النص المفهرس

صفحات 141-160

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وليس على العوامل شى.
١٨١٥ - (٧) وعن معاذ، أن النبى صلى الله عليه وسلم: لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من
البقرة، من كل ثلاثين تبيعا، أو تبيعة. ومن كل أربعين مسنة.
١
زاد على الأربعين فيحسابه - انتهى. وسيأتى تفصيل الكلام عليه فى شرح الحديث الذى يليه. (وليس على العوامل
شىء) ((على)) بمعنى فى أو التقدير على صاحب العوامل وعند الدار قطنى فى حديث عاصم ليس فى البقر العوامل
شىء، وفى حديث الحارث ليس على البقر العوامل شىء وهى جمع عاملة وهى التى يستقى عليها ويحرث وتستعمل فى
الاشغال. وفيه دليل على أنه لا يجب فى البقر العوامل شىء ولو بلغت نصابا، وظاهره سواء كانت سائمة أو معلوفة
وقد ثبتت شرطية السوم فى الغنم فى حديث أبى بكر المتقدم . وفى الابل فی حدیث بهز عند أبى داود والنسائى . قال
الدميرى: وألحقت البقر بهما . قال ابن قدامة: لا زكاة فى غير السائمة من البقر فى قول الجمهور وحكى عن مالك إن
فى العوامل والمعلوفة صدقة كقوله فى الابل وقد تقدم الكلام معه، ثم ذكر حديث على هذا وما روى فى نفى الصدقة
عن البقر العوامل من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا، ومن آثار الصحابة كعلى ومعاذ وجاير. قال
ولأن صفة النماء معتبرة فى الزكاة ولا يوجد إلا فى السائمة - انتهى. وحديث على هذا أخرجه ابن عدى فى الكامل
عن زيد بن حبان الكوفى عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : هاتوا ربح
العشور من كل أربعين درهما درهم ، وما زاد فبحساب ذلك - انتهى . ولين زيد بن حبان. وقال: لا أرى برواياته
بأساً- انتهى.
١٨١٥ - قوله (وعن معاذ) بضم الميم (وجهه) أى بعشه (إلى اليمن ) عاملا على الزكاة وغيرها
(من البقرة) وفى بعض النسخ من البقر كما فى أبى داود والنسائى والدارمى والتاء فى بقرة للوحدة لا للتأنيث فيقع
على الذكر والأنثى والمراد الجنس (تبيعا أو تبيعة) فيه أنه مخير بين الأمرين (ومن كل أربعين مسنة) يعنى أومسنا
كما تقدم فى حديث ابن عباس عند الطبرانى. واختلف العلماء فيه، فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد
إلى أنه لا يجزى فيها المسن أى الذكر، وقال أبو حنيفة: ذكورا وإناثها فى الصدقة سواء. قال فى المبسوط:
لا فرق بين الذكر والاناث فى زكاة البقر بخلاف الابل فانه لا يؤخذ منها إلا الاناث، وذلك لتقارب ما بين
الذكور والاناث فى الغنم والبقر وتباين ما بينهما فى الابل - انتهى. وقال ابن قدامة: ( ج ٢ ص ٥٩٣) لا يخرج
الذكر فى الزكاة أصلا إلا فى البقر فان ابن اللبون ليس بأصل، إنما هو بدل عن ابنة مخاض. ولهذا لا يجزئ.
مع وجودها وإنما يجرى الذكر فى البقر عن الثلاثين وما تكرر منها كالستين والسبعين، وما تركب من الثلاثين
١٤١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وغيرها كالسبعين فيها تبيع ومسنة والمائة فيها مسنة وتبيعان، وإن شاء أخرج مكان الذكور إناثا لأن النص ورد
بهما جميعا، فأما الأربعون وما تكرر منها كالثمانين فلا يجرى فى فرضها إلا الاناث إلا أن يخرج عن المسنة
تبيعين فيجوز، وإذا بلغت البقر مائة وعشرين إتفق الفرضان جميعا فيخير رب المال بين إخراج ثلاث مسنات ،
أو أربع أتبعة، والواجب أحدهما أيهما شاء، والخيرة فى الاخراج إلى رب المال. وهذا التفصيل فيا إذا كان
فيها إذاث فان كانت كلها ذكورا أجزأ الذكر فيها بكل حال، ويحتمل أنه لا يجزئه إلا إناث فى الأربعينات.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على المسنات فى حديث معاذ عند أحمد فيجب إتباع مورده فيكلف شراءها
والأول . أولى لأننا أجزنا المذكر فى الغنم مع أنه لا مدخل له فى زكاتها مع وجود الاناث، فالبقر التى للذكر فيها
مدخل أولى انتهى. قلت: والراجح عندى أنه يجزىء المسن عن الأربعين لحديث ابن عباس المتقدم والله
تعالى أعلم. هذا وقد اختلفوا فيما زاد على الأربعين فذهب أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعى
وأحمد وأبو يوسف ومحمد والثورى والنخعى والشعبي والحسن وإسحاق وأبو عبيد وطاؤس وعمر بن عبد العزيز
والليث وأبو ثور، لا شىء فى الزيادة حتى تبلغ ستين فاذا بلغتها ففيها تبيعان إلى تسع وستين، فإذا بلغت سبعين
ففيها مسنة وتبيع ، ثم هكذا ابدا لا شىء فيها حتى تبلغ عشرا زائدة ، فإذا بلغتها فى كل ثلاثين من العدد تبيع
وفى كل أربعين مسنة. وقال أبو حنيفة فى الرواية المشهورة عنه: فيما زاد على الأربعين بحسابه فى كل بقرة ربع
عشر مسنة ، وهكذا إلى ستين فرارا من جعل الوفص تسعة عشر وهو مخالف لجميع أوقاصها فان جميع أوقاصها
عشرة عشرة، فإذا بلغت الستين ففيها تبيعان ثم لا شىء فيها إلا فى كل عشرة زائدة . قال فى الهداية: إذا زادت
على أربعين وجب فى الزيادة بقدر ذلك إلى ستين عند أبى حنيفة ، ففى الواحدة ربع عشر مسنة وهكذا وهو رواية
الأصل، لأن العفو ثبت نصا بخلاف القياس ولا نص ههناء. وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه لا يجب فى الزيادة
شئْ حتى تبلغ خمسين، ثم فيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع لأن مبنى هذا النصاب على أن يكون بين عقدين وقص
وفىكل عقد واجب. وقال أبو يوسف ومحمد : لا شىء فى الزبادة حتى تبلغ ستين وهو رواية عن أبى حنيفة . قال
العينى: وبه قال مالك والشافعى وأحمد: وفى المحيط هو أوفق الروايات عن أبى حنيفة وفى جوامع الفقه هو
المختار - انتهى. قلت: وهو القول الراجح المعول عليه عندنا لما روى أحمد (ج ٥ ص ٢٤٠) والطبر انى من
طريق ابن وهب عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبى حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم إن معاذا قال:
بمثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق أهل اليمن وأمرنى أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل
أربعين مسنة. قال: فعرضوا على أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وبين الستين والسبعين، وما بين الثمانين
والتسعين فأبيت ذاك. وقلت لهم حتى أسال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقدمت فأخبرت النبى عزَّ
١٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فأمرنى أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة ، ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعا ، ومن
الثمانين مسنتين ومن التسعين ثلاث أتبعة ، ومن المائة مسنة وتبيعين ، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ، ومن
العشرين ومائة ثلاث مسنات ، أو أربعة أتبعة. قال: وأمرنى أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن تبلغ مسنة
أو جذعا وزعم إن الأوقاص لا فريضة فيها - انتهى. قال ابن قدامة (ج ٢ ص ٥٩٣) هذا صريح فى محل
النزاع وقول النبي ◌ُّم فى الحديث الآخر فى كل ثلاثين تبيع وفى كل أربعين مسنة ، يدل على أن الاعتبار بهذين
العددين، ولأن البقر أحد بهيمة الأنعام، ولا يجوز فى زكاتها كسر كسائر الأنواع، ولا ينقل من فرض فيها إلى
فرض بغير وقص كسائر الفروض، ولأن هذه زيادة لا يتم بها أحد العددين فلا يجب فيها شىء كما بين الثلاثين
والأربعين، وما بين الستين والسبعين. ومخالفة قول أبى حنيفة المشهور للأصول أشد من الوجوه التى ذكر ناها
على أن أوقاص الابل والغنم مختلفة، بجاز الاختلاف ههنا - انتهى. قلت: حديث معاذ المذكور أخرجه أبو أحمد
ابن زنجويه فى كتاب الأموال، من طريق بن لهيعه عن يزيد بن أبى حبيب عن سلسة بن أسامة عن يحيى بن .
الحكم. وأخرجه أيضا أبو عبيد فى الأموال (ص ٣٨٣) من هذا الطريق، إلا أنه قال عن سلمة بن أسامة إن
معاذ بن جبل قال بعثنى الخ ولم يذكر يحيى بن الحكم. ونقل الزيلعى عن صاحب التنقيح أنه قال: هذا أى حديث
معاذ المذكور حديث فيه إرسال ، وسلمة بن أسامة ويحي بن الحكم غير مشهورين ولم يذكرهما ابن أبى حاتم
فى كتابه - انتهى. واعترض بعض العلماء على هذا الحديث بأن معاذا لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم بعد
رجوعه من اليمن ، بل توفى عليه السلام قبل قدوم معاذ من اليمن . قلت : اختلفت الروايات فى قدوم معاذ
على النبي ◌َّ من اليمن بعد أن أرسله، ففى رواية مالك من طريق طاؤس عن معاذ فتوفى النبي ◌َّم قبل أن يقدم
معاذ، وهذا منقطع طاوس لم يدرك معاذا. وفى حديث ابن مسعود عند الحاكم (ج ٣ ص ٢٧٢) وقد ? حه
كان معاذ شابا سمحا فلم يزل يدَانُ حتى أغرق ماله الحديث فى تأمير النبي ◌َّه له على اليمن ، وفيه فلم يزل فيها
حتى توفى النبي ◌ُِّ، ثم رجع معاذ فوافى عمر بمكة أميرا على الموسم وعن كعب بن مالك نحوه (ج ٣ ص٢٧٣)
وصححه أيضا وعن جابر بمعناه (ج ٣ ص ٢٧٤) وسكت عنه. وروى ابن سعد من طريق أبي وائل إستعمل
النبى حاتم معاذا على اليمن فتوفى النبى موافقة، واستخلف أبو بكر ومعاذ باق باليمن ويعارض هذه الأحاديث ماروى
الدار قطنى (ص ٢٠٢) والبيهقى (ج ٤ ص ٩٩) والبزار وابن حزم (ج ٦ ص ٦) من حديث بقية عن
المسعودى عن الحكم عن طاؤس عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن
الحديث. وفيه فلما رجع سأل رسول الله يرفع عنه يعنى الوقص فقال: ليس فيها شىء، تفرد به بقية عن المسعودى
والمسعودى قد اختلط، وتابعه الحسن بن عمارة عن الحكم ، والحسن بن عمارة متروك. وما روى أبو يعلى
١٤٣
:
:

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
رواه أبو داود والترمذى والنسائى والدارمى.
وغيره باستاد فيه ضعف، من طريق صهيب إن معاذا لما قدم إلى النبى صلى الله عليه وسلم من اليمن سجدله . فقال
ما هذا يا معاذ. قال: إنى وجدت اليهود والنصارى يسجدون لعظمائهم، وقالوا هذه تحية أنبياءنا قال مزلقان: كذبوا
على أنبياءهم الحديث. وأخرج أحمد من وجه آخر (ج ٥ ص ٢٢٧) نحوه ذكر هذه الأحاديث المتعارضة الزيلعى
فى نصب الراية، والحافظ فى الدراية: وسكنا عن الترجيح أو الجمع. وقال القارى: بعد ذكر هذه الروايات،
ولعل الجمع بتعدد الواقعة . وقال الحافظ فى الفتح: اتفقوا على أن معاذا لم يزل على اليمن الى أن قدم فى عهد أبىبكر
ثم توجه إلى الشام فمات بها . وقال فى الاصابة فى ترجمته: قدم من اليمن فى خلافة أبى بكر وكانت وفاته بالطاعون
فى الشام سنة سبع عشرة أو التى بعدها وهو قول الأكثر - انتهى. (رواه أبو داود والترمذى والنسائى
والدارمى) واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٢٣٠) وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج ١
ص ٣٩٨) والدار قطنى (ص ٢٠٣) والبيهقى (ج٤ ص٩٨) كلهم من طريق الأعمش عن أبى وائل عن مسروق
عن معاذ، وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي وحسنه الترمذى. وقال ابن عبد البر: فى التمهيد والاستذكار
إسناده متصل صحيح ثابت وكذا قال ابن بطال كما فى الفتح. وأعله عبد الحق فى أحكامه فقال مسروق لم يلق
معاذا. وقال الحافظ فى الفتح: فى الحكم بصحته نظر، لأن مسروقا لم يلق معاذا، وإنما حسنه الترمذى شواهده
وبالغ ابن حزم فى المحلى (ج ٦ ص١١) أولا فى تقرير إن هذا الحديث منقطع ثم استدركه فى آخر المسئلة،
ورجع عن رأيه هذا حيث قال: (ج ٦ ص ١٦) وجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن فى زكاة
البقر، وهو بلاشك قد أدرك معاذا وشهد حكمه وعمله المشهور المنتشر، فصار نقله لذلك، ولأنه عن عهدرسول الله
صلى الله عليه وسلم نقلا عن الكافة عن معاذ بلاشك فوجبٍ القول به - انتهى. وقال ابن القطان: لا أقول
إن مسروقا سمع من معاذ إنما أقول إنه يجب على أصولهم أن يحكم بحديثه عن معاذ، يحكم حديث المتعاصرين
الذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أن له بالاتصال عند الجمهور. وشرط البخارى وابن المدينى أن
يعلم اجتماعهما ولو مرة واحدة، فهما إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر لا يقولون فى حديث أحدهما عن الآخر
منقطع، إنما يقولان لم يثبت سماع فلان من فلان فاذن ليس فى حديث المتعاصرين إلا رأيان أحدهما: أنه محمول
على الاتصال. والآخر أن يقال لم يعلم اتصال مابينهما. فأما الثالث وهو أنه منقطع فلا - انتهى. وقال الأمير
اليمانى: وأجيب عن دعوى الانقطاع بأن مسروقا همدانى النسب من وداعة يمانى الدار ، وقد كان فى أيام معاذ
باليمن فاللقاء ممكن بينهما ، فهو محكوم باتصاله على رأى الجمهور - انتهى. قلت: فالاحتجاج بحديث مسروق عن
معاذ هذا تام صحيح على رأى الجمهور ، وعلى ما وجه ابن حزم هذا. وقد أشار الترمذى وأبو داود إلى اختلاف
١٤٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
١٨١٦ - (٨) وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المعتدى فى الصدقة،
كما فعها،
فى وصله. قال التر مذى بعد تحسينه: وروى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق أن النبى
عَّ. وهذا أى المرسل أصح أى من رواية مسروق عن معاذعن النبى صلى الله عليه وسلم، وكذا رجح الدار قطنى
فى العلل الرواية المرسلة، وهذه الرواية المرسلة أخرجها ابن أبى شيبة (ج ٣ ص ١٢) وأبو عبيد (ص ٣٧٨)
بسنديهما. قلت: والحديث له طرق أخرى وشواهد قد اعتضد بعضها ببعض، فمنها: عن أبى وائل عن.
مغاذ وهى عند أحمد (ج ٥ ص ٢٤٧،٢٣٣) وأبى داود والنسائى. ومنها: عن ابراهيم النخعى عن معاذ، وهى
عند النسائى والدارمى والبيهقى. ومنها : عن ابراهيم النخعى عن مسروق عن معاذ، وهى عند أبى داود والنسائى
والدار قطنى والبيهقى. ومنها: عن طاؤس عن معاذ، وهى فى موطأ مالك. قال فى الامام: ورواية إبراهيم عن
معاذ منقطعة بلا شك ، ورواية طاؤس عن معاذ كذلك. قال الشافعى: وطاؤس عالم بأمر معاذ، وإن كان
لم يلقه لكثرة من لقيه من أدرك معاذا وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافا - انتهى. وقال البيهقى: طاؤس وإن
لم يلق معاذا إلا أنه يمانى وسيرة معاذ بينهم مشهورة ـ انتهى. ومنها: عن يحيى بن الحكم عن معاذ، وهى عند
أحمد وقد تقدم. وأما الشواهد. فمنها: حديث ابن مسعود عند الترمذى وابن ماجه والبيهقى وهو منقطع ،
ورواه ابن الجارود فى المنتقى موصولا. ومنها: حديث طاؤس عن ابن عباس عند الدار قطنى والبيهقى والبزار
وابن حزم وهو ضعيف. وتقدم الاشارة اليه، ولابن عباس حديث آخر عند الطبرانى والدار قطنى ، من طريق
ليث عن مجاهد وطاؤس عن ابن عباس. وقد تقدم الاشارة اليه أيضا. ومنها: حديث أنس عند البيهقى (ج ٤
ص ٩٩) واختلف فى وصله ورجح الدار قطنى الارسال. ومنها: حديث عمرو بن حزم الطويل عند الحاكم
والبيهقى والطبرانى. ومنها: حديث على الذى قبل هذا الذى نحن فى شرحه .
١٨١٦ - قوله (المعتدى فى صدقة كما أمها) الاعتداء مجاوزة الحد، فيحتمل أن يكون المراد به المالك
الذى يعتدى بإعطاء الزكاة غير مستحقيها أى يعطيها فى غير المصرف، أو الذى يجاوز الحد فى الصدقة بحيث لا يبقى
لعياله شيئا، أو الذى يعتدى بكتم بعضها أو وصفها على الساعى حتى أخذ منه مالا يجزئه، أو ترك عنه بعض ماهو
عليه كمانعها من أصلها فى الأثم. أو المراد الساعى الذى يأخذ أكثر وأجود من الواجب، لأنه إذا فعل ذلك
سنة فصاحب المال يمنعه فى السنه الأخرى، فيكون سببا للنح فشارك المانع فى إثم المنع. قال المظهر: يعنى العامل
الذى يأخذ فى الزكاة أكثر من القدر الواجب، ويظلم أرباب الأموال هو فى الوزر كالذى لا يعطى الزكاة ، ويظلم.
الفقراء بمنع الزكاة عنهم، وكذلك العامل يظلم أرباب الأموال بأخذ الزيادة منهم - انتهى. وقال البغوى فى
١٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
رواه أبو داود والترمذى .
١٨١٧ - (٩) وعن أبى سعيد الخدرى، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ليس فى حب ولا تمر
صدقة، حتى يبلغ خمسة أوسق. رواه النسائي.
١٨١٨ - (١٠) وعن موسى بن طلحة
شرح السنة: معنى الحديث إن على المعتدى فى الصدقة من الاثم ما على المانع فلا يحل لرب المال، كتمان المال ،
وإن اعتدى عليه الساعى - انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى: الظاهر إن المراد بالمعتدى فى الصدقة العامل
المعتدى فى أخذ الصدقة ، ويؤيده حديث بشير بن الخصاصية. قال: قلنا إن أهل الصدقة يعتدون علينا أفتكتم
من أموالنا بقدر ما يعتدون قال: لا. رواه أبو داود (رواه أبو داود والترمذى) وأخرجه أيضا ابن ماجه
وأبو عبيد (ص ٤٠١) والبيهقى (ج ٤ ص ٩٧) وابن خزيمة فى صحيحه كلهم من رواية سعد بن سنان عن
أنس. وقال التر مذى: حديث غريب، وقد تكلم أحمد بن حنبل فى سعد بن سنان - انتهى. قلت: سعد بن
سنان هذا كندى مصرى، واختلف فى إسمه فقيل: هكذا. وقيل: سنان بن سعد، وصوب هذا الثانى البخارى
وابن يونس، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال الجوزجاني: أحاديثه واهية. وقال النسائى وابن سعد
منكر الحديث. وقال الدار قطنى: ضعيف. وقال أحمد: لم أكتب أحاديثه لأنهم إضطربوا فيه وفى حديثه.
وقال ابن معين: ثقة. ونقل ابن القطان إن أحمد يوثقه. وقال المنذرى: فى آخر الترغيب بعد ذكر الجروح
المذكورة. وروى عن أحمد توثيقه وحسن الترمذى حديثه، واحتج به ابن خزيمة فى صحيحه فى غير ما موضع -
انتهى. وقال الحافظ فى التقريب: صدوق له أفراد - انتهى. فالظاهر أنه من رجال الحسن، وإن حديثه هذا
حسن والله تعالى أعلم .
١٨١٧ - قوله (ليس فى حب ولا تمر) أى ولا زبيب (صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق) تقدم بيانه، وقد
استدل بعضهم بمفهوم الحديث على أنه لا زكاة فيما ليس بحب، كالزعفران والعصفر والقطن وغيرها من الأزهار
وكالجزر والبطاطة والخيار والقثاء وغيرها من الخضر والبقول. وفى هذا الاستدلال نظر، فان المتبادر إن هذا
بيان النصاب فى الحب والتمر لا لحصر الزكاة فيهما (رواه النسائي) بل رواه مسلم أيضا، فكان ينبغى إيراده فى
الفصل الأول. وأخرجه أيضا أحمد والبيهقى ( ج ٤ ص ١٢٨).
١٨١٨ - قوله (وعن موسى بن طلحة) أى ابن عبيد الله القرشى التيمى يكنى أبا عيسى وأبا محمد المدنى
تزيل الكوفة ثقة جليل من كبار التابعين. وقال ابن عساكر: يقال أنه ولد فى عهد النبي ◌َّم وسلم وسماء.
١٤٦

مر عاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: إنما أمره أن يأخذ الصدقه،
وقال ابن الهمام: لم يثبت هذا. وذكره الحافظ فى الاصابة فى القسم الثانى من حرف الميم، أى فيمن ذكر فى
الصحابة من الأطفال الذين ولدوا فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لبعض الصحابة من مات صلى الله عليه وسلم
وهو فى دون سن التمييز. قال الحافظ: لكن أحاديث هؤلاء عنه من قبيل المراسيل عند المحققين - انتهى. روى عن
أبيه طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرة، وعن عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وغيرهم من الصحابة ، وعنه
ابنه عمران وحفيده سليمان وابنا أخيه اسحاق، وطلحة إبنا يحيى بن طلحة، وعمرو بن عثمان وغيرهم مات سنة
ثلاث ومائة على الصحيح (قال عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبى صلى الله عليه وسلم) قال القارى: قال بعضهم
أخذا من كلام الطبي إن تعلق عن النبي ◌َ ◌ّة : بقوله عن موسى بن طلحة كان الحديث مرسلا لأنه تابعى ، ويكون
قوله عندنا كتاب معاذ معترضا ولا معنى له. قلت: (قائله القارى) بل معناه إن كتابه بهذا المضمون أو موافق
للرواية لفظا ومعنى. ويؤيده قوله ((قال)، ويقويه قول المؤلف مرسل. قال: وإن تعلق بقوله عندنا كتاب معاذ
كان حالا من ضمير كتاب فى الخبر، أى صادراً عن النبي ◌َ اللّه فلا يكون الحديث مرسلا بل يكون هذا وجادة - انتهى.
قال القارى: لكن يتوقف كونه وجادة على ثبوت كون الكتاب بخط معاذ. قال ثم رأيت الطيبى قال: هذا
من باب الوجادة، لأنه من باب نقل من كتاب الغير من غير إجازة ولا سماع ولا قراءة - انتهى. قلت: الحق
والصواب إن قوله عن النبى مؤقتة متعلق بقوله عندنا كتاب معاذ، وهو من باب الوجادة بشرط أن يكون الكتاب
المذكور بخط معاذ والوجادة المصطلحة هى أن يقف على أحاديث بخط ، راويها غير المعاصر له أو المعاصر ولم يلقه
أو لقيه ولم يسمع منه أو سمع منه، ولكن لا يروى تلك الأحاديث الخاصة عنه بسماع ولا إجازة. فله أن
يقول وجدت أو قرأت بخط فلان عن فلان ، وهو من باب المنقطع لكن فيه شوب إتصال، لقوله وجدت بخط
فلان. واذا وجد حديثا فى تأليف شخص وليس بخطه ، قال ذكر فلان أو قال فلان. وهذا منقطع لا شوب من
الاتصال فيه. وهذا كله اذا وثق بأنه خطه أو كتابه، وإلا فليقل بلغنى عن فلان أو وجدت عنه إلى آخر ما قال
السيوطى فى التدريب. وروى هذا الحديث أبو يوسف فى الخراج (ص ٦٤) قال حدثنا عمرو بن عثمان عن
موسى بن طلحة، أنه كان لا يرى صدقة إلا فى الحنطة والشعير والنخل والكرم والزبيب. قال: وعندنا كتاب
كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ، أوقال نسخة أو وجدت نسخة هكذا - انتهى. وهذا يدل على أن المراد
بكتاب معاذ فى رواية الباب كتاب كتبه النبى ◌َفّ لمعاذ فى الصدقة، لا كتاب كتبه معاذ فى الصدقة، و كيفما كان
الأمر الحديث مرسل كما قال المؤلف (أنه) أى معاذا (قال إنما أمره) أى النبى معَ ◌ّ معاذا (أن يأخذ الصدقة)
أى الزكاة وهى العشر أو نصفه ورواه أحمد (ج٥ ص٥٢٨) والحاكم (ج١ ص٤٠١) والدار قطنى (ص٢٠١)
١٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
من الحنطة والشعير والزبيب والتمر. مرسل، رواه فى شرح السنة.
والبيهقى (ج ٤ ص ٢٢٨) بلفظ: عن موسى بن طلحة. قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبى حز ◌ّ: إنه إنما
أخذ الصدقة الخ. قال البيقى: ورواه عبد الله بن الوليد العدنى عن سفيان، وزاد فيه بعث الحجاج موسى بن
المغيرة على الخضر والسواد، فأراد أن يأخذ من الخضر الرطاب والبقول. فقال موسى بن طلحة : عندنا كتاب
معاذ عن رسول الله ◌َّ أنه أمره أن يأخذ الخ. (من الحنطة والشعير والزبيب والتمر) فيه دليل على أنه لا زكاة
إلا فى هذه الأربعة واحتج به من قال بحصر العشر أو نصفه فى الحنطة والشعير من الحبوب والتمر والزبيب
من الثمار. وأجاب من لم يقل بذلك بأن الحديث منقطع كما تقدم وسيأتى أيضا ، وبأنه ليس معناه أنه لا تجب
الزكاة إلا فى هذه الأربعة فقط ، بل الزكاة واجبة فيما ينبته الآدميون اذا كان قوتا فى حال الاختيار كما قال
الشافعى أو اذا كان مكيلا مدخرا كما ذهب اليه أحمد، أو فى جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض كما ذهب اليه
أبو حنيفة وداود الظاهرى. وإنما أمره أن يأخذ الزكاة من هذه الأربعة، لأنه لم يكن ، ثم غير هذه الأربعة
قال الطيبي : هذا إن صح بالنقل فلا كلام وان فرض ان ثمة شيئا غير هذه الأربعة ما تجب الزكاة فيه، فمعناه أنه
إنما أمره أن يأخذ الصدقة من المعشرات من هذه الأجناس ، وغلب الحنطة والشعير على غيرهما، من الحبوب
لكثرتهما فى الوجود ، وإصالتهما فى القوت. واختلف فيما تنبت الأرض مما يزرعه الناس وتغرسه، فعند أبى حنيفة
تجب الزكاة فى الكل سواء كان قوتا أوغير قوت، فذكر التمر والزبيب عنده للتغليب أيضا . وقيل: الحصر فيه ليس
حصرا حقيقيا، بل هو إضافى بالنسة إلى الخضراوات ونحوها. لما روى الدارقطنى وغيره عن موسى بن طلحة
عن معاذ مرفوعا، فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر. وإنما يكون ذلك
فى التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وفيه اسحاق بن طلحة وهو ضعيف متروك. وقد تقدم بسط الكلام على هذه المسئلة فى شرح حديث الأوساق
(مرسل) أى منقطع. قال ابن حزم فى المحلى (ج ٥ ص ٢٢٢) هذا منقطع لأن موسى بن طلحة لم يدرك
معاذا بعقله. وقال الحاكم: موسى بن طلحة تابعى كبير لم ينكر له أن يدرك أيام معاذ أى لا ينكر له لقى معاذ.
قال الحافظ: قد منع ذلك أبو زرعة، وقال ابن عبد البر: لم يلق معاذا ولا أدركه - انتهى. وقال ابن دقيق
العيد : فى الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر، فقد ذكروا إن وفاة موسى سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة
أربع ومائة - انتهى. وقال ميرك: فيه شائبة الاتصال بواسطة الوجادة إن صح إن الكتاب بخط معاذ (رواه
فى شرح السنة) وأخرجه أيضا أحمد والدار قطنى والحاكم والبيهقى، وفى معناه أحاديث أخرى ذكرناها فى شرح
حديث الأوساق .
١٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
١٨١٩ - (١١) وعن عتاب بن أسيد، أن النى صلى الله عليه وسلم قال: فى زكاة الكروم»
إنها تخرص
١٨١٩ - قوله (وعن عتاب) بفتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية آخره موحدة (بن أسيد) بفتح الهمزة
وكسر السين المهملة ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس الأموى المكى صحابى. وكان أمير مكة فى عهد النبي
عَّ، ومات فى يوم مات أبو بكر الصديق فيما ذكر الواقدى لكن ذكر الطبرانى أنه كان عاملا على مكد لعمر سنة
إحدى وعشرين كذا فى التقريب. وقال ابن عبد البر: إستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة عام الفتح فى
خروجه إلى حنين، حج بالناس سنة ثمان، وحج المشركون على ما كانوا عليه، ولم يزل على مكة حتى قبض رسول ١
اللّه ◌َّ وأقره أبو بكر فلم يزل عليها واليا إلى أن مات فكانت وفاته فيما ذكر الواقدى يوم مات أبو بكر الصديق
وكان رجلا صالحا فاضلا، وكان عمره حين استعمل نيفا وعشرين سنة له عند أصحاب الستن حديث الخرص. رووه
من رواية سعيد بن المسيب عنه. قال أبو داود وأبو حاتم: لم يسمع سعيد من عتاب. وقال ابن قانع: لم يدركه
وقال المنذرى: إنقطاعه ظاهر. لأن مولد سعيد فى خلافة عمر (لسنتين مضتا من خلافة عمر) ومات عتاب يوم
مات أبو بكر. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: فى ترجمة سعيد بن المسيب بعد ذكر اختلاف أحمد ومالك
وأبى حاتم فى سماع سعيد من عمر ما لفظه. وقال ابن سعد: عن الواقدى لم أر أهل العلم يصححون سماعه من
عمر، وإن كانوا قد رووه. قلت: قد وقع لي حديث باسناد صحيح لا مطعن فيه تصريح بسماعه من عمر فذكره
ثم قال: وأما حديثه عن بلال وعتاب بن أسيد فظاهر الانقطاع بالنسبة إلى وفاتيهما ومولده والله أعلم. وقال
فى ترجمة عتاب: روى الطيالسى والبخارى فى تاريخه (ج ٤ ص ٥٤) من طريق أيوب عن عبد الله بن يسار عن
عمرو بن تقرب ، سمعت عتابا فذكر حديثا وإسناده حسن، ومقتضاه إن عتابا تأخرت وماته عما قال الواقدى.
لأن عمرو بن عقرب ذكره البخارى فى التابعين وقال سمع عتابا، ويؤيد ذلك إن الطبرى ذكر عتابا فيمن لا يعرف
تاريخ وفاته، وقال فى تاريخه إنه كان والى عمر سنة عشرين، وذكره قبل ذلك فى سنى عمر، ثم ذكره فى سنة (٢٢)
ثم قال فى مقتل عمر سنة (٢٣) قتل وعامله على مكة نافع بن عبد الحارث - انتهى. فهذا يشعر بأن موت عتاب
كان فى أواخر سنة (٢٢) أو أوائل سنة (٢٣) فعلى هذا فيصح سماع سعيد بن المسيب منه - أنتهى. (قال فى
زكاة الكروم) أى فى كيفية زكاتها وهى بضمتين، جمع الكرم بفتح الكاف وسكون الراء وهو شجر العنب. قال
ابن حجر : ولا ينافى تسمية العنب كرما خبر الشيخين لا تسموا العنب كرما ، فإن الكرم هو المسلم. وفى رواية:
فانما الكرم قلب المؤمن لأنه نهى تنزيه على أن تلك التسمية من لفظ الراوى فلعله لم يبلغه النهى أو خاطب به من
لا يعرفه الا به - انتهى . وسيأتى مزيد الكلام عليه فى باب الأسامى فى شرح حديث النهى المذكور (إنها تخرص)
١٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
كما تخرص النخل. ثم تؤدى زكاته زبيبا، كما تؤدى زكاة النخل تمرا.
على بناء المجهول من باب ضرب ونصر أى تحزر (بتقديم الزاى المعجمة على الراء المهملة) من خرَصَ الكرمة
والنخلة يخرصُها خرصا بفتح المعجمة وسكون الراء اذا قدر ما عليها من الرطب تمرا، ومن العنب زيبا. قال
السندى: الخرص هو تقدير ما على النخل من الرطب تمرا، وما على الكروم من العنب زبيبا، ليعرف مقدار عشره
ثم يخلى بينه وبين مالكه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار. وحكى الترمذى عن بعض أهل العلم إن تفسيره
إن الثمار اذا أدركت من الرطب والعنب ما فيه الزكاة بعث السلطان خارصا ينظر، فيقول يخرج من هذا كذا
وكذا زبيبا، أو كذا وكذا تمرا، فيحصيه وينظر مبلغ العشر من ذلك ، فيثبته عليهم ويخلى بينهم وبين الثمار،
فاذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر - انتهى. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار فى التناول منها،
والبيع من زهوها ، وإيثار الأهل والجيران والفقراء لأن فى منعهم تضييقا لا يخفى. قال الأمير اليمانى: فائدة
الخرص أمن الخيانة من رب المال ، ولذلك يجب عليه البيئة فى دعوى النقص بعد الخرص وضبط حق الفقراء على
المالك ومطالبة المصدق بقدر ما خرصه وانتفاع المالك بالأكل ونحوه. وقال الخطابي: فائدة الخرص ومعناه إن
الفقراء شركاء أرباب الأموال فى الشعر، فلو منع أرباب الأموال من حقوقهم ومن الانتفاع بها إلى أن تبلغ الثمرة
غاية جفافها لا ضرر ذلك بهم ، ولو انبسطت أيديهم فيها لا خل ذلك بحصة الفقراء منها ، اذ ليس مع كل أحد
من التقية ما تقع به الوثيقة فى أداء الأمانة، فوضعت الشريعة هذا العيار ليتوصل به أرباب الأموال إلى الانتفاع
ويحفظ على المساكين حقوقهم. وإنما يفعل ذلك عند أول وقت بدو صلاحها ، قبل أن يوكل ويستهلك ليعام
حصة الصدقة منها فيخرج بعد الجفاف بقدرها تمرا وزبيبا - انتهى. ( كما تخرص النخل ثم تؤدى زكوته) أى
الخروص (زبيبا) هو اليابس من العنب يعنى إذا ظهر فى العنب وثمر النخل حلاوة يخرص على المالك ويقدر
الخارص، إن هذا العنب اذا صار زبيباكم يكون . وكذلك الرطب اذا صار تمراكم يكون ، ثم ينظر فان كان نصابا
يجب عليه زكاته وإن لم يكن نصابا لم يجب عليه (كما تؤدى زكاة النخل تمر١) قال الخطابي: إنما يخرص من الثمر
ما يحيط به البصر بارزا لا يحول دونه حائل، ولا يخفى موضعه فى خلال ورق الشجر والعنب فى هذا المعنى كثرا
النخل. فأما سائر الثمار فانها لا تجرى فيها الخرص لأن هذا المعنى فيها معدوم - انتهى. وقيل: إن حكمة جعل
النخل فيه أصلا مقيسا عليه، إن خيبر فتحت أول سنة سبع وبها نخل ، وقد بعث اليهم النبي صلى الله عليه وسلم
عبد الله بن رواحة. نفرصها فلما فتح الطائف وبها العنب الكثير أمر بخرصه كخرص النخل المعروف عندهم
ذكره صاحب البيان وهو الأحسن. أو إن النخل كانت عندهم أكثر وأشهر كذا فى المرقاة. والحديث
دليل على مشروعية الخرص فى العنب والنخل واليه ذهب أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة
١٥٠
1

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ومروان والقاسم بن محمد وعطاء والزهرى، وعمرو بن دينار ومالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور. ثم
اختلفوا هل هو واجب أو مستحب أو جائز؟ فقال الشافعى : فى أحد قوليه بوجوبه مستدلا بما فی حدیث عتاب
بن أسيد عند أبى داود والنسائى وغيرهما من أن النبى مؤثرة: أمر أن يخرص العنب كما يخرص النخل. الخ قال
الأمير اليمانى: قول الراوى ((أمر)) يفهم منه أنه أتى صلى الله عليه وسلم بصيغة تفيد الأمر والأصل فيه الوجوب.
وقال الجمهور هو مستحب (وهى رواية عن الشافعى) إلا أن تعلق به حق محجور مثلاأو كان شركاء، غير مؤتمنين
فيجب لحفظ مال الغير. وروى عن الشافعى أيضا أنه جائز فقط. قال العينى: وقال الشعبى والثورى وأبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد: الخرص مكروه. وقال الشعبى: الخرص بدعة. وقال الثورى: خرص الثمار لا يجوز.
وقال ابن رشد قال أبو حنيفة وصاحباه: الخرص باطل وعلى رب المال أن يؤدى عشر ما تحصل بيده زاد على
الخرص أو نقص منه. وقال فى المسوى قالت الحنفية: الخرص ليس بشىء، وأوّلوا ما روى من ذلك بأنه كان
تخويفا للأكرة لئلا يخونوا، فأما أن يكون به حكم فلا - انتهى. قال صاحب العرف الشذى: اعتبر الخرص
الحنفية أيضا إلا أنهم لم يجعلوه حجة ملزمة وأمرا فاصلا، فان وقع الاختلاف بين الخارص والمالك لا يقضى
عليه بقول الخارص فقط، ومن سوء بعض عبارات أصحابنا نسب الينا عدم اعتباره مطلقا وليس بصواب. فان
الأحاديث قد وردت به صراحة - انتهى. وقال صاحب الكوكب الدرى: الخرص بالمعنى الذى بينه الترمذى
جوزه الامام أبو حنيفة فى العشر والخراج - انتهى. وهذا كما ترى مخالف لما نسبه شراح الحديث وغيرهم الى
الحنفية من أنهم أنكروا الخرص مطلقا. وقالوا ببطلانه وكراهته. ووجّه بعضهم هذا الاختلاف بأن محمل قول
من حكى عن الحنفية بأن الخرص باطل أو ليس بشىء هو إلزام مقدار معين من العشر بذلك الخرص فانه باطل ،
لأنه تخمين وليس بحجة ملزمة، ومن حكى الكرامة أراد كراهة أخذ التمر بدل الرطب بالخرص ، فإنه من البيوع
المنهية في الأحاديث. ومن حكى الجواز والاعتبار أراد جواز الخرص لمجرد التخمين والطمانينة بغلبة الظن.
لتخويف الأكرة، ولئلا يتجاسروا على إضاعة العشر والخراج - انتهى. قلت: إعتلال الحنفية عن أحاديث
الخرص بما روى من النهى عن الخرص وبأنه من المزابنة المنهى عنها وبأن جوازه منسوخ بنسخ الرباء، وبأنه
كان قبل تحريم القمار، وبأنه تخمين وغرور صريح فى أن مذهب الحنفية هو عدم جواز الخرص وعدم اعتباره
مطلقا ، وهذا مستلزم للقول ببطلانه وإنه ليس بشى. وأما ما نسب اليهم صاحب العرف الشذى وغيره من القول
بجوازه فلا أثر له فى شى من كتب فروعهم، والظاهر إن هؤلاء لما رأوا قول الكراهة والبطلان مخالفا للسنة الثابتة
الصريحة، ذهبوا إلى جوازه وإعتباره ثم نسبوه إلى الحنفية وجعلوه مذهبا لهم، فرارا من إلزام مخالفة السنة ومنا بذته
قلت: واستدل الجمهور لمشروعية الخرص بأحاديث منها حديث عتاب وهو حديث حسن كما ستعرف.
١٥١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ومنها حديث أبي حميد الساعدي الطويل عند الشيخين فى خرصه ◌َ لله على إمرأة بوادى القرى حديقة لها.
ومنها حديث عائشة الآتى قال الماروردى: الدليل على جواز الخرص ورود السنة قولا وفعلا وامتثالا. أما
القول حديث عتاب. وأما الفعل حديث البخارى يعنى حديث أبي حميد الساعدى الذى أشرنا اليه. وأما الامتثال
فماروى إن رسول اللّه يَ اللّه كان له خراصون، يعنى حديث عائشة وما فى معناه. ومنها حديث ابن عمر فى
صحيح ابن حبان، إن رسول اللّه ◌َ للَّم غلب أهل خيبر على الأرض والزرع والنخل قصالحوه وفيه، فكان ابن
رواحة يأتيهم فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر ذكره العينى. قلت: ولابن عمر حديث آخر عند أحمد أن النبى
رَبّ بعث ابن رواحة إلى خيير يخرص عليهم، ثم خيرهم أن يأخذوا أو يردوا الخ. وفيه العمرى وفيه كلام.
ومنها: حديث جابر فى المصنف. قال العينى: بسند صحيح. قال: خرصها عليهم ابن رواحة يعنى خيبر أربعين
ألف وسق وله حديث آخر بمعناه عند الدار قطنى (ص ٢١٧) والبيهقي (ج ٤ ص ١٢٣). ومنها : حديث
ابن عباس عند أبى داود وابن ماجه إن النبى صلى الله عليه وسلم: حين افتح خيبر الحديث. وفيه فلما كان حین
يصرم النخل بعث إليهم ابن رواحة فزر النخل وهو الذى يسميه أهل المدينة الخرص. ومنها: حديث الصلت
ابن زيد عن أبيه عن جده عند البيهقى (ج ٤ ص ١٢٣ - ١٢٤) وأبي نعيم وابن مندة فى الصحابة وفيه محمد بن
مغيث . قال العلائى: لا أعرفه. وقال البيهقى: هذا إسناد مجهول. ومنها : حديث جابر عند ابن عبد البرمرفوعا،
خففوا فى الخرص الحديث. وفيه ابن لهيعة. ومنها حديث سهل بن أبى حثمة الآتى وهو حديث صحيح وله حديث
آخر عند الدار قطنى (ص ٢١٧ - ٢١٨) والطبرانى، وفيه محمد بن صدقة وهو ضعيف. ومنها: حديث عمر عند
البيهقى وغيره فى أمره بالخرص. وأجاب لحنفية عن هذه الأحاديث بوجوه. الأول: الكلام فى أسانيدها.
قال ابن العربی : لیس فی الخرص حديث صحيح ، إلا حديث أبي حميد الساعدى عند الشیخین، ويليه ما روى فى
خرص ابن رواحة على أهل خيبر. وتعقب بأن حديث عتاب حسن وحديث سهل صحيح كما ستعرف ، قالوا :
والجواب عن حديث أبى حميد أنه مَّ أراد بذلك الخرص معرفة مقدار ما فى تخل تلك المرأة خاصة، ثم يأخذ
منها الزكاة وقت الصرام على حسب ما تجب فيها، وأيضاً فقد خرص حديقتها وأمرها أن تحصى ، وليس فيه أنه
جعل زکاتها فی ذمتها وأمرها أن تتصرف فی ثمرها کیف شاءت . و فیه إن الظاهر أنه ◌ُٹے خرص عليها حديقتها،
وأمرها أن تحصى كيلها ليأخذ منها الزكاة حسب خرصه ، ولتنتفع هى بالتناول كيف شاءت فتكون الزكاة فى ذمتها .
قالوا : والجواب عن الخرص على أهل خيبر إنه لم يكن الزكاة، اذ كانوا ليسوا بأهل زكاة فكان تخميناً ليعلم ما
١٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
بأيدى كل قوم من الثمار فيؤخذ مثله بقدره فى وقت الصرام لا أنهم يملكون منه شيئاً مما يجب لله فيه يبدل لا يزول
ذلك البدل. ويرده ما فى حديث ابن عمر عند ابن حبان إن ابن رواحة كان يضمن أهل خيبر الشطر ، وما فى
عامة الروايات من تخيير إياهم فانه يدل على أنهم لو دفعوها إلى المسلمين كان يجب عليهم أن يضمنوا الشطر
ويتصرفوا فيها كيف شاءوا . ثم يعطوا اليهود حقهم بحسب خرص ابن رواحة ويؤدوا ما يجب عليهم من الزكاة
إلى بيت المال بحسب ذلك الخرص ، فكان هذا الخرص فى الظاهر لأخذ الحق على اليهود ، وفى الحقيقة عليهم وعلى
المسلمين جميعاً. الثانى: الكلام فى معناها وهو إن الخرص لم يكن على وجه تضمين رب المال بقدر الصدقة ،
لأنه غير جائز لكونه من باب بيع الرطب بالتمر، وإنما وجّهه إنهم فعلوا ذلك تخويفاً للمزارعين لئلا يخونوا، لا
ليلزم به الحكم لأنه تخمين وغرور. الثالث: إنه منسوخ بنسخ الرباء. قال الخطابي: قال بعض: أصحاب الرأى
إنما كان جوازه قبل تحريم الربا والقمار. وتعقبه فى المعالم (ج ٢ ص ٤٤) بأن تحريم الربا والقمار والميسر
متقدم، والخرص عمل به فى حياة النبي تَثّ حتى مات، ثم أبو بكر وعمر فمن بعدهم ، ولم ينقل عن أحد منهم ولا
عن التابعين خلاف فيه إلا عن الشعبى - انتهى. وقال ابن القيم فى إعلام الموقعين: المثال التاسع والعشرون رد
السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فى خرص الثمار فى الزكاة والعرايا وغيرها اذا بدأ صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص
ثم قال: فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان.
فاجتنبوه - المائدة: ٩٠) قالوا: والخرص من باب القمار والميسر فيكون تحريمه ناسخا لهذه الآثار، وهذا من أبطل.
الباطل. فان الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع والرباء والميتة والمذكى، وقد نزة الله
رسوله وأصحابه عن تعاطى القمار وعن شرعه وإدخاله فى الدين ، وياللّه العجب ! أ كان المسلمون يقامرون إلى زمن
خيبر ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين. ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار، ولا
يعرفون إن الخرص قار حتى بينه بعض فقهاء الكوفة، هذا والله الباطل حقا والله الموفق - انتهى كلام ابن القيم.
قال العينى: قول الخطابى تحريم الربا والميسر متقدم، يحتاج إلى معرفة التاريخ، وعندنا ما يدل على صحة النسخ،
وهو ما رواه الطحاوى من حديث جابر أن رسول اللّه تَّةٍ: فهى عن الخرص. وقال: أرأيتم إن هلك التمر أيحب
أحدكم أن يأكل مال أخيه بالباطل والحظر بعد الاباحة علامة النسخ - انتهى كلام العينى. قلت تقدم تحريم الربا
والميسر واضح جدا ظاهر معلوم، لكل من له فهم وعقل صحيح. فان الخرص قد عمل به رسول اللّه ◌َيُّه طول عمره
وعمل به أبو بكر وعمر فى زمانهما ، ولو كان الخرص قارا أو ربا أو كان ذلك قبل تحريم القمار والربا لما خفى
علیهم ذلك ولم یعملوا به قط، وعملهم بالخرص طول أعمارهم دليل على أن الخرص ليس بقار ولا ربا ، وأما
١٥٣

ـرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
حديث جابر فالمراد بالخرص فيه الخرص فى المزارعة والمساقاة والبيع لا فى الصدقة والعرايا ، قال الخطابي: وأما
قول أصحاب الرأى إنه تخمين وغرور فليس كذلك ، بل هو اجتهاد فى معرفة مقدار الثمار وإدراكه بالخرص الذى
هو نوع من المقادير والمعايير كما يعلم ذلك بالمكاييل والموازين، وإن كان بعضها أحصر من بعض. وإنما هذا
كاباحته الحكم بالاجتهاد عند عدم النص مع كونه معرضا للخطأ، وفى معناه تقويم المتلفات من طريق الاجتهاد
وباب الحكم بالظاهر باب واسع لا ينكره عالم - انتهى. الرابع: إنه من باب المزابنة المنهى عنها وهو بيع الثمر
فى رؤس النخل بالتمر كيلا، وهو أيضا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة فيدخله المنع من التفاضل ، ومن النسيئة
وكلاهما من أصول الربا. وأجيب عن هذا بأن الخرص مستثنى من تلك الأصول كالعرايا بل هو أصل مستقل
بنفسه يدل على ذلك ورود السنة به قولا وعملا وتعامل المسلمين من عهد النبي ◌َّفة، إلى زمن الخلفاء الراشدين
ومن بعدهم. الخامس : إنه كيف يجوز ذلك وقد يجوز أن يحصل للثمرة آفة تتلفها فيكون ما يؤخذ من صاحبها
مأخوذا ، بد لا بما لا يسلم له إعتل به الطحاوى. وأجيب بأن القائلين بالخرص لا يضمنون أرباب الأموال
ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم إن المخروص إذا أصابته جائحة، قبل الجذاذ فلاضمان
بخلاف ما اذا أتلفه المالك، فإنه يضمن نصيب الفقراء اى تؤخذ منه الزكاة بحساب ماخرص،و الفرق بين الاتلاف
والتلف مما لا ينكره عالم. السادس: إن الخرص كان خاصا بالنبى مؤ تم لأنه كان يوفق من الصواب ما لا يوفق له
غيره ذكره أبو عبيد (ص ٤٩٢) ثم تعقبه (ص ٤٩٣) بأنه لا يلزم من كون غيره لا يسدد لما كان يسدد له ،
سواء أن يثبت بذلك الخصوصية، وإن كان المرا لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد فيه، كتسديد الأنبياء
لسقط الاتباع: قال الحافظ: وترد هذه الحجة أيضاً بارسال النبى من الخراص فى زمانه والله أعلم - انتهى.
قال الماوردى: واحتج أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعا نهى عن الخرص. وبما رواه جابر بن سمرة إن رسول الله
نهى بيع كل ثمرة يخرص وبأنه تخمين، وقد يخطىء وبأنه تضمين رب المال بقدر الصدقة، وذلك غير جائز لأنه بيع
رطب بتمر وأنه بيع حاضر بغائب. وأجيب عن الحديثين بأن المراد من الخرص فيهما الخرص فى المزارعة
والمساقاة لا فى الصدقة كما تقدم. وأما القول بأنه تخمين وقد يخطئ، وبأنه بيع رطب بتمر الخ. فقد تقدم جوابه
أيضاً فتذكر. واعلم أنه اختلف القائلون بالخرص هل يختص أو يلحق به العنب أويعم كل ما ينتفع به رطبا
وجافا. وبالأول قال شريح القاضى وبعض الظاهرية. (قال ابن رشد: لأنه لم يصح عندهم حديث عتاب) والثانى
قول الجمهور. وإلى الثالث تحا البخارى، وهل يمضى قول الخارص أو يرجع ما آل إليه الحال بعد الجفاف الأول
١٥٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
قول مالك وطائفة . والثانى : قول الشافعى . ومن تبعه و هل یکفی خارص واحد عارف ثقة أو لابد من اثنين وهما
قولان للشافعى والجمهور على الأول، واخلتف أيضاً هل هو إعتبار أو تضمين وهما قولان للشافعى أظهر هما
الثانى: ﴿ فائدته جواز التصرف فى جميع الثمرة ، ولو اتلف المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزكاة بحساب
ما خرص كذا فى الفتح. واختلفوا أيضاً هل يحاسب أصحاب النخيل والثمار بما أكلوا قبل الجذاذ أم لا، وكذلك
اختلفوا هل يؤخذ قدر العرايا والضيف وما فى معناه أم لا. وسيأتى بيانه فى شرح حديث سهل. واختلفوا أيضاً
اذا غلط الخارص. قال ابن قدامة: ( ج ٢ ص ٧٠٦، ٧١٠) وينبغى أن يبعث الامام ساعيه اذا بدا صلاح الثمار
ليخرصها ويقدر الزكاة، ويعرف المالك ذلك قال ويجزىء خارص واحد لأن النبى تؤثر: كان يبعث ابن رواحة
فيخرص ولم يذكر معه غيره، ولأن الخارص يفعل ما يؤديه اجتهاده اليه فهو كالحاكم ويعتبر فى الخارص أن يكون
أمينا غير متهم (لأن الفاسق لا يقبل خبره) . وصفة الخرص أن يطيف بكل نخلة أو شجره وينظركم فى الجميع
رطباً أو عنباً ثم يقدر ما يجىء منها تمرا، فاذا خرص على المالك وعرفه قدر الزكاة خيره بين أن يضمن قدر الزكاة
ويتصرف فيها بما شاء من أكل وغيره ، وبين حفظها الى وقت الجذاد والجفاف ، فان اختار حفظها ثم أتلفها أو
تلفت بتفريطه فعليه ضمان نصيب الفقراء بالخرص، وإن تلفت بجائحة من السماء سقط عنهم الخرص . وإن أدعى
تلفها بغير تفريطه فالقول قوله بغير يمين ( وقال الأمير اليمانى اذا أدعى المخروص عليه النقص بسبب يمكن إقامة
البينة عليه وجب إقامتها وإلا صدق بيمينه). وإن حفظها الى وقت الاخراج فعليه زكاة الموجود لا غير، سواء
إختار الضمان أو حفظها على سبيل الأمانة وسواء كانت أكثر مما خرصه الخارص أو أقل وبهذا قال الشافعى ،
وقال مالك: يلزمه ما قال الخارص زاد أو نقص، اذا كانت الزكاة متقاربة لأن الحكم انتقل إلى ما قال الساعى
بدليل وجوب ما قال عند تلف المال . ولنا إن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة بالشرط كالوديعة ، ولا نسلم أن
الحكم إنتقل إلى ما قاله الساعى، وإما يعمل بقوله اذا تصرف فى الثمرة ولم يعلم قدرها لأن الظاهر أصابته، وإن
أدعى رب المال غلط الخارص وكان ما ادعاه محتملا قبل قوله بغير يمين ، وإن لم يكن محتملا مثل أن يدعى غلط
النصف ونحوه لم يقبل قوله لأنه لا يحتمل فيعلم كذبه، وإن قال لم يحصل فى يدى غير هذا قبل منه بغير يمين ، لأنه
قد يتلف بعضها بآفه لا نعلمها (وفيه ما قيل إن هذا ما يليق بحال المؤمنين الصادقين. وقد قل عددهم فى أكثر
الأمصار فلو قبل السلطان قولهم الكذب أكثرهم) ويخرص النخل والكرم لما روينا من الأثر فيهما ولم يسمع
بالخرص فى غيرهما فلا يخرص الزرع فى سنبله، وبهذا قال عطاء والزهرى ومالك. لأن الشرع لم يرد بالخرص
فيه ولا هو فى معنى المنصوص عليه. لأن ثمرة النخل والكرم تؤكل رطبا فيخرص على أهله للتوسعة عليهم ليخلى
بينهم وبين أكل الثمرة والتصرف فيها ثم يؤدون الزكاة منها على ما خرص، ولأن ثمرة النخل والكرم ظاهرة
١٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
رواه الترمذى وأبوداد.
١٨٢٠ - (١٢) وعن سهل بن أبى حثمة، حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يقول: إذا خرصتم
مجتمعة ، فرصها أسهل من خرص غيرهما وما عداهما فلا يخرص. وإنما على أهله فيه الأمانة اذا صار مصفى يابساً
ولا بأس أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله ولا يحتسب عليهم - انتهى كلام ابن قدامة مختصرا ملتقطا. (رواه
الترمذى وأبو داود) واللفظ للترمذى وأخرجه أيضا الدارقطنى (ص ٢١٧) ولفظ أبى داود: أمر رسول الله
مَّة : أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زييباً كما تؤخذ صدقة النخل تمرا. وأخرجه بهذا اللفظ
النسائى والدار قطنى وابن حبان أيضاً، وفى رواية للترمذى وابن ماجه والدار قطنى والبيهقى إن النبي مؤثّم: كان
يبعث على الناس من يخرص كرومهم وتمارهم . ومدار الحديث على سعيد بن المسيب عن عتاب، وقد تقدم قول
أبى داود وأبى حاتم إن سعيد بن المسيب لم يسمع من عتاب وابن قائع ، أنه لم يدركه، والمنذرى إن إنقطاعه ظاهر
وقال الحافظ فى بلوع المرام؛ فيه إنقطاع. وقال ابن السكن: لم يرو عن رسول اللّه مَّمه من وجه غير هذا.
وقد رواه الدار قطنى بسند فيه الواقدى. فقال: عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب. وقال
أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبى يُؤثّ أمر عتابا مرسل. وهذه رواية عبد الرحمن بن اسحاق عن
الزهرى - انتهى. قلت: اختلف أصحاب الزهرى عليه، فرواه الواقدى عن محمد بن عبد الله بن مسلم وعبد الرحمن
ابن عبدالعزيز عن الزهرى عن سعيد عن المسور بن مخرمة عن عتاب، وهذا عند الدار قطنى . ورواه محمد بن صالح
التمار عن الزهرى عن سعيد عن عتاب، وهو عند الترمذى وابن ماجه والدارقطنى والبيهقى. وكذا رواه عبدالرحمن
ابن اسحاق عن الزهرى عند أبي داود والدار قطنى والبيهقى. وروى عبد الرحمن بن اسحاق أيضاً عن الزهرى عن
سعيد، أن رسول اللّه ◌َلّم: أمر عتابا مرسل وهذا عند النسائى والبيهقى، ولم يظهر لى وجه كون المرسل صحيحا
والموصول خطأ، والحديث قد حسنه الترمذى. وسماع سعيد بن المسيب من عتاب ممكن على ما حققه الحافظ فى
تهذيب التهذيب والاصابة، وقد سبق كلامه، فالظاهر إن هذا الحديث موصول حسن والله تعالى أعلم . وقال
النوى: وهو وإن كان مرسلا فهو يعتضد بقول الأئمة ثم رأيت الزرقانى. قال فى شرح المؤطا: ودعوى الارسال
بمعنى الانقطاع مبنى على قول الواقدى، إن عتابا مات يوم مات أبو بكر الصديق لكن ذكر ابن جرير الطبرى إنه
كان عاملا لعمر على مكة سنة إحدى وعشرين، وقد ولد سعيد اسنتين مضتا من خلافة عمر على الأصح فسماعه
من فتاب ممكن فلا انقطاع، وأما عبد الرحمن بن اسحاق فصدوق احتج به مسلم وأصحاب السنن - انتهى.
١٨٢٠ - قوله (وعن سهل بن أبى حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة (اذا خرصتم) أى قدر تم
١٥٦
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فخذوا ، ودعوا الثلث، فان لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع.
وحزرتم أيها السعاة والمصدقون (خذوا) أى زكاة المخروص إن سلم من الآفة وهو بضم الخاء والذال المعجمتين
أمر من الأخذ، وفى بعض نسخ أبى داود ذوا بالجيم والدال من الجذ، أى فقطعوا، وفى بعضها نجدوا بالدال
المهملة وهو القطع أيضا وعلى هاتين النسختين جزاء الشرط محذوف، أى إذا خرصتم. ثم قطع أرباب النخل
ثمرها نفذوا زكاة المخروص. وقيل: جذوا بضم الجيم صيغة أمر وهو جزاء الشرط، أى رخصوا لهم فى الجذاذ
وذلك لأن الجذ ليس إلى المصدقين (ودعوا) أى أتركوا (الثلث) بضم اللام. قال الطيبي: ((خذوا)) جواب
الشرط ((ودعوا)) عطف عليه أى إذا خرصتم فبينوا مقدار الزكاة، ثم خذوا ثلثى ذلك المقدار وأتركوا الثلث
لصاحب المال، حتى يتصدق به أى على جيرانه ومن يطلب منه. قال القاضى : الخطاب مع المصدقين أمرهم أن
يتركوا المالك ثلث ما خرصوا عليه أو ربعه توسعة عليه حتى يتصدق به هو على جيرانه، ومن يمر به ويطلب منه
فلا يحتاج إلى أن يغرم ذلك من ماله - انتهى. قال الامير اليمانى: قد اختلف فى معنى الحديث على قولين أحدهما:
أن يترك الثلث أو الربع من العشر. وثانيهما: أن يترك ذلك من نفس الثمر قبل أن يعشر. وقال الشافعى: معناه
أن يدع ثلث الزكاة أوربعها ليفرقها هو على أقاربه وجيرانه. وقيل: يدع له ولأهله قدرما يأكلون ولا يخرص .
قال فى الشرح: والأولى الرجوع إلى ما صرحت به رواية جابر وهو التخفيف فى الخرص ويترك من العشر قدر
الثلث أو الربع، فإن الأمور المذكورة قد لا تدرك الحصاد فلا تجب فيها الزكاة - انتهى . قلت: حديث جابر
رواه ابن عبد البر من طريق ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر مرفوعا. قال: خففوا فى الخرص فان فى المال
العربية والواطئة والآ كلة - الحديث. كذا فى التلخيص، ويؤيده ما روى الدارقطنى (ص ٢١٨) والطبرانى عن
سهل ابن أبى حثمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعث أباه أبا حثمة خارصا بجاءه رجل فقال: يا رسول الله
إن أبا حثمة زاد على فدعا أبا حثمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه
فقال: يا رسول الله ! قد تركت عربة أهله وما تطعمه المساكين وما يصيب الريح. فقال: قد زادك ابن عمك
وأنصف ــ انتهى. وفيه محمد بن صدقة وهو ضعيف. واختلف العلماء فى العمل بحديث الباب، فذهب مالك
وسفيان وأبو حنيفة إلى أنه لا يترك لرب المال شىء، بل يحسب عليه ما أكل من ثمره قبل الجذاذ فى النصاب.
قال الحافظ: وهو المشهور عن الشافعى. وقال ابن الملك وابن حجر: هوقول الشافعى فى الجديد. قيل والجواب
عن هذا الحديث إنه كان فى حق يهود خيبر، وكانت قصتهم مخصوصة لأن الأرض أرضه والعبيد عبيده، فأمر
◌َّ : أن يترك لهم منها قدر نفقاتهم. وأجاب بعضهم بأن معنى الحديث أن يترك لهم ذلك من العشر الواجب
ليتصدقوا منه بأنفسهم على الفقراء من أقاربهم وجيرانهم كما سبق عن الشافعى، وليس المعنى أنه لا زكاة عليهم فى
١٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
رواه الترمذى وأبو داود والنسائى .
ذلك أو لا يحسب لهم ما أكلوه فى النصاب وأجيب أيضا بأن المراد به مؤنة الزرع أو مؤنة الأرض فيوضع
ذلك ولا يحسب فى النصاب. قال ابن العربى: والمتحصل من صحيح النظر أن يعمل بالحديث وهو قدر المؤنة ،
ولقد جربناه فوجدناه كذلك فى الأغلب مما يؤكل رطباً. وذهب أحمد والليث واسحق والشافعى أيضاً على ما قال
ابن رشد (ج ١ ص ٢٤١) وابن حزم إلى ظاهر الحديث. فقالوا: يترك لهم فى الخرص من عرض المال الثلث
أو الربع ولا يحسب ذلك فى النصاب. قال الخطابي: ذهب بعض العلماء فى تأويل الحديث إلى أنه متروك لهم من
عرض المال توسعة عليهم، فلو أخذوا باستيفاء الحق كله لاضر ذلك بهم ، وقد يكون منها السقاطة وبنتابها الطير
ويخترفها الناس للأكل فترك لهم الربع توسعة عليهم . وكان عمر بن الخطاب يأمر الخراص بذلك، وبقول عمر
قال أحمد واسحاق. وذهب غير هؤلاء إلى أنه لا يترك لهم شيئا شائعا فى جملة النخل بل يفرد لهم نخلات معدودة،
قد علم مقدار ثمرها بالخرص - انتهى . قال الحافظ: قال بظاهر الحديث الليث وأحمد وإسحاق وغيرهم، وفهم منه
أبو عبيد فى كتاب الأموال أنه القدر الذى يأكلونه بحسب احتياجهم اليه: فقال يترك قدر احتياجهم - انتهى. وقال
ابن قدامة. (ج ٢ ص ٧٠٦) وعلى الخارص أن يترك فى الخرص الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال .
لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم ويطمعون جيرانهم وأهلهم وأصدقائهم وسؤالهم ، ويكون فى الثمرة
السقاطة وينتابها الطير ، وتأكل منه المارة فلو استوفى الكل منهم أضربهم، وبهذا قال اسحاق ونحوه. قال الليث
وأبو عبيد: والمرجع فى تقدير المتروك إلى الساعى باجتهاده فإن رأى الآكلة كثيراً ترك الثلث وإن كانوا قليلا
ترك الربع ، لحديث سهل بن أبى حثمة . وروى أبو عبيد (ص ٤٨٧) باسناده عن مكحول قال: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم: اذا بعث الخراص قال: ((خففوا فان فى المال العربية والوطئة)) وروى عن عمر أنه قال:
خففوا على الناس فى الخرص فان فى المال العرية والواطئة والآكلة. قال أبو عبيد: الواطئة السابلة سموا بذلك ،
لوطنهم بلاد الثمار مجتازين والآ كلة أرباب الثمار وأهلوهم ومن لصق بهم، ومنه حديث سهل بن أبى حثمة فى مال
سعد بن أبى سعدحين قال : لو لا إنى وجدت فيه أربعين عريش الخرصته تسعماة وسق، وكانت تلك العرش لهؤلاء
الآكلة والعزية النخلة أو النخلات يهب انسانا ثمرتها بجاء عن النبي مَفل أنه قال: ليس فى العرايا صدقة. وروى
ابن المنذر (وأبو عبيد والحاكم والبيهقى) عن عمر أنه قال لسهل بن أبى حثمة اذا أتيت على نخل قد حضرها قوم
فدع لهم ما يأكلون، والحكم فى العنب كالحكم فى النخيل سواء، فان لم يترك لهم الخارص شيئا فلهم الا كل قدر
ذلك، ولا يحتسب عليهم به لأنه حتى عليهم - انتهى. (رواه الترمذى وأبوداودوالنسائى) وأخرجه أيضا أحمد (ج٤
ص ٣،٢) و(ج ٣ ص ٤٤٨) والنسائي وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٤٠٢) والبيوتى (ج ٤ ص ١٢٣)
١٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
١٨٢١ - (١٣) وعن عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم: يبعث عبد الله بن رواحة
إلى يهود، فيخرص النخل، حين يطيب قبل أن يؤكل منه.
وأبوعبيد ( ص ٤٨٥) وابن حزم (ج ٥ ص ٢٥٥) وقد سكت عنه أبو داود والمنذرى، وصححه ابن حبان
والحاكم والذهبى. قال الحاكم: وله شاهد باسناد متفق على صحته إن عمر بن الخطاب أمر به ـ انتهى . وقد تقدم
لفظه، ولم يحكم الترمذى على حديث سهل بشىء، نعم قال بعد روايته والعمل على حديث سهل عند أكثر أهل العلم
ويحديث سهل يقول إسحاق وأحمد - انتهى. وفى سنده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوى عن سهل. وقد قال
البزار: إنه تفرد به وهو معروف. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. قلت: عبد الرحمن هذا ذكره ابن حبان فى
الثقات وقال الحافظ : فى التقريب : أنه مقبول .
١٨٢١ - قوله (يبعث ) أى يرسل ( إلى يهود) أى فى خيبر ( فيخرص النخل ) بضم الراء أمى يحزرها
(حين يطيب) بالتذكير والتأنيث أى يظهر فى الثمار الحلاوة قاله القارى. (قبل أن يوكل منه) هذه رواية أبى داود
فى الزكاة من طريق حجاج عن ابن جريج، أخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ، وفيه واسطة بين ابن
جريج والزهرى ولم يعرف، ومن هذا الطريق أخرجه فى آخر كتاب البيوع وزاد ثم يخير اليهود يأخذونه بذلك
الخرص أم يدفعونه اليهم بذلك الخرص لکی تحصی الزكاة قبل أن توكل الثمار وتفرق )» ومن طريق أبي داود ،
أخرجه البيهقى ( ج ٤ ص ١٢٣) قال الطيبي: وهذه زكاة أموال المسلمين الذين تركوها فى أيدى اليهود ويعملون
فيها - انتهى . قال القارى: وفيه إشارة إلى دفع ما يرد عليه من أن الكافر لا زكاة عليه، فبينه بأن ابن رواحة
لم يخرص عليهم إلا حصة الغانمين دفعوا اليهم تخلها ليعملوا فيه بحصته من التمر - انتهى كلام القارى. وقال فى
عون المعبود: (ج٣ ص ٢٧٤) مراد عائشة إن بعث ابن رواحة للخرص إنما كان لاحصاء الزكاة لأن المساكين
ليسوا شركاء معينين، فلو ترك اليهود وأكلها رطبا والتصرف فيها أضر ذلك سهم المسلمين. قال الزرقانى فى شرح
الموطأ قال ابن مرين : سألت عيسى عن فعل ابن رواحة يجوز التساقيين أو الشريكين فقال لا، ولا يصلح قسمه
إلا كيلا إلا أن تختلف حاجتهما اليه فيقتسمانه بالخرص فتأول خرص ابن رواحة للقسمة خاصة. وقال الباجى :
يحتمل أنه خرصها لتمييز حق الزكاة لأن مصرفها غير مصرف أرض العنوة لأنه يعطيها الامام المستحق من غنى
وفقير، فيسلم مما خافه عيسى. وأنكره وقوله فى رواية مالك إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلى، حمله عيسى على أنه
أسلم اليهم جميع الثمرة بعد الخرص ليضمنوا حصة المسلمين . ولوكان هذا معناه لم يجز، لأنه بيع الثمر بالثمر
بالخرص فى غير العربية. وإنما معناه خرص الزكاة فكأنه قال إن شعتم أن تأخذوا الثمرة على أن تؤدوا زكاتها
على ما خرصته، وإلا فأنا اشتريها من الفي بما يشترى به، فيخرج بهذا الخرص، وذلك معروف لمعرفتهم بسعر
١٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
رواه أبو داود.
١٨٢٢ (١٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه مَضى: فى العسل، فى كل عشرة أزق زق.
الثمر. وأن حمل على خرص القسمة لاختلاف الحاجة فمعناه، أن شنتم هذا النصيب فلكم، وإن شئتم فلى يبين
ذلك إن الثمرة مادامت فى رؤس النخل ليس بوقت قسمة ثر المساقاة، لأن على العامل جذها والقيام عليها حتى
يجرى فيها الكيل أو الوزن. فثبت بهذا أن الخرص قبل ذلك لم يكن للقسمة إلا بمعنى اختلاف الاغراض. وقال
ابن البر: الخرص فى المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء، لأن المساقيين شريكان لا يقتسمان إلا بما يجوز به بيع
الثمار بعضها ببعض، وإلا دخلته المزابنة. قالوا وإنما بعث عائله من يخرص على اليهود لاحصاء الزكاة، لأن
المساكين ليسوا شركاء معينين، فلو ترك اليهود وأكلها رطبا والتصرف فيها أضر ذلك مهم المسلمين. قالت:
عائشة: إنما أمر ◌َّ: بالخرص لكى تحصى الزكاة قبل أن توكل الثمار - انتهى كلام ابن عبد البر. وهذا الحديث
المطول قد رواه عبد الرزاق ومن طريقه الدار قطنى ( ص ٢١٧) وابن حزم ( ج ٥ ص ٢٥٥) عن ابن جريج
عن الزهرى ولم يذكر واسطة ، وابن جريج مدلس فلعله تركها تدليسا، وذكر الدار قطنى الاختلاف فيه. قال:
فرواه صالح بن أبى الأخضر عن الزهرى عن ابن المسيب عن أبى هريرة. وأرسله معمر ومالك وعقيل ولم يذكروا
أبا هريرة. وقال صاحب الاستذكارقوله ((فى رواية عبد الرزاق ((وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالخرص لكى تحصى الزكاة الخ. من قول عائشة. وقال الترمذى: بعد رواية حديث عتاب بن أسيد المتقدم. قد
روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وسألت محمداً عن هذا فقال : حديث ابن
جريج غير محفوظ ، وحديث سعيد عن عتاب أصح ـ انتهى. لكن أخرج أبو داود فى كتاب البيوع من طريق
ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول: خرصها أبن رواحة أربعين ألف وسق ، وزعم إن اليهود لما
خيرهم ابن رواحة، أخذوا الشمر وعليهم عشرون ألف وسق ـ انتهى. وهذا يؤيد حديث ابن جريج عن
الزهرى المتقدم ، وكذا يؤيده ما رواه أبوداود أيضاً من طريق ابراهيم بن طهمان عن أبى الزبير عن جابر أنه
قال: لما أفاء الله على رسوله خيبر فأقرهم رسول اللّه مَ له كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم. فبعث عبد الله بن رواحة
فرصها قال الزرقانى: أى ليتميز حق الزكاة من غيرها لاختلاف المصرفين أو للقسمة لاختلاف الحاجة كما مر، وفيه
جواز التخريص لذلك. (رواه أبوداود) أى فى كتاب الزكاة وفى اسناده رجل مجهول لكن أخرج هو أيضا
فى آخر البيوع شاهدا له، من حديث جابر برجال ثقات وقد ذكرنا لفظه .
١٨٢٢ - قوله (فى العسل) بفتح العين والسين المهملتين لعاب النحل. قال فى مختار الصحاح : العسل
يذكر ويؤنث (فى كل عشرة أزق) بفتح الهمزة وضم الزاى وتشديد القاف أفعل جمع قلة ( زق ) بكسر الزاى
١٦٠
i