النص المفهرس

صفحات 121-140

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
الحق الواجب. قال: نصابهما نصاب الرجل الواحد كما أن زكاتهما زكاة الرجل الواحد. وأما القائلون بالخلطة
فانهم اختلفوا فيما هى الخلطة المؤثرة فى الزكاة ، فذكره ابن رشد مختصراً ثم قال: وسبب اختلافهم اشتراك اسم
الخلطة، ولذلك لم يرقوم تأثير الخلطة فى الزكاة وهو مذهب أبى محمد بن حزم الأندلسى - انتهى كلام ابن رشد
مختصرا. قلت: الأصل فى اعتبار أوصاف الخلطة هو ما رواه الدار قطنى (ص ٢٠٤) وأبو عبيد (ص ٣٩٥)
وابن حزم (ج ٦ ص ٥٥ - ٥٦) من طريق أبى عبيد عن سعد بن أبى وقاص . قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: والخليطان ما اجتمعا فى الحوض والفحل والراعى، وروى المرعى وهو حديث ضعيف تفرد به
ابن لهيعة وأخطأ فيه، وانظر الكلام عليه فى التلخيص (ص ١٧٥) إذا تحققت هذا فاعلم أن معنى قوله ((ما كان
من خليطين)) الخ على مذهب الجمهور، إن ما كان متميزاً لأحد الخليطين من المال فأخذ الساعى من ذلك المتميز
يرجع إلى صاحبه بحصته، بأن كان لكل عشرون شأة وأخذ الساعى من مال أحدهما يرجع بقيمة نصف
شأة، وإن كان لأحدهما عشرون وللآخر أربعون مثلا ، فأخذ من صاحب عشرين يرجع إلى صاحب الأربعين
بالثلثين، وإن أخذ منه يرجع على صاحب عشرين بالثلاث وهذا عند الشافعى. وأما عند مالك فهو كخليطين
بينهما مائة شأة لأحدهما ستون وللآخر أربعون ففيها عليهما شأة واحدة يكون على صاحب الأربعين خمساها
وعلى رب الستين ثلاثة أخماسها ، فان أخذ الساعى الشاة الواجبة من الأربعين ، رجع صاحبها على صاحب الستين
بقيمة ثلاثة أخاسها ، وإن أخذها من الستين رجع صاحبها على صاحب الأربعين بخميسها . وعند أبى حنيفة الذى
يحمل الخليط على الشريك ويقول بأن الخلطة غير مؤثرة، اذا كان المعمال بينهما على الشركة بلا تميز وأخذ الساعى
الزكاة من المال المشترك، لأنه ليس عليه أن ينتظر قسمتهما لما لهما يجب التراجع بالسوية ، أى يرجع كل منهما على
صاحبه بقدر ما يساوى ماله، مثلا لأحدهما أربعون بقرة وللآخر ثلاثون والمال مشترك غير متميز فأخذ الساعى
عن صاحب أربعين مسنة ، وعن صاحب ثلاثين تبيعا، وأعطى كل منهما من المال المشترك فيرجع صاحب أربعين
بأربعة أسباع التبيع على صاحب ثلاثين، وصاحب ثلاثين بثلاثة أسباع المسنة على صاحب أربعين، وهكذا كلما
كانت الشركة بينهما على التفاوت فأخذ من أحدهما زيادة لأجل صاحبه فانه يرجع على صاحبه بذلك القدر . وأما
اذا كان المأخوذ حصة كل واحد منهما لا غير بأن كان المال بينهما على السوية فلا تراجع بينهما . لأن ذلك القدر
وكان واجبا على كل واحد منهما بالسوية هذا، وقد بسط أبو عبيد (ص ٣٩١، ٤٠٠) وابن حزم (ج ٦ ص ٥١
و ٥٩) الكلام فى بيان معنى الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع وتراجع الخليطين، وذكر مذاهب العلماء
ووافق أبو عبيد الشافعى وابن حزم الحنفية ورجح مذهبهم. قيل: واليه ميل البخارى كما يظهر من ذكر أثر طاؤس
وعطاء وأثر سفيان الثوى فى باب ما كان من خليطين فانهما يتراجعان بالسوية وفيه نظر قوى ، فان قول طاؤس
١٢١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وفى الرقة ربع العشر ،
وعطاء يدل على الفرق بين خلطة الجوار وخلطة الشيوع، بأن الأولى غير مؤثرة والثانية مؤثرة وهذا قول مخالف
للحنفية، فانه لا تأثير للخلطة عندهم مطلقا على انه روى البيهقى (ج ٤ ص ١٠٦) من طريق عبد الرزاق عن ابن
جريج. قال: سألت عطاء عن النفر الخلطاء لهم أربعون شأة قال عليهم شأة قلت فان كانت لواحدة تسع وثلاثون،
ولآخر شأة قال عليهما شأة وهذا كما ترى عين. مذهب الشافعى. وأما قول سفيان فهو موافق للملكية لا للحنفية كما
لا يخفى، وعلى هذا فما قيل إن البخارى وافق الحنفية بعيد عن الصواب . والقول الراجح عندنا: هو ما ذهب اليه
الشافعى ومن وافقه والله تعالى أعلم فائدة اختلف القائلون بتأثير الخلطة أنها هل تؤثر فى غير السائمة من الزرع
والثمار والعروض والنقدين أم لا، فقال الشافعى على ماذكره ابن حزم: تؤثر فى غير المواشى أيضا. وقالت المالكية
والحنابلة وأبو عبيد والأوزاعى: لا تأثير لهما فى غير الماشية، وهذا هو الراجح عندى. قال ابن قدامة
(ص ٦١٩) اذا اختلطوا فى غير السائمة كالذهب والفضة وعروض التجارة والزروع والثمار لم تؤثر خلطتهم شيئا
وكان حكمهم حكم المنفردين وهذا قول أكثر أهل العلم ، وعن أحمد رواية أخرى إن شركة الأعيان تؤثر فى غير
الماشية، فإذا كان بينهم نصاب يشتركون فيه فعليهم الزكاة وهذا قول اسحاق والأوزاعى فى الحب والثمر، والمذهب
الأول قال أبو عبد الله الأوزاعى يقول: فى الزرع إذا كانوا شركاء خرج لهم خمسة أوسق يقول فيه الزكاة قاسه
على الغنم ولا يعجبنى قول الأوزاعى. وأما خلطة الأوصاف فلا مدخل لها فى غير الماشية بحال ، لأن الاختلاط
لا يحصل، وخرج القاضى وجها آخر إنها تؤثر لأن المؤنة تحف إذا كان الملقح واحدا والصعاد والناطور
والجرين، وكذلك أموال التجارة والدكان واحد والمخزن والميزان والبائع فأشبه الماشية ومذهب الشافعى على
نحو مما حكينا من مذهبنا، والصحيح إن الخلطة لا تؤثر فى غير الماشية لقول النبي مَاه. والخليطان ما اشتركا فى
الحوض والفحل والراعى فدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، قول النبى معَة: ((لا يجمع
بين متفرق خشية الصدقة » إنما يكون فى الماشية لأن الزكاة تقل بجمعها تارة وتكثر أخرى، وسائر الأموال تجب
فيها فيما زاد على النصاب بحسابه فلا أثر لجمعها، ولأن الخلطة فى الماشية تؤثر فى النفع تارة وفى الضرر أخرى.
ولو اعتبرنا فى غير الماشية أثرت ضررا محضاً برب المال فلا يجوز اعتبارها اذا ثبت هذا ، فإن كان لجماعة حائط
مشترك بينهم فيه ثمرة أو زرع فلا زكاة عليهم إلا أن يحصل فى يد بعضهم نصاب كامل فيجب عليه، وعلى الرواية
الأخرى اذا كان الخارج نصابا فيه الزكاة - انتهى. (وفى الرقة) بكسر الراء وتخفيف القاف الفضة سواء كانت
مضروبة أو غير مضروبة ، أصله ورق حذف منه الواو وعوض عنه التاء كما فى عدة ودية . وقيل : هى الدرهم
المضروبة (ربع العشر) بضم الأول وسكون الثانى وضمهما فيهما يعنى اذا كانت الفضة مائتى درهم فربع العشر
١٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فان لم تكن الا تسمين ومائة، فليس فيها شىء إلا أن يشاء ربها. رواه البخارى.
خمسة دراهم، ومر ان الاقتصار عليها للغالب (فان لم تكن) أى الرقة التى عنده (إلا تسعين) أى درهما (ومائة)
أى دراهم ، والمعنى اذا كانت الفضة ناقصة عن مائتى درهم (فليس فيها شىء) أى لا يجب إجماعا. فى شرح
السنة هذا يوهم إنها اذا زادت على التسعين والمائة شيئا قبل أن تم مائتين كانت فيه الصدقة وليس الأمر كذلك،
لأن نصابها المائتان وإنما ذكر تسعين لأنه آخر فصل أى عقد من فصول المائة والحساب، اذا جاوز المائة كان
تركيبه بالفصول والعشرات والمئات والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين
بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)). قال الطيبي: أراد أن دلالة
هذا الحديث على أقل ما نقص من النصاب، إنما يتم بحديث ليس فيما دون خمس أواق صدقة ويسمى هذا فى الأصول
النص المقيد بمفارقة نص آخر وينصره الحديث الآتى عن على رضى الله تعالى عنه، وليس فى تسعين ومائة شىء
فاذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم (إلا أن يشاء ربها) أى يريد مالكها أن يعطى على سبيل التبرع فانه لا مانع
له فيها، وهذا كقوله فى حديث الأعرابى فى الايمان إلا أن تطوع (رواه البخارى) وأخرجه أيضاً أحمد ( ج ١
ص ١١ - ١٢) والشافعى وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدار قطنى والحاكم والبيهقى وصححه الدار قطنى وابن
حبان وغيرهما واعلم أن هذا الحديث أخرجه البخارى مقطعا فى عشرة مواضع من صحيحه فى الزكاة فى سنة
مواضع، وفى الشركة، وفى الخمس، وفى اللباس، وفى ترك الحيل، مطولًا ومختصراً بسند واحد. قال حدثنا محمد بن
عبد الله بن المثنى الأنصارى قال حدثنى أبى قال حدثنى ثمامة بن عبد الله بن أنس إن أنسا حدثه أن أبابكر كتب له
هذا الكتاب الخ وقد انتقد عليه الدار قطنى فى التقبع والاستدراك حيث قال إن تمامة لم يسمع من أنس ولا سمعه
عبد الله بن المثنى من ثمامة. ثم روى عن على بن المدينى عن عبد الصمد حدثنى عبد الله بن المثنى. قال دفع إلى
ثمامة هذا الكتاب قال وثنا عفان ثنا حماد قال أخذت من ثمامة كتابا عن أنس نحو هذا و کذا قال حماد بن زيد
عن أيوب أعطانى ثمامة كتابا فذكر هذا - انتهى. قال الحافظ فى مقدمة الفتح: ليس فيما ذكر الدار قطنى ما يقتضى
إن ثمامة لم يسمعه من أنس كما صدر به كلامه فأما كون عبد الله بن المثنى لم يسمعه من ثمامة فلا يدل على قدح فى
هذا الاسناديل فيه دليل على صحة الرواية بالمناولة إن ثبت أنه لم يسمعه مع أن فى سياق البخارى عن عبد الله بن المثنى،
حدثنى ثمامة إن أنسا حدثه وليس عبد الصمد فوق محمد بن عبد الله الأنصارى فى الفقه، ولا أعرف بحديث أبيه
منه - انتهى. وقال ابن حزم فى المحلى (ج٢٠ ص ٦) هذا الحديث فى نهاية الصحة وعمل به أبو بكر الصديق بحضرة
جميع الصحابة لا يعرف له منهم مخالف أصلا رواه عن أبى بكر أنس وهو صاحب، ورواه عن أنس ثمامة وهو ثقة
سمعه من أنس ، ورواه عن ثمامة حماد بن سلمة وعبد الله بن المثنى وكلاهما ثقة وأمام، ورواه عن ابن المثنى ابنه
القاضى محمد، وهو مشهور ثقة ولى قضاء البصرة، ورواء عن حماد بن سلمة يونس بن محمد (عند البيهقى وابن حزم)
١٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
١٨١٢ - (٤) وعن عبد الله بن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: فيما سقت السماء والعيون،
أو كان عثريا العشر، وما سقى بالنضح
وشريح بن النعمان (عند النسائى وابن حزم) وموسى بن اسماعيل التبوذكى ( عند أبى داود) وأنوكامل المظفر بن
مدرك (عند النسائى وأحمد) وغيرهم ( كالنضر بن شميل عند الدار قطنى والحاكم) وكل هؤلاء إمام ثقة مشهور
ولامغمز لأحد فى أحد من رواة هذا الحديث - انتهى. وتكلم ابن معين أيضاً على حديث أنس هذا، ففى الأطراف
القدسى. قيل: لابن معين حديث ثمامة عن أنس فى الصدقات، قال لايصح وليس بشىء ولا يصح فى هذا حديث فى
الصدقات - انتهى. قال ابن حزم: كلام ابن معين مردود لأنه دعوى بلا برهان، وقال البيهقى فى المعرفة : لا نعلم
من الحفاظ أحداً استقصى فى انقاد الرواة ما استقصاء محمد بن اسماعيل البخارى مع امامته فى معرفة علل
الأحاديث وأسانيدها. وهو قد اعتمد فيه على حديث ابن المثنى فأخرجه فى صحيحه وذلك لكثرة الشواهد له
بالصحة - انتهى. وقال فى السنن الكبرى (ج ٤ ص ٩٠) قد روينا الحديث من حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس
عن أنس من أوجه صحيحة ورويناه عن سالم ونافع موصولا ومرسلا ومن حديث عمرو بن حزم موصولا وجميع
ذلك يشد بعضه بعضاً - انتهى .
١- ١٨١٢ - قوله (فيما سقت السماء) أى المطر أو الثلج أو البرد أو الطل من باب ذكر المحل وارادة الحال
(والعيون) أى الأنهار الجارية التى يستسقى منها باساحة الماء من دون اغتراف بآلة، والمراد ما لا يحتاج فى
سقيه إلى مؤنة. (أو كان عثريا) بفتح العين المهملة وفتح المثلثة المخففة وكسر الراء وتشديد التحتية . قال الخطابي:
هو الذى يشرب بعروقه من غير سقى لأنه عثر على الماء، وذلك حيث كان الماء قريبا من وجه الأرض فيغرس
عليه فيصل إلى الماء عروق الشجر فيستغنى عن السقى وهو المسمى بالبعل فى رواية أبى داود والنسائى وابن ماجه .
وقال الحافظ فى التلخيص: العثرى بفتح المهملة والمثلثة وحكى إسكان ثانيه. قال الأزهرى وغيره: العمرى
مخصوص بما سقى من ماء السيل فيجعل عائورا وهو شبه ساقية تحفر ويجرى فيها الماء إلى أصوله وسمى كذلك.
لأنه يتعثر به المار الذى لا يشعر به والنضح السقى بالسانية. وقال ابن قدامة قال القاضى: (أبو يعلى) هو الماء
المستنقع فى بركة أو نحوها يصب اليه ماء المطر فى سواقى تشق له فإذا اجتمع سقى منه، واشتقاقه من العاثور
وهى الساقية التى يجرى فيها الماء لأنها يعثر بها من يمر بها (اذا لم يعلمها) قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر تفسير
الخطابي: وهذا أولى من اطلاق أبى عبيد (ص ٤٧٨) أن العثرى ما تسقيه السماء لأن سياق الحديث يدل على
المغايرة (العشر) مبتدأ خبره ((فيما سقت السماء)) أى العشر واجب فيما سقت السماء أو أنه فاعل محذوف أى فيما
ذكر يجب العشر (وما سقى) ببناء المجهول (بالنضح) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة هو السقى
١٢٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
نصف العشر. رواه البخارى.
بالرشا والغرب والدالية. وقال الحافظ: أى بالسانية وهى رواية مسلم يعنى حديث جابر، والمراد بها الابل يستقى
عليها وذكر الابل كالمثال وإلا فالبقر وغيرها كذلك فى الحكم، والمراد ما يحتاج إلى مؤنة الآلة . قلت: وفى
رواية أبى داود والنسائى وفيما سقى بالسوانى والنضح، وهذا يدل على التغاير بين السانية والنضح وإن السوائى المراد
بها الدواب والنضح ما كان بغيرها كنضح الرجال بالآلة (نصف العشر) فيه دليل على التفرقة بين ما سقى بالسوانى
والنضح وبين ما سقى بماء السماء ونحوه وقد أجمع العلماء عليه. قال ابن قدامة: لا نعلم فى هذه التفرقة خلافا والفارق
ثقل المؤنة هنا وخفتها فى الأول . قال الخطابي: إنما كان وجوب الصدقة مختلفة المقادير فى النوعين، لأن ماعمت
منفعته وخفت مؤنة كان أحمل الواساة فأوجب فيه العشرتوسعة على الفقراء، وجعل فيما كثرت مؤنته نصف العشر
رفقا بأرباب الأموال - انتهى. وقد استدل أبو حنيفة بهذا الحديث: على عدم اشتراط النصاب فى زكاة الخارج من
الأرض وعلى وجوب الزكاة فى جميع ما يخرج من الأرض، وقد تقدم الكلام على المسئلتين مبسوطا. قال السندى:
استدل أبو حنيفة بعموم الحديث على وجوب الزكاة فى كل ما أخرجته الأرض من قليل وكثير ، والجمهور جعلوا
هذا الحديث لبيان محل العشر ونصفه. وأما القدر الذى يؤخذ منه فأخذوا من حديث ليس فيما دون خمسة أوسق
صدقة، وهذا أوجه لما فيه من استعمال كل من الحديثين فيما سيق له - انتهى. فائدة إن وجد ما يسقى بالنضح
تارة وبغير النضح أخرى فإن كان ذلك على جهة الاستواء وجب فيه ثلاثة أرباع العشر وهو قول أهل العلم ، قال
ابن قدامة (ج ٢ ص ٦٩٩): لا نعلم فيه مخالفا، وإن سقى بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما فوجب
مقتضاه وسقط حكم الآخر أى كان حكم الأقل تبعاً للأكثر نص عليه أحمد وهو قول عطاء والثورى وأبى
حنيفة وأحد قولى الشافعى. وقال ابن حامد: يؤخذ بالقسط وهو القول الثانى الشافعى ، لأنهما لو كانا نصفين
أخذ بالحصة ، فكذلك اذا كان أحدهما أكثر كما لوكانت الثمرة نوعين، ووجه الأول أن اعتبار مقدار السقى
وعدد مراته وقدر ما يشرب فى كل سقية يشق ويتعذر، فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم فى الماشية . قال
الحافظ : ويحتمل أن يقال إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه، وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة
بما تم به الزرع وانتهى ولو كان أقل - انتهى. قال ابن قدامة: وإن جهل المقدار غلبنا إيجاب العشر
احتياطا نص عليه أحمد (رواه البخارى) وأخرجه أيضاً الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان
والدار قطنى وابن الجارود وأبو عبيد والبيهقى، وأخرجه أحمد ومسلم وأبوداود والنسائى من حديث جابر
والترمذى، وابن ماجه من حديث أبى هريرة، والنسائى وابن ماجه من حديث معاذ، وأبو داود من حديث على،
ويحيى بن آدم من حديث أنس.
١٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
١٨١٣ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: العجم) جرحها جبار،
١٨١٣ - قوله (العجماء) بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث الأعجم وهى البهيمة، سميت بذلك
لأنها لا تتكلم وكل من لا يقدر على الكلام أصلا فهو أعجم ومستعجم. وعن أبى حاتم يقال: لكل من لم يبين الكلام
من العرب والعجم والصغار أعجم ومستعجم، وكذلك من الطير والبها ئم كلها والاسم العجمة (جرحها) بضم الجيم
وفتحها والمفهوم من النهاية نقلا عن الأزهرى إنه بالفتح لا غير ، لأنه مصدر وبالضم الجراحة والمراد إتلافها،
قال عياض: إنما عبر بالجرح لأنه الأغلب. وقيل: هو مثال نبه به على ما عداه كذا فى المرقاة . وقال السندى:
جرحها بفتح الجيم على المصدر لا غير وهو بالضم اسم منه، وذلك لأن الكلام فى فعلها، لا فى ما حصل فى جسدها
من الجرح وإن حمل جرحها بالضم على جرح حصل فى جسد مجروحها يكون الاضافة بعيدة ، وأيضا الهدر
حقيقة هو الفعل لا أثره فى المجروح فليتأمل - انتهى. ووقع فى رواية للبخارى المجماء جبار، ولابد فيه من تقدير
مضاف ليصح حمل المبتدأ على الخبر، أى فعل العجماء هدر. قال الولى العراقى لابد فى هذه الرواية من تقدير
اذ لا معنى لكون العجماء نفسها هدرا، وقد دل غير هذه الرواية على أن ذلك المقدر هو الجرح فوجب الرجوع
اليه لكن الحكم غير مختص به بل هو مثال منه يستدل به على ما عداه كما تقدم ، ولولم تدل رواية أخرى على تعيين
ذلك المقدر لم يكن لرواية البخارى هذه عموم فى جميع المقدرات التى يستقيم الكلام بتقدير واحد منها هذا هوالصبح
المنصور فى الأصول إن المقتضى لاعموم له - انتهى. وفى رواية للبخارى أيضا العجماء عقلها جبار. قال الزين العراقى
فى شرح الترمذى: ليس ذكر الجرح قيدا، وإنما المراد به إتلافها بأى وجه كان سواء كان بجرح أو غيره، والمراد
بالعقل الدية أى لا ديه فيما تتلفه (جبار) بضم الجيم وتخفيف الباء الموحدة أى هدر غير مضمون أى لا شىء فيه
يقال ذهب دمه جباراً أى هدراً، وعن مالك أى مدر لادية فيه يعنى الدابة المرسلة فى رعيها أو المنفلتة من صاحبها
ليس لها قائد ولا سائق ولا راكب، اذا جرحت أحداً أو أتلفت شيئاً وكان نهاراً فلا ضمان، وإن كان معها أحد
فهو ضامن لأن الاتلاف حصل بتقصيره، وكذلك اذا كان ليلا لأن المالك قصر فى ربطها أذ العادة أن تربط
الدواب ليلا. وتسرح نهاراً كذا ذكره الطبي وابن الملك. وفى أعراب هذه الجملة وجهان. أحدهما: أن يكون قوله
«جرحها جبار)) جملة من مبتدأ وخبر وهى خبر عن المبتدأ الذى هو العجماء. والثانى: أن يكون قوله ((جرحها))
بدلا من ((العجماء)) ومر بدل اشتمال والخبر قوله ((جبار)) والكلام جملة واحدة والمصدر فى قوله ((جرحها))
مضاف للفاعل أى كون العجماء تجرح غيرها غير مضمون. وقد استدل باطلاق الحديث من قال لا ضمان
فيما اتلفت البهيمية سواء كان، منفردة أو معها أخد سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها وهو قول الظاهرية
واستثنوا ما اذا كان الفعل .نسوا اليه بأن حملها على ذلك الفعل ، اذا كان راكباً كان يلوى عنانها فتلف شيئا
١٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
والبئر
برجلها مثلا أو يطعنها أو يزجرها حين يسوقها أو يقودها حتى تتلف ما مرت عليه، وإما ما لا ينسب اليه فلا ضمان
فيه. وقال الشافعية: إذا كان مع البهيمة إنسان فانه يضمن ما اتلفته من نفس أو عضو أو مال سواء كان
راكبا أو سائقا أو قاعدا ، وسواء كان مالكا أو أجيراً أو مستأجرا أو مستعيراً أو غاصباً، وسواء أتلفت بيدها
أو رجلها أو ذنبها أو رأسها أو عضها، وسواء كان ذلك ليلا أو نهارا، والحجة فى ذلك أن الاتلاف لا فرق فيه.
بين العمد وغيره ومن هو مع البهيمة حاكم عليها فهى كالآلة بيده ففعلها منسوب اليه سواء حملها عليه أم لا، سواء
علم به أم، لا وعن مالك كذلك إلا أن رمحت بغير أن يفعل بها أحد شيئا تريح بسبه وحكاه ابن عبد البر عن
الجمهور. وقال الحنفية: إن الراكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابة برجلها أو ذنبها إلا أن أوقفها فى
الطريق . واختلفوا فى السائق . فقال القدورى وآخرون: إنه ضامن لما أصابت بيدها أورجلها لأن النفحة بمرأى .
عينه فيمكنه الاحتراز عنها وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضا وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به
فلا يمكنه التحرز عنه بخلاف الكدم لا مكان كبحها بلجامها ، صمحه صاحب الهداية: وكذلك قال الحنابلة: إن
الراكب لا يضمن ما تتلفه البهيمة برجلها وحكى ابن حزم ففى الضمان من النفحة عن شريح القاضى والحسن.
البصرى وإبراهيم النخعى ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح وعن الحكم والشعبى ، يضمن لا يبطل دم المسلم
وتمسك من نفى الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث مع الرواية التى فيها الرجل جبار لكنها ضعيفة ، ضعفها
الدار قطنى والشافعى وغيرهما. واستدل بالحديث على أنه لافرق فى إتلاف البهيمة للزروع وغيرها من الأموال
فى الليل والنهار فيما اذا لم يكن صاحبها معها وهو قول الحنفية والظاهرية. وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان عن
صاحب البهيمة اذا كان ذلك نهارا. وأما بالليل فان عليه حفظها فإذا انفلتت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت
ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعى وأبو داود والنسائى وابن ماجه عن البراء بن عازب. قال: كانت له ناقة
ضاريه فدخلت حائطا فافسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها،
وإن حفظ الماشية بالليل على أهلها ، وإن على أهل المواشى ما أصابت ما شيتهم بالليل، وأشار الطحاوى إلى أنه
منسوخ بحديث الباب. وتعقبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال مع الجهل بالتاريخ وأقوى من ذلك قول الشافعى،
أخذنا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله ولا يخالفه حديث العجماء جبار، لأنه عام المراد به الخاص فلما قال
العجماء جباروقضى فيما أفسدت العجماء بشىء فى حال دون حال دل ذلك على أن ما أصابت المجماء من جرح وغيره
فى حال جبار وفى حال غير جبار. ثم نقض على الحنفية إنهم لم يستمروا على الأخذ بعمومه فى تضمين الراكب
متمسكين بحديث الرجل جبار مع ضعف راويه، كذا فى الفتح. (والبئر) بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة
١٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
جبار والمعدن جبار وفى الركاز
مهموزة ويجوز تسهيلها وهى مؤنثة، وقد تذكر على معنى القليب والطوى والجمع أبور وآبار بالمد والتخفيف
وبههزتين بينهما موحدة ساكنة (جبار). وفى رواية مسلم: ((البئر جرحها جبار)) قال أبو عبيد: المراد بالبثر هنا
العادية القديمة التى لا يعلم لها مالك تكون فى البادية فيقع فيها إنسان أودابة فلا شىء فى ذلك على أحد، وكذلك
لو حفر بئرا فى ملكه أو فى موات فوقع فيها انسان أو غيره، فتلف فلا ضمان اذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك
ولا تغرير، وكذا لواستاجر إنسانا ليحفرله البئر، فانهارت عليه فلاضمان. وأما من حفربثرا فى طريق المسلمين وكذا
فى ملك غيره بغير اذن فتلف بها انسان فانه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفارة فى ماله ، وإن تلف بها غير آدمى
وجب ضمانه فى مال الحافر ويلتحق بالبهر كل حفرة على التفصيل المذكور (والمعدن) بفتح الميم وكسر الدال أى
المكان من الأرض يخرج منه شىء من الجواهر والاجساد، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص وغير
ذلك ماخوذ من عدن بالمكان إذا أقام به يعدن بالكسر عدوناً سمى بذلك لعدون١٠ أنبته الله فيه قاله الأزهرى
وقال فى القاموس: المعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه لاقامة أهله فيه دائما أو لاثبات اللّه عز وجل
إياه فيه - انتهى. وقيل: أصل المعدن المكان بقيد الاستقرارفيه ثم إشتهر فى نفس الأجزاء المستقرة التى ركبها
الله تعالى فى الأرض يوم خلق الأرض حتى صار الانتقال من اللفظ اليه إبتداء بلا قرينة (جبار) أى هدر وليس
المراد أنه لا زكاة فيه ، وإنما المعنى إن من حفر معدنا فى ملكه أو فى موات لاستخراج ما فيه فوقع فيه انسان أو
أنهار على حافره الأجير فهو هدر ولاضمان فيه. قال الحافظ: وقع فى رواية مسلم والمعدن جرحها جبار والحكم
فيه ما تقدم فى البئر، ولكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر فكأنه ذكره بالتانيث للمواخاة أو لملاحظة أرض المعدن.
فلو حفر معدنا فى ملكه أو فى موات فوقع فيه شخص فمات قدمه هدر، وكذا لو استاجر أجيرا يعمل له فانهار
عليه فمات ويلتحق بالبئر والمعدن فى دنك كل أجير على عمل ، كمن أستوجر على صعود نخلة فسقط منها فمات -
انتهى. (وفى الركاز) بكسر الراء وتخفيف الكلف وآخره زاى من الركز بفتح الراء. قال ابن قدامة : الركاز
المدفون فى الأرض، واشتقاقه من ركز يركز مثل غرز يغرز إذا خفى، يقال ركز الريح إذا غرز أسفله فى الأرض
ومنه الركز وهو الصوت الخفى قال الله تعالى: ( أو تسمع لهم ركزا - مريم: ٩٨) وفى القاموس: الركاز ما
ركزه اللّه تعالى فى المعادن ، أى أحدثه ودفين أهل الجاهلية وقطع الذهب والفضة من المعدن واركز الرجل وجد
الركاز والمعدن صارفيه ركازوار تكزثبت - انتهى. واعلم أنهم اختلفوا فى المراد من الركاز فى الحديث فقال
مالك والشافعى وأحمد والجمهور. أن الركاز كنز الجاهلية المدفون فى الأرض وأيس المعدن بركازو لاخمس فى المعدن
بل فيه الزكاة وسيأتى ببانه فى آخر الفصل الثانى من هذا الباب. وقال الحنفية: المعدن ركاز أيضاً فيجب الخمس فيهما. قال
ابن الهمام: الركاز يعم المعدن والكنز لأنه من الركز ماداً به المركوز أعم من كون راكزه الخالق والمخلوق فكان
١٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
إيجابا فيهما . وقال الكاسانى: المستخرج من الأرض نوعان: أحدهما: يسمى كنزا وهو المال الذى دفنه بنو آدم
فى الأرض. والثانى: يسمى معدنا وهو المال الذى خلقه الله تعالى فى الأرض يوم خلق الأرض. والركاز إسم
يقع على كل واحد منهما إلا أن حقيقته للعدن واستعماله للكنز مجازا. قال فى النهر: لا يجوز أن يكون حقيقة فى
المعدن ، مجازا فى الكنز، لامتناع الجمع بينهما بلفظ واحد . وقال فى الدر المختار: هو لغة: من الركز أى الاثبات
بمعنى المركوز. وشرعا: مال مر كوز تحت أرض أعم من معدن خلقى ومن كنز مدفون دفنه الكفار واحتج
الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم ((والمعدن جبار وفى الركاز الخمس، ووجه الاستدلال إنه عطف الركاز على
المعدن. وفرق بينهما بواو فاصلة ، فعلم إن المعدن ليس بركاز عنده صلى الله عليه وسلم بل هما شيئان متغايران،
ولوكان المعدن ركازاً عنده لقال المعدن جبار ، وفيه الخمس ولما لم يقل ذلك ظهر أنه غيره لأن العطف يدل على
المغايرة. قال الحافظ: والحجة للجمهور التفرقة من النبي ◌َّم بين المعدن والركاز بواو العطف فصح أنه غيره
وأجيب س هذا بأنه لا يرد على الحذيفة لأنهم قالوا إن الركازيعم المعدن والكنزو المغايرة . بين العام والخاص
مما لا يخفى، فلو قال فيه الخمس يعلم حكم المعدن دون الكنز، وأيضاً وضع المظهر محل المضمر ما لا ينكر على أنه
ورد فى رواية للبخارى فى الديات، العجماء عقلها جبار والمعدن جبار و البئر جبارو فى الركاز الخمس، فلوقال ، وفيه
الخمس لحصل الالتباس باحتمال رجوع الضمير إلى البئر. قال ابن التركمانى: المعدن هو الركاز فلما أراد أن يذكرله
حكما آخر ذكره بالاسم الآخر وهو الركاز، ولفظ الصحيح فى الحديث والبتر جبار وفى الركاز الخمس فلو قال،
وفيه الخمس لحصل الالتباس بعود الضمير إلى البئر. وقال فى المواهب اللطيفة أخذا من ابن الهمام؛ إن المغايرة
بينهما إنما حصلت لاختلاف كل منهما فى أمر يمتاز به عن الآخر ،وذلك إن قوله ((المعدن جبار)) معنً إن
إهلاكه أو الهلاك به الاجير الحافر له غير مضمون، لا أنه لا شىء فيه بنفسه، وإلا لم يجب شىء أصلا وهو
خلاف المتفق عليه (إذا الخلاف انما هو فی کمیته لافى أصله) وغاية ما هناك أنه أثبت العدن بخصوصه حكما فنص
على خصوص إسمه ثم أثبت له حكما آخر مع غيره فعبر بالاسم الذى يعمهما ليثبت فيهما فانه صلى الله عليه وسلم
علق الحكم أعنى وجوب الخمس بما يسمى ركازا فما كان من أفراده وجب فيه ـ انتهى. وقال بعضهم: احتجاج
الجمهور غير صحيح، فان المراد بالمعدن حفرته فإنه إذا وقع فيها إنسان فلا ضمان فيه، والمراد بالركاز المال الذى
فى المعدن بأن المال المستخرج منها فيه الخمس، فعلى هذا دلالة العطف صحيحة لأن مدلول أحدهما غير مدلول
الآخر فلاحجة فيه للجمهور واحتج الجمهور أيضاً بأن الركاز فى لغة أهل الحجاز هو دفين الجاهلية ، ولا شك فى
أن النبى الحجازى صلى الله عليه وسلم: تكلم بلغة أهل الحجاز وأراد به ما يريدون منه . قال ابن الاثير الجزرى:
١٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فى النهاية الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة فى الأرض ، وعند أهل العراق المعادن والقولان تحتملهما
اللغة لأن كلا منهما مركوز فى الأرض أى ثابت، يقال ركزه يركزه ركزا إذا دفنه وأركز الرجل إذا وجد
الركاز. والحديث إنما جاء فى التفسير الأول وهو الكنز الجاهلى، وانما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة
أخذه. وقال فى جامع الأصول: (ج ٥ ص٤٨١) الركاز عند أهل الحجاز كنز الجاهلية ودفنها لأن صاحبه
ركزه فى الأرض أى أثبته وهو أهل العراق المعدن، لأن الله ركزه فى الأرض ركزا. والحديث إنما جاء فى
التفسير الأول منهما وهو الكنز الجاهلى على ما فسره الحسن. وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه،
والأصل فيه إن ما خفت كلفته كثر الواجب فيه، وما ثقلت كلفته قل الواجب فيه - انتهى. وقيل: إنما جعل
الركاز الخمس لأنه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم فكان له أربعة أخماسه. وقال الزين بن المنير : كان
الركاز ماخوذ من أزكزته فى الأرض إذا غرزته فيها، وأما المعدن فانه ينبت فى الأرض بغير وضع واضع هذه
حقيقتهما فإذا افترقا فى أصلهما فكذلك فى حكمهما كذا فى الفتح. واحتج الحنفية بما روى ابن عبد البر فى
التمهيد والحاكم (ج ٢ ص ٦٥) والبيهقى (ج ٤ ص ١٥٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى
اللّه عليه وسلم، قال: فى كنز وجده فى خربة جاهلية إن وجدته فى قرية مسكونة أو سبيل ميتاء فعرفه، وإن وجدته
فى خربة جاهلية أوفى قرية مسكونه ففيه وفى الركاز الخمس، وروى أبو عبيد عنه بلفظ: إن المزنى قال يا رسول الله
فما يوجد فى الخرب العادى. قال فيه وفى الركاز الخمس. قال التور بشتى: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عن
المال المدفون ثم عطف عليه الركاز والمعطوف غير المعطوف عليه. وقال أبو عبيد: تبين لنا أن الركازسوى المال
المدفون لقوله فيه وفى الركاز، فعل الركاز غير المال المدفون، فعلم بهذا أنه المعدن . وقال الكاسانى: عطف النبى
مؤقّ الركاز على الكنز، والشىء لا يعطف على نفسه هو الأصل فدل على أن المراد منه المعدن وأجيب عن هذا
بأنه ورد فيما وجد من أموال الجاهلية ظاهرا فوق الأرض فى الطريق غير الميتاء وفى القرية الغير المسكونة ، فيكون
فيه وفى الركاز الخمس وليس ذلك من المعدن بسبيل . وتعقبه ابن التركمانى: بأن الرواية المذكورة أو لا تدفع
هذا الجواب لأن الكنز على ما ذكره أهل اللغة الجوهرى وغيره ، هو المال المدفون ، وعطف الركاز على الكنز
دليل على أن الركاز غير الكنز وأنه المعدن كما يقوله أهل العراق. ورد ذلك بأن الكنز هو المال المجموع بعضه
على بعض ، سواء كان على ظهر الأرض أو بطنها . قال الراغب: الكنز هو جعل المال بعضه على بعض وحفظه ،
وأصله من كنزت التمر فى الوعاء. وقال ابن جرير: هو كل شىء جمع بعضه على بعض فى بطن الأرض أو ظهرها- انتهى.
وعلى هذا يصح حمل الحديث المذكور على ما وجد من مال الجاهلية ظاهرا فوق الأرض. واحتج الحنفية أيضا
١٣٠
:

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
الخمس
بما روى البيهقى وغيره عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فى الركاز الخمس. قيل وما الركاز
يا رسول الله؟ قال الذهب والفضة الذى خلقه الله فى الأرض يوم خلقت. وأجيب عنه بأنه تفرد به عبد الله
ابن سعيد ضعيف جداً، بل رماه بعضهم بالكذب. واحتجوا أيضا بتسمية المعدن بالركاز. قال الهروى فى
كتابه الغريب: الركاز القطع العظام من الذهب والفضة كالجلاميد، واحده ركزة وقدار كز المعدن انال ـانتهى.
وقال فى القاموس: اركز ( الرجل ) وجد الركاز والمعدن صار فيه ركاز. وقال الامام محمد بن الحسن فى كتاب
الحجج: إنما الركازما وجد فى المعادن، وإنما قال: المدفون جعل نظيراً لمال يستخرج من المعدن، هذا أمر لم يكن
ارى إن أهل المدينة يخالفونه من كلام العرب، إنما يقال أركز المعدن يعنون أنه استخرج منه مال كثير - انتهى.
وقال النور بشتى فى شرح المصابيح: قد نقل عن محمد بن الحسن الشيبانى وهو مع رسوخه فى الفقه يعد من علماء
العربية أنه قال: إن العرب تقول أركز المعدن اذا كثر ما فيه من الذهب والفضة - انتهى. وأجيب عنه بأنهلا
يلزم من الاشتراك فى الاسم الاشتراك فى الحكم والمعنى والالوجب على من ربح ربحا كثيراً الخمس فى ربحه، لأنه يقال
له أركز ولم يقل به أحد. قال الامام البخارى فى صحيحه: وقال بعض الناس المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية، لأنه
يقال أركز المعدن اذا أخرج منه شىء قيل له فقد يقال لمن وهب له الشىء أوريح ربحا كثيرا أو كثر ثمره أركزت -
انتهى. قال ابن بطال: ما ألزم به البخارى القائل المذكورحجة بالغة لأنه لا يلزم من الاشتراك فى الأسماء الاشتراك فى
المعنى ، إلا إن أوجب ذلك من يجب التسليم له. وقد اجمعوا على أن المال الموهوب لا يجب فيه الخمس، وإن كان
يقال له أركز فكذلك المعدن - انتهى. وأرجع للتفصيل إلى رفع الالتباس عن بعض الناس والقول الراجح
عندنا : هو ما ذهب إليه الجمهور من أن الركاز إنما هو كنز الجاهلية الموضوع فى الأرض، وإنه لا يعم المعدن بل
هو غيره والله تعالى أعلم ( الخمس) فيه دليل على وجوب الخمس فى الركاز وهو اجماع العلماء إلا ما حكى عن
الحسن البصرى . قال ابن قدامة: ( ج ٢ ص ١٧ - ١٨) الأصل فى صدقة الركاز ما روى أبو هريرة مرفوعا
العجماء جبار، وفى الركاز الخمس، متفق عليه. وهو أيضاً مجمع عليه. قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف هذا
الحديث إلا الحسن ، فإنه فرق بين ما يوجد فى أرض الحرب وأرض العرب فقال: فى ما يوجد فى أرض الحرب
الخمس وفيما يوجد فى أرض العرب الزكاة - انتهى. ثم ههنا مسائل لابد للطالب من الوقوف عليها فلنذكرها
مختصراً والبسط فى المنتقى الباجى وغيره من كتب الفروع وشروح الحديث. الأولى وأنه لا فرق بين قليل
الركاز وكثيره عند الجمهور خلافا للشافعى فى قوله الجديد أنه لا يجب الخمس حتى يبلغ النصاب. قال البخارى فى
صحيحه قال مالك وابن ادريس: الركاز دفن الجاهلية فى قليله وكثيره الخمس . قال الحافظ: قوله فى قليله وكثيره
١٣١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
الخمس نقله ابن المنذر عن مالك كذلك، وفيه عند أصحابه عنه اختلاف وهو قول الشافعى فى القديم كما نقله ابن
المنذر واختاره. وأما فى الجديد فقال: لا يجب الخمس يبلغ نصاب الزكاة ، والأول قول الجمهور كما نقله ابن المنذر
أيضا وهو مقتضى ظاهر الحديث - انتهى. وقال ابن قدامة: (ج ٣ ص ٢١) الخمس يجب فى قليله وكثيره فى
قول إمامنا ومالك وإسحاق أصحاب الرأى والشافعى فى القديم. وقال فى الجديد: يعتبر النصاب فيه لأنه حق مال
يجب فيما استخرج من الأرض فاعتبر فيه النصاب كالمعدن والزرع، ولنا عموم الحديث، ولأنه مال مخموس فلا
يعتبر له نصاب كالغنيمة . ولأنه مال كافر مظهور عليه فى الاسلام فاشبه الغنيمة والمعدن والزرع يحتاجان إلى عمل
ونوائب ، فاعتبر فيه النصاب تخفيفا بخلاف الركاز ، ولأن الواجب فيهما مواساة فاعتبر النصاب ليبلغ حدا يحتمل
المواساة منه بخلاف مسألتنا - انتهى. الثانية قال الحافظ : اتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول بل يجب
إخراج الخمس فى الحال وأغرب ابن العربى فى شرح الترمذى لفحكى عن الشافعى الاشتراط ولا يعرف ذلك فى شىء
من كتبه ولا من كتب أصحابه الثالثة قال ابن قدامة ( ج ٣ ص ٢٠) الركاز الذى فيه الخمس هوكل ما كان
ما لاعلى اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس وغير ذلك، وهو قول اسحاق
وأبى عبيد وابن المنذروأصحاب الرأى وإحدى الروايتين عن مالك وأحد قولى الشافعى والقول الآخر لا تجب إلا
فى الأثمان. ولنا عموم قوله عليه السلام ((وفى الركاز الخمس، ولأنه مال مظهور عليه من مال الكفارفوجب فيه
الخمس مع اختلاف أنواعه كالغنيمة - انتهى. قلت: المشهور عند المالكية هو العموم والمذهب عند الشافعية
خصوصه بالنقدين، وظاهر الحديث العموم فالراجح هو قول الجمهور. الرابعة قال الحافظ: اختلفوا فى
مصرفه فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور مصرفه مصرف خمس الفئ وهو اختيار المزنى. وقال الشافعى: فى أصح
قوليه مصرفه مصرف الزكاة وعن أحمد روايتان. وينبنى على ذلك ما اذا وجده ذمى فعند الجمهور يخرج منه
الخمس وعند الشافعى لا يؤخذ منه شىء ، انتهى. وقال ابن قدامة: (ج ٣ ص ١٢١) اختلفت الرواية عن أحمد
فى مصرفه مع ما فيه من اختلاف أهل العلم. فقال الخرقى: هو لأهل الصدقات ونص عليه أحمد فى رواية حنبل
فقال : يعطى الخمس من الركاز على مكانة، وإن تصدق على المساكين أجزأه وهذا قول الشافعى ، لأن على بن
أبى طالب أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين، حكاه الامام أحمد والرواية الثانية مصرفه مصرف
الفى نقله محمد بن الحكم عن أحمد وهذه الرواية أصح وأقيس على مذهبه ، وبه قال أبو حنيفة والمزنى لما روى
أبو عبيد (ص ٣٤٢) عن هشيم عن مجالد عن الشعبى ، إن رجلا وجد ألف دينار مدفونة خارجا من المدينة فاتی بها
عمر بن الخطاب فأخذ منه الخمس مائتى دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها وجعل عمر يقسم المائتين بين من حفره من
المسلمين إلى أن فضل منها فضلة فقال عمر أين صاحب الدنانير فقام اليه فقال عمر: خذ هذه الدنانير فھی اك ولو
١٣٢
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
كانت زكاة لخص بها أهلها ولم يرده على واجده، ولأنه يجب على الذمى والزكاة لا تجب عليه ولأنه مال مخموس
زالت عنه يد الكافر أشبه خمس الغنيمة - انتهى. الخامسة اختلفوا فيمن يحب عليه الخمس وفى الأربعة الأخماس
باعتبار اختلاف الواجد من كونه حرا أو عبداً أو مكاتباً قال ابن قدامة: ( ج ٣ ص ٢٢) يجب الخمس على كل
من وجده من مسلم وذمى وحر وعبد ومكاتب وكبير وصغير وعاقل ومجنون ، إلا أن الواجد له إذا كان عبداً
فهو لسيده لأنه كسب مال، وإن كان مكاتبا ملكه وعليه خمسه لأنه بمنزلة كسبه وإن كان صبيا أو مجنونا فهو
لهما ويخرج عنهما وليهما وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن
على الذى فى الركاز يحده الخمس قاله مالك وأهل المدينة والثورى والأوزاعى وأهل العراق وأصحاب الرأى وغيرهم
وقال الشافعى: لا يجب الخمس الا على من تجب عليه الزكاة لأنه زكاة ، وقال الثورى والأوزاعى وأبو عبيد :
إذا كان الواجد له عبداً يرضخ له منه ولا يعطاه كله، ولنا عموم قوله عليه السلام وفى الركاز الخمس ، فانه يدل
بعمومه على وجوب الخمس فی کل ركاز يوجد ومفهومه إن باقيه لواجده من كان ولأنه مال كافر مظهور عليه فكان
فيه الخمس على من وجده وباقيه لواجده كالغنيمة ولأنه اكتساب مال فكان لمكتسبه إن كان حراً أو لسيده إن كان
عبداً كالاحتشاش والاصطياد - انتهى. السادسة يعرف كون الركاز من دفن الجاهلية بأن ترى عليه علامتهم
كأسماء ملو کهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم ونحو ذلك، واستشكله الرافعى وغيره بأنه لا يلزم من روية
علامتهم عليه كونه من دفنهم لاحتمال أنه وجد مسلم كنزاً جاهليا فكنزه ثانيا. والحكم مدار على كونه من دفن
الجاهلية لا على روية علامتهم عليه وأجيب عنه بأن هذا الاحتمال مدفوع بالأصل ولا يخفى ما فيه قالوا فان كان
عليه علامة الاسلام أو اسم النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من خلفاء المسلمين أو وال لهم أوآية من قرآن أو نحو
ذلك فهو لقطة لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه فيعرفه الواجد سنة ثم له تملكه إن لم يظهر مالكه . وقيل : هومال
ضائع يمسكه الآخذ المالك أبداً فلو لم يعرف إن الموجود من ضرب الجاهلية أو الاسلام ففيه الشافعى قولان:
أظهر هما أنه ليس بركاز بل هو لقطة على الأصح. والقول الثانى: أنه ركاز فيخمس وهو الأصح عند الحنفية: قال
صاحب الهداية: ولو أشتبه الضرب يجعل جاهليا فى ظاهر المذهب لأنه الأصل. وقيل: اسلامياً فى زماننا لتقادم
العهد - انتهى. السابعة ليس فى الحديث تعرض لمن يتعاطى اخراج الخمس من الركاز أهو الواجد أو يتعين
الفاعل لذلك الامام أو نائبه. وينبغى أن يقال إن قلنا مصرفه مصرف الزكاة ، وأنه يجوز أن يتولى الرجل إخراج
زكاته بنفسه فلو أخرجه الواجد له وقع الموقع. وان قلنا أنه لا يتولى الرجل إخراج زكاته بنفسه أو إن مصرف
الركاز مصرف الفىء فذلك من وظيفة الامام أو نائبه الذى أقامه لذلك. وقد حكى ابن المنذر عن أبى ثور: أنه
لا يسعه أن يتصدق بخمسه فان فعل ضمنه الامام وعن أصحاب الرأى أنه يسعه ذلك قال ابن المنذر: وهذا أصح. وقال
١٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
متفق عليه
ابن قدامة فى المغنى ( ج ٣ ص ٢٣) ويجوز أن يتولى الانسان تفرقة الخمس بنفسه، وبه قال أصحاب الرأى وابن
المنذر. لأن علياً أمر واجد الكنز بتفرقة على المساكين قاله الامام أحمد. ثم قال: ويتخرج أن لا يجوز ذلك
لأن الصحيح أنه فى فلم يملك تفرقته بنفسه كمس الغنيمة. قال القاضى من الحنابلة: وليس للامام رد خمس الركاز
على واجده لأنه حق مال ، فلم يجزرده على من وجب عليه كالزكاة وخمس الغنيمة . وقال ابن عقيل: يجوز لأنه
روى عن عمر أنه رد بعضه على واجده، ولأنه فى جاز رده أو بعضه على واجده كراج الأرض وهذا قول
أبى حنيفة. الثامنة استدل به الحنفية على وجوب الخمس فى المستخرج من المعادن، سواءاً كان ذهباً أو فضة
أو غيرهما من معادن الأرض كالحديد والنحاس والرصاص وغيرها بناء على دخول ذلك فى اسم الركاز،
ولم يعتبروا فى ذلك نصابا ولا حولا وجعلوا مصرفه مصرف الفي، وذهب الأئمة الثلاثة والأكثرون إلى أن
المعدن لا يدخل تحت اسم الركاز ولاله حكمه. واتفقوا على الاخراج منه فى الجملة، وإن مصرف المخرج منه
مصرف الزكاة ، والمشهور من مذاهبهم اعتبار النصاب فيه دون الحول. ثم اختلفت تفاصيل مذاهبهم فى ذلك .
فقال الشافعية : إن كان المستخرج من المعدن غير الذهب والفضة فلا زكاة فيه الا فى وجه شاذ، وإن كان أحد
النقدين ففيه الزكاة . وفى قدر الواجب ثلاثة أقوال الشافعى أصحها ربع العشر كزكاة النقدين. والثانى: الخمس.
والثالث: إن ناله بلا تعب ومؤنة فالخمس والا فربع العشر ولم يخص الحنابلة ذلك بالذهب والفضة بل قالوا:
بوجوب الزكاة فى كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غير هما مماله قيمة، إذا بلغ قيمة عشرين مثقالا من
الذهب أومائتى درهم من الفضة ، كالحديد والصفر والنحاس والزئبق والياقوت والزبر جد والبلور والعقيق والسبج
والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة بل وسعوا ذلك حتى قالوه: فى المعادن الجارية كالقار والنفط والكبريت،
والحنفية خصوا ذلك بما ينطبع كالحديد والنحاس. قال الحنابلة: والواجب فيه ربع العشر، وخص المالكية ذلك
بالنقدين وقالوا إن الواجب ربع العشرالا ما لا يتكلف فيه إلى عمل ففيه الخمس، واعتبر إسحاق بن راهويه وابن
المنذر فى زكاة المعدن الحول، وحكى قولا عن الشافعى وسياقى مزيد الكلام فى ذلك . التاسعة اختلفوا فى
حكم الركاز باعتبار اختلاف موضعه، وقد بسطه ابن قدامة فى المغنى (ج ٣ ص ١٨، ٢٠) والباجى فى المنتقى
(ج ٢ ص ١٠٥، ١٠٦) والكاسانى فى البدائع (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة وفى الديات ومسلم
فى الحدود وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٢ ص ٢٢٨ - ٢٣٩) ومالك فى الزكاة مختصراً وفى الديات مطولا ،
والترمذى فى الزكاة وفى الأحكام وأبو داود مختصراً فى آخر الخراج، والنسائى فى الزكاة ، وابن ماجه مختصراً فى
اللقطة، والبيهقى، وأبو عبيد وغيرهم، وفى الباب عن جماعة من الصحابة ذكر هم العينى فى شرح البخارى (ج ٩
ص ١٠١، ١٠٢) والمقصود من ذكر هذا الحديث فى هذا الباب هو قوله فى الركاز الخمس.
١٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
. الفصل الثانى )
١٨١٤ - (٦) عن على، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد عفوت عن الخيل والرقيق
فهاتوا، صدق الرقة من كل أربعين درهما درهم. وليس فى تسعين ومائة شىء. فإذا بلغت مائتين،
نقبها خمسة دراهم. رواه الترمذى وأبوداود
١٨١٤ - قوله ( قد عفوت عن الخيل والرقيق) أى إذا لم يكونا للتجارة، وفى الخيل السائمة للنسل
خلاف تقدم قال السندى: أى تركت لكم أخذ زكاتهما وتجاوزت عنه، وهذا لا يقتضى سبق وجوبه ثم نسخه،
وقال الطبى: عفوت مشعر بسبق ذنب من إمساك المال عن الانفاق أى تركت وجاوزت عن أخذ زكاتهما مشيرا
الى أن الأصل فى كل مال أن تؤخذ منه الزكاة - انتهى. وفيه دليل على أنه لا زكاة فى الخيل خلافا للحنفية. فقالوا:
المراد بالخيل فيه الخيل المعدة للركوب والغزو بدليل أنه قرن بين الخيل والرقيق والمراد منها عبيد الخدمة ، أو
المراد عفوت عن اتيانكم بها الىّ لأنى ما كلفتكم باحضارها عندى لقلة محالها بالغابة، وإن كانت واجبة فيها فلا
تنسوا حق الله فى رقابها بل أُدُّوه فيما بينكم وبين اللّه تعالى - انتهى. ورد الأول. بأن هذه القرينة يبطل دلالتها مع
كون دلالة الاقتران ضعيفة أحاديث نفى وجوب الزكاة فى الخيل مطلقا . منها حديث عمر ما فعله صاحباى قبلى
فافعله ورد الثانى بأن هذا التأويل خلاف الظاهر وبأن مقتضاه مع قوله فهاتوا صدقة الرقة بعد ذلك ، أن يحب
إحضار صدقة الرقة عند الامام ودفعها اليه مع أن زكاة الأموال الباطنة عند الجمهور يجوز لأصحابها أن يصرفوها
بأنفسهم فى مصارفها (فهاتوا) أى أعطوا من هاتاه مهاناة أى أعطاء يقال هات يارجل: أى أعط وهاتى ياإمرأة
وما أماتيك أى ما أنا بمعطيك (صدقة الرقة) بكسر الراء وتخفيف القاف أى زكاة الفضة (من كل أربعين درهما
درهم) أى اذا بلغت الدراهم النصاب. وقال الخطابي: هذا تفصيل لجملة قد تقدم بيانها فى حديث أبي سعيد الخدرى
وهو قوله ليس فيما دون خمس أواق شىء وتفصيل الجملة لا يناقض الجملة (وليس) يجب (فى تسعين ومائة شىء)
من الزكاة (فاذا بلغت) أى الرقة. وقيل: أى الدراهم (مائتين ففيها خمسه درام) أى الواجب فيها خمسة دراهم
بعد جولان الحول (رواه الترمذى وأبو داود) من طريق أبي عوانة عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على،
وأخرجه أيضا من هذا الطريق أحمد ( ج١ ص ٩٢، ١٤٥) والبيهقى (ج ٤ ص ١١٨) وأخرجه النسائى من طريق
الأعمش وسفيان الثورى وأحمد (ج١ ص ١١٣ - ١١٤، ١٤٨) والدار قطنى (ص ٢١٤) من طريق الأعمش عن
أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة مختصرا، وأخرجه ابن ماجه من طريق الثورى وأحمد من طريق حجاج بن أرطاة (ج١
ص ١٢١) والثورى (ج ١ ص ١٣٢) وشريك (ج١ ص١٤٦) والبيهقى من طريق ابن عيينة والثورى (ج٤ ص١١٨)
١٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الركاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وفى رواية لأبى داود عن الحارث الأمور عن على قال زمير: أحسبه عن النبى ◌َّ أنه قال:
عن أبى اسحاق عن الحرث الأعور عن على مختصرا أيضاً. قال الترمذى: روى هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة
وغيرهما عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على ، وروى سفيان الثورى وابن عيينة وغير واحد عن أبى اسحاق
عن الحارث عن على قال: وسألت محمد بن اسمعيل عن هذا الحديث فقال : كلاهما عندى صحيح عن أبى اسحاق يحتمل
أن يكون عنهما جميعاً - انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: بعد ذكر حديث على هذا أخرجه أبو داود وغيره واسناده
حسن (وفى رواية لأبي داود عن الحارث الأعور عن على) هذه الرواية: أخرجها أبو داود من طريق عبد الله
ابن محمد النفيلى نازهيرنا أبو اسحاق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن على وأخرجها أيضاً البيهقى
(ج ٤ ص ٩٣ - ٩٤، ٩٩) والحارث هذا هو الحارث بن عبد الله الأعور الهمدانى الحوتى الكوفى أبو زهير
وهو ممن اشتهر بصحبة على بن أبى طالب ، وروى عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وعنه الشعبى وأبو اسحاق السبيعى
وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. قال شعبة: لم يسمع أبو اسحاق منه إلا أربعة أحاديث. وكذلك قال العجلى: وزاد
وسائر ذلك كتاب أخذه وقد تكلم فيه الأئمة. فقال الشعبى وأبو اسحاق وابن المدينى: هو كذاب. وقال
الدار قطنى: ضعيف. وقال ابن عدى: عامة ما يرويه غير محفوظ . وقال ابن حبان: كان الحارث غاليا فى التشيع
واهيا فى الحديث ، وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال فى موضع آخر: ليس به بأس . وكذا قال ابن معين: فى
رواية الدورى عنه. وقال ابن أبى خيثمة. قيل: ليحيى يحتج بالحارث . فقال: ما زال المحدثون يقبلون حديثه .
وقال ابن عبد البر: لم يبين من الحارث كذبه وإنما نقم عليه افراطه فى حب على. وقال احمد بن صالح المصرى
الحارث الأعور: ثقة ما أحفظه وما أحسن ما روى عن على وأثنى عليه. قيل له فقد قال الشعبي : كان يكذب.
قال: لم يكن يكذب فى الحديث إنما كان كذبه فى رأيه . وقال ابن أبى داود: كان الحارث أفقه الناس وأحسب
الناس وأفرض الناس تعلم الفرائض من على . وقال الذهبي والنسائى: مع تعنته فى الرجال قد احتج به وقوى أمره
والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه فى الأبواب هذا الشعبى يكذبه ثم يروى عنه. والظاهر أنه كان
يكذب فى لهجته وحكاياته لا فى الحديث النبوى: قال الحافظ: لم يحتج به النسائى. وإنما أخرج له فى السنن حديثا
واحدا مقرونا بابن ميسرة وآخر فى اليوم والليلة متابعة هذا جميع ماله عنده. وقال فى التقريب: رمى بالرفض
وفى حديثه ضعف مات فى خلافة ابن الزبير سنة (٦٥) (قال زهير) بالتصغير وهو زهيربن معاوية بن حديج
أبو خيثمة الجعنى الکوفی نزیل الجزیرة ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبى اسحاق بآخره . قال أحمد : زمیر فیما روى عن
المشائخ ثبت بخ بخ وفى حديثه عن أبى اسماق لين سمع منه بآخره. وقال أبو زرعة: ثقة إلا أنه سمع من أبى اسحاق بعد
الاختلاط مات فى رجب سنة (١٧٢) أو (١٧٣) أو (١٧٤) وكان مولده سنة مائة (أحسبه) أى أظن هذا الحديث
مرويا (عن النبيِ مَّةٍ أنه) أى النبىِ مَّ (قال) يعنى قال زهير : أظن أبا اسحاق. قال: فى حديثه بعد قوله عن
١٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١١ - باب ما يجب فيه الزكاة
هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم، وليس عليكم شىء، حتى تتم مائتى درهم. فإذا كانت
ماتى درهم، ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك.
على رضى الله عنه ((عن النبى معَّه)) وهذا يدل على أن زهيرا شك فى رفعه قال الزيلعى: (ج ٢ ص ٣٥٣، ٣٦٠،
٣٦٥ - ٣٦٦) ورواه الدارقطنى فى سننه مجزوما به ليس فيه. وقال زهير: وأحسبه عن النبى محمدواللّه. وقال ابن
القطان : إسناده صحيح وكل من فيه ثقة معروف ولا أعنى رواية الحارث وإنما أعنى رواية عاصم - انتهى كلامه.
قال الزيلعى: وهذا منه توثيق لعاصم - أنتهى. قلت: لم أجد حديث زهير هذا بهذا السياق الطويل الآتى فى الدار قطنى
فى مظانه إلا ما فى باب ليس فى العوامل صدقة (ص ٢٠٤) فانه هناك مجزوم برفعه ولكن متنه مختصر جدا ،
فانه اقتصر على الجملة بلفظ: ليس فى البقر العوامل شىء (ماتوا) أى فى كل حول (ربع العشر) وفى أبى داود ربع
العشور أى من الفضة وبيانه (من كل أربعين درهما) نصب على التمييز (درهم) بالرفع على الابتداء وفى بعض
نسخ أبى داود درهما ، أى بالنصب على المفعولية (وليس) يجب (عليكم شىء) أى من الزكاة (حتى تتم) بالتأنيث
أى تبلغ الرقة (مائتى درهم) قال الطيبي: نصبه على الحالية أى بالغة مائتين كقوله تعالى: (فتم ميقات ربه أربعين
ليلة - الأعراف: ١٤٢﴾ (فاذا كانت) أى الرقة (مائتى درهم) أى وزنها (ففيها) أى حينئذ (خمسة دراهم فما زاد)
أى على مائتى درهم (فعلى حساب ذلك) أى تجب الزكاة فى الزائد على النصاب بقدره قل أو كثر حتى اذا كانت
الزيادة درهماً يجب فيها جزء من أربعين جزءاً من درهم. وفيه دليل على أنه لا وقص فى نصاب الفضة فيخرج عما
زاد على المائتى درهم بحسابه ربع العشر قلت الزيادة أو كثرت. وكذا فيما زاد على العشرين ديناراً فى الذهب وهو
قول أكثر أهل العلم، روى هذا عن على وابن عمر ، وبه قال عمربن عبد العزيز والنخعى والتوری وابن أبى ليلى وابو
يوسف ومحمد بن الحسن وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر، وهو قول مالك والشافعى وأحمد. وروى عن الحسن
البصرى والشعبى ومكحول وسعيد بن المسيب والأوزاعى وعطاء والزهرى وعمرو بن دينار إنهم قالوا: لا شىء فى
زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين، ولا فى زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير. وبه قال أبو حنيفة. واحتج أمل هذا
القول بما روى الدار قطنى (ص ٢٠٠) والبيهقى (ج ٤ ص ١٣٥) من طريق ابن اسحاق عن المنهال بن الجراح عن
حبيب بن نجيح عن عبادة بن نُسى عن معاذ أن رسول اللّه مَ ثل أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا تأخذ من الكسور
شيئاً، إذا كانت الورق مائتى درهم لخذ منها خمسة دراهم ولا تأخذ مما زاد شيئاً حتى تبلغ أربعين درهما. فإذا بلغت
أربعين نفذ منها درهما. قال الدار قطنى: المنهال بن الجراح متروك الحديث واسمه الجراح بن المنهال وكان ابن
اسحاق يقلب اسمه إذا روى عنه وعبادة لم يسمع من معاذ - انتهى. وقال ابن حبان: المنهال بن الجراح كان
يكذب. وقال عبدالحق: كذاب. وقال أبو حاتم: متروك الحديث واهيه، لا يكتب حديثه. وقال البيهقى: اسناد
١٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
هذا الحديث ضعيف جدا. واحتجوا أيضاً بما روى من طريق الحسن بن عمارة عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة
عن علىعن النبي ◌ُٹے أنه قال: هاتوا ربعالعشرمنكل ماٹتیدرهم خمسة دراهم، ومن كل عشرین دینارا نصف دینار ،
وليس فى مائتى درهم شىء حتى يجول عليها الحول. فإذا حال عليها الحول ففيها خمسة دراهم ، فما زاد ففى كل أربعين
درهما درهم ذكره ابن حزم فى الحلى. (ج ٦ ص ٦١) والحسن بن عمارة متروك فالحديث ضعيف جداً،
واحتجوا أيضاً بما روى الحاكم (ج١ ص ٣٩٥) والبيهقى (ج ٤ ص٨٩) والطبرانى وغيرهم من حديث عمرو
ابن حزم الطويل وفيه ((فى كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم وما زاد ففى كل أربعين درهما درهم)، وهذا
حديث سنده جيد ، وإن تكلم علیه ابن التركانى فى الجوهر النقى، وأجيب عنه بأن غاية ما فيه إن فى أر بین درها
زائداً درهم، ولا ينكره أهل القول الأول، وليس فيه إسقاط الزكاة عن أقل من أربعين زائدة على المأتين، أى
ليس فيه أن لا زكاة فيما بين المائتين وبين الأربعين فلا يترك به منطوق حديث الباب. واحتجوا أيضاً بما روى
ابن أبى شيبة عن الحسن البصرى. قال: كتب عمر إلى أبى موسى الأشعرى فيما زاد على المأتين ففى كل أربعين
درهما درهم. وروى أبو عبيد فى الأموال (ص ٤٢٢) من طريق يحي بن أيوب عن حميد عن أنس قال: ولانى
عمر بن الخطاب الصدقات فأمرنى أن آخد من كل عشرين دينارا نصف دينار، وما زاد فبلغ أربعة دنانير ففيه درهم
وإن آخذ من مائتى درهم خمسة دراهم فما زاد فبلغ أربعين درهما ففيه درهم . وأجيب عن الأول . بأنه منقطع
فان الحسن لم يولد إلا لسنتين باقيتين من خلافة عمر. وعن الثانى. بما قال أبو عبيد: (ص ٤٢٣) قد يحتمل قول
عمر أن يكون إنما أراد أن يفهم الناس الحساب وأن يعلمهم إن فى كل أوقية درهما، وهو مع هذا يرى إن ما زاد
على المائتين وعلى عشرين دينارا ففيه الزكاة بالحساب - انتهى. واحتجوا أيضاً بأن له عفوا فى الابتداء فكان
له عفو بعد النصاب كالماشية وأجيب عنه بأن الماشية يشق تشقيصها بخلاف الأمان. واستدل أهل القول
الأول بحديث الباب وهو حديث صحيح أو حسن وله طرق ذكرها الزيلعى، وأجاب عنه أهل القول الثانى بأنه
محمول على أن يكون الزائد على المأتين هو الأربعين جمعا بين الأحاديث ولا يخفى ما فيه. واستدلوا أيضاً بما
تقدم من قوله مؤثر. ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)) قال أبو عبيد: (ص ٤٢٤) القول الأول هو المعمول
به عندنا والذى عليه الجمهور الأعظم من المسلمين ومع اجتماعهم عليه أنه موافق لتأويل الحديث المرفوع. قال:
ألا ترى! أنه عَّ حين أخبر إن ليس فى أقل من خمس أواق شىء ، قد جعل الخمس حداً فاصلا فيما بين ما تجب فيه
الصدقة وبين ما لا تجب. فتبين لنا بقوله هذا إن الزائد على الخمس سواء قليله وكثيره. وإن الزكاة واجبة فيه إذ
لم يذكر بعد الخمس وقتا آخر كتوقيته فى الماشية حين قال: فى كل خمس شأة وفى كل عشر شأتان ، بجعل صدقة
١٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وفى الغنم فى كل أربعين شأة، شأء، إلى عشرين ومائة، فان زادت واحدة ، فشأنان إلى مائتين . فان
زادت، فثلاث شياه إلى ثلاث مائة. فإذا زادت على ثلاثمائة، ففى كل مائة شأة. فان لم تكن إلا تسع
وثلاثون ، فليس عليك فيها شىء .
الماشية خاصة مراتب بعضها فوق بعض وألغى ما بينهما ، وجعل الصامت وما تخرج الأرض كله بمنزلة واحدة،
إذا بلغت الخمس فصاعدا. ثم شرحه على وابن عمر وابراهيم وعمر بن عبد العزيز بقولهم وما زاد فبالحساب.
وقال الخطابى فى المعالم: (ج ٢ ص ١٤) فى قوله ليس فيما دون خمس أواق صدقة دليل على أن ما زاد على
المائتين ، فان الزكاة تجب فيه بحسابه لأن فى دلالته إيجاباً فى الخمس الأواقى وفيما زاد عليه ، وقليل الزيادة وكثيرها
سواء فى مقتضى الاسم ولا خلاف فى أن فيما زاد على الخمسة الأوسق من التمر صدقة قلت الزيادة أو كثرت. وقد
أسقط النبى مُؤثّ الزكاة عن الخمسة الأوسق كما اسقطها عما نقص عن الخمس الأواق، فوجب أن يكون حكم ما زاد
على الخمس الأواقى من الوزق حكم الزيادة على الخمسة الأوسق لأن مخرجهما فى اللفظ مخرج واحد ـ انتهى. واستدل
ابن حزم لذلك بما تقدم من قوله عليه السلام فى كتاب أبى بكر الصديق وفى الرقة ربع العشرالخ. قال ابن حزم: أوجب
رسول الله ◌َّ الصدقة فى الرقة ربع العشر عموماً لم يخص عن ذلك شيئاً إلاما كان أقل من خمس أو اقی فبقى ما زاد
على ذلك على وجوب الزكاة فيه، فلا يجوز تخصيص شىء منه اصلا- انتهى. واستدل لذلك أيضاً بما روى أبو عبيد
(ص ٤٢٠) وعبد الرزاق عن على وعبد الرزاق وابن أبى شيبة ( ج ٣ ص ٧) وأبو عيد (ص ٤٢١) عن ابن عمر
قالا فى كل مائتى درهم خمسة دراهم وما زادفبالحساب، وهذا القول هو الراجح المعول عليه المعول به عندنا والله تعالى
أعلم. (فى كل أربعين) بدل من فى الغنم باعادة الجار (شأة) قال القارى: تمييز للتأكيد كما فى قوله تعالى: ﴿ذرعها
سبعون ذراعا - الحاقة: ٣٢). قال الطيبي: وليس شأة ههذا تمییزا مثله فى قوله فی کل أربعین درهما درهم ، لأن
درهما بيان مقدار الواحد من أربعين ولا يعلم هذا من الرقة فيكون شأة هنا لمزيد التوضيح ونظر فيه ابن حجر
(شأة) مبتدأ مؤخر « وفى الغنم)، خبره. قال القارى: ثم الظاهر إن لفظ ((كل)) زائدة، أو المراد بها استغراق أفراد
الأربعين ليفيد تعلق الزكاة بكل من أربعين أو الواجب شأة مبهمة. والحاصل إنها ليست مثلها فى كل أربعين درهما
درهم، والا لفسد المعنى اذ لا تتكر الزكاة هنا بتكرر الأربعين إجماعا ثم لاشىء فيما زاد على الأربعين. (إلى عشرين
ومائة فان زادت واحدة فشأتان إلى مائتين فان زادت) أى واحدة أو الغنم على مأتين (فثلاث شياه إلى ثلاث مائة
فاذا زادت ) أى الشأة (على ثلاث مائة) مائة أخرى لا ما دونها (ففى كل مائة شأة فان لم تكن) بالتأنيث وفى
أبى داود فان لم يكن بالتذكير ( إلا تسع وثلاثون) من الغنم (فليس عليك فيها شىء) لأنها لم تبلغ النصاب،
وليس فى هذا الحديث عند أبى داود ما ذكر المصنف من سياق صدقة الغنم فإن أبا داود لم يذكر سياقه بل أحاله
١٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وفى البقر فى كل ثلاثين تبيع، وفى الأربعين مسنة .
على حديث الزهرى ولفظه ((وفى الغنم فى كل أربعين شأة شأة فان لم يكن إلا تسع وثلاثون فليس عليك فيها
شىء)) وساق صدقة الغنم مثل الزهرى - انتهى. أى وساق أبو اسحاق صدقة الغنم كما تقدم فى حديث سفيان بن
حسين عن الزهرى عن سالم عن أبيه (وفى البقر) إسم جنس للذكر والمؤنث إشتقت من بقرت الشىء اذا شققته،
لأنها تبقر الأرض بالحراثة. وفيه دليل على وجوب الزكاة فى البقر، قال ابن قدامة: ( ج ٢ ص ٥٩١) صدقة
البقر واجبة بالسنة والإجماع. أما السنة فما روى أبو ذر عن النبى معَ ة أنه قال: ما من صاحب إبل ولا بقر ولا
غنم لا يؤدى زكاتها إلا جاءت يوم القيمة أعظم ما كانت وأسمن فتنطحه بقرونها الحديث . وقد تقدم فى أوائل
الزكاة ثم ذكر ابن قدامة حديث معاذ الآتى وحديثا آخر له عن مسند الامام أحمد . ثم قال: وأما الاجماع فلا
أعلم اختلافا فى وجوب الزكاة فى البقر. وقال أبو عبيد: (ص ٣٧٩) لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم (فى كل
ثلاثين) أى بقرا ( تبيع) هو ما تم له الحول من ولد البقر وطعن فى السنة الثانية سمى به، لأنه فطم عن أمه فهو
يتبعها وتجزئى عنه تبيعة بل أولى للأنوثة (وفى الأربعين) من البقر ( مسنة) هى التى استكملت سنتين وطعنت
فى الثالثة وهى الثنية وسميت بذلك لأنها طلعت سنها والاقتصار على المسنة يدل على أنه لا يجزىء المسن ولكن
أخرج الطبرانى عن ابن عباس مرفوعا فى كل ثلاثين تبيع وفى كل أربعين مسن أو مسنة. قال الهيثمى: وفيه ليث
ابن أبى سليم وهو ثقة لكنه مدلس - انتهى. وهذا يدل على أنها لا تتعين الأنوثة فى البقر بخلاف الابل، وسيأتى
مزيد الكلام عليه فى شرح الحديث الذى يليه. والحديث دليل على أن نصاب الزكاة فى البقر ما ذكر فيه . قال ابن
عبد البر : فى الاستذكار لا خلاف بين العلماء إن السنة فى زكاة البقر ما فى حديث معاذ الآتى وإنه النصاب المجمع
عليه فيها - انتهى. وفيه دلالة على أنه لا يجب فيما دون الثلاثين شىء وفيه خلاف الزهرى ، فقال: يجب فى كل
خمس شأة قياسا على الابل. وأجاب الجمهور بأن النصاب لا يثبت بالقباس وبأنه قد روى (النسائى) ليس فيمادون
ثلاثين من البقر شىء وهو وإن كان مجهول الاسناد فمفهوم حديث معاذ يؤيده كذا فى سبل السلام . وقال ابن
قدامة: لازكاة فيما دون الثلاثين من البقر فى قول جمهور العلماء، وحكى عن سعيد بن المسيب والزهرى أنهما قالا :
فى كل خمس شأة لأنها عدلت الابل فى الهدى والأضحية فكذلك فى الزكاة ، ولنا ما تقدم من الخبر، ولأن نصب
الزكاة إنما ثبتت بالنص والتوقيف وليس فيما ذكراه نص ولا توقيف فلا يثبت وقياسهم فاسد فان خمسا وثلاثين من
الغنم تعدل خمسا من الابل فى الهدى ولازكاة فيها - انتهى. ثم قال ابن حجر: ولا شىء فيما زاد على الأربعين حتى
تبلغ ستين ففيها تبيعان ثم يتغير الفرض بزيادة عشر فعشر، ففى كل أربعين مسنة وفى كل ثلاثين تبيع - انتهى.
وقال الخطابى فى المعالم: (ج ٢ ص ٣٠) فى الحديث دليل على أن البقر اذا زادت على الأربعين لم يكن فيها شى.
حتى تكمل ستين، ويدل على صحة ذلك ما روى عن معاذ أنه أتى بوقص البقر فلم يأخذه، ومذهب أبى حنيفة إن ما
١٤٠