صدقة فلو لم يخش ذلك لأكلها ولم يذكر تعريفاً.
فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج الى تعريف وفيه تحريم قليل الصدقة على النبى حزللم ويؤخذ منه
تحريم كثيرها من باب الأولى. قال النووي: فيه تحريم الصدقة على النبى معَّ وأنه لا فرق بين صدقة الفرض
٢١٢
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
متفق عليه .
١٨٣٧ - (٢) وعن أبى هريرة، قال أخذ الحسن بن على، تمرة من تمر الصدقة، فجعلها فى فيه. فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: كيخ كمخ
والنطوع لقوله ◌َ الله: الصدقة بالألف واللام وهى تعم النوعين ولم يقل الزكاة وفيه استعمال الورع لأن هذه التمرة
لا تحرم بمجرد الاحتمال لكن للورع تركها. قال الخطابي: هذا أصل فى الورع وفى أن كل ما لا يستبيته الانسان
من شىء طلقا لنفسه فانه يحتنبه ويتركه وفيه إن التمرة ونحوها من محقرات الأموال لا يجب تعريفها بل يباح
أكلها، والتصرف فيها فى الحال لأنه يَّة: إنما تركها خيشة أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا الحكم
متفق عليه وعللوه بأن صاحبها فى العادة لا يطلبها ولا يبقى لهفيها مطمع وقد استشكل بعضهم تركه ومز القه الثمرة فى
الطريق مع أن الامام يأخذ المال الضائع للحفظ وأجيب باحتمال أن يكون أخذها كذلك لأنه ليس فى الحديث
ما ينفيه لو تركها عمدا لينتفع بها من يحدها من تحل له الصدقة. وإنما يجب على الامام حفظ المال الذى يعلم تطلع
صاحبه له، لا ما جرت به العادة بالاعراض عنه لحقارته. هذا وقد روى أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده. قال: تضور النبى معَّه ذات ليلة فقيل له ما أسهرك قال: إنى وجدت نمرة ساقطة فأكلتها ثم ذكرت تمرا
كان عندنا من تمر الصدقة ، فما أدرى أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلى فذلك اسهرنى. قال الحافظ هو محمول
على التعدد وأنه لما اتفق له أكل التمرة كما فى هذا الحديث، وأقلقه ذلك صار بعد ذلك اذا وجد مثلها مما يدخل التردد
تركه إحتياطا، ويحتمل أن يكون فى حالة أكله إياها كان فى مقام التشريع ، وفى حال تركه كان فى خاصة نفسه.
وقال المهلب: إنما تركها مَّ تورعا وليس بواجب، لأن الأصل إن كل شىء فى بيت الانسان على الاباحة حتى
يقوم دليل على التحريم . (متفق عليه) أخرجه البخارى فى أوائل البيوع وفى اللقطة، ومسلم فى الزكاة وأخرجه
أيضا أحمد وأبو داود فى الزكاة والبيهقى فى قسم الصدقات .
١٨٣٧ - قوله (وعن أبى هريرة قال أخذ الحسن) وفى رواية لأحمد قال (أى أبو هريرة) كنا عند
رسول اللّه ◌َ له وهو يقسم تمرا من الصدقة والحسن فى حجره (جملها فى فيه) أى فمه زاد أبو مسلم الكجى فلم يفطن
له النبي ◌َّاللّه حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي ◌َ لّمه شدقه، وفى رواية أحمد المتقدمة. فلما فرغ حمله على عاتقه
فسأل لعابه فرفع رأسه فإذا تمرة فى فيه (كخ كخ) بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء المعجمة وبكسرها منونة وغير
منونه فتصير ست لغات والثانية تأكيد للأولى، وهى كلمة ققال لردع الصبى وزجره عند تناوله ما يستقذر ، بمعنى
أتركه وأرم به، قال ابن مالك: إنها من أسماء الافعال، وفى التحفة إنها من أسماء الأصوات وبه قطع ابن هشام
٢١٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
ليطرحها، ثم قال: أما شعرت؟ إنا لا نأكل الصدقة .
فى حواشيه على التسهيل . قيل: هى عربية. وقيل: أعجمية. وزعم الداودى أنها معربة بمعنى بئس. وقد أشار الى هذا
البخارى بقوله فى ترجمة باب من تكلم بالفارسية والرطانه (ليطرحها) أى التمرة من فيه زاد مسلم إرم بها وفى
رواية عند أحمد فنظر إليه فإذا هو بلوك تمرة تحرك خده . وقال: القها يا بنى ويجمع بين هذا وبين قوله كخ كخ
بأنه كلمه أولا بهذا، فلما تمادى قال له: كخ كخ إشارة الى استقذار ذلك له، ويحتمل العكس بأن يكون كله أولا بذلك
هذا تمادى نزعها من فيه (ثم قال أما شعرت) أى أما علمت كما فى رواية مسلم، وفى رواية البخارى أما تعرف،
وهذا يقال عند الأمر الواضح التحريم وإن لم يكن المخاطب بذلك عالما أى كيف خفى عليك هذا مع ظهور تحريمه
وهو أبلغ فى الزجر من قوله لا تفعله (إنا لا نأكل الصدقة) فى رواية لمسلم إنا لا تحل لنا الصدقة، وفى رواية
لأحمد إن الصدقة لا تحل لآل محمد وكذا عند أحمد والطحاوى من حديث الحسن بن على نفسه، قال: كنت مع
النبي صلى الله عليه وسلم فمر على جرين من تمر الصدقة فأخذت منه تمرة فألقيتها فى فى فأخذها بلعابها فقال: إنا آل
محمد لا تحل لنا الصدقة قال الحافظ: واسناده قوى والحديث يدل على أن الطفل يجنب الحرام كالكبير
ويعرف لأى شىء نهى عنه لينشأ على العلم فيأتى عليه وقت التكليف وهو على علم من الشريعة وفيه دليل على تحريم
اصدقة على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله. واختلف فى المراد بالآل هنا. فقال الشافعى وجماعة من العلماء: إنهم
بنو هاشم بن عبد مناف بن قصى وبنو المطلب بن عبد مناف. وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة. وأما
بنو المطلب فيجوز لهم الأخذ من الزكاة ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وقيل: هم قريش كلها . وقال أصبغ
المالكى: هم بنو قصى والمراد ببنى هاشم آل على وعقيل وجعفر أولاد أبى طالب عم النبي يُؤثّ وآل العباس.
والحارث ابنى عبد المطلب جد النبى يَثّ ولم يدخل فى ذلك آل أبي لهب لأن حرمة الصدقة أولا فى الآباء إكراما
لهم، حيث نصروه صلى الله عليه وسلم فى جاهليتهم وإسلامهم ثم سرت الى الأولاد ولا إكرام لأبى لهب.
واستدل الشافعى لمذهبه بأن النبي ◌َّ أشرك بنى المطلب مع بنى هاشم فى سهم ذوى القربى ولم يعط أحدا من
قبائل قريش غيرهم ، كما يدل عليه حديث جبير بن مطعم الآتى، وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه
من الصدقة. وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضا عن الصدقة . قال الأمير اليمانى: الأقرب
فى المراد بالآل ما فسرهم به زيد بن أرقم (عند مسلم فى المناقب فى قصة طويلة) بأنهم آل على وآل العباس وآل
جعفر وآل عقيل - انتهى . قال: ويزيد آل الحرث بن عبد المطلب لحديث عبد المطلب بن ربيعة الذى يأتى بعد هذا،
فهذا تفسير الراوى وهو مقدم على تفسير غيره فالرجوع اليه فى تفسير آل محمد هنا هو الظاهر. لأن لفظ الآل
مشترك، وتفسير راويه دليل على المراد منه وكذلك يدخل فى تحريم الزكاة عليهم بنو المطلب بن عبد مناف كما
٢١٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
يدخلون معهم فى قسمة الخمس، كما يفيده حديث جبير بن مطعم، قال مشيت أنا وعثمان بن عفان الى النبي منز له
فقلنا: يا رسول الله ! أعطيت بنى المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله
مَالتّ: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شىء واحد أخرجه البخارى. قال الأمير: هذا الحديث دليل على أن بنى المطلب
يشاركون بنى هاشم فى سهم ذوى القربى وتحريم الزكاة أيضا دون من عداهم ، وإن كانوا فى النسب سواء. وعلله
رَبّ باستمرارهم على الموالاة كما فى لفظ آخر تعليله ((بأنهم لم يفارقونا فى جاهلية ولا اسلام)، فصاروا كالشىء
الواحد فى الأحكام وهو دليل واضح فى ذلك ، واليه ذهب الشافعى وخالفه الجمهور ( أبو حنيفة ومالك وأحمد فى
رواية) وقالوا: إنه مثل أعطا بن المطلب على جهة التفضل لا الاستحقاق وهو خلاف الظاهر. بل قوله شىء واحد
دليل على أنهم يشاركونهم فى استحقاق الخمس وتحريم الزكاة - انتهى. واعلم أن ظاهر قوله ((لا تحل لنا الصدقة)
إنه يحرم على النبى مَث صدقة الفرض والتطوع وهو الحق ، وقد نقل فيه غير واحد منهم الخطابى الاجماع، لكن
حكى غير واحد عن الشافعى فى التطوع قولا، وكذا فى رواية عن أحمد لكن قال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه
من ذلك بواضح الدلالة . واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه دون الأنبياء أو كلهم سواء فى ذلك
وأما آل النبي ◌ُّ فقال ابن قدامة: لا نعلم خلافا فى أن بنى هاشم لاتحل لهم الصدقة المفروضة وكذا حكى الاجماع
ابن رسلان، وروى أبو عصمة عن أبى حنيفة جواز دفعها الى الهاشمى فى زمانه . قال الطحاوى: هذه الرواية
عن أبى حنيفة ليست بالمشهورة، وروى عنه وعن أبى يوسف يحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم. قال الحافظ :
وعند المالكية فى ذلك أربعة أقوال مشهورة، الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه والأحاديث الدالة
على التحريم على العموم ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة تواترا معنويا ويؤيده قوله تعالى: ﴿قل ما أسألكم
عليه من أجر - الفرقان: ٥٧) وقوله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى - الشورى: ٢٣) ولو أحلها
لآ له، لأوشك أن يطعنوا فيه ولقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهر هم وتزكيهم بها - التوبة: ١٠٣ ) وثبت
عنه مثل الصدقة أوساخ الناس كما سيأتى ويؤخذ من هذا جواز التطوع دون الفرض وهو قول أكثر الحنفية
والمصحح عند الشافعية والحنابلة، لأن المحرم عليهم إنما هو أو ساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع. وقال
أبو يوسف: أنها تحرم عليهم كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصل . وقال الطحاوى فى شرح معانى الآثار: والنظر
أيضا يدل على استواء حكم الفرائض والتطوع فى ذلك أى فى التحريم ، وهو قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد
وقد اختلف فى ذلك عن أبى حنيفة فروى عنه أنه قال: لا بأس بالصدقات كلها على بنى هاشم ثم بين الطحاوى
وجه هذه الرواية ثم قال: وقد حدثنى سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة فى ذلك
٢١٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
متفق عليه .
١٨٣٨ - (٣) وعن عبد المطلب بن ربيعة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه
الصدقات إنما هى أوساخ الناس ،
مثل قول أبى يوسف ، فبهذا نأخذ - انتهى. وهذا صريح فى أن الطحاوى ما اختار رواية الحل عن أبى حنيفة بل
أخذ بالزواية التى وافقت قول أبى يوسف وهى ظاهر الرواية التى ذكرها أولا من استواء حكم التحريم فى الفريضة
والتطوع ( متفق عليه) وأخرجه أحمد والبيهقى أيضا .
١٨٣٨ - قوله (وعن عبد المطلب) بضم الميم وفتح الطاء المهملة المشددة وكسر اللام المخففة (بن ربيعة)
ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمى صحابى. قال ابن عبد البر: كان على عهد رسول الله مَاللّه: رجلا
ولم يغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه فيما علمت سكن المدينة. ثم انتقل الى الشام فى خلافة عمر ومات فى أمرة
يزيدبن معاوية بدمشق سنة (٦٢) قال الحافظ قال العسكرى: هو المطلب بن ربيعة هكذا يقول أهل البيت، وأصحاب
الحديث يختلفون فمنهم ، من يقول المطلب بن ربيعة ومنهم من يقول ، عبد المطلب. وقال البغوى: عبد المطلب.
ويقال المطلب. وقال الطبرانى: الصواب المطلب وذكر أنه توفى سنة (٦١) - انتهى. (قال رسول الله { يَّة)
أى حينما أتى اليه عبد المطلب يطلب منه أن يجعله عاملا على بعض الزكاة. فقال: له رسول الله زم - الحديث.
وفيه قصة (إن هذه الصدقات) أى أنواع الزكاة وأصناف الصدقات ( إنما هى أو ساخ الناس ) الجملة خر لقوله
(((هذه)) كما فى قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا - الكهف: ٣٠)
قال النووى: هو تنبيه على العلة فى تحريمها على بنى هاشم وبنى المطلب، وأنه لكرامتهم وتنزيههم من الأوساخ ومعنى
أوساخ الناس إنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال الله تعالى: ﴿خذ من أمولهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها -
التوبة: ١٠٣) فهى كغسالة الأوساخ. وقال الشاه ولى الله الدهلوى: إنما كانت أوساخا لأنها تكفر الخطايا
وتدفع البلاء وتقع فداء عن العبد فى ذلك ، فيتمثل فى مدارك الملأ الأعلى إنها هى وهذا يسمى عندنا بالوجود
التشبيهى فتدرك بعض النفوس العالية، إن فيها ظلمة وأيضا فان المال الذى يأخذه الانسان من غير مبادلة عين
أو نفع ولا يراد به احترام وجهه فيه ذلة ومهانة، ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة وهو قوله صلى الله عليه
وسلم، اليد العليا خير من اليد السفلى، فلا جرم إن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب لا يليق بالمطهرين
والمنوه بهم فى الملة - انتهى. وقال السنوسى: لما كانت الصدقات أوساخ الناس ولهذا حرمت عليه وَّم وعلى آله
فكيف أباحها لبعض أمته. ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قلت: ما أباحها لهم عزيمة بل
٢١٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا محل له الصدقة
وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. رواه مسلم.
١٨٣٩ - (٤) وعن أبى هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام سأل عنه
(( أهدية أم صدقة؟)) فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: ((كلوا)) ولم يأكل،! وإن قيل: هدية، ضرب
بيده فأكل معهم.
اضطرارا وكم أحاديث تراها ناهية عن السؤال فعلى الحازم أن يراها كالميتة ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم
عليه - البقرة: ١٧٣) (وإنها لا تحل محمد ولا لآل محمد) فيه أيضا دليل على تحريم الزكاة على النبى تؤلّ وعلى آله
وإنها كانت محرمة عليهم سواء كانت بسبب العمل أو بسبب الفقر، والمسكنة وغيرها من الأسباب الثمانية وهذا
هو الصحيح عندنا ، وإليه ذهب الجمهور وجوز بعض الشافعية لبنى هاشم ولبنى المطلب العمل عليها بسهم العامل
لأنه إجازة. قال النووي: وهذا ضعيف أو باطل وهذا الحديث صريح فى رده (رواه مسلم) فى الزكاة فى قصة
طويلة، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ١٦٦) وأبو داود فى الخراج والنسائى فى الزكاة مطولا ومختصرا، ورواه
الطبرانى فى الكبير بسند فيه كلام عن ابن عباس فذكر القصة مختصرة وفى آخره فقال النبي مَثّه إنه لا يحل لكم
أهل البيت من الصدقات شىء، إنما هى غسالة الأيدى إن لكم فى خمس الخمس لما يغنيكم - انتهى .
١٨٣٩ - قوله (اذا أتى بطعام) أى جىء به زاد أحمد وابن حبان من غير أهله (سأل عنه ) أى عن
الطعام (أ هدية أم صدقة) بالرفع فيهما على خبر مبتدأ محذوف أى هذا ويجوز النصب بتقدير أجتم به هدية أم
صدقة (فان قيل صدقة) بالرفع أى هو صدقة (قال لأصحابه) أى من غير آله ( كلوا ولم يأكل) لأنها حرام عليه
(وإن قيل هدية) بالرفع (ضرب بيده) أى شرع فى الأكل مسرعا، ومثله ضرب فى الأرض اذا أسرع فيها قاله
الحافظ . وقيل أى مد يده اليه من غير تحام عنه تشبيها للد بالذهاب سريعا فى الأرض فعداه بالباء كما يقال ذهب
به ( فأكل معهم ) فارقت الصدقة الهدية حيث حرمت عليه تلك، وحلت له هذه بأن الصدقة ما ينفق على الفقراء،
ويراد به ثواب الآخرة ولا يكافىء فى الدنيا فيبقى المنة عليه، وفيه عز العطى وذل العطى له والهدية يراد بها اكرام
المهدى اليه والتقرب إليه، وتنفق على الأغنياء. وفيها غاية العزة والرفعة ويثاب عليها فى الدنيا فيزول المئة البتة.
وأيضا لما كان صلى الله عليه وسلم آمرا بالصدقات ومرغبافى المبرات فتنزه عن الأخذ منها براءة لساحته عن
الطمع فيها ، وعن التهمة بالحث عليها ، ولذا قال: تؤخذ من أغنياءهم وترد على فقراءهم ، إيماء إلى أن المصلحة
راجعة اليهم وأنه سفير محض مشفق عليهم. وفى الحديث استعمال الورع والفحص عن أصل المآكل والمشارب
٢١٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
متفق عليه .
١٨٤٠ - (٥) وعن عائشة، قالت : كان فى بريرة ثلاث سنن :
( متفق عليه ) أخرجه البخارى فى الهبة ومسلم فى الزكاة ، واللفظ للبخارى وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقى
أيضا وأخرجه الترمذى والنسائى والبيهقى أيضا من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده .
١٨٤٠ - قوله (كان فى بريرة) أى حصل بسببها وهى مولاة عائشة أم المؤمنين صوابية مشهورة وبريرة
بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى بوزن كريمة مشتقة من البرير وهو ثمر الأراك. وقيل: أنها فعيلة من البر بمعنى
مفعولة كمبرورة ، أو بمعنى فاعلة كرحيمة هكذا وجهه القرطبى. والأول أولى لأنه صلى الله عليه وسلم غير اسم
جويرية ، وكان اسمها برة. وقال: لا تزكوا أنفسكم فلوكانت بريرة من البر لشاركتها فى ذلك ، وكانت بريرة
لقوم من الأنصار. وقيل الناس: من بنى هلال فكاتبوها ثم باعوها فاشترتها عائشة ثم أعتقتها وكانت تخدم
عائشة قبل أن تشتريها، وكانت حال عنقها منزوجة عبدا، اسمه مغيث كما فى البخارى، عاشت الى زمن يزيد بن معاوية
وتفرست فى عبد الملك بن مروان أنه على الخلافة فبشرته بذلك وروى هو ذلك عنها ( ثلاث ستن) بضم السين
وفتح النون الأولى أى علم بسببها ثلاثة أحكام من الشريعة. وهذا لفظ البخارى ولمسلم ثلاث قضيات ، وفى
حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قضى فيها النبى صلى الله عليه وسلم أربع قضيات فذكر نحو حديث عائشة
وزاد، وأمرها أن تعتد عدة الحرة أخرجه الدارقطنى وهذه الزيادة لم تقع فى حديث عائشة فلذلك اقتصرت على
ثلاث لكن أخرج ابن ماجه بسند على شرط الشيخين عن عائشة قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض وهذا
مثل حديث ابن عباس فى قوله: ((تعتد عدة الحرة )، ولا يخالف قول عائشة ثلاث سنين ، ما قال ابن بطال أنه أكثر
الناس فى تخريج الوجوه فى حديث بريرة حتى بلغوها نحو ماتّة ، وما قال النووى أنه صنف فيه ابن خزيمة وابن
جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباطا لفوائد منها ، وما قال الحافظ إن بعض المتأخرين أوصل فوائد
حديث بريرة إلى أربع مائة لأن مراد عائشة، ما وقع من الأحكام فيها مقصودا خاصة لكن لما كان كل حكم
منها يشتمل على تقعيد قاعدة يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمة، وقع التكثر من هذه الحيثية وانضم الى ذلك
ما وقع فى سياق القصة غير مقصود، فان فى ذلك أيضا فوائد تؤخذ بطريق التنصيص أو الاستنباط أو اقتصر على
الثلاث أو الأربع لكونها أظهر ما فيها وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط أو لأنها أهم، والحاجة اليها
أمس. قال القاضى عياض: حديث بريرة كثيرة الستن والعلم والآداب ومعنى ثلاث أو أربع إنها شرعت فى
قصتها وعند وقوع قضيتها وما يظهر فيها مما سوى ذلك ، فكان قد علم قبل ذلك من غير قصتها ، وهذا أولى من
قول من قال ليس فى كلام عائشة حصر، ومفهوم العدد ليس بحجة ، وما أشبه ذلك من الاعتذارات التى لا تدفع
٢١٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
إحدى السنن إنها عتقت فخيرت فى زوجها،
سؤال ما الحكمة فى الاقتصار على ذلك قاله الحافظ (إحدى السنن ) الثلاث (إنها عنقت) بفتح العين والنساء ،
وفى رواية أعتقت بضم الهمزة وكسر التاء من الاعتاق وأعتقتها عائشة (غيرت) بضم الخاء المعجمة مبنيا المفعول
( فى زوجها ) مغيث أى صارت مخيرة بين أن تفارق زوجها وأن تدوم وتبق تحت نكاحه. وكان عبدا يوم
أعتقت فاختارت نفسها ، وفى رواية للبخارى فدعاها النبى صلى الله عليه وسلم غيرها من زوجها فاختارت نفسها،
وفى رواية للدار قطنى إن النبي ◌َّم قال: لبريرة إذهي فقد عتق معك بضعك، زاد ابن سعد من طريق الشعبي
مرسلا فأختارى. فالمرأة اذا كانت أمة وزوجها عبد فعتقت تكون مخيرة إن شاءت فسخت، وإن شاءت لا ،
وهذا أمر مجمع عليه. وأما إذا كانت الأمة تحت حر فعتقت ففيه خلاف بين العلماء. فقال الجمهور: لا يكون لها
خيار إلا اذا كان زوجها عبدا عند ما عتقت لتضررها بالمقام تحته من جهة أنها توقير به. وإن لسيده منعه عنها
وإنه لا ولاية له على ولده وغير ذلك بخلاف ما أذ اعتقت تحت حر، لأن الكمال الحادث لها حاصل له فأشبه
ما اذا أسلمت كتابية تحت مسلم. وذهب الحنفية إلى أن الأمة اذ أعتقت لها الخيار فى نفسها سواء كانت تحت
حر، أو عبد، لأن اعتبار عدد الطلاق عندهم بالنساء. فالأمة تبين بطلقتين سواء كان زوجها حرا، أو عبدا
والحرة تبين بثلاث تطليقات، حرا كان زوجها أو عبدا، فبعد ما عتقت الأمة تخير فى الصورتين حذرا عن ثبوت
الملك الزائد عليها. وعند الجمهور الاعتبار فى الطلاق بالرجال فزوجة الحر تبين عندهم بثلاث، وإن كانت أمة
وزوجة العبد باثنين ، وإن كانت حرة فاذا عتقت تحت الحر لم تؤجد علة الفسخ وهو العار أو زيادة الملك،
والأصل فى ذلك قصة بريرة. واختلفت الروايات فى أن زوجها حرا كان أو عبدا عند ما عنقت فرجحت
الحنفية رواية كونه حرا. وقالوا: لم يخيرها صلى الله عليه وسلم لكونه عبدا ولا لأنه كان جرا. وإنما خيرها
للعتق ورجح الجمهور كونه عبدا. قال الشوكانى: قد ثبت من طريق ابن عباس (عند البخاوى والترمذى) وابن
عمر (عند الدار قطنى والبيهقى) وصفية بنت أبى عبيد (عند النسائى والبيهقى) إنه كان عبدا ولم يرو عنهم ما يخالف
ذلك، وثبت عن عائشة من طريق القاسم وعروة أنه كان عبدا، ومن طريق الأسود أنه كان حرا، ورواية
اثنين أرجح من رواية واحد على فرض صحة الجميع، فكيف اذا كانت رواية الواحد (يعنى رواية الأسود)
معلولة بالانقطاع كما قال البخارى. وقال الحافظ: وعلى تقدير إن رواية الأسود موصولة فيرجح رواية من
قال عبدا بالكثرة، وأيضا فآل المرا أعرف بحديثه فان القاسم ابن أخى عائشة ، وعروة ابن اختها وتابعهما
غيرهما ، فروايتهما أولى من رواية الأسود فانهما أقمد بعائشة واعلم بحديثها والله اعلم. ويترجح أيضا بأن
عائشة كانت تذهب الى أن الأمة اذا عتقت تحت الحر لا خيار لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيون عنها فكان
٢١٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن اعتق ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة
تفور بلحم فقرب اليه خبز وآدم من أدم البيت، فقال:
يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها ويدعوا ما روى عنها لاسيما. وقد اختلف عنها فيه، وأدى بعضهم إنه
يمكن الجمع بين الروايتين بحمل قول من قال ، كان عبدا على اعتبار ما كان عليه ، ثم اعتق فلذلك قال من قال
كان حرا يعنى كان حرا فى الوقت الذى خيرت فيه. وعبدا قبل ذلك، ويرد هذا الجمع قول عروة كان عبدا
ولو كان حرا لم تخير. وأخرج الترمذى عن ابن عباس إن زوج بريرة كان عبدا أسود يوم عتقت فهذا يعارض
رواية الأسود إنه كان حرا، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون من قال كان حرا أراد ما آل إليه أمره
واذا تعارضا اسنادا واحتمالا أحتيج الى الترجيح، ورواية الأكثر يرجح بها وكذلك الأحفظ وكذلك الألزم،
وكل ذلك موجود فى جانب من قال كان عبدا - انتهى كلام الحافظ. ويأتى مزيد الكلام فى هذه المسئلة فى كتاب
النكاح انشاء الله تعالى: (وقال رسول الله عَّل) أى فى شأن بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها وتعتقها وشرط
مواليها الولاءلهم أن يكون ( الولاء لمن اعتق) أى لمن باع واو شرط إن الولاء له فمن اعتق عبدا أو أمة كان
ولاءه له، وهذه هى المسئلة الثانية، والولاء بفتح الواو مع المد مأخوذ من الولى بفتح الواو وسكون اللام.
وهو القرب. والمراد به هنا وصف حكمى ينشأ عنه ثبوت حق الارث من العتيق الذى لا وأرث له من جهة
نسب أو زوجية أو الفاضل عن ذلك ، وحق العقل عنه أذا جنى. قال الحافظ: الولاء بالفتح والمد، حق ميراث
المعرتق من المعتق بالفتح، ووقع فى كثير من الروايات إنما الولاء لمن اعتق وكلمة إنما هنا الحصر لأنها لو لم تكن
للحصر لما لزم من اثبات الولاء لمن اعتق نفيه عمن لم يعتق العبد وهو الذى أريد من الخبر ويأتى مزيد الكلام فى
ذلك فى باب قبل باب السلم من كتاب البيوع واستدل بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع
بينه، وبينه مخالفة خلافا للحنفية ولا التقط خلافا لاحاق وسيأتى البسط لذلك فى الفرائض إنشاء الله تعالى
(ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى بيت عائشة (والبرمة) بضم الموحدة وسكون الراء القدر من
الحجر ويستعمل بمعنى القدر طلقا والواو الحال. قال ابن الأثير: البرمة هى القدر مطلقا وجمعها برام وهى فى
الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز (تفور) بالفاء أى تغلى متلبسة (بلخم فقرب) بضم القاف وتشديد الراء
على صيغة المجهول ( اليه خبز ) مفعول ناب عن الفاعل (وأدم ) بضم الهمزة وسكون الدال ويضم بمعنى الأدام
وهو ما يؤقدم به الخبز أى يطيب أكله به ويتلذد الأكل بسببه (من أدم البيت) بضمتين جمع أدام. والمراد بأدم
البيت الأدم التى توجد فى البيوت غالبا كالخل والعسل والتمر. وفى رواية فدعا بالغداء فأتى بخبز وأدم ( فقال ﴾.
٢٢٠