النص المفهرس
صفحات 101-120
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أتى، فإذا بلغت ستا وأربعين الى
ستين، ففيها حقة طروقة الجمل. فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. فإذا
بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. فإذا بلغت احدى وتسعين إلى عشرين ومائة فقيها
حقتان طروقتا الجمل.
وابن آوى يشترك فيهما الذكر والأنثى. وحاصله إن وصف البنت بالأنثى لئلا يتوهم إن المراد منه الجنس الشامل
للذكر والأنثى كالولد، إذ فى غير الآدمى قد يطلق البنت والابن ويراد بهما الجنس كما فى ابن عرس وبنت طبق
وهى السلحفاة وزاد فى رواية حماد بن سلمة عن ثمامة عن أنس عند أحمد (ج ١ ص ١١) وأبى داود والنسائى
والدار قطنى والبيهقى، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر وهو الذى استكمل السنة الثانية ودخل فى الثالثة وهو
كذلك إلى تمامها، سمى بذلك لأن أمه صارت لبونا أى ذاب لبن بوضع الحمل. (فادا بلغت) الابل (ستا وثلاثين
إلى خمس وأربعين) الغاية داخلة فى المغيا بدليل قوله بعد ذلك فاذا بلغت ستا وأربعين فعلم أن حكمها حكم ما قبلها
(ففيها بنت لبون) هى التى تمت لها سنتان ودخلت فى الثالثة إلى تمامها (أنثى) زاده تأ كيدا كما عرفت (حقة)
بكسر الحاء المهملة وفتح القاف المشددة والجمع حقاق بالكسر والتخفيف وهى من الابل ما استكمل السنة الثالثة
ودخل فى الرابعة وهى كذلك إلى تمامها، ويقال للذكر الحق سميت بذلك لاستحقاقها أن تركب ويحمل عليها.
ويركبها الفحل ولذلك قال فى صفتها (طروقة الجمل) بفتح أوله أى مطروقته فعولة بمعنى مفعولة كلوبة بمعنى محلوبة
صفة لحقة، والمراد من شأنها أن تقبل ذلك وإن لم يطرقها الفحل يعنى إنها بلغت وصلحت أن يغشاها الجمل
ويطأها من الطرق بمعنى الضرب (جذعة) بفتح الجيم والذال المعجمة قال الجزرى: الجذعة والجذع من الابل
ما استكمل الرابعه ودخل فى الخامسة إلى آخرها . قال القسطلانى: سميت بذلك لأنها جذعت مقدم أسنانها أى
أسقطته وهى غاية أسنان الزكاة . وقال ابن قدامة: قيل لها ذلك لأنها تجذع اذا سقطت سنها وهى أعلى من تجب
فى الزكاة، وقال القارى: سميت بذلك لأنها سقطت أسنانها والجذع السقوط. وقيل: لتكامل أسنانها. وقال التوربشتى
يقال للابل فى السنة الخامس أجذع وجذع اسم له فى زمن ليس سن ينبت ولا يسقط والأنثى جذعة - انتهى.
(فإذا بلغت إحدى وتسعين الى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل) أجمع العلماء على المذكور من أول
الحديث الى هذا إلا ما تقدم عن على انه قال: فى خمس وعشرين من الابل خمس شياه ، وفى ست وعشرين بنت
مخاض ، حكى هذا الاجماع العينى وابن قدامة وأبو عبيد والسرخسى . قال ابن قدامة: هذا كله مجمع عليه إلى أن
يبلغ عشرين ومائة، ذكره ابن المنذر. وقال أبو عبيد (ص ٣٦٣): هذا ما جاء فى فرائض الابل الى أن تبلغ
١٠١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فاذا زادت على عشرين ومائة ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة .
عشرين ومائة لم يختلفوا إلا فى هذا الحرف الواحد وحده ، فإذا جاوزت عشرين ومائة فهناك الاختلاف ، ثم
ذكره كما سيأتي بيانه. وقال السرخسى: على هذا الفقت الآثار وأجمع العلماء إلا ما روى شاذا عن على. وقال
العينى: لا خلاف فيه بين الأئمة وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التى كتبها رسول اللّه معرؤيةمه، والخلاف
فيما اذا زادت على مائة وعشرين. (فاذا زادت على عشرين ومائة فى كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة)
أى اذا زاد يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات، مثلا اذا زاد واحد على العدد المذكور يعتبر الكل ثلاث
أربعينات وواحد والواحد لا شىء فيه، وثلاث أربعينات فيها ثلاث لبونات إلى ثلاثين ومائة، وفى ثلاثين ومائة
حقة لخمسين وبنتالبون لأربعينين. وهكذا، ولا يظهر التغيير إلا عند زيادة عشر قاله السندى. وقال الشوكانى:
المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة فى كل أربعين بنت لبون ، فيكون الواجب فى مائة وإحدى
وعشرين ثلاث بنات لبون، وإلى هذا ذهب الجمهور. ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحد كنصف أو ثلث أو ربع
خلافا للاصطخرى من الشافعية ، فقال : يجب ثلاث بنات ليون بزيادة بعض واحدة لصدق الزيادة ويرد عليه ما
عند الدارقطنى فى آخر هذا الحديث وما فى كتاب عمر، فإذا كانت احدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون
حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة ومثله فى كتاب عمرو بن حزم - انتهى. إعلم أنهم اختلفوا فيما زادت على عشرين
ومائة، فذهب الشافعى والأوزاعى واسحاق بن راهويه الى أنها اذا زادت على العشرين والمائة واحدة ففيها ثلاث
بنات ليون إلى أن تصير مائة وثلاثین فیجب فيها حقة وبنتا لبون. ثم كلما زادت عشرة كان فى خمسين حقة وفى كل
أربعين بنت لبون، وهو احدى الروايتين عن أحمد، والمختار عند الحنابلة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن حزم
وأبى سليمان داود والزهرى وأبى ثور وابن القاسم صاحب مالك. قال الباجى: قول ابن القاسم رواية لمالك
أيضاً واحتج لهذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم ، فاذا زادت على عشرين ومائة ففى كل أربعين بنت لبون ،
وفى كل خمسين حقة، فإنه علق النبي ◌َّ هذا الحكم بنفس الزيادة والواحدة زيادة فعندها يجب فى كل أربعين
بنت لبون. وقد جاء مصرحا بذلك كما تقدم فى كلام الشوكانى. وقال الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ٢٠) فيه
دليل على أن الابل اذا زادت على العشرين ومائة لم يستأنف لها الفريضة لأنه علق تغير الفرض بوجود الزيادة، وقد
يحصل وجود الزيادة بالواحدة حصولها بأكثر منها، وعلى هذا وجد الأمر فى أكثر الفرائض فان زيادة الواحد
بعد منتهى الوقص توجب تغير الفريضة كالواحدة بعد الخامسة والثلاثين وبعد الخامسة والأربعين وبعد كمال
الستين. وذهب أبو عبيد ومحمد بن اسحاق وأحمد فى رواية إلى أنها لا يجب فيما زاد على العشرين والمائة شىء،
حتى تكون مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون ، فلا يتغير الفرض عندهم ولا يتعدى إلى ثلاثين ومائة وهو رواية
عن مالك، رواها عنه عبد الملك وأشهب وابن نافع. واستدل لهم بأن قوله مثير فإذا زادت على عشرين ومائة -
١٠٢
٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
الحديث . يقتضى أن يكون تغير الفرض فى عدد يجب السنَّان معا، أى المراد بالزيادة هى التى يمكن اعتبار
المنصوص عليه فيها وذلك لا يكون فيما دون العشر، وأجيب عنه بأن هذا غير لازم وذلك أنه انما علق قغير
الفرض بوجود الزيادة على المائة والعشرين ، وجعل بعدها فى أربعين ابنة لبون ، وفى خمسين حقة، وقد وجدت
الأربعونات الثلث فى هذا النصاب ، فلا يجوز أن يسقط الفرض ويتعطل الحكم. وانما اشترط وجود السنين فى
محلين مختلفين لا فى محل واحد فاشتراطهم وجودهما معا فى واحد غلط ، واستدل لهم أيضاً بأن الفرض لا يتغير
بزيادة الواحد كسائر الفروض ، وأجيب عنه بأنه ما تغير بالواحدة وحدها ، وأنما تغير بها مع ما قبلها فأشبهت
الواحدة الزائدة عن التسعين والستين وغيرهما . واستدل لهم أيضاً بما روى أبو عبيد (ص ٣٦٣) عن يزيد عن
حبيب بن أبى حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن، إن فى كتاب صدقة النبي ◌َ ◌ّه وفى كتاب عمر
فى الصدقة، إن الابل اذا زادت على عشرين ومائة فليس فيما دون العشر شىء حتى تبلغ ثلاثين ومائة، وأجيب
بأن هذا مرسل ولا حجة فيه. وأيضاً قد رواه الدار قطنى (ص ٢١٠) والحاكم (ج ١ ٣٩٤ - ٣٩٥) والبيهقى
(ج ٤ ص ٩٢) مطولا ، وفيه فاذا زادت على العشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون ، حتى تبلغ تسعا
وعشرين ومائة ، فاذا كانت الابل أكثر من ذلك فليس فيما لا يبلغ العشر منها شىء حتى يبلغ العشر - انتهى.
وهذا كما ترى نص فى القول الأول وصريح فى الرد على القول الثانى. وذهب مطرف وابن أبى حازم وابن
دينار وأصبغ إلى أن الساعى بالخيار بين أن يأخذ فى احدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون ، أو حققين أى
الصفتين أدى أجزأه إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، فيجب فيها حقة وبنتالبون وهو رواية عن مالك أيضاً وهو مختار.
فروع المالكية. قال ابن حزم (ج ٥ ص ٣١): قول مالك فى التخيير بين اخراج حقتين أو ثلاث بنات
لبون خطأ ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين حكم العشرين ومائة، جعل حقتين بنص كلامه وبين حكم
مازاد على ذلك فلم يجز أن يسوى بين حكمين، فرق رسول اللّه وَ اللّه بينهما ولا نعلم أحدا قبل مالك قال بهذا
التخيير - انتهى. وقد ظهر بما قدمنا أن فيما زاد على عشرين ومائة الى تسع وعشرين ومائة لمالك ثلاث روايات
التخيير، وعدم التغيير، ووجوب ثلاث بنات لبون من غير أن يخير الساعى. ومختار فروع المالكية الرواية الأولى
ومذهب الشافعى وأحمد وجوب ثلاث بنات لبون من غير تخيير. وهو القول الراجح عندنا ثم إن
هؤلاء الأئمة الثلاثة اتفقوا على أنه يدور الحكم بعد العشرين والمائة على الأربعينات والخمسينات أبدا من غير أن
يستأنف الفريضة فتغير الفريضة عددهم بعد العدد المذكور إلى بنت لبون فى كل أربعين ، وإلى حقة فى كل خمسين .
ولا تعود إلى الأول . واستدلوا لذلك بما روى فى كتاب أبى بكر الصديق وفی کتاب عمر وفی کتاب عمرو بن
حزم وفى كتاب زياد بن لبيد إلى حضرموت، من قوله مؤ لّ فاذا زادت على عشرين ومائة ففى كل أربعين بنت
١٠٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ليون، وفى كل خمسين حقة، بسط طرق هذه الكتب الزيلعى فى نصب الراية (ج ٢ ص ٣٣٥، ٣٤٥) وأخرج
الثلاثة الأول منها الدارقطنى (ص ٢٠٨، ٢١٠) والحاكم (ج ١ ص ٣٩٠، ٣٩٧) والبيهقى (ج ٤ ص ٨٥
و ٩٢). وأما ما وقع فى بعض الطرق من الاقتصار على قوله ((فى كل خمسين حقة)) فهو من اختصار الرأوى
لا أنه رَفّ ترك ذكر الأربعين قصداً. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثورى والنخعى إلى أنه يستأنف الفريضة
بعد العشرين ومائة ، كما فى الأول إلى مائة وخمسين، إلا أنه لا تجب فى هذا الاستيناف بنت لبون وجذعة فليس
عندهم فيما بعد العشرين ومائة إلا حقتان فقط. حتى تتم خمساً وعشرين ومائة فيجب فيها حقتان وشأة إلى ثلاثين
ومائة ، فاذا بلغتها ففيها حقتان وشأتان إلى خمس وثلاثين ومائة، ففيها حقتان وثلاث شياء إلى أربعين ومائة ،
ففيها حقتان وأربع شياء إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وبنت مخاض الى خمسين ومائة ، فاذا
بلغتها ففيها ثلاث حقاق. هذا هو الاستيناف الأول ثم تستالف الفريضة وتجب فيها بنت لبون أيضاً على خلاف
الاستيناف الأول، فيجب فى مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشأة. ثم كما ذكرنا فى كل خمس شأة مع الثلاث
حقاق إلى أن تصير خمساً وسبعين ومائة ، فيجب فيهما بنت مخاض وثلث حقاق إلى ست وثمانين ومائة ، فاذا
بلغتها كانت فيها بنت لبون وثلث حقاق الى ست وتسعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها أربع حقاق الى مائتين ثم تستانف
الفريضة كما بعد مائة وخمسين، فتجب فى كل خمس شأة. فإذا صارت مائتين وخمسا وعشرين فيها أربع حقاق وبنت
مخاض ، وفى ست وثلاثين ومائتين أربع حقاق وبنت لبون الى ست وأربعين ومائتين، فاذا بلغتها كانت فيها خمس
حقاق الى خمسين ومائتين، وهكذا الى مالا نهاية له كلما بلغت الزيادة خمسين زاد حقة ثم استأنف تزكيتها بالغنم ثم
ببنت المخاض ثم ببنت اللبون ثم بالحقة. ولا يخفى أن هذا المذهب لا يصدق عليه قوله. حَ فاذا زادت على
عشرين ومائة ففى كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة، فإنه يدل على أن مدار الحكم والحساب بعد العشرين
ومائة هو الأربعون والخمسون ، وعلى أنه يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات، وقد عرفت أنهم لم يجعلوا
الأربعين والخمسين مداراً للحكم ، بل قالوا بالعود الى أول الفريضة والاستيناف، وتقدم أنه ليس فى الاستئناف
الأول بنت لبون أصلا. ثم إنها وإن كانت فى الاستيناف الثانى لكن الفريضة لا تدور على الأبعين عندهم، فانه
تجب بنت لبون من ست وثلاثين الى ست وأربعين والأربعون واقع فى البين، فلم يكن مدار الحكم ولا يكون
لتخصيصه بالذكر على مذهبهم، معنى لكون بنت لبون واجبة فيما دونه وفيما فوقه أيضاً ، وكذا الحقة تجب من ست
وأربعين الى خمسين فلا يكون الخمسون مداراً، ولا يظهر لتخصيصه فى قوله وفى كل خمسين حقة معنى أيضاً. قال
صاحب العرف الشذى: الحق إن حديث الباب أقرب بمذهب الحجازيين لأنه عليه السلام قد أجمل بعد مائة وعشرين،
١٠٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ومذهب الحجازيين مستقيم على هذا الحديث بعد مائة وعشرين الى الأبد. وأما مذهبنا الحنفية فاستقامته إنما هو
بعد خمسين ومائة - انتهى. قلت: الحديث الذى استدل به أهل الحجاز لا يصدق على مذهب أهل العراق أصلا،
فان مذهبهم كما لا يستقيم قبل خمسين ومائة لقوله مؤلمه فى حديث أنس عند الدار قطنى (ص ٢٠٩) فاذا بلغت
إحدى وعشرين ومائة ففى كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة، كذلك لا يستقيم بعده أيضا فان مدار بنت
اللبون هو ست وثلاثون لا أربعون، ومدار الحقة ست وأربعون لا خمسون، فان هذين العددين يكونان فى
البين . والحديث نص فى كون الأربعينات والخمسينات مدارا بعد العشرين ، ومائة مطرداً دائما. هذا وقد تصدى
الحنفية كالطحاوى فى شرح الآثار والسرخسى فى المبسوط وأبى بكر الرازى فى أحكام القرآن وابن الهمام فى فتح
القدير، والزيلعى فى شرح الكنز والعينى فى شرح البخارى للجواب عن حديث الباب. والتخلص من مخالفته
ولولا أنه يطول البحث جداً لذكرنا كلامهم أجمعين، وبينا ما فى أجوبهتم من التكلف والتمحل والتلبيس والتخليط
والفساد ، وقد ذكر تقرير ابن الهمام وجوابه الشيخ عبد العلى بحر العلوم اللكنوى الحنفى فى رسائل الأركان الأربعة
(ص ١٧٠ - ١٧١). ثم رد عليه ورجح مذهب الجمهور وقال فى آخر كلامه فالأشبه ما عليه الامام الشافعى والامام
أحمد. واحتج الحنفية لمذهبهم بما روى أبو داود فى المراسيل واسحاق بن راهويه فى مسنده، والطحاوى فى مشكله
عن حماد بن سلمة قال: قلت لقيس بن سعد خذ لى كتاب محمد بن عمرو بن حزم فأعطانى كتابا أخبر أنه أخذه
من أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. إن النبى ◌َّ كتبه لجده فقرأته فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الابل
فقص الحديث الى أن يبلغ عشرين ومائة، فاذا كانت أكثر من عشرين ومائة فإنه يعاد الى أول فريضة الابل ،
وما كان أقل من خمس وعشرين فقيه الغنم فی کل خمس ذود شأة كذا فى نصب الراية. وأجيب عنه بما قال ابن
الجوزى فى التحقيق: إن هذا حديث مرسل. وقال هبة اللّه الطبرى: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع ولا يعرف
أهل المدينة كلهم عن كتاب عمرو بن حزم الا مثل روايتنا ، رواها الزهرى وابن المبارك وأبو أويس كلهم عن
أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مثل قولنا. ثم أو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم بقيت
روايتنا عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وهى فى الصحيح وبها عمل الخلفاء الأربعة. وقال البيهقى فى السنن
(ج ٤ ص ٩٤) هذا منقطع بين أبى بكر بن حزم الى النبى ◌َاللّه وقيس بن سعد أخذه عن كتاب لا عن سماع،
وكذلك حماد بن سلمة أخذه عن كتاب لا سماع ، وقيس بن سعد وحماد بن سلمة . وإن كانا من الثقات فروايتهما
هذه بخلاف رواية الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره، وحماد بن سلمة ساء حفظه فى آخر عمره، فالحفاظ
لا يحتجون بما يخالف فيه ويتجنبون ما ينفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين
١٠٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
مع ما فيه من الانقطاع. وقال فى معرفة السنن: الحفاظ مثل يحيى القطان وغيره يضعفون رواية حماد عن قيس
ابن سعد، ثم أسند عن أحمد بن حقبل قال: ضاع كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد فكان يحدثهم من حفظه
ثم أسند عن ابن المدينى نحو ذلك. قال البيهقى: ويدل على خطأ هذه الرواية إن عبدالله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم
رواه عن أبيه عن جده بخلافه، وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصارى رواه بخلافه، والزهرى مع فضل
حفظه رواه بخلافه فى رواية سليمان بن داود الخولانى عنه موصولا، وفى رواية غيره مرسلا واذا كان حديث حماد
عن قیس مرسلا ومنقطعا وقد خالفه عدد ، وفیھم ولد الرجل والکتاب بالمدينة بأیدیہم بتوارثونه بينهم ، وأمر به
عمر بن عبد العزيز فنسخ له فوجد مخالفا لما رواه حماد عن قيس وموافقا لما فى كتاب أبى بكر وما فى كتاب عمر
وكتاب أبى بكر فى الصحيح ، وكتاب عمر أسنده سفيان بن حسين وسليمان بن كثير عن الزهرى عن سالم عن أبيه
عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يكتبه عمر عن رأيه إذ لا مدخل للرأى فيه وعمل به وأمر عماله ، فعملوا به.
وأصحاب النبى صلى الله عليه وسلم متوافرون، وأقرأ ابنه عبد الله بن عمر وأقرأه عبد الله ابنه سالما ومولاه نافعا.
وكان عندهم حتى قرأه مالك بن أنس أفما يدلك ذلك كله على خطأ هذه الرواية - انتهى. وقال ابن قدامة فى
المغنى: (ج٢ ص ٥٨٤) بعد الاشارة الى كتاب أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الذى استدل به الحنفية ، ولنا
أن فى حديثى الصدقات الذى كتبه أبو بكر لأنس، والذى كان عند آل عمر بن الخطاب مثل مذهبنا وهما صحيحان،
وقد رواه أبو بكر عن النبى صلى الله عليه وسلم. وأما كتاب عمرو بن حزم فقد اختلف فى صفته فرواه الأثرم فى
سنته مثل مذهبنا والأخذ بذلك أولى لموافقته الأحاديث الصحاح وموافقته القياس، فان المال اذا وجب فيه من
جنسه لم يجب من غير جنسه، كسائر بهيمة الأنعام، ولأنه مال احتمل المواساة من جنسه فلم يجب من غير جنسه كالبقر
والغنم. وإنما وجب فى الابتداء من غير جنسه. لأنه ما احتمل المواساة من جنسه فعدلنا الى غير الجنس ضرورة.
وقد زال ذلك بزيادة المال وكثرته ولأنه عندهم ينقل من بنت مخاض إلى حقة بزيادة خمس من الابل وهى زيادة
يسيرة لا تقتضى الانتقال الى حقة، فانا لم نتقل فى محل الوفاق من بنت مخاض الى حقة الا بزيادة إحدى وعشرين.
انتهى. وقال ابن حزم: (ج ٦ ص ٤١) والعجب أنهم يدعون أنهم أصحاب قياس وقد خالفوا فى هذا المكان
النصوص والقیاس.فهل وجدوا فريضة تعود بعد سقوطها؟ وهل وجدوافى أوقاص الابل وقصا من ثلاثة وثلاثين من
الابل؟ اذ لم يجعلوا بعد الاحدى والتسعين حكما زائداً الى خمسة وعشرين ومائة، وهل وجدوا فى شىء من الابل
حكمين مختلفين فى إبل واحدة؟ بعضها يزكى بالابل وبعضها يزكى بالغنم، وهلا اذ ردوا الغنم وبنت المخاض بعد
اسقاطهما ردوا أيضاً فى ست وثلاثين زائدة على العشرين والمائة بنت اللبون ، فإن قالوا منعنا عن ذلك قوله عليا
السلام فی کل خمسین حقة قيل لهم فهلا منعكم من رد الغنم قوله عليه السلام؟ وفیکل أربعین بنت لبون - انتهى.
١٠٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
واحتج الحنفية أيضاً بما روى ابن أبى شيبة ( ج ٣ ص ١١) عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبى اسحاق عن
عاصم بن ضمرة عن على رضى الله عنه قال: اذا زادت الابل على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة - انتهى.
ورواه البيهقى (ج ٤ ص ٩٢) بلفظ: اذا زادت على عشرين ومائة فبحساب ذلك ليستأنف بها الفرائض . قال
الحافظ فى الدراية: إسناده حسن الا أنه اختلف على أبی اسحاق - انتهى. ورواه أبو عبد (ص ٣٦٣) بلفظ
استولف بها الفريضة بالحساب الأول. وأجيب عنه بما قال البيهقى ( ج ٤ ص ٩٢) قد أنكر أهل العلم هذا
على عاصم بن ضمرة لأن رواية عاصم بن ضمرة عن على خلاف كتاب آل عمرو بن حزم ، وخلاف كتاب أبي بكر
وعمر رضى الله عنهما. وقال: فى (ص ٩٣) واستدلوا على خطأه بما فيه من الخلاف الروايات المشهورة عن النبى
رَّ م عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما فى الصدقات. وقال: فى (ص ٩٤) بعد ما روى من طريق عاصم بن
ضمرة، والحارث عن على فى خمس وعشرين خمس من الغنم ، فاذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض ما لفظه وفيه وفى
كثير من الروايات عنه فى خمس وعشرين خمس شياه. وقد أجمعوا على ترك القول به مخالفة عاصم بن ضمرة
والحارث الأعور عن على الروايات المشهورة عن النبي ◌َ ◌ّه وعن أبى بكر وعمر فى الصدقات فى ذلك، كذلك
رواية من روى عنه الاستئناف مخالفة لتلك الروايات المشهورة مع ما فى نفسها من الاختلاف والغلط وطعن أئمة
أهل النقل فيها، فوجب تركها والمصير الى ما هو أقوى منها - انتهى . ونقل الخطابى فى المعالم عن ابن المنذر أنه
قال ليس هذا القول بثابت عن على. قلت: وروى البيهقى (ج ٤ ص ٩٣) من طريق شريك وشعبة وابن حزم
(ج ٦ ص ٣٨) من طريق معمر كلهم عن أبى اسحاق عن عاصم بن ضمرة عزم على قال: اذا زادت على عشرين ومائة
ففى كل خمسين حقة وفى كل أربعين ابنة لبون موافقا للروايات المشهورة عن التى تَوفية. وقال الحازمى فى
كتاب الاعتبار : (ص ١٠) الوجه الثامن عشر من الترجيحات أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه
والثانى لم يختلف فيه فيقدم الذى لم يختلف فيه ، وذلك نحو ما رواه أنس فى زكاة الابل اذا زادت على عشرين
ومائة، ففى كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة. وهو حديث مخرج فى الصحيح من رواية ثمامة عن أنس،
ورواه عن ثمامة ابنه عبد الله وحماد بن سلمة ورواه عنهما جماعة كلهم ، قد اتفقوا عليه من غير اختلاف بينهم ،
ثم ذكر الاختلاف فى رواية أبى اسحاق عن عاصم عن على ثم قال : حديث أنس لم تختلف الرواية فيه وحديث على
اختلفت الرواية فيه كما ترى، فالمصير الى حديث أنس أولى العنى الذى ذكرناه على أن كثيرا من الحفاظ أحالوا
الغلط فى حديث علىّ على عاصم واذا تقابلت حجتان فما سلم منهما من المعارض كان أولى كالبينات اذا تقابلت فان
الحكم فیھا کذلك ۔ انتهى. وقال الشافعى : بعد ذكر رواية شريك عن أبى اسماق موافقاً لحديث أنس كما قدمنا
وبهذا نقول، وهو موافق للسنة وهم يعنى بعض العراقيين لا يأخذون بهذا فيخالفون ما روى عن الني وزَّ
١٠٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ومن لم يكن معه الا أربع من الابل فليس فيها صدقة، الا أن يشاء ربها فإذا بلغت خمساً ففيها شأة .
ومن بلغت عنده من الابل صدقة الجذعة ، وليست عنده جذعة وعنده حقة، فانها تقبل منه الحقة ،
ويجعل معها
وأبى بكر وعمر والثابت عن على عندهم الى قول ابراهيم (النخعى) وشىء يغلط به عن على رضى الله عنه - انتهى.
وقد تصدى الحنفية وتمحلوا لاثبات إن رواية سفيان عن أبى اسماق عن عاصم بن ضمرة عن على مسندة مرفوعة ،
وقد رد عليهم ابن حزم فأجاد من أحب الوقوف عليه رجع الى المحلى (ج ٦ ص ٣٧ - ٣٨). واحتجوا
أيضاً بما روى الطحاوى عن خصيف عن أبى عبيدة وزياد بن أبي مريم عن ابن مسعود قال: فاذا بلغت العشرين ومائة
استقبلت الفريضة بالغنم فى كل خمسين شأة فاذا بلغت خمسا وعشرين ففرائض الابل. قال الزيلعى : واعترضه
البيهق بأنه موقوف ومنقطع بين أبى عبيدة وزياد وبين ابن مسعود قال وخصيف غير محتج به - انتهى. وأخرج
عن ابراهيم النخعى نحوه انتهى ، كلام الزيلعى. وقد ظهر بما حررنا فساد قول الحنفية وخلافهم للروايات المرفوعة
المشهورة ولأبى بكر وعمر وعلى وأنس وابن عمر وسائر الصحابة والتابعين دون أن يتعلقوابرواية صريحة صحيحة عن أحد
منهم بمثل قولهم إلا عن ابراهيم النخعى وحده هذا. وقد ذهب ابن جرير الى أنه يتخير بين الاستيناف وعدمه.
قال الخطابي فى المعالم: (ج ٢ ص ٢١) وقال محمد بن جرير الطبرى: هو مخير إن شاء إستأنف الفريضة اذا
زادت الابل على مائة وعشرين، وإن شاء أخرج الفرائض لأن الخبرين جميعاً قد رويا - انتهى. ثم رد عليه الخطابى
(ومن لم يكن معه) أى فى ملكه (إلا أربع من الابل فليس) عليه (فيها) أى فى إبله الأربع (صدقة إلا أن يشاء
ربها) أى مالكها وصاحبها أن يتبرع ويتطوع بها يعنى يخرج عنها نفلا منه والا فلا واجب عليه فهو استثناء منقطع
ذكر لدفع توهم نشأ من قوله فليس فيها صدقة، إن المنفى مطلق الصدقة لاحتمال اللفظ له وإن كان غير مقصود،
وفيه دليل على أن ما دون خمس من الابل لا زكاة فيه وهذا بالاجماع. (ومن بلغت عنده من الابل) قال القارى:
يتعين أن ((من)) زائدة على مذهب الأخفش داخلة على الفاعل أى ومن بلغت إبله (صدقة الجذعة) بالنصب والاضافة قال
الطبي: أى بلغت الابل نصا با يجب فيه الجذغة - انتهى. قال القارى: وفى نسخة يعنى من المشكاة برفع ((صدقة)) بتنوينها
ونصب ((الجذعة)) وفى نسخة بالاضافة. وقال العينى: قوله ((صدقة الجذعة)) كلام اضافى مرفوع، لأنه فاعل بلغت
(وليست عنده جذعة) أى والحال إن الجذعة ليست موجودة عنده (وعنده حقة) أى والحال إن الموجودة
عنده حقة ( فانها ) أى القصة أو الحقة أو ضمير مبهم (تقبل منه الحقة) تفسير، أى تقبل الحقة من المالك من
الزكاة، وقوله («فانها، الخ خبر المبتدأ الذى هو من بلغت (ويجعل) ضميره راجع الى من (معها) أى مع الحقة
١٠٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
شأتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما.
(شأتين) بصفة الشأة المخرجة عن خمس من الابل. قال ابن حجر: ذكرين أو أنثيين أو أنثى، وذكر من الضأن
مالها سنة، ومن المعز مالها سنتان . وقال ابن قدامة (ج ٢ ص ٥٧٨) ولا يجزىء فى الغنم المخرجة فى الزكاة إلا
الجذع من الضأن والثنى من المعز ، وكذلك شأة الجبران وأيهما أخرج أجزأه ، ولا يعتبر كونها من جنس غنمه
ولاجنس غنم البلد، لأن الشأة مطلقة فى الخبر الذى ثبت به وجوبها وليس غنمه ولا غنم الولد سببا لوجوبها، فلم يتقيد
بذلك كالشأة الواجبة فى الفدية وتكون أنثى، فان أخرج ذكرا لم يجزئه. لأن الغنم الواجبة فى نصبها إناث،
ويحتمل أن يجزئه لأن النبى صلى الله عليه وسلم. أطلق لفظ الشأة فدخل فيه الذكر والأنثى، ولأن العمأة اذا تعلقت
بالذمة دون العين أجزأ فيها الذكر كالأضحية (إن استيسرتا له) أى وجدتا فى ماشيته، يقال تيسر وإستيسر بمعنى
(أو عشرين درهما) أو يجعل عشرين درهما فضة من النقرة. قال الخطابي: فيه من الفقه أن كل واحدة من
الشأتين والعشرين الدرهم أصل فى نفسه ليست بيدل ، وذلك لأنه قد خيره بينهما بحرف أو . وقد اختلف الناس
فى ذلك فذهب إلى ظاهر الحديث ابراهيم النخعى والشافعى وأحمد وأصحاب الحديث والظاهرية وذهب
سفيان الثورى إلى ما روى عن على أنه يرد عشرة دراهم أو شأتين. قال ابن حزم (ج ٦ ص ٢٣) وروى أيضاً
عن عمر رضى الله عنه واليه ذهب أبو عبيد (ص ٣٦٨). وقال مالك: لا يعطى إلا ما وجب عليه بأن يبتاع
للساعى والسن الذى يجب له ، ولا يعطى سنا مكان سن برد شأتين أو عشرين درهما. وقال أبو حنيفة: يأخذ
قيمة السن الذى وجب عليه، وان شاء أخذ الفضل منها ورد عليه فيه دراهم، وان شاء أخذ دونها وأخذ الفضل
دراهم، ولم يعين عشرين درهما ولا غيرها جيران ما بين السنين غير مقدر عنده ولكنه يحسب الغلاء والرخص .
وحمل هذا الحديث على أن تفاوت ما بين السنين كان ذلك القدر فى تلك الأيام لا أنه تقدير شرعى ، بدليل
ما روى عن على رضى الله عنه أنه قدر جبران ما بين السنين بشأتين أو عشرة دراهم. وفيه أنه لاحجة فى قول
أحد دون رسول اللّه ◌َاللٍّ ولأنه لوقدر تفاوت ما بين السنين بشىء، أدى إلى الأضرار بالفقراء أو الاجحاف
بأرباب الأموال فالواجب هو تفاوت القيمة لا تعيين ذلك. واستدل به على جواز أداء القيم من العروض
وغيرها بدل الزكاة الواجبة وإن كان المأمور بأخذه تمكنا وأجاب الجمهور الذين لم يقولوا بجواز أداء القيم فى
الزكاة عن ذلك ، بأنه لوكان كذلك لكان ينظر إلى ما بين السنين فى القيمة ، فكان العرض يزيد تارة وينقص
أخرى لاختلاف ذلك فى الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك
هو الواجب فى الأصل فى مثل ذلك. قال الخطابي فى المعالم (ج ٢ ص ٢٢): وأصح هذه الأقاويل قول من
ذهب الى أن كل واحد من الشأتين والعشرين الدرهم أصل فى نفسه، وإنه ليس له أن يعدل عنهما الى القيمة ،
١٠٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ، ويعطيه
المصدق عشرين درهما أو شأتين. ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون، فانها
تقبل منه بنت لبون، ويعطى شأتين أو عشرين درهما. ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة
فانها تقبل منه الحقة ، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شأتين. ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست
عنده وعنده بنت مخاض، فأنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطى معها عشرين درهما أو شأتين.
ولوكان للقيمة، فيها مدخل لم يكن لنقله الفريضة الى سن فوقها وأسفل منها ولا لجبران النقصان فيهما بالعشرين
أو بالثأتين معنى قال: ويشبه أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم انما جعل الشأتين أو العشرين الدرهم تقديرا فى
جبران النقصان والزيادة بين السنين ولم يكل الأمر فى ذلك إلى اجتهاد الساعى والى تقديره. لأن الساعى أنما
يحضر الأموال على المياه، وليس بحضرته حاكم ولا مقوم يحمله، ورب المال عند اختلافها على قيمة يرتفع
بها الخلاف وتنقطع معها مادة النزاع، لجعلت فيها قيمة شرعية كالقيمة فى المصراة والجنين حسما لمادة الخلاف مع
تعذر الوصول الى حقيقة العلم بما يجب فيها عند التعديل، يعنى فضبطة بشىء يرفع الشازع كالصاع فى المصراة
والغرة فى الجنين (ومن بلغت عنده صدقة الحقة) أى وجبت الحقة عليه من أجل إن كانت الابل ستاً وأربعين
(وليست عنده) أى فى ملكه (الحقة وعنده الجذعة) الواو للحال (فانها تقبل منه الجذعة) عوضا عن الحقة،
وإن كانت الجذعة زائدة على ما يلزمه فلا يكلف تحصيل ما ليس عنده، وقوله ((الجذعة)) بدل من الضمير الذى
هو اسم ((إن)) أو فاعل ((تقبل)) فالضمير للقصة (ويعطيه المصدق) بضم الميم وتخفيف الصاد وكسر الدال
کمحدث، أخذ الصدقة وهو الساعی الذی یأخذ الزكاة ( عشرين درهما أو شأتین) کما سلف فى عكسه . قال فى
التوضيح: وعندنا إن الخيار فى الشأتين والدراهم لدافعها سواء كان المالك أو الساعى، وفى قول إن الخيرة الى الساعى
مطلقا، فعلى هذا إن كان هو المعطى راعى المصلحة للمساكين (فانها تقبل منه بنت لبون) إعرابه كما سبق (ويعطى)
أى رب المال (شأتين أو عشرين درهما) قال الطيبي: فيه دليل على أن الخيرة فى الصعود والنزول من السن الواجب
إلى المالك - انتهى. وعلل بأنهما شرعا تخفيفا له ففوض الأمر الى اختياره (ومن بلغت صدقته بنت لبون) بنصب
((بنت)» على المفعولية (ويعطيه) أى رب المال (المصدق) أى العامل (عشرين درهما أو شأتين) مقابل ما زاد
عنده (وليست عنده) أى والحال أن بنت اللبون ليست موجودة عنده (ويعطى) أى رب المال (معها) أى
مع بنت المخاض ومعها حال مما بعده لأنه صفة له تقدمت عليه (عشرين درهما) قال الطيبي: أى عشرين درهما
١١٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٠ ٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فأنها تقبل منه، ويعطيه المصدق
عشرين درهما أو شأتين. فان لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون ، فأنه يقبل منه
وليس معه شئ.
كائنا مع بنت المخاض، فلما قدم صار حالا (ومن بلغت صدقته) بالرفع (بنت مخاض) بالنصب على المفعولية
(وليست) أى بنت المخاض (عنده وعنده بنت لبون فانها تقبل منه) أى من المالك (ويعطيه المصدق) أى الساعى
(عشرين درهما أو شأتين) فيه دليل على أن جبركل مرتبة بشأتين أو عشرين درهما. وجواز النزول والصعود من الواجب
عند فقده إلى سن آخر يليه، والخيار فى الشأتين والدراهم لدافعها، سواء كان مالكا أوساعيا وفى الصعود والنزول
المالك فى الأصح (فان لم يكن) بالتذكير وفى بعض النسخ بالتأنيث (عنده) أى المالك (بنت مخاض على وجهها)
بأن فقدها حسا أو شرعا قاله القارى. قيل: أى على وجهها المفروض (فانه يقبل منه) أى بدلا من بنت مخاض وإن كان
أقل قيمة منها ولا يكلف تحصيلها (وليس معه شىء) أى لا يلزمه مع ابن لبون شىء آخر من الجبران. قال ابن الملك
تبعاً للطيى: وهذا يدل على أن فضيلة الأنوثة تجبر بفضل السن. وقال الخطابي: هذا دليل على أن ابنة المخاض مادامت
موجودة، فان أبن اللبون لا يجزىء عنها وموجب هذا الظاهر أنه يقبل منه سواء كانت قيمته قيمة ابنة مخاض أو
لم يكن، ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يجعل بدل ابنة مخاض قيمتها دون أن يؤخذ الذكران من الابل فان
سنة الزكاة قد جرت بأن لا يؤخذ فيها إلا الاناث الا ما جاء فى البقر من القبيح - انتهى . وفيه دليل على أن ابن
اللبون يجزىء عن بنت المخاض عند عدمها. وهو أمر متفق عليه لا خلاف فى ذلك عند الأئمة، حكى هذا الاجماع
جمع من الشراح كالباجى والحافظ والزرقانى وابن قدامة وابن رشد ، لكن المدار عند الحنفية على القيمة وعليه
حملوا الحديث بأن ابن اللبون كانت قيمته مساوية لقيمة بنت المخاض فى ذلك الزمان ، فعند الحنفية لا يتعين أخذ
ابن اللبون خلافا لمن عداهم من أهل العلم فانه يتعين عندهم أخذه وهو الحق والصواب . ولولم يجد واحدا منهما
لا بنت مخاض ولا ابن لبون يتعين شراء بنت مخاض ، وهو قول مالك وأحمد. والأصح عند الشافعية إن له أن
يشترى أيهما شاء. قال ابن قدامة (ج ٢ ص ٥٨٠) فى شرح قول الخرقى: ((فان لم يكن فيها ابنة مخاض
فابن لبون)) أراد إن لم يكن فى إبله ابنة مخاض أجزأه ابن لبون ولا يجزئه مع وجود ابنة مخاض، لأنه صلى الله
عليه وسلم شرط فى اخراجه عدمها فان اشتراها وأخرجها جاز وإن أراد اخراج ابن لبون بعد
شراءها لم يجز، لأنه صار فى إبله بنت مخاض. فان لم يكن فى ابله ابن لبون وأراد الشراء لزمه شراء بنت
مخاض، وهذا قول مالك. وقال الشافعى: يجزئه شراء ابن لبون لظاهر الخبر وعمومه، ولنا أنهما استويا فى
١١١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وفى صدقة الغنم
العدم فلزمته بنت مخاض كما لو استويا فى الوجود . والحديث محمول على وجوده لأن ذلك للرفق به اغناء له عن
الشراء، ومع عدمه لا يستغنى عن الشراء فكان شراء الأصل أولى على أن فى بعض الفاظ الحديث. ((فمن لم يكن
عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فانه يقبل منه وليس معه شىء )) فشرط فى قبوله وجوده وعدمها
وهذا فى حديث أبى بكر وإن لم يجد إلا ابنة مخاض معيبة فله الانتقال إلى ابن لبون لقوله فى الخبر ((فان
لم یکن عنده بنت مخاض على وجهها ، ولأن وجودها کعدمها لكونها لا يجوز اخراجها ، فأشبه الذی لا يجد إلا
ما لا يجوز الوضوء به فى انتقاله إلى التيمم. وإن وجد ابنة مخاض أعلى من صفة الواجب لم يجزه ابن لبون
لوجود بنت مخاض على وجهها، ويخير بين اخراجها وبين شراء بنت مخاض على صفة الواجب. ولا يخير بعض
الذكورية بزيادة سن فى غير هذا الموضع ولا يجزيه أن يخرج عن ابن لبون حقا ، ولا عن الحقة جذعا لعدمه.)
ولا وجودهما . وقال القاضى وابن عقيل: يجوز ذلك مع عدمهما لأنهما أعلى وأفضل فيثبت الحكم فيهما بطريق
التنبيه، ولنا أنه لاقص فيهما ولا يصح قياسهما على ابن لبون مكان بنت مخاض، لأن زيادة سن ابن لبون على بنت
مخاض يمتنع بها من صغار السباع ويرعى الشجر بنفسه ويرد الماء، ولا يوجد هذا فى الحق مع بنت لبون لأنهما
يشتركان فى هذا، فلم يبق إلا مجرد السن فلم يقابل إلا بتوجيه. وإن أخرج عن الواجب سناً أعلى من جنسه
مثل أن يخرج بنت لبون عن بنت مخاض وحقة عن بنت لبون، أو بنت مخاض ، أو أخرج عن الجذعة ابنتىلبون،
أو حقتين جاز . لا نعلم فيه خلافا ، لأنه زاد على الواجب عن جنسه ما يجزى عنه مع غيره فكان مجزئا عنه على
انفراده كما لو كانت الزيادة فى العدد. ثم ذكر حديث أبى ابن كعب فى قبوله ◌َالى: ناقة فتية سمينة عظيمة عن ابنة
مخاض حين تطوع بها صاحبها، وقوله صلى الله عليه وسلم: ذاك الذى وجب عليك فان تطوعت بخير اجزل الله
فيه وقبلناه منك، أخرجه أحمد وأبو داود. ثم قال ابن قدامة: وهكذا الحكم إذا أخرج أعلى من الواجب فى
الصفة. وإن عدم السن الواجبة والتى تليها كمن وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم الحقة أو وجبت عليه حقة
فعدمها وعدم ابنة اللبون فقال القاضى : يجوز أن ينتقل إلى السن الثالث مع الجبران فيخرج ابنة اللبون فى الصورة
الأولى ويخرج معها أربعة شياه أو أربعين درهما ، ويخرج ابنة مخاض فى الثانية ويخرج معها مثل ذلك وذكر إن
أحمد أومأ اليه وهذا قول الشافعى. وقال أبو الخطاب: لا ينتقل إلا إلى سن تلى الواجب فأما إن انتقل من حقة إلى
بنت مخاض، أو من جذعة إلى بنت لبون لم يجز، لأن النص ورد بالعدول إلى سن واحدة فيجب الاقتصار عليها
كما اقتصرنا فى أخذ الشياه عن الابل على الموضع الذى ورد به النص ، هذا قول ابن المنذر (وابن حزم) ثم
ذكر ابن قدامة وجه القول الأول (وفى صدقة الغنم) خبر مقدم والغنم بفتحتين الشاء لا واحد لها من لفظها،
١١٢
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فی سائمتها
وإنما يقال للواحدة شأة وهو اسم جنس يقع على الذكور والاناث ويعم الضان والمعز. قال ابن الهمام: سمى
به لأنه ليس له آلة الدفاع فكانت غنيمة لكل طالب والشأة تذكر وتؤنث وأصلها شاهة، لأن تصغيرها شويهة،
والجمع شياه بالهاء إلى العشر يقال ثلث شياه فإذا جاوزت العشر فبالتاء (فى سائمتها) أى راعيتها لا المعلوفة فى
الأهل ، قال القسطلانى: وفى سائمتها كما قاله فى شرح المشكاة بدل من الغنم باعادة الجار والمبدل فى حكم الطرح
فلا يجب فى مطلق الغنم شىء. وهذا أقوى فى الدلالة من أن لوقيل ابتداء فى سائمة الغنم أو فى الغنم السائمة، لأن دلالة
البدل على المقصود بالمنطوق ودلالة غيره عليه بالمفهوم ، وفى تكرار الجار أشاره إلى أن للسوم فى هذا الجنس
مدخلا قويا واصلا يقاس عليه بخلاف جنسى الابل والبقر - انتهى . والسائمة هى التى ترعى ولا تعلف فى الأهل،
والمراد السوم، لقصد الدر والنسل فلو اسيمت الابل أو البقر أو الغنم للحمل أو الركوب أو اللحم فلا زكاة فيها
وان اسيمت للتجارة ففيها زكاة التجارة، وإن كانت أقل من النصاب اذا سادت مائتى درهم والمعتبر عند أحمد
وأبى حنيفة السوم فى أكثر الحول لأن اسم السوم لا يزول بالعلف اليسير ، ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرز
عنه فاعتباره فى جميع السنة يسقط الزكاة بالكلية سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة ، فانه اذا أراد اسقاط
الزكاة يوما فأسقطها بالاسامة، ولأن الضرورة تدعو اليه فى بعض الأحيان. ولأن هذا وصف معتبر فى رفع
الكلفة فى الزرع والثمار، واعتبر الشافعى السوم فى جميع الحول فلا تجب الزكاة فيها اذا لم تكن سائمة فى جميع
السنة. وفى الحديث دليل على أن الزكاة إنما تجب فى الغنم اذا كانت سائمة، فأما المعلوفة فلا زكاة فيها، ولذلك
لا تجب الزكاة فى عوامل البقر والابل عند عامة أهل العلم ، وإن كانت سائمة، وأوجها مالك فى عوامل البقر
والابل. قال الزرقانى: لا خلاف فى وجوب زكاة السائمة، واختلف فى المعلوفة فقال مالك والليث: فيها الزكاة
رعت أم لا، لأنها سائمة فى صفتها والماشية كلها سائمة ومنعها من الرعى لا يمنع تسميتها سائمة، والحجة عموم أقواله
صلى الله عليه وسلم: فى الزكاة لم يخص سائمة من غيرها وقال سائر فقهاء الأمصار: لا زكاة فى غير السائمة منها،
وروى عن جمع من الصحابة. وقال ابن قدامة (ج٢ ص ٥٧٦) وفى ذكر السائمة احتراز من العلوفة والعوامل فإنه
لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم، وحكى عن مالك فى الابل النواضح والعلوفة الزكاة لعموم قوله {ڼ فى كل خمس
شأة ، قال أحمد: ليس فى العوامل زكاة وأهل المدينة يرون فيها الزكاة ، وليس عندهم فى هذا أصل. ولنا قول
التى مؤلفة فى كل سائمة فى كل أربعين بنت لبون فى حديث بهز بن حكيم فقيده بالسائمة، فدل على أنه لا زكاة فى
غيرها وحديثهم مطلق فيحمل على المقيد، ولأن وصف الماء معتبر فى الزكاة والمعلوفة يستغرق علفها تمامها، إلا
أن يعدها للتجارة فيكون فيها زكاة التجارة - انتهى. وقال العينى (ج ٩ ص ٢٢) وحجة من اشترط السوم كتاب
الصديق وحديث عمرو بن حزم مثله وشرط فى الابل حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا، فى كل سائمة
١١٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شأة. فإذا زادت عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شأتان. فإذا
زادت على مائتين إلى ثلاث مائة، ففيها ثلاث شياه. فاذا زادت على ثلاث مائة ففى كل مائة شأة.
من كل أربعين من الابل بنت لبون رواه أبو داود والنسائى والحاكم، وقال صحيح الإسناد. وقد ورد تقييد
السوم وهو مفهوم الصفة والمطلق يحمل على المقيد إذا كانا فى حادثة واحدة، والصفة إذا قرنت بالاسم العلم تنزل
منزل العلة لا يجاب الحكم، ثم ذكر العينى أحاديث نفى الصدقة عن العوامل. وقال الخطابى فى المعالم (ج٢ ص٢٥
فيه دليل على أن لا زكاة فى المعلوفة من الغنم، لأن الشىء إذا كان يعتوره وصفان لازمان فعلق الحكم بأحد وصفيه
كان ما عداه بخلافه وكذلك هذا فى عوامل البقر والابل قال الأمير اليمانى: البقر لم يأت فيها ذكر السوم وإنما
قاسوها على الابل والغنم (إذا كانت) أى غتم الرجل، وفى رواية إذا بلغت (شأة) مبتدأ مؤخر ((وفى صدقة
العنم)، خبره وقيل: قوله ((فى صدقة الغنم)) يتعلق بفرض أو كتب مقدراً أى فرض فى صدقتها شأة أو كتب فى
شأن صدقة الغنم هذا، وهو اذا كانت أربعين إلى آخره، وحينئذ يكون ((شأة)) خبر مبتدأ محذوف أى فزكاتها شأة،
أو بالعكس أى ففيها شأة (فإذا زادت) غنمه (على عشرين ومائة) واحدة فصاعدا ففى كتاب عمر، فإذا كانت
احدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شأتان، وقد تقدم قول الاصطخرى فى ذلك والتعقب عليه (إلى مائتين
فيها شأتان) كذا فى جميع النسخ للشكاة وفى المصابيح، وهكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول والمجد فى المنتقى
والحافظ فى البلوغ وكذا وقع عند أبى داود والنسائى وغيرهما والذى فى البخارى ((إلى مائتين شأتان)) أى
باسقاط لفظة «ففيها)) وهكذا نقله الزيلى فى نصب الراية عن البخارى، وعلى هذا فقوله ((شأتان)» مرفوع على
الخبرية أى فزكاتها شأتان أو الابتدائية أى فيها شأتان (فاذا زادت) غنمه (على مائتين) ولو واحدة (إلى ثلاث
مائة ففيها ثلاث شياء فإذا زادت) غنمه (على ثلاث مائةٌ) مائة أخرى لا دونها (ففى كل مائة شأة) ففى أربع
مائة أربع شياه وفى خمس مائة خمس وفى ست مائة ست. وهكذا قال الخطابي: قوله «فإذا زادت على ثلاث
مائة)) الخ إنما معناه أن يزيد مائة أخرى فيصير أربع مائة، وذلك لأن المائتين لما توالت اعدادها حتى بلغت
ثلاث مائة وعلقت الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة . ثم قيل : فإذا زادت عقل إن هذه الزيادة اللاحقة بها إنما هى
مائة لا ما دونها وهو قول عامة الفقهاء الثورى وأصحاب الرأى وقول الحجازيين مالك والشافعى وغيرهم . وقال
الحافظ : وهوقول الجمهور قالوا وفائدة ذكر الثلاث مائة لبيان النصاب الذى بعده لكون ما قبله مختلفا، وعن
بعض الكوفيين كالحسن بن صالح بن حى ورواية عن أحمد إذا زادت على الثلاث مائة واحدة وجبت الأربع .
انتهى. واعلم إن مسئلة نصاب الغنم من أوله إلى ثلاث مائة اجماعية حكى الاجماع عليها ابن المنذر وابن رشد وابن
قدامة والعينى وغيرهم. قال ابن قدامة: (ج ٢ ص ٥٩٧) اذا ملك أربعين من الغنم فأسامها أكثر السنة فقيهاً
١١٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
فاذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شأة واحدة، فليس فيها صدقة الا أن يشاء ربها.
ولا تخرج فى الصدقة هرمة ولا ذات عوار
شأة إلى عشرين ومائة ، فاذا زادت واحدة ففيها شأتان إلى مائتين ، فاذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه وهذا
كله مجمع عليه قاله ابن المنذر - انتهى. واختلفوا فيما زاد على ثلاث مائة قال ابن قدامة تحت قول الخرقى: «فاذا
زادت ففى كل مائة شأة شأة)، ظاهر هذا القول إن الفرض لا يتغير بعد المائتين وواحدة حتى يبلغ أربع مائة
فيجب فى كل مائة شأة ويكون الوقص ما بين المائتين وواحدة إلى أربع مائة وذلك مائة وتسعة وتسعون وهذا
احدى الروايتين عن أحمد وقول أكثر الفقهاء. وعن أحمد رواية أخرى، إنها اذا زادت على ثلاث مائة واحدة
ففيها أربع شياه ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمس مائة فيكون فى كل مائة شأة ، ويكون الوقص الكبير بين ثلاث
مائة وواحدة إلى خمس مائة وهو أيضا مائة وتسعة وتسعون وهذا اختيار أبى بكر. وحكى عن النخعى والحسن
ابن صالح لأن النبي ◌َّ جعل الثلاث مائة حداً للوقص وغاية له، فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين ، ولنا
قول النبي ◌َّه ((فإذا زادت ففى كل مائة شأة، وهذا يقتضى أن لا يجب فى دون المائة شتى وفى كتاب الصدقات
الذى كان عند آل عمر بن الخطاب، فإذا زادت على ثلاث مائة واحدة فليس أخرج معناه أبو عبيد (ص ٣٨٦)
وابن أبى شيبة فيها شىء حتى تبلغ أربع مائة شأة ففيها أربع شياه، وهذا نص لا يجوز خلافه إلا بمثله أو أقوى
منه وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة لا للغاية - انتهى. (فإذا كانت سائمة الرجل) وكذا المرأة (ناقصة) خبر
(( كانت)) (من أربعين شأة) تمييز (واحدة) بالنصب على نزع الخافض أى بواحدة، أو على أنه مفعول ناقصة أى
اذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين فلا زكاة عليه فيها وبطريق الأولى اذا نقصت زائدا على ذلك
ويحتمل أن يكون شأة مفعول ناقصة وواحدة وصف لها والتمييز محذوف للدلالة عليه وروى بشأة واحدة بالجر
(فليس فيها) أى فى الناقصة عن الأربعين (صدقة) واجبة (إلا أن يشاء ربها) أن يتطوع ويخرج الصدقة نفلا
كما سلف (ولا تخرج) على بناء المجهول وفى رواية لا يؤخذ (فى الصدقة) المفروضة أى الزكاة (هرمة) بفتح
الهاء وكسر الراء أى كبيرة سقطت أسنانها. وقال الجزرى: الكبيرة ، الطاعنة فى السن، وقال التور بشتى: أراد
التى قال منها كبر السن وأضربها (ولا ذات عوار) بفتح العين المهملة وبضمها أى معيبة وقيل: بالفتح العيب،
وبالضم العور فى العين، واختلف فى ضبطها فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد فى البيع، وقيل: ما يمنع الاجزاء فى
الأضحية ويدخل فى المعيب المريض والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة والصغير سنا بالنسبة إلى سن أكبر منه كذا
فى الفتح. وقال الجزرى: بفتح العين ويضم أى صاحبة عيب ونقص . قال ابن حجر: فهو من عطف العام على
الخاص اذا العيب يشمل المرض والهرم وغيرهما . قال ابن الملك: هذا إذا كان كل ماله أو بعضه سليما فان كان
١١٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ولا تيس، الا ما شاء المصدق.
كله معييا فانه يأخذ واحدا من وسطه (ولا تيس) وفى رواية ولا تيس الغنم وهو بفتح التاء الفوقية وسكون
التحتية بعدها سين مهملة أى مخل الغنم المعد لضرابها قال فى القاموس: هو الذكر من الظباء والمعز والوعول أو إذا
أتى عليه سنة. وقال الباجى: التيس الذكر من المعز وهو الذى لم يبلغ حد الفحولة فلا منفعة فيه لضراب ولا لدر
ولا نسل وبنحوه فسره الامام مالك كما فى المدونة قال العينى: معناه إذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثاً لا يؤخذ
منه الذكر إنما تؤخذ الأنثى إلا فى موضعين وردت بهما السنة. أحدهما: أخذ التبيع من ثلاثين من البقر. والآخر:
أخذ ابن اللبون من خمس وعشرين من الابل بدل بنت مخاض عند عدمها، وأما إذا كانت ماشيته كلها ذكورا
فيؤخذ الذكر. وقال الخطابى: إنما لا يؤخذ التيس لأنه مرغوب عنه لنتنه وفساد لحمه. وقيل : لأنه ربما يقصد به
المالك منه الفحولة فيتضرر باخراجه (إلا أن يشاء المصدق) اختلف فى ضبطه ومصداقه ، فقيل : المراد به رب
الماشية لا الساعى ، وعلى هذا هو إما بتخفيف الصاد وفتح الدال المشددة ، وهذا اختيار أبى عبيد أى الذى أخذت
صدقة ماله، أو بتشديد الصاد والدال معا وكسر الدال، وأصله المتصدق فادغمت التاء بعد قلبها فى الصاد . قال
تعالى: ﴿ إن المصدقين والمصدقات - الحديد: ١٨) أو بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة اسم فاعل من
قوله تعالى: ﴿ فلا صدق ولا صلى - القيامة: ٣١) قال الراغب: يقال صدق وتصدق وتقدير الحديث لاتؤخذ
هرمة ولا ذات عيب أصلا ولا يؤخذ التيس إلا برضاك المالك لكونه يحتاج اليه ففى أخذه بغير اختياره أضرار
به وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث وهو التيس. وقيل: المراد به الساعى وعلى هذا هو بتخفيف الصاد
وكسر الدال المشددة لا غير، وهذا هو المشهور فى ضبطها وهو قول جمهور المحدثين وعامة الرواة
كما قال الخطابي: أى العامل الذى يستوفى الزكاة من أربابها. قال فى القاموس: المصدق كمحدث آخذ الصدقات
- انتهى. والاستثناء متعلق بالأقسام الثلاث ففيه اشارة الى التفويض الى اجتهاد العامل لكونه كالوكيل
للفقراء فيفعل ما يرى فيه المصلحة، والمعنى لا تخرج كبيرة السن ولا المعيبة ولا التيس، إلا أن يرى العامل إن
ذلك أفضل المساكين فيأخذه نظراً لهم. قال الحافظ: وهذا أشبه بقاعدة الشافعى فى تناول الاستثناء جميع ما ذكر
قبله فلو كانت الغنم كلها معيبة او تيوساً اجزأه أن يخرج منها، وعن المالكية، يلزم المالك أن يشترى شأة مجزئه
تمسكا بظاهر هذا الحديث، وفى رواية أخرى عندهم كالأول - انتهى. وقيل. الاستثناء مخصوص بما اذا كانت
المواشى كلها معيبة أو تيوساً . قال ابن قدامة: (ج ٢ ص ٥٩٨) وعلى هذا أى ضبط المصدق بكسر الدال
بمعنى العامل لا يأخذ المصدق وهو الساعى أحد هذه الثلاثة إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنسه،
فيكون له أن يأخذ من جفس المال فيأخذ هرمة من الهرمات، وذات عوار من أمثالها وتيا من التيوس - أنتهى.
وهذا كله اذا كان الاستثناء متصلا. قال الطيبي: ويحتمل أن يكون منقطعما، والمعنى لا يخرج المزكى الناقص
١١٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة
والمعيب لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم والكامل (لا يجمع) بضم أوله وفتح ثالثه، أى لا يجمع المالك
والمصدق (بين متفرق) بتقديم التاء على الفاء من التفرق وفى رواية مفترق بتقديم الفاء على النساء من الافتراق
(ولا يفرق) بضم أوله وفتح ثالثه مشدد، أو يخفف أى لا يفرق المالك والمصدق (بين مجتمع) بكسر الميم الثانية
(خشية) منصوب على أنه مفعول لأجله متعلق بالفعلين على التنازع. ويحتمل أن يتعلق بفعل مقدر يعم الفعلين أى
لا يفعل شيئاً من ذلك خشية الصدقة، فيحصل المراد من غير تنازع (الصدقة) أى خشية وجوب الصدقة أو
"كئزتها هذا إن رجع إلى المالك وخشية سقوط الصدقة، أو قلتها إن رجع الى المصدق فالنهى المالك والساعى
كليهما. والخشية خديتان: خشبة المالك أن يحب الصدقة أو تكثر، وخشية الساعى أن تسقط الصدقة أو تقل، وهذا
إنما يقع فى زكاة الخلطاء. قال الخطابي: قال الشافعى: الخطاب فى هذا الصدق ولرب المال معاً ، وقال ابن رشد فى
مقدماته : ذهب الشافعى الى أن النهى فيه إنما هو للسعاة، وذهب مالك الى أن النهى إنما هو لأرباب المواشى
والصواب على عمومه لهما جميعا لا يجوز للساعى أن يجمع غنم رجلين أن لم يكونا خليطين على الخلطة ليأخذ أكثر
من الواجب له، ولا أن يفرق غنم الخليطين فيزكيهما على الانفراد لياخذ أكثر من الواجب له . وكذلك أرباب
الماشية لا يجوز لهم إذا لم يكونوا خلطاء أن يقولوا نحن خلطاء ليؤدوا على الخلطة أقل مما يجب عليهم فى الإنفراد ،
ولا يجوز لهم اذا كانوا خلطاء أن ينكروا الخلطة ليؤدوا على الانفراد أقل مما يجب عليهم على الخلطة. وأما
أبو حنيفة الذى لا يقول بالخلطة له (أى مخلطة الجوار) فيقول: المعنى فى ذلك أنه لا يجوز المساعى أن يجمع
ملك الرجلين فيزكيهما على ملك واحد مثل أن يكون للرجلين أربعون شأة فيما بينهما ، ولا أن يفرق بملك الرجل
الواحد فيزكيه على إملاك متفرقة مثل أن يكون له مائة وعشرون فلا يجوز له أن يجعلها ثلاثة أجزاء - انتهى.
قلت : ومثال جمع المالك بين المتفرق خشية كثرة الصدقة أى لتقليلها رجل ملك أربعين شأة جمعها وخلطها بأربعين
لغيره عند حضور المصدق فراراً عن لزوم الشأة الى نصفها ، اذ عند الجمع والخلط يؤخذ من كل المال شأة واحدة
فنهى عن ذلك. ومثال تفريق المالك خشية وجوب الصدقة ، أى لاسقاطها رجل كان له عشرون شأة مخلوطة بمثلها
لغيره ففرقها لئلايكون نصابا فلا يجب شىء ومثال تفريقه أيضا خشية كثرتها رجل يكون له مائة شأة وشأة مخلوطة بمثلها
لغيره فيكون عليهما عند الاجتماع والخلط ثلاثة شياه، ففرقا مالهما لتقل الصدقة ويكون على كل واحد شأة واحدة فقط. ومثال
جمع المصدق خشبة سقوط الصدقة أى لايجابها أو خشية قلتها أى لتكثيرها، رجلان كان لهما أربعون شأة متفرقة ،
نجمعها وخلطها المصدق ليجب فيها الزكاة ويأخذ شأة، أو كان لكل واحد منهما مائة وعشرون، جمع بينهما ابصير
الواجب ثلاثة شياه. ومثال تفريق المصدق خشية قلة الصدقة، أى لتكثيرها ثلاثة خاطاء فى مائة وعشرين شأة وواجبها
عليهم شأة، فقرتها الساعى أربعين أربعين ليكون فيها، ثلاث شياه. والحاصل: إن الخاط فى الجوار عند الجمهور
١١٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
وما كان من خليطين، فانهما يتراجعان بينما بالسوية،
مؤثر فى زيادة الصدقة ونقصانها حاطة الشيوع، لكن لا ينبغى لأرباب الأموال أن يفعلوا ذلك فراراً عن زيادة
الصدقة ولا السعاة أن يفعلوا ذلك لوجوب الصدقة أو زيادتها، وأما عند أبى حنيفة لا أثر للخلطة ، فمعنى الحديث
عنده على ظاهر النفى على أن النفى راجع الى القيد. وحاصله ففى الخلط لنفى الأثر أى لا أثر للخلطة والتفريق فى
تقليل الزكاة وتكثيرها ، أى لا يفعل شىء من ذلك خشية الصدقة اذ لا أثر له فى الصدقة فيكون ذلك لغواً عبثاً لا
فائدة فيه كذا قرره السندى. ولا يخفى ما فيه من التكلف بل من اهمال الحديث ، وحمله عامة الحنفية كالكاسانى فى
البدائع وابن الهمام فى فتح القدير وغيرهما على خلطة الشيوع كما حملوا عليها قوله ((وما كان من خليطين الخ. قالوا:
والمراد الجمع والتفريق فى الملك لا فى المكان، والخشية خشيتان: خشية الساعى ، وخشية المالك، وكذا النهى نهيان
النهى المساعى. عن جمع المتفرق، وعن تفريق المجتمع، والنهى المالك عن جمع المتفرق، وعن تفريق المجتمع، مثال
الأول: كمس من الابل بين اثنين أو ثلاثين من البقر أو أربعين من الغتم حال عليها الحول، وأراد الساعى أن
يأخذ منها الصدقة ويجمع بين الملكين، ويجعلهما كملك واحد خشية فوت الصدقة، أى يعدهما كملك رجل واحد
لأخذ الصدقة فليس له ذلك. ومثال الثانى: كرجل له ثمانون من الغنم فى مرعتين مختلفتين أنه يجب عليه شأة واحدة
ولو أراد الساعى أن يفرق المجتمع خشية قلة الصدقة كانها لرجلين ، فيأخذ منها شأتين ليس له ذلك، لأن الملك
مجتمع فلا يملك الساعى تفريقة لتكثير الصدقد ومثال الثالث: كثمانين من الغنم بين اثنين حال عليها الحول ، أنه
يجب فيها شأتان على كل واحد منهما شأة ، ولو أرادا أن يجمع بين الملكين فيجعلاهما ملكا واحدا خشية كثرة
الصدقة، أى لتقليلها، فيعطى الساعى شأة واحدة ليس لهما ذلك لتفرق ملكيهما فلا يملكان الجمع فى الملك لأجل
تقليل الزكاة. ومثال الرابع: كرجل ، له أربعون من الغنم فى مرعتين مختلفتين تجب عليه الزكاة لأن اللك مجتمع
فلا يجعلها كالمتفرقين فى الملك، أى كأنها فى ملك رجلين خشية وجوب الصدقة أى لاسقاطها. قلت: حمله
على خلطة الشيوع وعلى الجمع والتفريق فى الملك بعيد جداً، فان المتبادر من لفظ الجمع والتفريق هو ما كان
فى المكان أى بالمخالطة لا فى الملك ، فإنه لا يعبر عن جعل الملكين كملك واحد أو جعل الملك الواحد كملكين بالجمع
بين المتفرق أو بالتفريق بين المجتمع. وقد اعترف بذلك صاحب فيض البارى حيث قال: وقع فى الحنفية بحمله
على خلطة الشيوع فى بعد من الفاظ الحديث فان الجمع والتفريق لا يتبادر منه إلا ما كان بحسب المكان ولا يأتى
هذا التعبير فى الجمع والتفريق ملكا، ثم حمله على خلطة الجوار كما فعل السندى (وما كان من خليطين فانهما يتراجعان
بينهما بالسوية) ما، هنا تامة نكرة متضمنة معنى حرف الاستفهام، ومعناها أى شىء كان من خليطين فانهما يترادان
الفصل بينهما بالسوية على قدر عدد أموالهما كما سيأتى توضيحه. واعلم أن الخلطة بضم الخاء على نوعين: خلطة
اشتراك، وخلطة جوار، وقد يعبر عن الأول بخلطة الأعيان وخلطة الشيوع، وعن الثانى بخلطة الأوصاف:
١١٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
والمراد بالأول أن لا يتميز أصيب أحد الرجلين أو الرجال عن نصيب غيره ، كما شية ورثها قوم أو ابتاءوها معاً.
وبالثانى أن يكون مال كل واحد معينا متميزاً، واختلف فى المراد بالخليط فى هذا الحديث فذهب أبو حنيفة
إلى أنه الشريك، لأن الخليطين فى اللغة العربية هما الشريكان اللذان اختلط ما لهما ولم يتميز كالخليطين من النبيذ ،
وما لم يختلط مع غيره فليسا بخليطين، وإذا تميز مال كل واحد منهما من مال الآخر فلا خلطة وذهب
الجمهور: إلى أن المراد بالخليط المخالط و«وأعم من الشريك، وحكم الخليطين عندهم إن تصدق ماشيتهما كأنهما على
رجل واحد، والخلطة عندهم أن يجتمعا فى المسرح والمبيت والحوض والفحل. واعترض على أبى حنيفة بأن
الشريك لايعرف عين ماله وقد قال : إنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون
شريكا قوله تعالى: ﴿ وإن كثيرامن الخلطاء - ص: ٢٤ ) وقد بينه قبل ذلك بقوله (إن هذا أخى له تسع وتسعون
نعجة ولى نعجة واحدة - ص : ٢٣﴾ واختلف أيضا فى أن الخلطة مؤثرة فى الزكاة أم لا، فذهب الجمهور إلى كونها
مؤثرة . وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة سواء كانت خلطة شيوع واشتراك فى الأعيان أو خلطة أوصاف وجوار
فى المكان فلا يجب على أحد الشريكين أو الشركاء إلا مثل الذى كان يحب عليه لو لم يكن خلط . وتعقبه
ابن جرير: بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها فى الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهى عن أمر لو فعله كانت
فيه فائدة قبل النهى. ولو كان كما قال: لما كان لتراجع الخليطين بينهما بالسوية معنى. واعتذر بعضهم عن
الحنفية بأن الأصل قوله صلى الله عليه وسلم. ليس فيما دون خمس ذود صدقة وحكم الخلطة يغير هذا الأصل
فلم يقولوا به. ورد بأن ذلك مع الانفراد وعدم الخلطة ، لا إذا انضم ما دون الخمس إلى عدد الخليط يكون
به الجميع نصابا، فإنه يجب تزكية الجميع لهذا الحديث وما ورد فى معناه ولا بد من الجمع بهذا. قال ابن قدامة
(ج ٢ ص ٦٠٧) إن الخلطة فى السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد فى الزكاة سواء كانت خلطة
أعيان، وهى أن تكون المشتركة بينهما لكل واحد منهما، منها نصيب مشاع أن يرثا نصابا أو يشترياه أو يوهب
لهما فيبقياه بحاله أو خلطة أو صاف وهى أن يكون مال كل واحد منهما مميزا ، خلطاه واشتركا فى الأوصاف التى
نذكرها (يعنى المسرح والمبيت والمحلب والمشرب والفحل) وسواء تساويا فى الشركة أو اختلفا مثل أن يكون لرجل شاة
ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلا أربعون شاة لكل واحد منهم شأة نص عليهما أحمد. وهذا قول عطاء
(كمافى البيهقى) والأوزاعى والشافعى والليث وإسحاق. وقال مالك: إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد من الشركاء
نصاب، وحكى ذلك عن الثورى وأبى ثور واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا أثر لها بحال لأن ملك كل
وأحد دون النصاب فلم يجب عليه زكاة كما لولم يختلط بغيره، ولأبى حنيفة فيما اذا اختلطا فى نصابين، ان كل واحد
١١٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
منهما يملك أربعين من الغنم فوجبت عليه لقوله عليه السلام فى أربعين شاة شاة. ولنا ما روى البخارى فى حديث
أنس لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع وما كان من خليطين الخ. ولا يجرى التراجع إلا على قولنا فى خلطة
الأوصاف وقوله ((لا يجمع بين متفرق)) إنما يكون هذا اذا كان لجماعة فان الواحد يضم ماله بعضه إلى بعض
وأن كان فى أماكن ، وهذا لا يفرق بين مجتمع. ولأن للخلطة تاثيراً فى تخفيف المؤنة بجاز أن تؤثر فى الزكاة كالسوم
والسفى وقياسهم مع مخالفة النص غير مسموع - انتهى. وقال ابن رشد فى البداية: (ج ١ ص ٢٣٧) أكثر
الفقهاء إن للخلطة تأثيرا فى قدر الواجب من الزكاة ، واختلف القائلون بذلك هل لها تاثير فى قدر النصاب أم لا.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا للخلطة تاثيرا، لا فى قدر الواجب ولا فى قدر النصاب. وتفسير ذلك إن مالكا
والشافعى وأكثر فقهاء الأمصار اتفقوا على أن الخلطاء يزكون زكاة المالك الواحد. واختلفوا من ذلك فى
موضعين: أحدهما : فى نصاب الخلطاء هل يعد نصاب مالك واحد سواء لكل واحد منهم نصاب أو لم يكن ، أم
إنما يزكون زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهم نصاب. والثانى: فى صفة الخلطة التى لها تاثير فى ذلك
وأما اختلافهم أولا فى، هل للخلطة تأثير فى النصاب وفى الواجب، أوليس لها تأثير، فسبب اختلافهم اختلافهم
فى مفهوم ما ثبت فى كتاب الصدقة من قوله عليه الصلاة والسلام. لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية
الصدقة وما كان من خليطين فانهما يتراجعان بالسوية ، فان كل واحد من الفريقين أنزل مفهوم هذا الحديث على
اعتقاده، وذلك إن الذين رأوا للخلطة تأثيرا، إما فى النصاب والقدر الواجب، أو فى القدر الواجب فقط.
قالوا: إن قوله عليه الصلاة والسلام ((وما كان من خليطين)) الخ وقوله ((لا يجمع بين متفرق)) الخ يدل دلالة واضحة
إن ملك الخليطين كملك رجل واحد فان هذا الأثر مخصص لقوله عليه الصلاة والسلام (( ليس فيما دون خمس ذود
من الابل صدقة)) إما فى الزكاة عند مالك وأصحابه أعنى فى قدر الواجب وإما فى الزكاة والنصاب معا عند الشافعى
وأصحابه. وأما الذين لم يقولوا بالخلطة فقالوا: إن الشريكين قد يقال لها خليطان، ويحتمل أن يكون قوله عليه
الصلاة والسلام. (( لا يجمع بين متفرق)) الخ إنما هو نهى للسعاة أن يقسم ملك الرجل الواحدة قسمة توجب عليه
كثرة الصدقة أو يجمع ملك رجل واحد إلى ملك رجل آخر حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة. قالوا: وإذا كان
هذا الاحتمال فى هذا الحديث وجب إلا تخصص به الأصول الثابتة المجمع عليها أعنى أن النصاب والحق الواجب
فى الزكاة يعتبر بملك الرجل الواحد، وأما الذين قالوا بالخلطة فقالوا: إن لفظ الخلطة هو أظهر فى الخلطة نفسها
منه فى الشركة. وإذا كان ذلك كذلك فقوله عليه الصلاة والسلام (( فيهما أنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ما يدل
على أن الحق الواجب عليهما حكمه حكم رجل واحد. وعلى إن الخليطين ليسا بشريكين، لأن الشريكين ليس
يتصور بينهما تراجع، إذ المأخوذ هو من مال الشركة، فمن اقتصر على هذا المفهوم ولم يقس عليه النصاب . قال :
الخليطان إنما يزكيان زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهما نصاب، ومن جعل حكم النصاب تابعا لحكم
١٢٠